Полный текст (1 296 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
عمل الرسول ﷺ بخبر الواحد
قال رحمه الله تعالى: [ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع، كخبر عمر بن الخطاب ﵁: (إنما الأعمال بالنيات)، وخبر ابن عمر ﵄: (نهى عن بيع الولاء وهبته)، وخبر أبي هريرة ﵁: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها)، وكقوله: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، وأمثال ذلك، وهو نظير خبر الذي أتى مسجد قباء وأخبر أن القبلة تحولت إلى الكعبة فاستداروا إليها.
وكان رسول الله ﷺ يرسل رسله آحاداً، ويرسل كتبه مع الآحاد، ولم يكن المرسل إليهم يقولون: لا نقبله؛ لأنه خبر واحد!]
стр. 912
حفظ الله تعالى دينه بحفظ حججه وبيناته
قال رحمه الله تعالى: [وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]، فلا بد أن يحفظ الله حججه وبيناته على خلقه؛ لئلا تبطل حججه وبيناته].
من المعلوم في الدين بالضرورة أن الله تكفل بحفظ الدين، وأن النبي ﷺ أدى الأمانة وبلغ الرسالة، وأن الله رضي له ذلك، وأكمل الله الدين من كل وجه، وكان من وسائل كمال هذا الدين وتبليغه وحفظه أن نقل لنا شيء كثير منه من طريق الآحاد، فلو كان طريق الآحاد ليس بدليل في تثبيت الدين وفي تقريره والاعتماد عليه ما رضيه الله لنا ولا بقي الدين محفوظاً؛ لأنه إذا تطرق الاحتمال لشيء من الدين تطرق الاحتمال للدين كله، بل إذا تطرق الاحتمال إلى مفردة من مفردات الدين التي وردت في حديث الآحاد تطرق إلى كل ما يرد في حديث الآحاد، وحديث الآحاد كثير ويشمل جزءاً من الدين مهماً، فلو ألغينا هذا الجزء ما كان الدين كاملاً ولا كان محفوظاً، إذاً: لا بد أن يكون قبول خبر الآحاد من المعلوم بالضرورة؛ لأنه وسيلة من وسائل حفظ الدين، فإذا تأملنا بعض العقائد وبعض الأحكام وجدناها ثبتت بطريق الآحاد، وهي جزء من الدين.
ثم إن هناك أمراً آخر يحسن التنبيه عليه، وهو أن أصول الدين القطعية الكبرى ليس طريقها فقط حديث الآحاد؛ فإنها انعقدت بالإجماع وانعقدت بأمور أخرى ودلائل أخرى، ومن ذلك ما يتعلق بصفات الله .
وأقصد بهذا أن أكثر الذين طعنوا في حديث الآحاد إنما لجئوا إلى الطعن في حديث الآحاد بسبب مخالفتهم في الصفات، فلو لم يكن هناك نزاع عندهم في الصفات لما تكلموا في أحاديث الآحاد، ولذلك ما عملوا بقاعدة عدم اعتماد خبر الآحاد إلا فيما يتعلق بالصفات، إذاً: فهم استهدفوا شيئاً من الدين ثبت بقواعد أخرى، بقواعد السلف المبنية على القواعد العامة، وهي إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ .
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا فضح الله من كذب على رسوله في حياته وبعد وفاته، وبين حاله للناس، قال سفيان بن عيينة: ما ستر الله أحداً يكذب في الحديث، وقال عبد الله بن المبارك: لو هم رجل في السحر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب].
стр. 913
أخبار أئمة الحديث المشتغلين به تنفي وقوع الشك في صحة ما رووه وتلقوه بالقبول
قال رحمه الله تعالى: [وخبر الواحد وإن كان يحتمل الصدق والكذب، ولكن التفريق بين صحيح الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلاً بالحديث].
قوله: [خبر الآحاد وإن كان يحتمل الصدق والكذب]، أي: قبل أن يحرر، وهذه قاعدة معلومة عند العقلاء، فمجرد خبر يأتيك عن أحد يحتمل الصدق والكذب حتى يحرر، فإذا حرر ثبت بالقرائن أو بصدق الراوي.
فيكون الخبر معلقاً بين الصدق والكذب قبل أن يحرر، فإذا حرر عرف هل هو صدق أو كذب، فكل خبر يحتمل الصدق والكذب حتى يثبت بطرائق الثبوت المعروفة عند العقلاء، أو بالطرق الشرعية.
قال رحمه الله تعالى: [ولكن التفريق بين صحيح الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلاً بالحديث والبحث عن سيرة الرواة، ليقف على أحوالهم وأقوالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحداً في كلمة يتقولها على رسول الله ﷺ ، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك، وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم، فهم يزك الإسلام وعصابة الإيمان، وهم نقاد الأخبار، وصيارفة الأحاديث.
فإذا وقف المرء على هذا من شأنهم، وعرف حالهم، وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم؛ ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه، ومن له عقل ومعرفة يعلم أن أهل الحديث لهم من العلم بأحوال نبيهم ﷺ وسيرته وأخباره ما ليس لغيرهم به شعور، فضلاً أن يكون معلوماً لهم أو مظنوناً.
كما أن النحاة عندهم من أخبار سيبويه والخليل وأقوالهما ما ليس عند غيرهم، وعند الأطباء من كلام بقراط وجالينوس ما ليس عند غيرهم، وكل ذي صنعة هو أخبر بها من غيره، فلو سألت البقال عن أمر العطر، أو العطار عن البز، ونحو ذلك؛ لعد ذلك جهلاً كثيراً] يقصد بذلك أن الذين يؤخذ عنهم القول الفصل في مسألة خبر الآحاد هم أهل الحديث الذين عنوا به، حيث كانوا يفرقون بين الأحاديث بمختلف درجاتها، ويعرفون الصحيح من السقيم، وما الذي يعتمد عليه في الدين وما الذي لا يعتمد عليه، ومصداق قول الشارح أنا لا نعرف من أئمة الحديث الكبار المعتد بهم المقتدى بهم في الدين من يتردد في قبول خبر الآحاد إذا ثبت بسند صحيح، بل يتورعون عن الكلام فيه أشد التورع، ولا يجرؤ أحد من أئمة الحديث الكبار على ذلك؛ لأنه عرف مسالك القبول في الحديث من عدمه، فما نعرف أن أحداً منهم يتردد في الحديث مثل تردد الذين ليس لهم علم بالحديث، فلذلك هذا القول لم يقل به -فيما أعلم- أحد من أئمة الحديث المعتد بهم، إلا أنه قد يوجد من أئمة الحديث من قال ذلك بسبب نزعته، فهذا النوع تغلب عليه النزعة إلى مذهبه المخالف، من حيث يشعر أو لا يشعر، أما الذين لا ينتمون إلى الفرق ولا إلى الجماعات -بمعنى: ليس لهم مناهج تخالف مناهج أهل السنة- فلا يعرف أن منهم من تردد في هذه المسألة، وهي أن الحديث إذا ثبت بسند صحيح وجب قبوله في الاعتقاد والعمل، ولا يفرقون بين العقائد والأعمال، ولا يقولون بأنه ظني.
وقد يتفلسف بعض المتكلمين فيقول: إني أقصد أنه ظني في أصل منشأ الخبر، لكن هذا ينبغي أن لا يقال في الأحاديث، فإذا صح أن نقول في أخبار الناس: إن الأصل فيها الظنية حتى تثبت؛ فلا يصح أن يقال ذلك فيما ثبت عن النبي ﷺ ، فكل حديث عن النبي ﷺ قال فيه أهل العلم المختصون: إنه صحيح يجب قبوله بدون تردد، ولا يعرض لهذه الأوهام التي قد تصح في غير الوحي.
стр. 914
شبهة النفاة في رد دلائل الأحاديث الصحيحة
قال رحمه الله تعالى: [ولكن النفاة قد جعلوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] مستنداً لهم في رد الأحاديث الصحيحة، فكلما جاءهم حديث يخالف قواعدهم وآراءهم وما وضعته خواطرهم وأفكارهم ردوه بـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] تلبيساً منهم وتدليساً على من هو أعمى؛ قلباً منهم وتحريفاً لمعنى الآية عن مواضعه، ففهموا من أخبار الصفات ما لم يرده الله ولا رسوله ولا فهمه أحد من أئمة الإسلام أنه يقتضي إثباتها التمثيل بما للمخلوقين، ثم استدلوا على بطلان ذلك بـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، تحريفاً للنصين، ويصنفون الكتب ويقولون: هذا أصول دين الإسلام الذي أمر الله به وجاء من عنده، ويقرءون كثيراً من القرآن ويفوضون معناه إلى الله تعالى من غير تدبر لمعناه الذي بينه الرسول ﷺ وأخبر أنه معناه الذي أراده الله، وقد ذم الله تعالى أهل الكتاب الأول على هذه الصفات الثلاث، وقص علينا ذلك من خبرهم؛ لنعتبر وننزجر عن مثل طريقتهم، فقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥]، إلى أن قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨]، والأماني: التلاوة المجردة.
ثم قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩]، فذمهم على نسبة ما كتبوه إلى الله وعلى اكتسابهم بذلك، فكلا الوصفين ذميم: أن ينسب إلى الله ما ليس من عنده، وأن يأخذ بذلك عوضاً من الدنيا مالاً أو رياسة، نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل بمنه وكرمه.
ويشير الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: (من الشرع والبيان) إلى أن ما صح عن النبي ﷺ نوعان: شرع ابتدائي، وبيان لما شرعه الله تعالى في كتابه العزيز، وجميع ذلك حق واجب الاتباع].
يظهر أنه يقصد بالشرع الابتدائي: النصوص العامة التي تقرر أصول الدين وقواعد الأحكام وجوامع الأدلة، فهذه تسمى شرعاً ابتدائياً، وما يفصلها وما يبينها وما يفسرها -سواء من القرآن أو من سنة النبي ﷺ هو الشرع المبين، فالابتدائي هو الأصول والقواعد، والنصوص الحاكمة والنصوص العامة، وما سواه هو البيان والتفسير.
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالحقيقة ومخالفة الهوى وملازمة الأولى)، وفي بعض النسخ: بالخشية والتقى بدل قوله: (بالحقيقة)، ففي العبارة الأولى يشير إلى أن الكل مشتركون في أصل التصديق، ولكن التصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت كما تقدم تنظيره بقوة البصر وضعفه.
وفي العبارة الأخرى يشير إلى أن التفاوت بين المؤمنين بأعمال القلوب، وأما التصديق فلا تفاوت فيه، والمعنى الأول أظهر قوة، والله أعلم بالصواب].
стр. 915
الأسئلة
стр. 916
منهج الصحابة في تلقي خبر الواحد منهم عن رسول الله ﷺ
السؤال
ألم يرد أن أبا بكر ﵁ كان لا يأخذ في بعض الأحيان إخبار بعض الصحابة حتى يتأكد من غيرهم؟
الجواب
ليس إخبار الناس بعضهم عن بعض، أو الصحابة بعضهم عن بعض، أو أخبارهم فيما بينهم كإخبارهم عن النبي ﷺ ، فرق بين هذا وذاك، فالصحابة لم يردوا قول أحد ممن قال: سمعت من رسول الله ﷺ ، أو: رأيت، أو: قال لي، أو كنت عنده، فأي واحد من الصحابة يقول عن النبي ﷺ أو يروي عنه فعلاً أو تقريراً كان الجميع يسلمون له، وبعض القصص التي حدثت من عمر في التثبت ليست راجعة إلى شكه في خبر الآحاد، بل راجعة إلى معان أخرى، كما شك حين سمع من يقرأ آيات على غير قراءته، فقد يكون في بعض هذه الأمور ملابسات أو قرائن لا ترجع إلى رد الخبر عن الرسول ﷺ ، إنما ترجع إلى أمور أخرى تكتنف الحال، وإلا فإن الصحابة كلهم -ومنهم الخلفاء الراشدون- كانوا ينفذون خبر الواحد في الدين، ولم يكونوا يشددون على الصحابة في أمر يتعلق بالرواية عن النبي ﷺ وإن كانت آحاداً، وكثير من روايات الصحابة فيما بينهم كانت آحاداً، خاصة في بعض الأمور التي لا يتوافر فيها عدد ممن سمعوا، وأقصد أنه في كثير من الوقائع التي تحدث للصحابة يكون الراوي للحديث واحداً، فيقبل الحديث مع أنه لم يصل إلا عن طريق هذا الواحد، ولا يعلمون أنه رواه غيره إلا فيما بعد، ومع ذلك يقبلون الحديث لأول وهلة بمجرد أن رواه الواحد، وما يرد من حالات استثنائية لأمور لها ملابساتها ولها ظروفها ولأسباب معقولة عند أهل العلم لا تؤثر في الأصل.
стр. 917
معنى الفاسق الملي
السؤال
ما معنى الفاسق الملي؟
الجواب
الفاسق الملي: هو مرتكب الكبيرة، يسمى فاسقاً ملياً؛ لأنه فاسق بكبيرته، وسمي ملياً لأنه لا يزال من أهل الملة، فهو المسلم الذي يرتكب الكبيرة.
стр. 918
شرح العقيدة الطحاوية [٧٥]
ولاية الله لعباده ليست كولاية المخلوق للمخلوق لحاجة إليه، بل ولايته لعباده هي من رحمته وإحسانه ولطفه بهم، فالمؤمنون كلهم أولياء الله، والله وليهم ينصرهم ويعينهم ويسددهم ويحبهم ويرضى عنهم، كما أن أولياء الله أصناف ودرجات تتفاوت بحسب القرب والبعد من الله، والكرامات التي تحصل للعبد هي من آثار ولايته لله، وما يدعيه المبتدعة من مكاشفات أو خوارق ولم يتحقق فيهم مقتضى الولاية من الإيمان والتقوى فإنما هي من الشياطين وإيحاءاتهم.
стр. 919
ولاية المؤمنين لله ﵎
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن): قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣].
الولي: من الولاية -بفتح الواو- التي هي ضد العداوة، وقد قرأ حمزة: ((ما لكم من ولايتهم من شيء))، بكسر الواو، والباقون بفتحها، فقيل: هما لغتان.
وقيل: بالفتح النصرة، وبالكسر الإمارة.
قال الزجاج: وجاز الكسر؛ لأن في تولي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة والعمل، وكل ما كان كذلك مكسور، مثل: الخياطة ونحوها.
] الغالب استعمال الولاية بمعنى القرب والنصرة والمحبة، وتستعمل بالفتح، ويغلب استعمالها بالكسر في الإمرة وما يتفرع عنها، فالولاية: الإمرة والسلطة والإمارة ونحوها، والولاية -بالفتح- غالباً تطلق على الحب والنصرة والقرب ونحو ذلك.
وعلى أي حال فالمعنى اللغوي للولاية -كما ذكر الشيخ- هو ضد العداوة، لكنه يعني القرب والنصرة، كما أنه يعني المحبة ولوازمها، ومن لوازم المحبة: القرب والنصرة.
стр. 920
أنواع الولاية الشرعية
والولاية شرعاً يحسن أن نشير إليها إجمالاً، فالولاية شرعاً تطلق على ثلاثة أمور: الأمر الأول: ولاية الله لعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧]، يحبهم، وهو سبحانه حافظهم وناصرهم إلى آخر ذلك مما يتبع لوازم الولاية.
الأمر الثاني: الولاية من المؤمنين لربهم، فالمؤمنون هم أولياء الله، يؤمنون به ويحبونه ويطيعونه ويعبدونه حق عبادته ويتقونه، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم.
الأمر الثالث: ولاية المؤمنين بعضهم لبعض، وهي درجات، وهذه الولاية هي الولاية المقبولة الشرعية.
وهناك ولايات لم يرد ذكرها شرعاً، وهي ولايات غير شرعية، بمعنى: أنها لا تقوم على أساس شرعي، كولاية بعض المسلمين للكافرين، فهذه محرمة، وولاية الكافرين بعضهم لبعض، وولاية الطواغيت والشياطين لبعض بني آدم، هذه كلها ولايات تدخل في مفهوم الولاية الاصطلاحي العام، لكنها ليست ولايات مشروعة، فالولايات المشروعة هي ولاية الله لعباده المؤمنين، وولاية المؤمنين لربهم فهم أولياء الله وأحباؤه، وكذلك ولاية المؤمنين بعضهم لبعض، وهي تتفاوت على درجات وشعب كشعب الإيمان، فكما أن الإيمان يزيد وينقص ويتفاوت؛ كذلك الولاية بين المؤمنين تزيد وتنقص وتتفاوت.
قال رحمه الله تعالى: [فالمؤمنون أولياء الله، والله تعالى وليهم، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]، والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٢] إلى آخر السورة، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].
فهذه النصوص كلها ثبت فيها موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وأنهم أولياء الله، وأن الله وليهم ومولاهم، فالله يتولى عباده المؤمنين فيحبهم ويحبونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، ومن عادى له ولياً فقد بارزه بالمحاربة].
ذكر الشيخ أنواع الولاية المشروعة في قوله: فهذه النصوص كلها ثبت فيها أولاً: موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وثانياً: أنهم أولياء الله، وثالثاً: أن الله وليهم ومولاهم، فالولايات الثلاث الشرعية ذكرها الشيخ بإيجاز هنا.
стр. 921
حقيقة الولاية الكائنة بين الله ﷻ وعباده المؤمنين
قال رحمه الله تعالى: [وهذه الولاية من رحمته وإحسانه، ليست كولاية المخلوق للمخلوق لحاجة إليه، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١]، فالله تعالى ليس له ولي من الذل، بل لله العزة جميعاً، خلاف الملوك وغيرهم ممن يتولاه لذله وحاجته إلى ولي ينصره].
في هذا إشارة إلى شبهة المعطلة والمؤولة من الفلاسفة ثم الجهمية ثم المعتزلة ثم أهل الكلام كالكلابية والأشاعرة والماتريدية، كلهم يشير الشيخ هنا إلى الرد عليهم في أنهم حينما أنكروا الأسماء أو أنكروا الصفات أو بعض الصفات أو بعض الأفعال إنما زعموا أن فيها ما يشير إلى التأثر أو التفاعل بين الخالق والمخلوق بما يؤدي إلى النقص في حق الله .
فزعموا أن المحبة تكون لتفاعل بين المحبوبين، وأن التفاعل لا يخلو من حاجة كل واحد منهما إلى الآخر، فمنهم من أنكرها ومنهم من تأولها، وأنكروا الخلة، وأنكروا حتى الرحمة؛ لأنهم زعموا أن الرحمة تنبثق عن تأثر بين طرفين، فكلامه هنا إشارة إلى الرد عليهم، فحينما قال: [هذه الولاية من رحمته وإحسانه] أي أنها كمال من الله ورحمة وإحسان، ولا تعني أن الله يؤثر فيه شيء، أو أنه سبحانه بحاجة، أو أن علاقته بالمخلوقين كعلاقة المخلوقين بعضهم ببعض، فمحبته لأوليائه على ما يليق بجلاله مع غناه الكامل، ومحبته لعباده لا تعني حاجته إليهم، وإن احتاجوا هم إليه.
стр. 922
تفاوت درجات الولاية
قال رحمه الله تعالى: [والولاية أيضاً نظير الإيمان]: هنا سيقرر مسألة مهمة جداً يغفل عنها كثير من الناس، ويمكن أن نضع لها عنواناً، وهو: ثبوت أصل الولاية لكل مؤمن وتفاوت مقدارها، وهذا في أنواع الولاية الثلاثة، وأنواع الولاية الثلاثة كلها أصلها ثابت للمؤمنين والمسلمين عموماً، لكنها تتفاوت في مقدارها بين شخص وآخر بحسب ما عنده من التقوى والعمل الصالح، فمنها ما يكون ولاية كاملة، سواء من العبد لربه أو من الرب لعبده أو من المؤمن للمؤمن، فالمؤمن المتقي الصالح له الولاية الكاملة من الله بحسب حاله، وله الولاية من المؤمنين الكاملة، وكذلك هو يتولى الله بقدر ما يستطيع، أي: استنفذ جهده في ولايته لربه.
إذاً: فمن هنا يقرر ثبوت الولاية لكل مؤمن بدرجاتها الثلاث، وتفاوت مقدراها أيضاً بدرجاتها الثلاث؛ لأن هناك من يكون له جزء من الولاية، وهناك من يكون أمره بين الولاية والعداوة، وهناك من يكون إلى الولاية الكاملة أكثر وأقرب، بحسب أعمالهم القلبية وأعمال الجوارح.
قال رحمه الله تعالى: [والولاية أيضاً نظير الإيمان، فيكون مراد الشيخ: أن أهلها في أصلها سواء، وتكون كاملة وناقصة، فالكاملة تكون للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤]، فـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] منصوب على أنه صفة (أولياء الله) أو بدل منه، أو بإضمار (أمدح)، أو مرفوع بإضمار (هم)، أو خبر ثان لـ (إن)، وأجيز فيه الجر بدلاً من ضمير عليهم.
وعلى هذه الوجوه كلها فالولاية لمن كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم أهل الوعد المذكور في الآيات الثلاث، وهي عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه، ليست بكثرة صوم ولا صلاة ولا تملق ولا رياضة.
وقيل (الذين آمنوا) مبتدأ، والخبر: (لهم البشرى) وهو بعيد].
هنا يشير بهذا إلى طائفتين: إلى طائفة الخوارج الذين تشددوا في الدين وتنطعوا في مواصلة الصوم وفي كثرة الصلاة إلى حد يزيد على المشروع، وظنوا أن ذلك مقتضى الولاية، في حين أنهم خالفوا السنة وأمثالهم ممن تابعهم، فكثير من العباد والنساك بالغوا في العبادة حتى صارت منهاجهم هي أصول التصوف البدعي فيما بعد.
كما أنه يرد على فريق آخر، وهم الصوفية الذين يكتفون من معاني التقوى والعمل الصالح بالشكليات، إما بالرياضة النفسية والتحنث وكثرة التأمل والتفكير مع قلة الأعمال الصالحات، وأحياناً يتركون الأعمال، وإما بالتعبد والتحنث والانتقاء والسياحة الهائمة في الأرض بغير قصد، والإقامة في الزوايا والدويرات دون إسهام في الأعمال الصالحة من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشهود الجمعة والجماعات، وإما بالأشكال، فيلبسون الخرق الممزقة والثياب البالية، ويزعمون أن هذا هو مظهر التقوى، وأنه كاف في تحقيق الولاية! فهذه الأصناف كلها موجودة في الأمة، وكلها أخطأت معنى الولاية، وإلا فلا شك أن من أهم أمور الولاية القيام بحق الله في الصوم والصلاة، ثم القيام بالنوافل في حدود المشروع من الصوم والصلاة ونحوهما من الأعمال الصالحة.
قال رحمه الله تعالى: [وقيل: (الذين آمنوا)، مبتدأ، والخبر: (لهم البشرى)، وهو بعيد؛ لقطع الجملة عما قبلها وانتثار نظم الآية].
стр. 923
بيان اجتماع الولاية والعداوة في المؤمن وبيان خلاف المرجئة والخوارج في ذلك
قال رحمه الله تعالى: [ويجتمع في المؤمن ولاية من وجه وعداوة من وجه، كما قد يكون فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان، وإن كان في هذا الأصل نزاع لفظي بين أهل السنة ونزاع معنوي بينهم وبين أهل البدع].
أهل البدع على اختلاف طوائفهم يخالفون أهل السنة في هذه المسائل، وأشهر من خالف أهل السنة هم الخوارج والمرجئة كما ذكرت سابقاً.
فالخوارج يزعمون أن الولاية والعداوة لا تجتمع في شخص، وأن من نقصت ولايته لله فإنه لا يستحق رحمة الله سبحانه ولا يكون من المؤمنين، ومن هنا جعلوه كافراً، فحكموا بخلوده في النار في الآخرة، كما أنهم عادوه وجعلوه عدواً خالصاً، وأنزلوا عليه أحكام الكافرين، بل يعادونه أشد مما يعادون الكافرين، ولذلك وصفهم النبي ﷺ بأنهم يقاتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، ففي الحديث الصحيح: (يقاتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان)؛ لأنهم يرون أن من نقصت ولايته بارتكاب ذنب انتفت عنه الولاية الكاملة، ووجدت له العداوة الكاملة.
ويقابلهم المرجئة، وهم الذين لا يعولون على العمل الصالح أبداً، يقولون: كل من صدق بالله -وبعضهم يقول: من صدق وأقر بلسانه، وبعضهم يقول: من عرف الله- فله الولاية الكاملة مطلقاً؛ لأن الولاية لا تتجزأ.
فالفريقان يقولان بأن الولاية لا تتجزأ، فكما أن الإيمان عندهم لا يتجزأ فلا يزيد ولا ينقص، كذلك الولاية والعداوة عندهم لا تزيد ولا تنقص.
والحق الذي عليه إجماع السلف، والذي قرره الكتاب والسنة أن كل مؤمن وكل مسلم له من الولاية بقدر ما فيه من الخير والإيمان والصلاح، ومن العداوة بقدر ما فيه من التجاوز والانحراف والمعصية، ما لم يأت بما يوجب الردة، فإذا أتى بما يوجب الردة فله العداوة الكاملة كالكافر الخالص، فالكفار الخلص لهم البراء الكامل، ولا تجوز ولايتهم في شيء، كاليهود والنصارى والمشركين والمرتدين، هؤلاء لهم العداوة الكاملة، ولا تجوز ولايتهم في شيء، لا الولاية الدينية ولا الدنيوية التي يفضلون فيها على المؤمنين، ونحو ذلك مما ذكره أهل العلم من صور الولاية، فلا يجوز للكافر أي نوع من أنواع الولاية التي تؤدي إلى الموادة.
وكذلك المؤمن المتقي الصالح له أيضاً الولاية الكاملة، حتى وإن أتى ببعض اللمم، فإن هذا لا ينقص حقه في الولاية، إنما الذي ينقص الولاية هو الكبائر والذنوب العظيمة.
أما ما بين هذين الحدين فإنه يتفاوت بقدر عمل كل مسلم، فكل مسلم له من الولاية بقدر ما فيه من الخير والطاعة والصلاح والاستقامة حتى وإن قلت، وله من البراء والعداوة بقدر ما فيه من المعصية والبدعة، وهذا يعني: أن البراء والعداوة لا يوجهان للشخص نفسه، بمعنى أن ينبذ نبذاً كاملاً، وإنما يكره فيه الشر وتكره فيه المعصية، ولا يتولى فيها أو ينصر عليها إلى آخره، فالولاية والعداوة والولاء والبراء لها تفاصيل في الأحكام.
فالبراء الجزئي لا يعني النبذ الكامل، كما أن الولاية الجزئية لا تعني القبول الكامل للشخص، ولذلك يجتمع في أكثر المسلمين وأكثر المؤمنين الولاء والبراء؛ لأن الصالحين منهم قلة؛ ولأن الذين يقعون في الردة -نسأل الله العافية- قلة، فيبقى أكثر الناس في وسط، وإن كانوا يتفاوتون أيضاً بحسب أعمالهم وبحسب مظاهر الصلاح فيهم.
وعلى هذا فإن ولاية المسلم إنما تتعلق بما يظهر منه، ولا يجوز أن نفتش عما في القلوب أو نمتحن الناس، كما يفعل كثير من الذين عندهم قلة فقه في هذه المسألة، فيقول: أنا لا أتولى مسلماً حتى أتثبت من دينه، أو: حتى أمتحنه، فهذه بدعة؛ إذ الأصل ثبوت الولاية للمسلم بمجرد أن تعرف أنه مسلم، وإن ظهر لك منه شيء من البدع والمعاصي، فتكره فيه هذه البدع والمعاصي وتتبرأ منها ومن فعله لها، لكنه يبقى له من الولاية حقه لكونه مسلماً.
ويلحظ أن الشيخ عد بعض الأحناف الذين يقولون بالإرجاء، عدهم في هذه المسألة من أهل السنة، وهو يقصد أن المرجئة يقولون: إن الولاية في أصلها لا تتجزأ، ولا تزيد ولا تنقص، لكن تتجزأ فيما يضاف إليها أو تزيد فيما يضاف إليها من الأعمال الصالحة، فقولهم في الولاية والبراء كقولهم في الإيمان، فكما قالوا بأن الإيمان هو التصديق، قالوا بأن الولاية هي مبدأ المحبة.
وفي الحقيقة قد يكون الخلاف بين أهل السنة والمرجئة في مسألة الولاية والبراء أخف من الخلاف في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، وفي مسألة حقيقة الإيمان، لكن مع ذلك ليس صحيحاً على الإطلاق أن الخلاف لفظي من كل وجه؛ فإن كثيراً من المرجئة قد لا يهتم بمسألة المعاصي والكبائر، وربما بعضهم يبقى عنده أصل الولاء الكامل للمسلم وإن كان عنده شيء من المعاصي.
فقوله: إن الخلاف لفظي فيه نظر، وإن كان ليس كالنزاع في مسألة الإيمان، فهو أخف بكثير ولا شك.
стр. 924
اجتماع الطاعة والمعصية في العبد دليل اجتماع الولاية والعداوة
قال رحمه الله تعالى: [وإن كان في هذا الأصل نزاع لفظي بين أهل السنة، ونزاع معنوي بينهم وبين أهل البدع كما تقدم في الإيمان، ولكن موافقة الشارع في اللفظ والمعنى أولى من موافقته في المعنى وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وقد تقدم الكلام على هذه الآية، وأنهم ليسوا منافقين على أصح القولين.
وقال ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر)، وفي رواية: (وإذا اؤتمن خان)، بدل: (وإذا وعد أخلف)، أخرجاه في الصحيحين.
وحديث شعب الإيمان تقدم، وقوله ﷺ : (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)، فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار، وإن كان معه كثير من النفاق فهو يعذب في النار على قدر ما معه من ذلك، ثم يخرج من النار].
هذا الكلام فيه عودة إلى تقرير أن الإيمان يزيد وينقص، وكأنه يشير إلى أن الولاية والعداوة كذلك تزيدان وتنقصان، وأن الولاء والبراء يزيدان وينقصان بقدر ما عند الإنسان.
قال رحمه الله تعالى: [فالطاعات من شعب الإيمان، والمعاصي من شعب الكفر، وإن كان رأس شعب الكفر الجحود، ورأس شعب الإيمان التصديق.
وأما ما يروى مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: (ما من جماعة اجتمعت إلا وفيهم ولي لله لا هم يدرون به ولا هو يدري بنفس)؛ فلا أصل له، وهو كلام باطل؛ فإن الجماعة قد يكونون كفاراً، وقد يكونون فساقاً يموتون على الفسق].
стр. 925
صفات أولياء الله وأقسامهم
قال رحمه الله تعالى: [وأما أولياء الله الكاملون فهم الموصوفون في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤].
والتقوى هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧]، إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧].
] في هذه الآية ذكر تعالى صفات أهل الولاية الكاملة أهل التقوى الذين قاموا بحق الله ، ذكر منها عشر خصال: الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالنبيين، ثم ذكر بعد ذلك إيتاء المال على حبه، ثم إقامة الصلاة، ثم إيتاء الزكاة، ثم الوفاء بالعهد، ثم الصبر في البأساء والضراء.
فهذه الخصال العشر إذا اجتمعت في إنسان على وجه شرعي فهو صاحب الولاية الكاملة لله ، نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً من هذه الصنف.
قال رحمه الله تعالى: [وهم قسمان: مقتصدون ومقربون، فالمقتصدون: الذين يتقربون إلى الله بالفرائض من أعمال القلوب والجوارح.
والسابقون: الذين يتقربون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته)].
في هذا الحديث وردت كلمة التردد، وهذه من الأمور التي تكثر إثارتها في الأيام الأخيرة، خاصة عندما أثار بعض الناس هذه المسائل على غير منهج السلف، كمسألة التردد ومسألة الهرولة، وإن كانت الهرولة لها خصوصية أكثر، لكن مثل هذه الأفعال التي وردت في حق الله يؤمن بها كما جاءت على ظاهرها على ما يليق بجلاله ، ومن غير أن يورد المفهوم السلبي الناقص الذي يتبادر أحياناً إلى عقول بعض الناس، فباب الأخبار والأفعال أوسع من مسألة الصفات والأسماء، فليس كل فعل من أفعال الله يقصد به صفة، وليس كل خبر عن الله يقصد به صفة، ومن ذلك ما في هذا الحديث.
فمسألة التردد يؤمن بها كما هي خبر عن الله على ما يليق بجلاله، مع نفي ما يرد إلى الذهن من معنى التردد عند البشر؛ لأن البشر يتردد عن جهل وعن تقصير وعن ضعف.
فهذا المذكور عن الله تعالى إشارة إلى محبته لوليه، هذا هو المقصود، ومع ذلك لا تؤول كما يصنع المؤول، بل يؤمن بها كما هي وتثبت على حقيقتها كما وردت في السياق، ولكن لا نستنتج منها صفة، فلا يقال: من الصفات التردد؛ لأننا نعرف من السياق أن المسألة راجعة إلى ما بين الرب وبين عبده، فإذا كنا نفهم هذا من السياق فإن المفهوم الكامل لهذه العبارة هو أن الله يحب عبده ويكره له ما ينغصه، فيبقى اللفظ كما هو من دون أن يقال: إنه صفة؛ لأن إثبات الصفة يلزم منه لوازم أخرى زائدة عن مجرد إثبات السياق بما يكتنفه من قرائن وأحوال ومفهوم في المعنى العام.
ولذلك ما كان السلف يخوضون في هذه الأمور، يقولون: هذا الكلام حق ويبقى على ظاهره، ويثبت على ما يليق بجلال الله ، فقوله: (ما ترددت في شيء أنا فاعله) هذا كلام الله الذي ذكره عنه رسوله ﷺ ، ويبقى كما جاء من دون أن يؤخذ منه اسم ولا صفة؛ لأنه من باب الأفعال ومن باب الأخبار، والأفعال والأخبار أوسع من الصفات، وهذا يعني أنه ليس كل ما يرد من فعل أو خبر نقول: إنه يثبت منه صفة، وليس كل صفة لله يثبت منها اسم، فالأسماء توقيفية، والصفات أوسع منها، والأفعال أوسع من الصفات، والأخبار أوسع من ذلك كله.
قال رحمه الله تعالى: [والولي: خلاف العدو، وهو مشتق من الولي: وهو الدنو والتقرب، فولي الله: هو من والى الله بموافقته في محبوباته والتقرب إليه بمرضاته، وهؤلاء كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
قال أبو ذر ﵁: لما نزلت الآية قال النبي ﷺ : (يا أبا ذر! لو عمل الناس بهذه الآية لكفتهم).
فالمتقون يجعل ا
стр. 926
ما تحصل به الكرامة للمؤمن عند الله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [(وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن): أي: أكرم المؤمنين هو الأطوع لله والأتبع للقرآن، وهو الأتقى، والأتقى هو الأكرم، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب)، وبهذا الدليل يظهر ضعف تنازعهم في مسألة الفقير الصابر والغني الشاكر وترجيح أحدهما على الآخر، وأن التحقيق أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى، وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق، فالمسألة فاسدة في نفسها؛ فإن التفضيل عند الله بالتقوى وحقائق الإيمان لا بفقر ولا غنى، ولهذا -والله أعلم- قال عمر ﵁: الغنى والفقر مطيتان لا أبالي أيهما ركبت, والفقر والغنى ابتلاء من الله تعالى لعبده، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر:١٥]، فإن استوى الفقير الصابر والغني الشاكر في التقوى استويا في الدرجة، وإن فضل أحدهما فيها فهو الأفضل عند الله، فإن الفقر والغنى لا يوزنان، وإنما يوزن الصبر والشكر.
ومنهم من أحال المسألة من وجه آخر: وهو أن الإيمان نصف صبر ونصف شكر، فكل منهما لا بد له من صبر وشكر، وإنما أخذ الناس فرعاً من الصبر وفرعاً من الشكر وأخذوا في الترجيح، فجردوا غنياً منفقاً متصدقاً باذلاً ماله في وجوه القرب شاكراً لله عليه، وفقيراً متفرغاً لطاعة الله ولأداء العبادات صابراً على فقره، وحينئذ يقال: إن أكملهما أطوعهما وأتبعهما، فإن تساويا تساوت درجتهما، والله أعلم].
هذا فيه رد على المتصوفة ومن نحا نحوهم من الذين يزعمون أن الولاية إنما هي الولاية القلبية، وأنه إذا اجتمعت الولاية الكامنة في القلب فقد يستغني الإنسان عن العمل، وقد يترك طلب الرزق، بل هو أفضل له من السعي في طلبه، ولذلك تركوا طلب العيش، وتركوا الجهاد وغير ذلك، والحقيقة أن الأمر -كما ذكر الشيخ- يرجع إلى نفس الإنسان وما آتاه الله من إيمان ومن تقوى وعمل صالح، فإن كان غنياً وهو محسن في العمل فوظف ماله لدين الله وفي عمل الخيرات زاده الغنى خيراً، وإن كان فقيراً وصبر زاده الصبر خيراً، ولذلك نجد من أفاضل هذه الأمة من الفقراء عدداً في جميع مراحل التاريخ، وأولهم الصحابة الكبار، فالعشرة المبشرون بالجنة كان منهم الأغنياء ومنهم الفقراء، وفي عموم المهاجرين الأغنياء والفقراء، وكذلك أهل بيعة الرضوان، وفي كل خير، وكذلك من التابعين وتابعيهم بعد عهد النبوة، نجد -مثلاً- من كبار السلف من اشتهر بالغنى، كـ عبد الله بن المبارك، كان غنياً منفقاً، وكان ينفق على قوافل الجهاد وينفق على قوافل الحج، ومع ذلك كان من العباد الزهاد في الوقت نفسه، ومن الأئمة الصالحين والعلماء الكبار والمحدثين.
ونجد في المقابل الإمام أحمد، فلم يكن غنياً، بل كان ينفر من الدنيا، واعتبر الدنيا محنة أشد عليه من المحنة التي حصلت له في قضية القول بخلق القرآن، وفي كل خير، كل كان إماماً في الدين، فالمسألة مبناها على ما عند الإنسان من التقوى والصلاح والاستقامة.
قال رحمه الله تعالى: [وحينئذ يقال: إن أكملهما أطوعهما وأتبعهما، فإن تساويا تساوت درجتهما، والله أعلم.
ولو صح التجريد لصح أن يقال: أيما أفضل: معافىً شاكر أو مريض صابر؟ أو مطاع شاكر أو مهان صابر؟ أو آمن شاكر أو خائف صابر؟ ونحو ذلك].
стр. 927
الفرق بين ما يحصل للمؤمنين من الكرامات وما يدعيه الصوفية من المكاشفات
بقي لنا تعليق على جملة ذكرها الشارح أحب أن أذكره هنا، حيث قال الشارح عن أولياء الله المتقين: [ويعطيهم الله أشياء يطول شرحها من المكاشفات والتأثيرات] يقصد أن كثيراً من أولياء الله يحدث لهم من الكرامات شيء طيب، كما قال النبي ﷺ : (قد كان فيمن قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فـ عمر بن الخطاب)، فالشارح يقصد الإلهام والرؤى الصادقة، ويقصد الكرامات، ويقصد الفراسة ونحو ذلك مما يحدث للمؤمنين من هذه الأحوال التي يكون فيها إكرام من الله لهم، سواء في الأمور الاعتقادية أو في الأمور العلمية أو في الأمور العملية في الحياة الدنيا، أو في توفيق لكثير من الأمور التي لا تحصل لغيرهم، فهذه تسمى مكاشفات وتأثيرات.
والصوفية قد يقصدون بهذه الأمور معاني بدعية، فقد يقصدون الاطلاع على أمور غيبية، أو تأثيرات فيها مخرقة ودجل وعبث الشياطين بهم يسمونها مكاشفات وتأثيرات، ففرق بين مكاشفات وتأثيرات المؤمنين التي هي نتائج الولاية ومن باب الكرامات، وبين المكاشفات والتأثيرات الصوفية التي هي من عبث الشياطين ومن الدجل والشعوذة.
стр. 928
الأسئلة
стр. 929
بيان حصول التواتر المعنوي لخبر الواحد حال تلقيه بالقبول
السؤال
قلت: إن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول يكون من قبيل المتواتر، فكيف ذلك؟
الجواب
التواتر إما لفظي وإما معنوي، فالتواتر المعنوي أن تحتف بأحاديث الآحاد قرائن، أو يتفق مع قواعد أو مع نصوص أخرى، فالتواتر المعنوي بابه واسع يختلف عن التواتر اللفظي، فالتواتر اللفظي يحدث بتواتر السند، أما التواتر المعنوي فهو أوسع من ذلك، فأي حديث آحاد وافق معنى آية أو وافق قاعدة شرعية؛ فإنه يكون فيه تواتر معنوي، حتى وإن كان سنده آحاداً.
стр. 930
بيان معنى قوله: (كان منافقاً خالصاً)
السؤال
في الحديث المتفق عليه: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً) هل المقصود بالنفاق النفاق الاعتقادي؛ لقوله: (خالصاً)؟
الجواب
قد يفهم من الحديث هذا، لكن ليس على سبيل الجزم، فبعض أهل العلم وجه الحديث على أن المقصود به النفاق العملي الخالص، وليس النفاق الاعتقادي، ومع ذلك فإنه -والله أعلم- يحتمل الأمرين، غير أنه مختلف فيه بين أهل العلم: فأما الذين قالوا بأن المقصود به النفاق العملي الخالص وليس الاعتقادي فقد قالوا: إن الخصال التي ذكرها النبي ﷺ -وهي الكذب في الحديث، والغدر، والخيانة، وإخلاف الوعد- كلها من الأمور العملية من كبائر الذنوب، ومهما كثرت الكبائر العملية لا تخرج من الملة، والنفاق الاعتقادي مخرج من الملة.
وأما الذين قالوا بأن النفاق المقصود في الحديث هو النفاق الاعتقادي فقد استدلوا بقول النبي ﷺ : (كان منافقاً خالصاً)، وظاهره النفاق الخالص، ثم إنهم وجهوا الاستدلال بقولهم: من اجتمعت فيه هذه الخصال وأكثر منها فإنه لا بد أن يكون فاسد الضمير وفاسد النية وفاسد الاعتقاد؛ إذ لا تجتمع هذه الخصال العملية إلا فيمن خلا قلبه من الإيمان، والله أعلم.
стр. 931
المراد بمعاداة الولي التي يعقبها إيذان الله بالحرب
السؤال
ما المقصود بقوله: (من عادى لي ولياً فقد بارزته بالمحاربة)؟ وهل مبارزة الولي من الكبائر؟ وكيف تكون المعاداة؟ وهل من عادى ولياً لا يكون هو ولياً لله لثبوت الوعيد؟
الجواب
يظهر أن الحديث يشمل العداوة الكاملة التي هي عداوة النفاق وعداوة الكفر، ويشمل ما دون ذلك، حتى وإن كان أمراً دنيوياً، فقد يشمله الوعيد، يعني: إذا حدث منه ما يوصف بالعداوة أو العدوان، والعدوان يشمل العدوان الجزئي والعدوان الكلي، فيظهر أن الحديث يشمل جميع هذه الأمور، لكن معاداة الولي درجات.
وقوله: (بارزني بالمحاربة)، هذا من ألفاظ الوعيد، لا يعني المبارزة بالمحاربة التي هي المبارزة بالنفاق والكفر في الضرورة، فالحديث الأظهر أنه شامل للمبارزة التي هي مبارزة الكفر والنفاق ونحو ذلك، ويشمل ما دون ذلك من معاداة أولياء الله، فما يحدث من حسد وما يحدث من بغي وعدوان لأولياء الله يدخل في ذلك.
وأما ولاية من عادى ولياً لله فقد تحصل من وجه، فلا يعني ذلك أن من عادى الولي معاداة ليست كفرية يخرج من الولاية العامة، يعني: قد يكون مسلماً يعادي ولياً من أولياء الله لحسد، أو لشهوة، أو لشبهة أو نحو ذلك، أو لظلم وعدوان، لكن ليس فيه كفر أو نفاق، إنما ضعف إيمانه من هذا الوجه، فعادى ولياً من أولياء الله، فهذا لا يخرج من الولاية العامة، يعني: لا يخرج عن كونه مسلماً، وفيه من الولاية بقدر ما فيه من الطاعة، لكن ليس له الولاية الحقة الكاملة التي خص بها الأولياء المتقون.
стр. 932
انتفاء اجتماع الكفر الأكبر مع الإيمان
السؤال
ذكر الشارح أن المرء قد يكون فيه كفر وإيمان وشرك وتوحيد، فهل يجتمع في الإنسان كفر أكبر مع الإيمان، وشرك أكبر مع التوحيد؟
الجواب
لا يجتمع شرك أكبر مع التوحيد بمعناه الشرعي، فالمراد الذين يكون فيهم إيمان وكفر لا يخرج من الملة، أو شرك ليس مخرجاً من الملة، فقد يكون في الإنسان شرك الرياء، أو الشرك الخفي، أو الشرك الذي ليس بخفي لكنه لا يدخل في الشرك الأكبر، ذلك أن الشرك مراتب، وإن كان الغالب في الشرك عند الإطلاق هو الشرك الأكبر، لكن مع ذلك للشرك مراتب، ومن مراتب الشرك ما يكون من البدع غير المخرجة من الملة، ومن المعاصي القلبية كالرياء والسمعة.
المهم أن الشرك مراتب كما أن الإيمان مراتب، كما أن الكفر مراتب والتوحيد مراتب، فعلى هذا فإن من خرج من الملة بكفر أو شرك لا يكون فيه توحيد ولا إيمان، وكذلك من كان فيه إيمان وتوحيد واستحق ذلك شرعاً فإن كفره وشركه لا يخرجه من الملة.
стр. 933
شرح العقيدة الطحاوية [٧٦]
من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره من الله تعالى، وما تدعيه القدرية من أن الإنسان خالق فعله أو بعض فعله مضاد ومناقض لقوله تعالى: (الله خالق كل شيء) وقوله: (والله خلقكم وما تعملون) وغيرها من النصوص الدالة على أن الله تعالى خلق الإنسان وفعله، وقد صنف أئمة الإسلام كتباً في هذه المسألة وبينوا ضلال القدرية وقبيح استدلالهم.
стр. 934
أركان الإيمان وأصوله ومسائله
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (والإيمان: هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى)].
هنا قرر المؤلف أركان الإيمان وأصول الإيمان، وأحب أن أنبه على أمر مهم في جميع مسائل الإيمان القادمة، وينبني عليه فهم الكثير من القضايا المتعلقة بالإيمان، وهو أن الأمور العلمية المتعلقة بالإيمان على نوعين: النوع الأول: ما يسمى بأصول الإيمان، وهو أركان الإيمان الستة التي عدها المؤلف هنا.
والثاني: ما اصطلح عليه أهل العلم في نهاية القرن الأول وما بعده، وهو ما يسمى بمسائل الإيمان، فمسائل الإيمان هي أيضاً من أصول الدين، وبعض الناس قد يظن أن مسائل الإيمان دون الأركان في الأهمية، لكن الأمر على غير ذلك، فإن أصول الإيمان أو أركان الإيمان لا تختلف عنها مسائل الإيمان في أهميتها في الدين، وإنما فرق بينهما تفريقاً علمياً؛ لأن المسائل تفرعت عن القواعد العامة، لكنها مما أجمع عليه السلف ومما اعتبر من أصول الدين بعدما تكلمت فيه الفرق.
فالنوع الأول يعبر عنه بأصول الإيمان، وأركان الإيمان، وهي الأركان الستة.
والنوع الثاني -وهو مسائل الإيمان- يشمل أموراً: أولها: تعريف الإيمان.
وثانيها: دخول الأعمال في مسمى الإيمان.
وثالثها: زيادة الإيمان ونقصانه.
ورابعها: الاستثناء في الإيمان.
وبعض أهل العلم زاد فيها مسألة خامسة: وهي الأسماء والأحكام، فبعضهم يلحقها بمسائل الإيمان؛ لأنها ثمرة لها.
والأسماء والأحكام في العقيدة المقصود بها: الأسماء التي نطلقها على العباد المكلفين، ثم الأحكام التي تترتب على هذه الأسماء، مثل: مسلم، مؤمن، فاسق، فاجر، كافر، مشرك إلى آخر ذلك من العبارات، فهذه تسمى أسماء.
فالأسماء: هي الألفاظ التي تطلق على العباد المكلفين بحسب أحوالهم، ثم يترتب على هذه الأسماء أمر آخر يسمى: الأحكام.
فالكافر له أحكام تفصيلية، والمسلم له أحكام، والمؤمن له أحكام تفصيلية، والفاسق الفاجر مرتكب الكبيرة له أحكام تفصيلية، فالأحكام فرع عن الأسماء، أو نتيجة للأسماء، والأسماء والأحكام نتيجة عن مسائل الإيمان.
стр. 935
أهمية مسائل الإيمان
مسائل الإيمان لا تقل أهمية عن الأركان؛ لأنها فرع عنها، وإن كانت الأركان منصوصاً عليها بالكتاب والسنة، وعليها إجماع سلف الأمة، لكن المسائل أخرجت بمباحث مستقلة؛ لأنها تكلمت فيها الفرق، وأول ما تكلم السلف عن مسائل الإيمان على وجه فيه تفصيل، فالناس أول القرن الأول في عهد الصحابة كانوا يأخذون الدين بالجملة دون كلام في المسائل البدهية، إلا ما ورد في الكتاب والسنة، ومنها مسائل الإيمان، لكن لما جاءت المرجئة والقدرية خاضوا في هذه الأمور، وخاض قبلهم الخوارج، فالكلام في هذه المسائل ما ظهر إلا حين ظهرت المرجئة، وهي أشبه بردة الفعل ضد الخوارج.
فالمرجئة هم الذين أثاروا قضايا مسائل الإيمان، فقالوا بأن الإيمان هو التصديق، أو التصديق والإقرار، ثم قالوا بأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، بل هي شرط الإيمان وثمرته، ثم نتج عن هذا عدم القول بزيادة الإيمان ونقصانه؛ لأن من قال بأن الإيمان هو التصديق أو القول، فالتصديق والقول لا يدخلهما زيادة ونقص، وتبعاً لذلك قالوا: لا يجوز الاستثناء في الإيمان، فلما تحدث المرجئة عن هذه المسائل تحدث السلف في تقريرها شرعاً على ما ورد في الكتاب والسنة، وأبرزت وقررت على أصولها العلمية، فسميت بهذه الأسماء تحت هذه القضايا الرئيسة، وهي تابعة لأصول الإيمان، وهي أصول أيضاً، أصول من أصول الدين؛ لأن السلف أجمعوا عليها وبدعوا من خالفها، فلا يظن ظان أن مسائل الإيمان أدنى درجة، أو أنها من المسائل الخلافية، بل هي من لوازم أركان الإيمان وأصوله.
стр. 936
اشتمال حديث جبريل على أركان الإيمان واشتمال حديث وفد عبد القيس على أعماله
قال رحمه الله تعالى: [تقدم أن هذه الخصال هي أصول الدين، وبها أجاب النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور المتفق على صحته؛ حيث جاء إلى النبي ﷺ على صورة رجل أعرابي وسأله عن الإسلام، فقال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً وسأله عن الإيمان، فقال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.
وسأله عن الإحسان، فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر تارة بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، وتارة بآيتي الإيمان والإسلام التي في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة:١٣٦] الآية، والتي في آل عمران: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] الآية، وفسر ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس المتفق على صحته، حيث قال لهم: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم)].
هذا الحديث تكلم عنه الشارح، لكن في كلامه شيء من الغموض في مسألة الجمع بين الحديثين: حديث تفسير الإيمان بالأركان الستة، الذي هو حديث جبريل، وحديث تفسير الإيمان بأركان الإسلام، الذي هو حديث وفد عبد القيس، فهذان الحديثان بينهما فرق في تفسير الإيمان، ويجمع بينهما ما ذكره أئمة السلف من أنه في حديث جبريل فسر الإيمان مع الإسلام، أي: جاء ذكر الإيمان والإسلام في حديث واحد؛ لأن جبريل سأل النبي ﷺ عن الإسلام أولاً، ثم سأله عن الإيمان ثانياً، ثم سأله عن الإحسان، والإسلام والإيمان والإحسان أمور متداخلة، فأخصها الإحسان ثم الإيمان ثم الإسلام، وكأنها دوائر ثلاث: الدائرة الصغرى الخاصة الإحسان، والدائرة الوسطى الإيمان، والدائرة الكبرى الإسلام، هذا عندما ذكرت هذه الألفاظ مجتمعة، فعندما ذكرت هذه الألفاظ مجتمعة فسر كل لفظ بالمعنى الذي يخصه.
في الحديث الثاني ما ذكر النبي ﷺ الإسلام، إنما ذكر الإيمان، فقال: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟) ففسر الإيمان مفرداً بما يتضمن الإسلام والإحسان، كما هي القاعدة عند أهل العلم؛ أنه إذا ذكر مفرداً يتضمن الإسلام والإحسان، وإن كان الإحسان قد يخرج، لكن هذا أمر لا نجزم به، فالتضمن هو الأصل، بمعنى أنه قد يكون الإنسان مؤمناً مسلماً ولكن ليس بمحسن، فهذا استثناء نحترز به احترازاً عند التفصيل، وإلا فالإيمان الأصل فيه أنه يتضمن الإحسان، ومع ذلك لا يلزم، والعكس هو الصحيح، فالإحسان لابد أن يتضمن الإيمان والإسلام، والإيمان لابد أن يتضمن الإسلام، لكن الإسلام لا يلزم أن يتضمن الإحسان ولا يتضمن الإيمان، بمعنى: قد يكون أحد ظاهره الإسلام وهو منافق، والله أعلم بحاله.
أعود فأقول: إن النبي ﷺ فسر الإيمان بأركان الإسلام حينما ذكر الإيمان مفرداً، فلابد أن يتضمن الإسلام، فعلى هذا تطرد القاعدة عند التفصيل والإجمال، فعندما نجمل فتأتي الألفاظ وحدها يتضمن لفظ الإسلام الأمور الثلاثة، وكذلك لفظ الإيمان وكذلك لفظ الإحسان، وعندما يأتي كل لفظ مع الآخر فلابد أن يفسر بأخص معانيه، وكل معنى شرعي له خصوص وعموم، فالصلاة قد تطلق على نوعين من الصلاة: الصلاة الكاملة المؤداة على وجه صحيح، ومجرد الصلاة التي تبرأ بها الذمة فقط، فكلها تسمى صلاة، وهذه مقبولة وهذه مردودة، لكن كلها يسقط بها الفرض، فعلى هذا فإن تفسير الإيمان بأركان الإسلام جاء هنا لأن الإيمان ذكر وحده.
قال رحمه الله تعالى: [ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيماناً بالله بدون إيمان القلب، لما قد أخبر في غير موضع أنه لابد من إيمان القلب، فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان، وقد تقدم الكلام على هذا].
стр. 937
دلالة الكتاب والسنة على ثبوت حقيقة الإيمان بالعمل مع التصديق
[والكتاب والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق].
ينبغي أن نضيف كلمة من أجل أن يستقيم الأمر على تصور أهل السنة، فنقول: (والكتاب والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حقيقة الإيمان وحكمه إلا بالعمل الصالح مع التصديق)؛ ذلك أن كلمة (حكم الإيمان) كلمة محتملة، فقد يقصد بحكم الإيمان ثمرته أو الأحكام المترتبة عليه، وقد يقصد بحكم الإيمان حقيقته، فهي عبارة موهمة، فهذه العبارة قد يقول بها المرجئ، وتستقيم على مذهبه، وقد يقول بها السني، لكن فيها نوع من الالتباس.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا أكثر من معنى الصلاة والزكاة، فإن تلك إنما فسرتها السنة، والإيمان بين معناه الكتاب والسنة؛ فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، نفي الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد، لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب، ولا يقال: إن بين تفسير النبي ﷺ الإيمان في حديث جبريل وتفسيره إياه في حديث وفد عبد القيس معارضة؛ لأنه فسر الإيمان في حديث جبريل بعد تفسير الإسلام، فكان المعنى أنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، مع الأعمال التي ذكرها في تفسير الإسلام].
هنا أشار إلى ما ذكرته من أن لفظ الإيمان إذا جاء مفرداً شمل الإسلام، كما في حديث وفد عبد القيس، وإذا جاء مقترناً بالإسلام فسر بالمعنى الأخص، وكما قلت: يمثل ذلك الصلاة، فأنت قد ترى إنساناً صلى الظهر أو العصر لم تعجبك صلاته، بمعنى: أنه ما خشع ولا قام بما ينبغي في الصلاة من الأمور المكملة، فيمكن أن تقول له: ما صليت، تعني: أنه ما أدى الصلاة على وجهها، فالصلاة الخاصة المطلوبة ما صلاها، ولو أنه أخل بالصلاة إخلالاً كاملاً قلت: ما صليت، يعني: ما أديت الصلاة أصلاً، وما قبلت صلاتك.
فكذلك الإيمان والإسلام، ولذلك يتميز مذهب أهل السنة والجماعة بهذه الشمولية في تفسير الألفاظ، واعتبار معاني الألفاظ ورد بعضها إلى بعض، سواء في مثل هذه الأمور أو في غيرها، هذا مما يتميز به منهج السلف عن مناهج أهل الأهواء والفرق، ومنهم المرجئة، وهو الجمع بين ألفاظ الشرع وإعطاء كل لفظ وكل معنى التفصيلات التي تتعلق به.
стр. 938
وجه إشكال حديث وفد عبد القيس على تفسير الطحاوي للإيمان
قال رحمه الله تعالى: [كما أن الإحسان متضمن للإيمان الذي قدم تفسيره قبل ذكره، بخلاف حديث وفد عبد القيس؛ لأنه فسره ابتداء، لم يتقدم قبله تفسير الإسلام، ولكن هذا الجواب لا يتأتى على ما ذكره الشيخ ﵀ من تفسير الإيمان، فحديث وفد عبد القيس مشكل عليه].
يشير إلى تفسير الشيخ للإيمان على مذهب المرجئة؛ لأن الشيخ فسر الإيمان أكثر من مرة، وفي بعض المرات فسره بتفسير يرده حديث وفد عبد القيس.
وهو قوله: (والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى).
فهذا مما يرد عليه الحديث؛ لأنه لا يكون الإيمان واحداً؛ ولا يكون أهله في أصله سواء؛ لأن هذا ينافيه تفسيره بالأعمال التي ذكرت.
فمجموع كلام الطحاوي السابق في الإيمان يفهم منه: أنه وافق المرجئة، وأنه جعل العمل من لوازم الإيمان وليس من الإيمان نفسه، فالشارح يقول بأن حديث وفد عبد القيس لا يتوافق مع تفسير الشيخ للإيمان عند تفصيله، ويعارضه؛ لأن الحديث صريح في تفسير الإيمان بأركان الإسلام.
стр. 939
جواب السؤال عن قصر الإسلام على الخصال الخمس دون غيرها من الواجبات
قال رحمه الله تعالى: [ومما يسأل عنه: أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من الخصال الخمس التي أجاب بها النبي ﷺ في حديث جبريل المذكور، فلم قال: إن الإسلام هذه الخصال الخمس؟ وقد أجاب بعض الناس بأن هذه أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده.
والتحقيق: أن النبي ﷺ ذكر الدين الذي هو استسلام العبد لربه مطلقاً، الذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان، فيجب على كل من كان قادراً عليه، ليعبد الله بها مخلصاً له الدين، وهذه هي الخمس، وما سوى ذلك فإنما يجب بأسباب مصالح، فلا يعم وجوبها جميع الناس، بل إما أن يكون فرضاً على الكفاية: كالجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما يتبع ذلك من إمارة وحكم وفتيا وإقراء وتحديث وغير ذلك، وإما أن يجب بسبب حق الآدميين، فيختص به من وجب له وعليه، وقد يسقط بإسقاطه من قضاء الديون ورد الأمانات والمغصوب والإنصاف من المظالم من الدماء والأموال والأعراض، وحقوق الزوجة والأولاد، وصلة الأرحام ونحو ذلك.
فإن الواجب من ذلك على زيد غير الواجب على عمرو، بخلاف صوم رمضان وحج البيت والصلوات الخمس والزكاة؛ فإن الزكاة وإن كانت حقاً مالياً فإنها واجبة لله، والأصناف الثمانية مصارفها، ولهذا وجبت فيها النية، ولم يجز أن يفعلها الغير عنه بلا إذنه، ولم تطلب من الكفار، وحقوق العباد لا يشترط لها النية، ولو أداها غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته، ويطالب بها الكفار.
وما يجب حقاً لله تعالى -كالكفارات- هو بسبب من العبد، وفيها معنى العقوبة، ولهذا كان التكليف شرطاً في الزكاة؛ فلا تجب على الصغير والمجنون عند أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى على ما عرف في موضعه].
стр. 940
وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى): تقدم قوله ﷺ في حديث جبريل ﵇: (وتؤمن بالقدر خيره وشره)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١]، وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٨ - ٧٩] الآية].
стр. 941
الجمع بين قوله تعالى: (كل من عند الله) وقوله: (فمن نفسك)
قال رحمه الله تعالى: [فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: ((كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ))، وبين قوله: ((فَمِنْ نَفْسِكَ))؟ قيل: قوله ((كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)): الخصب والجدب والنصر والهزيمة؛ كلها من عند الله، وقوله: ((فَمِنْ نَفْسِكَ)): أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك].
خلاصة هذا الجمع أن قوله : ((كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)) يعني: من حيث العلم والتقدير، كل شيء يحدث -ومنه أفعال العباد خيرها وشرها- بعلم الله وتقديره ومشيئته، وقوله: ((فَمِنْ نَفْسِكَ)) ونحوه مما جاء في الآيات يعني: من حيث التسبب، فالله جعل لأفعال العباد أسباباً، وأفعال العباد التي فيها الشر والضرر عليهم تسببوا في وقوعها على أنفسهم، وكون الله قدرها لا يعني ذلك ألا يكون العبد متسبباً؛ لأن الله أعطى العباد المكلفين الحرية والقدرة والاختيار، وبين لهم طريق الخير وأقدرهم عليه وأمرهم به، وبين لهم طريق الشر وأقدرهم عليه ونهاهم عنه، فإذا فعلوا الشر فإن فعلهم له سبب في العقوبة، والفعل والعقوبة كلاهما مقدر من الله ؛ لأنه كل من عند الله.
إذاً: كل من عند الله من حيث العلم والتقدير والمشيئة العامة والإرادة العامة، ويقال للإنسان إذا أصابه ضر بسبب أعماله وسيئاته: فمن نفسك، أي: من حيث التسبب، أنت سببه، فهذا عقوبة لك، وهذا معلوم عند التأمل، بل هو واضح، وهو الذي تقتضيه الفطرة، ومن حاد عن هذا الفهم فلابد أن يختل فهمه ويقع في إشكال.
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: ((فَمِنْ نَفْسِكَ))، أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك، كما قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠]، يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ: ((وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)) وأنا كتبتها عليك.
والمراد بالحسنة هنا: النعمة، وبالسيئة: البلية، في أصح الأقوال، وقد قيل: الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية، وقيل: الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد].
هذا من تفسير الشيء بجزئه، يعني: كثيراً ما يرد عن السلف تفسير النصوص بأسباب نزولها أو بأحوال خاصة، ولا يعني ذلك أنهم ينكرون عموم اللفظ، بل كانت مداركهم ومفاهيمهم وإدراكهم للغة تغني عن التفصيل، فكان السلف في ذلك الوقت المبكر في عهد الصحابة ومن بعدهم إذا جاء تفسيرهم هكذا -مثل تفسير السيئة بما حصل يوم أحد- فإنهم لا يتطرق إلى أفهامهم أن المقصود حصر معنى الآية على السيئة يوم أحد، إنما الإشارة إلى المثل والسبب، أو تفسير الشيء بجزئه، وهذا كثير جداً في عهد الصحابة والتابعين الأوائل قبل أن يتكلف الناس ويتعمقوا في الكلام ويتوسعوا، وتضعف لغتهم وتضعف مفاهيمهم، ولذلك يظن كثير من الناس أن تفسير الصحابة وتفسير التابعين ليس بشامل؛ لأنه يأتي بمثل هذه الجزئيات، والصحيح أنه أشمل؛ لأنه يأتي بالمثل الذي يدل على القاعدة، ويأتي بالجزء الذي يدل على الكل، ويأتي بالمثال الذي يدل على الأصل، وهذا أشمل في الفهم، لكن لما ضعفت العربية وكثر تكلف الناس، وتعودوا على العنصرة والتعمق وتشقيق الكلام اضطر العلماء إلى التنبيه على عمومات الألفاظ في النصوص.
قال رحمه الله تعالى: [والقول الأول شامل لمعنى القول الثالث، والمعنى الثاني ليس مراداً دون الأول قطعاً، ولكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه، مع أن الجميع مقدر، فإن المعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى، فتكون من سيئات الجزاء، مع أنها من سيئات العمل، والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى، كما دل على ذلك الكتاب والسنة].
стр. 942
دفع احتجاج القدرية على خلق الإنسان فعله بقوله تعالى: (فمن نفسك)
قال رحمه الله تعالى: [وليس للقدرية أن يحتجوا بقوله تعالى: ((فَمِنْ نَفْسِكَ))].
يقصد القدرية الذين قالوا بأن الإنسان خالق أفعاله أو بعض أفعاله، فبعضهم قالوا: إنه خلق أفعاله، وبعضهم قالوا: خلق بعض أفعاله، وبعضهم يقول بأنه هو الموجد والأصل في أفعال الشر، وليس لله فيها خلق! تعالى الله عما يزعمون، المهم أن هؤلاء هم القدرية الأولى، وقدرية المعتزلة كذلك.
قال رحمه الله تعالى: [وليس للقدرية أن يحتجوا بقوله تعالى: ((فَمِنْ نَفْسِكَ))، فإنهم يقولون: إن فعل العبد حسنة كان أو سيئة فهو منه لا من الله! والقرآن قد فرق بينهما وهم لا يفرقون، ولأنه قال تعالى: ((كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ))، فجعل الحسنات من عند الله، كما جعل السيئات من عند الله، وهم لا يقولون بذلك في الأعمال، بل في الجزاء.
وقوله بعد هذا: ((مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ))، و ((مِنْ سَيِّئَةٍ))، مثل قوله: ((وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ))، و ((وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ)).
وفرق بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي المصائب؛ فجعل هذه من الله، وهذه من نفس الإنسان؛ لأن الحسنة مضافة إلى الله؛ إذ هو أحسن بها من كل وجه، فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه.
وأما السيئة فهو إنما يخلقها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه؛ فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وخير؛ ولهذا كان النبي ﷺ يقول في الاستفتاح: (والخير كله بيديك، والشر ليس إليك)، أي: فإنك لا تخلق شراً محضاً، بل كل ما تخلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، فهذا شر جزئي إضافي، فأما شر كلي أو شر مطلق فالرب منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه.
ولهذا لا يضاف الشر إليه مفرداً قط، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، ((كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ))، وإما أن يضاف إلى السبب، كقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢]، وإما أن يحذف فاعله، كقول الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠].
وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل لله من الرحمة والحكمة ما لا يقدر قدره إلا الله تعالى، وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة يكون شراً كلياً عاماً، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيراً ومصلحة للعباد، كالمطر العام، وكإرسال رسول عام].
стр. 943
وجه الخير فيما يبتلي الله تعالى به عباده من ظلم الظلمة
قال رحمه الله تعالى: [وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيد كذاباً عليه بالمعجزات التي أيد بها الصادقين؛ فإن هذا شر عام للناس يضلهم فيفسد عليهم دينهم ودنياهم وأخراهم.
وليس هذا كالملك الظالم والعدو؛ فإن الملك الظالم لابد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه، وقد قيل: ستون سنة بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام، وإذا قدر كثرة ظلمه فذاك خير في الدين، كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم، ويثابون على الصبر عليه، ويرجعون فيه إلى الله، ويستغفرونه ويتوبون إليه].
هذا فيه إشارة إلى الفارق بين فهم أئمة السلف أئمة السنة وفهم أهل الأهواء فيما يتعلق بالصبر على المظالم والجور والأثرة، وما يتعلق بالتعامل مع الولاة، فهو أشار إلى ذلك هنا بهذه المناسبة ليبين أنه فعلاً قد يحدث من الملوك أو من بعض السلاطين شيء من الظلم والعدوان والأثرة، لكن ورد الصبر على ذلك، بمعنى: يجب ألا يؤدي ذلك إلى الخروج، ولا يعني بذلك عدم النصح وعدم إقامة الحجة أو عدم إنكار المنكر بالطرق المشروعة، لا يقصد هذا، وإنما يقصد أن ما يحدث من هذه الأمور -الظلم والأثرة والعدوان من بعض السلاطين- لا يقتضي بالضرورة أن يكون شراً كله، ولذلك أمر النبي ﷺ بالصبر على ظلم الولاة وجورهم وأثرتهم، وقال: (إنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)، ونحو ذلك من الأحاديث الواردة، بل إنه أمر بالصبر حتى مع جلد الظهر وأخذ المال: (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) ونحو ذلك من الأحاديث، وأمر بالصبر حتى على من لا يرى الناس أنه مستحق للولاية كالعبد الحبشي ونحو ذلك.
المهم أن الشاهد هنا أن فيما يحدث من مظالم وعدوان قد يكون شراً، لكنه شر لابد من الصبر عليه، وقد يكون وراءه خير، ثم إنه ليس شراً محضاً، نعم لو كان باختيار الناس لوجب أن يختاروا الأفضل وأن يبتعدوا ولا يقعوا فيما يسبب الظلم والعدوان، لكن الكلام فيما يقدر عليهم وما يكتب لهم في مصائرهم؛ وذلك أن الملك لله يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، فهذا الأمر هو الفارق بين فهم السلف وغيرهم، ولذلك قالوا هذه الكلمة: ستون سنة بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام، وهذه قاعدة -في الحقيقة- صحيحة يصدقها الشرع والعقل، فلو افترضنا أن تنفلت أمور الناس ليلة واحدة بلا إمام لفسد دينهم ودنياهم، وما استطاع الإنسان أن يؤدي حتى صلاة الجماعة أو غيرها، وكثير من ضرورات الدين -كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجمعة والجماعات وإقامة الحدود والجنائز وغيرها- كلها لا يمكن أن تؤدى بغير ما يحكم دنيا الناس من إمامة ولو من سلطان ظالم، فهذه الحقيقة هي التي يختلف فيها فهم السلف عن فهم غيرهم من الذين لا يصبرون على الجور ويعدون الجور من المنكرات التي يجب إزالتها بلا حدود ولا ضوابط ولا شروط.
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك ما يسلط عليهم من العدو، ولهذا قد يمكن الله كثيراً من الملوك الظالمين مدة، وأما المتنبئون الكذابون فلا يطيل تمكينهم، بل لابد أن يهلكهم؛ لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة].
هذا ينطبق أيضاً على مثل الأمر بقتال الخوارج، فالخوارج ورد عن النبي ﷺ الأمر بقتالهم دون غيرهم من أهل الأهواء، مع أن أهل الأهواء من الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم أشد كفراً من الخوارج، ومع ذلك ما جاء الأمر إلا بقتال الخوارج؛ لأن منهجهم ومسلكهم يفسد الدين والدنيا، فهم لا يستريحون حتى يقتلوا الناس أو يقتلهم الناس، فلذلك جاء الأمر بقتلهم؛ لأن مناهجهم تفسد دين الناس ودنياهم، وكل منهج يكون كذلك يكون أضر على الناس، وهذا هو السبب في حث السلف على الصبر على الظلم والجور؛ لأن الظلم والجور بذنوب العباد، فالعباد لو استقاموا على دين الله وحققوا التوحيد، وحققوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه لا يمكن أن يولى عليهم من لا يصلح لهم، فهذا لا يتأتى أبداً شرعاً ولا عقلاً، فما يأتي الناس شيء من الجور والظلم من الملوك والسلاطين إلا بسبب ذنوبهم، ولا يمكن ولا يتأتى أن يكون هناك مجتمع مثالي مسلم كمجتمع الصحابة فيولى عليه ظالم، لا يمكن هذا، ولذلك لما قال أحد الناس لـ علي بن أبي طالب ﵁: لم اختلف الناس عليك وقد اتفقوا على أبي بكر وعمر؟ قال: لأن أبا بكر وعمر كانا ولاة على مثلي، وأنا ولي على مثلك.
والظاهر -والله أعلم- أن الذي سأل علي بن أبي طالب من أهل الأهواء، ولا أجزم، لكن الظاهر من السؤال هو هذا.
قال رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦].
стр. 944
فوائد من قوله تعالى: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك)
قال رحمه الله تعالى: [وفي قوله: ((فَمِنْ نَفْسِكَ)) من الفوائد: أن العبد لا يطمئن إلى نفسه ولا يسكن إليها، فإن الشر كامن فيها، لا يجيء إلا منها، ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا أساءوا إليه، فإن ذلك من السيئات التي أصابته، وهي إنما أصابته بذنوبه، فيرجع إلى الذنوب، ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله، ويسأل الله أن يعينه على طاعته، فبذلك يحصل له كل خير، ويندفع عنه كل شر.
ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر لا في الدنيا ولا في الآخرة.
لكن الذنوب هي لوازم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الطعام والشراب، ليس كما يقوله بعض المفسرين: إنه قد هداه فلماذا يسأل الهدى؟! وأن المراد التثبيت، أو مزيد الهداية! بل العبد محتاج إلى أن يعلمه الله ما يفعله من تفاصيل أحواله، وإلى ما يتركه من تفاصيل الأمور في كل يوم، وإلى أن يلهمه أن يعمل ذلك؛ فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم يجعله مريداً للعمل بما يعلمه، وإلا كان العلم حجة عليه ولم يكن مهتدياً، والعبد محتاج إلى أن يجعله الله قادراً على العمل بتلك الإرادة الصالحة، فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم، وما لا نريد فعله تهاوناً وكسلاً مثل ما نريد أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر، ونحن محتاجون إلى الهداية التامة، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤاله سؤال تثبيت، وهي آخر الرتب.
وبعد ذلك كله هداية أخرى: وهي الهداية إلى طريق الجنة في الآخرة، ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة لفرط حاجتهم إليه، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء، فيجب أن يعلم أن الله بفضل رحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير المانعة من الشر، فقد بين القرآن أن السيئات من النفس، وإن كانت بقدر الله، وأن الحسنات كلها من الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يشكر سبحانه، وأن يستغفره العبد من ذنوبه، وألا يتوكل إلا عليه وحده، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، فأوجب ذلك توحيده والتوكل عليه وحده، والشكر له وحده، والاستغفار من الذنوب.
وهذه الأمور كان النبي ﷺ يجمعها في الصلاة، كما ثبت عنه في الصحيح: أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: (ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد) فهذا حمد وهو شكر لله تعالى، وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد، ثم يقول بعد ذلك: (لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد).
وهذا تحقيق لوحدانيته، لتوحيد الربوبية خلقاً وقدراً وبداية وهداية، هو المعطي المانع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولتوحيد الإلهية شرعاً وأمراً ونهياً، وهو أن العباد وإن كانوا يعطون جداً -ملكاً وعظمة وبختاً ورياسة- في الظاهر أو في الباطن -كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة- فلا ينفع ذا الجد منك الجد، أي: لا ينجيه ولا يخلصه، ولهذا قال: لا ينفعه منك، ولم يقل: ولا ينفعه عندك؛ لأنه لو قيل ذلك أوهم أنه لا يتقرب به إليك، لكن قد لا يضره.
فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد، وتحقيق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فإنه لو قدر أن شيئاً من الأسباب يكون مستقلاً بالمطلوب -وإنما يكون بمشيئة الله وتيسيره- لكان الواجب ألا يرجى إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يسأل إلا هو، ولا يستغاث إلا به، ولا يستعان إلا هو، فله الحمد وإليه المشتكى وهو المستعان وبه المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا به، فكيف وليس شيء من الأسباب مستقلاً بمطلوب، بل لابد من انضمام أسباب أخر إليه، ولابد أيضاً من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود؟! فكل سبب فله شريك وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه ولم ينصرف عنه ضده لم تحصل مشيئته.
والمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى، ومجموع ذلك لا يفيد إن لم تصرف عنه المفسدات.
والمخلوق الذي يعطيك أو ينصرك فهو -مع أن الله يجعل فيه الإرادة والقوة والفعل- فلا يتم ما يفعله إلا بأسباب كثيرة خارجة عن قدرته تعاونه على مطلوبه، ولو كان ملكاً مطاعاً، ولابد أن يصرف عن الأسباب المتعاونة ما يعارضها ويمانعها، فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع.
وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضي، فليس في الوجود شيء واحد هو مقتض تام، وإن
стр. 945
الرد على الجبرية والقدرية
هذا الكلام كله فيه رد على فئتين، وببيان مذهب هاتين الفئتين يتبين المقصود: الفئة الأولى: الذين يزعمون أن العباد يستقلون بأفعالهم استقلالاً تاماً بجميع الأفعال أو ببعضها، وهم القدرية على مختلف أصنافهم، فهذا رد عليهم.
والفئة الثانية: وهم الجبرية، وهم أيضاً على درجتين، الجبرية الغالية جبرية الجهمية، وهم الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على أفعاله، ويجرون هذا الأمر حتى على الأسباب، يعني: يزعمون أن الأسباب ما هي إلا قرائن على أفعال خفية ليست هي بذاتها التي تتسبب في وجود الأفعال، ويتضح هذا ببيان ما عند الصنف الثاني من الجبرية، وهم كثير من جبرية الأشاعرة والماتريدية أصحاب القول بالكسب، فلهم فلسفة عجيبة في مسألة الأسباب، فكثير منهم يرون أن الأسباب ليست إلا قرائن على فعل الله ، وليست مؤثرة في الأفعال، وهذا ردة فعل للقدرية، يزعمون أن كل شيء مادام بفعل الله وتقديره؛ فالأسباب لا أثر لها البتة، فعلى سبيل المثال: إذا قلنا لهم: نرى أن الله جعل السحاب سبباً للمطر، والمطر سبباً لحياة الأرض ثم للنبات وهكذا، قالوا مبالغة في إلغاء الأسباب: السحاب الذي ترون قرينة على وجود المطر وعلامة فقط، وما هو بسبب، ولذلك ألغوا الأسباب، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: إنهم يحترزون من ذكر الباء السببية في أفعال الله أو في ألفاظ القرآن، وقد رد عليهم ابن القيم في كتابه (شفاء العليل).
والمهم أنهم يزعمون أن الأسباب ما هي إلا قرائن على فعل الله وليست أسباباً حقيقية مؤثرة، زعماً منهم أن قولنا بأنها مؤثرة يتنافى مع أن الله خالق كل شيء؛ وهذا فهم خاطئ، فالله فعال لما يريد، وكل شيء بقدره وفعله، لكن جعل للأشياء أسباباً، وقد يكون من أفعال الله ما ليس له أسباب مباشرة، فالله يخلق ما يشاء كيف يشاء، قد يخلق الشيء بكن، لكن سائر الأفعال التي نراها في الكون تكون بأسبابها، فالله خالق الأسباب والمسببات، وهو على كل شيء قدير، فلا يخرج عن ملكه شيء، لكن مع ذلك فإن من إتقان الملك وإتقان الخلق أن توجد هذه الأسباب، فهذا من بديع الصنع ومن عظيم خلق الله وقدرته أن توجد هذه الأسباب، فالشيخ هنا يرد على طائفتين: الذين يلغون الأسباب بالكلية، ويجعلون الأسباب ما هي إلا قرائن ودلالات على الأفعال، وكذلك الذين يزعمون أن المكلف يستقل بفعل نفسه، سواء كل الأفعال أو بعض الأفعال، والله أعلم.
قال رحمه الله تعالى: [ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله، وعلم أنه لا يستحق أن يسأل غيره، فضلاً عن أن يعبد غيره، ولا يتوكل على غيره، ولا يرجى غيره].
стр. 946
الأسئلة
стр. 947
المقصود بحكم الإيمان وحقيقته
السؤال
ما المقصود بحكم الإيمان وحقيقة الإيمان؟
الجواب
قد يقصد بحكم الإيمان حقيقة الإيمان، لكن بعض المرجئة يقصدون بحكم الإيمان ثمرته أو لوازمه، أو الأسماء والأحكام؛ يعني: الحكم على الشخص بعد إيمانه، فكلمة حكم الإيمان قد يقصد بها الحقيقة وقد يقصد بها الآثار والأحكام المتعلقة بأفعال العباد، أما الحقيقة فهي أدق؛ فحقيقة الإيمان تعني حقيقته الشرعية، فإذا قيدت كلمة حكم الإيمان بحقيقته فإنها تعتبر أحكم وأسلم من الكلمة المجردة من الوصف.
إذاً: كلمة (حكم الإيمان) تحتمل معنيين: تحتمل الآثار واللوازم والشروط، وهذا قول المرجئة، وتحتمل حقيقة الإيمان، وهذا قول السلف.
وقد يقال: هل بينهما فرق؟ وما حكم الاقتصار على أحدهما؟
و
الجواب
لا مانع أن نطلق كلمة (حكم الإيمان) وحدها أو (حقيقة الإيمان) وحدها إذا دل السياق على المقصود.
стр. 948
مدى الاعتبار بحديث أركان الإيمان في تعريف الإيمان
السؤال
سمعت بعض الناس يقول: ينبغي أن يعرف الإيمان بما عرف به الرسول ﷺ ، وهو أنه: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى آخره، وينهى عن التعريف المشهور بحجة وجود الرد على قول رسول الله ﷺ ؟
الجواب
هذا حق وهذا حق، فإن تعريف الإيمان بأركانه الستة صحيح إذا قصد التعريف الخاص، لكن أحياناً يدخل في مسمى الإيمان أمور أخرى، كما أن النبي ﷺ عرفه بتعريف آخر، فإذا كان النبي ﷺ عرفه بأركان الإيمان الستة، وعرفه في قصة وفد عبد القيس وفي أحاديث كثيرة بأركان الإسلام؛ فمعنى هذا أن كل ذلك من تعريف النبي ﷺ له، فيكون جماع هذه التعريفات وجماع مفهوم الإيمان في الكتاب والسنة، وجماع ما ورد في حقيقة الإيمان في عموم النصوص تعريف الإيمان بأنه قول وعمل، أو اعتقاد وقول وعمل، ولا مانع مع ذلك من تعريفه بأركان الإيمان الستة، لكن مادام قد ورد عن النبي ﷺ هذا وهذا، فلا ينبغي لأحد أن يحجر الإيمان على تعريف معين، إلا إذا اقتضى الحال ذلك، أما عند الحاجة للتفصيل، وعند وجود اللبس، أو بعد ظهور الأهواء وخوف خطأ الفهم من الناس، أو إذا كان السائل ممن قد يفهم من التعريف قول فئة أو طائفة من الطوائف التي تخص الإيمان ببعض معانية فنحتاج إلى التفصيل.
стр. 949
وجه امتناع اشتقاق الصفة من التردد والهرولة
السؤال
من المعلوم أن صفات الله وأسماءه وأفعاله تأتي عن طريق الخبر، فلماذا لا يؤخذ من فعل التردد والهرولة صفة؟
الجواب
التردد والهرولة وردت في مقابل أفعال العباد، ولو لم ترد في مقابل فعل العبد لأطلقناها صفة بجزم، لكن ما دامت قد وردت في سياق فعل العبد فلابد أن يربط المعنى بهذا المفهوم، وهذا أمر لا نستطيع أن نرده عن أذهان السامعين، وهو مقتضى اللغة التي تكلم بها النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ تكلم بلسان عربي مبين، وأعطي جوامع الكلم، ولا يتكلم عن ربه إلا بحق، فألفاظ الحديث التي ورد فيها التردد وورد فيها الهرولة ونحوها من الأفعال الثابتة لله لا نستطيع أن نجزم بأنها صفات، لكن نقول: نقرها كما جاءت، وتثبت لله حقيقة على ما يليق بجلاله، فهي حق على حقيقتها، ولا نتأول، لكن مع ذلك لا نثبتها صفة مفردة؛ لأن إثباتها صفة مفردة يحتاج إلى دليل، ولا سيما أنها ربطت بأفعال الخلق، فأي فعل لله يربط بأفعال الخلق يفهم من سياقه المعنى المراد، وإذا فهم من سياقه المعنى المراد لم يصر هذا الفهم تأويلاً؛ بل هو تفسير للفظ بظاهره، فإذا فهمنا أن التردد في قبض نفس المؤمن القصد منه إكرام المؤمن والرأفة به لعمله الصالح؛ فهذا يعني أننا ما أولنا؛ لأن هذا هو مفهوم النص وظاهره.
وكذلك الهرولة، وإن كانت الهرولة تختلف عن التردد نوعاً ما، لكن يمكن أن يقاس على التردد الملل: (إن الله لا يمل حتى تملوا)، فربط الفعل بأفعال العباد، فمعنى الملل عند العباد منفي عن الله ، إذاً: للملل في حق الله معنى آخر بالضرورة مفهوم من السياق نفسه، لا بتأول، ولذلك لا تصلح هذه أمثلة على التأويل كما يزعم كثير من المبطلين، فالسلف حينما أولوا الملل أو فسروه بغير لفظه -وكذلك التردد- لا يعني ذلك أن هذا تأويل؛ لأن هذا مقتضى السياق، فالمعنى موجود في النص نفسه؛ لأنه مقابل أفعال العباد، فهذا خبر، ولا مانع أن نثبت منه صفة بالإجمال، لكن لا يقال: إنها صفة مفردة، فلا يقال: من الصفات التردد ومن الصفات الملل، لكن يقال: هذا الفعل من صفات أفعال الله ، ونكتفي بذلك ونقف على النص، ونقول: هذا النص يثبت لله على ظاهره على ما يليق بالله ، ومعناه مفهوم عند المخاطبين، والله أعلم.
стр. 950
حكم الجزم لشخص بالولاية
السؤال
ما حكم الجزم بأن فلاناً المعروف بالعلم والدين ولي من أولياء الله؟
الجواب
الجزم بأن فلاناً من أولياء الله لا يجوز، مثل الجزم بمصير أحد من العباد، لكن أن يقال: هذا ولي من أولياء الله بناء على القرائن وظواهر الحال؛ فهذا معلوم، فلا شك أنا إذا رأينا على عبد من العباد قرائن الولاية من الاستقامة والصلاح والتقوى وغير ذلك قلنا: فلان ولي من أولياء الله، على سبيل الشهادة بما نعلمه ظاهراً ولا نجزم، فالجزم أمر صعب ولا ينبغي، وربما يكون من الأمور غير المشروعة، أما الشهادة بأن فلاناً ولي من أولياء الله بناء على القرائن الظاهرة إذا شهد له عموم الناس فجائزة؛ لأن الشهادة على نوعين: شهادة بمعنى الجزم، وشهادة بمعنى الأخذ بالقرائن الظاهرة، فيجوز أن تقول: يظهر لي أن فلاناً ولي من أولياء الله، بناء على ما يظهر من أعماله وحاله.
إذاً: فالجزم الذي يعني الاعتقاد الذي يمكن أن تقسم عليه لا يجوز؛ لأنه مثل الجزم بمصير العبد، وفرق أيضاً بين الحي والميت، يعني: التغليظ في أمر الميت أكثر من أمر الحي؛ لأن الميت إذا مات وظاهره على الولاية يشهد له بالولاية شهادة عامة، أما الحي فلا تؤمن عليه الفتنة، ومع ذلك يشهد له بظاهر حاله في وقت الشهادة، على ألا تتعلق الشهادة بمصيره إذا كانت الشهادة بواقع الحال فلا حرج فيها بشرط ألا يكون الجزم اليقيني الذي يؤدي إلى الاعتقاد.
следующие страницы →