Полный текст (1 296 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
أدلة القائلين بتفضيل الملائكة وردود مخالفيهم عليها
قوله: [ومما استدل به على تفضيل الملائكة] بدأ يقلب به المسألة في الاستدلال، حيث بدأ يستدل للفريق الآخر الذي يقول بتفضيل الملائكة على البشر، ومن هنا يكون قوله: (أجاب الآخرون) مراداً به الأولون الذين قالوا بتفضيل بعض البشر على الملائكة، خاصة الأنبياء.
قال رحمه الله تعالى: [أجاب الآخرون بأجوبة، أحسنها -أو من أحسنها-: أنه لا نزاع في فضل قوة الملك وقدرته وشدته وعظم خلقه، وفي العبودية خضوع وذل وانقياد، وعيسى ﵇ لا يستنكف عنها ولا من هو أقدر منه وأقوى وأعظم خلقاً، ولا يلزم من مثل هذا التركيب الأفضلية المطلقة من كل وجه.
ومنه قوله].
أي: من أدلة الذين قالوا بأفضلية الملائكة.
قال رحمه الله تعالى: [ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود:٣١]، ومثل هذا يقال بمعنى: إني لو قلت ذلك لادعيت فوق منزلتي، ولست ممن يدعي ذلك.
أجاب الآخرون: بأن الكفار كانوا قد قالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧]، فأمر أن يقول لهم: إني بشر مثلكم أحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر من الاكتساب والأكل والشرب، لست من الملائكة الذين لم يجعل الله لهم حاجة إلى الطعام والشراب، فلا يلزم حينئذ الأفضلية المطلقة.
ومنه ما روى مسلم بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، ومعلوم أن قوة البشر لا تداني قوة الملك ولا تقاربها.
قال الآخرون: الظاهر أن المراد المؤمن من البشر- والله أعلم - فلا تدخل الملائكة في هذا العموم.
ومنه ما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال فيما يروي عن ربه قال: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) الحديث، وهذا نص في الأفضلية.
قال الآخرون: يحتمل أن يكون المراد (خيراً منه) للمذكور لا الخيرية المطلقة.
ومنه ما رواه ابن خزيمة بسنده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا أنا جالس إذ جاء جبرائيل فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة مثل وكري الطير، فقعد في إحداهما وقعدت في الأخرى، فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلب بصري، ولو شئت أن أمس السماء مسيت، فنظرت إلى جبرائيل كأنه حلس لاطئ، فعرفت فضل علمه بالله علي).
قال الآخرون: في سنده مقال؛ فلا نسلم الاحتجاج به إلا بعد ثبوته.
وحاصل الكلام: أن هذه المسألة من فضول المسائل، ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول، وتوقف أبو حنيفة ﵀ في الجواب عنها كما تقدم، والله أعلم بالصواب].
هذه المسألة: تكلم عنها بعض أهل العلم، وممن أفاض فيها شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع، ومن المواضع التي فصلت فيها في المجلد الرابع من الفتاوى، ومع ذلك لم يجزم شيخ الإسلام بقول، ولم يجزم برأي، وإن كان بين بعض الآراء الغريبة والشاذة، وبين بعض الآراء التي قد تقتضيها ظواهر الأدلة، لكنه لم يجزم بشيء.
إذاً: فالخلاصة في هذا الكلام أنه لا طائل تحته وليس من أمور الاعتقاد، لا سيما أنه لم يرد فيه نص قاطع من ناحية، ومن ناحية أخرى أن ما ورد من نصوص إنما تتعلق بأفراد من الفريقين من البشر أو من الملائكة، أما جملتهم فلم يرد فيها نصوص قاطعة، والله أعلم.
стр. 737
الإيمان بالأنبياء والمرسلين
قال رحمه الله تعالى: [وأما الأنبياء والمرسلون فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من رسله، والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسلاً سواهم وأنبياء لا يعلم أسماءهم وعددهم إلا الله تعالى الذي أرسلهم.
فعلينا الإيمان بهم جملة؛ لأنه لم يأت في عددهم نص، وقد قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨]].
الإيمان الإجمالي معناه أنه لابد لكل مسلم من أن يؤمن بأن الله أرسل أنبياء ورسلاً، وأن عددهم كثير، وأن الله أرسل في كل أمة رسولاً، وأقام الحجة إما برسول، وإما بدين جاء به هذا الرسول حتى لو لم يكن حياً بين ظهراني أمته، بمعنى أن إرسال الرسول لا يعني: أن يكون حياً بين أمته، بل قد تبقى رسالته وتبقى شريعته ويكون هذا بمثابة إقامة حجة، وقوله : ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤] قال بعض أهل العلم: إن المقصود به: النبي والرسول، وبعضهم قال: المقصود به النبي والرسول أو من يحمل الرسالة الباقية التي لم تغير ولم تحرف من المنذرين والمصلحين، وهذا الاستدلال الثاني لا ينافي الأول، وهو الذي يدل عليه واقع الأمم والبشر؛ فإن هناك من الأمم من بقيت فيهم شرائع الأنبياء حتى بعد موتهم، فإن شريعة موسى بقيت بعده حجة على قومه وعلى البشر الذين سمعوا برسالته.
وكذلك النبي ﷺ ، وإن كانت رسالته لا تخضع للقاعدة؛ لأن الله جعل له عموم الرسالة من ناحية؛ ولأن الله أبقى دينه محفوظاً إلى قيام الساعة، لكن مع ذلك فإنه بعد موته بقيت رسالته حجة، وما جاء به حجة.
إذاً: لابد من الإيمان بأن الله أقام الحجة بالرسل على جميع البشر وجميع الأمم، وبأنه ذكر طائفة من هؤلاء الأنبياء والرسل ولم يذكر غيرهم وهو تعالى أعلم بهم، وقد ورد في ذلك حديث حسنه كثير من أهل العلم، وقال بعضهم بأنه يصل إلى درجة الصحيح لغيره، وهو حديث أبي ذر وأبي أمامة الذي فيه ذكر عدد الأنبياء وعدد الرسل، فهذا الحديث إن صح وجب اعتقاد ما ورد فيه من عدد النبيين وعدد المرسلين، ففيه أن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن عدد النبيين فذكر أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وسأله عن عدد المرسلين فقال له بأنهم ثلاثمائة وبضعة عشر، وفي بعض الروايات: ثلاثة عشر، وبعضها: خمسة عشر، وإذا ثبت هذا الحديث فإنه نص على عدد النبيين والمرسلين، فيدخل في باب الإيمان بالأنبياء والرسل على جهة الإجمال، أما على جهة التفصيل فالمقصود: أنه لابد لكل مسلم من أن يؤمن ويجزم ويصدق بكل نبي ورد ذكره في كتاب الله أو صح ذكره عن رسول الله ﷺ ، أو ورد وصفه ولو لم يرد ذكره، فلابد من الإيمان به من خلال وصفه.
стр. 738
بيان معنى الإيمان بالرسل عامة وبمحمد ﷺ وما أنزل عليه خاصة
قال رحمه الله تعالى: [وعلينا الإيمان بأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به، وأنهم بينوه بياناً لا يسع أحداً ممن أرسلوا إليه جهله ولا يحل خلافه، قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل:٨١ - ٨٢]، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن:١٢].
وأما أولو العزم من الرسل فقد قيل فيهم أقوال، أحسنها: ما نقله البغوي وغيره عن ابن عباس ﵄ وقتادة أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، قال: وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧]، وفي قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣].
وأما الإيمان بمحمد ﷺ فتصديقه واتباع ما جاء به من الشرائع إجمالاً وتفصيلا.
وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين فنؤمن بما سمى الله تعالى منها في كتابه من التوراة والإنجيل والزبور، ونؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتباً أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى].
ويضاف إلى ما ذكر في القرآن الكريم صحف إبراهيم وموسى ﵉.
قال رحمه لله تعالى: [وأما الإيمان بالقرآن فالإقرار به واتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب، فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله أتتهم من عند الله، وأنها حق وهدى ونور وبيان وشفاء، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة:١٣٦] إلى قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:١٣٦]، وقال: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢]، إلى قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران:٤]، وقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تكلم بها وأنها نزلت من عنده، وفي ذلك إثبات صفة الكلام والعلو.
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:٢١٣]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤١ - ٤٢]، وقال: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ:٦]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤]، وقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ [التغابن:٨]، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن].
стр. 739
الأسئلة
стр. 740
توجيه لمن يسأل عن المفاضلة بين الملائكة والبشر
السؤال
قد نسأل عن مسألة المفاضلة بين الملائكة والبشر، فهل نجيب بما هو موجود في كتاب شرح العقيدة الطحاوية كما قرأنا، أم نصرف الناس عن الجواب في هذه المسألة؟
الجواب
الأولى صرف الناس عن هذه المسألة بإقناع، بأن يقال: هذه المسألة ما تعبدنا بها، وهي أمور غيبية وليس فيها نص قاطع، وينبغي للمسلم أن لا يسأل عن أمور لا يحاسب عليها يوم القيامة، ولا يحتاج في ذلك إلى كثير كلام.
стр. 741
الدليل على إنزال الله تعالى الكتب على رسله
السؤال
ما الدليل على أن الله تعالى أنزل كتباً؟
الجواب
لله تعالى كتب أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى كما قال الشارح، وهذا يفهم من عموم النصوص، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 742
شرح العقيدة الطحاوية [٦٥]
من الأصول المقررة في باب الأسماء والصفات أن لا يخوض الإنسان في الله ولا يماري في دين الله ولا يجادل في القرآن بأن يلقي الشبهات حوله أو يشكك فيه؛ لأنها تؤدي إلى الطعن في القرآن وبالتالي الكلام فيمن أنزل القرآن وتكلم به، والواجب في هذا كله هو الوقوف عند النصوص والامتثال التام لكل أمر ونهي، والابتعاد عن المجادلة والمخاصمة والمراء.
стр. 743
الحكم بإسلام أهل القبلة المصدقين بما قاله رسول الله ﷺ وأخبر به
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين): قال رسول الله ﷺ : (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا).
ويشير الشيخ ﵀ بهذا الكلام إلى أن الإسلام والإيمان واحد، وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب ما لم يستحله، والمراد بقوله: (أهل قبلتنا) من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل الأهواء أو من أهل المعاصي، ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول ﷺ ، وسيأتي الكلام على هذين المعنيين عند قول الشيخ: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله)، وعند قوله: (والإسلام والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء)].
هذا على قول مرجئة الفقهاء، وهو أن الإيمان هو التصديق والقول فقط.
стр. 744
منهج السلف في ترك الخوض في الله بغير ما ورد في النصوص
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا نخوض في الله ولا نماري في دين الله).
يشير الشيخ رحمه الله تعالى إلى الكف عن كلام المتكلمين الباطل وذم علمهم، فإنهم يتكلمون في الإله بغير علم وغير سلطان أتاهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:٢٣]].
وهنا يؤكد قاعدة معلومة عند السلف، وهي أنه لا يجوز الخوض في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بأكثر مما ورد في الكتاب والسنة، لكن قد يكون من القول الجائز رد بعض مفردات النصوص إلى قواعد الأسماء والصفات، فهذا أمر جائز؛ لأنه يحتاج إليه الناس بعد وجود الأهواء وعدم وجود التعطيل والتشبيه والتمثيل، فإن السلف قد يتكلمون أحياناً ببعض الفروع التي ترجع إلى أصول تقررت في الكتاب والسنة، فمثلاً: قد يرجعون إثبات الصفات الواردة في الكتاب والسنة التي خاض فيها الخائضون إلى مثل قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فهذا أمر طبيعي لا يعد من الخوض، فرد آيات الله بعضها إلى بعض، وتفسير آيات الله بعضها ببعض، وتفسير الآيات بالأحاديث والأحاديث بالآيات أمر لا يعد من الخوض، إلا إذا وصل إلى درجة المراء والتكلف.
فالكلام في أسماء الله وصفاته وأفعاله وفي ذاته سبحانه بأكثر مما ورد في النصوص لا يجوز، بل هو من أشد المحرمات وأعظمها ومن أعظم الآثام، وما يضطر إليه بعض السلف من الكلام عن شبهات القوم من أهل الكلام أمر لا يعد قاعدة، إنما هو شذوذ عن القاعدة باستثناء اقتضته بالضرورة، وبعض طلاب العلم قد يستبيح لنفسه أن يقرأ كتب أهل الكلام ويتكلم أو يخوض في بعض ما خاض فيه أهل الكلام، بدعوى أنه يريد الاطلاع، فنقول: هذا لا يجوز، بل هو إثم بحد ذاته، حتى وإن اعتقد أنه يضمن سلامة عقيدته.
فمجرد الاطلاع على كتب أهل الكلام لغير ضرورة يقدرها أهل العلم ولغير حاجة يعد من أعظم الآثام وأعظم الكبائر؛ لأنها تؤدي إلى الخوض في ذات الله وأسمائه وصفاته بأكثر مما ورد في الكتاب والسنة، وإلى القول على الله بغير علم، وقد يقول قائل: أنا أقرأ ولا أعتقد ما أقرأ، فنقول: حتى مجرد قراءتك لما خاض به الخائضون هي بحد ذاتها إثم؛ فالنبي ﷺ لما رأى مع عمر بن الخطاب صحيفة من التوراة نهاه أشد النهي وغضب واحمر وجهه، مع أنه يعلم أن عمر -وقد هداه الله- لا يزيغ لمثل هذه الورقة، لكنه أراد أن يسد باب الاطلاع على كتب أهل الباطل، إلا لضرورة يقدرها أهل العلم للدفاع عن الإسلام أو الرد على أهل الأهواء أو حماية عقيدة المسلمين إذا انتشرت الأهواء، وهذا يجب أن يكون بحدود ضيقة، وأن يتولاه أشخاص تتوافر فيهم شروط يقدرها أهل العلم.
أما أن ينبري لهذا كل طالب علم وكل من قدر على القراءة ممن هب ودب فهذا لا يصح، وأقول هذا؛ لأني أرى بوادر تساهل كثير من طلاب العلم في قراءة مثل هذه الكتب، وهذا تفريط، فيجب أن نتناصح فيه.
стр. 745
عظمة الله تعالى وتعقب ما أثر من ألفاظ محتملة في ذلك
قال رحمه الله تعالى: [وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء، بل يصفه بما وصف به نفسه.
وقال بعضهم: الحق سبحانه يقول: من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي ألزمته الأدب، ومن كشفت له حقيقة ذاتي ألزمته العطب فاختر الأدب أو العطب].
هذه العبارات فيها نظر، فلها معنى صحيح ولها معنى فاسد، أما المعنى الصحيح فإنه إن قصد بقول: (من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي) الوقوف عندها بالإقرار والتصديق والإيمان وعدم الخوض فصحيح، وإن قصد بالقيام مع أسمائه وصفاته بعض مفاهيم الصوفية في تمثل الأسماء والصفات الإلهية في أخلاقهم وسلوكهم، كقول بعضهم بأنه يتكلم على لسان الرب أو نحو ذلك؛ فهذا أمر لا يصح، فالعبارة موهمة.
وعلى أي حال فالسلف قد ينقلون مثل هذه العبارات لأنها تحمل معنى صحيحاً، والمعنى الفاسد يستبعد، لكن في زماننا هذا نجد أن مثل هذه العبارات لابد من التنبيه عليها؛ لأن الناس لم يعد عندهم الالتزام بالعقيدة، بمعنى: أنهم لم يتشربوا العقيدة كما تشربها الأولون، فمن هنا كان لابد من التنبيه على أن مثل هذه العبارات قد تحتمل معنى فاسداً.
قال رحمه الله تعالى: [ويشهد لهذا: أنه سبحانه لما كشف للجبل عن ذاته ساخ الجبل وتدكدك ولم يثبت على عظمة الذات، وقال الشبلي: الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب].
هذه العبارة مجملة موهمة قد تحمل معنى صحيحاً بتكلف لا يفهمه الناس إلا بعد جهد جهيد، وقد تحمل معنى فاسد أيضاً، وقد اتكأ على مثل هذه العبارة كثير من ضلال الصوفية وضلال الفلاسفة وضلال الباطنية وأهل البدع والأهواء الذين أرادوا أن يطعنوا في أصول الإسلام من خلال مثل هذه العبارات التي تخرج من هؤلاء الذين قد يزكيهم بعض أهل العلم، مثل الشبلي ﵀، ويكون في مثل هذا الكلام فتنة، فقوله: (الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب) هذه العبارة لا تفهم إلا بتكلف شديد، والمعنى الصحيح إذا أردنا أن نفسرها به نحتاج إلى أن نجلب كثيراً من العبارات والمصطلحات والمفاهيم من أجل أن نصححها، وظاهرها عدم الصحة، لكن نظراً لأن الشبلي -كما قال أهل العلم-: قد يتكلم أحياناً بعبارات فيها اضطراب، فلعل هذه من عباراته المضطربة، فقوله: (الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب) كأنه يريد أن يقول: إن التمادي في التفكر في أسماء الله وصفاته وأفعاله وفي ذاته على جهة التكييف خلاف الأدب.
стр. 746
منهج السلف في ترك المراء في الدين والجدال في القرآن الكريم
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (ولا نماري في دين الله) معناه: لا نخاصم أهل الحق بإلقاء شبهات أهل الأهواء عليهم التماساً لامترائهم وميلهم؛ لأنه في معنى الدعاء إلى الباطل وتلبيس الحق وإفساد دين الإسلام.
قوله: (ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين فعلمه سيد المرسلين محمداً صلى الله عليه وعلى آله أجمعين، وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين): فقوله: (ولا نجادل في القرآن) يحتمل أنه أراد: أنا لا نقول فيه كما قال أهل الزيغ واختلفوا وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، بل نقول: إنه كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين إلى آخر كلامه، ويحتمل أنه أراد: أنا لا نجادل في القراءات الثابتة، بل نقرؤه بكل ما ثبت وصح، وكل من المعنيين حق، ويشهد بصحة المعنى الثاني ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (سمعت رجلاً قرأ آية سمعت رسول الله ﷺ يقرأ خلافها، فأخذت بيده فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فعرفت في وجهه الكراهة، وقال: كلاكما محسن ولا تختلفوا؛ فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) رواه مسلم.
نهى ﷺ عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من المختلفين ما مع صاحبه من الحق؛ لأن كلا القارئين كان محسناً فيما قرأه، وعلل ذلك بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا، ولهذا قال حذيفة ﵁ لـ عثمان ﵁: أدرك هذه الأمة لا تختلف كما اختلفت الأمم قبلهم.
فجمع الناس على حرف واحد اجتماعاً سائغاً وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة، ولم يكن في ذلك ترك لواجب ولا فعل لمحظور؛ إذ كانت قراءة القرآن على سبعة أحرف جائزة لا واجبة ورخصة من الله تعالى، وقد جعل الاختيار إليهم في أي حرف اختاروه.
كما أن ترتيب السور لم يكن واجباً عليهم منصوصاً، ولهذا كان ترتيب مصحف عبد الله على غير ترتيب المصحف العثماني، وكذلك مصحف غيره، وأما ترتيب آيات السور فهو ترتيب منصوص عليه، فلم يكن لهم أن يقدموا آية على آية، بخلاف السور، فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل إن لم تجتمع على حرف واحد جمعهم الصحابة عليه، هذا قول جمهور السلف من العلماء والقراء، قاله ابن جرير وغيره.
ومنهم من يقول: إن الترخص في الأحرف السبعة كان في أول الإسلام لما في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولاً، فلما تذللت ألسنتهم بالقراءة وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيراً عليهم وهو أوفق لهم أجمعوا على الحرف الذي كان في العرضة الأخيرة، وذهب طوائف من الفقهاء وأهل الكلام إلى أن المصحف مشتمل على الأحرف السبعة؛ لأنه لا يجوز أن يهمل شيء من الأحرف السبعة، وقد اتفقوا على نقل المصحف العثماني وترك ما سواه، وقد تقدمت الإشارة إلى الجواب، وهو: أن ذلك كان جائزاً لا واجباً، أو أنه صار منسوخاً، وأما من قال عن ابن مسعود ﵁: إنه كان يجوز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه، وإنما قال: قد نظرت إلى القراء فرأيت قراءتهم متقاربة، وإنما هو كقول أحدكم: هلم وأقبل وتعال، فاقرءوا كما علمتم.
أو كما قال.
والله تعالى قد أمرنا أن لا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، فكيف بمناظرة أهل القبلة؟! فإن أهل القبلة من حيث الجملة خير من أهل الكتاب، فلا يجوز أن يناظر من لم يظلم منهم إلا بالتي هي أحسن، وليس إذا أخطأ يقال: إنه كافر قبل أن تقام عليه الحجة التي حكم الرسول بكفر من تركها، والله تعالى قد عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، ولهذا ذم السلف أهل الأهواء وذكروا أن آخر أمرهم السيف، وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان إن شاء الله تعالى عند قول الشيخ: (ونرى الجماعة حقاً وصواباً والفرقة زيغاً وعذاباً).
قوله: (ونشهد أنه كلام رب العالمين): تقدم الكلام على هذا المعنى عند قوله: (وإن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولاً).
стр. 747
القرآن الكريم نزل به الروح الأمين
قوله: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ) هو جبريل ﵇، سمي روحاً لأنه حامل الوحي الذي به حياة القلوب إلى الرسل من البشر صلوات الله عليهم أجمعين، وهو أمين حق أمين صلوات الله عليه، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١] وهذا وصف جبريل، بخلاف قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة:٤٠ - ٤١]، فإن الرسول هنا هو محمد ﷺ .
وقوله: (فعلمه سيد المرسلين) تصريح بتعليم جبريل إياه إبطالاً لتوهم القرامطة وغيرهم أنه تصوره في نفسه إلهاماً.
وقوله: (ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين) تنبيه على أن من قال بخلق القرآن فقد خالف جماعة المسلمين؛ فإن سلف الأمة كلهم متفقون على أن القرآن كلام الله بالحقيقة غير مخلوق، بل قوله: (ولا نخالف جماعة المسلمين) مجرى على إطلاقه: أنا لا نخالف جماعة المسلمين في جميع ما اتفقوا عليه؛ فإن خلافهم زيغ وضلال وبدعة.
стр. 748
الموقف من تكفير أهل القبلة
قوله: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله)].
هذه العبارة تحتها كثير من القواعد وكثير من الفرعيات والأصول أيضاً التي تحتاج إلى توجيهها، لاسيما أن مسألة التكفير في عصرنا من المسائل التي عمت بها البلوى، وابتلي بها بعض المنتسبين إلى الإسلام، وسأعرض هنا بعض القواعد الهامة وأترك البقية والتفصيل إلى درس لاحق، لكن نظراً لأهمية الموضوع أحب أن أهيئ الأذهان ببعض المسائل حول التكفير، فأقول: أولاً: إن أغلب الذين يخوضون الآن في التكفير يخوضون بغير علم، فلا يحيطون بالنصوص ولا بقواعد الشرع ولا بأقوال السلف ولا بأحوال الأمة وتنزيل الأحكام عليها، وأكثرهم من المتعالمين المغرورين الذين ليس عندهم إلا التعالم.
ثانياً: أن مسألة التكفير من المسائل التي تعد أول ما افترقت فيه الأمة؛ لأنها نوع من التنطع في الدين، والتنطع في الدين قد لا ينتبه له الناس؛ لأن صاحبه في الظاهر ينشر الصلاح والاستقامة، والناس بفطرتهم وبحبهم للإسلام يحبون الصلاح والاستقامة، فقد يغفلون عن نزاعات التشدد ونزاعات التنطع في الدين التي نهى عنها الرسول ﷺ .
ثالثاً: أن التكفير لا يصح أبداً أن يتناوله كل الناس ولا طلاب العلم، فتكفير الأعيان لا يتناوله إلا العلماء الراسخون.
وأحكام التكفير من حيث هي مذكورة في الكتب، وليس لأحد فيها فضل، لكن تنزيل الأحكام على الأشخاص أمر لا يمكن أن يتأتى إلا بجهود متضافرة من أهل العلم، والتكفير له شروط وضوابط، وله محاذير، وله أصول لابد من أن يطبقها أهل العلم، وقد تنطبق في عصر ولا تنطبق في عصر آخر، وتقال في ظرف ولا تقال في ظرف آخر؛ لأحوال الناس، فقد يكون في ظرف من الظروف أحوال المسلمين كلها استثنائية، كأن يكون عند المسلمين شيء من الإعراض والجهل والبدع والتخلف والبعد عن فقه دين الله ، وقد يكون الأمر ليس كذلك، كما في عهد السلف، حيث كان الأمر بيناً والحجة ظاهرة، ولا يزيغ أو يخرج إلى التكفير إلا إنسان تعمد خرق القواعد، إذاً: هذه المسائل يجب ألا يتناولها إلا الراسخون في العلم.
الأمر الرابع: وهو مهم جداً، وبه افتتن كثير من الشباب، وهو ما يظنه بعض الناس من أن تكفير الناس أمر في ذمته، وأنه ما لم يخرج هذه العهدة من ذمته فلن يعيش سعيداً بين الناس، وهذا غير صحيح، وكأنه لا يمكن أن يتم دينه حتى يكفر من يكفر، وهذه مزلة خطيرة جداً تجعله لا يرجع إلى العلماء ويستعجل ويتهور.
خامساً: أن التكفير أغلبه يبدأ بلوازم قبل أن يكون تكفيراً صريحاً وهذا هو بيت القصيد، فالتكفير أحياناً يبدأ على شكل نوازع وانطباعات وآراء ووجهات نظر يتساهل فيها العلماء وطلاب العلم، ثم تنمو حتى توصل إلى التكفير الضيق، ثم يتوسع التكفير، وأقصد بذلك أنه من بذور التكفير الحكم على القلوب والنيات، والاستعجال في إطلاق الأحكام قبل إقامة الحجة والأخذ بأصول العذر ونحو ذلك، ثم بعد ذلك الأخذ باللوازم.
ولذلك تجد أن التكفير أول ما يبدأ بمثل هذه الظنون، ثم بعد الظنون يبدأ بتكفير جزئي، فيكفر شخص أو هيئة، ومع مرور الزمن يكفر بلوازم تتعلق بالشخص أو الهيئة، فيقال -مثلاً-: من والى هذا الشخص أو والى هذا الهيئة فهو كافر، ومن لم يعلن كفر الكافر فهو كافر، وهكذا، وهذه نتائج طبيعية مع الزمن لابد أن تكون، والسعيد من وعظ بغيره.
ولنا في الأحداث القريبة والبعيدة شيء من العبرة، فقد حصلت قبل سنين أحداث التكفير والهجرة في مصر، ثم تفرقت الأمة، واحتوى كثير من شباب الأمة سفهاء الأحلام الذين يتعلموا عند العلماء، ثم جاءت الفتنة التي استهدف أصحابها بيت الله ، وكان أساسها التكفير، ثم الأحداث الأخيرة وما حدث من تفجيرات وغيرها من أمور شنيعة ضيعت الأمة وأوقعت ما أوقعت مما نعلم، فهذا كله نتيجة التكفير من أناس ليس لهم علم ولا فكر، مع عدم رعاية مثل هذه الظواهر وعلاجها من قبل طلاب العلم والمشايخ والولاة بشكل كافٍ.
فلذا يجب أن يتنبه طلاب العلم لمثل هذه المسائل؛ لأنها أصبحت ظواهر موجودة، وما دامت ظواهر موجودة فلابد أن تعالج، ولا تبرأ الذمة بالسكوت عنها، وكان بعض طلاب العلم الناصحون يقولون ذلك قبل أن تحدث الأحداث الأخيرة، فكان بعض الناس يقول: ربما يكون ذلك نزعات فردية، وليست مشكلة خطيرة، ولما وقع الفأس في الرأس تبين الناصح من الغافل.
فلذا يجب أن نتنبه وألا تتكرر العبرة مرة أخرى، وأنا أقول: بإمكان طلاب العلم أن يسهموا إسهاماً كبيراً في علاج ظواهر التشدد والتنطع في الدين والتكفير؛ لأن هذا يحمي الأمة ويجمع كلمتها على مشايخها وولاتها، وبإذن الله -إذا تضافرت الجهود- يضمن عدم تكرار مثل هذه الأعمال الشنيعة التي روعت الأمة وأوقعت الأمة في حرج، وكان مصدرها وأساسها هو الغلو في الدين، نسأل الله السلامة، والله أعلم.
стр. 749
الأسئلة
стр. 750
معنى قول الطحاوي: (والإيمان واحد وأهله في أصله سواء)
السؤال
ما معنى قول الطحاوي: (والإيمان واحد وأهله في أصله سواء)؟
الجواب
قول الطحاوي: (والإسلام والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء) قد يقصد به معنى صحيحاً، وهو أن الإسلام والإيمان ينطبقان على الدين نفسه، فأصلهما واحد، أما إذا أخذنا كل عبارة بمفردها فلاشك في أن معناهما مختلفان، فهما يجتمعان في أمور ويختلفان في أمور، وهذا سيأتي ذكره على التفصيل فيما بعد.
وكل ما جاء في المتن ليس بصحيح على الإطلاق، فالشيخ الطحاوي ﵀ من السلف، وقرر عقيدة السلف، إلا أنه فيما يتعلق بمسائل الإيمان رأى أن الخلاف بين المرجئة الذين ينتمي إليهم في مذهبه الفقهي -وهم الأحناف- وبين أهل السنة خلاف لفظي؛ فكأنه أراد أن يتوسط في استعمال الألفاظ المحتملة لتحتمل معنى صحيحاً يجمع بين قولي السلف ومرجئة فقهاء الأحناف، هذا ما أفسر به اضطراب عبارات الطحاوي ﵀ في مسائل الإيمان، فقد اضطرب اضطراباً كثيراً، أما ما عدا ذلك فقد وافق السلف في كل شيء.
стр. 751
شرح العقيدة الطحاوية [٦٦]
أهل السنة والجماعة وسط بين الفرق في أبواب الأسماء والأحكام، فهم لا يكفرون أحداً بالكبائر، ولا يحكمون عليهم بالخلود في الآخرة كما تقول الخوارج، كما أنهم لا يقولون بقول المرجئة الذين يبرئون الإنسان من النار مهما ارتكب من ذنوب وسيئات ما لم يصل إلى الكفر، بل يجرون نصوص الوعد والوعيد ويفهمونها بفهم السلف الصالح، ويحكمون على مرتكب الكبيرة بأنه مسلم عاصٍ متوعد في الآخرة بالعقوبة والنار، وهو داخل تحت مشيئة الله إن شاء عذبه بعدله وإن شاء عفا عنه بفضله وجوده وإحسانه، كما أن التكفير حكم شرعي يثبت على من يستحقه بشروط معروفة ومقررة عند أهل العلم.
стр. 752
عظم باب التكفير وموقف الناس منه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله)].
هذه العبارة فيها نظر، وسيأتي استدراك الشارح عليها، فقول الطحاوي ﵀: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) ليس على إطلاقه كما قد يفهم منه، فظاهر العبارة يفهم منه أن أي ذنب من الذنوب دون ما يخرج من الملة لا يكفر به المرء، وهذا فيه نظر؛ لأن مسألة الاستحلال ليست شرطاً دائماً لتكفير من ارتكب بعض الذنوب، فالمسألة فيها نظر، وسيأتي الكلام عنها عند استدراك المؤلف.
قال رحمه الله تعالى: [أراد بأهل القبلة الذين تقدم ذكرهم في قوله: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين)، يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب، واعلم -رحمك الله وإيانا- أن باب التكفير وعدم التكفير باب عظمت الفتنة والمحنة فيه، وكثر فيه الافتراق وتشتت فيه الأهواء والآراء، وتعارضت فيه دلائلهم، فالناس فيه -في جنس تكفير أهل المقالات والعقائد الفاسدة المخالفة للحق الذي بعث الله به رسوله في نفس الأمر، أو المخالفة لذلك في اعتقادهم- على طرفين ووسط من جنس الاختلاف في تكفير أهل الكبائر العملية].
يقصد: أن مسألة التكفير من المسائل التي تميز فيها أهل الأهواء عن أهل السنة على اختلاف درجات أهل الأهواء، وأهل الأهواء أغلبهم مكفرة، ومنهم من لا يكفر بأي ذنب، أي: لا يكفرون بالذنوب مطلقاً، وربما لا يكفرون بأي عمل من الأعمال، كالمرجئة، فعلى هذا يكون من السمات التي تشترك فيها الأهواء جميعاً مخالفة أهل السنة والجماعة في مسألة التكفير، وغالب أهل الأهواء يقولون بالتكفير ولوازمه، أو بلوازم التكفير فقط كما سيأتي، وبعض الأهواء لا يكفر، لكنه يشارك المكفرة كالخوارج والمعتزلة في كثير من الأصول، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والموقف من الولاة، والسمع والطاعة لهم، والموقف من أهل السنة ونحو ذلك، حتى المرجئة الجهمية الذين لا يكفرون أبداً، ويرون أن كل من عرف الله فقد آمن ولو ارتكب أي ذنب، فإن مواقفهم فيها ما يدخل في لوازم التكفير، أعني مواقفهم التاريخية مع أهل السنة والجماعة.
فقول الشيخ: إن باب التكفير وعدم التكفير باب عظمت فيه الفتنة، يشير به إلى أن جميع أهل الأهواء يتسمون بمخالفة أهل السنة في مسألة التكفير، وأول الأهواء خروجاً في تاريخ الأمة كان مبدؤها مسألة التكفير.
стр. 753
ذكر القائلين بامتناع تكفير أحد من أهل القبلة مطلقاً
قال رحمه الله تعالى: [فطائفة تقول: لا نكفر من أهل القبلة أحداً، فتنفي التكفير نفياً عاماً، مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين، الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك بحيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين].
الذين لا يكفرون من أهل القبلة أحداً صنفان: أولهم: غلاة المرجئة الذين هم الجهمية ومن سلك سبيلهم، وعلى طريقهم الفلاسفة الجهمية، وعلى طريقهم الزنادقة وبعض أهل الكلام، وكثير من غلاة الصوفية.
والصنف الثاني: من يترددون في إطلاق الكفر على من حكم الشرع بكفره من الذين يتسمون بالإسلام، كالجهمية وغيرهم، فهؤلاء بعضهم من مرجئة الفقهاء وبعضهم من الفقهاء الذين لا يتبعون المرجئة لكن لهم بعض الاجتهادات، خاصة فقهاء أهل الكلام الذين عندهم نزعة كلامية، فأغلبهم يتردد في إطلاق الكفر حتى على من حكم بكفره شرعاً ممن يتسمى بالإسلام.
стр. 754
تكفير اليهود والنصارى وسائر الكفرة والمشركين
أما الذين ليسوا بمسلمين فلم ينطقوا بالشهادتين أصلاً -كاليهود والنصارى والمشركين وعامة الكفار غير المسلمين- فهؤلاء ليسوا محل الحديث هنا؛ ولذلك ينبغي التنبه ما دمنا في أول الكلام عن مسألة التكفير في الطحاوية، ينبغي التنبه إلى أن كل الكلام الذي سيرد إلا القليل يرد في أهل القبلة من يكفر منهم ومن لا يكفر، ومتى يخرج مدعي الإسلام الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله من الملة، أو متى يكفر كفراً دون كفر أو كفراً مغلظاً؟ هذا هو موضوع الحديث.
فلذلك بعض الناس يفهم خطأ أن هذا الحديث كله ينطبق على جميع الكفار، وأن هناك خلافاً بين المسلمين في مسألة تكفير الكفار، وهذا غير وارد، فلم يرد البحث هنا عن مسألة تكفير الكفار الخلص؛ لأن من المعلوم من الدين بالضرورة تكفير اليهودي وتكفير النصراني وتكفير المشرك وتكفير من لم يسلم ولا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهذا تكفيره ليس محل البحث، وهذا الخلط الذي ذكرته هو الذي أوقع كثيراً من المثقفين وبعض المفكرين وبعض أدعياء العلم وبعض قليلي الفقه وقليلي العلم الشرعي في أن يترددوا في الحكم بكفر الكافرين الخلص؛ لأنهم ظنوا أن هذه الأحكام في إطلاق الكفر تنسحب على اليهود والنصارى.
وهذا جهل مطبق، بل رأيت وسمعت وقرأت عن بعض المنتسبين للعلم أنه يشكل عليهم هذا الأمر، وأتعجب حقيقة: لماذا يشكل عليهم هذا الأمر؟! حيث ظنوا أن قواعد التكفير تنسحب على اليهود والنصارى! وهذا أمر غير وارد، بل أمر مفروغ منه، فما بعد حكم الله حكم ولا بعد قول الله قول، إنما نتردد في الأمور التي وكل إلينا الاجتهاد فيها؛ والأمور التي وكل إلينا الاجتهاد فيها هي رد بعض أفراد العمل والاعتقادات التي تصدر من الناس إلى قواعد الشرع ونصوص الشرع الصادرة ممن يتسمون بأهل القبلة، أما الكفار الخلص فليسوا محل حديث، ولا يجوز لأحد أن يتردد في كفرهم؛ لأن هذا من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن المجمع عليه عند المسلمين جميعاً، حتى الفرق الضالة تقول بكفر الكفار الخلص من اليهود والنصارى والمشركين.
قال رحمه الله تعالى: [وأيضاً: فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة والمحرمات الظاهرة المتواترة ونحو ذلك؛ فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً].
لو أن إنساناً يدعي الإسلام أنكر أو تردد في إثبات وجوب الزكاة أو في إثبات وجوب الصيام أو في ثبوت وجوب الحج أو في ثبوت وجوب الجهاد أو في ثبوت وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك مما تواترت به النصوص، بمعنى: أنه اعتقد أن هذا لا يجب شرعاً، ونفى ما تواترت به النصوص من الواجبات؛ فإنه بذلك يكفر ويستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا محل اتفاق، وكذلك من أنكر المحرمات القطعية أو تردد في ذلك أو شك تديناً لا شك جهل؛ إذ قد يوجد جاهل لا يدري، لكن الذي يدين بعدم تحريم الربا أو بعدم تحريم الزنا أو بعدم تحريم الخيانة والغدر أو بعدم تحريم دم المسلم ونحو ذلك، أو يشك في ذلك؛ فإنه بذلك يكفر، وإذا أنكره فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
إذاً: الواجبات المعلومة من الدين بالضرورة والمحرمات المعلومة من الدين بالضرورة -أو القطعية على تعبير كثير من أهل العلم- من أنكرها يكفر ويستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإن كان جاهلاً يعلم.
стр. 755
التكفير بالذنوب بين النفي العام ونفي العموم
قال رحمه الله تعالى: [والنفاق والردة مظنتهما البدع والفجور، كما ذكره الخلال في كتاب السنة بسنده إلى محمد بن سيرين أنه قال: إن أسرع الناس ردة أهل الأهواء].
يقصد بذلك أن الذين تكثر عندهم البدع بحيث تكون هي الأصل عندهم يكثر عندهم الفجور بحيث يكون هو الأصل؛ فإن هؤلاء مظنتهم النفاق والردة، وليس جزماً؛ لأننا لابد من أن نقيم عليهم الحجة، لكنه يقصد بذلك أننا نعرف ظواهر النفاق والردة بالبدع والفجور، فالناس الذين تكثر عندهم البدع إلى حد أنهم لا يعملون بالسنة ويكثر عندهم الفجور إلى حد أنهم لا يقيمون شعائر الإسلام ولا يحلون ما أحل الله ولا يحرمون ما حرم الله؛ فهؤلاء يظن بهم أنهم أهل نفاق وأهل ردة، لكن مع ذلك لا نحكم بنفاق الواحد منهم وردته إلا بعد استنفاذ الأصول الشرعية من إقامة الحجة والتأكد من توافر شروط الكفر وانتفاء موانعه.
قال رحمه الله تعالى: [وكان يرى هذه الآية نزلت فيهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]، ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحداً بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب كما تفعله الخوارج، وفرق بين النفي العام ونفي العموم، والواجب إنما هو نفي العموم مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب].
يقصد بهذا: أن العبارة التي أوردها الطحاوي ﵀ قد تفهم أننا لا نكفر بأي ذنب مطلقاً، وهذا قول المرجئة، والشيخ ﵀ قد يميل إلى قول مرجئة الفقهاء في بعض الألفاظ وإن كان يوافق أهل السنة عملياً، فهذه اللفظة محتملة، فقد يقصد بها الانتصار لقول مرجئة الفقهاء من الأحناف، وهو حنفي، وقد يقصد التعبير عن مذهب أهل السنة والجماعة بتعبير يقرب الأحناف إلى أهل السنة والجماعة في هذه الجزئية.
وقول الشارح: [وفرق بين النفي العام ونفي العموم] يقصد به أن هناك فرقاً بين أن نقول: إن المسلم لا يكفر بأي ذنب مطلقاً، وبين أن نقول: ليس كل ذنب مكفراً، فالنفي العام: هو أن يقال بأنا لا نكفر بأي ذنب مطلقاً، هذا نفي عام، وهذا لا يجوز، فليس بصحيح أننا لا نكفر بأي ذنب مطلقاً، بدليل أن الذنوب تتفاوت، فالشرك هو أعظم الذنوب، ولاشك في أنه مكفر.
بل هناك ما هو دون الشرك من المكفرات، فالنفي العام هو الممنوع الذي لا يقره أهل السنة، وهو أن نقول بأنه لا يكفر أهل القبلة بأي ذنب مطلقاً.
لكن نفي العموم هو أن نقول: ليس كل ذنب مكفراً إلا إذا استحل الذنب ولو كان صغيراً وقامت الحجة، وهذا قول صحيح؛ لأن الخوارج والمعتزلة وكثير من الأهواء يكفرون بكل ذنب، وأهل السنة لا يكفرون بكل ذنب، كما أن المرجئة لا تكفر بأي ذنب مطلقاً، وهذا هو النفي العام الذي لا يجوز، والصحيح هو نفي العموم، أي: ليس كل ذنب يكفر به صاحبه.
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا -والله أعلم- قيده الشيخ ﵀ بقوله: (ما لم يستحله)، وفي قوله: (ما لم يستحله) إشارة إلى أن مراده من هذا النفي العام لكل ذنب الذنوب العملية لا العلمية، وفيه إشكال؛ فإن الشارع لم يكتف من المكلف في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل، وليس العمل مقصوراً على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح وأعمال الجوارح تبع، إلا أن يضمن قوله: (يستحله) بمعنى: يعتقده، أو نحو ذلك].
стр. 756
موقف الخوارج والمعتزلة من تكفير أهل القبلة
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله) إلى آخر كلامه رد على المرجئة، فإنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فهؤلاء في طرف والخوارج في طرف، فإنهم يقولون: نكفر المسلم بكل ذنب أو بكل ذنب كبير، وكذلك المعتزلة الذين يقولون: يحبط إيمانه كله بالكبيرة، فلا يبقى معه شيء من الإيمان.
لكن الخوارج يقولون: يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر! والمعتزلة يقولون: يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر! وهذه المنزلة بين المنزلتين، وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود في النار].
الفرق بين المعتزلة والخوارج فرق فلسفي، وليس فرقاً علمياً، فكلهم يكفرون بالكبيرة، لكن الخوارج يرون أن مرتكب الكبيرة في الدنيا كافر خالص، والمعتزلة ينفون عنه الإيمان، ونحن نقول: يلزم من نفي الإيمان الكفر، لكن المعتزلة جاءت بأسلوب فلسفي كعادة أهل البدع، حيث يأتون من عندهم باختراعات في الدين، فنظراً لأنهم ما توافر عندهم النص القطعي على كفر من ارتكب الذنب قالوا بأنه لا مؤمن ولا كافر، وهذه المنزلة بين المنزلتين التي ما استطاعوا أن يفسروها إلى الآن؛ لأن نصوص الشرع كلها ليس فيها أن هناك حالة ثالثة، بل إما أن يكون المرء مؤمناً، ودرجات الإيمان تتفاوت تفاوتاً عظيماً، أو يكون كافراً، ودرجات الكفر تتفاوت.
فهم يقولون: لا نسميه مؤمناً، فأخرجوه من الإيمان، ونلزمهم شرعاً بأن يدخلوه في الكفر، لكنهم فروا مما قالت الخوارج؛ لأنهم قاموا بردة فعل ضد الخوارج، ومسألة الحوار بينهم وبين الخوارج هي التي جعلتهم يتكلفون مذهباً وسيطاً بزعمهم، وهو أنه -أي: مرتكب الكبيرة- إذا لم يتب في الدنيا فهو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، هذا في الدنيا، وفي الآخرة بينهم تشابه، لكن عند التفصيل نجد أن بينهم شيئاً من الفروق الفلسفية، فالخوارج يقولون: مرتكب الكبيرة مخلد في النار، وعذابه عذاب الكافرين والمشركين، وليس بينه وبينهم فرق، والمعتزلة تقول بأنه مخلد في النار أيضاً، وتقول بمنع الشفاعة كما تقول الخوارج، لكنها تقول بأن عذاب مرتكبي الذنوب في الآخرة -وإن كانوا مخلدين في النار ولا تشملهم الشفاعة- غير عذاب المشركين، وهذه من عندهم جاءوا بها تخلصاً من موافقة الخوارج.
стр. 757
ذكر القائلين بحصر التكفير في الاعتقاد دون العمل
قال رحمه الله تعالى: [وطوائف من أهل الكلام والفقه والحديث لا يقولون ذلك في الأعمال].
يعني: لا يكفرون بالأعمال، إنما يحصرون التكفير في الاعتقادات البدعية.
قال رحمه الله تعالى: [لكن في الاعتقادات البدعية، وإن كان صاحبها متأولاً].
هذه النزعة ظهرت الآن على ألسنة بعض المنتسبين للعلم، وكتبوا فيها مؤلفات، وأثيرت القضية بين المشايخ وطلاب العلم بشكل فيه لبس وفيه غموض، وأنا أشم في رائحة إثارة هذه القضية تأثراً بجماعة التبين والتوقف، حيث تثار الآن قضية العذر بالجهل وعدم العذر بالجهل، وقضية أن الكفر هو الكفر الاعتقادي فقط، فهذه مسألة -في الحقيقة- تحتاج إلى تفصيل.
فهناك من يتبنون أن الكفر لا يكون إلا الكفر الاعتقادي، وألفت في هذا مؤلفات، والمسألة فيها لبس، حتى إن بعضهم انتزع من بعض المشايخ والعلماء موافقة على مثل هذا القول مع أن الأمر يتضمن مذهباً آخر هو أشبه بمذاهب الواقفة ومذاهب بعض أهل الكلام القديمة؛ بل بمذاهب بعض معتدلة الخوارج إن صح التعبير أو غيرهم، بل أحياناً قد يوافقون مذاهب بعض المرجئة خاصة مرجئة الفقهاء، فالمسألة فيها لبس.
فلذلك أقول: لا ينبغي أن نسلم بهذا المبدأ، وهو القول بأنه لا يكون الكفر كفراً إلا إذا كان اعتقادياً، فهذا غير صحيح ولا تدل عليه النصوص، بل هناك نصوص تدل على أن بعض الأعمال مخرجة من الملة، سواء كانت عن اعتقاد أم عن غير اعتقاد، وبعض الأقوال مخرجة من الملة، سواء كانت عن اعتقاد أم عن غير اعتقاد، ثم إن ترك الأعمال إذا كثر، وفعل الموبقات إذا كثر، بحيث صار الإنسان يفعل كل الموبقات مما يقدر عليه ويترك جميع الواجبات فإنه بذلك يكفر ولو لم نعرف اعتقاده.
إذاً: المسألة فيها تفصيل، فالكلام ليس على إطلاقه، وأقول: إن المسألة أثيرت الآن وتأثر بها كثير من طلاب العلم غير المتخصصين في العقيدة، فصار فيها لبس، وأرجو التنبه لذلك، والحذر من إطلاق مثل هذه الأحكام، كالقول بأنه لا يكون الكفر إلا بالاستحلال أو لا يكون الكفر إلا إذا كان اعتقادياً، أو القول بمسألة عدم العذر بالجهل مطلقاً، فهذه مسائل تحتاج إلى تحرير؛ لأن الناس يتلاعبون فيها بالألفاظ، ولكل إنسان فيها مفهوم، فينبغي أن تحرر أولاً، ويحرر المقصود ثانياً، ويفصل فيها ثالثاً، من ادعى أن هذه قواعد لازمة وأنها هي التي عليها السلف فأظنه ما صدق، السلف يفصلون، فقد تختلف أحوال الناس في مسألة العذر بالجهل أو الاستحلال أو الكفر الاعتقادي والعملي، تختلف أحوال الناس من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن شخص إلى شخص ومن بيئة إلى بيئة.
قال رحمه الله تعالى: [فيقولون: يكفر كل من قال هذا القول، لا يفرقون بين المجتهد المخطئ وغيره، أو يقولون بكفر كل مبتدع، وهؤلاء يدخل عليهم في هذا الإثبات العام أمور عظيمة؛ فإن النصوص المتواترة قد دلت على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ونصوص الوعد التي يحتج بها هؤلاء تعارض نصوص الوعيد التي يحتج بها أولئك، والكلام في الوعيد مبسوط في موضعه، وسيأتي بعضه عند الكلام على قول الشيخ: (وأهل الكبائر في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون)].
стр. 758
ضرر التكفير وعظيم خطره
هنا بعض التعليقات التي يقتضيها المقام، وهي متعلقة بالتكفير، وموضوع التكفير من الموضوعات الخطيرة، وهو من أعظم بواعث الفتنة قديماً وحديثاً -كما ذكر الشارح- بين المسلمين، وكما قرر أهل العلم، ومعروف سلفاً أن أول خروج عن أهل السنة والجماعة وأئمة المسلمين ظهر في التاريخ كان بسبب التكفير، وهو خروج الخوارج، وأول فتنة ظهرت في التاريخ -وهي الفتنة السبئية- كان من سماتها التكفير ونزعات التكفير، فموضوع التكفير من الموضوعات الخطيرة التي يجب التحذير منها في كل وقت ويبصر بها المسلمون على جهة العموم، وعندما تأتي مناسباتها على جهة الخصوص أرى أنه يتعين الكلام عنها، كمثل ظروفنا الراهنة الآن.
والحديث عن التكفير كان يجب أن يكون قبل هذا الوقت من قبل طلاب العلم وأهل العلم المعنيين بأمر الأمة، وأظن أن المشايخ وكثيراً من طلاب العلم قد أدوا بعض الواجب في ذلك، لكن ليس بالقدر الكافي في نظري.
стр. 759
السبب الداعي إلى الحديث عن التكفير في هذا الزمن
وربما يقول قائل: لماذا الكلام عن التكفير الآن؟ فأقول: أولاً: لأنه كثرت الحاجة إلى الحديث عن التكفير؛ حيث ظهر في طوائف من أبناء المسلمين -وإن كانوا قلة- نزعات التكفير، وهذا أمر خطير على الإسلام والمسلمين عموماً، ثم على أهل الخير وطلاب العلم والدعاة والمتدينين على وجه الخصوص، ثم إنه من بواعث الفتنة في أي مجتمع تحدث فيه هذه النزعات، هذا أمر.
الأمر الآخر: أنه ليس صحيحاً أن الكلام لم يكن إلا في هذه المناسبة أو في هذه الظروف، بل قد مرت مناسبات كثيرة من المناسبات التي تستدعي الحديث عن التكفير والتحذير من بواعثه ومن نزعاته وضرورة نصح المسلمين فيه وشباب المسلمين خاصة، وهذا أمر ضروري تقتضيه نصوص الشرع.
ثم إنا نجد من هدي الرسول ﷺ وأصحابه فيما يتعلق بمواجهتهم للبدع والمشكلات أنهم واجهوا قضية الخوارج -التي هي قضية التكفير- بقوة لم يواجهوا بها غيرها من البدع.
فإن النبي ﷺ ذكر الأهواء جملة، وذكر الخوارج الذين هم أصل التكفير تفصيلاً، وحينما ذكر أهل الأهواء حذر منهم وأمر بجهادهم بالرد عليهم ونحو ذلك، لكنه خص الخوارج بوجوب قتالهم، وقد يقول قائل: لماذا الخوارج؟ وهل الخوارج أخطر عقيدة؟!
و
الجواب
لا، بل هناك ما هو أخطر من عقائد الخوارج، كالرافضة والباطنية والجهمية وغيرهم، لكن -كما ذكر أهل العلم، واستقرأ هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه- لكون الخوارج أكثر فساداً في الأرض؛ لأنهم أناس يواجهون المسلمين بالقوة والسيف؛ ولأنهم من طبائعهم أنهم لابد من أن يهلكوا أو يهلكوا، فمن ينزع نزعة الخوارج أو ينزع نزعة التكفير لا يعيش بين الناس مستريحاً، بل إما أن يؤذي الناس ويقاتلهم ويفعل كل ما يخل ويفسد، وإما أن يقضى عليه، فلذلك ورد عن النبي ﷺ وجوب قتال الخوارج ووعد من قتلهم.
ولذلك فرح الصحابة لما تحققوا أن الخوارج الذين قتلوهم في النهروان هم الذين وعد النبي ﷺ من قتلهم بأن له الجنة، وفرح الإمام علي رضي الله تعالى عنه بذلك فرحاً شديداً، وكان الصحابة إذا سمعوا بالخوارج هبوا لقتالهم، ولما سمعوا بالقدرية حذروا منهم، مع أن القدرية أكفر من الخوارج، فالخوارج ما كفروا كلهم، ولا قيل بكفرهم، لكنهم مع ذلك أمر بقتالهم، والصحابة قاتلوهم واستبشروا بقتالهم وفرحوا بذلك، وكانوا كلما ذكر لهم فئة خارجية يهبون لقتالها امتثالاً لأمر النبي ﷺ ، ولما ظهر الشيعة جادلوهم بالكلمة وأقاموا عليهم الحجة، ثم لما سمعوا بالقدرية كذلك جادلوهم بالكلمة وأمروا بهجرهم حتى أصر بعض رءوسهم من أهل البدع، فكانوا يأمرون بقتل الرءوس فقط، هذا أمر.
الأمر الآخر أن النبي ﷺ ذكر في نصوص أخرى خوارج يأتون بعد الخوارج الأولين، من ذلك ما ورد في البخاري وغيره أنه (سيخرج في آخر الزمان أناس حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية) إلى أن قال: (فإذا لقيتموه فاقتلوهم فإن لم قتلهم الجنة).
ولا أعرف أن هناك فئة ظهرت من الخوارج الآن ما عدا التكفير والهجرة، وقد انقرضت، لكن سمات الخوارج بدأت تظهر، وأول سمات الخوارج التكفير، والتكفير وجد عند فئات من أبناء المسلمين وإن كانت قليلة والحمد الله.
فأغلب أبناء المسلمين على الرشد -إن شاء الله- وعلى الاستقامة، ولاشك أن سائر شبابنا -والحمد الله- فيهم تعقل وفيهم علم وفيهم فقه، لكن يوجد شذوذ في طوائف من الشباب، ومعظم النار من مستصغر الشرر، وكم يجر الشذوذ على الأمة في دينها ودنياها إذا أهمل من وبال على أهل الخير خاصة وسائر المسلمين عامة، وشواهد ذلك بدأت، إذاً: لماذا ينزعج بعض الناس من الحديث عن نزعات التكفير ونحن نراها ونسمعها فعلاً؟! فأنا أعلم أن نزعات التكفير موجودة فعلاً، وتزداد الآن، وأن بعض طلاب العلم والمشايخ الذين يعرفونها يحاولون علاجها، وبعضهم ربما يتردد في العلاج ظناً منه أنها لن تصل إلى حد الخطورة، وأقول: إنها وصلت إلى حد الخطورة، وحوادث التفجير ونحوها دليل ذلك.
فكل حوادث العنف والقوة تنتج عن هذه النزعات، سواء أكانت تكفيراً خالصاً أم استعداداً للتكفير أم براءة من المخالفين، أم استباحة لوسائل العنف، كلها ترجع عاجلاً أو آجلاً إلى التكفير، فمن هنا أقول: إن سمات التكفير ظهرت، وسمات الخوارج ظهرت بنزعات في أفراد وفي جماعات وفي اتجاهات، فإذا ظهرت فلابد من الحديث عنها، وأرى أنه لا يسع طلاب العلم السكوت، بل لابد من التحذير حتى لا يقع كثير من شبابنا الذين لم ينهلوا من العلم الشرعي بقدر كاف، والذين تحكمهم العواطف وقلة التجربة وعدم الرجوع إلى الراسخين في العلم في التكفير من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
стр. 760
قواعد ومسائل مهمة في مسألة التكفير
стр. 761
التكفير المتناول حكمه عند أهل العلم يخص أهل القبلة دون الكفار
أما قواعد التكفير: فالقاعدة الأولى قد أشرت إليها، وهي أنا عندما نتكلم عن التكفير وعدمه أو نحو ذلك، وأن كل ما يتكلم به أهل العلم في التكفير ليس المقصود بذلك تكفير الكفار الخلص؛ لأن هذا أمر مفروغ منه، كتكفير اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين وغيرهم ممن حكم الله بكفرهم، فهؤلاء ليسوا محل الحديث.
إذاً: محل الحديث في التكفير هم الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، الذين يسمون أهل القبلة، فهؤلاء هم الذين يتكلم عن التكفير فيهم.
стр. 762
التكفير من سمات أهل الأهواء
القاعدة الثانية: أن التكفير يعد من سمات أهل الأهواء دائماً، إلا إذا صدر التكفير عن علماء راسخين توافرت فيهم شروط الاجتهاد وعرفوا شروط التكفير وموانع التكفير، وكانوا ممن يستطيع أن يحكم بالكفر على جماعة أو أفراد بعد استفراغ جميع وسائل الاجتهاد.
إذاً: من سمات أهل التكفير إعلان التكفير وإشهاره، ولا يعني ذلك أن أهل السنة لا يكفرون من يكفر، لكن ليس من سمتهم التكفير، وليس من طبعهم التكفير، وليس همهم التكفير أصلاً إلا بمقتضى النصوص الشرعية وبتوافر أمور الاجتهاد.
стр. 763
تكفير أهل القبلة أمر غير متعبد به
القاعدة الثالثة: أننا لم نتعبد بالتكفير أصلاً، فبعض الناس -خاصة الجهلة وقليلي العلم- يظنون أنهم إذا ما كفروا من يظن أنهم كفار؛ فإنه لا تبرأ ذممهم، فلذلك تجد عند الواحد منهم شيئاً من التوتر، وتجده حريصاً على نبش الأمور وبحثها: هل يكفر من فعل كذا أو من قال كذا أو لا يكفر؟ وهل الجماعة الفلانية التي قالت أو ابتدعت تكفر أو لا تكفر؟ إلى آخره، وينبش عن أقوال الأشخاص وأفعال الأشخاص والهيئات والمؤسسات والجماعات ظناً منه أنه إذا لم يكفر فقد أثم، وهذا غلط، فالمسلم لم يتعبد بالتكفير أصلاً، وليس مسئولاً عن نبش أحوال الناس والبحث عن أمور المسلمين حتى أهل البدع منهم، فلا ينبغي أن تنصرف الهمم إلى مسألة الحكم بكفرهم أو عدمه ممن ليس من أهل الاجتهاد الراسخين في العلم.
وهذه المسألة خفيت على كثير من أبنائنا من بعض المثقفين وبعض قليلي العلم، يظنون أنهم يجب عليهم أن يكفروا، وأنهم تعبدوا بإعلان التكفير، وأن من لم يكفر منهم فقد داهن، وأن مقتضيات الولاء والبراء أن ينبش عن أحوال الناس ويحكم على الجماعات والأفراد والهيئات والمؤسسات والدول، وهذا ما هو بصحيح، بل هذه فتنة، ومن تتبع هذه الأمور حري أن يقع في الفتنة ما لم يتداركه الله فيترك هذه الأمور.
فالمسلم عليه أن يسير كما أمره الله ، فيطلب العلم الشرعي، ويؤهل نفسه إذا كان عنده استعداد للتبحر في العلم الشرعي، فإذا وصل إلى مستوى المجتهدين عمل بقواعد الاجتهاد، وسيجد بالضرورة أنه ليس من شروط إسلام المسلم أو تدين المتدين أو صلاح الصالح أن ينبش عن أحوال الناس.
стр. 764
الأصل امتناع التكفير
القاعدة الرابعة: أن الذي ورد في النصوص الشرعية هو الوعيد في تكفير أهل القبلة، كما ورد في الحديث الصحيح: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، نسأل الله السلامة.
فهذا يفهم أنه يجب أن تحترز من إطلاق الكفر على غيرك؛ لأنك لا تعلم الغيب، ولست من أهل الاجتهاد الذين يملكون الحكم بالكفر، بل أهل الاجتهاد أكثرهم يتورع عن الحكم بالكفر، إذاً: يجب أن يتوقف المسلم في إطلاق الكفر على الأشخاص والهيئات والجماعات وغيرها حتى على أهل البدع؛ لأن أهل البدع يتفاوتون، فمنهم من يكفر ومنهم من لا يكفر، ثم إن للتكفير شروطاً وله موانع لا يتحقق استجلاؤها والاجتهاد فيها إلا على أيدي العلماء الراسخين.
إذاً: الصحيح هو أنه ورد الوعيد في التكفير، فإذا كان كذلك وجب أن يحذر المسلم من أن يكفر غيره أو أن يقول بكفر أحد، وهذه مسألة خطيرة جداً على ذمة المسلم ودينه ومصيره.
القاعدة الخامسة: من يتناول التكفير؟ هل لكل مسلم أن يبحث في مسألة التكفير ليكفر من يشاء ويترك من يشاء؟ أو لكل من استطاع أن يقرأ النصوص أن يكفر أو لا يكفر؟ أقول: مسائل التكفير ينبغي ألا يبحث فيها إلا من قبل المتخصصين الذين تتوافر عندهم شروط الاجتهاد، وتتوافر فيهم صيغة الرسوخ في العلم مع الرأي والتجربة وإدراك قواعد الشرع وإدراك أحوال الأمة بالتفصيل.
فلا ينبغي لكل مسلم أن يتناول التكفير، بل لا ينبغي لكل طالب علم أن يتناول التكفير، بل لا ينبغي للعالم بمفرده أن يستقل في مسألة إطلاق الأحكام على المسلمين، لاسيما في هذا الوقت الذي خفي فيه كثير من الأمور، وغمض فيه كثير من أحوال المسلمين، فلابد من التأني في إطلاق الأحكام، ولا يتم ذلك إلا من قبل أهل العلم الراسخين في العلم.
стр. 765
التفريق بين الحكم بكفر العمل وتكفير المعين
القاعدة السادسة: أنه يجب أن نفرق -كما كان السلف- بين الحكم بالكفر وبين تكفير الأعيان والأشخاص والهيئات وغيرها، فطريقة السلف أنهم يقررون الأحكام، فيقولون: الأمر الفلاني كفري، والقول الفلاني كفري، والاعتقاد الفلاني كفري، فهذا يكفر به من قاله، وهذا يكفر به من اعتقده، وهذا يكفر به من فعله، وذاك ليس كذلك، إلى آخره.
هذه بالنسبة إلى الأحكام، لكن تطبيق الأحكام على الهيئات والأشخاص والمؤسسات والجماعات ونحوها له أسلوب آخر لا يلجأ إليه إلا في الحالات النادرة وعند الضرورة، ولذلك تجد كلام السلف في أحكام التكفير كثيراً جداً جملة وتفصيلاً، لكن كلامهم في الأعيان تجده قليلاً جداً، حتى إن بعضهم كان يتردد في تكفير من تبين كفره عند عموم الأمة، وقليل من أهل العلم من كان يطلق التكفير، خاصة أهل العلم الكبار، ككبار الصحابة، بل كل الصحابة، فالصحابة واجهوا أهل البدع وما كفروهم، حتى أولئك الذين قاتلوا الخوارج، وأول خصم وأشد خصم على الخوارج هو علي بن أبي طالب ﵁، ومع ذلك لما قيل له: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا.
وكذلك سائر الصحابة لما واجهوا القدرية، ولما واجهوا أقوال كثير من الشيعة وغيرهم، فإنهم كانوا يترددون في تكفير الأعيان والأشخاص، أما التكفير بالأحكام فأمره واضح وسهل، بأن يقال: من فعل كذا فهو كافر، من قال كذا فهو كافر، من اعتقد كذا فهو كافر، فهذه مسألة سهلة؛ لأنها حررت علمياً عند السلف، لكن السلف يفرقون بين هذا وبين إطلاق الأحكام على الأشخاص، ولذلك -كما قلت- تجد كبار أهل العلم من الصحابة إلى يومنا هذا يندر عندهم التكفير، بل بعضهم لم يؤثر عنه أنه كفر أحداً مع أنه لا تنقصه عقيدة الولاء والبراء، ولا تنقصه الغيرة على دين الله ، كالإمام أحمد ﵀، فما كفر إلا في حالات نادرة جداً أقام الحجة فيها بنفسه، كتكفيره من قال بخلق القرآن؛ لأنه علم يقيناً أن الحجة قامت، وأن شروط الكفر توافرت، وأن موانع التكفير منتفية، فأطلق الكفر بعد ذلك، أما فيما عدا ذلك فإنك تجد الإمام أحمد تورع كثيراً عن إطلاق الكفر حتى فيمن كفرهم السلف قبله.
وأقول: الخلل الحاصل الآن عند كثير ممن يدعون العلم هو سرعة تطبيق الأحكام على الأعيان، فينزل الدليل على القضية مباشرة، فيكفر الشخص، مع أنا نعلم يقيناً أنه ما توافرت عنده شروط التكفير، ولا اجتهد في معرفة ما يعارض إطلاق التكفير من الموانع الشرعية المعروفة، مثل: الإكراه، ومثل: التأول، ومثل: الجهل، وغير ذلك مما هو معروف ويحدث عند كثير من المسلمين في بعض العصور والأمكنة والأزمان.
وعلى هذا فإن تكفير الأشخاص وتكفير الأعيان وتكفير الهيئات وتكفير الجماعات وتكفير الدول أمر خطير يجب ألا يسود بين الناس، ويجب أن يترك لأهل العلم الراسخين، وإذا أدرك بعض طلاب العلم أن هذا الأمر بدأ يظهر بكثرة الثرثرة في هذه الأمور وجب عليهم أن يناصحوا الناس وأن يعظوهم في ذلك وأن يذكروهم بتقوى الله ، فلا يتحدث في هذه الأمور بغير علم، وأغلب ما يتكلم فيه الناس الآن عواطف بناء على الشائعات بدون تثبت وبدون معرفة لهذه الأحكام التي أشرت إليها.
стр. 766
شروط التكفير وموانعه أمر يلزم استحضاره
ومن الأمور المهمة ما يتعلق بضرورة التذكير دائماً بأن التكفير له شروط، والشروط تزداد وتنقص من شخص إلى شخص، ومن عهد إلى عهد، ومن عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، وكذلك للتكفير موانع لابد من اعتبارها، وهذه الموانع تختلف من عصر إلى عصر، ومن شخص إلى شخص، ومن حال إلى حال، ومن وضع إلى وضع، فأوضاع الضرورات غير أوضاع الحالات العادية، وأوضاع الإكراه تختلف عن أوضاع الاختيار.
لذا ينبغي أن نفرق في مسألة الأشخاص بين من يعلم ومن لا يعلم، ومن أقيمت عليه الحجة ومن لم تقم عليه، ومن يشترط أنه علم وسمع وتواتر عنده الأمر ومن لا يشترط فيه ذلك، ومن يمكن أن يكره أو يمكن أن يجهل أو يقع في الأمر المحظور ضرورة ونحو ذلك، ومن ليس كذلك، لاسيما في أحوال المسلمين اليوم، ففي أحوال المسلمين اليوم نجد كثيراً من الأمور انقلب من الحال العادية إلى أحوال الضرورات، وأضرب لهذا مثالاً واحداً وكثيراً ما أضربه؛ لأنه من أوضح الأمثلة، حيث يدل على أن أحوال المسلمين يجب أن نتأنى فيها في إطلاق الأحكام بالكفر أو نحوه عليهم.
ففي البلاد التي يحكم فيها بالقانون الوضعي -نسأل الله العافية- قد يضطر مسلم إلى أن يحمي عرضه باللجوء إلى القانون الوضعي، فلا يحمي عرضه إلا باللجوء إلى القانون الوضعي، أليس هذا الوضع محرجاً؟! إنه إذا ما لجأ إلى المحكمة القانونية سينتهك عرضه غداً، فيمكن أن تؤخذ ابنته أو زوجته؟ أليست هذه معضلة؟ وهناك مسألة أخرى جاءت فيها أسئلة فعلاً واجهتها وواجهها غيري، والمشايخ يواجهونها أكثر منا، حيث يقول السائل: أنا في بلد مسلم من بلاد الإسلام، لكن يلزمني أن أحلق لحيتي، وأن أترك الصلاة جماعة، ولا أصلي إلا خفية، ويلزمني أحياناً أن أتساهل في عرضي، فبنتي تختلط بالشباب في الجامعة، وتسبح معهم في المسابح رغم أنفي، وتختار صديقاً، وإذا عارضت أسجن إلى آخر ذلك من المآسي التي لا نحب أن نجرح بها أفئدة المؤمنين، يقول: أنا مضطر لأن أسافر إلى بلد الشرك؛ لأني سأصلي وأحمي عرضي وأدعو إلى الله وأعمل بشعائر الدين تحت ظل قانون كافر خالص في فرنسا أو أمريكا أو ألمانيا أو أي مكان، فما رأيكم؟! أليس السفر من بلد الإسلام إلى بلد الشرك محرماً في الأصل؟! وإذا كان اختياراً وتفضيلاً لبلد الكفار ألا يكون كفراً؟! فما رأيكم في هذه الحالة؟ فمن يتتبع أحوال المسلمين يجد أن مفردات الضرورات كثيرة جداً، وهناك ما هو أعظم من ذلك، فهناك ما يمس جماعات المسلمين ومجتمعاتهم لا أفرادهم.
إذاً: فالمفتي الذي لا يعتبر هذه الأحوال لا أظنه يصيب الحق، ولذا لما نظر في الأمر بعض الذين عندهم تدين بغير بصيرة كفروا المجتمعات المسلمة على هذا الأساس، فإذا سئلوا عن السبب ذكروا هذه الأحوال على أنها موجبة لتكفير المجتمع المسلم، فمن هنا قالوا بأقوال الخوارج.
وقد يقال: ألا يجب الدفاع عن العرض ومدافعة المنكر ومدافعة الشر قبل وقوعه؟ فنقول: بل يجب على المسلمين ذلك، ولكننا نتكلم عن الحكم على أمور ليست بإمكان كثير من المسلمين الآن، وفرق بين ما يجب وبين علاج الواقع، فأنا أتكلم عمن لا يستطيع، فالإنسان إذا لم يستطع حماية نفسه إلا بالأساليب التي ليست مشروعة هل يلجأ إلى الأساليب التي ليست مشروعة؟ وهل الغاية هنا تبرر الوسيلة؟! الأمر الثاني: أن المسلمين الذين هذه أحوالهم في البلاد الأخرى لا يستطيعون أن يعملوا إلا أشياء تضر بهم وتضر بالأمة وتضر بالمجتمع، بل أحياناً قد يتصرف الإنسان تصرف متشنج يحمي فيه نفسه وعرضه، لكن بعد ذلك تتضاعف المشكلة أكثر، فينتهك عرضه وينهب ماله ويؤذى أقاربه ويؤذى أصدقاؤه، وتصير المشكلة جماعية بعد أن كانت فردية.
فكثير من المسلمين اليوم جهلة، وأحوال المسلمين الآن أكثرها واضحة ليست خفية، فلا نبن الأمور على أحكام وهمية، نعم يجب على المسلمين أن يكونوا متمسكين بدينهم، وألا يقع هذا الذي حصل، يجب ألا تكون البدع موجودة في المسلمين؛ لأنها هي التي أدت إلى ضعف اليقين وضعف الإيمان في الناس حتى صار ما صار، ويجب ألا يهيمن التصوف والخزعبلات على عقول المسلمين التي أدت إلى هذا الوهم والسلبية، والأمر لله من قبل ومن بعد، فالتقصير حصل والمآسي حصلت، فنحن لا نفترض وقوع أشياء نخشى أن تقع ونقول: يجب أن نتفاداها قبل أن تقع؛ بل نحن نتكلم في أمور وقعت في المسلمين.
فهذا كله جرنا إليه مسألة أنه ينبغي للمسلم ألا يتعجل في التكفير؛ لأنه ليس كل من وقع في مثل هذه المحظورات، أو وقع في البدع، أو وقع في الأمور التي ورد النص بالتكفير فيها خاصة نحكم بكفره؛ إذ الأحوال تنقلب أحياناً إلى العكس، فأغلب الأحكام يعذر المسلمون فيها على الأقل في التكفير، ولا نقول: ليس فيهم فسق ولا فجور! فلا شك أن أكثر المسلمين فيهم بدع وفيهم فجور وفيهم فسق وفيهم إعراض عن شرع الله ، ولولا ذلك ما صاروا إلى ما صاروا إليه؛ لأن الله ضمن لهم إن تمسكوا بدينه أن ينصرهم ويمكن لهم في الأرض، لكن التقصير حصل، وما دام قد حصل فما العلاج؟ هل العلاج أن يكفر الناس ب
стр. 767
التوقف في الحكم بإسلام المسلمين قبل التبين بدعة عصرية ضالة
المسألة التي تتبع هذا الأمر: مسألة التوقف والتبين، وهي من البدع التي انتشرت بين أبناء المسلمين في بعض البلاد التي يكثر فيها الجهل، ومسألة التبين والتوقف هي من آثار الهجرة والتكفير، وهي تابعة لمسألة التكفير، لكنها لم تصل إلى حد التكفير.
فهناك مجموعات أو جماعات أو أفراد -خاصة الذين ما أخذوا العلم على أصوله الصحيحة، ولا تعلموا على أيدي العلماء، وما عرفوا كيف يتناولون أصول الولاء والبراء ويرجعونها إلى قواعد الشرع، ولا عرفوا أقوال أهل العلم الراسخين في العلم- أخذوا نصوص الولاء والبراء ونصوص الوعد والوعيد فنظروا فيها ففهموا أنها تستدعي التوقف في إسلام جميع المسلمين أو أكثر المسلمين، وأنه لا بد من التبين قبل الحكم بالإسلام، وهذه النزعة هي من جنس التكفير، والغالب أنها تؤدي إلى التكفير، وقد كثرت في بعض المنتسبين للعلم الشرعي ممن لم يتعلموا على العلماء ولم يعرفوا قواعد الشرع.
فبعض هؤلاء يقول: إن المسلمين الأصل فيهم الإعراض عن الإسلام، وبعضهم يقول: الأصل فيهم الردة، وبعضهم يقول: الأصل فيهم عدم تحقق الإسلام، ولا يحكم بالردة ولا الكفر، إذاً: نتوقف في إسلام أهل القبلة إلا من عرفته وأقمت عليه الحجة وتبين لي أنه مسلم، فمن هنا قد لا يصلون وراء كل أحد من عامة المسلمين، وقد لا يتعاملون التعامل الشرعي مع كل أحد، فقد لا يردون السلام، فبعضهم إذا سلم عليه مسلم آخر ما تبين له حاله يقول: صباح الفل، صباح الخير، أو: أهلاً وسهلاً، ولا يقول: وعليكم السلام، يقول: أخشى أنه غير مسلم، فأكون قد وقعت في الإثم.
وقد يستغرب من هذه الظواهر، وقد يقول قائل: أين هي؟ وأقول: إنها موجودة، وإن كانت -والحمد الله- قليلة، ولكن ليس عندنا عصمة من الله ، فهذه الظواهر وصلت إلينا كما وصل التكفير إلى بعض من كانوا شذاذاً لتساهلنا وعدم عنايتنا بهذه الأمور، فالتبين موجود الآن وظهرت له مؤلفات وكتب وله زخم كبير بين طائفة من المنتسبين للعلم، وتثار قضاياه، خاصة في مصر وفي أفغانستان وفي بعض البلاد الإسلامية.
стр. 768
عظيم خطر نزعات التكفير
المسألة الأخرى: خطورة نزعات التكفير قبل التكفير، ولذلك أرى أن طلاب العلم يجب عليهم أن يهتموا بالأشياء الممهدة للتكفير ويعالجوها قبل أن توصل إلى التكفير؛ لأن الغالب أن ظواهر ونزعات التكفير إذا لم تعالج قبل وصول أهلها للتكفير فإنه يصعب علاجهم بعد ذلك بحسب التجربة قديماً وحديثاً، فمن وصل إلى التكفير الخالص فإنه في الغالب يصعب علاجه، لا يمكن إقناعه إلا في حالات نادرة جداً، أما الذين يمر عليهم الكلام بدون اقتناع، وربما يتأثرون بعض التأثر، فمسألتهم مسألة ظواهر تعالج.
فلذلك أقول: إنه ينبغي أن نحذر ونُحذِّر ونتنبه للنزعات الأولى الممهدة للتكفير، ومن هذه النزعات التشدد والشدة في الكلام في الولاء والبراء إلى حد يوقع الناس في الحرج مع آبائهم وأقاربهم، ومع شيوخهم وزملائهم، ومع المسئولين وأهل الرأي والمشورة فيهم، ومع كبار القوم وذوي الهيئات إلى آخره، فإذا وجدت الشدة إلى حد يخرج عن الحد الشرعي المعروف عند أهل العلم؛ فاعرف أن هذه نزعة يخشى منها أن تصل إلى التكفير، فيجب أن تعالج، فالبراء والولاء أمر شرعي، لكن له ضوابطه وموازينه، فينبغي أن يرجع فيه إلى أهل الفقه الراسخين، خاصة إذا انبثق عنه مواقف وتعامل، فقد تجد بعض الناس قد هجر عمه أو خاله أو قريبه، فتسأله: لماذا؟ فيقول: في بيته كذا من المعاصي، وعنده كذا من التقصير، وليست تلك مكفرات، ولكن تجده أنه عامله معاملة الكافر، أو قريباً من معاملة الكافر، فلا يأكل ذبائحه، ولا يجيب دعوته الواجبة، وقد لا يشارك في الأمور الواجبة له شرعاً، وهذا ناتج عن شدة القول بالبراءة.
وبعض الناس تجده يعد أصدقاءه على الأصابع، والبقية يتبرأ منهم، ويقول: ما أجد على الدين الصحيح إلا فلاناً وفلاناً! وهذا ليس صحيحاً، فإن الصالحين كثيرون، فإذا وجد تشدد في الولاء تضيق دائرة الولاء إلى حد غريب لا يعرفه أهل العلم وأهل الاستقامة.
стр. 769
استحلال المحرم من حقوق الآخرين نتيجة حتمية للتكفير
ومن آثار التكفير الاستحلال، كاستحلال الغيبة أحياناً، واستحلال القدح في المخالف وإن كان من المسلمين إلى حد التبديع والتكفير والإخراج من الملة أو دون ذلك، واستحلال الوسائل غير المشروعة، واستعمال المكائد التي فيها غدر وخيانة، أو استحلال الأساليب التي فيها سوء أدب، فقد تجد وإن كان -بحمد الله- ليس كثيراً، وقد وجد في بعض البلاد، ومثاله: أن يأتي طالب علم له رأيه في قضية من القضايا فيصعد على المنبر أو في قاعة من القاعات أو في مكان من الأمكنة ليقرر أمراً من أمور الدين، فتجد أصحاب هذا التوجه الذين عندهم شدة يعملون عملاً ليس من الأدب تجاه هذا المخالف، فإما أن يخرجوا كلهم من المسجد، أو يغيروا جلستهم بحيث يجعلون اتجاههم عكس اتجاهه فيعطونه ظهورهم، وهذا نوع من الاستفزاز والنكاية بهذا المخالف لأنه يخالفهم، وهذه العلامات من سمات الخوارج.
أقول: مثل هذه الأساليب لا يفعلها إلا أحد اثنين: إما جاهل، وهذا يجب أن يعلم، وإما صاحب هوى، فإذا لم يصحح عمله ولم يوجد من طلاب العلم من يبين له أن هذا غلط فستتجارى به الأهواء وربما يصل إلى التكفير، والله أعلم.
وأعظم من ذلك استباحة الأعمال التي تعد من الفساد في الأرض، كاستباحة التفجيرات، والإحراق، والنسف، والنكاية بالآخرين إلى حد يتلف النفوس، أو إلى حد يخل بالأمن، أو إلى حد يوقع المؤمنين ويوقع أهل الخير في فرقة، أو إلى حد يستعدي الأشرار على الأخيار؛ لأن الأشرار لا يميزون، فمن كان متديناً وفعل شيئاً حسب أن فعله من الدين.
إذاً: ألا يجب الأخذ على يد السفيه ممن ينتسب للتدين؟! لا سيما أن مثل هذه الأفعال خطير على الدين وعلى المسلمين أعظم من خطر الكثير من أفعال الكفار أنفسهم، بدليل أن النبي ﷺ ما أمر بقتل أحد من أهل الأهواء غير الخوارج؛ لأن عملهم يؤدي إلى الفساد في الأرض، ويؤدي إلى الإخلال بالأمن؛ ولأنهم يستحلون دماء المسلمين، ويستحلون النكاية بالمخالف بكل وسيلة، ونزعات التكفير تؤدي إلى هذا حتى لو لم تصل إلى التكفير، فبعض الناس يقول: هذه مجرد عواطف، أو مجرد وجهة نظر أو اجتهادات خاطئة أو جهل، ونقول: هذه مصيبة أن نترك هذه العواطف وهذا الجهل وهذه الاجتهادات الخاطئة ولا نعالجها بكل وسيلة، ولو بإعلان مثل هذه الأمور، إذا عسر العلاج بالستر بين المسلمين، فإذا عسر العلاج بالستر فلابد من إعلانها لا سيما أن الأمر قد وقع فيه الفأس على الرأس، فلا بد لطلاب العلم من أن يعالجوا مسألة نزعات التكفير، وسمات التكفير والظواهر والآراء والمواقف التي تؤدي إلى التكفير في النهاية، ومن ضمنها هذه الأساليب التي ذكرتها.
وقد يقول قائل: إن من علاج التكفير أو من تفادي وقوع التكفير إنكار المنكرات، وهذا حق يجب أن يقال؛ لأن من أسباب ظهور التكفير كثرة المنكرات، فنجد شباباً حدثاء الأسنان ما عندهم فقه، وما عندهم تجربة، وليس لهم صلة بالمشايخ الذين يرشدونهم يرون منكرات كثيرة في المجتمعات الإسلامية، ويرون الضيم على المسلمين في كل مكان، فلا يعرفون كيف يعالجون هذه الأمور على القواعد الشرعية، فيقعون في الأحكام الشديدة والتكفير، فيجب إنكار المنكرات، ويجب النصح للمسلمين، لكن لا يعني هذا عدم الأخذ بأسباب العلاج الأخرى من التحذير من التكفير، وتعليم الناس قواعد الشرع، وإرجاع الأمور إلى أصولها الشرعية، وكشف من يصر على التكفير إذا كان ممن يتصف بالخير، خاصة إذا صرح، فهذا كله من الأسباب.
стр. 770
الأسباب الممهدة لظهور نزعات التكفير
стр. 771
الخوض في أمور الأمة الكبرى
من الأسباب التي ربما تؤدي إلى ظهور نزعات التكفير أو التمهيد للوقوع في التكفير الثرثرة في الأمور الكبرى التي ليست في مقدور الشباب ولا في مقدور العوام، فالثرثرة في هذه الأمور تشحنها، ثم تؤدي إلى سرعة الحكم بالأشياء، مثلاً: الكلام في مصالح الأمة العظمى التي ليست من شأن العوام ولا من شأن الصغار ولا من شأن النساء، فالثرثرة في هذه الأمور تؤدي في النهاية إلى التكفير.
ولا شك أن أعظم سبب لوجود التكفير وجود المنكرات والإعراض عن دين الله في أكثر البلاد الإسلامية، ولا يشك في هذا ولا يجحده إلا جاهل، لكن هناك بواعث أخرى نعرفها ونستطيع علاجها، وربما يسهم بعضنا فيها وهو لا يشعر، فأنا الآن أتكلم مع طائفة من طلاب العلم، ولست أتكلم للناس جميعاً، فأنا أكلم هذا الصنف لأنهم يدركون هذه الظواهر ويستطيعون علاجها ويرونها في المجتمع، أعني الثرثرة وكثرة الكلام وشحن القلوب، كما تفعل بعض النشرات وغيرها بغير بصيرة وهدى، كالكلام في العلماء، والكلام في الولاة، والكلام في المظالم، فهذه قضايا عامة كبيرة لا تستوعبها عواطف الصغار ولا عواطف النساء ولا عواطف العوام ولا عواطف كثير من أبناء الأمة، فالثرثرة فيها مصائب من ورائها، إلا أنها سمة من سمات كثير من حركات المسلمين المعاصرة، أو سمة من سمات العصر الحديث، فالأسلوب الصحفي ليس مبرر لطالب العلم أن يجاري وينشر بين أهل الخير هذه القضايا، فهي الممهدة للتكفير، وهي الممهدة للعنف.
وكذلك الثرثرة في مسائل علمية كبيرة لا يستطيع الناس الحكم فيها، كمسألة الكبائر وحكم أهلها، ومسألة الكفريات وحكم أهلها، والبدع بأشكالها وحكم أهلها، وما يقع في قضايا الحكم بغير ما أنزل الله ونحوها، فهذه قضايا كبيرة لا يستطيعها الصغار ولا الكثير من الناس، فهذه تناقش عند أهل العلم، نعم تبين للناس في الكتب وتبين للناس في المحاضرات، ولكن ببيان يناسب الناس، تبين القواعد والأحكام والأصول، وتبين القضايا الرئيسة التي تناسب عقول الناس، لكن إصدار الأحكام على الأشخاص، وتطبيق الأحكام على الهيئات، وتطبيق الأحكام على الدول، وتطبيق الأحكام على الجماعات في المجالس عند من هب ودب من أسباب ظهور نزعات التشدد والتشنج والتكفير.
وكذلك الكلام في مثل البيعة والخروج وإلزام الناس بما لا يلزم، كأن يقال: من فعل كذا فهو مبتدع، ومن فعل كذا فهو فاجر، فتوضع قواعد على غير أصولها، فلذلك كانت سمة أهل العلم أنهم إذا جلسوا في المجالس العامة يقرءون كتباً تناسب العامة، ويطرحون قضايا تناسبهم، ويطرحون أحكاماً تتعلق بأعمالهم اليومية التي يدركونها، أما القضايا العامة الخطيرة -كقضايا التكفير- فلا يتعرضون لها في مثل هذه المجالس.
ومن الظواهر المزعجة التي بدأت تكثر في مجتمعاتنا الآن كثرة الثرثرة في القضايا الخطيرة في الأشخاص والهيئات والجماعات وفي مصالح الأمة العظمى مع وجود من ينتسب للعلم، وربما يشارك الناس ويؤيدهم أو يسكت ويصمت في مثل هذه المجالس، ولا يبين ولا يعظ، فيظن الناس أن هذا مشروع، بل ربما يدعي بعض القاصرين ممن ينتسبون للعلم أن هذا مشروع.
стр. 772
الحكم على نيات الناس وما في قلوبهم
ومن النزعات التي توصل إلى التكفير: الكلام في نيات الناس، الكلام عن النيات والقلوب، والاستجابة للشائعات، والحكم على أشخاص في أمور لم تثبت أو لم تقم عليهم الحجة فيها، والحكم على المخالف قبل نقاشه، واستعداء الآخرين على المخالف في الرأي، وأرى أن هذه ظاهرة خطيرة، وأظنها من سمات الخوارج، كطالب علم أو إنسان له خلاف مع طالب علم أو مع أحد المشايخ، فيذهب يستعدي المشايخ الآخرين، ويستعدي المجتمع عليه بحجة أن هذا له رأي خطير، فهذه المسألة تؤدي إلى فتنة بين المؤمنين، وهي من سمات الخوارج، فالاستعداء مسألة خطيرة جداً، لا سيما أن أكثر ما يدور بين طلاب العلم والمشايخ من الأمور الخلافية، حتى ما يقال عنه: إنه بدعة، فالاستعداء أرى أنه من الوسائل التي تؤدي إلى التشدد والتشنج وتفريق ذات البين، وشحن قلوب المسلمين بعضها على بعض مما يؤدي في النهاية إلى تكفير بعضهم لبعض، وهذه هي نزعة التكفير عند الخوارج.
стр. 773
السلوك التديني المخالف لما عليه أهل العلم
ومن النزعات: سلوك مسالك تخالف أهل العلم في التدين، وهذه -وإن كانت أحياناً تحدث عن تورع- تؤدي في كثير من الأحيان إلى غرس مذاهب واتجاهات ربما تصل إلى مذاهب الخوارج أو تصل إلى التكفير، وأعني بذلك الشذوذ عن العلماء وعن جمهور طلاب العلم في قضايا وإن كانت اجتهادية، مثل تحريم بعض الأشياء المباحة أو التي ما حرمها العلماء، كتحريم الدراسة في المدارس، فهذه نزعة قد تجدها عند شخص تورعاً، فهي مسألة تخصه، لكن أن نقول: إنه مبتدع، ويدعو إلى ترك الدراسة، ويصد أبناء المسلمين عنها بدعوى أنها بدعة؛ فهذا يؤدي في النهاية -إذا لم يعالج- إلى مذاهب الخوارج.
وكذلك تحريم حمل البطاقات، وتحريم حمل العملة، نعم هناك ناس يتورعون عن هذه الأمور تورعاً، وهذا شيء راجع إليهم وأمرهم إلى الله ، ونحسبهم -إن شاء الله- من الصالحين، لكن أن يجعلوا هذا ديناً، ويتهموا من خالفهم، وإذا قيل: إن المشايخ أفتوا بضرورة حمل البطاقة التي فيها صورة اتهموا المشايخ؛ فهذا ما أردت أن أنهى عنه.
وهذه مجرد أمثلة، وأعود إلى ما بدأت به، وهو أن الكلام بالتكفير أمر ينبغي أن يتفاداه الناس إلا عند الضرورة، وأرى أنه في مثل الأحوال التي نعيشها الآن من الضروري لطلاب العلم أن يبينوا للناس القواعد الصحيحة في التكفير، وأن يجلى الأمر وإن أدى هذا إلى الكتابة في الصحف وإلى استعمال وسائل الإعلام المشروعة وإلى محاضرات وندوات ودورات، فأدعو طلاب العلم إلى مثل ذلك في هذه الظروف؛ لأن الأمر وصل إلى حد الإضرار بالمسلمين، والإضرار بأهل الخير، ووصل إلى حد أن ظهرت ظواهر نخشى أن تكون اتباعاً لما عليه الخوارج، ونحن حديثي عهد بقصص التكفير والهجرة، وبجماعة التبين والتوقف، والسعيد من وعظ بغيره.
وهذا اجتهادي، وأسأل الله لي ولكم ولجميع المسلمين التوفيق والسداد والرشاد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 774
الأسئلة
стр. 775
نظرة في واقع صلة الشباب بالمشايخ والعلماء
السؤال
ألا يكون من أسباب التكفير الجوهرية حجب العلماء بأي صورة كانت عن الشباب وعامة المسلمين؟
الجواب
هذا الكلام -في الحقيقة- كلام عاطفي، فمن حجب العلماء عن الشباب؟! فهذا الكلام فيه نظر، فالعلماء أبوابهم مفتوحة، ودروسهم وقلوبهم مفتوحة للشباب، نعم هناك بعض الأمور لظروف اقتضتها، حيث أصبح الناس تحكم حياتهم الأساليب الحديثة والعمل الرسمي، فالعمل الرسمي والمواعيد أمور تحكم حياة الناس كلهم، ولكن من حجب الشباب عن المشايخ؟! لا سيما أن الوسائل ممكنة، فالشباب الذين لا يمكنهم الحضور إلى المشايخ يستطيعون أن يسمعوا أشرطتهم، ويقرءوا كتبهم، ويتصلون بهم بالهواتف، ويتصلون بهم عبر تلاميذهم الوسطاء، فالمسألة ليست صحيحة إلى هذا الحد، نعم قد يكون في التفاف الشباب على مشايخهم وعلمائهم صعوبة؛ لأن الظروف اختلفت منذ زمن، ولكن لا نسمي ذلك حجباً؛ لأننا نعرف أن المشايخ ما أوصدوا أبوابهم، والوصول إليهم متاح.
следующие страницы →