← Акыда

Акыда · id 37433

شرح العقيدة الطحاوية - ناصر العقل

ناصر العقل

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الأسئلة

стр. 947

المقصود بحكم الإيمان وحقيقته السؤال ما المقصود بحكم الإيمان وحقيقة الإيمان؟ الجواب قد يقصد بحكم الإيمان حقيقة الإيمان، لكن بعض المرجئة يقصدون بحكم الإيمان ثمرته أو لوازمه، أو الأسماء والأحكام؛ يعني: الحكم على الشخص بعد إيمانه، فكلمة حكم الإيمان قد يقصد بها الحقيقة وقد يقصد بها الآثار والأحكام المتعلقة بأفعال العباد، أما الحقيقة فهي أدق؛ فحقيقة الإيمان تعني حقيقته الشرعية، فإذا قيدت كلمة حكم الإيمان بحقيقته فإنها تعتبر أحكم وأسلم من الكلمة المجردة من الوصف. إذاً: كلمة (حكم الإيمان) تحتمل معنيين: تحتمل الآثار واللوازم والشروط، وهذا قول المرجئة، وتحتمل حقيقة الإيمان، وهذا قول السلف. وقد يقال: هل بينهما فرق؟ وما حكم الاقتصار على أحدهما؟ و الجواب لا مانع أن نطلق كلمة (حكم الإيمان) وحدها أو (حقيقة الإيمان) وحدها إذا دل السياق على المقصود.

стр. 948

مدى الاعتبار بحديث أركان الإيمان في تعريف الإيمان السؤال سمعت بعض الناس يقول: ينبغي أن يعرف الإيمان بما عرف به الرسول ﷺ ، وهو أنه: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى آخره، وينهى عن التعريف المشهور بحجة وجود الرد على قول رسول الله ﷺ ؟ الجواب هذا حق وهذا حق، فإن تعريف الإيمان بأركانه الستة صحيح إذا قصد التعريف الخاص، لكن أحياناً يدخل في مسمى الإيمان أمور أخرى، كما أن النبي ﷺ عرفه بتعريف آخر، فإذا كان النبي ﷺ عرفه بأركان الإيمان الستة، وعرفه في قصة وفد عبد القيس وفي أحاديث كثيرة بأركان الإسلام؛ فمعنى هذا أن كل ذلك من تعريف النبي ﷺ له، فيكون جماع هذه التعريفات وجماع مفهوم الإيمان في الكتاب والسنة، وجماع ما ورد في حقيقة الإيمان في عموم النصوص تعريف الإيمان بأنه قول وعمل، أو اعتقاد وقول وعمل، ولا مانع مع ذلك من تعريفه بأركان الإيمان الستة، لكن مادام قد ورد عن النبي ﷺ هذا وهذا، فلا ينبغي لأحد أن يحجر الإيمان على تعريف معين، إلا إذا اقتضى الحال ذلك، أما عند الحاجة للتفصيل، وعند وجود اللبس، أو بعد ظهور الأهواء وخوف خطأ الفهم من الناس، أو إذا كان السائل ممن قد يفهم من التعريف قول فئة أو طائفة من الطوائف التي تخص الإيمان ببعض معانية فنحتاج إلى التفصيل.

стр. 949

وجه امتناع اشتقاق الصفة من التردد والهرولة السؤال من المعلوم أن صفات الله وأسماءه وأفعاله تأتي عن طريق الخبر، فلماذا لا يؤخذ من فعل التردد والهرولة صفة؟ الجواب التردد والهرولة وردت في مقابل أفعال العباد، ولو لم ترد في مقابل فعل العبد لأطلقناها صفة بجزم، لكن ما دامت قد وردت في سياق فعل العبد فلابد أن يربط المعنى بهذا المفهوم، وهذا أمر لا نستطيع أن نرده عن أذهان السامعين، وهو مقتضى اللغة التي تكلم بها النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ تكلم بلسان عربي مبين، وأعطي جوامع الكلم، ولا يتكلم عن ربه إلا بحق، فألفاظ الحديث التي ورد فيها التردد وورد فيها الهرولة ونحوها من الأفعال الثابتة لله لا نستطيع أن نجزم بأنها صفات، لكن نقول: نقرها كما جاءت، وتثبت لله حقيقة على ما يليق بجلاله، فهي حق على حقيقتها، ولا نتأول، لكن مع ذلك لا نثبتها صفة مفردة؛ لأن إثباتها صفة مفردة يحتاج إلى دليل، ولا سيما أنها ربطت بأفعال الخلق، فأي فعل لله يربط بأفعال الخلق يفهم من سياقه المعنى المراد، وإذا فهم من سياقه المعنى المراد لم يصر هذا الفهم تأويلاً؛ بل هو تفسير للفظ بظاهره، فإذا فهمنا أن التردد في قبض نفس المؤمن القصد منه إكرام المؤمن والرأفة به لعمله الصالح؛ فهذا يعني أننا ما أولنا؛ لأن هذا هو مفهوم النص وظاهره. وكذلك الهرولة، وإن كانت الهرولة تختلف عن التردد نوعاً ما، لكن يمكن أن يقاس على التردد الملل: (إن الله لا يمل حتى تملوا)، فربط الفعل بأفعال العباد، فمعنى الملل عند العباد منفي عن الله ، إذاً: للملل في حق الله معنى آخر بالضرورة مفهوم من السياق نفسه، لا بتأول، ولذلك لا تصلح هذه أمثلة على التأويل كما يزعم كثير من المبطلين، فالسلف حينما أولوا الملل أو فسروه بغير لفظه -وكذلك التردد- لا يعني ذلك أن هذا تأويل؛ لأن هذا مقتضى السياق، فالمعنى موجود في النص نفسه؛ لأنه مقابل أفعال العباد، فهذا خبر، ولا مانع أن نثبت منه صفة بالإجمال، لكن لا يقال: إنها صفة مفردة، فلا يقال: من الصفات التردد ومن الصفات الملل، لكن يقال: هذا الفعل من صفات أفعال الله ، ونكتفي بذلك ونقف على النص، ونقول: هذا النص يثبت لله على ظاهره على ما يليق بالله ، ومعناه مفهوم عند المخاطبين، والله أعلم.

стр. 950

حكم الجزم لشخص بالولاية السؤال ما حكم الجزم بأن فلاناً المعروف بالعلم والدين ولي من أولياء الله؟ الجواب الجزم بأن فلاناً من أولياء الله لا يجوز، مثل الجزم بمصير أحد من العباد، لكن أن يقال: هذا ولي من أولياء الله بناء على القرائن وظواهر الحال؛ فهذا معلوم، فلا شك أنا إذا رأينا على عبد من العباد قرائن الولاية من الاستقامة والصلاح والتقوى وغير ذلك قلنا: فلان ولي من أولياء الله، على سبيل الشهادة بما نعلمه ظاهراً ولا نجزم، فالجزم أمر صعب ولا ينبغي، وربما يكون من الأمور غير المشروعة، أما الشهادة بأن فلاناً ولي من أولياء الله بناء على القرائن الظاهرة إذا شهد له عموم الناس فجائزة؛ لأن الشهادة على نوعين: شهادة بمعنى الجزم، وشهادة بمعنى الأخذ بالقرائن الظاهرة، فيجوز أن تقول: يظهر لي أن فلاناً ولي من أولياء الله، بناء على ما يظهر من أعماله وحاله. إذاً: فالجزم الذي يعني الاعتقاد الذي يمكن أن تقسم عليه لا يجوز؛ لأنه مثل الجزم بمصير العبد، وفرق أيضاً بين الحي والميت، يعني: التغليظ في أمر الميت أكثر من أمر الحي؛ لأن الميت إذا مات وظاهره على الولاية يشهد له بالولاية شهادة عامة، أما الحي فلا تؤمن عليه الفتنة، ومع ذلك يشهد له بظاهر حاله في وقت الشهادة، على ألا تتعلق الشهادة بمصيره إذا كانت الشهادة بواقع الحال فلا حرج فيها بشرط ألا يكون الجزم اليقيني الذي يؤدي إلى الاعتقاد.

стр. 951

البشرى الموعود بها الأولياء في الدنيا السؤال ما هي البشرى التي وعدها الله أولياءه في الدنيا؟ الجواب أولياء الله لهم البشرى في الحياة الدنيا من عدة وجوه: أولاً: شهادة الناس لهم. والأمر الثاني: ما يطمئن الله به قلوبهم من نور الإيمان ولذة العبادة وسعادة الحال ونحو ذلك مما يلاحظه أهل التقوى والاستقامة؛ فهم يعيشون سعادة قلبية في الدنيا، إضافة إلى ما يجدونه من قرائن الحال على الولاية؛ من شهادة الناس، ومن كرامات تحدث لهم منظورة وغير منظورة وغير ذلك مما هو معلوم.

стр. 952

شرح العقيدة الطحاوية [٧٧] أهل الكبائر من أمة محمد ﷺ إذا ماتوا فهم تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر لهم وأدخلهم الجنة، وإن شاء عذبهم ولكن لا يخلدون في النار، خلافاً للخوارج والمعتزلة الذين يقولون بخلود العصاة في النار، وقد وفق الله أهل السنة والجماعة، فجمعوا بين النصوص وفهموها على فهم الصحابة والتابعين، بعيداً عن الغلو أو الإرجاء.

стр. 953

الإيمان بجميع الرسل وتصديقهم فيما جاءوا به قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به): الإشارة بذلك إلى ما تقدم، مما يجب الإيمان به تفصيلاً، وقوله: (لا نفرق بين أحد من رسله) إلى آخر كلامه، أي: لا نفرق بينهم بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض، بل نؤمن بهم ونصدقهم كلهم، فإن من آمن ببعض وكفر ببعض كافر بالكل، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء:١٥٠ - ١٥١]. فإن المعنى الذي لأجله آمن بمن آمن منهم موجود في الذي لم يؤمن به؛ وذلك الرسول الذي آمن به قد جاء بتصديق بقية المرسلين، فإذا لم يؤمن ببعض المرسلين كان كافراً بمن في زعمه أنه مؤمن به؛ لأن ذلك الرسول قد جاء بتصديق المرسلين كلهم، فكان كافراً حقاً، وهو يظن أنه مؤمن، فكان من الأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً].

стр. 954

الأقوال في مصير أهل الكبائر قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون)]. صحة العبارة: لا يخلدون في النار، لكنه راعى السجع؛ فأوهمت العبارة، فالمعنى: وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ لا يخلدون في النار، والتقدير بأنهم في النار ثم لا يخلدون خطأ، فـ الطحاوي راعى السجع فقدم كلمة (النار) على (لا يخلدون)؛ وهذا يفهم منه أنهم في النار في أول وهلة، والصحيح التفصيل كما سيأتي؛ وهو أن أهل الكبائر تحت المشيئة: إن شاء الله عذبهم وإن شاء غفر لهم، وبعضهم يغفر له وبعضهم قد يعذب، ومن يعذب لا يخلد. قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون؛ وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته؛ وذلك بأن الله تعالى مولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته، اللهم يا ولي الإسلام وأهله! مسكنا بالإسلام حتى نلقاك به]. في هذه الجملة تعرض لأصل من الأصول الكبرى التي خالف فيها كثير من الفرق أهل السنة والجماعة، وهي مسألة مرتكب الكبيرة، ويمكن أن نلخص أقوال الناس في أهل الكبائر بما يلي: أولاً: أن مرتكب الكبيرة إذا تاب من ذنبه قبل الموت، فهذا لا شك أنه يغفر له ذنبه، بمعنى أنه تقبل منه توبته إذا صدق وتوافرت فيه شروط التوبة، وهذا باتفاق، وإن كان هناك من بعض الجهلة من يخوض في بعض تفاصيل المسألة، لكن في الجملة لا نجد في أصول الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة -كالخوارج والمعتزلة- من يشك في هذه المسألة، أن من تاب تاب الله عليه. وأما إذا أصر عليها في الدنيا ثم مات عليها فأقوال الناس في هذه المسألة على النحو الآتي:

стр. 955

قول أهل السنة والجماعة أولاً: قول أهل السنة والجماعة: وهو أن مرتكب الكبيرة ما دام مصراً على كبيرته في الدنيا فإنه يبقى فيه أصل الإيمان، لكنه فاسق بكبيرته، وقد يسمى بحسب عمله، قد يسمى ظالماً، وقد يسمى فاجراً، وقد يسمى فاسقاً، وقد يسمى عاصياً، وقد يطلق عليه وصف النفاق إذا كانت فيه خصلة من خصال النفاق، لكن ليس المقصود به النفاق المطلق، فيقال: فيه نفاق، فيه جاهلية إلى آخره، ويسمى مبتدعاً إذا كانت معصيته بدعة، لكن يبقى فيه مسمى الإيمان وأصل الإيمان، فيسمى مؤمناً ويعامل معاملة أهل القبلة إلا لمصلحة راجحة فيهجر ليتوب، أو ليكف فساده عن الناس، ويقام الحد عليه في الدنيا، كل هذه الأمور لا تمنع من كونه مؤمناً، ولا تمنع أن يكون من أهل القبلة وأن تجرى عليه أحكام أهل القبلة في الجملة، وحجبه عن بعض حقوق أهل القبلة لا يعني أنه خرج منهم، فقد لا يصلي عليه بعض أهل العلم، ولا يعني ذلك أنه ليس بمسلم، وقد لا يحضر جنازته، وقد لا يعوده في أثناء مرضه، لكن هذا لمصلحة، ولا يعني أنه ليس بمسلم، وهذه من الأمور التي اشتبهت على كثير من صغار طلاب العلم؛ يأخذون بعض مواقف السلف تجاه المبتدعة أو تجاه أهل الكبائر أو الظالمين أو نحوهم، فيظنون أن هذا يعني الحكم عليهم بالكفر أو نحو الكفر، أو أنهم يحرمون من حقوقهم التي ثبتت لهم بالإسلام، والحال أن هؤلاء لهم حكم تفصيلي، فلابد من اعتبار المصالح ودرء المفاسد فيهم، ومعرفة حكم السلف على الشخص وإن عاملوه معاملة قاسية؛ فالسلف قد يهجرون المبتدع، قد يهجرون الفاسق والفاجر، قد يقيمون عليه الحد في الدنيا، قد يصفونه بالفسق والفجور، قد يتركون بعض حقوقه من الصلة أو الزيارة عند المرض أو الصلاة عليه أو حضور جنازته، أو حضور وليمته أو نحو ذلك، قد يفعل هذا كثير من أئمة الدين، وهذا نوع من الهجر لمصلحة، ولكن لا يعني الحكم عليه بأنه ليس بمسلم، فالنبي ﷺ قال في حق بعض موتى الصحابة: (صلوا على صاحبكم)، وكذلك فعل بعض السلف، فهذا ما يتعلق بحكم مرتكب الكبيرة في الدنيا عند أهل السنة. أما في الآخرة فإن مرتكب الكبيرة إذا مات مصراً على كبيرته فإنه تحت مشيئة الله : إن شاء غفر له، وأسباب الغفران كثيرة جداً، وأحياناً يغفر الله للعبد بغير سبب منه، بل برحمة الله ولطفه بعبده، وإن شاء عذبه في النار، وإن عذبه الله فلابد أن يخرج منها بشفاعة نبينا محمد ﷺ ، وهي الشفاعة لأهل الكبائر من أمته، وقد ضمنها الله له يوم القيامة، أو بشفاعة الشافعين الآخرين، كشفاعة الأنبياء، وشفاعة الرسل، وشفاعة الصالحين، وشفاعة الشهداء على القول بأن حديث شفاعة الشهداء صحيح، وشفاعة القرآن، وشفاعة الصيام، وشفاعة أطفال المسلمين إذا ماتوا قبل البلوغ واحتسبهم أهلهم عند الله ، كل هذه من أسباب خروج أهل الكبائر من النار، ثم برحمة الله قبل ذلك وبعده. أما الفرق فقد اختلفت اختلافاً كثيراً في مصير أهل الكبائر في الآخرة نوجزه على النحو الآتي:

стр. 956

قول الخوارج والمعتزلة والمرجئة أولاً: الخوارج، فالخوارج يرون أن مرتكب الكبيرة في الدنيا كافر، أي: يحكمون عليه بأحكام الكفر في الغالب، وإن كان بعضهم قد يسميه كافراً ومع ذلك لا يحكم عليه بجميع أحكام الكفر، ففرقهم تختلف في هذا اختلافاً كثيراً، وإذا مات على كبيرته فإنهم يرون أنه مخلد في النار مطلقاً. ثانياً: المعتزلة، وقد وافقوا الخوارج في بعض أقوالهم وخالفوهم في بعضها، فأما في الدنيا فقد نفت المعتزلة عن مرتكب الكبيرة الإيمان ونفت عنه الكفر، وبعضهم يسميه فاسقاً، وبعضهم يقول: هو في منزلة بين المنزلتين، فمنزلة بين المنزلتين اصطلاح جديد لم يرد به الشرع، يريدون به أنه ليس بمؤمن ولا بكافر. أما في الآخرة؛ فإن مرتكب الكبيرة عندهم -كما هو حاله عند الخوارج- من أهل النار المخلدين فيها، ولا يدخل تحت مشيئة الله ولا تشمله الشفاعة، لكن بعضهم يقول بأن له ناراً غير نار الكافرين، أي أنها أخف من نار الكافرين، وهذه أيضاً مقولة عجيبة ليس لها مستند. ثالثاً المرجئة، وأقوال المرجئة أيضاً تتفاوت، فالمرجئة الغلاة يرون أن مرتكب الكبيرة ما دام مؤمناً بالله فهو مؤمن في الدنيا والآخرة، ولا يضره أي ذنب يفعله ما دام مؤمناً، وهو في الآخرة مضمونة له الجنة، حتى وإن ارتكب من الكبائر ما ارتكب. أما مرجئة الفقهاء فيقولون بأن مرتكب الكبيرة في الدنيا عاص، وقولهم شبيه بقول أهل السنة والجماعة عموماً، وإن كان المتأخرون منهم تساهلوا في مسألة الحكم على مرتكب الكبيرة، خاصة فيما يتعلق بالتعامل معه، وأما الأوائل فإن رأيهم في مرتكب الكبيرة في الدنيا قريب من رأي أهل السنة والجماعة، وإن كان عندهم نوع تساهل، ومن ذلك أن بعضهم يدخل بعض الأمور المكفرة المخرجة من الملة في مسمى الكبائر، فلا يرون أن مرتكبها يخرج بها من الملة مادامت عملية، وهذا من أهم الفوارق في حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا بين أهل السنة والمرجئة عند التفصيل، فهم عند الإجمال يقولون بقول أهل السنة والجماعة، لكن عند التفصيل فإن الكبائر المكفرة عندهم ما دامت عملية لا تخرج من الملة، ويبقى صاحبها مؤمناً، ويكون حكمه حكم المؤمنين في الدنيا والآخرة، وهذا فيه نظر؛ فإن الكبائر المخرجة -كالشركيات والبدع المغلظة- يخرج بها المؤمن من مسمى الإيمان إلى الردة والكفر، أما في الآخرة فإن مرجئة الفقهاء يقولون بقول أهل السنة والجماعة في الجملة. قال رحمه الله تعالى: [فقوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون) رد لقول الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار، لكن الخوارج تقول بتكفيرهم، والمعتزلة بخروجهم من الإيمان، لا بدخولهم في الكفر، بل لهم منزلة بين منزلتين، كما تقدم عند الكلام على قول الشيخ ﵀: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله). وقوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ تخصيصه أمة محمد يفهم منه أن أهل الكبائر من أمة غير محمد ﷺ قبل نسخ تلك الشرائع به حكمهم مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ ، وفي ذاك نظر؛ فإن النبي ﷺ أخبر أنه: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) ولم يخص أمته بذلك، بل ذكر الإيمان مطلقاً، فتأمله، وليس في بعض النسخ ذكر الأمة. وقوله: (في النار) معمول لقوله: (لا يخلدون)، وإنما قدمه لأجل السجعة، لا أن يكون (في النار) خبراً لقوله: (وأهل الكبائر)، كما ظنه بعض الشارحين].

стр. 957

الخلاف في عدد الكبائر وحقيقتها قال رحمه الله تعالى: [واختلف العلماء في الكبائر على أقوال، فقيل: سبعة، وقيل: سبعة عشر، وقيل: ما اتفقت الشرائع على تحريمه، وقيل: ما يسد باب المعرفة بالله، وقيل: ذهاب الأموال والأبدان، وقيل: سميت كبائر بالنسبة والإضافة إلى ما دونها، وقيل: لا تعلم أصلاً، أو: إنها أخفيت كليلة القدر، وقيل: إنها إلى السبعين أقرب، وقيل: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وقيل: إنها ما يترتب عليها حد، أو توعد عليها بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، وهذا أمثل الأقوال]. هذا هو أجمع الأقوال، خاصة إذا أضيف إليه الإصرار على الصغيرة، فالكبيرة ما يترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد بالنار في الآخرة أو اللعنة أو الغضب من الله ، وكذلك ما يشابهه، مثل قوله ﷺ : (ليس منا)، (من تشبه بقوم فهو منهم) إذا كان التشبه يتعلق بالأمور العقدية والعبادية ونحوها، وكذلك البراءة من الفاعل ونحو ذلك، فالمهم أن الألفاظ التي يفهم منها الوعيد بأي وجه مع الإصرار على الصغائر نستطيع أن نفرق بها بين الكبيرة والصغيرة وإن لم تكن حدية قاطعة، لكنها أحسن الضوابط، تجمع الفروق بين الصغيرة والكبيرة بشيء من الدقة. قال رحمه الله تعالى: [واختلفت عبارات قائليه: منهم من قال: الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا وحد الآخرة]. المقصود بذلك الحدود في الدنيا، وحد الآخرة الذي هو الوعيد بالنار ونحو ذلك، كالوعيد بعذاب القبر. قال رحمه الله تعالى: [ومنهم من قال: كل ذنب لم يختم بلعنة أو غضب أو نار، ومنهم من قال: الصغيرة ما ليس فيها حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة، والمراد بالوعيد: الوعيد الخاص بالنار أو اللعنة أو الغضب، فإن الوعيد الخاص في الآخرة كالعقوبة الخاصة في الدنيا، أعني المقدرة، فالتعزير في الدنيا نظير الوعيد بغير النار أو اللعنة والغضب]. ضوابط الصغيرة هنا تعود إلى ضوابط الكبيرة، فإذا قلنا: إن ضوابط الكبيرة هي تلك الضوابط؛ فالصغيرة ما دون ذلك، وهذا ما أراد أن يقرره، لكن فصله مرة أخرى على وجه كان ينبغي أن يقرره على القاعدة الأولى، فيقول: ما دون ذلك فهو صغيرة، وينتهي الإشكال.

стр. 958

وجوه ترجيح القول بأن الكبيرة ما وجب فيه حد أو ورد فيه وعيد قال رحمه الله تعالى: [وهذا الضابط يسلم من القوادح الواردة على غيره؛ فإنه يدخل فيه كل ما ثبت بالنص أنه كبيرة: كالشرك، والقتل، والزنا، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، ونحو ذلك؛ كالفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وشهادة الزور، وأمثال ذلك. وترجيح هذا القول من وجوه: أحدها: أنه هو المأثور عن السلف كـ ابن عباس وابن عيينة وابن حنبل وغيرهم. الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١]، فلا يستحق هذا الوعد الكريم من أوعد بغضب الله ولعنته وناره، وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر. الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب؛ فهو حد متلقى من خطاب الشارع. الرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، بخلاف تلك الأقوال. فإن من قال: سبعة، أو سبعة عشر، أو إلى السبعين أقرب مجرد دعوى، ومن قال: ما اتفقت الشرائع على تحريمه دون ما اختلفت فيه يقتضي أن شرب الخمر، والفرار من الزحف، والتزوج ببعض المحارم، والمحرم بالرضاعة والصهرية. ونحو ذلك ليس من الكبائر! وأن الحبة من مال اليتيم، والسرقة لها، والكذبة الواحدة الخفيفة ونحو ذلك من الكبائر! وهذا فاسد. ومن قال: ما سد باب المعرفة بالله، أو ذهاب الأموال والأبدان يقتضي أن شرب الخمر، وأكل الخنزير والميتة والدم، وقذف المحصنات ليس من الكبائر! وهذا فاسد. ومن قال: إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما دونها، أو: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة يقتضي أن الذنوب في نفسها لا تنقسم إلى صغائر وكبائر! وهذا فاسد؛ لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر. ومن قال: إنها لا تعلم أصلاً، أو: إنها مبهمة؛ فإنما أخبر عن نفسه أنه لا يعلمها، فلا يمنع أن يكون قد علمها غيره، والله أعلم].

стр. 959

أهل الكبائر في مشيئة الله تعالى إذا لقوه مؤمنين غير تائبين قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (وإن لم يكونوا تائبين) لأن التوبة لا خلاف أنها تمحو الذنوب، وإنما الخلاف في غير التائب. وقوله: (بعد أن لقوا الله تعالى عارفين) لو قال: (مؤمنين) بدل قوله: (عارفين) كان أولى؛ لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر، وإنما اكتفى بالمعرفة وحدها الجهم، وقوله مردود باطل كما تقدم؛ فإن إبليس عارف بربه: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر:٣٦]، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣]. وكذلك فرعون وأكثر الكافرين، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى، وكأن الشيخ ﵀ أراد المعرفة الكاملة المستلزمة للاهتداء، التي يشير إليها أهل الطريقة، وحاشا أولئك أن يكونوا من أهل الكبائر، بل هم سادة الناس وخاصتهم. وقوله: (وهم في مشيئة الله وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله) إلى آخر كلامه، فصل الله تعالى بين الشرك وغيره؛ لأن الشرك أكبر الكبائر، كما قال ﷺ ، وأخبر الله تعالى أن الشرك غير مغفور، وعلق غفران ما دونه بالمشيئة، والجائز يعلق بالمشيئة دون الممتنع، ولو كان الكل سواء لما كان للتفصيل معنى، ولأنه علق هذا الغفران بالمشيئة، وغفران الكبائر والصغائر بعد التوبة مقطوع به غير معلق بالمشيئة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، فوجب أن يكون الغفران المعلق بالمشيئة هو غفران الذنوب سوى الشرك بالله قبل التوبة. وقوله: (ذلك أن الله مولى أهل معرفته) فيه مؤاخذة لطيفة، كما تقدم]. أشار إلى المعرفة؛ لأن مسألة المعرفة ليست هي الكافية في إثبات الإيمان، وليست هي دلالة الولاية، ففيها مأخذ من حيث موافقتها لمرجئة الجهمية؛ لأنهم يعدون الإيمان هو المعرفة، وأن الولاية تتم بالمعرفة، وكذلك لموافقتها عبارة المتصوفة؛ لأنهم يعبرون عن الأولياء بأهل المعرفة، وهذا التعبير فيه تساهل شديد، ولا شك أن أغلب أهل التصوف من مرجئة الجهمية.

стр. 960

حاجة المسلم إلى سؤال الله تثبيته على الإسلام قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا بالإسلام) وفي نسخة: (ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به): روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه (الفاروق) بسنده عن أنس ﵁ قال: (كان من دعاء رسول الله ﷺ يقول: يا ولي الإسلام وأهله، مسكني بالإسلام حتى ألقاك عليه)، ومناسبة ختم الكلام المتقدم بهذا الدعاء ظاهرة، وبمثل هذا الدعاء دعا يوسف الصديق صلوات الله عليه، حيث قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]، وبه دعا السحرة الذين كانوا أول من آمن بموسى صلوات الله على نبينا وعليه، حيث قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف:١٢٦]، ومن استدل بهاتين الآيتين على جواز تمني الموت فلا دليل له فيه؛ فإن الدعاء إنما هو بالموت على الإسلام، لا بمطلق الموت، ولا بالموت الآن، والفرق ظاهر]. ينبغي للمسلم دائماً أن يعود نفسه ويعود من حوله ومن تحت ولايته وأن يذكر المسلمين دائماً بضرورة الإكثار من الدعاء بالتثبيت، لاسيما عند الفتن وعند كثرة البدع والضلالات وكثرة الفسوق والفجور كما هو حاصل في حال المسلمين اليوم، فينبغي للمسلم دائماً أن يتحرى مثل هذا الدعاء: يا مقلب القلوب والأبصار! ثبت قلبي على دينك، وغيره من الأدعية التي يجب أن يكثر بها المسلم من اللجوء إلى الله بأن يثبته ويعصمه من الضلالة والفتن وأن يميته على الإسلام.

стр. 961

الأسئلة

стр. 962

الفرق بين الصفة والخبر السؤال ذكرت في الدرس الماضي الكلام حول الهرولة فقلت: إن هذا من قبيل الإخبار، فما الفرق بين الصفة والإخبار؟ الجواب الخبر أوسع من الصفة فيما يتعلق بالله ، والإخبار عنه على درجات: أخصها الأسماء، فالأسماء توقيفية، ثم بعد ذلك الصفات، والصفات كذلك توقيفية، لكنها أوسع من الأسماء؛ ذلك أن الأسماء يشتق منها صفات، وهناك صفات أخرى أوسع من الأسماء، فالصفات أكثر من الأسماء، ثم الأفعال، فأفعال الله منها ما هو متعلق بأسمائه، ومنها ما هو متعلق بصفاته، ومنها ما هو أفعال لا نجزم بأنها يمكن أن تطلق على الله صفات مستقلة، والإخبار أوسع من هذا كله، فالخبر هو الإخبار عن ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن ذلك الإخبار عن جزاء العباد والإخبار عن أمور تتعلق بخلق الله وتدبيره وأمره ونهيه، وهذه الأمور بابها واسع جداً، فأوامر الله ونواهيه وأفعاله ومشيئته وخلقه جملة وتفصيلاً كل هذه تتعلق بالأفعال، ولذلك ليس كل خبر نستنتج منه صفة، ولذلك اختلف العلماء في مسألة الهرولة، هل هي صفة تثبت مستقلة أو تثبت على سياقها في الحديث؟ والخلاف في مسألة الملل أكثر منها؛ لأن النبي ﷺ قال: (فإن الله لا يمل حتى تملوا)، ومثلها التردد، هذه أخبار عن أفعال الله تتعلق بخلقه، فهذه الأفعال بعضها معلوم لدى المخاطبين، وبعضها قد يلتبس، وبعضها غيبي، فعلى هذا ليس كل خبر عن أفعال الله في خلقه يعتبر صفة؛ لأن الصفة على كل الأحوال تلزم مفردة بصرف النظر عن السياق، في حين أن كثيراً من الأفعال والأخبار ترد بالسياق حسب مقاماتها وحسب المفهوم من السياق، فمثلاً: الهرولة الواردة في الحديث: (وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) يفهم منها المجازاة لا شك، فواضح أن المقصود أن الله يجازي عبده على فعله، وإن كنا لا نجعل مفهوم الهرولة كله ينصرف إلى المجازاة، لكن نفهم المقصود من إطلاق الهرولة، وعلى هذا لا نستطيع أن نجزم بأنها صفة تثبت بدون سياقها، وكذلك صفة المقت لا نستطيع أن نثبتها إلا مقيدة، وكذلك نقول: إن الله يمكر بالماكرين: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، وكذلك الاستهزاء، وكل هذه الأمور بعضها من باب الخبر، وبعضها فعل، وبعضها صفة، فعلى هذا يكون الفرق بين الصفة والخبر أن باب الإخبار أوسع من باب الصفات، فليس كل الأخبار نستطيع أن نستنج منها صفات، كالتردد في قبض روح المؤمن، والاستهزاء بالمنافقين، والمكر بالكافرين.

стр. 963

بيان معنى قول الطحاوي (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) السؤال ما معنى قول الطحاوي: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله)؟ الجواب أي: يرى أنه حلال، أو يعتقد عدم تحريمه بما يخالف قطعية النص، فالمقصود بالاستحلال: اعتقاد عدم تحريمه، سواءً فعله أو لم يفعله، فمن اعتقد أن الربا حلال فقد كفر، سواء أكل الربا أو لم يأكله. وليس المقصود بالاستحلال مجرد الفعل، إنما المقصود بالاستحلال اعتقاد ما يخالف القطعي في الدين. لكن الغالب أن الاستحلال يرجع إلى المحرم، وأحياناً يطلق السلف كلمة الاستحلال لاعتقاد خلاف الشرع في الحلال والحرام وغيرهما. فلذلك توقف بعض أهل العلم عن هذه العبارة، كثير من شراح الطحاوية والذين يدرسونها يتوقفون عند هذه العبارة ويرون أنها تستبدل؛ بأن يقال: ما لم يعتقد خلافه، أو ما لا يعتقد خلاف الحق، أو بما لا يرد به النص، أو بما خالف الإجماع أو نحو ذلك. ثم ذكر من يقر بعض الأمور الكفرية التي تخالف الإسلام ويحميها، هل يعتبر مستحلاً لها؟ و الجواب لا يلزم أن يكون مستحلاً لها، فالاستحلال -كما ذكرنا- هو اعتقاد أن المحرم ليس بمحرم، أما مجرد الفعل والانتهاك سواء في الربا أو غيره فهذا من عموم الذنوب، ومثله من يقر عملاً كفرياً، أو يدافع عنه بهوى، لكنه لم يستحله اعتقاداً، أي: لم يخالف ما جاء في تحريمه أو تحليله، فإنه بذلك يكون مرتكباً لكبيرة مهما فعل، ما دام أنه لم يعتقد خلاف الحق، أما مجرد الأكل والانتهاك والحماية وغير ذلك فإنه يعتبر من الكفر العملي إن كان كفراً وإلا فيعتبر من الكبائر العادية، وإن كانت الكبائر تتفاوت بلاشك.

стр. 964

تعليق على السؤال عن الشر الجزئي والكلي وعن اعتبار العقيدة قاعدة وثلاث نتائج السؤال ما معنى الشر الجزئي والشر الكلي، وما صحة القول بأن العقيدة قاعدة وثلاث نتائج، وما معنى القول بأن الشر ليس في الشرع، ولكن في تأخر الخير عن الشر؟ الجواب هذا السؤال من الأسئلة التي أعتذر عن الإجابة عن مثلها، وأنصح السائل ألا يعلق نفسه بمثل هذه الأمور. وأما ما يتعلق بجواب هذا السؤال فالسؤال نفسه يحتاج إلى عدة أسئلة تبينه، فما معنى الشر الجزئي والشر الكلي؟ هذا كلام مبهم، وكذلك القول بأن العقيدة قاعدة وثلاث نتائج، فالذي قال هذا ماذا قصد بالقاعدة؟ فإن كانت القاعدة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، والثلاث المسائل تتعلق بالإسلام والإيمان والإحسان؛ فهذا صحيح. فلذلك مثل هذا السؤال من المحارات التي يضر تعلق النفس بها، فهي إما تكلف، وإما تقليد للغير، وإما نوع من الطموح إلى المثاليات الفكرية الوهمية، ومع ذلك نعتذر عن الجواب عن مثل هذا السؤال؛ لأنه لا يزال غامضاً يحتاج إلى شرح. وأنصح السائل وجميع الإخوان ألا يتعلقوا بمثل هذه الأسئلة التي لا يتعلق بها اعتقاد ولا عمل، وليست من متعلقات العقيدة، ولا من أمورها الكمالية فضلاً عن الضرورية.

стр. 965

شرح العقيدة الطحاوية [٧٨] الصلاة خلف كل بر وفاجر من المسلمين صحيحة، كما أنه تشرع الصلاة على كل من مات من أهل القبلة دون السؤال عن معتقده أو امتحانه، فالصلاة خلف مستور الحال من المسلمين جائزة ما لم يظهر منه شرك أو بدعة مغلظة، والأفضل والأولى أن يصلي الإنسان خلف البر فهو أولى من الصلاة خلف الفاجر.

стр. 966

عقيدة أهل السنة في الصلاة خلف أهل القبلة قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم): قال رسول الله ﷺ : (صلوا خلف كل بر وفاجر) رواه مكحول عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه الدارقطني وقال: مكحول لم يلق أبا هريرة. وفي إسناده معاوية بن صالح متكلم فيه، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وخرج له الدارقطني أيضاً وأبو داود عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم، بر أو فاجر، وإن هو عمل بالكبائر، والجهاد واجب مع كل أمير، بر أو فاجر، وإن عمل الكبائر). وفي صحيح البخاري ﵀: أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذا أنس بن مالك، وكان الحجاج فاسقاً ظالماً. وفي صحيحه أيضاً أن النبي ﷺ قال: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم). وعن عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وصلوا على من مات من أهل لا إله إلا الله) أخرجه الدارقطني من طرق وضعفها].

стр. 967

صور الصلاة خلف الأئمة وأحكامها في بداية هذا المقطع أحب أن أشير إلى أن الصلاة خلف أئمة المسلمين لها عند السلف أحكام تفصيلية، ذكر منها الشيخ ثمان صور أو تسع صور كل صورة لها حكم، ويمكن أن نوجز هذه الصور بما يلي: فالصلاة خلف الإمام تختلف في حكمها بين الصلاة خلف الإمام الأعظم -الخليفة أو السلطان، أو من ينوبه-وبين الصلاة خلف الإمام الذي دون ذلك. فأكثر الأحكام التي توجب الصلاة مطلقاً خلف كل إمام براً كان أو فاجراً تتعلق بالصلاة خلف الإمام الأكبر، أو الإمام المعين من قبل السلطان والإمام الأكبر، فهذا لا يجوز ترك الصلاة خلفه بحال من الأحوال. ثانياً: أن من لم يعلم عنه البدعة -وهو مستور الحال- تجب الصلاة خلفه أيضاً مطلقاً، والسؤال عن حاله أو الشك في الصلاة خلفه بدعة. وكل هذه قطعيات ليس فيها إلا استثناءات نادرة جداً ينبغي ألا يعول عليها؛ لأن الاستثناءات ينبغي ألا تسبق القواعد، فتجب الصلاة خلف من لا يعرف عنه بدعة، وكذلك مجهول الحال، فضلاً عن أن يكون إماماً معتبراً هذا أمر بدهي. ثالثاً: صاحب البدعة غير المغلظة، وكذلك صاحب الكبيرة -كالظالم والفاسق- إذا كان والياً من ولاة المسلمين، أو معيناً من قبل أئمة المسلمين تشرع الصلاة خلفه إذا كان صاحب بدعة غير مغلظة، أو فاسقاً أو فاجراً أو ظالماً، سواءً كان سلطاناً أو عينه السلطان، فالصلاة خلفه مشروعة وواجبة إذا ترتب على البحث عن غيره مفسدة. وكذلك صاحب البدعة الذي لا يدعو إلى بدعته يدخل في هذا الحكم. رابعاً: صاحب البدعة المغلظة إن كان سلطاناً يصلى خلفه، وللسلف قولان في كونها تعاد أو لا تعاد، والراجح: أنها إذا كانت مغلظة مكفرة صلى خلفه، ثم تعاد الصلاة سراً. ولذلك قيل: إن بعض السلف كانوا يصلون خلف المأمون ثم يعيدونها؛ لأنهم يرونه صاحب بدعة مغلظة داعياً إلى بدعته؛ لأنه قال بخلق القرآن وانتصر لذلك ودعا إليه، فكان بعض السلف يصلون خلفه لأنه إمام المسلمين ثم يعيدون الصلاة. وهذه المسألة خلافية، ومبنى الخلاف على أن هناك من قال بأن المأمون لا يكفر بفعله؛ لأنه ملتبس عليه الأمر، والالتباس في تصرفاته واضح، يعني: لم يكن جازماً، وبعضهم يقول بأنه متأول، والمتأول لا يكفر وإن كانت بدعته مكفرة، فإذا كان كذلك فالأولى عدم إعادة الصلاة خلفه. فإن قيل: ما الفرق بين ابن أبي دؤاد وبين المأمون وبدعتهما واحدة؟ ف الجواب أن ابن أبي دؤاد جهمي معتزلي خالص، والمأمون كان معتزلياً في هذه المسألة، وليس في أصول المعتزلة كلها، فهو لا يقول بالمنزلة بين المنزلتين، ولا يقول بالتوحيد، ولا يقول بالعدل، وإنما كان يقول بخلق القرآن، ومع ذلك كان متردداً، حتى إنه رجح قول المعتزلة ترجيحاً، لكن أثناء المناظرات ظهر تردده والتباس الأمر عليه، فهو متأول، ففرق بين المأمون وابن أبي دؤاد، فـ ابن أبي دؤاد رأس ضلالة ورأس بدعة ومعتزلي خالص، وكان جهمياً تالفاً. أما المأمون -وإن كان مبتلى بهذا الكلام عفا الله عنا وعنه- فإنه مع ذلك إمام المسلمين ومن أهل السنة، وليس بدعياً خالصاً، بمعنى: أنه لا يعد من أهل الاعتزال الخلص، ولا من الجهمية الخلص. وقد كان الإمام أحمد يستغفر للمأمون، ولاشك أن الإمام أحمد عامل المأمون على أنه إمام مسلم ويجب عليهم السمع والطاعة له، ويصلى خلفه، هذا مما لا شك فيه، ومن خالف في شيء من هذا فلا يعني أنه خالف في الأصل، فالأصل عند أهل السنة واضح. خامساً: أن صاحب البدعة وصاحب الكبيرة إذا لم يكن سلطاناً أو معيناً من قبل الولاة؛ فإن وجد من هو أفضل منه فيجب العدول عنه إلى الأفضل، ما لم يترتب على ذلك مفسدة. ففي أحيان كثيرة يكون الإمام عادياً يختاره جماعة، ولا تعلم السلطة، كما يحصل في بعض البلاد الإسلامية، فهذا هو الذي يجب فيه العدول عن المفضول إلى الفاضل. وفي واقع حالنا الآن أغلب الأئمة يعينون من قبل جهة رسمية، فلا بد من اعتبار ذلك، فهم معينون من قبل ولي الأمر؛ لأن تعيين الإمام يكون من قبل الجهة المختصة من الوزارة المختصة بالمساجد ووزارة الشئون الإسلامية، وعلى هذا فأغلب الأئمة المعينون من قبل ولاتهم لا يتأتى العدول عن واحد منهم إلا بالتفاهم مع الجهات المسئولة، لكن الشخص إذا لم يرغب في الائتمام بأحدهم فهناك مساجد كثيرة، يعني: لا حرج عليه إذا رأى كبيرة ظاهرة في إمام من الأئمة أن يعدل عنه إلى إمام آخر ما لم يترتب على ذلك فتنة، فهذا أمر عادي ليس فيه حرج، لكن ليس لأحد أن ينصب دون ولاة الأمور، فما دام هناك جهات مسئولة فلا بد من الرجوع إليها. ونحن نعلم أنه -بحمد الله- في هذا البلد يختار الأئمة بشكل جيد، ويندر أن يكون في بعضهم الصفات المحذورة، فلا بدع ولا كبائر، إلا النادر والنادر لا حكم له.

стр. 968

مجمل القول في صلاة المرء خلف الإمام قال رحمه الله تعالى: [اعلم -رحمك الله وإيانا- أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقاً باتفاق الأئمة، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه فيقول: ماذا تعتقد؟! بل يصلي خلف المستور الحال]. لا يجوز امتحان الأئمة، بمعنى أنه يكون مستور الحال فتمتحنه وتسأله في العقيدة، فهذه بدعة، فما دام أنه يصلي في جماعة يعرفونه، وألفوه ورضوه؛ فلا يجوز أن تمتحنه، إلا أن تكون من أهل الحسبة أو من أهل الولاية ممن لهم سلطة. ويلحق بهذه المسألة التوقف والتبين كما يفعل جماعة التوقف والتبين الذين بدءوا يظهرون بدعهم، يقول أحدهم: أنا أتوقف في الصلاة خلف أي إمام حتى يتبين لي الحال، حتى إن بعضهم يعد في البلد الواحد الكبير أو في المدينة الكبيرة أربعة أو خمسة أشخاص يصلي خلفهم، والبقية لا يعرف حالهم، وهذه بدعة من بدع الخوارج. قال رحمه الله تعالى: [ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه -كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك-؛ فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف، ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر؛ فهو مبتدع عند أكثر العلماء. والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها؛ فإن الصحابة ﵃ كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون، كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وكذلك أنس ﵁ كما تقدم، وكذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان يشرب الخمر، حتى إنه صلى بهم الصبح مرة أربعاً، ثم قال: أزيدكم؟! فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة! وفي الصحيح أن عثمان بن عفان ﵁ لما حصر صلى بالناس شخص، فسأل سائل عثمان: إنك إمام عامة، وهذا الذي صلى بالناس إمام فتنة؟! فقال: يا ابن أخي! إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب. ومن ذلك: أن من أظهر بدعة وفجوراً لا يرتب إماماً للمسلمين؛ فإنه يستحق التعزير حتى يتوب، فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسناً، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه؛ فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة شرعية، ولم تفت المأموم الجمعة ولا الجماعة]. كل هذا لا يتأتى إلا للمطاعين من الأئمة الكبار والعلماء المعتبرين، فلا يأتي طويلب علم ويطبق هذه القاعدة وهو مجهول مغمور، فلا ينفع فعله هذا بل قد يضر؛ لأن بعض الناس قد يجتهد ويقول: أنا أترك الصلاة خلف هذا الرجل من أجل أن يعرف الناس أنه صاحب بدعة وكذا وكذا، فنقول: إذا كنت إماماً متبوعاً وكلمتك مسموعة، وعملك هذا لا يؤدي إلى فتنة، فهذا لا حرج فيه. إذاً: يشترط في مثل هذا أن يكون من إمام متبوع يطاع ويعتبر فعله وقوله وتصرفه، ويؤدي فعله هذا إلى نتيجة ولا يؤدي إلى فتنة ولا مفسدة. قال رحمه الله تعالى: [وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة؛ فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃. وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور، ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، فهنا لا يترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلف الأفضل أفضل، فإذا أمكن الإنسان أن لا يقدم مظهراً للمنكر في الإمامة وجب عليه ذلك، لكن إذا ولاه غيره، ولم يمكنه]. يعني: كأن توليه السلطة أو الدولة، فلا يجوز للفرد أن يغيره إلا عن طريق الجهة المسئولة. قال رحمه الله تعالى: [لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بشر أعظم ضرراً من ضرر ما أظهر من المنكر؛ فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما، فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، فتفويت الجمع والجماعات أعظم فساداً من الاقتداء فيهما بالإمام الفاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجوراً، فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة]. هذه قواعد عظيمة يجب أن يدركها طلاب العلم، خاصة في الأزمان التي يقل فيها فهم هذه الأمور، فيجب أن تدرك وأن تشهر للناس؛ لأن الناس في وقتنا هذا بدأ خلطهم في هذه الأمور، واضطرابهم وعدم إدراكهم لفقه القواعد الشرعية، وهذه قواعد عظيمة عليها عمل السلف، حتى وإن وجدت بعض الشذوذات تخالفها، فلا اعتبار بذلك. أعني: من أراد أن يتلقف من أقوال السلف وأفعالهم ما يخالف هذا فسيجد، لكنها أفعال قليلة

стр. 969

الأسئلة

стр. 970

حكم العدول عن الصلاة خلف المقصر في الالتزام بالشعائر السؤال يوجد في بعض الأحيان مساجد لها أئمة متفاوتون في الالتزام بالشعائر، مثل: إعفاء اللحى وغير ذلك، فهل الأفضل العدول عمن كان كذلك إلى مسجد قريب؟ وكذلك لو كان في المسجد الآخر بعض المظاهر التي تذهب الخشوع، مثل صغر المسجد وكثرة الصبيان ونحو ذلك؟ الجواب هذه الأمور إذا ما كانت متعلقة باعتقاد باطل فلا حرج؛ لأن المساجد كثيرة، فإذا كان هناك مسجد ليس ببعيد، ويرى أن الصلاة فيه أفضل باعتبارات، كالخشوع، أو لقلة المصلين، أو قلة الفوضى، أو البعد عن الشوارع العامة التي فيها الحركة والفوضى، أو لأمر يفضل فيه هذا الإمام على الإمام الآخر فيما يتعلق بزيادة إيمانه، وزيادة يقينه، وزيادته في الخير؛ فلا حرج في ذلك ما لم يترتب على هذا مفسدة. وإن كان هذا الشخص الذي ينتقل إلى مسجد أبعد من مسجده يعتبر عمدة في المسجد، أو له اعتبار، أو ينظر الناس إلى تركه لهذا المسجد بسوء الظن في الإمام، أو كان انتقاله سيؤدي إلى الشك، أو إلى أمر فيه مفسدة، كاختلافهم مع الإمام ونحو ذلك؛ فهذا لا ينبغي في الحقيقة، وإن كان ليس هناك أي شيء يترتب على هذه الأمور؛ فيبقى الأمر باعتبار الأصلح في حق الشخص نفسه. ومع ذلك أرى أن هذا نادر جداً، يعني: أن يكون الإمام على ما ذكره السائل، ويجب أن ينصح.

стр. 971

حكم تكفير الحجاج ومدى صحة قتله لسعيد بن جبير السؤال ما حكم تكفير الحجاج، وهل ورد من بعض السلف تكفيره وهل صح ما نسب إليه من قتل سعيد بن جبير وغيره؟ الجواب ما أعرف أن أحداً من السلف كفر الحجاج، فقد يطلق على بعض أعماله الكفر، وهذا معروف، فبعض الأعمال قد يفسرها بعض السلف بأنها كفر، ولا يعني ذلك أنهم أطلقوا عليه أنه كافر، بل هو كفر معصية. أما قتله لـ سعيد بن جبير فمعروف، فـ سعيد بن جبير ﵁ اجتهد فخرج مع عبد الرحمن بن الأشعث، وخرج كثير من الأئمة في وقته فناصحوه، خاصة الأئمة الكبار أمثال: الحسن البصري، ومطرف وغيرهم من الأئمة الكبار، نصحوا سعيد بن جبير ونصحوا غيره، لكن لله الأمر من قبل ومن بعد، فخرج فاتخذ الحجاج في خروج سعيد بن جبير ذريعة لقتله، ولا شك أن قتله كان بعدما انتهت الفتنة، وبعد العهد بها، فقتل الحجاج له بعدما رجع واختفى معناه أن سعيد بن جبير قتل مظلوماً، لكن الذريعة التي اتخذها الحجاج هي خروجه عليه، مع أن سعيد بن جبير ما خرج على عبد الملك بن مروان، إنما تأول في ضرورة دفع ظلم الحجاج، فتأوله ما وافقه عليه غيره هو ومن شاركه، ما وافقهم السلف على ذلك، بل إن بعد هذه الفتنة -كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، والذهبي - عرف السلف أنه لا جدوى من استعمال القوة لدفع الظلم، وأن أمر النبي ﷺ بضرورة الصبر والمناصحة أمر قاطع لا محيد عنه، وأنه لا يجوز لمن ليس له ولاية أن يحمل السيف على الوالي وإن كان ظالماً وفاجراً، والحجاج كان والياً، لكنه كان ظالماً جباراً كما هو معروف. فـ سعيد بن جبير ﵀ تأول وأخطأ، والأئمة الذين سلموا بعد الفتنة وبقوا أحياءً رجعوا عن ذلك وتابوا وعرفوا أنهم أخطئوا، وإن كان الحجاج ظالماً جباراً، وفرق بين هذا وهذا. فالخروج لا يسوغ بمثل هذه الأمور مهما كان الظلم والجبروت من الوالي، فلا يجوز الخروج بحال ما يحل الأمر بالطرق الشرعية، ولا يصيب الناس من هذه الأمور شيء من الظلم والجور إلا بذنوبهم، ولو استقاموا وأصلحوا ما بينهم وبين ربهم لما ولى عليهم والياً ظالماً أبداً.

стр. 972

حكم الخروج على الحاكم لعمله الكفري السؤال هل العمل الكفري يسوغ الخروج؟ الجواب العمل الكفري لا يسوغ الخروج؛ لأن أغلب الأعمال الكفرية كبائر، هذا شيء. الشيء الآخر: قد يقصد بالعمل الكفري الشرك أو نحوه، لكن هذا لا يحكم به على المعين، قد يصدر من كثير من الناس أعمال كفرية، ولاة وغير ولاة، لكن لا يكفرون بذلك ولو كانت أعمالهم كفرية؛ لأنه فرق بين الحكم بالكفر، وبين تكفير المعين، ولا يجوز الخروج بالسيف على من ظهر منه الكفر العملي أبداً. فلذلك ينبغي أن تحرر هذه الأمور جيداً، وأن تعرف مذاهب السلف ومقاصدهم في هذه الأمور.

стр. 973

إرجاء عمر بن ذر السؤال ما نوع الإرجاء عند عمر بن ذر؟ وهل هو من الوعاظ؟ الجواب عمر بن ذر قال بمثل قول أبيه بأن الإيمان قول، وأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وإرجاؤه هو إرجاء الفقهاء المشهور الذي كان عليه أبو حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان، فإرجاؤه إرجاء الفقهاء وهم المرجئة الأوائل الذين يقولون بأن الإيمان هو القول، أو التصديق والقول، وأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.

стр. 974

وجه الاستدلال بقوله تعالى: (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم) على زيادة الإيمان السؤال ذكر الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في كتابه: (أعلام السنة المنشورة) قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] مستدلاً به على زيادة الإيمان ونقصانه، فما وجه ذلك؟ الجواب الذي يظهر لي -والله أعلم- أنه لو كان الإيمان التصديق فقط لما كان محبباً ومزيناً في القلب؛ لأن التصديق أمر لا يقبل أكثر من مجرد الإقرار، فإذا قبل أكثر من الإقرار مثل التحبيب والتزيين فإنه يكون قابلاً للزيادة والنقص؛ لأن المحبة أمر زائد على التصديق، وأيضاً: تزيين الإيمان في القلب أمر زائد على التصديق، هذا ما يظهر لي، والله أعلم.

стр. 975

بيان درجة الزيادة على ما ثبت عن رسول الله من نوافل العبادة في الأفضلية السؤال يروى عن بعض السلف أن الواحد منهم كان يصلي في الليل أكثر من ثلاثمائة ركعة، وقد يقرأ القرآن في اليوم مرتين، فهل لمثل هذا العمل أثر في الولاية، أم ينبغي للإنسان المحافظة على ما كان عليه الرسول ﷺ ؟ الجواب السؤال تضمن الجواب، فلاشك أنه ينبغي أن يحافظ على ما كان عليه النبي ﷺ ، وما اجتمع عليه أصحابه من الاعتدال في العبادة وفي كل شيء، ومن ذلك الصلوات وقراءة القرآن والقيام والصيام، وقد يكون بعض الناس عنده ميل إلى الزيادة في بعض العبادات، وربما يكون عنده من الظروف ما يجعله يعمل ببعض العبادات نظراً لأنه -مثلاً- قد لا يقدر على الكسب، أو في بعض أمور حياته يحتاج إلى إشغال وقته بمزيد من الطاعات، فهذه أمور خاصة، لكن الإنسان السوي المعتدل ينبغي أن يوازن بين أموره في دينه ودنياه. فلا بد أن يسهم في أمور الدنيا بما ينفع الأمة، كما أنه ينبغي أن يأخذ من العبادة بالقدر الكافي الذي يوافق سنة النبي ﷺ ، ولذا نجد أن عامة الصحابة كانوا على الاعتدال، لكن قد يوجد إنسان عنده مزيد من الوقت والفراغ لأمر معذور فيه، فقد يكون من المعذورين في الجهاد، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو نحو ذلك، فإذا كان عنده شيء من هذا مما يقعده أو يعجزه عن أن يقوم بواجباته التي تقوم بها حياة الأمة؛ فقد يعذر في شغل وقته بالعبادة من صيام أو قيام أو قراءة قرآن أو لزوم صلاة أكثر مما هو معهود في السنة؛ لأنه ما دام لم يتعبد بذلك ولم يوجبه على الآخرين، وإنما أراد مجرد التطوع والنافلة؛ فهذا لا حرج عليه. أما الإنسان السوي الذي عنده من المواهب والقدرات ما يستطيع أن يعمل به لدينه ودنياه؛ فيجب أن يوازن بين الأمرين، ولذلك نجد أفاضل الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أهل الاعتدال والاستقامة كان عندهم شيء من الموازنة بين الأمور، والله أعلم.

стр. 976

شرح العقيدة الطحاوية [٧٩] من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المعين من أهل القبلة لا يحكم عليه بجنة ولا نار إلا من ثبت النص في حقه، وقد اختلفت أقوال السلف في تحديد من يشهد لهم بالجنة، أما الشهادة بالكفر أو بالنار على المعين من أهل القبلة فإنه لم يثبت عن أحد من السلف، خلافاً للخوارج وغيرهم من فرق المبتدعة.

стр. 977

أثر نسيان الإمام وخطئه على صلاة المأموم قال رحمه الله تعالى: [وأما الإمام إذا نسي أو أخطأ، ولم يعلم المأموم بحاله؛ فلا إعادة على المأموم، للحديث المتقدم، وقد صلى عمر ﵁ وغيره وهو جنب ناسياً للجنابة، فأعاد الصلاة، ولم يأمر المأمومين بالإعادة، ولو علم أن إمامه بعد فراغه كان على غير طهارة أعاد عند أبي حنيفة خلافاً لـ مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وكذلك لو فعل الإمام ما لا يسوغ عند المأموم، وفيه تفاصيل موضعها كتب الفروع]. لو فعل الإمام ما لا يسوغ عند المأموم فالراجح: أنه لا يجوز له أن يعيد الصلاة؛ لأن المسألة فيما يسوغ وما لا يسوغ، المسألة في الأمور الخلافية، وإلا ففيما أعلم أن القاعدة عند السلف أنه إذا صلى المأموم خلف إمام يخالفه في بعض الأمور الفقهية، ثم إن هذا الإمام عمل أموراً يرى هذا الذي صلى خلفه أنها فيها نظر -يعني: ليست من الأمور التي تبطل الصلاة، أو تبطل الصلاة عنده، لكنها اجتهادية بين أهل العلم- فلا يجوز له أن يعيد الصلاة، وسيأتي أمثلة لهذا. فالأمور الاجتهادية لا يجوز للمأموم أن يعيد بسببها الصلاة فيما خالفه فيه إمامه، ولو كان في أمر يرى أنه يبطل الصلاة ما دام من الأمور الاجتهادية، وهذا هو الراجح حفاظاً على معنى الجماعة، وتجنباً للفرقة. [ولو علم أن إمامه يصلي على غير وضوء فليس له أن يصلي خلفه، لأنه لاعب وليس بمصل]. هذه محل إجماع وليست من الأمور الخلافية.

стр. 978

وجوب طاعة ولي الأمر في مواضع الاجتهاد قال رحمه الله تعالى: [وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من أمر المسائل الجزئية]. هذه قاعدة عظيمة، ومن القواعد التي يحتاجها المسلمون في كل مكان وفي كل زمان، ولو امتثل المسلمون هذه القاعدة لانحل كثير من الخلافات بينهم، ولما وجد كثير مما يوجب النزاعات وشحناء القلوب والفرقة واضطراب الأمور عند المسلمين فيما بينهم، لا سيما في وقتنا هذا، حيث نرى بعض مظاهر المخالفة لهذه القاعدة قد تؤدي أحياناً بمجتمعنا وبكثير من المجتمعات الإسلامية إلى أمور مفاسدها تضر بالإسلام والمسلمين، وتضر بالأمة في مجموعها فضلاً عن ضررها اللاحق بالمتنازعين. فكثيراً ما نجد بعض المجتهدين في الحسبة أو غيرها قد يصدر عمن يعد مسئولاً أو يعد مرجعاً لهم ما لا يعجبهم من الأحكام أو القرارات، فتجد الواحد منهم متذمراً، وربما يحتال بكل حيلة للخروج من هذه الأوامر، وربما يعلن المعارضة ويفت في عضد من حوله ممن يعملون لمصلحة الإسلام والمسلمين. أقول: إن هذه الأمور موجودة -مع الأسف- عند بعض المنتسبين إلى الخير، فقد لا يعجبهم رأي يصدر عن شيخ لهم أو عن مسئول، أو عن مرجع، فلا يعملون بهذه القاعدة، بل يعملون بالعكس، فربما ينكرون الإشكالات بدعوى أن هذه أمور تؤدي إلى مفاسد، وربما تفسر كثير من الأعمال والقرارات وغيرها بتفسيرات فيها حكم على القلوب ونحو ذلك. فلنتأمل هذه القاعدة، وأرى أنه يجب علينا جميعاً أن نمتثلها، وأن نعود أبناء المسلمين على مثل هذا الأمر فإن مصلحة الجماعة مقدمة، ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من أمر المسائل الجزئية، فيجب أن نتعود ونعود من حولنا على مسألة الطاعة لمن اجتهد في موارد الاجتهاد. فالشارح يقول بأن إمام الصلاة، وأمير الحرب، وعامل الصدقة، ويقاس عليهم كل مسئول تحت إدارته من يعمل من المسلمين يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف خير من الفرقة، وهذه القاعدة العظيمة كثيراً ما تحدث النزاعات بين المسلمين بسبب إهمالها أو تركها أو جهلها، فيحسن التركيز على مثل هذه القاعدة، خاصة في وقتنا الذي كثرت فيه الآراء والاجتهادات والنزاعات بين المسلمين، وكثرت الفرقة والاختلاف والنزاع في مثل هذه الأمور التي ينبغي أن يتعود فيها المسلم على الصبر، واحتمال الرأي المرجوح عنده ما دام صادراً ممن له ولاية عليه، بل يجب ما هو أكثر من ذلك؛ لأن المسلم إذا رأى أن كلامه يخالف هذه القاعدة -حتى لو لم يعمل ما يناقضه- فيجب عليه أن يسكت للمصلحة ودرء المفسدة. قال رحمه الله تعالى: [ولهذا لم يجز للحكام أن ينقض بعضهم حكم بعض، والصواب المقطوع به صحة صلاة بعض هؤلاء خلف بعض. ويروى عن أبي يوسف ﵀: أنه لما حج مع هارون الرشيد فاحتجم الخليفة وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ، وصلى بالناس، فقيل لـ أبي يوسف: أصليت خلفه؟! قال: سبحان الله! أمير المؤمنين! يريد بذلك أن ترك الصلاة خلف ولاة الأمور من فعل أهل البدع]. يظهر أن أبا يوسف يرى عدم جواز الصلاة بذلك، ويرى وجوب الوضوء بعد الاحتجام، ومع ذلك صلى ولم يعد الصلاة، ولما قيل له ذلك قال هذا الكلام العظيم، الذي هو قاعدة: سبحان الله! أمير المؤمنين! يعني: أترك الصلاة خلف أمير المؤمنين لمجرد مخالفة في أمر اجتهادي. [وحديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه البخاري أن رسول الله ﷺ قال: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم) نص صحيح صريح في أن الإمام إذا أخطأ فخطؤه عليه، لا على المأموم، والمجتهد غايته أنه أخطأ بترك واجب اعتقد أنه ليس واجباً، أو فعل محظوراًً اعتقد أنه ليس محظوراً، ولا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخالف هذا الحديث الصريح الصحيح بعد أن يبلغه، وهو حجة على من يطلق من الحنفية والشافعية والحنبلية أن الإمام إذا ترك ما يعتقد المأموم وجوبه لم يصح اقتداؤه به، فإن الاجتماع والائتلاف مما يجب رعايته وترك الخلاف المفضي إلى الفساد.

стр. 979

اعتقاد الصلاة على من مات من أهل القبلة سوى من استثني وقوله: (وعلى من مات منهم) أي: ونرى الصلاة على من مات من الأبرار والفجار]. يعني: من أهل القبلة من المسلمين، فيخرج بذلك الكفار الخلص، وقد يسمون فجاراً، فالمقصود أن أهل القبلة أبراراً كانوا أو فجاراً يجب أن يصلى عليهم وتشهد جنائزهم ويدفنوا في مقابر المسلمين. قال رحمه الله تعالى: [وإن كان يستثنى من هذا العموم البغاة وقطاع الطريق، وكذا قاتل نفسه]. هذه فيها خلاف؛ فبعض أهل العلم قالوا: قد يكون أهل البدع المكفرة متأولة، وكذلك قطاع الطريق قد يكونون من الجهلة أو نحو ذلك، فهؤلاء يصلى عليهم، وبعضهم يرى عدم الصلاة، والمسألة خلافية. قال رحمه الله تعالى: [خلافاً لـ أبي يوسف، لا الشهيد خلافاً لـ مالك، والشافعي رحمهما الله على ما عرف في موضعه. لكن الشيخ إنما ساق هذا لبيان أنا لا نترك الصلاة على من مات من أهل البدع والفجور، لا للعموم الكلي. ولكن المظهرون للإسلام قسمان: إما مؤمن، وإما منافق. فمن علم نفاقه لم تجز الصلاة عليه والاستغفار له، ومن لم يعلم ذلك منه صلي عليه، فإذا علم شخصٌ نفاق شخص لم يصل هو عليه، وصلى عليه من لم يعلم نفاقه]. لذلك ينبغي التنبيه على مسألة كثيراً ما يرد عنها السؤال، وهي أنه إذا كان إنسان يعرف أن أحد المسلمين عمل عملاً يخرجه من الملة، يعني: يعرف أنه منافق خالص في النفاق، فهل يجوز له أن يعلن للناس أنه لا تجوز الصلاة خلفه؟ والصحيح: أنه ما دام مستور الحال فلا يجوز له الصلاة خلفه، ويجب ألا يتكلم، بل يترك الأمر على ما كان النبي ﷺ يفعله وكان الصحابة يفعلونه، فقد كان ﷺ إذا علم نفاقاً في أحد تركه، ولم يقل للناس: لا تصلوا عليه. أقول هذا لأنه كثيراً ما ترد أسئلة في هذا الموضوع، حيث يقول المرء: أنا أعرف أن فلاناً الميت فيه كذا وكذا، كأن يكون -مثلاً- تاركاً للصلاة بالكلية، أو نحو هذا، فهل أقول للناس: لا تصلوا عليه؟ أقول: لا؛ بل نسكت عنه ما دام أن الناس لا يعرفون حاله، فدع الأمر على ما هو عليه، فيصلي عليه على أساس أنهم يجهلون حاله، وأنت ما دمت تعرفه لا تصل عليه، وإذا قال لك أحد ممن لا يعرفه: ما رأيك؟ تقول: أرى أنك لا تصلي عليه، مع أنه هذه المسألة مسألة خلافية، لكن أن تعلن أو أن تشهد أو أن تقول للناس: لا تصلوا عليه؛ فهذا لا يجوز، ولا ينبغي، وهو خلاف السنة. قال رحمه الله تعالى: [وكان عمر ﵁ لا يصلي على من لم يصل عليه حذيفة؛ لأنه كان في غزوة تبوك قد عرف المنافقين، وقد نهى الله رسوله ﷺ عن الصلاة على المنافقين، وأخبر أنه لا يغفر لهم باستغفاره، وعلل ذلك بكفرهم بالله ورسوله، فمن كان مؤمناً بالله ورسوله لم ينه عن الصلاة عليه، ولو كان له من الذنوب الاعتقادية البدعية أو العملية الفجورية ما له، بل قد أمره الله تعالى بالاستغفار للمؤمنين، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]. فأمره سبحانه بالتوحيد والاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات، فالتوحيد أصل الدين، والاستغفار له وللمؤمنين كماله، فالدعاء لهم بالمغفرة والرحمة وسائر الخيرات إما واجب وإما مستحب، وهو على نوعين: عام وخاص، أما العام فظاهر، كما في هذه الآية، وأما الدعاء الخاص فالصلاة على الميت، فما من مؤمن يموت إلا وقد أمر المؤمنون أن يصلوا عليه صلاة الجنازة، وهم مأمورون في صلاتهم عليه أن يدعوا له، كما روى أبو داود، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء)].

стр. 980

الحكم على المعين بكونه من أهل الجنة أو النار قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً): يريد: أنا لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة: إنه من أهل الجنة أو من أهل النار]. يعني: على سبيل الجزم، ينبغي أن يفهم هذا؛ لأنه يجب أن نفرق بين الحكم العام، وبين الحكم على المعين أو للمعين. أما الحكم العام بأن المؤمنين من أهل الجنة فهذا نجزم به إن شاء الله، ونشهد أن المسلمين والمؤمنين من أهل الجنة، هذا حكم عام قطعي، ولا شك فيه، وأن الكفار الخلص من أهل النار، وهذا أيضاً حكم قطعي يجب أن يعتقده كل مسلم. ومن الأمور التي قد تخفى على كثير من الناس اليوم -بل اختلط فيها بعض من يدعون الثقافة والفكر والعلم أحياناً- مسألة الكفار الخلص، فالكفار الخلص لاشك أنهم من أهل النار، فاليهود والنصارى والمشركون والمنافقون الخلص والملاحدة من أهل النار جزماً، هذا الحكم العام، فنجزم بأنهم من أهل النار كما نجزم بأن المسلمين المؤمنين هم أهل الجنة، فالحكم العام أمر لا بد من اعتقاده. لكن الحكم على المعين هو الذي يجب أن يتحرز فيه المسلم، وهو أن تقول: فلان ابن فلان من المسلمين من أهل الجنة جزماً، تعتقد ذلك وتقسم عليه، فهذا لا يجوز، وكذلك العكس، فلا تجزم بأن فلاناً ابن فلان -وإن كان كافراً خالصاً- من أهل النار، بحيث تتألى على الله ، أو تقسم على ذلك، فهذا مما لا يجوز. إذاً: فرق بين الحكم العام الذي هو قطعي، وبين الحكم على المعين الذي هو أمر غيبي لا يعلمه إلا الله . وقد ميز الله بين المسلمين والكفار، وبين من يستحق الجنة ومن يستحق النار، لكن يبقى التخصيص في المسلمين هل كلهم يدخلون الجنة من أول وهلة أم أن منهم من قد يدخل النار -وهم أهل الكبائر إذا لم يغفر الله لهم- ثم يخرجون من النار إلى الجنة؟ هذا أمر تفصيلي معلوم، لكن مصير جميع المسلمين في الجملة إلى الجنة، ومصير جميع الكفار في الجملة إلى النار، ويبقى المعين، فهذا أمر لا بد فيه من الاطلاع على الغيب، ولا يطلع على الغيب إلا الله ، إلا من ورد ذكره بالنص، فمن شهد له الله أو شهد له الرسول ﷺ بالجنة وجبت الشهادة له، ومن جاءت الشهادة له بالنار -عياذاً بالله- وجبت الشهادة له بذلك إذا ذكر تعيينه. قال رحمه الله تعالى: [يريد أنا لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة: إنه من أهل الجنة أو من أهل النار، إلا من أخبر الصادق ﷺ أنه من أهل الجنة، كالعشرة ﵃، وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من يشاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولكنا نقف في الشخص المعين، فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم؛ لأن حقيقة باطنه وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسنين، ونخاف على المسيء].

стр. 981

أقوال السلف في الشهادة بالجنة للمعين قال رحمه الله تعالى: [وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال: أحدها: أن لا يشهد لأحد إلا للأنبياء، وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية، والأوزاعي. والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، وهذا قول كثير من العلماء وأهل الحديث. والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون، كما في الصحيحين: (أنه مر بجنازة فأثنوا عليها بخير، فقال النبي ﷺ : وجبت، ومر بأخرى فأثني عليها بشر، فقال: وجبت -وفي رواية كرر (وجبت) ثلاث مرات- فقال عمر ﵁: يا رسول الله! ما وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ : هذا أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض). وقال ﷺ : (توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيئ)، فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار]. هذا على سبيل القرائن والعلامات، ولا نقول بالجزم، يعني: يعرف أهل الجنة بقرائن وعلامات، وترجى لهم الجنة بذلك، ويعرف أهل النار بقرائن وعلامات، ويخشى عليهم. أما الجزم فإن هذه الأدلة لا تدل على الجزم، لكن ما ورد في عهد النبي ﷺ من مثل هذه القصة توقيفي لنعلم أنه لا يمكن أن يقوم أحد مقام النبي ﷺ بإثبات الشهادة للمعين، فينبغي ترك الشهادة للمعين، وتبقى شهادة المؤمنين قرينة فقط، أما الجزم فلا نستطيع أن نجزم، فعلى هذا يكون الرأي الثاني هو الرأي الصحيح، وهو الذي تتجه إليه الأدلة، ودليل أصحاب القول الثالث إنما هو مظنة، والظن في هذه الأمور لا يصح.

стр. 982

ما يعتقده أهل السنة من ترك الشهادة بالكفر على أهل القبلة قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى): لأنا قد أمرنا بالحكم بالظاهر، ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] الآية]. قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد ﷺ إلا من وجب عليه السيف): قال الشارح في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)]. من أصول السلف وأصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يشهدون على أحد من المسلمين بالكفر، ولا بالشرك ولا بالنفاق، إلا إذا تبين شيء من ذلك، يعني: توافرت شروط وقوع الكفر من الشخص وانتفت الموانع، وتوافر الشروط يزيد وينقص، أي: شروط وقوع الكفر بحسب حال الشخص، وبحسب الزمان وبحسب المجتهد. فعلى هذا لا يتأتى لأكثر أفراد المسلمين أن يحكموا على أحد بالكفر؛ لأنهم ليسوا من أهل العلم، لأن شروط التكفير لا بد من إدراكها إدراكاً جيداً بفقه تراعى فيه قواعد الشرع، وتراعى فيه النصوص الشرعية، ويراعى فيه حال الشخص، ويراعى فيه أسلوب إقامة الحجة، ويراعى فيه معرفة إقامة الدليل وكيف يكون. ثم لا بد أيضاً من معرفة تامة، فلا يمكن أن نحكم على معين إلا بعد أن تنتفي الموانع، فالإكراه قد يعذر به، والتأول قد يعذر به، والجهل قد يعذر به، وغير ذلك من الأمور الكثيرة التي لا يعرفها إلا أهل العلم. ولذلك فإن مسألة التكفير من المسائل الخطيرة التي يجب ألا يتناولها إلا أهل العلم، ويجب أن نفهم أنا لسنا متعجلين بها، وأن عامة الناس وكثيراً من طلاب العلم ليس عليهم أن يبحثوا عن أحوال الأفراد والجماعات والمؤسسات والدول، ليس عليهم ذلك، بل هذه الأمور ترجع إلى أهل العلم الراسخين، وأنهم ما تعبدوا بإشهار الكفر وإعلانه، وأن الحكم بالكفر حكماً عاماً أمر يختلف عن الحكم على المعين اختلافاً كبيراً، فكثير من الأمور التي يكون فعلها كفراً، أو قولها كفراً، أو اعتقادها كفراً؛ لا يحكم على من فعلها بأنه كافر، ولذلك نجد أن السلف كثيراً ما يطلقون الكفر على الحالات والأقوال والاعتقادات، لكن يندر جداً حكمهم بالكفر على المعين. أقول: يندر جداً، بل إن بعض الأئمة لم يؤثر عنه أنه كفر أحداً حتى وقت اشتداد الأهواء وشدة أهل البدع وتسلطهم على المسلمين، فإنا لا نعرف من الأئمة من حكم على المعين إلا في حالة نادرة، وكثير من أئمة الهدى -وما أكثرهم- لم يؤثر عنهم تكفير المعين. إذاً: المسألة خطيرة، فلا تجوز الشهادة من طائفة أو جماعة على المعين بكفر ولا بشرك ولا بنفاق إلا بعد معرفة الأصول الشرعية بذلك، وليس كلما يعرف يقال، فليس كل من تناول هذه الأمور يستطيع أن يصل فيها إلى الحكم بالكفر القاطع، وبعض الأشياء لا يحكم بها الفرد، إنما لا بد من توافر اجتهاد المجتهدين، خاصة في الحالات التي تتعلق بالمصالح الكبرى، وفي الأمور التي ينبني عليها الحكم على جماعات أو أفراد أو أمم أو مجتمعات. وكذلك قوله: (لا نرى السيف على أحد من محمد ﷺ هذه قاعدة عامة، تشمل الأفراد والجماعات والولاة وغيرهم، فلا يجوز رفع السيف إلا فيما أباحه الله .

стр. 983

الأسئلة

стр. 984

مدى صحة الحكم على الكافر المعين بالنار السؤال هل يحكم على الكافر المعين بأنه من أهل النار؟ الجواب في الجملة نعم، لكن ما يجزم عليه، الحكم العام غير الجزم وغير الشهادة، ولذلك إذا تكلم الناس عن معين أصل كلامهم في هذا الأمر ليس بمشروع، إذا مات كافراً وخاض الناس هل هو من أهل النار أو لا؟ أصلاً غير مشروع، إذا مات يهودي فقل: اليهود من أهل النار ولا داعي أن نحكم على المعين. ولذلك لما هلك أحد زعماء اليهود منذ أشهر خاض الناس في المسألة خوضاً يدل على أن الناس بدءوا يجهلون البدهيات، ولا يجدون من يعلمهم، فبدءوا يتجادلون ويتعادون أحياناً، فبعضهم يقول: لا نشهد له بالنار، وبعضهم يقول: نشهد له بذلك جزماً! وهو يهودي، واليهود من أهل النار، لكن بعينه لا نتكلم فيه، فما أمرنا بهذا، وليس هذا من الأمور التي كلف بها العباد.

стр. 985

شرح العقيدة الطحاوية [٨٠] من عقيدة أهل السنة والجماعة عدم جواز الخروج على ولاة الأمر والحكام بالسيف وإن جاروا، ووجوب طاعتهم بالمعروف ما لم يأمروا بمعصية، ومن رأى منهم منكراً أو ظلماً فليصبر على جورهم وظلمهم، ويدعو الله تعالى لهم، ويلزم جماعة المسلمين، ولا ينزع يده من طاعتهم أبداً.
следующие страницы →