Полный текст (838 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حكم كتابة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في الرسائل الأجنبية
السؤال
هل أكتب في الرسائل الأجنبية ((بسم الله الرحمن الرحيم))؟
الجواب
في الرسائل الأجنبية، وجد من يكتب ((باسم الرب))، وهذا كلام غير صحيح فحتى في الرسالة الأجنبية اكتب بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن قيصر وكسرى ما كانوا يقرءون العربية، وكان النبي ﷺ يكتب إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، فالمحظور هو أن تذهب بالمصحف إلى بلاد الكفار إذا خشي عليه الامتهان، هذا هو الضابط.
ولقد كان ابن عثيمين يقول: ليس طالب العلم هو الذي يحفظ الفروع، ولكن طالب العلم هو الذي يتقن الضابط فيجعله أصلاً يرد كل الفروع إليه.
لقد كانت تأتيه الأسئلة فيجيب عنها كما أجاب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية مع أنه لم يقرأ هذا الجواب لشيخ الإسلام ابن تيمية، فما الذي أوصله لهذا؟ محض فضل الله أولاً، والثاني: إتقان الأصول ورد الفروع إليها، فالتأصيل العلمي يجعل طالب العلم متميزاً على غيره ممن لم يهتم بالأصول.
стр. 37
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الطائفة المنصورة
أوجب الواجبات وأهم المهمات وأفضل المفروضات هو العلم بالله، وتوحيده في ألوهيته وربوبيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وهو أشرف العلوم؛ لأن العلم علمان: علم بالله، وعلم بأمر الله، والعلم بالله أشرفهما؛ لأن شرف العلم من شرف المعلوم، وهذا العلم مأخوذ من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ بفهم سلف الأمة رضوان الله عليهم.
стр. 38
ابتداء العلماء بالبسملة في أول مصنفاتهم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ما زلنا مع هذا الكتاب الكريم: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة).
نقول: ما العلة عندما تجد كل كتاب في أول ورقة من ورقاته يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم؟ أولاً: قال علماء البلاغة في البداءة بالبسلمة: الباء حرف جر، والاسم مجرور متعلق بمحذوف، والمحذوف متأخر بمعنى أبدأ وأستعين بباسم الله، فهنا يفيد الحصر.
ثانياً: كل مصنف كان يقتدي بالكتاب العزيز أولاً؛ لأن الله جل وعلا افتتح السور ببسم الله الرحمن الرحيم.
ثالثاً: اقتداء برسول الله ﷺ ، فهو ما أرسل كتاباً إلا قال: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله أسلم تسلم).
стр. 39
معنى البسملة
معنى بسم الله الرحمن الرحيم على التفصيل: الاسم مشتق من السمو وهو العلو وهذا في حق الله على حقيقته؛ لأن الله له العلو المطلق، وهو أنواع: علو القدر والشرف، ولا أحد أشرف من الله جل وعلا؛ لأن له صفات الكمال والجلال.
وعلو الذات، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، كيف تجيبون على قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] و (ما) من الأسماء المبهمة التي تفيد العموم، يعني أي مكان كنتم فيه فالله معكم؟ نقول: إن الأصل في المعية أنها لا تستلزم المخالطة، أقول: سرت والقمر معي، والقمر لم يكن بجانبي، وإنما القمر في السماء وأنا في الأرض، وهذه هي المعية المطلقة التي لا تستلزم المخالطة.
إذاً: أولاً: قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقد أثبت استواؤه على العرش.
الدليل الثاني: قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] فبين أنه في السماء، و (في) معناها (على)، فهذه آية محكمة على أنه فوق السماء جل وعلا، ثم أتتنا هذه الآية المحتملة: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] فهي تحتمل أنه معنا بعلمه وإحاطته وهو فوق العرش، أو معنا بذاته، لكن ما الذي يجعلنا ننفي أمر الذات؟ القرائن المحتفة: أولاً: نقول: الأدلة المحكمة تثبت أنه فوق السماء، وهذا دليل محتمل، فإذا تعارض المحكم والمحتمل قدمنا المحكم على المحتمل.
ثانياً: هذه الآية بدأها الله بالعلم وختمها بالعلم، وعلماء الأصول يقولون: السياق من المقيدات، يعني: أن السياق هو الذي يثبت لك معنى هذه المعية، فالسباق واللحاق يثبت لك تفسير هذه المعية، وأنها معية إحاطة وعلم، وهذه هي المعية العامة.
ولله معيتان: معية عامة، ومعية خاصة، فالمعية العامة هي التي تشمل المؤمن والكافر وكل الخلائق، وهي الإحاطة بالعلم، التي قال الله فيها: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، أي نفس تتنفسه فالله جل وعلا يعلم به، فهو يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.
ومعية خاصة، هذه المعية الخاصة للرسل وللمؤمنين، وهي معية النصرة والتأييد، قال الله جل وعلا لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [طه:٤٣]، فلما خافا منه وخشيا على أنفسهما قال الله تعالى: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] أي: معكما بالنصرة والتأييد والحفظ والرعاية.
أيضاً: الاسم مشتق من السمة، وهي العلامة، وهذا ينطبق على أسماء الله؛ لأن كل اسم من أسمائه تعالى علم على ذات الله جل وعلا، فأنت عندما تقول: (الله) يرسخ في ذهنك وينصرف إلى جهة الذات الإلهية.
стр. 40
أوجب الواجبات وأشرفها العلم بالله وبأسمائه وصفاته
انتهينا في الشرح إلى أن قول المؤلف: وأول واجب، وأوجب الواجبات، وأهم المهمات، وأفضل المفروضات هو العلم بالله جل وعلا، وتوحيده جل وعلا، والناس في حاجة إلى توحيد الله جل وعلا، وإلى العلم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وإفراده بالعبادة أشد من حاجتهم إلى الماء والهواء؛ لأن التوحيد فيه الحياة الأخروية، وهو أول ما قضاه الله على البشر، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، وهو أول واجب فرضه الله على البشرية، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١]، وهو أول ما تسأل عنه في القبر، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ : (يأتي الملك إلى الميت فيقعده فيقول: من ربك؟) أول ما يسأله عن الله جل وعلا، وهو أول بوابة لقبول أعمالك عند الله جل وعلا، كما في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، لا يقبل عند الله جل وعلا عمل إلا بالتوحيد، فالتوحيد هو أول الواجبات التي لا بد للإنسان أن يسعى إلى تعلمها، وهو أشرف العلوم؛ لأن العلم علمان: علم بالله، وعلم بأمر الله، وأشرف العلوم على الإطلاق العلم بالله، علم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وعلم بربوبية الله جل وعلا، وعلم بإلهية الله جل وعلا، وشرف هذا العلم مستنبط من شرف المعلوم، ولا أحد أشرف من الله جل وعلا.
стр. 41
طرق تحقيق الإيمان بالله جل وعلا وحال الصحابة في ذلك
إن كان هذا هو أشرف العلوم وأول الواجبات فكيف نتعلمه؟ وكيف نصل إليه؟ قال الله تعالى مرشداً إيانا: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ﴾ [البقرة:١٣٧] أي: الصحابة الكرام ﴿فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [البقرة:١٣٧].
إذاً: فالإيمان بالله جل وعلا والعلم به وبأسمائه وصفاته وربوبيته وإلهيته يكون بالكتاب والسنة بفهم سلف هذه الأمة أهل السنة والجماعة، الذين مدحهم الله بقوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦]، وقد امتثلوا أمر الله جل وعلا، واتبعوا أمر نبيه ﷺ ، وكانوا وحدة في الصف، والعلم والفكر، والوحدة الحقيقية هي وحدة العلم والذهن والفكر، وكلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة، فهذه الوحدة تمسكوا بها وكانوا معتصمين بحبل الله كما أمرهم، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وكما أمرهم النبي ﷺ ، كما في الحديث: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي) فامتثلوا أمر الله جل وعلا باتباع كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] فامتثلوا ذلك.
وقال جل وعلا آمراً الرسول ﷺ أن يبين لهم: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، ثم امتحنهم عندما زعموا الحب للرسول ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، ثم بعدما اتبعوا الاتباع الكامل الخالص لله وللرسول ﷺ ، كما بين ابن مسعود ﵁ وأرضاه -كما في المسند- قال: (خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، ثم خط على يمينه خطوطاً، ثم خط على يساره خطوطاً وقال: هذه السبل على كل سبيل شيطان، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣]).
فأطاعوا الله وأطاعوا الرسول ﷺ بعد ذلك، عملاً بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].
وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١]، وقد فازوا؛ لأنهم أطاعوا الله وأطاعوا الرسول، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] جل وعلا، وعملوا بحديث النبي ﷺ كما في الصحيحين: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).
إذاً: للصحابة صفات وسمات ما تكلمنا عنها الآن إلا لنحذو حذوهم، ونقتفي أثرهم، فقد اعتصموا بحبل الله جل وعلا تحت كلمة التوحيد، ثم اتبعوا سبيل الله وتركوا سبيل الغواية والشيطان، ثم أطاعوا الله وأطاعوا رسوله ﷺ كما قال ابن مسعود: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم).
стр. 42
حقيقة أهل السنة والجماعة والطائفة المنصورة
إن الاتباع والطاعة والامتثال لأمر الله جل وعلا كان من سمات الصحابة، فعلينا أن نحذو حذوهم.
وأهل السنة والجماعة هم الطائفة المنصورة، وهم الطائفة الناجية، ومن هم أهل السنة والجماعة؟ لقد فسر معظم أهل الحديث: أن أهل السنة والجماعة والطائفة المنصورة هم أهل الحديث، ولا أقول: أهل الحديث الذين اختصوا بأسانيد متون كلام النبي ﷺ ، لا، بل هم أعم من ذلك، فأهل الحديث هم أهل القرآن، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر:٢٣]، فكلام الله حديث تحدث به مع جبريل، وسمعه جبريل فتحدث به مع النبي ﷺ ، فأهل القرآن هم أفضل، وهم الطائفة المنصورة وهم الطائفة الناجية؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر:٢٣]، فمن اهتم بالقرآن دراسة وفقهاً ونظراً واستظهاراً وحفظاً وتعليماً وعلماً كان من الطائفة المنصورة، بل كان أفضلهم؛ لقول النبي ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، ثم بعد ذلك نقول: إن أهل الحديث الذين اختصوا بكلام النبي ﷺ هم في المرتبة الثانية بعد أهل القرآن، هؤلاء الذين فرغوا أنفسهم ومهجهم وقلوبهم لدراسة حديث النبي ﷺ وللذب عن سنة النبي ﷺ .
стр. 43
حقيقة الإمام والإمامة
بعد ذلك ابتدأ المؤلف في شرح أول باب فقال: باب سياق ذكر من رسم بالإمامة والدعوة والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله ﷺ إمام الأئمة: الإمام هو من يقتدى به سواء في الضلالة أو في الهداية، والأغلب عند الإطلاق أن الإمامة تكون في الهداية، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] يعني: أن الظالم لا ينال الإمامة، بمعنى أن العهد هو الفاعل، والظالمين هم مفعول به.
إذاً: فالإمامة عند الإطلاق إمامة الدين وإمامة الهدى، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ [الأنبياء:٧٣].
الإمامة يصل إليها المرء بأمرين اثنين بعد فضل الله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١]، بعد فضل الله هناك سببان يصل بهما المرء إلى الإمامة، ذكرهما الله في كتابه فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، فلا يصل المرء إلى الإمامة في الدين إلا أولاً: بالصبر، وثانياً: باليقين، والأئمة هم أولو الأمر الذين ذكرهم الله في كتابه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] قال ابن القيم: أولوا الأمر هم العلماء وهم الأمراء، أما العلماء فهم أمنة هذه الأمة، وهم ورثة الأنبياء، وهم أفضل الناس يضيئون ليستنير بهم أهل الإسلام.
أما الذين في ركابهم فهم أولو الأمر الذين تمسكوا بكتاب الله جل وعلا، وتمسكوا بسنة النبي ﷺ ، وحكموا شريعة الله جل وعلا في الناس، ونصر الله بهم الدين، فهؤلاء الأمراء هم الذين يقال عنهم: إنهم في ركاب العلماء؛ لأنهم يجاهدون في سبيل الله جل وعلا كأمثال الخلفاء الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومن تبعهم بإحسان وعمر بن عبد العزيز ومعاوية بن أبي سفيان وهارون الرشيد وأمثال هؤلاء وسيف الدين قطز الذي له المنة الكبرى على أهل الإسلام؛ لأنه أوقف الغزو والزحف التتري الغاشم، وأيضاً محمد الفاتح الذي فتح الله به القسطنطينية، وقد مدح من النبي ﷺ فقال: (فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش جيشها)، فهؤلاء هم أمراء وعلماء الملة لا علماء السلطة، وهناك أئمة لكنهم أئمة الضلالة والغواية والعياذ بالله، وهم علماء سلطة لا علماء ملة، باعوا دينهم بثمن بخس بدراهم معدودة، باعوا دينهم بدنيا غيرهم، فهم سفهاء، وأول من تسعر به النار يوم القيامة: عالم لم يرج الله جل وعلا في علمه، نعوذ بالله من الخذلان، وأيضاً الأمراء الذين يجرون الناس بالسلاسل إلى قعر جهنم والعياذ بالله، قال الله عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ [هود:٩٨] إمام ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨]، يعني: الذين يعيثون في الأرض فساداً هم أئمة الضلال، ويدعون إلى نار جهنم، كما في حديث حذيفة: (هل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم)، نعوذ بالله من ذلك.
стр. 44
تعريف السنة لغة واصطلاحاً عند المحدثين والفقهاء وأهل العقيدة
السنة في اللغة معناها: الطريقة، وفي الشرع لها نحو خمس تعريفات أو أربع: فالسنة عند المحدثين هي كل ما أسند إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو صفة خلقية.
أما تعريف السنة عند الفقهاء فهي: كل شرع غير مفروض أو غير لازم يعني: السنة في عرف الفقهاء هي المندوب الذي هو المستحب، الذي نقول عنه: هو خطاب الشارع المكلفين على وجه الاستعلاء لا على وجه اللزوم، وحكمه: أنه يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.
والسنة عند أهل العقيدة هي أصول الدين، هي: اعتقاد النبي ﷺ واعتقاد الصحابة رضوان الله عليهم، فهي مقابل البدعة، ولذلك ترى كتب العقيدة كلها تتحدث إما عن اعتقاد النبي ﷺ أو عن البدعة التي تخالف هذا الاعتقاد، كما في السنة لـ ابن أبي عاصم والسنة للإمام أحمد بن حنبل.
стр. 45
حقيقة الدعوة وطرقها وشروطها
الدعوة هي أن تدعو إلى الله جل وعلا، والدعوة تكون باللسان وتكون بالسنان، أما السنان فهو الجهاد في سبيل الذي هو ذروة سنام الإسلام، والدعوة باللسان أفراداً وجماعات لها شرط مهم جداً بينه الله جل وعلا بقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] بشرط ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] أي: على علم، وكما قلت: يقوم بها أفراد وجماعات كما قال النبي ﷺ : (بلغوا عني ولو آية).
والدعوة تكون أيضاً بالحكمة والموعظة الحسنة كما قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
стр. 46
مراتب الهداية
الهداية نقيض الغواية، والهداية لها أربع مراتب: الأولى: الهداية عامة، وهذه الهداية العامة تعم كل الخلائق من جن وإنس وحيوانات، فقد هدى الله جل وعلا آدم كيف يأتي زوجته، وأوحى إلى النحل كيف تتخذ من الجبال بيوتاً، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل:٦٨]، وهدى النمل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل:١٨]، من الذي أوحى إليها بذلك وهداها إلى ذلك؟ إنه الله جل وعلا.
المرتبة الثانية من الهداية: هداية عامة للثقلين: الجن والإنس، وهي هداية البيان والإرشاد، وهي التي قال الله فيها للنبي ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] أي: تبين وترشد الناس إلى هذا الصراط المستقيم.
وقال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت:١٧] أي: بينّا لهم وأرشدناهم، ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧].
هذه المرتبة تكون لله على لسان رسله وعلى لسان ورثة الرسل رضوان الله عليهم كالصحابة والعلماء.
المرتبة الثالثة وهي خاصة بالله جل وعلا، وهي: هداية القلوب، هداية السداد، وهذه لا تكون إلا لله جل وعلا، فهداية القلوب بيد علام الغيوب؛ لأن النبي ﷺ قال: (القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، وقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]، ولذلك لما ذهب النبي ﷺ إلى عمه فقال: (يا عم قل كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله جل وعلا) فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
أما الجمع بين الآيتين: قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] وقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] فهو في الأولى نفى الهداية عنه، وفي الثانية أثبتها له، فنقول: الهداية المنفية عن النبي ﷺ هداية السداد والتوفيق هداية القلوب، والهداية المثبتة هي هداية الدلالة والبيان والإرشاد.
المرتبة الرابعة: هذه ليست في الدنيا ولكنها هداية في الآخرة وهي: هداية أهل الجنة إلى منازلهم في الجنة، كما قيل: إن الرجل من أهل الجنة يعرف قصره الذي في الجنة أشد من معرفته لبيته الذي في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٤ - ٥] ثم بين هذه الهداية: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٦]، فالمرء يدخل قصره ويعرفه أشد من معرفته لبيته الذي في الدنيا.
رزقنا الله وإياكم هذه القصور العالية في الجنة.
стр. 47
تعريف الاستقامة
قال: (والهداية إلى طريق الاستقامة).
الاستقامة: هي التمسك بكتاب الله جل وعلا، والتمسك بسنة النبي ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود:١١٢]، وما أمر النبي ﷺ إلا بالاستمساك بكتاب الله وسنته وشريعته ﷺ .
وكما في السنن أن النبي ﷺ قال: (قل: آمنت بالله ثم استقم) (قل: آمنت بالله) أي: العقيدة الصحيحة.
(ثم استقم) أي: على الشريعة القويمة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 48
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - مجمل عقائد أهل السنة والجماعة
أهل السنة والجماعة هم أهل السنة والاجتماع حول الكتاب والسنة، وهم وسط بين الفرق كأمة الإسلام بين الأمم، وهم يقرون بكل اسم وصفة أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ ، ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
стр. 49
التعريف بأهل السنة والجماعة
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: هذا الكتاب يبدأ بالإجمال ثم يفصل، فسيبدأ بإجمال اعتقاد أهل السنة والجماعة، ثم يأتي عليه بتفصيل اعتقادهم بصفات الله جل وعلا وبأسمائه الحسنى في الحوض والصراط والبعث، ثم بعد ذلك يفرد لكل صنف من هذا الكتاب جزئية معينة، ولذلك فمن المهم جداً معرفة البداية؛ لأنها تضع له قاعدة عريضة في مجمل الاعتقاد وبعد ذلك التفصيل في الرد على أهل البدع والكلام.
وقبل أن نبدأ في ذكر مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة نطرح سؤالاً فنقول: من هم أهل السنة والجماعة؟
الجواب
هم الذين اقتدوا بالنبي ﷺ بنص حديث النبي ﷺ : (تركت فيكم ما لم تضلوا بعده أبداً، كتاب الله وسنتي) وأهل السنة والجماعة يقولون: إن أهل السنة والجماعة هم أهل الحديث، فهل يقصدون بهذا الذين سمعوا النبي ﷺ ، كما قال أبو هريرة: (كان إخواننا الأنصار ينشغلون بالزرع، وإخواننا المهاجرين ينشغلون بالتجارة، وكنت ألزم رسول الله ﷺ على شبع بطني)، هل هؤلاء فقط هم أهل الحديث الذين شرفهم الله جل وعلا بنص كلام النبي ﷺ الذين يقولون: قال رسول الله ﷺ ؟ الحديث يقصد به القرآن، ويقصد به كلام النبي ﷺ ، يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] مثاني هو القرآن الكريم، يعني: الحديث هو ما تحدث الله به لجبريل؛ فنزل به جبريل على النبي ﷺ .
إذاً: أهل القرآن هم أهل الحديث، وأهل الحديث هم أهل القرآن حفظاً واستظهاراً وفقهاً ودراسة ومنهجية وعلماً وتعليماً، (خيركم من تعلم القرآن) هذا على الإطلاق.
стр. 50
وسطية أهل السنة والجماعة
معنى الوسطية: العدل، قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] أي: عدولاً بين الناس.
أهل السنة والجماعة وسط بين الإفراط والتفريط في باب الأحكام والوعد والوعيد، أي: بين الخوارج والمرجئة الخوارج يكفرون بالمعصية، والمرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، وقال أهل الوسط أهل السنة والجماعة: لن ننفي عنهم مطلق الإيمان، لكن سننفي عنهم كمال الإيمان، فيخرجون من دائرة الإيمان، ولكنهم باقون في دائرة الإسلام، فالفاسق مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
أما وسطية أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات فهم يثبتون الصفات والأسماء التي أثبتها الله لنفسه، فهم وسط بين المعطلة الذين ينفون الاسم والصفة، يقولون: لا سميع ولا سمع، ولا بصير ولا بصر، ولا كريم ولا كرم، وأخف منهم المعتزلة الذين يقولون: نثبت الاسم ولا نثبت الصفة، نقول: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وبين المشبهة الذين غالوا في الصفات فشبهوا الخالق بالمخلوق، شبهوا الحق بالخلق، قالوا: سمعه كسمع الخلق، وبصره كبصر الخلق، حاشا لله من ذلك، وجاء أهل السنة والجماعة فكانوا وسطاً بين هؤلاء وبين هؤلاء: يثبتون لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من غير تمثيل.
ما الفرق بين التمثيل والتشبيه؟ أولاً: التمثيل هو الأدق في التعبير؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] هذه صيغة القرآن وهي الأدق.
ثانياً: الفارق بين التمثيل والتشبيه: أن التمثيل معناه المماثلة دون أدنى فرق.
والتشبيه واقع في أكثر الصفات لا في كل الصفات، والمشبه يضرب للصفة هيئة معينة كأنه يراها، وهذا بهتان عظيم على الله جل وعلا، فأنت تكيف صفة من رأيته، أو من حدثك الثقة أنه رآه، أو أنك رأيت مثله، والثلاثة منفية عن الله جل وعلا، فأنت ما رأيته، وما حدثك الثقة -وهو رسول الله ﷺ عن كيفية الصفة، ولا رأيت مثل الله؛ لأنه لا مثل لله جل وعلا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
стр. 51
القرآن كلام الله
أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري ﵁ وأرضاه، هذا من طبقة فحول العلماء، وسفيان الثوري ثقة، بل أمير المؤمنين في الحديث رافع راية السنة، صاعقة في الحفظ، وكان فقيهاً إماماً حجة، وكان له مذهب لكن أصحابه لم يحملوه وهو كوفي الأصل.
ومن طرائف طلبه العلم: أن أمه قالت له: اجلس في مجلس التحديث وأنا أغزل عليك.
قال المصنف: [أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباد قال: حدثنا أبو الفضل شعيب بن محمد بن الراجيان قال: حدثنا علي بن حرب الموصلي قال: سمعت شعيب بن حرب يقول: قلت لـ أبي عبد الله سفيان الثوري: حدثني بحديث من السنة ينفعني الله به، فإذا وقفت بين يدي الله ﵎ وسألني عنه فقال لي: من أين أخذت هذا؟ قلت: يا رب! حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري وأخذته عنه، فأنجو أنا وتؤخذ أنت.
فقال لي: يا شعيب! اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
من قال غير هذا فهو كافر].
стр. 52
تعريف القرآن لغة واصطلاحاً
القرآن لغة: مصدر قرأ يقرأ قراءة أو قرآناً، هذا في اللغة، ثم بعد ذلك أنزلها أهل العلم على كلام الله جل وعلا المختص به الذي نزل به جبريل على النبي ﷺ .
وفي الاصطلاح: هو كلام الله المعجِز -اسم فاعل- المتعبد بتلاوته، المنزل على محمد ﷺ ، فهو كلام الله الذي أعجز به البشر أن يأتوا بمثله أو بآية أو بسورة منه.
المتعبد بتلاوته: ليخرج حديث النبي ﷺ والحديث القدسي؛ لأنه من الله معنى واللفظ من الرسول ﷺ ولا يتعبد به.
كلام الله: إضافة الصفة إلى الموصوف، فإن الله تكلم بهذا القرآن، وسمع جبريل من الله جل وعلا هذا الكلام، ونزل به إلى الرسول ﷺ ، فالقرآن كلام الله، وأي مبتدع قال بأنه مخلوق فهو على دائرة كفر.
стр. 53
الأدلة من الكتاب على أن القرآن كلام الله
الأدلة على أن القرآن كلام الله ثابتة في الكتاب ثم السنة ثم العقل.
أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فتكليماً هنا مفعول مطلق مؤكد للعامل -الفعل-، وأهل اللغة يقولون: إن المفعول المطلق إذا أتى مؤكداً للفعل فهو يثبت ما سبق من الفعل، كما تقول: قتلهم تقتيلاً، فإذا قلت: قتلت فلاناً فيحتمل أنك أزهقت روحه، أو أتعبته جداً، أو أبلغت منه الجهد فلكي تقطع الأمر بدون احتمال تقول: قتلته قتلاً، فهذا نص في أن هذا إزهاق للروح، كذلك ((كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)) [النساء:١٦٤] أي: الكلام الذي يعلم معناه بصوت وحرف.
إذاً: الآية الأولى فيها إثبات أن القرآن كلام الله جل وعلا، وأن الله هو المتكلم، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
جاء بعض المعتزلة أهل البدعة والضلالة إلى أحد القراء السبعة فقال: أريدك أن تقرأ هذه الآية: (وكلم اللهَ) بفتح لفظ الجلالة لا بالرفع، ليكون لفظ (الله) مفعول به، فقال: إن فعلت فماذا تفعل بقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، فبهت المعتزلي.
إذاً: فـ ﴿كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] دلالة بنص صريح على أن الله يتكلم، وأن القرآن كلام الله.
الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:٧٧] إلى أن قال: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧٧] جل وعلا.
وقال عن الكفار أيضاً: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
إذاً: أهل الكفر لا يكلمهم الله، فمفهوم المخالفة: أن أهل الإيمان لا يستوون مع أهل الكفر فلا يكلمهم الله.
فالفارق بين أهل السنة والجماعة: أن الله يشرف أهل السنة والجماعة وأهل الإيمان بالكلام منه جل وعلا.
الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] كلام الله إضافة صفة إلى موصوف، الشاهد من هذا: أن القرآن كلام الله، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] إضافة الصفة إلى الموصوف.
стр. 54
الأدلة من السنة على أن القرآن كلام الله
أمَّا من السنة: فقال رسول الله ﷺ : (إن الله يكلم أهل الجنة فيقول: يا أهل الجنة! هل رضيتم؟).
وقال النبي ﷺ : (إذا أراد الله أن يتكلم بالوحي سمعت الملائكة صوته كسلسلة على صفوان -ترتعد قلوب الملائكة- فيخرون سجداً لله جل وعلا، ثم يفيقون ويقولون: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله إذا أحب عبداً نادى في السماء: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه فينادي جبريل في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، ثم يوضع له القبول في الأرض)، الشاهد: أن الله ناداه، والنداء معناه الكلام، ونثبت بعد ذلك أنه بصوت الحق.
والأحاديث كثيرة جداً في أن الله جل وعلا يتكلم، وأن القرآن كلام الله، كما قال النبي ﷺ : (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) وجه الدلالة من الحديث: أن القرآن كلام الله، وقد منع من الاستعاذة بغير الله جل وعلا، ومن استعاذ بغير الله أشرك، فهل يقع النبي ﷺ في الشرك؟ فإذا استعاذ النبي ﷺ بكلمات الله فقد استعاذ بصفة من صفات الله جل وعلا، وكلمات المضافة إلى الله صفة مضافة إلى الموصوف.
إذاً: الكتاب والسنة يدلان على أن القرآن كلام الله جل وعلا.
стр. 55
الأدلة العقلية على أن القرآن كلام الله
أما العقل: فالأخرس أو الساكت لا يتكلم لا بخير ولا بشر، فليس بأكمل من المتكلم، إذاً المتكلم كامل الصفات فإذا قلت: إن له صفات هل له صفات النقص أم صفات الكمال؟ فإذا قلنا بالعقل: إن الله جل وعلا له الكمال والجلال المطلق وصفات الكمال، فمن صفات الكمال أن يكون متكلماً؛ لأنه إذا لم يقدر على الكلام فإن هذا نقص، ألم تروا أن الله جل وعلا أنكر على بني إسرائيل أنهم عبدوا العجل، والعجل لا يتكلم ولا يرجع إليهم قولاً، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف:١٤٨]، وقال: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه:٨٩]، إذاً الله جل وعلا بين لهم أنه إذا لم يتكلم فهو ناقص، والله جل وعلا له الكمال المطلق والقدرة على الكلام.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢٠] فجعل القول قول الرسول الكريم وهو جبريل، وفي الآية الأخرى جعله من قول النبي محمد ﷺ ، فالله جل وعلا نسب القول له على أنه مبلغ عن الله جل وعلا؛ لأنه هو الذي يبلغ عمن أرسله، فهو رسول والصفة هذه هي التي تحل الإشكال: ((لَقَوْلُ رَسُولٍ)) [التكوير:١٩] ونسبته إلى النبي ﷺ ، وليس النبي ﷺ هو القائل بل هو الناقل عن الله جل وعلا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] فإن قال قائل: نزل به بعدما سمع من الله جل وعلا وحفظه فنزل به.
ف
الجواب
ماذا تقول في قول الله جل وعلا ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢] والله لا يتوفى ولكنه أمر ملك الموت، كما تقول: بنى عمرو بن العاص الفسطاط في القاهرة في مصر، فهل عمرو بن العاص هو الذي بناه بيديه؟ لا.
بل بأمر منه ولذلك نسب إليه.
стр. 56
معنى قول السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود
قال: (القرآن كلام الله غير مخلوق)؛ لأن الكلام غير الخلق فالكلام صفة لا تقوم بذاتها، أما المخلوق فيقوم بذاته، فالمضاف إلى الله نوعان: النوع الأول: إضافة صفة إلى موصوف، وهو ما لا يقوم بذاته، وهذا غير مخلوق كالكلام وكالرحمة وكالنعمة وكالكرم، فهل نعمة الله تقوم بذاتها وتراها تمشي وتسير وتأمر وتنهى؟ لا.
النوع الثاني: مضاف إلى الله يقوم بذاته فهذا مخلوق، مثل عيسى روح الله، فعيسى ﵇ رآه الناس أمامهم يدعوهم إلى الله جل وعلا، وهو قائم بذاته، والأوضح من ذلك: الكعبة بيت الله، فهذا إضافة شيء قائم بذاته منفصل عن الله جل وعلا، من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، أما الشيء المعنوي الذي لا يقوم بذاته فهو غير مخلوق؛ لأنه إضافة صفة إلى موصوف.
وقال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، وواو العطف -في الأصل- للمغايرة، فيكون الخلق غير الأمر، والأمر هو الكلام، والخلق هو أثر الفعل المترتب عليه، يقول الله جل وعلا: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧]، المكون هذا هو المخلوق، وأثر كلمة (كن) غير مخلوق.
(منه بدأ) أي: الله جل وعلا هو الذي ابتدأ الكلام، وهذه صفة أزلية أبدية قديمة.
(وإليه يعود) هذه إشارة إلى علامات الساعة، وأن الله جل وعلا يوم القيامة يقبض القرآن من الصدور ومن السطور يقبضه من الصدور بقبض الحفظة، ومن السطور من المصاحف، فلا يبقى على وجه الأرض مصحف فيه ذكر الله جل وعلا، بل لا يبقى واحد يقول: الله الله، ولن تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، وتهدم أيضاً الكعبة، نسأل الله العفو والعافية.
стр. 57
ضوابط التكفير
قال الثوري: (من قال غير ذلك أو من قال غير هذا فهو كافر) هذا الكلام فيه إيهام شديد يرجع إلى الكلام على الإيمان والكفر، لكن عندنا قاعدة وضابط في مسألة التكفير؛ إذ الكفر من أشد ما يكون، ولا بد أن يتحرى طالب العلم في هذه المسألة، ولا ينطلق هذه الانطلاقة الخبيثة التي تخرج الناس من دائرة الدين؛ لأن النبي ﷺ قال: (من قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما)، فالمسألة صعبة جداً، وطالب العلم المدقق المحقق هو الذي يتكلم فيها، فهذه المسألة فيها طرق ثلاث: الطريق الأول: أن تثبت أن عين الفعل كفر بالكتاب وبالسنة، وألا يكون في الفعل خلاف بين العلماء في حال من الأحوال.
الطريق الثاني: أن القول قول كفر، والفعل فعل كفر، والقائل أو الفاعل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة.
الطريق الثالث: إذا زالت الشبهة، وقامت الحجة؛ نطلق الحكم، فنقول عن هذا الرجل: كافر.
السؤال
هل إلقاء المصحف كفر أو لا؟
الجواب
إلقاء المصحف ليس بكفر حتى نستدل بالإلقاء على أنه مستهزئ مستهين؛ لأن المسألة مسألة استهزاء وتعظيم، ولأن المخبر ليس كالمعاين، فهذا موسى ألقى الألواح وكسرها وما عاتبه الله جل وعلا، فنقول: عين الفعل كفر، والإلقاء لا بد أن يكون مقروناً بالاستهزاء حتى ننزل على الفاعل الحكم بالكفر.
ومسألة خروج المرء من الملة، ليست هينة، بل لا بد من طالب علم متقن مدقق يتحدث عنها، وليس كل من هب ودب يتكلم فيها؛ لأن هذه المسائل دقيقة، والنبي ﷺ يقول: (فقد باء بها أحدهما)، فلا يتكلم في هذه المسائل إلا طالب العلم المحقق المدقق، وتعرفونه بطرح مسائل العلم عليه والنظر في كيفية استدلاله وفهمه للدليل، فهذا هو الذي تأخذ منه هذا القول بالكفر أو غيره.
إذاً: (من قال بغير هذا) أي: إن القرآن مخلوق فهو كافر.
نقول: القول قول كفر، والفعل فعل كفر، والقائل أو الفاعل ليس بكافر حتى نقيم عليه الحجة ونزيل عنه الشبهة، وتنتفي الموانع وتتوافر الشروط.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 58
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة- الإيمان
الإيمان قول وعمل ونية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، وكما هو معتقد الفرقة الناجية والطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة.
стр. 59
الإيمان
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد:
стр. 60
الإيمان في اللغة
قال المصنف ﵀: (والإيمان قول وعمل ونية، يزيد وينقص).
الإيمان في اللغة: هو التصديق كقول الله تعالى عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، ويتعدى بالباء ويتعدى باللام ويتعدى بنفسه، فيتعدى بنفسه كقولك: أمنته مقابل خوفته، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣ - ٤].
ويتعدى بالباء تقول: آمنت بالله، أي: صدقت بوجود الله، وبربوبية الله وبإلهية الله وبأسماء الله الحسنى وصفاته العلى، قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥].
ويتعدى بالباء كقولك: آمنت برسول الله، أي: صدقت بأن هذا الرسول مرسل من قبل الله جل وعلا، وهو صادق فيما يخبر به.
وتقول: آمنت لله، وآمنت لرسول الله متعدياً باللام، قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣١] أي: استسلمت لرب العالمين، فمعنى آمنت لله: انقدت واستسلمت وسلمت أمري لله، وآمنت لرسول الله: انقدت واستسلمت لرسول الله ﷺ ولشرعه ولأمره، قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦] أي: استسلم لإبراهيم لوط وانقاد له.
стр. 61
الإيمان في الشرع
الإيمان في الشرع: هو التصديق المقرون بالإذعان والقبول والاستسلام، أما المرجئة فيقولون: الإيمان هو التصديق فقط.
قال: (الإيمان قول)، أي: قول اللسان، (وعمل) أي: عمل الجوارح، (ونية) إذاً: هو قول القلب وعمل القلب.
стр. 62
زيادة الإيمان ونقصانه
الإيمان يزيد وينقص كما قال الله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦]، وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يخشى على نفسه النفاق لا يقول: إن إيمانه مثل إيمان جبريل.
فالإيمان ينقص حتى يصل إلى النفاق، ويبقى قابلاً للزيادة وللنقصان، وهذا رد على الإمام مالك.
قال: (يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا يجزئ القول إلا بالعمل)، أي: لا يقبل عند الله جل وعلا إلا بالعمل، وهذا مشكل غريب، كيف أتى سفيان الثوري بهذا الكلام والنبي ﷺ قال لعمه وهو على فراش الموت: (قل كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله) فخالف النبي ﷺ في ذلك؟ والنبي ﷺ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، وهذه الرواية متفق عليها.
الإجابة على هذا من أوجه: الوجه الأول: أن الشرائع ما نزلت في عم النبي ﷺ .
الوجه الثاني: أنه أولاً يعرض عليه الشرائع، وبعد ذلك إن قبل أسلم وإلا فلا.
الوجه الثالث: أن أحكام الدنيا من التوارث والتناكح تكون بهذه الكلمة، فإذا قال: لا إله إلا الله.
فله ما لنا وعليه ما علينا.
قال: (ولا يجوز القول والعمل والنية إلا بموافقة السنة)، ثم شرح موافقة السنة فقال: (تقدم الشيخين: أبي بكر وعمر على غيرهما يا شعيب! لا ينفعك ما كتبت حتى تقدم عثمان وعلياً على من بعدهما).
أجمع السلف على أفضلية الأربعة: وهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وهم بحسب ترتيبهم في الخلافة، وهناك طائفة قدمت علياً على عثمان منهم أبو حنيفة رحمة الله عليه، وقيل: إنه رجع عن ذلك، لكن من المتأخرين الشوكاني يقدم علي على عثمان والصحيح الراجح أن عثمان مقدم لحديث ابن عمر قال: (كنا على عهد رسول الله ﷺ نقدم أبا بكر ثم عمر ثم عثمان).
وقال عبد الرحمن بن عوف لما سأل الناس عن علي وعثمان: دخلت على النساء في خدورهن بيتاً بيتاً لا أحد يقدم على عثمان أحداً، وهذا إجماع من أفاضل الناس على أن عثمان أفضل من علي، لكن إذا قلت: توجد لديهما صفات متوازنة، فنعم علي يفوق عثمان ﵁ في بعض الصفات، لكن إجمالاً عثمان ﵁ وأرضاه يقدم على علي رضوان الله عليهم.
قال: (يا شعيب! لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار).
وهذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة: أنهم لا يشهدون لأحد بجنة ولا بنار، ولا يجزمون لأحد بصلاح، تقول نحسبه كذلك والله حسيبه، وأما القطع بالجنة فهذا تأول على الله جل وعلا، وتعالٍ على الله جل وعلا، وتقول على الله بغير علم، والله حذرنا من ذلك فقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٩]، وقال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه: أن النبي ﷺ قص لنا قصة عن رجلين من بني إسرائيل متعبد ومتعدي، فالمتعبد كان يمر على المتعدي ويقول له: ارجع، اتق الله في نفسك يغفر الله لك، ويبقى على المعصية مرة ثانية، وثالثة ثم قال له: والله لا يغفر الله لك، فقال: فجمعهما الله جل وعلا وقال: من ذا الذي يتألى علي؟ قد غفرت له وأحبطت عملك، فالذي جزم لغيره بأن الله لا يغفر له، ويتألى على الله جل وعلا فقد خرق الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله جل وعلا.
стр. 63
الأسئلة
стр. 64
حكم طلب المسلم من النصراني الدعاء
السؤال
ما الحكم لو قال مسلم لنصراني: ادع لي معك على اعتقاد أن النصراني على دين الحق، وأن الله يقبل هذه العبادة؟ وما حكم جلوس السامعين لهذا الكلام منه؟
الجواب
إن كان يعرف أن الله كفر النصارى في القرآن كفر، وإن كان لا يعرف تأخذ المصحف وتقرأ عليه قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، وقل له: انظر كيف كفرهم الله في الكتاب، فلو قال لك: لا هم أهل الكتاب، فقل له: أنت معهم مخلد في نار جهنم، وإن كان يقول ذلك مستهزئاً، فحق له أن يستهزئ بهؤلاء الضلال، ترى الرجل منهم يقف أمام ربه ويتبول ويشرب الخمر، الصلاة عند النصارى هي أن تستحضر المسيح، وتتكلم باسم كذا كذا من الكفر المبين الذي يتكلمون به، والصلاة عندهم أكل وشرب خمر وتبول وهو يصلي، المهم أن يقول: أنا أفعل ذلك لنقاء روحي؛ لأنه تذكر المخلص المسيح! أما حكم القاعدين الذين سمعوا هذا الخبر فلا بد عليهم أن ينكروا على الذي قال بالدعاء بهذا التفصيل، ويدعو هذا الصليبي إلى الإسلام، إلا إن كانوا أجانب ولهم لغة غير هذه اللغة، إلا إذا كان سيأخذ الكتاب ليستهزئ به.
стр. 65
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - القدر - البدعة
لقد بين لنا الإسلام عن طريق الوحيين الاعتقاد الصحيح الذي لا يخالطه باطل، وهو ما كان عليه النبي الكريم ﵊ والصحابة رضوان الله عليهم من بعده، وما كان عليه سلف الأمة الصالح.
стр. 66
اعتقاد الإمام الثوري
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: نتحدث عن اعتقاد الثوري رحمة الله عليه، قال له شعيب بن حرب أخبرني بحديث عن رسول الله ﷺ يخبر أن القرآن غير مخلوق.
فأجابه الثوري فقال: القرآن كلام الله, غير مخلوق.
لم يعطه حديثاً صريحاً عن النبي ﷺ , ولكن أجابه بعدة أحكام, مستقاة ومستنبطة من أحاديث رسول الله ﷺ , وهذا فيه تلميح وإشارة من الجهبذ العالم الجليل أمير المؤمنين في الحديث: أن القصد والغرض المقصود من نصوص الكتاب والسنة هو الفهم, واستنباط الأحكام من دقة النظر في النصوص, ولذلك قال الله تعالى عن كتابه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
وكان ابن مسعود يقول: يقرءون القرآن يهذونه هذ الشعر, أي: لا يتدبرون ولا يفهمون ولا يفقهون معانيه, وأصرح الأدلة التي توضح الغرض المقصود من النصوص النبوية أو النصوص القرآنية قول النبي ﷺ : (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) أي: رب حامل فقه ليس بفقيه, وقال: (رب مبلغ أوعى من سامع) ولذلك أنكر المحدثون على يحيى بن معين شدة تحريه في التجريح والتوثيق وحفظ النصوص والأحاديث دون فقه معناها.
ويروى في ذلك أن يحيى بن معين كان مع محدث من المحدثين, فمرت امرأة فقالت: أأستفتيكم؟ فقالوا: سلي, فقالت: إن زوجي توفي ووصى أن أغسله, وإني حائض فهل أغسله؟ فقالوا لها: لا نعرف في ذلك شيئاً, فانتظري حتى يأتيك من يفتيك, فمر عليها أبو ثور الكلبي وكان فقيهاً شافعياً, فنظر في المسألة ودقق وقال: غسليه, فقد كانت عائشة ﵂ وأرضاها (ترجل شعر النبي ﷺ وهي حائض) والميت يساوي الحي في الحرمة فغسليه، فلما سمع يحيى بن معين هذه الرواية قال: نعم هذه الرواية جاءتني من طريق فلان عن فلان عن فلان, ووقفت المرأة حتى سمعت جميع الطرق وحتى انتهى منها قالت: أين كنت لما سألتك؟! ولذلك عاب الإمام أحمد وعاب كثير من المحدثين على من يروي الحديث ولا يفقه معناه.
فالغرض المقصود تدبر المعنى واستنباط الأحكام من الأدلة, ولذلك نرى سفيان العالم الفقيه المحدث, من فقهاء المحدثين, له مذهب ولكن اندثر ومن فقهه أنه ما أجاب شعيب بن حرب بنص حديث بل أجابه بأحكام مستنبطة مستفادة مستقاة من كثير من أحاديث الرسول ﷺ , فكان أول الكلام أنه قال: القرآن كلام الله, ثم قال: غير مخلوق, ومن قال غير هذا فهو كافر.
فالقرآن كلام الله, قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٦].
والشاهد قوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فأضاف الكلام إلى الله جل وعلا, والمضاف إلى الله نوعان: مضاف معنى, ومضاف ذات, فالمضاف المعنى أن الصفة تضاف إلى الموصوف, ومن ذلك إضافة الكلام إلى الله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] والكلام معنى، فهو ليس بجسم يمشي أمامك! فإذا أضيف إلى الله أو أضيف إلى أي أحد, كأن أقول: كرم محمد, فوصفت محمداً بالكرم؛ لأن هذا معنى.
فإذا قلت: كلام الله, أضفت الصفة هذه أو المعنى هذا إلى الله جل وعلا.
لكن عندما أقول: الكعبة بيت الله, والكعبة الآن نراها أمامنا قائمة بذاتها, فتضاف إلى الله إضافة تشريف.
وقالت النصارى: قال الله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] أي عيسى روح الله وهذه إضافة إلى الله جل وعلا, فاحتجوا بهذه الآية على أنه جزء من الله, حاشا لله! فنقول لهم: ماذا تفسرون قول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣] فهل كل ما في السماوات والأرض منفصلة عن الله جل وعلا أو جزء منه؟ لا أحد يقول: إنها جزء منه، بل حتى النصارى لا يقولون بهذا.
فنقول: كل ذات قائمة بنفسها إذا أضيفت إلى الله فإضافتها إلى الله إضافة تشريف.
قوله: (فهو كافر) يعني: من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر.
стр. 67
في عقيدة الثوري ذكر المسح على الخفين
قال: يا شعيب بن حرب! لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك.
في هذا مسألتان: المسألة الأولى: المسح على الخف, وهي مسألة فقهية، والذي جعله يدخلها في باب الاعتقاد أنها سنة متواترة, فتكون مسألة اعتقادية وهي: إنكار المتواتر, أو منكر السنة التي جاءت بالآحاد.
ومنكر المتواتر هو الذي: أنكر ما هو قطعي الدلالة مثل القرآن, فالقرآن قطعي الدلالة؛ لأنه وصل إلينا بالتواتر, والسنة قطعية الدلالة؛ لأنها وصلت إلينا بالتواتر, فالذي ينكر المتواتر يكفر وهذه قاعدة؛ لأنه أنكر ما أجمعت عليه الأمة.
فمن أنكر المسح على الخفين يكفر؛ لأن المسح على الخفين جاء من طريق التواتر.
ثم فرع عليها مسألة فقهية نعرج عليها ونمر مرور الكرام, فإن كنت قد ارتديت الخفين على طهارة وتوضأت ثم وصلت إلى رجلك, هل تخلع الخف وتغسل أم تمسح؟ قال بعض العلماء: الغسل أولى وكان ابن عمر يفعل ذلك, وكان يقول: أنا مولع بغسل رجلي, وبعضهم يقول: تمسح, وفصل شيخ الإسلام ابن تيمية المسألة فقال: إن كان قد خلع الخفين يغسل وإن لم يخلع يمسح وهذا هو الأفضل، وأي مسائل فيها خلاف فالأيسر هو الأفضل.
стр. 68
في عقيدة الثوري ذكر الإسرار بالبسملة
قال: يا شعيب بن حرب! لا ينفعك ما كتبت حتى يكون إخفاء ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] في الصلاة أفضل عندك من أن تجهر بها.
وهذه أيضاً لا تدخل في الاعتقاد, وهي مسألة فقهية, ولكن نعرج عليها أيضاً مرور الكرام، البسملة من الفاتحة بالدليل الثابت أن النبي ﷺ قال: (السبع المثاني الفاتحة)، وقال: (﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] آية منه) فمن لم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] مع الفاتحة في ركعة من صلاته فركعته تبطل, فالصحيح أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١] آية من سورة الفاتحة.
أما بالنسبة الإسرار والجهر, فقد قال جمع غفير من الصحابة وعلى رأسهم ابن عمر وابن عباس من فقهاء الصحابة بالجهر, والصحيح الراجح أن المسألة فيها إسرار وفيها جهر.
والسنة التي أميتت وأستغرب أنها ماتت أن كل الأئمة لا يصلي جهراً على الدوام, فهذه ليست بسنة, وفي هذا إماتة للسنة, بل إحياء السنة أنه يجهر تارة ويسر تارة, والأغلب الإسرار؛ لأن الذين رووا الجهر رووا أنه أسر, لكن من السنة أن يجهر بها أحياناً.
стр. 69
مراتب القدر
ثم قال: يا شعيب بن حرب! لا ينفعك الذي كتبت حتى تؤمن بالقدر خيره وشره, وحلوه ومره, كل من عند الله .
القدر هو قدرة الله, وسر من أسرار الربوبية, استأثر الله بعلمه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
ولا يستقيم إيمان عبد حتى يؤمن به؛ لأنه ركن من أركان الإيمان.
وحتى يستقيم إيمان العبد بالقدر لا بد أن يؤمن بالقدر، وهو على أربع مراتب: المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله الشامل, والإيمان بأن الله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون.
المرتبة الثانية: الإيمان بالكتابة, وأن الله كتب كل شيء, والكتابة على مراحل: كتابة في اللوح المحفوظ, كما قال النبي ﷺ : (إن الله لما خلق القلم قال له: اكتب, قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة).
المرحلة الثانية: الكتابة العمرية, وهي عندما يأتي الملك يقول: يا رب! ذكر أم أنثى؟ يا رب ما العمل؟ يا رب! ما العمر؟ ويكتب ما يؤمر به.
الكتابة الثالثة: الكتابة العامية أو الكتابة الحولية كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، وقال عنها: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]، قال ابن عباس: يكتب أهل الحج والأموات والأحياء في هذا العام.
المرحلة الرابع: الكتابة اليومية: كتابة الملك الذي معك, فكل عبد معه رقيب وعتيد.
المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر: المشيئة, ومشيئة الله عامة, إن شاء الله شيئاً كان وإن لم يشأ لم يكن.
المرتبة الرابعة: الخلق.
إذاً: علم, فكتابة, فمشيئة, فخلق, هذا إجمال الكلام على القدر.
ثم فصل سفيان أيضاً فقال: يا شعيب بن حرب! تالله! ما قالت القدرية ما قال الله.
(ما) الثانية ليست نافية, بل هي اسم موصول, والمعنى: والله! ما قالت القدرية الذي قاله الله, فقد خالفت قول الله وخالفت قول الملائكة وخالفت قول المؤمنين.
ثم ارتقى وقال: حتى خالفت صاحبهم إبليس.
القدرية هم الذين يقولون: إن القدر علم فقط، فينكرون مراتب القدر الأخرى، وعندهم أن الله جل وعلا لا يعلم فعل العبد إلا بعدما يفعله العبد، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣] الشاهد قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] أي: أن الله بيده الإضلال والهداية, وهم ينكرون ذلك, ويقولون: الذي ضل ضل بفعله, والذي اهتدى اهتدى بفعله, والله يكذبهم ويقول: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] وأنا أوضح نقطة مهمة جداً وهي: ليس الفرار من الكلام على الجبرية أن نقول: إن الله ما أجبر العبد على فعل, هذا ليس بصحيح.
فالصحيح الراجح: أن الله جل وعلا أجبر الفاسق أن يكون فاسقاً, لكن بعد أن أحب الفسوق وفضل الفسوق على الهدى, فالله جل وعلا ختم على قلبه، وفتح عليه باب الفسوق, لكن القول بأن الله علم أن هذا الفاسق فاسق فكتبه في اللوح المحفوظ فاسق بعلم الله فقط, فهذا ليس إجباراً, وإنما هو علم أنه فاسق؛ لأنه يعلم ما يكون, فعلمه أنه فاسق فكتبه في اللوح المحفوظ.
والقدرية على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: الذين ينفون علم الله جل وعلا, وأن الله لا يتحكم بفعل العبد, ولا يتحكم في إرادة العبد, فالعبد هو الذي يتحكم في إرادته، وله إرادة مستقلة، وعندهم أن العبد خلق أفعاله بنفسه.
فنقول: إن الله يتحكم في أفعالنا، لكنه يتحكم في أفعال العباد لحكمة، والله حكيم ويضع الشيء في موضعه, والله جل وعلا له المشيئة العامة، فكل شيء تحت حكمته, والله جل وعلا يقول: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان:٣١].
لمعترض أن يقف ويعترض ويقول: لماذا أنا لم يشأ الله جل وعلا أن يدخلني في رحمته, وأدخل فلاناً وفلاناً في رحمته؟ فنقول له: انظر إلى ختم الآية أو انظر إلى سابقتها قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]، فهو يعلم أنك لست أهلاً للهداية.
فالله حكيم يضعك في موضعك, قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦].
ولذلك قال الله تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] وهذا إثبات أن الله تحكم فيه وأجبره على الفسق لكن بعدما زاغ هو, وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] فأغلق الله قلوبهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] لم؟ لم لا يؤمنون؟ أيضاً قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، كذلك قال الله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٥]، والتصريح هنا (فتنتك) أولاً ثم التصريح في الآية ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٥٥]، فالإضلال والهداية بيد الله جل وعلا, وكما قال الله على لسان نوح ﵇: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] فالله سيغويهم ولا يصح القول بأن الله تحكم في إراداتهم فالله ظالم, حاشا لله, فالله حرم على نفسه الظلم, والله عادل وأعدل العادلين وأحكم الحاكمين, ومن حكمته وعدله أنه يضع الضلال فيمن يستحق الضلال.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف:٨٩].
ووجه الشاهد قوله: (يشاء ربنا) وفيه إثبات مشيئة الله جل وعلا.
وقال أهل الجنة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ [الأعراف:٤٣] أي: أن الهداية والإضلال بيد الله جل وعلا, وقال أهل النار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] فالشقاء قد كتب في اللوح المحفوظ عليهم, وهذا هو وجه الشاهد.
وخالفوا قول أخيهم إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] فأثبت أن الغواية بيد الله.
стр. 70
أقسام البدعة
قال: يا شعيب! لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر, والجهاد ماض إلى يوم القيامة.
من أصول أهل السنة والجماعة: الصلاة خلف الفاسق والفاجر والمبتدع.
لكن البدعة على قسمين: بدعة مكفرة, وبدعة مفسقة, والصلاة تجوز خلف إمام البدعة المفسقة لا البدعة المكفرة, وأصل ذلك من السنة أن النبي ﷺ قال: (يأتي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا أنتم الصلاة لوقتها ثم صلوا معهم) كما كان يفعل ذلك أنس ﵁, فقد كان يصلي بالبيت في أول وقت الصلاة وعندما يصلي أمراء بني أمية -وهم كانوا يؤخرون الصلاة- كان يصلي معهم, والعلماء ضربوا لذلك أروع الأمثلة، مثل ابن عمر وأنس مع أظلم أهل الأرض في ذلك العصر وهو الحجاج، وكان الصحابة يذلون في عصر هذا الرجل الطاغية الأرعن, فكانوا يصلون خلفه, والوليد بن عقبة كان أميراً على الكوفة وكان يصلي خلفه ابن مسعود , فصلى خلفه فصلى بهم الوليد الفجر أربعاً, فبعدما انتهى من السلام استدار عليهم وقال: أزيدكم, فقال له ابن مسعود: مازلنا معك في زيادة, وقد صلى بهم مخموراً! ووجه الشاهد أن المخمور لا يكون إماماً, وهذا فسق ومخالفة لشرع الله جل وعلا.
стр. 71
الجهاد ماض إلى يوم القيامة
قال: (والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة).
النبي ﷺ قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيام) فالأمة لن تعز إلا بالجهاد؛ لأنه فاصل بين أهل الكفر وأهل الإسلام, وقال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله).
стр. 72
إثبات صفة اليد
قال: يا شعيب بن حرب! إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن هذا الحديث فقل: يا رب! حدثني بهذا الحديث سفيان بن سعيد الثوري , ثم خل بيني وبين ربي .
قوله: وقفت بين يدي الله, إثبات لصفة من صفات الله جل وعلا ألا وهي صفة اليد, وهي صفة ذاتية, ومعنى الصفة الذاتية أنها أزلية أبدية لا تنفك عن الله جل وعلا, وهذه الصفة تسمى صفة خبرية, وضابطها أن مسماها عندنا أجزاء وأبعاض.
فالعين جزء مني، فإذاً تكون صفة لله جل وعلا خبرية؛ لأن مسماها عندي بعض وكذلك الرجل واليد, وهذه الصفات خبرية لأن مسماها عندنا أبعاض وأجزاء.
صفة اليد صفة ذاتية خبرية, ومعنى خبرية أي لا يمكن إعمال العقل فيها, ولو لم يرد النص بها لا يمكن أن نثبتها لله جل وعلا.
والصفات الفعلية يقرها العقل؛ لأنك تقول: إذا فعلها العبد وكانت صفة كمال له فمن باب أولى أن يتصف الله بها, أما الصفات الخبرية فلا تثبت بالعقل, بل تحتاج إلى دليل لإثباتها.
مثلاً: صفة اليد ثابتة بالكتاب وبالسنة وبالإجماع, قال الله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، وقال الله جل وعلا: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤].
وقال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وقال تعالى: ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] وأما السنة ففي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (يد الله ملأى لا يغيضها نفقة, سحاء الليل والنهار، يخفض ويرفع) .
وفي حديث رؤية أهل الجنة لربهم قال النبي ﷺ : (ثم يرفع الحجاب فيرون الله جل وعل) فينظرون إلى وجه الله, ولا يتنعمون نعيماً مثل هذا النعيم, نسأل الله أن يرزقنا وإياكم هذا النعيم.
وأجمع سلف الأمة على أن الله جل وعلا له يد, وكيفيتها مفوضة إلى الله جل وعلا, لا نعلمها، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ولابد من الإجابة عن بعض إشكالات.
الإشكال الأول: أن الله جل وعلا قال: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فأثبت أن له يداً واحدة, ثم قال الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وقال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] فأثبت اثنتين, ثم قال: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] فهل لله يد واحدة أم يدان أم ثلاث أم أربع أم خمس أم أكثر من ذلك؟
الجواب
قوله: (يد الله فوق أيديهم) (يد) مفرد مضاف: يد الله, والمفرد المضاف يعم -كما يقول أهل الأصول- المفرد هنا أو الواحدة لا تخالف الجمع في قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١].
وكيف نجمع بين الاثنين والجمع؟ كما قال الله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤].
و
الجواب
أن قول الله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] ليس للجمع ولكنه للتعظيم, ثم قال سفيان: إذا سألك الله جل وعلا فخل بيني وبين ربي.
وهذا فيه إثبات أيضاً للبعث قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ) [التغابن:٧] فأثبت الوقوف بين يدي الله جل وعلا, وهذا مصرح به في الأحاديث الكثيرة كما سنبين أن النبي ﷺ قال: (يقف الله جل وعلا يكلم العبد ليس بينه وبينه ترجمان) يقف العبد بين يدي ربه يذكره, يقول: عبدي! أما تذكر ذنب كذا؟ ويقرره بذنوبه, فيقول العبد: أي رب! أي رب! فينظر العبد أيمن منه وأشأم منه لا يجد إلا النار، فلا يجد إلا ما قدم، فيظن أنه قد هلك, فيأتي الرحيم ويلقي عليه ستره, ويقول: عبدي قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها لك اليوم في الآخرة، نسأل الله أن نكون منهم, آمين يا رب العالمين.
أقول قولي هذا, وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 73
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الصبر
الصبر صفة عظيمة وخصلة جليلة يتصف بها العبد المؤمن، فمن أوتي الصبر فقد أوتي الخير كله، فهو خير في الدنيا بأن يحمل العبد على الصبر على أوامر الله والصبر عن حدوده ومناهيه، وهو خير في الآخرة؛ لأن الله يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب.
стр. 74
تعريف الصبر وأقسامه
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف ﵀: [قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم, وقل بما قالوا, وكف عما كفوا].
الصبر في اللغة: حبس النفس، وفي الاصطلاح: حبس النفس على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله جل وعلا.
والصبر قسمان: صبر اضطراري, وصبر اختياري.
الصبر الاضطراري هو: صبر على أقدار الله جل وعلا, لا يبتلي الله عبداً بمصيبة فيصبر عليها إلا وله الأجر في الدنيا وله الرضا في الآخرة, قال النبي ﷺ كما في حديث الترمذي: (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم, فمن رضي فله الرضا, ومن سخط فعليه السخط).
وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] هذا في الدنيا، وفي الآخرة له الجنة كما في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير, إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).
والصبر الاختياري: صبر عن معصية الله جل وعلا, أن تصبر عن الزنا وعن المقامرة, أن تصبر عن أي فاحشة عن محارم الله جل وعلا, وقال بعض مشايخنا: الصالح حقاً من صبر عن المعاصي, لا من صبر على الطاعة, مع أن الراجح لدي أن الذي يقيم الطاعات ويقع في الزلات أفضل من الذي يمنع نفسه من الزلات ولا يقيم الطاعات، وبالإجمال فإن الصبر عن المعصية أن تصبر وتمنع نفسك عن أن تتعدى حدود الله جل وعلا.
والصبر على الطاعة كأن تصبر على إقامة الصلاة، وعلى إيتاء الزكاة، وعلى طلب العلم، وعلى الجهاد في سبيل الله جل وعلا.
والصبر الاختياري أفضل من الصبر الاضطراري, فصبر يوسف على المرأة أفضل من صبره على السجن, قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وصبره عن إتيان المرأة أفضل بكثير من صبره على السجن؛ لأن الصبر على السجن صبر اضطراري على أقدار الله جل وعلا, والصبر على إتيان الشهوات صبر اختياري.
قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة, وقد فصلنا القول في السنة, وقد تعهده وأرشده إلى الصبر على السنة؛ لأن أهل السنة غرباء كما قال النبي ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء) والغرباء هم الذين يتمسكون بسنة النبي ﷺ , ويحيون ما مات من سنة النبي ﷺ , والذين يصلحون حين يفسد الناس.
ثم قال: واسلك سبيل السلف الصالح, وقد شرحنا معنى السلف.
ثم قال: وكان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة, يقصد بها بدعة خلق القرآن.
стр. 75
تعريف الصبر وأقسامه
اصبر نفسك: الصبر: حث النفس في اللغة، وفي الاصطلاح: حث النفس على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله جل وعلا.
والصبر قسمان: صبر اضطراري, وصبر اختياري.
الصبر الاضطراري هو: صبر على أقدار الله جل وعلا, لا يبتل الله عبداً بمصيبة فيصبر عليها إلا وله الأجر في الدنيا وله الرضى في الآخرة, قال النبي ﷺ كما في حديث الترمذي: (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم, فمن رضي فله الرضا, ومن سخط فعليه السخ) وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] هذا في الدنيا، وفي الآخرة له الجنة كما في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير, إن أصابته سراء شكر وذلك له خير, وإن أصابته ضراء صبر وذلك له خي).
والصبر الاختياري: صبر عن معصية الله جل وعلا, أن تصبر عن الزنا وعن المقامرة, أن تصبر عن أي فعل أي فاحشة عن محارم الله جل وعلا, وقال بعض مشايخنا: الصالح حقاً من صبر عن المعاصي, لا من صبر على الطاعة, مع أن الراجح لدي أن الذي يقيم الطاعات ويقع في المزلات أفضل من الذي يمنع نفسه من المزلات ولا يقيم الطاعات وبالإجمال فإن الصبر عن المعصية أن تصبر وتمنع نفسك عن أن تتخطى حدود الله جل وعلا.
والصبر على الطاعة: كأن تصبر على إقامة الصلاة، وعلى إيتاء الزكاة وعلى طلب العلم وعلى الجهاد في سبيل الله جل وعلا.
следующие страницы →