← Акыда

Акыда · id 37435

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (838 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - مقدمة المؤلف - فضائل الصحابة - حكم من طعن فيهم سنة الله في الخلق أنهم يتفاوتون، فلا يستوي هذا وذاك، فلكل فضله ومنزلته عند ربه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد حظيت هذه الأمة بنبي هو أفضل الأنبياء، واختار له ربه أفضل الناس في زمانه لصحبته، فكان الصديق أبا بكر ثم الفاروق عمر ثم الحيي عثمان ثم ابن عمه علي، ومن صاحبهم ومن سار على نهجهم، ومن الجرم الشنيع أن يسب هؤلاء أو يطعن في دينهم.

стр. 2

فضائل الصحابة إن الحمد لله، نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فهذا كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو أثري محض، يتكلم عن آثار بالأسانيد الصحيحة عن اعتقاد أفضل الأمة على الإطلاق وهم الصحابة رضوان الله عليهم، واعتقاد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، وقبل أن نبدأ بالكتاب لا بد أن نُعرِّف بالصحابة وعقيدتنا في الصحابة، وما يهمنا من ناحية الصحابة، وهل من يسب الصحابة يكفر أم لا يكفر.

стр. 3

أفضل الأمة بعد نبيها الصحابة الصحابة الكرام هم أفضل الأمة على الإطلاق، بل هم خير البشرية بعد النبيين والمرسلين على الإطلاق، بنص كلام الله جل وعلا وبنص كلام الرسول ﷺ ، فقد أنزل الله عدالتهم في كتابه، وبين النبي ﷺ توثيقهم في نص حديثه، فهم الذين نصروا الله فنصرهم، وأعزوا الدين فأعزهم الله جل وعلا، ورفعوا راية لا إله إلا الله فرفعهم الله على الناس أجمعين، وحسبهم أنهم جابوا الأرض شرقاً وغرباً رفعاً لراية لا إله إلا الله. وقد بين الله عِظَمَ قدر الصحابة في كتابه بقوله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]. وقال الله عنهم أيضاً: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٨ - ٩]. فبين الله جل وعلا أن هؤلاء هم أفضل البشر، وأنهم يستحقون كلمة لا إله إلا الله، وهذا تعديل ليس بعده تعديل، ولذلك قال كل المحدثين على الإطلاق: الصحابة عدول، فأي حديث جاء عن صحابي ولم يرفعه للنبي ﷺ فهو حديث صحيح لأنه مرسل، ومراسيل الصحابة مراسيل صحيحة؛ لأن كل الصحابة عدول بنص كلام الله تعالى حيث قال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح:٢٦]، أي كلمة لا إله إلا الله، ثم قال: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦]، وقد بين النبي ﷺ أن هؤلاء هم خيرة البشر على الإطلاق، ولذلك كان محتم علينا أن نحترمهم، وأن نعرف قدرهم وأن نجلهم، قال النبي ﷺ : (أصحابي! الله الله في أصحابي! من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغض الله فقد آذى الله، ومن آذى الله أوشك أن يأخذه الله) أي: أن علامة حب المسلم لرسول الله ﷺ حبه لأصحاب رسول الله، وعلامة بغضه لرسول الله ﷺ بغض الصحابة الكرام ولو ادعى وزعم أنه يحب رسول الله، فليسمع من لعنات الله جل وعلا تنزل عليهم تترى، ممن يسب أصحاب رسول الله ﷺ ليل نهار. جاء في الصحيحين أن مشاجرة حدثت بين خالد بن الوليد وهو متأخر الإسلام وبين عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه وهو من المتقدمين في الإسلام، فسب خالد عبد الرحمن بن عوف، ولأن النبي ﷺ ينزل الناس منازلهم ويعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ حتى وهم خيار الأمة إلا أن درجاتهم في الفضل متفاوتة، فقد قال النبي ﷺ زاجراً لـ خالد بن الوليد: (لا تسبوا أصحابي، والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، ومع إن خالداً صحابي ولكنه لا يستوي في الفضل مع عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه فكان قول النبي صلى الله عليه سلم هذا تعظيماً لقدر أصحابه. وقد صح عن النبي ﷺ أيضاً أنه قال: (النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم ذهبت الدنيا وذهبت السماء، وأنا أمنة لأصحابي فإذا قبضت -يعني: ذهب الرسول ﷺ أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا قبض أصحابي أتى الأمة ما توعد). وهذا مصداق لحديث أنس ﵁ وأرضاه حيث قال: (ما يأتي زمان إلا والذي بعده أشر منه)، وما زلنا نتنزل في الشر، فكان كل زمان يذهب ببعض الخير ويبقى الشر، إلا أن النبي ﷺ ساق بشرى لطائفة من متأخري هذه الأمة فقال: (أمتي كالمطر لا يدرى الخير في أولها أم في آخرها)، ومما سبق تبين أن أفضل الأمة بعد النبي ﷺ هم الصحابة الكرام.

стр. 4

أفضل الصحابة أبو بكر ليعلم أن أفضل الصحابة على الإطلاق بل أفضل البشر على الإطلاق من غير النبيين والمرسلين هو أبو بكر الصديق، فقد نزلت عدالته من فوق سبع سماوات، وبين النبي ﷺ أن خير الأمة على الإطلاق هو أبو بكر. أما في الكتاب فقد مدح أبو بكر الصديق بأعظم ما يكون من مدحه مدح به شخص، فقد نزلت فيه آية عظيمة جليلة تبين قدر أبي بكر عند الله، قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ﴾ [النور:٢٢] فعظم الله وهو العظيم أبا بكر فنعته بأنه صاحب فضل، فهنيئاً لـ أبي بكر على هذه الدرجة التي نالها عند ربه جل وعلا. وقد أجمع المفسرون على أن المقصود بالآية هو أبو بكر، فقد نزلت بعد أن أقسم أبو بكر أن لا ينفق على مسطح فقال الله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢]. وقال الله تعالى أيضاً في حق أبي بكر: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١] فنص في الكتاب على أنه أخلص الأمة بعد النبي ﷺ ، مع أن الإخلاص خفي لا يعلمه أحد قط لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، ومع ذلك أفصح الله جل وعلا في القرآن الكريم على أن أخلص الأمة بعد نبيها هو أبو بكر حيث نعته بالأتقى.

стр. 5

السنة تثني على أبي بكر جاءت الأحاديث الصحيحة تبين شمائله الكريمة ففي الصحيحين أن أبا بكر ﵁ وأرضاه غضب يوماً فاشتد على عمر ﵁ وأرضاه، ثم استسمحه فلم يسمح له عمر فقال: والله لأشكونك إلى رسول الله ﷺ ، فذهب إلى رسول الله ﷺ فلما قص القصة على الرسول قال: والله لقد استسمحته، فلم يسمح لي، فقال له النبي ﷺ وهو أفضل من عمر وأفضل الأمة على الإطلاق: (يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر يغفر الله لك يا أبا بكر) فكرر ذلك تأكيداً، فلما بلغ ذلك عمر ندم على ما فعل وذهب إلى بيت أبي بكر فقال: أثمَّ أبو بكر فقالوا: لا. فذهب إلى النبي ﷺ ، فلما نظر النبي ﷺ إلى عمر احمر وجهه، وتمعر واشتد غضبه ﷺ ، فعلم أبو بكر أنه حبيب النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ قال: (لو كنت متخذاً من البشر خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)، وهو يعلم ما بداخل النبي ﷺ ، فلما نظر ذلك علم أن النبي ﷺ سيشتد على عمر فقال: يا رسول الله! إني كنت والله أظلم, وجثا على ركبتيه، ولكن النبي ﷺ لم يسمع له، فلما دخل عمر اشتد النبي ﷺ غضباً عليه وقال: (هلا تركتم لي صاحبي، قد جئتكم فقلتم: كذبت، وقال لي: صدقت، وواساني بماله وأهله) فلم يؤذ أبو بكر ﵁ وأرضاه بعدها. ومما يبين قدر أبي بكر ما روي أنه ﵁ تخاصم مع رجل آخر من الصحابة واشتد عليه، ثم قال له: اقتص مني، قال: لا والله لا أقتص منك، أنت صاحب رسول الله ﷺ ، قال: اقتص مني وإلا استعديت عليك رسول الله! فاستغرب الصحابة من صنيعه، إذ كيف يخطئ على رجل ويقول: أستعدي عليك رسول الله، فقالوا: والله لنذهبن معك إلى رسول الله، ونشهد عنده أنه المخطئ في حقك، فقال الرجل: اسكتوا حتى لا يسمع أبو بكر ما تقولون فيغضب، ثم يغضب رسول الله لغضب صاحبه، ثم يغضب الله لغضب نبيه، فيهلك صاحبكم، فكان الصحابة على معرفة بقدر أبي بكر ﵁ وأرضاه؛ ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (سدوا كل خوخه إلا خوخة أبي بكر) ﵁ وأرضاه.

стр. 6

ثبوت الإمامة لأبي بكر بالنص والإشارة والإجماع لقد كان أبو بكر ذلك الرجل البديع الكريم حبيباً لرسول الله ﷺ ، ولذا لابد أن يعلم أن من طعن في دينه فهو كافر خارج من الملة قد ارتكب ما يجعله خالداً في نار جهنم، ومن أنكر إمامته أوشك على الكفر؛ إذ إن إمامته ثابتة بالنص والإشارة. أما إمامته بالنص فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (ادع لي أبا بكر لأكتب له كتاباً حتى لا يطمع في هذا الأمر طامع -يعني: في هذه الإمامة والخلافة- فلم يأت أبو بكر، فقال النبي ﷺ : يأبى الله ويأبى المؤمنون -يعني: في هذا الأمر- إلا أبا بكر). فكان ذلك نصاً على أبي بكر، كما أن النبي ﷺ قد استخلف أبا بكر على الصلاة، فقاس الناس قياس أولى ويسميه الأصوليون القياس الجلي، فقالوا: إذا كان النبي ﷺ قد جعل أبا بكر يحافظ على الدين، وأمنه على ديننا، فمن باب أولى أن يلي أمور الدنيا التي هي دنيئة تنتهي. وقد أجمع الصحابة على خلافة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، إذ قام عمر خطيباً في الناس وقال: يـ أبا بكر أنت أفضلنا، وأقربنا، وأحبنا لرسول الله فابسط يدك لنبايعك، فبسط يده وبايعه جل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 7

أبو بكر أحب الناس لرسول الله ﷺ من المآثر التي تفيد علو مكانة أبي بكر ما حدث في غزوة السلاسل، كما في الصحيحين أن النبي ﷺ بعث عمرو بن العاص أميراً على سرية غزوة السلاسل، وكان عمرو بن العاص رجلاً داهية لا يحب أن يدخل في حرب إلا وقد احتاط بما يمكنه من الانتصار فيها، فبعث للنبي ﷺ يطلب المدد، فبعث له النبي ﷺ مدداً، وفيهم ثلاثة هم خيار الأمة: أبو عبيدة بن الجراح وهو أميرهم، وفي القوم أبو بكر وعمر، ومنه استنبط العلماء أنه يجوز للمفضول أن يترأس على الفاضل، ثم دخلوا على عمرو بن العاص، وكان النبي ﷺ قد نصح أبا عبيدة فقال له: (لا تنازعوا) أي: إياك والنزاع حتى لو قال لك عمرو: الإمارة لي فدعها له، وكان ما أشار إليه النبي ﷺ إذ تشبث عمرو بن العاص بالإمارة، فقال له أبو عبيدة: هي لك، وفي الغزوة صلى عمرو بالناس جنباً، والحديث محفوظ، والشاهد في الحديث أن عمرو بن العاص قال في نفسه: ما دام أن النبي ﷺ قد أتاني بـ أبي عبيدة وعمر وأبي بكر وأنا متأخر الإسلام، فأنا أحب إلى رسول الله من هؤلاء، مع أنهم سبقوني في الإسلام، فذهب وهو يشتم رائحة القرب من رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة -وهو لا يريد هذه- فقال: ليس عن هذا أسأل، فقال رسول الله ﷺ : أبوها، قال: ثم من؟ قال: عمر، قال: ثم من؟ قال عثمان) فقال في نفسه لو عددت لعد رجالاً وكنت أنا في المتأخرين فسكت على ذلك، وفي هذا دليل على أن أبا بكر كان أحب الناس إلى رسول الله ﷺ . فمن طعن في إمامة أبي بكر ﵁ وأرضاه، فإنه على وشك الفسق، ومن طعن في دينه فهو كافر خارج من الملة.

стр. 8

عمر الفاروق أفضل الأمة بعد نبيها وأبي بكر يلي أبا بكر في الفضل عمر بن الخطاب فقد ثبت أن النبي ﷺ أخبر أنه ما غربت الشمس ولا طلعت من بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر، وقد رآه هو وعمر فقال لـ علي: (هذان سيدا كهول أهل الجنة). إن لـ عمر فضائل كثيرة يصعب جداً على الباحث أن يحصيها، ويكفيه أن النبي ﷺ قال: (إيه يا عمر! لو سلكت فجاً لسلك الشيطان فجاً غير الفج الذي سلكت)، وكان رجلاً شديداً في نصرة الإسلام، قال عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه وهو يتحدث عن أمير المؤمنين عمر: كنا أذلة حتى أسلم عمر فأعزنا الله بـ عمر. ومما ورد في فضل عمر ﵁ أيضاً أن النبي ﷺ قال: (إن عمر ﵁ وأرضاه يتمثل الإسلام يوم القيامة فيأخذ بيده ويذهب إلى الله فيحتج فيقول: أعززتني بهذا الرجل فيدخل الجنة بدون حساب)، ومع ذلك يقول عمر ﵁: يا ليتني شعرة في صدر أبي بكر.

стр. 9

النص على خلافة عمر وكما نص على خلافة أبي بكر فقد نص أيضاً على خلافة عمر ولا يطعن فيها إلا فاسق فاجر، فإن أبا بكر ﵁ وأرضاه في مرض موته جاءه عثمان فقال له: أرأيت من تستخلف؟ فتنفس الصعداء وكاد يتكلم فأغمي عليه فخشي عثمان موت أبي بكر ﵁ وأرضاه فكتب الخلافة للناس فأفاق أبو بكر فقال له عثمان: ما تملي علي؟ قال أبو بكر: من كتبت؟ قال عثمان: كتبت عمر، قال: والله لو كتبت نفسك لكنت أهلاً لها، اكتب عمر فأقر كتابته، وقوله ذاك ليس تفضيلاً من أبي بكر لـ عثمان على عمر بل غاية ما يفهم منه أن عثمان أهل لها، ثم جاء الناس إلى أبي بكر فقالوا: كيف تولي علينا هذا الشديد الغليظ؟ كيف تجيب ربك وأنت تعلم شدة عمر؟ فقال: والله لو سألني ربي: لم وليت هذا عليهم؟ لقلت وليت عليهم أفضلهم وخيارهم. ومن شدة عمر أنه كان إذا أراد أن يقرر البشر على حكم نزل عليه، واجتمع عليه الصحابة كان أول شيء يفعله: أن يقفل الباب على أهله، وهم في الدار جميعهم الصغير والكبير، ثم يقول: إني آمر الناس غداً بشيء والله لو وجدت منكم أحداً تجرأ علي لجلدته أمام الناس أجمعين، فكان عمر أشد الناس على أهله أولاً ثم على البشر، وهذا الذي جعل عائشة ﵂ وأرضاها ترفض سيدنا عمر ﵁ وأرضاه زوجاً لأختها بعد أن تقدم يريد الزواج من أختها، ولما سُئلت عائشة: لماذا رفضته؟ بينت العلة وقالت: عمر شديد، والبنت صغيرة. وممن أقر أبا بكر على اختياره لـ عمر خليفة بعده ابن مسعود ﵁ فقد أُثر عنه أنه قال: أشد الناس فراسة ثلاثة: بنت الرجل الصالح شعيب لما قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص:٢٦] فألمحت أنها تريده، وقالت: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] فتزوجت نبي الله موسى وهو أفضل البشر على الإطلاق في وقته. وعزيز مصر لما قال: ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف:٢١] يوصي امرأته أن تكرم يوسف ﵇. وأبو بكر ﵁ وأرضاه لما تصرف في خلافة عمر.

стр. 10

من فضائل عمر مما ورد في فضل عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال عنه في الرؤيا التي رآها: (وينزع نزعاً ما رأيت عبقرياً مثل عمر يفري فرياً) على أن عمر هو من خطط تخطيطاً دقيقاً لحركة الفتوحات والغزوات التي أسهمت في نشر الدين، وكانت سبباً في جمع الأموال الطائلة التي جاءت للمسلمين عن طريق خلافته ﵁ وأرضاه. وأختم الكلام على عمر بما قاله علي لما دخل عليه وهو في النزع الأخير حيث قال: أرجو الله أن يحشرك مع صاحبيك، فإني قد سمعت كثيراً رسول الله ﷺ يقول: (ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وجئت أنا وأبو بكر وعمر، وكنت أنا وأبو بكر وعمر حشرك الله مع صاحبيك)، وكانت هذه فراسة من علي صدقتها عائشة ﵂ وأرضاها وتركت المكان لـ عمر، ودفن عمر بجوار صاحبيه، وما زلنا حتى الآن نسلم على النبي ﷺ في المسجد النبوي ثم على أبي بكر وعمر رضي الله عن الشيخين، ولعن الله من يسبهما، وطرد الله من يسبهما من رحمته، وأنزل عليهم العذاب الأليم الشديد، الذين يقولون: العنوا صنمي قريش، فنسأل الله أن يجازيهم بما يستحقون، فهم الذين حرفوا في دين الله جل وعلا، وهم أضر علينا من اليهود والنصارى، لما يحملونه من خبث دفين إذ لو قيل ليهود: من أفضل الناس فيكم؟ لقالوا: أفضل الناس فينا هم صحابة موسى ﵇، ولو قيل للنصارى: من أفضل الناس فيكم؟ لقالوا: أفضل الناس فينا هم حواريو عيسى ﵇، ثم قيل للشيعة: من أشر الناس عندكم؟ قالوا: صحابة رسول الله والعياذ بالله، ومن منكرات أعمالهم ما يصنعون في الأعياد حيث يجعلون صنماً كبيراً من الحلوى، ويشربونه العسل، ثم يقولون: هذا صنم أبي بكر وهذا لـ عمر، ويزعمون أنهم يشربون من دم أبي بكر ودم عمر أسقاهم الله من الصديد في نار جهنم.

стр. 11

من مناقب ذي النورين عثمان بن عفان ﵁ ويلي الشيخين في الفضل عثمان ﵁ وأرضاه وإن كان فيه خلاف إلا أن الأمة أجمعت عليه بعد ذلك الخلاف، فقد كان رأي أبي حنيفة والثوري ومن المتأخرين الشوكاني تقديم علي على عثمان ﵁ وأرضاه، والخلاف هذا معتبر، لكن الصحيح الراجح أن عثمان يقدم على علي بالنص أيضاً إذ إن عثمان هو الخليفة الثالث، وخلافته جاءت صحيحة بإجماع المهاجرين والأنصار، لأن عمر ﵁ وأرضاه قال: إن كنت سأستخلف، فقد استخلف من هو خير مني -يريد أبا بكر -، وإن كنت لا أستخلف أي: لا أنص كتابة، فما استخلف من هو خير مني يريد أن النبي ﷺ لم يكتب لـ أبي بكر لكنه أشار إليه كما تقدم، ثم قال: هي في هؤلاء الستة الذين مات الرسول ﷺ وهو عنهم راض، وعدهم: عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله ﵃ أجمعين، قال العلماء: أما عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه وإن كان لا يقل فضلاً عن هؤلاء، إلا أن أعباء الخلافة جعلت عمر ﵁ وأرضاه ينحيه عنها حيث قال: له المشورة وليس له من الأمر شيء. فترك الزبير صوته لـ علي وترك طلحة صوته لـ عثمان، وتنحى عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه وسعد بن أبي وقاص عن الأمر، فحصر الأمر في علي وعثمان، قال عبد الرحمن بن عوف: والله لقد درت على النساء في خدورهن فما عدلوا بـ عثمان أحداً، وهذه دلالة على أن المهاجرين والأنصار بالنظر الثاقب قدموا عثمان. ومما يؤثر عن ابن عمر ﵁ وأرضاه أنه قال: (كنا في عصر رسول الله ﷺ نقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان). وقد خطب علي ﵁ في الناس وقال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ومن قدمني على أبي بكر وعمر جلدته ثمانين جلدة حد المفتري، ثم قال: والله أعلم بمن أفضل بعد ذلك، فلم يخير عثمان عليه. وهنا يجدر بمن يقدم علي على الشيخين إن كان يحب علياً أن يستمع لكلامه، ورد في الأثر أن محمد بن الحنفية قال لـ علي: من أفضل الأمة بعد النبي؟ قال: أبو بكر، قال: ثم من؟ قال: عمر قال: فاستحييت أن أقول له: ثم من؟ فيقدم عثمان عليه، مع أن في قرارة نفسه أن عثمان أفضل من علي ﵁ وأرضاه. وبذلك علم فضل عثمان ﵁. وأشهر فضائل عثمان أنه ختن رسول الله ﷺ على بنتيه، وورد في الآثار أنه قال: (لو كانت الثالثة لأنكحتك إياها).

стр. 12

حياء النبي ﷺ من عثمان من أعظم الفضائل لـ عثمان أن النبي ﷺ كان يستحيي منه ويقول: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة)، وفي الحديث دلالة على أن الفخذ ليس بعورة، والأحوط تغطيته، وإذا رأى أحدكم شخصاً يكشفه فالأولى أن ينكر عليه ويقول له: الفخذ عورة، وإن كان حديث: (الفخذ عورة) حديث ضعيف لكن هذا من باب المروءات، أما الشاهد من الحديث الذي يفيد بأن الفخذ ليس بعورة ما ورد أن النبي ﷺ كان متكئاً وفخذه مكشوف، فدخل أبو بكر فلم يهش ولم يبال، ثم دخل عمر فلم يهش ولم يبال، فلما استأذن عثمان قام واستوى وغطى فخذه، فقالت عائشة منكرة: (يا رسول دخل عليك أبو بكر فلم تهش ولم تبال، ودخل عليك عمر فلم تهش ولم تبال، ولما دخل عليك عثمان ﵁ وأرضاه- استويت قال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة). وورد في استحياء عثمان ﵁ وأرضاه -وأيضاً عمر - أنه ما كان يغتسل عارياً قط، بل كان إذا دخل الخلاء يستأذن الملك، وكان يدخل فيظلم كل المكان حتى لا يرى عورته، وهذا من حياء عثمان ﵁ وأرضاه، ربنا يرزقنا الحياء، والحياء رفعة وإيمان.

стр. 13

الخليفة الشهيد علي بن أبي طالب يلي عثمان ﵁ في الفضل والمكانة علي بن أبي طالب، وفضائله غير خفية على من له أدنى اطلاع، وقد نوزع علي في الخلافة مما يجعل البعض يسأل عن خلافته هل كانت صحيحة؟ وهل خلافته ملك عضوض أم خلافة على منهاج النبوة؟ فالصحيح أنها خلافة صحيحة لحديث: (الخلافة بعدي ثلاثون عاماً)، ومعلوم أن خلافة علي كانت في الثلاثين التي أخبر عنها النبي ﷺ ، ثم بعد ذلك كانت خلافة معاوية التي قال النبي ﷺ عنها: (ثم يؤتي الله ملكه من يشاء)، فخرجت من الخلافة وأصبحت ملكاً وتحقق كلام النبي ﷺ فقد أصبحت تتوارث. وقد كان الحق مع علي في الخلاف الذي دار بينه وبين معاوية وكان علي هو أفضل على الإطلاق، وكان هو المستحق للخلافة، ولذلك لما حدثت المشاحنة بين الزبير وطلحة وبين علي وبين عائشة ﵃ أجمعين، ولم يكن سببها الخلاف بينهم كما يصور البعض، وإنما كان الموتورون داخل الصف هم الذين يحرشون بينهم ويشحنون القلوب بدعوى أنه كان لا بد قبل أن يبايع علي أن يقتص لهذا المظلوم المقتول عثمان، وهذا الكلام غير صحيح، والمهم أن نعلم أن عائشة ﵂ وأرضاها خرجت وخرج الزبير وخرج طلحة لقتال علي، والله جل وعلا يظهر الحق حتى لو خفي على كل البشر، فـ ابن عمر أفضل الصحابة وأتقنهم علماً خفي عليه أن الحق مع علي؛ ولذلك بكى بكاءً شديداً عند موته وقال: يا ليتني قاتلت مع علي والله إن الحق مع علي، ومما دار بينهم أن علياً جاء إلى الزبير وقال له: أما تذكر أن رسول الله ﷺ مر بي وبك فقال: (تحبه؟ قال: ومالي لا أحبه؟! فقال له: تقاتله وأنت ظالم له)، وقد تحقق هذا، وفيه علامة من علامات نبوة النبي ﷺ ، فانتبه الزبير قال: والله كأني لم أسمع الحديث إلا اليوم، فاستدار بفرسه فنزل فقتلوه، وطلحة بن عبيد الله ﵁ وأرضاه لما علم ذلك أيضاً قتل، ثم تلت ذلك المعركة الشديدة التي كان فيها الدماء بسبب عائشة ﵂ وأرضاها، فقد كان من حولها يحرسون الجمل ولذلك سميت معركة الجمل، وقد قتل خلق كثير حول الجمل إلى أن أمر علي بضرب ساقي الجمل فانتهت المعركة، وبعد ما انتهى القتال ذهب علي فقال: يا أمه -وهذا من فقهه فهي أم المؤمنين- تريدين شيئاً؟ قالت: لا، فقال للجيش: صفوا لأمكم ثم ارجعوا بها إلى المدينة، فرجعوا بها إلى المدينة معززة مكرمة. وبعد ذلك حدث نزاع في صفوف علي حتى قال قائلهم: كيف تقول: إننا نقاتلهم ولا نسبي نساءهم؟ فأجابهم: من أراد أن يضرب بسهم لنفسه فليأخذ أم المؤمنين غنيمة عنده! فسكت القوم، وعلموا أن القتال قتال بغي وليس قتال كفر، ولا يصح السبي ولا الغنائم. وبعد أن رجعت عائشة إلى المدينة سمعت بقتال الخوارج وأن علياً قتل ذا الثدية فقالت: والله إن الحق مع علي، وما كان بيني وبينه إلا ما بين الأحناء بعضهم لبعض، وكان في صدرها شيء من علي، وهو أنه لما استشاره النبي ﷺ في حادثة الإفك قال علي: النساء غيرها كثير، وكان علي محق ولم يقصد الطعن في عائشة ﵂ وأرضاها، وإنما أراد أن أعباء النبوة أقوى من أن تفكر في هذا الأمر؛ لأن الأمة بل الدنيا بأسرها تنتظر شمس النبوة، فكان محقاً فيما نظر فيه اجتهاداً، ولا يمكن أن يتصور في علي أن يطعن في الصديقة بنت الصديق ﵂ وأرضاها. وأما بالنسبة لـ معاوية فالحق كل الحق مع علي بنص كلام النبي ﷺ حيث قال: (عمار تقتله الفئة الباغية)، وقتلته فئة معاوية وقال: (عمار أينما كان فالحق معه)، لكن معاوية رد على هذا وقال: إن قلتم: الفئة الباغية التي تقتل عمار فقد قتله من خرج به، وذلك أنه دخل وعند معاوية عمرو بن العاص فقال الرجل: أبشر يا أمير المؤمنين! يريد معاوية فقال: مه؟ قال: أبشر فقد قتلت عماراً، فقام عبد الله بن عمرو بن العاص متهللاً: وقال: أبشر بنار جهنم، فإن النبي ﷺ قال: (بشر قاتل عمار بالنار)، فلما سمع الناس ذلك انسل الجيش من معاوية وذهب إلى علي فقال معاوية لـ عمرو بن العاص: نح عنا مجنونك هذا، وذلك لكي لا يدب الأمر في الجيش، فقال معاوية ﵁ وأرضاه حينها: إذاً قتله من خرج به! والرد على هذا أنه إذا كان كذلك فمعناه أن النبي ﷺ هو الذي قتل حمزة؛ لأنه هو الذي أخرجه للقتال! وليس كذلك، فالنبي ﷺ بكى عليه وقال: (هو أسد الله). ولما قتل علي الخوارج علم الناس أن الحق معه.

стр. 14

خلاف علي ومعاوية خلاف بين طائفتين من المسلمين ينبغي أن ندرك أن خلاف علي ومعاوية لا يبنى عليه كفر وإسلام فقد قال النبي ﷺ وهو يشير إلى الحسن: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، فسماهم مسلمين، ونسمع أن بعض الناس مع أن الله حباه ببعض علم الحديث يسب معاوية، بل قد وصل به الحد أن يسب عائشة، لكن ليعلم هو ومن على شاكلته أنه لن يسلم من يطعن في الصحابة، ولذلك قال ابن كثير في البداية والنهاية: دماء عصم الله أيدينا منهم، فنسأل الله أن يعصم ألسنتنا منهم، فنحن نكف عن هذا، ونترضى عليهم ونقول: ليسوا بمعصومين وإن أخطئوا فالله يغفر لهم، كفى حاطب بن أبي بلتعه قول النبي فيه: (دعه فلعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم).

стр. 15

العشرة المبشرون بالجنة العشرة الذين بشرهم النبي ﷺ بالجنة هم الخلفاء الأربعة ثم طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة بن الجراح ﵁ وأرضاه، وهؤلاء هم أفضل الصحابة، وهم مع ذلك يتفاوتون فيما بينهم الأعلم فالأعلم، نسأل الله جل وعلا أن نحفظ حقهم ونحفظ قدرهم.

стр. 16

هل يكفر من طعن في الصحابة أم لا ؟ لا شك أن من طعن في دين الصحابة فقد كفر، فمن طعن في دين أبي بكر فقد كفر، ومن طعن في دين علي أو عثمان أو عمر فقد كفر؛ لأنه كذب القرآن، وقد أنزل الله عدالتهم وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها، ومن سبهم أجمعين على أنهم قد كفروا وخرجوا من الملة فهذا يكفر أيضاً، أما ما عداه فهو فسق وفجور. ومن قال عن عائشة: إنها لم تبرأ وفعلت الفاحشة فقد كفر؛ لأنه كذب الله الذي برأها من فوق سبع سماوات. والسب سبان: سب بكلام قبيح، وطعن في الدين، فالسب في عائشة ﵂ وأرضاها إذا كان قدحاً في دينها أو طعناً في شرفها وعفتها فهو كفر، ويقتل من قال به ردة؛ لأنه كذب القرآن وكذب الله الذي برأها من فوق سبع سماوات، ومعلوم أن من كذب الله فقد كفر ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]. ومن أكثر من يقع في الصحابة الشيعة وهم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي دخل ليدمر الدين، كما دخل بولس ودمر الإنجيل؛ فقد كان يهودياً ثم دخل النصرانية على أنه قبطي ودمر الإنجيل وحرفه على الناس، وعبد الله بن سبأ ادعى الإسلام وانتهى في النهاية إلى أن علياً هو الإله، ولما حرق من قالوا بذلك افترى عليهم وقال: لا يحرق بالنار إلا خالقها، لحديث ابن عباس، إذاً فهو خالقها. وقد كان عبد الله بن سبأ هو رأس الشيعة، ثم تشعبوا بعد ذلك فمنهم من هم أقرب إلى أهل السنة والجماعة مثل: محمد الباقر وجعفر الصادق ﵃ وأرضاهم، وإن كانوا يفضلون علياً على أبي بكر وعمر فهم يقولون: خلافة أبي بكر صحيحة، وخلافة عمر صحيحة بإجماع المسلمين، لكن علي أفضل منهم، وغلاة الشيعة كفار أما العوام الذين لا يعرفون شيئاً فليسوا كفاراً، أما الذين يسبون علناً ويطعنون في دين أبي بكر ويطعنون في دين عمر، ويطعنون في دين عائشة ويئولون القرآن: فقوله تعالى: (اذبحوا بقرة) قالوا: هي عائشة ﵂ وأرضاها؛ فهؤلاء وأشباههم على الكفر لأنهم كذبوا القرآن.

стр. 17

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - شرح البسملة درج المؤلفون على افتتاح مصنفاتهم بالبسملة، ودرج الشراح على شرحها وإعرابها، وفيها ثلاثة أسماء حسنى لله تعالى (الله، والرحمن، والرحيم)، وفيها استعانة بالله.

стр. 18

تعديل الله ورسوله للصحابة رضوان الله عليهم يبحث هذا الكتاب في اعتقاد السلف الصالح، وأصل السلف هم صحابة رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والذين عدلهم الله جل وعلا في الكتاب، وعدلهم النبي ﷺ في السنة، كما قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) [النساء:١١٥] فمن تنكب هذا الصراط بعد عن الحق، ومن سار على نهجهم وآمن بمثل ما آمنوا به فقد اهتدى؛ فإن الله قد ربط الهداية بذلك، قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦]، وكلمة التقوى هي كلمة لا إله إلا الله، وعدلهم النبي ﷺ في السنة فقال: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصيفه). قوله: (شرح). الشرح معناه: تبيين المجمل وتفسيره، ورفع الإشكال، وإظهار الغموض، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، أو إطلاق المقيد في الظاهر، وغير ذلك. وقوله: (أصول). الأصل: ما يبنى عليه غيره، والأصل غير الفرع كالركن والشرط. قوله: (اعتقاد) هو ما اعتقده المرء وربط قلبه عليه، واعتقده اعتقاداً جازماً. قوله: (أهل السنة والجماعة) هم سلف هذه الأمة، وهم صحابة رسول الله ﷺ والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين وصفهم النبي ﷺ بأنهم الفرقة الناجية في الحديث الذي رواه أصحاب السنن، قال الرسول ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: يا رسول الله! من هي؟! فقال: الذين كانوا على ما أنا عليه وأصحابي).

стр. 19

نبذة مختصرة عن حياة المؤلف هذا الكتاب صاحبه ومؤلفه هو العالم الفذ المحدث الفقيه: هبة الله بن الحسن بن منصور الرازي الطبري اللالكائي، ينسب إلى ثلاث مدن، طبرستان، وهي أصل مولده، ثم انتقل إلى الري، ثم بعد ذلك انتقل إلى بغداد، وقيل: الألكائي، وقيل: اللكائي، وكنيته أبو القاسم، واللكائي نسبة لبيع اللوالك، وهي أشبه ما تكون بالخفاف، وكان يلبس في القدم، وهذه النسبة ليست عيباً؛ لأنك قد تنسب لصنعة أو لحرفة أو لبيع أغراض، ومثل هذا: الراوي الثقة الثبت الذي هو من رجال الصحيح خالد الحذاء، وقد سموه خالد الحذاء نسبة للأحذية، وما كان يبيع الأحذية، لكن كان يجلس مع من يصلح الأحذية فنسبوه إلى هذه النسبة، ومثله: الزيات؛ لأنه كان يبيع الزيت، فهذه النسبة جاءت من حرفة بيع هذه السلعة. قدم بغداد واستوطنها. من أبنائه محمد الملقب بـ أبي بكر، سمع الحديث في مدينة الري، ثم قدم إلى بغداد فدرس فيها الفقه وسمع الحديث، وليست له شهرة كبيرة، لكنه كان عالماً فذاً، سمع الحديث وأتقن حفظه، وتعلم الفقه؛ فرزقه الله الحفظ والفهم. ومن تلاميذه: أبو بكر الخطيب البغدادي صاحب تاريخ بغداد، وهو أشهر تلاميذ هذا العالم الفذ. ومن مؤلفاته: كرامات أولياء الله، وأسماء رجال الصحيحين، وفوائد اختيارات أبي القاسم، والمجالس، والسنن، وشرح أصول الاعتقاد، وشرح كتاب عمر بن الخطاب. كان يتمتع رحمه الله تعالى بالحفظ والإتقان والفهم، وعقيدته عقيدة السلف، والكتاب الذي بين أيدينا يبين ذلك.

стр. 20

شرح (بسم الله الرحمن الرحيم) ابتدأ المؤلف الشرح فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم). قال العلماء: إن من روائع البيان البداءة ببسم الله اقتداءً بكتاب الله جل وعلا، واقتداءً بسنة النبي ﷺ ، فقد ابتدأ الله كتابه ببسم الله الرحمن الرحيم.

стр. 21

أقوال العلماء في البسملة اختلف العلماء في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] هل هي آية من كل سورة أم هي آية مستقلة؟ والذي عليه الإمام مالك، وهو فصل الخطاب: أنها آية مستقلة تفصل بين سور القرآن، وهي آية من سورة النمل. فالاتفاق على أنها آية من سورة النمل، وهي تفصل بين سور القرآن كما قرر ذلك ابن عباس. واختلف الفقهاء: هل البسملة آية من سورة الفاتحة أم لا؟ فالمالكية على أنها ليست آية من سورة الفاتحة، ولكنها آية مستقلة تفصل بين السور. والشافعية يقولون -وهو الأرجح دليلاً-: البسملة آية من الفاتحة؛ لقول النبي ﷺ : (أوتيت السبع المثاني) تفسيراً لآية الحجر، فالسبع المثاني هي الفاتحة، ومع العد كانت البسملة آية من الآيات، وإن اعترض على هذا الدليل فقد صرح في بعض الأدلة أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من سورة الفاتحة؛ لذا لا تصح صلاة عبد إلا بالفاتحة، ولا تصح الفاتحة إلا بالبسملة، وهذا هو الراجح دليلاً.

стр. 22

صور من ابتداء الرسول كتبه (ببسم الله الرحمن الرحيم) البدء بها يعتبر اقتداء بسنة النبي ﷺ ، فما كتب رسول الله ﷺ كتاباً إلى كسرى ولا إلى قيصر ولا إلى أهل الفسق والفجور والكفر يدعوهم إلى الإسلام إلا ابتدأ الكتاب: (ببسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى قيصر ملك الروم، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإلا فإن عليك إثم الأريسيين) أي: إثم أتباعك. وأيضاً في صلح الحديبية قال لـ علي بن أبي طالب وهو يكتب الصلح: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم)، فاعترض المشركون، وقالوا: لا نعرف الرحمن -كذباً وزوراً وبهتاناً- اكتب باسمك اللهم، ورفضوا بسم الله الرحمن الرحيم. المقصود: أن هذه سنة من سنن النبي ﷺ أنه كان لا يبتدئ كتاباً إلا ببسم الله الرحمن الرحيم، فهي من روائع البيان. وأيضاً: البركة تحل على أي أمر سواء كان في الدعوة أو التصنيف أو الجهاد أو الخطبة أو النكاح إذا ابتدئ ببسم الله عملاً بالحديث -وإن كان في طرقه ضعف ولكن يقوي بعضها بعضاً- عن النبي ﷺ كما في السنن: (كل أمر ذي بال -أي ذي شأن- لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر)، (فهو أقطع)، (فهو أجذم) أي: قليل البركة، وهذه دلالة على أن البسملة تبرك الاستفتاح أو التصنيف أو الجهاد أو الدعوة أو الخطبة.

стр. 23

إعراب البسملة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] الباء حرف جر، و (اسم) مجرور بالباء. وأهل النحو يقولون: إن الجار والمجرور يعمل عمل المفعول، والمفعول يحتاج لفعل عامل، والعامل محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف متأخر، وتقدير المحذوف: ببسم الله أستعين، ببسم الله أستفتح، والصحيح أن أقول: ببسم الله أستعين. ولو قلنا: إن الجار والمجرور يعمل عمل المعمول -المفعول به- وقدم على الفعل، وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر، مثل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] أصلها نعبد إياك، وقدم المفعول على الفعل للحصر، أي: أن العبادة كلها مطلقاً لا تكون إلا لله وحده لا شريك له.

стр. 24

الاستعانة وأقسامها يقصد المؤلف: باسم الله أستعين الاستعانة المطلقة الكلية التي لا تكون إلا بالقوي المتين القادر القدير المقتدر جل وعلا؛ لأن الاستعانة: استعانة مطلقة، واستعانة مقيدة، فالاستعانة المطلقة لا تكون إلا بالله جل وعلا القوي المقتدر، والاستعانة المقيدة يمكن أن تكون بكل من يقدر عليها بشرط أن يكون المستعان به حي حاضر قادر. وهل يصح أن أستعين بالملائكة في التصنيف للإلهام، كما قال النبي ﷺ لـ حسان بن ثابت: (اهجهم وروح القدس معك)؟ لا تصح الاستعانة بالملائكة؛ لأنهم غائبون، ولابد في المستعان به أن يكون حي قادر. تقديم المعمول على العامل لإفادة الحصر، فالاستعانة المطلقة لا تكون إلا من القوي المقتدر وهو الله جل وعلا.

стр. 25

اشتقاق الاسم الاسم مشتق من السمو وهو العلو، وهذا على حقيقته لله جل وعلا في ذاته وأسمائه وصفاته، فالله له العلو المطلق، علو الشأن والشرف والمكانة، وعلو القدر والقهر والغلبة، وعلو الذات. فالله جل وعلا له علو الشرف والمكانة. فلا أحد أشرف من الله، فلله الكمال المطلق، ولله الجمال المطلق، ولله الجلال المطلق . وعلو القهر، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:٦١] إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. أما علو الذات؛ فدليله أن الله جل وعلا قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وورد بسند صحيح عن ابن مسعود: أن العرش فوق السموات، وهذا حكمه حكم المرفوع؛ لأنه من الأمور الغيبية التي لا يمكن للاجتهاد أن يصل إليها، فهو سمعه من النبي ﷺ ؛ لأن ابن مسعود لم يصعد إلى السماء ولم ير عرش الرحمن، ولا اجتهد في ذلك، فلابد أن يكون قد سمعه من النبي ﷺ ، فعلو الذات ثابت لله جل وعلا بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وهذا سنفصل فيه القول إن شاء الله. إذاً: الاسم مشتق من السمو وهو العلو، والعلو المطلق لله جل وعلا، علو القدر والشرف والمكانة، وعلو القهر والغلبة، وعلو الذات جل وعلا. ثانياً: مشتق من السمة وهي العلامة في الإنسان، فيمكن أن يكون في الإنسان وشم أو شامة فتقول: أنا أعرفه بهذه العلامة، فالسمة بمعنى: العلامة، وهذه أيضاً حق في حق الله جل وعلا؛ فإن أسماء الله أعلام على ذات الله جل وعلا، فكل اسم من أسماء الله علم على ذات الله، وبعضها لابد فيه من قصد الذات الإلهية، حتى يكون علم على ذات الله جل وعلا.

стр. 26

لفظ الجلالة ((الله)) علم على الذات الإلهية وهو اسم الله الأعظم (الله). لو تبحرت في علوم هذا الاسم، وتعبدت لله بهذا الاسم ارتقيت ارتقاءً لا يرتقي إليه أحد إلا من أتى بمثل ما أتيت به. الله: أشرف الأسماء على الإطلاق، وهو علم على ذات الله جل وعلا انفرد الله به، ولا يمكن لأحد أن يسمى بهذا الاسم إلا الله، إذا قلت: الله. فلا يذهب ذهنك إلا للعلي المقتدر والذات المقدسة الإلهية. الله: أصله من الإله، وحذفت الهمزة تسهيلاً، كما تقول: الناس أصله الأناس، وحذفت الهمزة تسهيلاً. والإله فعال بمعنى: مفعول ككتاب بمعنى: مكتوب، وغراس بمعنى: مغروس، فالإله بمعنى: مألوه أي: هو الذي تألهه القلوب وتحبه وتخضع له وتتذلل وتتضرع وتتمسكن له جل وعلا. فالله: علم على ذات الله يتضمن صفة الإلهية، وهي العبادة التي هي: غاية الذل مع غاية الحب لله جل وعلا، ولن تصل إلى العبودية التامة حتى تتذلل غاية الذل للملك المقتدر مع غاية المحبة بحيث يمتلئ بها قلبك حتى لا يكون فيه إلا حب الله جل وعلا، وهذا الذي علمه الله جل وعلا للنبي ﷺ في الرؤية، والحديث في الترمذي ومسند الإمام أحمد بن حنبل قال: (رأيت ربي في أحسن صورة، قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا. قال: فوضع كفه بين كتفي فكأني شعرت ببرد أنامله على كتفي) ونحن نقول برؤية الله في المنام بنص هذا الحديث، ثم قال: (علمت ما في السموات وما في الأرض). الشاهد من الحديث أنه قال: (قل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين)، وفي رواية أخرى: (اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربني إلى حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي ومن أهلي ومن الماء البارد). فاستلزام الله المألوه المحبوب أن تفرغ كلية القلب من محبة غير الله جل وعلا، ولذا في قصة إبراهيم الخليل الذي تخللت محبة الله مسالك قلبه وروحه لما جاءه إسماعيل غار الله، وكأن حظاً من حب البنوة قد دخل قلب إبراهيم الخليل الذي كان قلبه نظيفاً من محبة غيره، فابتلاه الله بالذبح، فلما انصاع فداه الله بالذبح العظيم؛ لأن الأمر ابتلاء حتى يخلو القلب من أي أحد دون الله جل وعلا. فالله هو المألوه الذي أشبعت القلوب بمحبته جل وعلا. قال العلماء: الله: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وقد ذكر في القرآن أكثر من ستمائة وخمسة وتسعين مرة. وكذلك ما من حديث ورد عن النبي ﷺ يذكر فيه اسم الله الأعظم إلا وكان فيه ذكر الله، (دخل النبي ﷺ على رجل يرفع يده فيقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد، فقال النبي ﷺ : سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى). وكذلك قال النبي ﷺ : (اسم الله الأعظم في ثلاث سور: في البقرة وآل عمران وطه) فإذا قرأت وجدت الأسماء موجود فيها: (الله لا إله إلا هو) (الله لا إله إلا هو) (الله لا إله إلا هو). فالله: على القول الراجح هو اسم الله الأعظم الذي إذا ذكر في قليل كثره وبركه، وهو إغاثة للملهوف، ونصرة للمظلوم، وقهر للغالب على المغلوب، فإن الله جل وعلا الذي تألهه القلوب محال من عرفه ولم يعبده، ومحال من عبده ولم يخلص له، ومحال من أخلص له ولم يشبع قلبه بحبه جل وعلا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]. وهذا الاسم من مميزاته: أنه لا يضاف إلى الأسماء بل أسماء الله تضاف إليه على أنها أوصاف، فتقول: الله الكريم، الله الرحيم، الله الرحمن، فالكريم والرحيم والرحمن أوصاف لله، لكن لا تقل: الرحمن الله، الكريم الله، ولا يصح أن تقول: الله صفة للكريم أو للرحمن، فلا يضاف للأسماء، بل الأسماء تضاف إلى هذا الاسم الأعظم على أنها أوصاف له، مثل الله الرحمن. والرحمن: على الانفراد اسم من أسماء الله الحسنى يدل دلالة مطابقة على الذات العلية. والدلالات ثلاث: تطابق، وتضمن، والتزام. دلالة التطابق مثل أن أقول: اسم الله دلالته على الذات الإلهية المقدسة دلالة تطابق، أي: لا يحيد شيء عنه. إذاً: اسم الله أو أي اسم من أسماء الله الحسنى يدل دلالة تطابق على ذات الله جل وعلا، فإذا قلت: الرحمن الكريم الجبار تقصد بذلك الذات العلية فإنها تدل عليها دلالة تطابق. فالاسم يدل على الذات بدلالة التطابق ويتضمن صفة، فالاسم يتضمن صفة، فالرحمن يتضمن صفة الرحمة، والكريم يتضمن صفة الكرم، والإله يتضمن صفة الإلهية، والمتين يتضمن صفة المتانة. وإذا قلنا: إن اسم المحيط من أسماء الله فإنه يتضمن صفة الإحاطة، أي: أن الله يحيط بكل شيء.

стр. 27

أنواع الدلالات الدلالات ثلاث: تطابق، وتضمن، والتزام. ودلالة التطابق مثل أن أقول: اسم الله دلالته على الذات الإلهية المقدسة دلالة تطابق، أي: لا يحيد شيء عنه. إذاً: اسم الله أو أي اسم من أسماء الله الحسنى يدل دلالة تطابق على ذات الله جل وعلا، فإذا قلت الرحمن الكريم الجبار تقصد بذلك الذات العلية فإنها تدل عليها دلالة تطابق. فالاسم يدل على الذات بدلالة التطابق ويتضمن صفة، فالاسم يتضمن داخله صفة، فالرحمن يتضمن صفة الرحمة، والكريم يتضمن صفة الكرم، والإله يتضمن صفة، الإلهية، والمتين يتضمن صفة القوة أو المتانة. وإذا قلنا: إن اسم المحيط من أسماء الله فإنه يتضمن صفة الإحاطة، أي: أن الله يحيط بكل شيء.

стр. 28

أقسام الصفات

стр. 29

الصفات الثبوتية وأقسامها صفات الله تنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتية، وصفات سلبية. الصفات الثبوتية: هي التي أثبتها الله في كتابه، وأثبتها له رسوله في سنته، ولا نفي فيها بحال من الأحوال، ولها ثلاثة أقسام. القسم الأول: صفات ذاتية: أي: لا تنفك عن الله جل وعلا بحال من الأحوال فهي أزلية أبدية، كالعزة، والعزة صفة لله أزلية أبدية أولية آخرية، فالله عزيز أولاً وآخراً، أزلي أبدي، وكذلك الكبرياء، والحياة، والقدرة، صفات أزلية أبدية، ضابطها: أنها لا تنفك عن الله بحال من الأحوال. القسم الثاني: صفات فعلية: وهي الصفات المتجددة بمعنى: أنها تتجدد، قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢]، وضابطها: أنها تتعلق بالمشيئة، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، كالاستواء إن شاء استوى وإن شاء لم يستو، وكالضحك إن شاء ضحك وإن شاء لم يضحك، وإن شاء رحم وإن شاء لم يرحم، وإن شاء أعطى وإن شاء لم يعط، وإن شاء منع وإن شاء لم يمنع. فصفات الله جل وعلا على قسمين: صفات ثبوتية أثبتها الله في القرآن، وأثبتها الرسول في السنة، كما قال النبي ﷺ : (إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، وإنما تدعون سميعاً بصيراً) فأثبت لله السمع والبصر، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] فأثبت الله لنفسه السمع والبصر في الكتاب، وأثبت النبي ﷺ له السمع والبصر في السنة، فهذه هي الصفات الثبوتية. والثبوتية ثلاثة أنواع: النوع الأول: ذاتية: بمعنى أنها لا تنفك عن الله، فهي أزلية أبدية ولا يمكن أن تتجدد، ولا تتعلق بالمشيئة، كالحياة، فلا يجوز أن نقول: إن شاء يحيا وإن شاء لم يحيى حاشا لله، ومثلها العزة والكبرياء وغيرها، أما الفعلية فهي متجددة بمعنى: إنه متى ما أراد الله أن يفعلها فعلها سبحانه ومتى ما أراد أن يتركها تركها كصفة الكلام فهو إن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم، وضابطها: أنها تتعلق بالمشيئة الإلهية. الصفة الثالثة من الصفات الثبوتية: الصفات الخبرية: وهي التي لا مجال فيها للعقل بحال من الأحوال وإنما هي سمعية، أي: إنما أثبتناها لأننا سمعناها من كتاب الله وسنة رسوله، وضابطها: أنها في حقنا أجزاء وأبعاض، مثل اليد فهي من صفات الله، وهي صفة تليق بجلال الله وكماله، لا تشابه أيدي المخلوقين ولا تماثلها. إذاً: الصفات الخبرية: هي التي مسماها عندنا أجزاء وأبعاض، مثل الساق، فهي صفة تليق بجلال وكمال الله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم:٤٢]. والعين أيضاً صفة كمال وجلال لله جل وعلا، قال الله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] فهذه هي الصفات الخبرية.

стр. 30

الصفات السلبية القسم الثاني من صفات الله جل وعلا: الصفات السلبية، وهي التي نفاها الله عن نفسه ونفاها عنه رسوله ﷺ ، ويتقدمها: لا أو ما، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] أي: من إعياء، إذاً: الله جل وعلا نفى صفة الإعياء عنه. أيضاً النبي ﷺ قال: (لا تدعون أصم ولا غائباً) فهي صفات سلبية، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] هذه صفة سلبية. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] لا تأخذه سنة ولا نوم، هذه صفات سلبية منفية عن الله جل وعلا.

стр. 31

الفرق بين الرحمن والرحيم الرحمن صفة من صفات الله جل وعلا وهي صفة ثبوتية، إن شاء رحم وإن شاء لم يرحم، ونوعها ذاتية. والرحيم صفة فعلية، فلذلك العلماء لما فسروا الرحمن الرحيم، قالوا: الرحمن وصفه، أي: أنها ذاتية لا تنفك عنه، والرحيم فعله، فالرحمن صفة ذاتية لا تنفك عن الله جل وعلا أزلية أبدية عامة للكافر وللمؤمن، وهل الكافر يرحم؟ نعم، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، فالله يرحم الكافر في الدنيا، وأنتم ترون رحمة الله الواسعة التي تنزل تترى على أهل الكفر، فهو يغدق عليهم بالنعم والرزق كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (ما رأيت أحداً أصبر على أذى سمعه من الله جل وعلا، يسبونه وينسبون له الولد، وهو يرزقهم ويعافيهم) وهذا من رحمة الله جل وعلا. والرحيم فعل الله، فالرحيم صفة فعلية لله إن شاء رحم وإن شاء لم يرحم، وهذه خاصة بالمؤمنين، فلو تتبعت القرآن كله لن تجد فيه قول لله تعالى: (وكان بالمؤمنين رحمانا) أبداً، ولكن ستجد: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١١٧] أي بالمؤمنين، فهذه صفة خاصة بالمؤمنين، وهنيئاً لهم هذه الصفة. فالبسملة من روائع البيان ويبتدأ بها اقتداءً بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ .

стр. 32

الاستعانة بالله قوله: [رب يسر ولا تعسر]. معناه: النداء يا رب يسر ولا تعسر، فهو يدعو الله جل وعلا، وعلم هذا من السياق، وحين قال: يا رب علم أنه يدعو الرب الجليل، وهذا من فطنة الرجل وفقهه، وفيه دلالة قوية على أن الرجل فذ في العقيدة؛ لأني حين أقول: يا رب فأنا أتوسل إلى الله، والتوسل إلى الله يكون بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أو بالعمل الصالح، أو بدعاء الأخ الحي الصالح، وأفضل وأولى وأحسن ما يتوسل به هو أسماء الله أو صفاته، وهذا الفقيه السلفي الذي أعطانا هذا الكتاب الذي فيه الجم الغفير من ألفاظ السلف في العقيدة توسل باسم من أسماء الله جل وعلا في هذا المقام وهو اسم الرب، وهذه من فطنته لأنه أتى بالاسم الذي يحقق له ما يصبو إليه؛ فإن من آداب الدعاء والتوسل: أن تأتي باسم من أسماء الله جل وعلا يتناسب مع المرغوب والمطلوب، فإذا أردت الرحمة فلا تقل: يا منتقم ارحمني، فإن هذا من سوء الأدب في الدعاء، ومن سوء الأدب مع الله، وعدم الفطنة، وإذا أردت أن يرحمك الله فقل: يا رحمن ارحمني أو يا رحيم ارحمني، وإذا أردت الرزق فلا تقل: يا جبار ارزقني، ولكن قل: يا رزاق ارزقني. والرجل من فطنته أراد الاستعانة بالله في الفهم والرزق والتصنيف، والاستعانة من لوازم ربوبية الله جل وعلا؛ فإن الإعطاء والمنع من صفات الربوبية، والتيسير والتعسير من صفات الربوبية؛ والقدرة والقوة من صفات الربوبية؛ فلذلك قال: يا رب يسر ولا تعسر. وهي الاستعانة بالله في مقام العبودية، وطلب الاستعانة من الله من أفضل العبادات التي يمكن أن يقدمها المرء بين يدي طاعة من الطاعات؛ لأن الاستعانة بالله جل وعلا تظهر عز الرب وذل العبد، وقوة الرب وضعف العبد، وغنى الرب وحاجة العبد، وهذا هو المطلوب أصالة من العبد تجاه الرب. فمقام الاستعانة مقام عظيم جليل بين النبي ﷺ بأنه من أفضل العبادات كما نصح معاذاً كما في السنن فقال: (يا معاذ! إني أحبك فلا تدع دبر كل صلاة أن تدعو بهذا الدعاء: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). وفي الطبراني عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه: (أنفع الدعاء: اللهم أعني على شكرك وذكرك وحسن عبادتك).

стр. 33

أقسام الاستعانة الاستعانة على ثلاثة أقسام: المقام الأول: مقام النبوة: وقد اختص بها المرسلون ثم الصديقون والشهداء والصالحون، وهي الاستعانة بالله على نصرة الدين والعبادات، وعلى الارتقاء في القرب من الله جل وعلا، وهذه الاستعانة لا تكون إلا من النبيين والمرسلين والصالحين والشهداء، نسأل الله أن نكون جميعاً منهم، وأن نستعين بالله على نصرة الدين، وعبادة الله جل وعلا، وحبه جل وعلا، وترك الدنيا خلفنا ظهرياً. المقام الثاني: مقام أصحاب الهمم الخسيسة: وهم الذين يستعينون بالله على أمور الدنيا، على الدرهم والدينار، تركوا الآخرة خلفهم ظهرياً، واستعانوا بربهم -مع أن هذه الاستعانة مباحة لا أحرمها- على أمور الدنيا، فخسيس الهمة ودنيها هو الذي يهتم بأمر الدنيا ويترك الآخرة، ولو نظر نظرة ممحصة في حديث النبي ﷺ : (من كانت الآخرة همه جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) وفي المسند عن علي بإسناد صحيح أنه قال: (من جعل الهموم هماً واحداً، أو من اهتم بالله ودينه كفاه الله كل الهموم). أما من استعان بالله على أمر الدنيا فهذا دني الهمة؛ ولذلك قال ابن القيم: ترى خسيس الهمة يستعين بالله على رغيف، ويتوكل عليه على رغيف يأكله، ومقام الأنبياء الاستعانة على القرب منه ونصرة الدين، والتفرغ لعبادته جل وعلا. الثالث: أسوأ المنازل وأسوأ البشر على الإطلاق هم من يستعينون بالله جل وعلا على معاصيه. قوله: [رب يسر ولا تعسر]. هذا مقام الاستعانة، وقد تأدب مع الله فأتى باسم الرب حتى يتحقق له المطلوب المرغوب بالاسم المناسب لما يدعو به.

стр. 34

تعلم التوحيد أوجب الواجبات قوله: [أوجب ما على المرء]. أي: أوجب الواجبات وأفرض المفروضات وأوكد المؤكدات هو التوحيد، وهو معرفة الله جل وعلا معرفة صحيحة ومعرفة ما ينافيه من شرك، وهذا فرض عين على كل امرئ على وجه البسيطة، فيتعرف على الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى إجمالاً. أما التفصيل والرد على أهل البدع فهو فرض كفاية إن قام به طلبة العلم سقطت عن الآخرين، فأوجب ما على المرء معرفة الله جل وعلا بتوحيده وتصديقه وتصديق رسله، والتعرف عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. فإذا قلنا: أوجب الواجبات معرفة الله ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلى فما هو الدليل على ذلك؟ أقول: لقد ابتدأ الله به في كتابه فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، ولما علمه القراءة قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] حاثاً له على أن يتعلم ما يخص الله جل وعلا وما ينفعه من أمر التوحيد المنافي للشرك، وتعليم هذا لا يكون إلا على فهم سلف الأمة للكتاب والسنة. والسلف هم الثلاثة القرون المفضلة، فلابد أن نقتفي أثرهم ونطرح قول من قال: (علم السلف أسلم وعلم الخلف أحكم)، قبحه الله من قائل! بل علم السلف أسلم وأحكم، ولن تصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وحتى يكون دينها صافياً كما كان على عهد الرسول ﷺ وصحابة رسول الله ﷺ . لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا فالعلم العلم والفهم الفهم لما يأتيك فإنه (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، فالذي لا يتفقه في دينه لم يرد الله به خيراً، وأرفع الناس وأفضلهم وأشرفهم على الإطلاق هم العلماء، وطلبة العلم، فكن عالماً أو متعلماً أو محباً للعلم ولا تكن الرابع فتهلك، لا تكن من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، فالشيخ محمد صالح العثيمين رحمة الله عليه من أفضل الناس فقهاً، وأشدهم فهماً للكتاب والسنة، وهو الذي كان يقول دائماً: الفهم الفهم، الفهم كل العلم، وإن لم يكن الفهم العلم فهو شطر العلم. وفي لحظات موته دخل عليه الشيخ صالح المنجد فسأله: من تخلف من الفقهاء؟ فطأطأ رأسه وسكت، وقال: أين العالم الفقيه؟! فلعل الله أن يخلف منكم من يفقه كما فقه هو؛ فإن الله أعطاه نظراً دقيقاً في الكتاب والسنة، ولذلك قلت: إن العلم كل العلم هو فهم الكتاب والسنة، قال النبي ﷺ : (نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) وهذا هو الأهم، وقيل: لما جاء أحمد بن حنبل مع إسحاق بن راهويه قال له إسحاق: نجلس إلى جانب هذا الشاب -أي: الشافعي - ونترك ابن عيينة يقول حدثنا، وحدثنا فقال له الإمام أحمد: لو فاتك الحديث من ابن عيينة بعلو أخذته بنزول -يعني بزيادة رجل أو رجلين- وإن فاتك فهم هذا الرجل في الكتاب والسنة فلن تجد مثله. لأن هذا هو المقصود الأعلى والأسمى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده وفهم متنه، وفهم المتن رأس الأمر؛ لأن الأحكام كلها تكمن في المتن، ولذلك لما تكلم الله جل وعلا عن الآيات الكونية المرئية والآيات المتلوة قال: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ)) أي: إن المطلوب دقة النظر والفهم، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]. فالتدبر ودقة النظر في الأدلة وفهمها فهم عميق تصل بالمرء إلى الفقه والرفعة. فأهل العلم وطلبة العلم إذا تعلموا العلم ولم ينظروا في الأدلة ويمحصوا فيها لن تكون لهم تلك المكانة العظيمة، ألا تريدون المعالي؟ ألا تريدون الرفعة عند الله جل وعلا؟ من منا لا يحب أن يحشر مع النبي ﷺ ؟ فإذا أردت أن تحشر مع النبي ﷺ كن وريثاً له، فإنك إذا كنت وارثاً لنبيك ﷺ فستحشر معه في الفردوس الأعلى، ومع أبي بكر وعمر، فعليكم بالعلم والجهاد، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.

стр. 35

الأسئلة

стр. 36

حكم كتابة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في الرسائل الأجنبية السؤال هل أكتب في الرسائل الأجنبية ((بسم الله الرحمن الرحيم))؟ الجواب في الرسائل الأجنبية، وجد من يكتب ((باسم الرب))، وهذا كلام غير صحيح فحتى في الرسالة الأجنبية اكتب بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن قيصر وكسرى ما كانوا يقرءون العربية، وكان النبي ﷺ يكتب إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، فالمحظور هو أن تذهب بالمصحف إلى بلاد الكفار إذا خشي عليه الامتهان، هذا هو الضابط. ولقد كان ابن عثيمين يقول: ليس طالب العلم هو الذي يحفظ الفروع، ولكن طالب العلم هو الذي يتقن الضابط فيجعله أصلاً يرد كل الفروع إليه. لقد كانت تأتيه الأسئلة فيجيب عنها كما أجاب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية مع أنه لم يقرأ هذا الجواب لشيخ الإسلام ابن تيمية، فما الذي أوصله لهذا؟ محض فضل الله أولاً، والثاني: إتقان الأصول ورد الفروع إليها، فالتأصيل العلمي يجعل طالب العلم متميزاً على غيره ممن لم يهتم بالأصول.

стр. 37

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الطائفة المنصورة أوجب الواجبات وأهم المهمات وأفضل المفروضات هو العلم بالله، وتوحيده في ألوهيته وربوبيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وهو أشرف العلوم؛ لأن العلم علمان: علم بالله، وعلم بأمر الله، والعلم بالله أشرفهما؛ لأن شرف العلم من شرف المعلوم، وهذا العلم مأخوذ من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ بفهم سلف الأمة رضوان الله عليهم.

стр. 38

ابتداء العلماء بالبسملة في أول مصنفاتهم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ما زلنا مع هذا الكتاب الكريم: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة). نقول: ما العلة عندما تجد كل كتاب في أول ورقة من ورقاته يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم؟ أولاً: قال علماء البلاغة في البداءة بالبسلمة: الباء حرف جر، والاسم مجرور متعلق بمحذوف، والمحذوف متأخر بمعنى أبدأ وأستعين بباسم الله، فهنا يفيد الحصر. ثانياً: كل مصنف كان يقتدي بالكتاب العزيز أولاً؛ لأن الله جل وعلا افتتح السور ببسم الله الرحمن الرحيم. ثالثاً: اقتداء برسول الله ﷺ ، فهو ما أرسل كتاباً إلا قال: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله أسلم تسلم).

стр. 39

معنى البسملة معنى بسم الله الرحمن الرحيم على التفصيل: الاسم مشتق من السمو وهو العلو وهذا في حق الله على حقيقته؛ لأن الله له العلو المطلق، وهو أنواع: علو القدر والشرف، ولا أحد أشرف من الله جل وعلا؛ لأن له صفات الكمال والجلال. وعلو الذات، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف تجيبون على قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] و (ما) من الأسماء المبهمة التي تفيد العموم، يعني أي مكان كنتم فيه فالله معكم؟ نقول: إن الأصل في المعية أنها لا تستلزم المخالطة، أقول: سرت والقمر معي، والقمر لم يكن بجانبي، وإنما القمر في السماء وأنا في الأرض، وهذه هي المعية المطلقة التي لا تستلزم المخالطة. إذاً: أولاً: قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقد أثبت استواؤه على العرش. الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] فبين أنه في السماء، و (في) معناها (على)، فهذه آية محكمة على أنه فوق السماء جل وعلا، ثم أتتنا هذه الآية المحتملة: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] فهي تحتمل أنه معنا بعلمه وإحاطته وهو فوق العرش، أو معنا بذاته، لكن ما الذي يجعلنا ننفي أمر الذات؟ القرائن المحتفة: أولاً: نقول: الأدلة المحكمة تثبت أنه فوق السماء، وهذا دليل محتمل، فإذا تعارض المحكم والمحتمل قدمنا المحكم على المحتمل. ثانياً: هذه الآية بدأها الله بالعلم وختمها بالعلم، وعلماء الأصول يقولون: السياق من المقيدات، يعني: أن السياق هو الذي يثبت لك معنى هذه المعية، فالسباق واللحاق يثبت لك تفسير هذه المعية، وأنها معية إحاطة وعلم، وهذه هي المعية العامة. ولله معيتان: معية عامة، ومعية خاصة، فالمعية العامة هي التي تشمل المؤمن والكافر وكل الخلائق، وهي الإحاطة بالعلم، التي قال الله فيها: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، أي نفس تتنفسه فالله جل وعلا يعلم به، فهو يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. ومعية خاصة، هذه المعية الخاصة للرسل وللمؤمنين، وهي معية النصرة والتأييد، قال الله جل وعلا لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [طه:٤٣]، فلما خافا منه وخشيا على أنفسهما قال الله تعالى: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] أي: معكما بالنصرة والتأييد والحفظ والرعاية. أيضاً: الاسم مشتق من السمة، وهي العلامة، وهذا ينطبق على أسماء الله؛ لأن كل اسم من أسمائه تعالى علم على ذات الله جل وعلا، فأنت عندما تقول: (الله) يرسخ في ذهنك وينصرف إلى جهة الذات الإلهية.

стр. 40

أوجب الواجبات وأشرفها العلم بالله وبأسمائه وصفاته انتهينا في الشرح إلى أن قول المؤلف: وأول واجب، وأوجب الواجبات، وأهم المهمات، وأفضل المفروضات هو العلم بالله جل وعلا، وتوحيده جل وعلا، والناس في حاجة إلى توحيد الله جل وعلا، وإلى العلم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وإفراده بالعبادة أشد من حاجتهم إلى الماء والهواء؛ لأن التوحيد فيه الحياة الأخروية، وهو أول ما قضاه الله على البشر، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، وهو أول واجب فرضه الله على البشرية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١]، وهو أول ما تسأل عنه في القبر، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ : (يأتي الملك إلى الميت فيقعده فيقول: من ربك؟) أول ما يسأله عن الله جل وعلا، وهو أول بوابة لقبول أعمالك عند الله جل وعلا، كما في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، لا يقبل عند الله جل وعلا عمل إلا بالتوحيد، فالتوحيد هو أول الواجبات التي لا بد للإنسان أن يسعى إلى تعلمها، وهو أشرف العلوم؛ لأن العلم علمان: علم بالله، وعلم بأمر الله، وأشرف العلوم على الإطلاق العلم بالله، علم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وعلم بربوبية الله جل وعلا، وعلم بإلهية الله جل وعلا، وشرف هذا العلم مستنبط من شرف المعلوم، ولا أحد أشرف من الله جل وعلا.
следующие страницы →