← Акыда

Акыда · id 37435

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (838 стр.). Показаны 806–838 · переход к 811.

стр. 806

فضل العشرة المبشرين بالجنة نعتقد اعتقاداً جازماً -لأن هذا من باب الاعتقاد- أن الذي يتلو الخلفاء في الفضل باقي العشرة المبشرين بالجنة؛ الذي جمعهم النبي ﷺ في حديث واحد كما في مسند أحمد عن عبد الرحمن بن عوف بسند صحيح قال: قال رسول ﷺ : (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) هؤلاء العشرة بشرهم النبي ﷺ أنهم في الجنة وهم يمشون بين أظهر الناس. وفي رواية أخرى: دخل رجل على المغيرة بن شعبة ودخل أيضاً سعيد بن زيد، وهو أحد المبشرين بالجنة، فقام الرجل يتكلم عما حدث من الفتن بين الصحابة, فقال له: اسكت أيسب صحابة رسول الله وأنا جالس؟! سمعت أذني ورأت عيني أن رسول الله ﷺ قال: (عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة)، ثم سرد تسعة دون أمين هذه الأمة أو دون عبد الرحمن بن عوف، لكن الحديث الأول هو الأتم ففيه ذكر العشرة الذين ذكر النبي ﷺ أنهم في الجنة.

стр. 807

من فضائل سعد بن أبي وقاص سعد بن أبي وقاص هو أفضل الناس بعد الخلفاء الأربعة، قال فيه النبي ﷺ : (سعد خالي، ليريني أحدكم من خاله!) يتشرف بأنه خاله من الرضاعة ﵁ وأرضاه. وقال علي بن أبي طالب كما في الصحيح: ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد إلا لـ سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه, نثر له كنانته ثم قال له: (ارم سعد! فداك أبي وأمي). وفي الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها: (أن النبي ﷺ في ليلة أرق فقال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني، فسمع صوت السلاح في الخارج، فقال: من؟ فقال: سعد بن أبي وقاص؛ جئت لأحرس رسول الله ﷺ ، فدعا له النبي ﷺ .

стр. 808

من فضائل طلحة ومن المبشرين بالجنة طلحة الذي فدى بروحه نفس النبي ﷺ ، وما قاتل مع النبي ﷺ أحد مثلما قاتل طلحة، في غزوة أحد فر كثير من الصحابة وبقي رسول الله ومعه طلحة وسعد بن أبي وقاص , فـ سعد بن أبي وقاص يرمي بالنبل وطلحة ينافح عنه بالسيف، ثم قال النبي ﷺ : (من يصد عنا القوم من المشركين وهو رفيقي في الجنة؟ فقام طلحة، فقال له النبي ﷺ : اجلس، ثم قال للأنصار: من ينافح عن رسول الله وهو رفيقي في الجنة؟ وكانوا عشرة فقام واحد تلو الآخر حتى قتلوا جميعاً ﵃ وأرضاهم، وكان طلحة يقول: يا رسول الله! لا ترفع رأسك، لا يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله, ثم قاتل ونافح عن رسول الله بالسيف، وصد السيوف التي تأتي على رسول الله بيده حتى شلت, فسقط على الأرض، فجاء أبو بكر وعمر فقال رسول ﷺ : دونكم صاحبكم فقد أوجب) يعني: أوجب الجنة بما فعله، وجاء في بعض الروايات أنه ما قاتل أحد مثلما قاتل طلحة وسعد بن أبي وقاص يوم أحد.

стр. 809

من فضائل الزبير الزبير هو أول من أشهر سيفاً في سبيل الله في مكة، وذلك عندما سمع أنه قد أصيب رسول ﷺ ، فأشهر سيفه وخلص إلى رسول الله، فلما علم رسول الله الخبر دعا له، ودعا لسيفه, وفي الصحيح: (أن النبي ﷺ انتدب رجلاً من صحابته يوم الخندق أن يأتيه بخبر القوم دون أن يؤلب عليه الناس، فقام الزبير فذهب فأتى بالخبر، فقال رسول الله ﷺ حينئذ: لكل نبي حواري وحواريي الزبير) , وفي رواية قال: (أنت حواريي وابن عمتي) ﵁ وأرضاه.

стр. 810

من فضائل عبد الرحمن بن عوف عبد الرحمن بن عوف إيمانه يعدل نصف إيمان الأمة، كان حليماً، وكان مستشاراً لـ عمر بن الخطاب، وقد اشتد رسول الله على سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه بسبب عبد الرحمن بن عوف، حدثت مشادة بين عبد الرحمن بن عوف وبين خالد بن الوليد ﵄، فاشتد خالد على عبد الرحمن، فقام النبي ﷺ يبين فضل عبد الرحمن فقال: (لا تسبوا أصحابي)، مع أن خالداً صاحب، لكنه لا يعدل في القدر والفضل عبد الرحمن بن عوف، ورسول الله ينزل الناس منازلهم قال: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).

стр. 811

من فضائل أبي عبيدة وسعيد بن زيد أبو عبيدة بن الجراح قال فيه عمر بن الخطاب: لو كان حياً لأوصيت له, يعني: بالخلافة، وقد كان يقدمه على كثير من الصحابة، وعندما ذهب لفتح بيت المقدس ونزل إلى المخاضة فخلع نعليه وجعلهما تحت إبطيه، قال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! ما أحب أن القوم يرونك على هذه الحالة؟ فقال: لو غيرك قالها! يعني لأنبته وعزرته؛ لأن أبا عبيدة كان له عند عمر بن الخطاب مكانة عالية، فقد قال فيه النبي ﷺ : (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)، فمن كان مديراً لشركة أو خليفة أو أميراً وأراد أن يستعمل رجلاً فلابد أن يكون هذا الرجل متصفاً بصفتين هما: القوة والأمانة: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، وكان أبو عبيدة متصفاً بالقوة والأمانة، وكان أمير الجيوش في فتوحات الشام ﵁. وسعيد بن زيد كان من عشيرة عمر بن الخطاب، وهو ممن بشرهم النبي ﷺ بالجنة وهم يمشون على الأرض.

стр. 812

فضل أهل بدر والحديبية نعتقد اعتقاداً جازماً أن أفضل هذه الأمة بعد العشرة هم أهل بدر, فإذا وجدت من يسب بعض صحابة رسول الله فقل له: أفضل البشر على الإطلاق بعد العشرة أهل بدر, أما أتاك نبأ عمر بن الخطاب عندما قال: (دعني أضرب عنق هذا المنافق -يعني حاطب بن أبي بلتعة لما بعث إلى أهل مكة أن النبي ﷺ سيغزوكم -فقال له النبي ﷺ : يا عمر! وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم قد غفرت لكم). ثم نعتقد اعتقاداً جازماً بأن أفضل الصحابة بعد أهل بدر هم أهل بيعة الرضوان، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] فرضي الله عنهم بالتنصيص، وقد قال النبي ﷺ : (لن يلج النار أحد بايع تحت الشجرة)، فهؤلاء هم أهل الفضل الذين قدمهم رسول الله، وقد قدمهم قبله الله جل وعلا.

стр. 813

بعض فضلاء الصحابة

стр. 814

حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه أسد الله وأسد رسوله، قال فيه رسول الله ﷺ : (حمزة سيد الشهداء)، دخل حمزة على فرعون هذه الأمة وسمع أنه قد سب رسول الله وما كان قد آمن، لكن للحمية صفعه حتى شج رأسه، وكان حمزة من القوة بمكان، وقال: أما تعلم أنني على دين محمد ﷺ ؟! نصر الله به الدين، كان في غزوة بدر يضع ريشة نعام تفرق بينه وبين الذين يقاتلون، فقال أبو سفيان: من الذي كان يضعها، فقد فعل بنا ما لا يفعل غيره؟! وهو حمزة ﵁ وأرضاه، وما كان أحد يجابه حمزة، حتى وحشي ما قتل حمزة إلا غدراً، ولذلك ما أحب النبي ﷺ أن يرى وجه وحشي، فبعدما أسلم قال له رسول ﷺ : (قص علي كيف قتلت حمزة)، فذكر له أنه اختبأ خلف صخرة حتى طعنه برمحه، وذكر أن حمزة لقي رجلاً من المشركين فقال له حمزة: تعال إلي يا ابن مقطعة البظور؛ لينتهك حرمته، ويبين قلة قدره، قال: فضربه حمزة فكان كأمس الدابر يعني: كالليلة البارحة، قال: وعندما ضربته برمحي اقترب مني فضمني حتى وجدت منه ريح الموت، فلما قص ذلك على النبي ﷺ شق عليه أيما مشقة فقال: (لا تريني وجهك) أو كما قال ﷺ ، والحمد لله وحشي أسلم بفضل الله جل وعلا، وهو الذي قتل مسيلمة، طعنه بالحربة وقال: هذه بتلك، لكن أي حربة تعدل بقتل حمزة ﵁ وأرضاه، وقد قيل: إنه مات مخموراً، فقال عمر: قد علمت أن الذي قتل حمزة لا يسلم من شر، والله أعلم بهذه القصة، لكن نقول: هو أسلم، ويصدق عليه حديث: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقتل الكافر المسلم، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم، فيدخلان الجنة). والضحك صفة يتصف الله بها، فنثبتها من غير تعطيل ولا تشبيه، فضحك الله غير ضحك البشر، قال الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. وقد جاء في حديث آخر إثبات ضحك الله جل وعلا، وهو: (قيل: يا رسول الله! ما يضحك الرب ؟ فقال: أن تقتل مقبلاً غير مدبر، فقال رجل: أيضحك ربنا من هذا؟ قال: نعم، قال: إذاً: لن نعدم خيراً من رب يضحك) انظروا إلى الفقه، يعني إذا كان الله يضحك فسيضحك لنا ويجعلنا من الشهداء، فالرجل صدق بصفة الضحك وقال: (أيضحك ربنا؟ قال: نعم، قال: إذاً: لن نعدم خيراً من رب يضحك، فخلع درعه وأقبل على العدو فقاتل حتى قتل شهيداً). فالله يضحك في الجهاد وأيضاً في جهاد النفس، ففي الحديث الذي معناه: (يضحك الله من الرجل الذي غلبته عينه يريد أن ينام ويقول: لا راحة لي في النوم إلا أن أقوم أناجي ربي). الغرض المقصود أن لله صفة الضحك، وهذه صفة فعلية إن شاء ضحك وإن شاء لم يضحك، وهي صفة ثبوتية، ومثلها صفة العجب، قال الله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] على القراءة الأخرى (عجبتُ) يعني: عجب الله.

стр. 815

العباس العباس ﵁ وأرضاه أثبت النبي ﷺ فضله بتوقيره وإعظامه وإجلاله لعمه، وفي الحديث: (لما مرض النبي ﷺ مرضاً فأغشي عليه، فخشي القوم أن يكون مرضه من بعض الأمراض التي كانوا يلدون المريض منها، فلدوا النبي ﷺ ، فلما أفاق النبي ﷺ وجد الدواء في فيه، فقال النبي ﷺ : من فعل بي هذا؟ لا يبقى أحد إلا لد غير العباس) توقيراً للعباس. وأيضاً قال النبي ﷺ عن العباس: (أما علمت يا عمر أن عم الرجل صنو أبيه).

стр. 816

من فضائل أمهات المؤمنين أمهات المؤمنين لهن الإعظام والإكبار والإجلال، والواحدة منهن أفضل من أم الرجل، وزوجات النبي ﷺ في الجنة، وكلهن يشتركن في أصل الفضل ويتفاوتن في الكمال، واختلف العلماء هل خديجة أفضل أم عائشة أفضل؟ أما خديجة فقد جاء في فضلها كثير من الآثار كما في الصحيح: (أن جبريل ﵇ جاء إلى النبي ﷺ فقال: بشر خديجة ببيت من قصب -يعني: من لؤلؤ- لا نصب فيه ولا صخب) , وكانت عائشة تقول: ما غرت من امرأة مثلما غرت من خديجة ﵂ وأرضها, وفي الصحيح قال النبي ﷺ : (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد) فهذا نص في محل النزاع، ويدل على أن خديجة أفضل من عائشة، لكن جاء حديث آخر جعل العلماء يختلفون في التفضيل بينهما، وهو قول النبي ﷺ : (وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) وسيد الطعام عند العرب هو الثريد، وكانت عائشة تقول: ما من امرأة من نسائه بكر غيري، وهذا أيضاً فضل لها ﵂ وأرضها, ومن فضلها المعلوم المشهور جداً مسألة الإفك، حيث أظهر الله براءتها من فوق سبع سماوات، وأنزل براءتها بآيات في القرآن تتلى إلى آخر الزمان، فيا ويل من يتهم هذه الشريفة العفيفة الصديقة! فيا ويل من غالى في التشيع وسب أصحاب رسول الله ﷺ !

стр. 817

ضلال الشيعة الشيعة يزعمون أنهم يحبون آل البيت، وهم يسخطون آل البيت، كما قال علي بن أبي طالب: حبكم أصبح لنا شيناً؛ لأنهم رفعوهم عن منزلتهم, وكان الحسن يخطب فيهم ويقول: أطيعونا ما أطعنا الله ورسوله لا لأننا من آل البيت. الرسول الله ﷺ قال: (والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، وأيضاً كان يقول النبي ﷺ : (يا عباس! يا عم رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئاً, يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً)، وقد نهى النبي ﷺ عن الغلو فقال كما في الصحيحين: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) فهو عبد الله ورسوله، وهذا فيه الوسطية بين الغالي والجافي، أما الغالي فهو الذي يرفعه إلى درجة الربوبية أو الإلهية كما فعلوا مع عيسى، فقالوا: هو ابن الله حاشا لله, أو قالوا: هو الله، فقال: هو عبد حتى ينفي الغلو, وأيضاً قال: هو رسول الله، حتى ينفي الجفاء، كما قال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] يعني: لا تقولوا: يا محمد كما تقول الأعراب، لكن نادوه بوصفه: يا رسول الله، يا نبي الله. وأيضاً في الحديث: (قدم على النبي ﷺ أناس فقالوا: أنت خيرنا وابن خيرنا، فقال لهم النبي ﷺ : قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان). أما الشيعة الروافض الخبثاء فقد غالوا في آل البيت، حتى إنهم وصلوا بـ علي أنه الإله المعبود, ولما سمع ذلك حرقهم بالنار، فزادوا ضلالاً فقالوا: لا يحرق بالنار إلا الله, فعبدوه من دون الله. والله الذي لا إله إلا هو إن الشيعة أضر على الدين من اليهود والنصارى، وأسوأ علينا من المنافقين الكاذبين الفاسقين، هؤلاء خبثاء ألهوا علياً ﵁ وأرضاه، وغالوا في أهل البيت، وهم الذين خذلوا أهل البيت, فأهل الكوفة هم الذين خذلوا الحسين بعدما بعثوا له الرسائل ليقدم عليهم، فهم سبب مقتل الحسين، وهم الذين سبوا الحسن، فقالوا له: يا مسود وجوه المؤمنين، عندما تنازل عن الخلافة لـ معاوية تصديقاً لنبوءة النبي ﷺ : (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين).

стр. 818

الولاية

стр. 819

معنى الولاية الولاية معناها لغة النصرة والمحبة, والولي هو النصير، قال الله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]. أما معنى الولاية شرعاً فهي: مرتبة ومنزلة عظيمة لعبد عند رب العباد جل وعلا تستوجب النصرة والتأييد والتثبيت عند المحن، ويشترط في هذا العبد أن يكون قد قام بالدين ظاهراً وباطناً. إذاً: للولاية شرعاً وجهان: الوجه الأول: ما يخص الرب جل وعلا من العناية بالعبد والتسديد والتثبيت والنصرة والتأييد. الوجه الثاني: ما يخص العبد أن يكون قد قام بالدين ظاهراً وباطناً.

стр. 820

كيف يكون العبد ولياً لله ؟ كيف يكون العبد ولياً لله؟ وكيف يرتقي إلى هذه المنزلة؟ قال الله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، ثم بين هذه الصفات: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] إذاً: ولي الله جل وعلا لابد أن تتوافر فيه صفتان: الصفة الأولى: كمال الإيمان ظاهراً وباطناً, وهو قول باللسان، وعمل بالجوارح، وتصديق بالجنان. الصفة الثانية: التقوى، وهي أن يعمل بطاعة الله على نور من الله -يعني على بصيرة وعلم لا على جهل- يرجو ثواب الله, وأن يجتنب محارم الله على نور من الله يخشى عقاب الله, فهو يعبد الله رغباً ورهباً, وهذا الذي امتدح الله به أنبياءه, لا كما ينسب إلى رابعة العدوية أنها قالت: ما أعبدك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، ولكن حباً فيك، وهذا كلام ساقط، فهل هي أفضل من الأنبياء؟ قال الله تعالى عن الأنبياء: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]. فالمؤمن والولي الحق هو الذي قام بدين الله ظاهراً وباطناً، ويدعو الله رغباً ورهباً، ويعمل بدين الله على نور من الله يعني: على علم لا على جهل, يرجو ثواب الله، ويجتنب محارم الله على نور من الله يخشى عقاب الله, هذا هو الولي الحق.

стр. 821

مراتب الأولياء الأولياء لهم مراتب تتفاوت كما بين السماء والأرض, وأدنى هذه المراتب: أن يقوم بالفرائض وينتهي عن المحرمات, قال النبي ﷺ كما في الصحيح: (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، ثم وصف هذا الولي فقال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، فيقوم بالواجبات وينتهي عن المحرمات، وهذه أول درجة. ثم الدرجة التي هي أعلى وأرقى أنه يتبع الفرائض بالنوافل. وهذه درجة عظيمة جداً، من منّ الله عليه بهذه الدرجة لا يسقط منها أبداً، مع أن العبد قد يعصي الله، وقد يتجرأ على محارم الله، تأتيه شهوة فيسقط مرة، فهو ليس بملك، لكن إذا أوصله الله لدرجة الولاية المحبوبية فلا يسقط منها؛ لأن الله جل وعلا يتبع له هذه السيئة بحسنة، ويلهمه التوبة؛ فيرتقي عند الله جل وعلا. قال النبي ﷺ للرجل الذي أراد مرافقة النبي ﷺ في الجنة: (أعني على نفسك بكثرة السجود)، وقال الله تعالى: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).

стр. 822

فوائد الولاية إذا ارتقى المرء إلى درجة المحبة أو المحبوبية صار ولياً لله, وله مكافأة في الدنيا وفي الآخرة, أما في الدنيا فقد قال الله تعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢] يعني: لا خوف عليهم في دينهم فلا يفتنون في الدين، ولا يفتن في دينه إلا من كان منافقاً أو في قلبه دغل، أما الخوف والحزن في الدنيا فهذا لا يسلم منه أولياء الله، وكم في السجون من أولياء الله المتقين، وليس هذا نفياً لخوفهم في الدنيا من الله، ففي الحديث القدسي: (لا أجمع لعبدي خوفين وأمنين، من خافني في الدنيا أمنته في الآخرة). إذاً: أولياء الله لا خوف عليهم في الدنيا من جهة دينهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ماذا يريدون مني؟ إن قتلوني فقتلي شهادة، وإن نفوني فنفيي سياحة, وإن سجنوني فخلوة لربي، أنا جنتي في قلبي، فهذا لا خوف عليه؛ لأن قلبه ثابت، ولو قطع صدره ورأسه بالمناشير فقلبه ثابت بالإيمان لا يفتتن، فلا خوف عليه بحال من الأحوال؛ لأنه ولي، فأعظم فوائد الولاية التثبيت, فهو مثبت من قبل الله بقلبه، ولما فزع الصحابة من فتنة القبر وهي أعظم فتنة يراها المرء أنزل الله آية تسكن قلوبهم؛ لأنهم أولياء لا خوف عليهم، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]. أيضاً: لا خوف عليهم في الدنيا من أن تستأصل شأفة المسلمين، ولو اجتمع مشارق الأرض ومغاربها على أهل الإسلام، فستبقى أمة وطائفة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم. أيضاً لا يحزنون في الدنيا حزناً يجعلهم يتقاعسون عن عبادة الله, فهذا هو الحزن المذموم, لكن قد يصابون بالهم والغم، لكن لا يصل بهم الحزن إلى أن يتقاعسوا عن عبادة الله أو يقنطوا من رحمة الله جل وعلا. قال الله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٤] , أما في الحياة الدنيا فالملائكة عند الموت تبشرهم برحمة الله ورضوان الله وجنات عند ربهم جل وعلا, وفي الآخرة يفرحون بما يرون عند الله جل وعلا. أيضاً: من المكافآت ما جاء في الحديث القدسي: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها) , ومعنى: (سمعه الذي يسمع به) أنه يكون عبداً موفقاً مسدداً من قبل الله؛ لأنه ولي لله, فأغلق عليه باب المعصية، أما سمعتم رجلاً يقول: أريد أن أدخل المسجد لأصلي لله، وما أعلم ما يمنعني، كلما أذهب أرجع؟! أما رأيتم عبداً يقول: أتقصد مكان تجمع النساء لأنظر إليهن، فما أرى أحداً منهن في الشارع؟! فهذا عبد موفق مسدد، الله جل وعلا اتخذه ولياً، فلا يرى إلا ما يحبه الله, ويعصم الله بصره من المعاصي، كما فعل الله جل وعلا مع النبي ﷺ ، ففي الجاهلية قال له عمه العباس: اخلع إزارك واحمل الحجارة، ففعل فأغشي عليه، وفي بعض الروايات أنه مر بلهو فسمع الغناء فأغشي عليه وما سمع، وإن كان في الإسناد كلام، فهو محفوظ من قبل الله جلا وعلا. أما العبد الذي خلع الله عنه الحفظ فهو يتوه ويتخبط في الأرض في معاصي الله, بينما العبد المسدد المثبت الموفق الذي اتخذه الله ولياً لا يرى إلا ما يحبه الله, (وبي يسمع) لا يسمع إلا القرآن، لا يسمع إلا مجالس العلم، لا يسمع إلا الذكر، وإن جاءته الشهوة فالله جل وعلا يذكره ما يجعله يخاف من الله فيرجع عن المعصية، وإن عصى فالله يوفقه للتوبة. (وبي يبطش) كما قال الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] وهذه لا تكون إلا لأولياء الله، فالله يغربل الناس، والنصرة ستأتي على يد قوم قال فيهم رسول الله: (لن يهزم اثنا عشر ألفاً من قلة)، فهؤلاء هم الأولياء بحق، هم الأتقياء بحق، هم الذين حققوا الدين ظاهراً وباطناً. وتمام مكافأة الولي قال: (ولئن سألني لأعطينه) , فمن رأى في نفسه أنه يحقق الدين ظاهراً وباطناً فليرفع يده، فإن الله جل وعلا حيي كريم لن يرده خائباً. (ولئن استعاذني لأعيذنه) إن استعاذه من شيء فالله يسارع فيما يرضيه. ثم قال: (وما ترددت في شيء أنا فاعله مثل ترددي في قبض روح المؤمن)، انظروا إلى مكانة الولي عند الله جل وعلا! الله اصطفاه واتخذه وليه ومع هذا يتردد في قبض روحه؛ لأنه يتردد في إساءته, انظروا كيف يسارع الله جل وعلا في مرضاة عبده الولي!

стр. 823

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - كرامات الأولياء الولاية هي النصرة، وهي كرامة يعطيها الله لعباده الصالحين، الذين يؤمنون به ويتقونه، وقد يتلاعب الشيطان بمن يجتهد اجتهاداً عالياً في العبادة وهو جاهل بأسماء الله وصفاته وتوحيده، فيبعده عن الطريق الصحيح، فمن هؤلاء الجهلة من يصل به الحال إلى أن يدعي الألوهية، أو النبوة، أو يتعلم السحر أو غير ذلك. وولاية الله لعباده الصالحين متفاوتة، وقد يكرم الله بعضهم ببعض الكرامات، وأهل السنة يثبتون الكرامات كما دل على ذلك الكتاب والسنة.

стр. 824

صفات الأولياء إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إن ولي الله له صفات لا بد أن تتوافر فيه حتى يصير ولياً لله جل وعلا، فيجني من هذه الصفات ثمرة الولاية. والولاية معناها: النصرة، ومعناها: المحبة، والولي لا بد أن تتوفر فيه صفتان حتى يوصف بأنه ولي من أولياء الله. الصفة الأولى: تحقيق الإيمان ظاهراً وباطناً. والصفة الثانية: التقوى والورع. الصفة الأولى التي لا بد أن تتوافر في ولي من أولياء الله: الإيمان الظاهر والباطن، وتحقيق الإيمان ظاهراً أي: تحقيق الإيمان بالجوارح، وتحقيق الإيمان باللسان، عن طريق الذكر الواجب، ودخول الإسلام لا يكون إلا بالتوحيد؛ بكلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتحقيق الفرائض بالجوارح. وتحقيق الإيمان باطناً أي: تحقيق الإيمان داخل القلب من التصديق والقبول واليقين والتوكل والإنابة والخشية، هذا تحقيق الإيمان ظاهراً وباطناً. وأيضاً لا بد له من صفة أخرى زائدة على هذا الإيمان وهي: التقوى، التقوى التي تحجب عن معاصي الله جل وعلا وعن المحارم، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣]، والتقوى هي: العمل بطاعة الله على نور من الله، يعني: على بصيرة وعلم، لا على جهل، وكثير من العباد تراهم على جهل بدين الله جل وعلا، وسيحاسبون على ذلك، كما سنبين أن الشيطان يتلاعب بمن يجتهد اجتهاداً عالياً في العبادة، وهو جاهل بأسماء الله الحسنى، جاهل بصفات الله، جاهل بالتوحيد الخالص الذي يقدمه بين يدي عبادته. وهكذا يتلاعب الشيطان بهؤلاء الجهلة، فلا بد أن يعمل بطاعة الله على نور من الله يعني: على بصيرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] يعني: على علم، وقال النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، فيعمل بطاعة الله على نور من الله، ويرجو ثواب الله، ويجتنب محارم الله على نور من الله، يعني: على علم وعلى بصيرة، ويخاف عقاب الله جل وعلا. إذاً: يخلط بين الخوف والرجاء: كما قال تعالى: ﴿يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقلنا: هذا التقسيم فيه رد على المتصوفة الذين يتنطعون، ويزعمون أن رابعة العدوية قالت: لا أعبدك طلباً لجنتك، ولا خوفاً من نارك. مع أن الذهبي انتصر لها وبين أن أسانيدها ليست بصحيحة. وهذا لا يهمنا في شيء، سواء صحت الأسانيد إليها، أو صح عنها أو صح عن غيرها من المتصوفة، فهذا الكلام خطأ محض، وهو مخالف لشريعة الله جل وعلا، بل أفضل الخلق على الإطلاق الأنبياء والرسل قال الله عنهم: ﴿يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: خوفاً ورجاءً، فلا بد للولي أن تتوافر فيه هذه الصفات: الإيمان الظاهر والباطن والتقوى التي فيها عمل بطاعة الله، واجتناب محارم الله جل وعلا.

стр. 825

الولاية مراتب تتفاوت مراتب الولاية لا تتوقف، بل تتفاوت كما بين السماء والأرض، لكن أدنى هذه المراتب من أدى الواجبات وانتهى عن المحرمات، فهذا أول الدرج الذي يصعد فيه الولي، ليصبح ولياً لله جل وعلا. وأكمل المراتب في الولاية: من أدى الفرائض، وانتهى عن المحرمات، وأتبع الفرائض بالنوافل والمستحبات، وأتبع الانتهاء عن المحرمات بالانتهاء عن المكروهات، والشبهات تدخل مع المحرمات، فمن انتهى عن المحرمات، وعن المشتبهات، وانتهى عن المكروهات، وأيضاً عن كثير من المباحات، فقد وصل في الورع والتقوى مبلغاً، فهذه أكمل مراتب الولاية لله، جعلنا الله وإياكم ممن ينزل هذه المنزلة ويرتقي هذا المرتقى في الطاعة. لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصَّبرا وقال بعض علمائنا: من طلب العلا سهر الليالي. فلا بد أن تجد وتجتهد؛ لأنه ليس بين الله وبين عباده حاجز، إن وجدك الله جل وعلا صادقاً في جدك واجتهادك، وفي عبادتك له جل وعلا ارتقيت إلى هذه المنزلة، وبينهما من المنازل ما تتفاوت به المراتب، وتشرأب أعناق الناس إلى هذه المنزلة، ويرتقي المرء إلى ربه بهذه المنزلة، من منزلة المحبة إلى منزلة المحبوبية، وقد بينا أن منزلة المحبوبية إذا ارتقى إليها المرء، لا ينزل منها مرة ثانية، وإن عصى وإن ألم بالسيئات، فإن الله يلهمه التوبة بعد التوبة؛ حتى يصعد مرتقى غير هذه المنزلة التي نزلها، مرتقى أعلى منها؛ لأن العبد بعدما ينكسر ويتذلل ويبكي على معاصيه، ويتوب إلى الله توبة نصوحاً، فإنه ينزل منزلة أعلى من المنزلة التي كان عليها، ويتقرب قربة أكثر من الله جل وعلا، نسأل الله أن نرتقي إلى هذه المراتب. إذاً: فهو ينتقل من المحبة إلى المحبوبية ليجني ثمرة الولاية.

стр. 826

البشريات التي يلقاها الولي في الدنيا والآخرة العبد الولي عبد موفق مسدد مثبت مبشر، له بشريات في الدنيا وفي الآخرة، أما بشرياته في الدنيا فقد جاءت بأسانيد صحيحة مذكورة عند تفسير قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [يونس:٦٣ - ٦٤]، فورد في الآثار بالأسانيد الصحيحة أن البشرى هي الرؤيا الصالحة، يراها الولي أو ترى له، هذه أول بشريات الولي في الدنيا، أنه يرى رؤيا صالحة، أو ترى له، وهذه البشرى جزء من أجزاء النبوة، وهي التي بقيت من الوحي؛ لأن النبي ﷺ قال: (الرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة). وقيل: البشرى أن الله جل وعلا يبشره ببعث الملائكة عند قبض روحه لمكانته في الجنة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت:٣٠]، فيبشرونهم بالجنة عند قبض الأرواح، والبشارة في الآخرة أن الله جل وعلا يفتح له المجال، ويعرفه ويهديه إلى مكانه في الجنة، فيكون أشد معرفة له من معرفته لبيته في الدنيا، فهذه من بشريات الولي في الدنيا ثم في الآخرة، قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢]. أيضاً هو مسدد مثبت، قال الله تعالى: (إن أحببته)، يعني: الولي الذي ارتقى المرتقى الرفيع فوصل إلى درجة المحبوبية، قال عنه النبي ﷺ : (قال الله تعالى: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله في قبض روح المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته). فهذا حديث عظيم يبين أن الولي مسدد مثبت من عند الله جل وعلا، لا يذكر إلا ما يرضي الله جل وعلا، ولا يسمع إلا ما يرضي الله جل وعلا، وإذا بطش لا يبطش إلا بقوة الله، قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. ومن البشريات أيضاً أن الله جل وعلا يظهر فضله في الدنيا، ويظهر مكانته أمام الصالحين، بكرامة تظهر على يديه، علمها أو لم يعلمها، وهذه من البشريات التي تثبت أن هذا الرجل له منزلة عند الله جل وعلا، وأنه ولي من أولياء الله الصالحين، وهي الكرامة.

стр. 827

معنى الكرامة لغة واصطلاحاً الكرامة لغة: مشتقة من الكرم، والكرم هو العطاء والجود، واسم الله الكريم، وهذا الاسم يتضمن صفة الكرم، فالكرامة عطاء من الله لعبد من عباده اصطفاه على باقي العباد. أما شرعاً واصطلاحاً فالكرامة هي أمر خارق للعادة، يتفضل الله به على عبد من عباده اصطفاه، غير مقرون بتحد؛ لأن المعجزة مقرونة بتحد؛ لأن الله جل وعلا يبعث النبي ويتحدى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٣ - ٢٤] التحدي: أن يأتوا بمثل هذه المعجزة، أما الكرامة فلا تحدي فيها، إذاً: هو أمر خارق للعادة غير مقرون بتحد.

стр. 828

اختلاف الناس في كرامات الأولياء الكرامة اختلف فيها على ثلاثة مذاهب، المذهب الأول: مذهب فيه غلو، والمذهب الثاني: مذهب فيه جفو، والمذهب الثالث: مذهب وسط وهو مذهب أهل السنة والجماعة. أما المذهب الأول: مذهب الأشاعرة، يرون أن الكرامة والمعجزة أمر واحد لا خلاف بينهما، الفارق الوحيد: هو أن الكرامة لا يتحدى بها الولي، والمعجزة يتحدى بها النبي، إذاً: الأشاعرة يثبتون الكرامة، ويقولون: هي كالمعجزة، وما يحدث للنبي يحدث للولي. معنى ذلك: أنه يمكن للولي أن يأخذ عصاً ويضرب بها البحر فينفلق؛ لأنه يساوي ما يحدث للنبي، أو يأخذ خشبة كما فعل النبي ﷺ فيهزها، فتنقلب سيفاً أمامهم، أو يلقي الخشبة أو العصا فتكون حية، هذا على كلام الأشاعرة، أن ما يحدث للنبي قد يحدث للولي، لكن الولي لا يتحدى والنبي يتحدى، وهذا غلو كما سنبين. المذهب الثاني: على النقيض مذهب فيه جفو، وهو مذهب المعتزلة، الذين يمررون كل شيء على العقل، هؤلاء لا يثبتون الكرامة، ويخالفون بذلك الكتاب والسنة والواقع المشاهد، قال: لا كرامة لولي بحال من الأحوال، واستدلوا على ذلك بشبهٍ عقلية، قالوا: لو قلنا بالكرامة ساوينا بين الولي والنبي، ولازم ذلك تلبيس الأمر على العامة، يلبس عليهم الأمر فيقولون: كل الأولياء هم أنبياء، ولا يفرقون بين نبي ولا ولي، ويكون الذي تميز به النبي قد تميز به الولي، فلا فرق بين نبي ولا ولي، هذه هي الشبهة العقلية. المذهب الثالث: المذهب الوسط في الكرامة، مذهب أهل السنة والجماعة، قالوا: الكرامة ثابتة بالكتاب والسنة، أما بالكتاب، فإن الله أثبتها لبعض عباده، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٧] فأثبتها الله جل وعلا في أمة من إمائه، وأيضاً ثبتت في السنة، فإن النبي ﷺ بين أن الكرامة تأتي لعبد صالح قد أدى الفرائض وانتهى عن المحرمات وتمسك بالسنة، كما جاء عن أنس الصادق الذي صدق الله ما وعد، (جاء أنس عندما كسرت أخته الربيع سن جارية، فطلب القصاص، فقال أنس: سنُّ الربيع يا رسول الله! والله لا تكسر -هو لا يقسم على النبي ﷺ رداً حاشا لله، لكنه صادق مع ربه- فقال الرسول ﷺ : يا أنس! كتاب الله القصاص -يعني: لا بد أن تكسر- فرضي ولي الجارية بالعفو مقابل الدية، ونظر النبي ﷺ متعجباً لـ أنس، ثم قال: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)، وقال ﷺ : (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره). ومن الكرامات: أن يرفع يده، وما ينزل يده إلا ويستجاب له في الحال، كما حدث مع البراء بن مالك ﵁ وأرضاه. والغرض المقصود أنها ثابتة: بالكتاب وبالسنة وبالواقع المشاهد، فكثير من الصحابة شاهدوا كرامة عمران بن الحصين، كانت الملائكة تسلم عليه وهو يمشي في الشوارع. أيضاً أسيد بن حضير كان يمشي ومعه العصا في الظلمة فتنير له الطريق. كذلك الأسد كلم سفينة وأخذ به إلى جيش المسلمين؛ كرامة لـ سفينة مولى رسول الله ﷺ ، قال له: يا أبا الحارث، اعلم أني مولى رسول الله، فحرك ذنبه له، ثم قال: دلني على الجيش، فأخذه حتى أوصل، ثم حرك ذيله كأنه يسلم عليه؛ كرامة لهذا الصحابي، فهي ثابتة بالكتاب وبالسنة وبالواقع المشاهد. فمذهب أهل السنة والجماعة أنها ثابتة، لكنها أقل من المعجزة، فهي تتفق مع المعجزة وتفترق، تتفق بأنها أمر خارق للعادة، وتفترق بأنها أقل درجة من المعجزة، يعني: لا يمد الخشبة فتكون سيفاً، ولا تقلب له حية، ولا ينفلق له بحر، ولا يضرب الحجر فيتفجر ماءً، لا يحدث له ذلك، لكن يمكن أن يطير في الهواء، ويمكن أن يمشي على الماء، ويمكن أن يرفع يده وقبل أن ينزل يده يستجاب له الدعاء في التو واللحظة، يمكن له ذلك؛ لأن هذا من الكرامات، فهي ثابتة لكنها أقل درجة من المعجزة. والأدلة على ذلك أن الله جل وعلا إذا أرسل النبي صلى الله علبه وسلم إلى قوم فمنهم السفيه ومنهم الغبي ومنهم المتغابي، ومنهم الجهول، فلا بد أن يؤذى النبي ﷺ ، ويصد عن الرسالة التي أرسل بها مع الأهوال التي سيقابلها، فلا بد من قوة في الآيات التي تنزل عليه، فلذلك ترى النبي ﷺ نزل بأقوى ما كانوا يتمتعون به، بمعجزة هم كانوا يتمتعون بها وهي البلاغة. وقد كان بعض الشعراء من البلاغة يقرأ الشعر من الصباح إلى المساء في الحج، وكان لا يستطيع أن ينطق حرف الراء نطقاً صحيحاً، فأتى بآلاف من أبيات الشعر، ولم يأتِ ببيت واحد فيه حرف الراء، حتى لا يبين العيب الذي فيه، من الفصاحة والبلاغة، فكانت المعجزة هذه كاسرة له، فلذلك أنزل الله هذه المعجزة؛ ليبين أن هذه من عنده، وليست من قبل النبي، بل هو أمي، لا يقرأ ولا يكتب. وأيضاً عيسى ﵇ شاع الطب في عصره، فأنزل الله له هذه المعجزة، أنه لا يمسح على أحدٍ حتى يبرأ، ولذلك سمي المسيح؛ لأنه ما مسح مريضاً إلا ويبرأ على يديه. وأيضاً في عصر موسى كان السحر والتبديل أمام أعين الناظرين لقلب الأعين، فكانت تقلب حقيقة معجزة للنبي موسى. إذاً: يحتاج النبي إلى معجزة قاصمة للظهور، أما الولي فلا يحتاج للتحدي، بل الكرامة إظهار مكانته وورعه وزهده وتقواه، حتى يتأسى به بعض الحاضرين، فلا يحتاج مثلما يحتاج النبي، فكانت أقل درجة من النبوة. أما بالنسبة للأشاعرة فيرد عليهم بأنه لا تنقلب الأعيان للأولياء، وما حدث ذلك قط لأي ولي، ائتوني بولي واحد حدثت له كرامة تشبه معجزة النبي، أو تساوي معجزة للنبي، ما حدث ذلك قط. أما المعتزلة فالرد عليهم أنه لا خلط بين نبي وولي، إذ إن الولي إذا حدثت له الكرامة علم أو لم يعلم، وما قام الولي خطيباً فقال: قد حدثت لي كرامة كذا وكذا، وأدعوكم إلى الله فإني رسول إليكم، أترون الولي يفعل ذلك؟ لو فعل ذلك لكان متنبئاً أفاكاً، كذاباً، أثيماً، فالولي لا يفعل ذلك فلا يبقى عند الناس، أما النبي فيقوم وسط الناس ويقول: أنا نبي، قد أرسلني الله إليكم، وإن كان الولي يفعل ذلك فإن الله يكذبه في التو واللحظة، كما قام بعض الذين ادعوا النهضوية في هذه العصور، قام في أمريكا خطيباً في الناس وادعى النبوة، وادعى أنه بعث إلى الناس وأتى بآيات الله جل وعلا، وابتلاه الله في نفس اللحظة بإسهال حتى نزل على المنبر، وبنفس المرض بين الله كذبه وزوره في نفس الوقت واللحظة، فالولي لا يستطيع أن يتحدى بالكرامة التي كرمه الله بها. إذاً: يوجد مذهب يقول: الكرامة تساوي المعجزة وهو مذهب الأشاعرة، ومذهب يقول: لا كرامة وهم المعتزلة، ومذهب أهل السنة والجماعة يثبتون الكرامة للولي، ويقولون: هي ثابتة بالكتاب والسنة، وهي أقل من المعجزة. هذه جملة الكلام على معنى الكرامة ومنزلتها عند أهل السنة والجماعة.

стр. 829

خوارق العادات وأقسامها بالنسبة للمؤمنين وغيرهم المؤمنون أو غير المؤمنين ينقسمون بالنسبة لخوارق العادات أربعة أقسام: القسم الأول: قسم وحدوا الله حق التوحيد وأتموا الفرائض وانتهوا عن المحرمات، وقالوا بسنة النبي ﷺ ، وحدثت لهم خوارق العادات، وهؤلاء من أولياء الله الصالحين، الذين قال فيهم الله جل وعلا: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]. القسم الثاني: قسم فسقة وفجرة، استخدموا الشياطين واستخدمتهم الشياطين، وتراهم يمشون على الماء وتراهم يذهبون للحج يوم عرفة ويرجعون ويقولون: حججنا، وهم في بلاد بعيدة، وتراهم يفعلون أموراً خارقة للعادة وهم ليسوا على الإسلام، كما قال الشافعي: إذا رأيت رجلاً يمشي على الماء أو يطير في الهواء، فنقيسه على الكتاب والسنة، فإن وافق الكتاب والسنة فهو من أولياء الله الصالحين، وإلا فهو من أولياء الشيطان الرجيم. القسم الثالث: قسم كفرة، جحدوا بآيات الله جل وعلا، وأيضاً هؤلاء الناس استخدموا الشياطين، ولكنهم استخدموهم في إفساد عقائد الناس، فهم دجلة، وسيدهم هو الدجال الأكبر: المسيح الدجال، الذي سيأتي أمام الناس يحيي الموتى، يأتيه الرجل فيقول له: تؤمن بي؟ يقول: أؤمن بك على شرط، يقول: ما شرطك؟ يقول: تحيي لي أبي وأمي، فيظن الرجل أنه يحيي أباه وأمه، ولكن ذلك عن طريق الجن حيث يتمثلون في أبيه وأمه، وهو لا يحيي أباه وأمه. فهؤلاء الناس استخدموا الشياطين كفراً وإلحاداً لإفساد عقائد الناس، ويتجرءون على الله، ويزعمون أنهم من الربوبية بمكان، ومن الإلهية بمكان؛ لأن الدجال يرتقي، يدعي النبوة بعدما يصنع خوارق العادات، والنبي ﷺ بين لنا أن اسمه المسيح؛ لأنه يمسح مشارق الأرض ومغاربها في أوقات يسيرة، ويأتي على الأرض الخربة فيقول: أخرجي كنوزك، فتخرج الكنوز، وينظر إلى السماء فيقول: أمطري فتمطر، فيغوي الناس بذلك، ويمر على الفقراء فيغنيهم، ويمر على الأغنياء فيفقرهم، أي: آتاه الله من لوازم الربوبية ما آتاه فتنة للعباد؛ فيدعي النبوة، ثم يرتقي إلى الربوبية، ويطلب لنفسه الإلهية، ويقول: أنا ربكم الأعلى، كما قال فرعون. وهذا القسم الثالث هم من الكفر بمكان، وهم أكثر الناس. القسم الرابع: قسم عباد زهاد، ولكنهم لا يرتقون هذه المنزلة التي سبقت؛ لأن الشياطين هم الذين يستغلونهم، فهؤلاء عبدوا الله على جهل، وهؤلاء صنف من صنف المتصوفة، الذين يرون بالكشف والوجد والذوق، تجد الرجل يجلس ثم ينتفض ويقوم ويبتسم وكأنه يعانق أحداً، فلما تسأله يقول: قد حضر رسول الله ﷺ ، وإنما حضر شيطانه، لكن يحسب أن هذا رسول الله، ويحسب أن هذه كرامة له من الله جل وعلا أو أن الملائكة تحرسه أو تأكل معه، أو يرى دابة على صورة حمار تأخذه فتطير به في الهواء، ويقول: هذه كرامة من الله، وهو جاهل، ويعبد الله على جهل، ويخالف سنة النبي ﷺ ، والولاية لا تكون لجاهل أبداً، إذ الجاهل يعبد الله وهو على جهل، فيشرك بالله حيث أراد صاحبه، وكم من مريد للخير لم يبلغه! فهذا القسم الرابع نعوذ بالله منهم، ونسأل الله جل وعلا أن نكون من الصنف الأول.

стр. 830

صور من الكرامات في الأمم السابقة انتقل المصنف إلى صور من الكرامات في الأمم السابقة ثم في هذه الأمة، أما في الأمم السابقة فقد تأولوا هذه الكرامات التي قال فيها النبي ﷺ : (كمل من الرجال الكثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع، وذكر مريم ﵍. كما وصف الله جل وعلا: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران:٣٧]، كرامة من الله جل وعلا. فزكريا كان يدخل على مريم فيجد فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وهذه كرامة وإظهار لمنزلة مريم عند الله جل وعلا أمام الناس جميعاً. أيضاً من الكرامات التي حدثت في الأمم السابقة صاحب سليمان ووزيره الذي عَلِمَ اسم الله الأعظم، وهو ولي من أولياء الله الصالحين، صنع الله له كرامة أمام نبي، وهذه تدل على أن الولاية لها مكانة علية، وهي لا تساوي النبوة كما يقول المتصوفة، ولا تتعداها، لكنها قريبة منها، فهذا الوزير أظهر الله على يديه كرامة أمام نبي صادق مصدوق، وهو سليمان ﵇، لما أراد عرش بلقيس قال تعالى: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٤٠]، فكان هذا الوزير يحفظ اسم الله الأعظم، فدعا به قبل أن يرتد طرف سليمان، فوجد سليمان ﵇ عرش بلقيس أمامه، فقال: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ﴾ [النمل:٤٠]. وأيضاً في الأمم السابقة حدثت كرامة عظيمة جداً، أنطق الله طفلاً رضيعاً كرامة لعبد زاهد تقي نقي، تعبد لله جل وعلا وترك الدنيا خلفه زهداً، من أجل رضا الله سبحانه، هذا الرجل كما في الصحيحين كان عابداً، لكن الفقه ما كان له مرتقىً فيه، وبينما هو يصلي النافلة، إذ جاءت أمه تناديه، فقال: يا رب! أمي وصلاتي! من أقدم؟ فتحير كثيراً ثم قال: صلاتي، فاختار صلاته على أمه، ولكن الفقه يقول: لو دعته أمه وهو في صلاة الفرض لا يجوز أن يستجيب؛ لأنه عند تعارض الواجبات يقدم الأهم والأوجب، فالواجب أن لا يقدم أمه على صلاة الفرض، ولكن إن كانت الصلاة نافلة يقدم أمه على الصلاة، وكثير من الناس لا يعرفون ذلك. يعني: لو أن رجلاً في صلاة النافلة وأمه دعته يجب عليه أن يخرج من الصلاة ويستجيب لأمه، لكن جريج فضل صلاته، فدعت عليه، وقالت: لا أماتك الله حتى تنظر في وجه النساء اللاتي يفعلن الفاحشة، فما أماته الله حتى نظر في وجه النساء اللاتي يفعلن الفاحشة؛ لأنه لما لم يقطع الصلاة من أجل أمه فقد أساء؛ ولذلك استجاب الله دعاء أمه، وكانت محقة لما دعت عليه، فجلس بعض الشياطين يريدون أن يوقعوا بهذا العابد، فأوزعوا إلى امرأة تفعل الفاشحة من بني إسرائيل أن تختبر صدق هذا العابد، فذهبت إليه، فراودته عن نفسه، ولأنه صادق في عبادته لله جل وعلا أبى، فلما رجعت راودها رجل فلاح مزارع فوطأها، فحملت منه، فلما أنجبت ووضعت الطفل، قالوا: ممن هذا؟ قالت: هذا ابن جريج، فهدموا صومعته. وهذا فيه دلالة على أن دهماء الناس والعامة لا تأخذ منهم خيراً كثيراً، ولذلك قال النبي ﷺ عن عامة الناس من هذا الزمان: (إنكم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل). فالطائفة المنصورة كما قال النبي ﷺ طائفة قليلة، والذين يخالفونهم ويعارضونهم أكثر، قال ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم). وهؤلاء العامة ذهبوا ليقتلوا جريجاً، وهدموا الصومعة، وأخذوه، فإذا به ينظر إلى النساء اللاتي يفعلن الفاحشة، فأخذ يعاود نفسه يراجعها كيف لم أبر بأمي؟ وكيف لم أقطع الصلاة من أجل أمي؟ وأصبت بالنظر إلى المرأة التي تفعل الفاحشة بدعاء أمي. وهذه لفتة مهمة جداً، وهو ضعيف الإيمان في قلوبنا، كل منا تشرأب عنقه حتى ينظر إلى امرأة جميلة، ويظفر بالنظر إليها، ولا يعرف أن هذا الطريق يودي به إلى المهالك؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢]. فإنه من الممكن لأي شخص منا أن يطلق بصره على امرأة جميلة تعجبه، وانظروا إلى جريج العابد، فإن المعصية التي فعلها أدت به إلى أمر قد يودي بدينه، وهو نظره إلى اللاتي يفعلن الفاحشة، والنظر إلى اللاتي يفعلن الفاحشة مصيبة أيما مصيبة، ولكن الله يقول: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:٣٠]، فهذا الرجل كانت له عند الله مكانة؛ لتعبده وزهده وتقواه وورعه، فإن الله أنشأ له كرامة أيما كرامة، فقد ذهب إلى الطفل فوغزه وقال: من أبوك؟ فقال الطفل: أبي فلان المزارع، نطق أمام الناس، فعلموا أن هذه كرامة له، وبرأه الله على رءوس الأشهاد، فقالوا: نبني لك صومعة من ذهب؛ لأنك ولي من أولياء الله الصالحين، فأبى وطلب منهم أن يعيدوها كما كانت، فالكرامة لا تكون إلا لمن صدق الله، فارتقى إلى منزلة الولاية. كذلك لا ييئس الذي عصى الله، وارتكب الكبائر، وتجرأ على الله أن يكون ولياً من أولياء الله الصالحين، فهذا رجل قتل مائة نفس ونحن نعلم أن قتل نفس واحدة تكفي للخلود في نار جهنم، ولكن الله جل وعلا جعل هذا الرجل ولياً من أولياء الله الصالحين، فقد قتل هذا الرجل تسعة وتسعين نفساً كما في القصة المشهورة، ووجد الراهب الذي لا يعلم شيئاً عن دينه، فقتله فأكمل به المائة، وذلك حين سأله: هل لي من توبة؟ فقال له الراهب: لا توبة لك، فلقي عالماً فنصحه العالم أن يذهب إلى أرض كذا فيها الخير وأهل الخير، ونصحه بأن يتعاون معهم على البر والتوبة، فلما ذهب مات في الطريق، فاختصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة، قالت ملائكة العذاب: لم يتب، وهو أقرب إلى أرض العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: ذهب إلى ربه تائباً، فلما اختصموا فصل الله النزاع، بأن أرسل ملكاً على صورة بشر، يفصل النزاع بينهم، قال: قيسوا بين الأرض: التي ذهب إليها ليتوب فيها، والأرض التي خرج منها وعصى الله فيها، كرامة من الله لهذا الولي الصادق الذي تاب توبة نصوحاً، فارتقى إلى الولاية، فقد أمر الله الأرض التي قصدها ليتوب أن تقترب، وأمر الأرض التي عصاه فيها أن تبتعد، ثم أخذته ملائكة الرحمة، كرامة من الله لهذا الولي. أما كرامات هذه الأمة فهي أعظم وأكبر؛ لأن الله جل وعلا فضل هذه الأمة على باقي الأمم، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:١١٠]. فكرامات هذه الأمة وردت وثبتت في السنة في عهد رسول الله وبعد عهده ﷺ في القرون الخيرية. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك.

стр. 831

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - التوسل المشروع والتوسل الممنوع التوسل نوعان: توسل مشروع وتوسل ممنوع، وقد جاءت الأدلة التي تبين الفرق بينهما، والتي ترغب في التوسل المشروع، وتحذر من التوسل الممنوع.

стр. 832

صور من كرامات الأولياء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده لله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اليوم نستكمل كرامة مهمة من كرامات الأولياء لنستنبط منها أمراً مهماً في مسائل التوحيد، ألا وهي مسألة التوسل المشروع والتوسل الممنوع. لقد بينا أن من كرامات الأولياء تسبيح الطعام بين يدي ابن مسعود وسلمان الفارسي وأبي موسى الأشعري، فقد سبح الطعام وسمعوا ذلك كرامة من الله جل وعلا لهم. أيضاً من كرامات سلمان -والأسانيد التي تتكلم عن الكرامات يتسامح فيها بعض العلماء ومنهم النسائي عليه رحمة الله- أنه دخل على رجل من محبيه، فوجده على مشارف الموت، فقال بأعلى صوته: يا ملك الموت! كن به رءوفاً رحيماً، فسمع صوتاً يقول: يا سلمان! إني بكل مؤمن رءوف رحيم، فكأن ملك الموت رد عليه كرامة له من الله جل وعلا. ومن كرامة زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها زوج النبي ﷺ أنه كان يأتيها العطاء من عمر بن الخطاب فتنظر في العطاء فتجده كثيراً وافراً، فتخشى على نفسها؛ لأنها عاشت مع النبي ﷺ فكان يمر عليهم الشهر أو الشهران لا يطبخون طعاماً، وإنما يأكلون التمر والماء، فلما جاء عصر الفتوحات كثر المال فخشيت على نفسها، فكانت تنفق المال في سبيل الله وكما بينا أن لها اليد الطولى في الصدقة، فرفعت يدها وقالت: اللهم! اقبضني قبل عطاء عمر، فماتت من عامها. فهذه كرامة من الله جل وعلا لزوج النبي ﷺ ، لكن هذه الكرامة أحدثت لنا إشكالاً وهو أنه كيف تدعو على نفسها بالموت وقد جاء النهي الصريح من النبي ﷺ عن ذلك بقوله: (لا يتمنين أحدكم الموت، إن كان محسناً فلعله يزداد، وإن كان مسيئاً فلعله يستعتب)؟ فهي تمنت الموت بل دعت به على نفسها، فكيف تكون كرامة أن يستجاب لها والنبي ﷺ نهى عن تمني الموت؟ فالإجابة على هذا الإشكال من وجوه: الوجه الأول: أن النهي عام، ويستثنى منه إذا خشي المرء على نفسه الفتنة فله أن يتمنى الموت، وأن يدعو على نفسه بالموت، وقد أقر الله جل وعلا مريم ﵂ وأرضاها عندما خشيت على نفسها التهمة، فقالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣]، فتمنت الموت وأقرها الله على ذلك، والله لا يقر على باطل. الوجه الثاني: حديث النبي ﷺ (اللهم! أحيني إن كانت الحياة خيراً لي، وأمتني إن كانت الوفاة خيراً لي). الكرامة الأخرى كرامة أسماء ﵂ وأرضاه لما علمت أن ابنها مصلوباً ﵁ وأرضاه رفعت يدها وقالت: اللهم! لا تمتني حتى تأتني بجثته، فما ماتت حتى أتاه الله بجثته كل عضو يأتي إليها متهللاً فتكفنه وتدفنه، فبعد أن دفنته ماتت من أسبوعها. وأنس بن مالك ﵁ وأرضاه أيضاً كان له نفس الكرامة التي كانت لأخيه البراء بن مالك، وهي أنه جاءه عامل من عماله يقول: أصاب القحط أرضك، فرفع يديه واستسقى وقال: اللهم! اسقني، قال الراوي: فجاءت سحابة أظلت أرضه، فسقت أرضه ولم تتعد أرضه شبراً كرامة لـ أنس ﵁ وأرضاه. واليوم سنذكر كرامة مهمة، ونتكلم على أصل من أصول التوحيد، وهي الكرامة التي كانت في العباس بن عبد المطلب ﵁ وأرضاه.

стр. 833

التوسل إلى الله بدعاء الصالحين روى اللالكائي أن عمر بن الخطاب كان إذا أصابه القحط قام فقال: اللهم! إنا كنا إذا أجدبنا استسقينا، أو قال: توسلنا إليك بنبيك، ونحن اليوم نتوسل إليك بعم نبيك! يا عباس! قم فاستقِ. فهو يقول: كنا نتوسل إليك بنبيك في حياته، فلما مات نبيك نتوسل إليك بعمه العباس فلم يتوسل بالنبي بعد موته بل توسل بعمه الذي ما زال حياً، قال: قم يا عباس! فقام العباس فرفع يديه، وقال: اللهم! إنك تعلم أنهم يتوسلون بي لقربي من نبيك، اللهم! إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يرفع إلا بتوبة، وهذه أيدينا رفعت إليك بذنوبها، ونواصينا بالتوبة، اللهم! اسقنا، فكانوا يسقون بدعاء العباس ﵁ وأرضاه. فنستفيد من ذلك أن التوسل مشروع بل هو قربة.

стр. 834

تعريف التوسل التوسل لغة: هو التقرب إلى المطلوب بالرغبة فيه، أو هو اتخاذ الوسيلة واتخاذ الواسطة للحصول على المرغوب أو المطلوب، فالوسيلة هي الواسطة، أو القربة التي يتقرب بها العبد إلى الله جل وعلا ليحصل له ما يرغبه ويطلبه، قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، أي تقربوا إليه بالدعاء والصلاة وغيرها لتحصلوا على ما تريدون منه جل وعلا.

стр. 835

أقسام الناس في التوسل التوسل قربة والأصل في القربات التوقيف، إذاً فلا بد من دليل من قول الله وقول رسوله ﷺ حتى يتقرب العبد إلى الله، فلما كان الأمر كذلك انقسم الناس في التوسل إلى قسمين: قسم توسلوا بما شرع الله جل وعلا، وقسم ابتدعوا في دين الله، وقدموا بين يدي حاجاتهم بدعاً مقيتة، فأنى يستجاب لهم؟ وسنذكر لكم أدلة كل فريق.

стр. 836

التوسل المشروع وأنواعه أما الفريق الأول الذين توسلوا بما شرعه الله في كتابه وفي سنة نبيه ﷺ ، أي تقربوا بما في الكتاب أو في السنة وقد أرشدنا الكتاب والسنة أن نتوسل لله جل وعلا بأنواع ثلاثة: التوسل الأول: التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، وهو أن تتوسل إلى الله جل وعلا بين يدي حاجتك حتى تقبل عند الله بأسمائه وصفاته، كأن تقول: يا غفور! اغفر لي، يا رحمن! ارحمني، اللهم! بعزتك أعز الإسلام، اللهم برحمتك ارحمني، وهذا يسمى توسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا جل وعلا. ودليله من الكتاب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] أي توسلوا إليه بها، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]. ومن السنة حديث: (مر النبي ﷺ على رجل يصلي، فلما قرأ التشهد قال: اللهم! إني أسألك يا ألله! يا واحد! يا أحد! يا فرد! يا صمد! يا من لم يلد ولم يولد! ولم يكن لك كفواً أحد! اللهم! اغفر لي فإنك أنت الغفور الرحيم. فقال النبي ﷺ : سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى)، انظروا إلى توسل الرجل قال: أسألك يا ألله! وهو اسم الله الأعظم، ثم ذكر الصفات التي تضاف إلى الله، فقال: يا واحد! يا أحد! توحيد لله جل وعلا، يا صمد! والصمد هو الذي لا يحتاج لأحد، بل الكل يصمد إليه ويسأله حاجاته، ومن معاني الصمد هو الذي لا يأكل ولا يشرب، فلا جوف له. فيتوسل إلى الله بأسمائه جل وعلا. ومن توسل النبي ﷺ كما في الصحيح: (يا حي! يا قيوم! برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين). فتوسل باسم الله الحي، الذي يتضمن صفة الحياة، وقوله: يا قيوم! توسل باسم الله القيوم الذي يتضمن صفة القيومية، هذا توسله بالأسماء وفي آخر الحديث توسل بالصفة، فقال: (برحمتك أستغيث) أي: أتوسل إليك بصفة الرحمة. وكان النبي ﷺ يقول أيضاً: (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي)، فهو توسل بصفة العظمة لله جل وعلا، وقال: (وأعوذ بعزتك أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون)، فتوسل إلى الله جل وعلا بصفة من صفاته الدالة على الكمال وهي صفة العزة. وسليمان ﵇ كان يتوسل إلى الله جل وعلا بالأسماء والصفات، قال الله تعالى على لسان سليمان: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩]، فتوسل بصفة الرحمة: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩]. النوع الثاني من أنواع التوسل المشروع: التوسل بالأعمال الصالحة، كحب النبي ﷺ فتقول مثلاً: اللهم! إني أدعوك بما علمت من حبي لنبيك أن تفرج عني الكرب، أو تدعو الله جل وعلا بعمل قد أخلصت فيه لله، فلم يكن للرياء فيه مسرح، ولا للشيطان فيه مدخل فتتوسل إلى الله بهذا العمل الصالح أن يرزقك ما تريد. والدليل عليه من الكتاب قول الله تعالى حاكياً عن الذين آمنوا بعيسى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٦]، وأيضاً قول الله تعالى حاكياً عن أهل الإسلام أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران:١٩٣]، يتوسلون بإيمانهم، وهو عمل صالح، ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣]. ومن السنة قصة الثلاثة الذين أغلق عليهم الغار، فتقرب كل رجل منهم إلى الله بعمل صالح، رأى في نفسه أنه أخلص لله تعالى فيه فالأول لم يزن بابنة عمه، وأعطاها المال إخلاصاً لوجه الله جل وعلا، فانفرجت فرجة، والثاني قال: أنه كان يبر بوالديه إخلاصاً لله، فقبل الله منه هذا العمل، والثالث: أعطى الأجير حقه ونمى له المال، حتى أعطاه وادياً من الغنم، فاستغرب الأجير أن يكون هذا ماله، لكن الرجل كان أميناً مخلصاً لله جل وعلا، فانفرجت الصخرة التي كانت على باب الغار. النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع: التوسل بدعاء الصالحين، الذين تقربوا إلى الله جل وعلا بالواجبات ثم بالمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات، فنتوسل إلى الله جل وعلا بدعاء الصالحين لا بذواتهم. والدليل على ذلك من الكتاب، قول الله تعالى حاكياً عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩٧]، فطلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم ما أخطئوا في حق يوسف ﵇. أما من السنة فحديث عكاشة بن محصن ﵁ وأرضاه، لما قال النبي ﷺ : (سبعون ألفاً يدخلون الجنة) إلى آخر الحديث، فقام عكاشة بن محصن فقال: (يا رسول الله! ادع الله لي أن أكون منهم، فقال له النبي ﷺ : أنت منهم، فقام رجل آخر، فقال له النبي ﷺ : سبقك بها عكاشة). وأيضاً الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ أمره إذا رأى أويس القرني أن يطلب منه أن يستغفر له، فهذا دليل على التوسل بدعاء الصالحين. ويحتج شيخ الإسلام بحديث عن النبي ﷺ أنه قال لـ عمر وهو ذاهب إلى العمرة: (يا أخي! لا تنسانا من صالح دعائك) وهذا حديث ضعيف تغنينا عنه الأحاديث الصحيحة.

стр. 837

التوسل الممنوع وأنواعه أما القسم الثاني فهم الذين جروا خلف العواصف والويل وتركوا السنة وراءهم ظهرياً، الذين ابتدعوا في دين الله جل وعلا، وتوسلوا التوسل الممنوع. والتوسل الممنوع أيضاً ينقسم إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول: شرك يخرج من الملة، فصاحبه كافر خالد مخلد في نار جهنم والعياذ بالله، وهو الذي يأتي إلى الولي، أو إلى قبر من يظن أن فيه خيراً فيستغيث به، أو يطلب منه جلب نفع، أو دفع ضر، وقد جلست مع بعضهم وكنت أقول له: اتق الله، فيشيح بوجه عني ولا يجيب، فهو يخشى من الإجابة، وأنا أقول له: إذا ذهب رجل إلى الحسين فقال: يا حسين! اشفي مريضي، أو قال: يا حسين! ابنتي لا تنجب اجعلها تنجب، ماذا تقول فيه؟ وهو يأبى أن يجيب، فعله يعتقد في قلبه أنه يجيبه؛ لأن بعض الثقات ذكروا لي أنه يقول: إن للكون أقطاباً وأبدالاً يتحكمون فيه، وإن أرواح الأولياء تحرج فتنصر المؤمنين! وسنعقد فصلاً خاصاً للرد عليه بإذن الله، فهو كافر، وسنأتي بكلامه نسمعكم إياه، ونرد عليه، حتى نؤصل العقيدة الصحيحة، احتراماً واحترازاً وحفظاً لجناب التوحيد. فمثال النوع الأول من التوسل الممنوع أن يذهب إلى البدوي فيقول: يا بدوي! اشف ابني، أو يقول: يا سيدة زينب! أنت مباركة، ابنتي لا تلد فاجعلي ابنتي تلد، أو تكتب للنبي ﷺ وهذا حدث واقعاً عند النبي ﷺ ، أنه ذهبت امرأة فكتبت ورقة وقالت فيها: يا رسول الله! ابنتي لا تنجب اجعلها تنجب، اعتقدت في رسول الله ﷺ ما يكون لله جل وعلا، والأشد منه أن يذهب إلى البدوي أو المرسي أبي العباس أو إلى غيره يدعوه ويستغيث به، ويطلب منه جلب النفع، أو دفع الضر، ومن فعل هذا فقد وقع في الشرك من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: شرك في الألوهية إذ إن الدعاء عبادة، والقاعدة أن كل عبادة ثبت بالكتاب أو بالسنة أنها عبادة ففعلها لله توحيد، وفعلها لغير الله شرك، والدعاء لطلب النفع أو لدفع الضر عبادة كما ثبت ذلك بالكتاب، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] وهذا هو محل الشاهد، فثبت أن الدعاء عبادة، بالتصريح وبالتنصيص من قول النبي ﷺ حيث قال: (الدعاء هو العبادة)، وهذا أسلوب يسمى أسلوب حث، يعني كل العبادة دعاء، والدعاء هو كل العبادة، إذاً: الدعاء عبادة، ففعلها لله توحيد، وفعلها للبدوي أو للحسين أو للسيدة زينب أو للجيلاني شرك. الوجه الثاني من الشرك: شرك في الربوبية، إذ إن الذي يستغيث بـ البدوي أن يشفي ابنه أو يشفي مريضه يعتقد في قلبه اعتقاداً بأن البدوي يستطيع أن يشفي ابنه، وهذا لا يكون إلا لله جل وعلا، فهذا جعل صفة الربوبية لميت لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً. الوجه الثالث من وجوه الشرك التي يقع فيها من يدعو ويستغيث غير الله لجلب نفع أو دفع ضر: شرك في الأسماء والصفات، حيث إنهم أنزلوا الخالق منزلة المخلوق، وفيه تشبيه فالملك أو الرئيس، أو مدير العمل، كيف تدخل عليه، لا بد من سكرتير أو أمير الديوان يشفع لك عند المدير، فهم نزلوا الخالق منزلة المخلوق فقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، كأن الله ملك لا يمكن لأحد أن يدخل عليه حتى يستأذن من السكرتير أو حتى يأتي بالشفيع ليشفع له، فسبحان الله ما أكرمه! وما أحلمه! وما أعظمه! ما عليك إلا أن تتوضأ ثم تخلو بربك وتكبر للصلاة فإذا بك قد دخلت عليه، بل هو قِبَل وجهك، فكلما سجدت وبكيت لله جل وعلا كنت أقرب ما تكون له، بل إنك حين تدعو الله جل وعلا وتتضرع وتتذلل وتتمسكن له يستجيب لك، فهو لا يحتاج إلى بواب ولا يحتاج إلى شفاعة. فوجه الشرك في الأسماء والصفات، التشبيه حيث أنزلوا الخالق منزلة المخلوق. النوع الثاني من التوسل الممنوع: هو مثل الأول لكنه أخف، وهو ذريعة إلى الشرك الأكبر، فهو من الشرك الأصغر وصورته أن يذهب إلى الميت لكن لا يطلب منه جلب نفع ولا دفع ضر، لكنه يخاطبه، يقول: يا بدوي! أنت عند الله جل وعلا، وقد رأيت الكرامات، ولك مكانة فاشفع لي عند ربك أن يغفر لي أو قال: اسأل الله جل وعلا أن يرزقني، إذاً: هو ما طلب من البدوي أن يرزقه أو يغيثه، ولكنه خاطب الميت، على اعتقاد أن الميت يسمع، وهذا مما اختلف فيه العلماء، فعلماء الحجاز قاطبة يجعلونه من الشرك الأكبر، والصحيح الراجح عند تدقيق النظر أن هذا ليس من الشرك الأكبر، بل هو من الشرك الأصغر؛ لأنه إنما خاطب ميتاً يعتقد أنه يسمع، وسماع الميت فيه خلاف بين العلماء، ولا طلب منه جلب نفع، ولا دفع ضر، ما سأله إلا أن يستغفر الله له، مثله مثل الذي يتذكر آيات الله جل وعلا بأن الذين يحملون العرش ومن حوله يستغفرون للذين آمنوا، فيقول: يا ملائكة ربي! استغفري لي، فهو أمركم أن تستغفروا لي، فهذا ليس بمشرك، مع أنه خاطب غائب؛ لأنه لم يطلب منه دفع ضر ولا جلب منفعة، فهذا ليس بشرك. إذاً: النوع الثاني من التوسل الممنوع ليس بشرك أكبر، لكنه من الشرك الأصغر. النوع الثالث من أنواع التوسل الممنوع فيه اختلاف فقهي، وليس اختلافاً في العقيدة ألا وهو: التوسل بذات النبي أو بجاه النبي، وقد كثر على الألسنة قول: بحق جاه النبي افعل لي كذا، وقد ذكرت هذا لأكون منصفاً، فهذا فيه خلاف بين أهل السنة والجماعة، منهم من أباحه ومنهم من منعه، والمنع أقرب للصواب؛ لأن الحجة مع من منع كما سنبين. أما الذين قالوا بصحة التوسل بجاه النبي أو بذات النبي فقد وردت رواية عن أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة والجماعة وهذه الرواية مستغربة جداً، ورجحها العز بن عبد السلام، والإمام الشوكاني، بل إن الشوكاني توسع في المسألة حتى قال بجواز التوسل بذوات الصالحين، وأدلتهم جواز التوسل بجاه النبي وذات النبي من الأثر ومن النظر، أما من الأثر: فعن عمر بن الخطاب أنه قال: كنا نتوسل إليك بنبيك ونحن نتوسل إليك بعم نبيك، أي بذات عم النبي أو بجاه عم النبي ﷺ . واستدلوا أيضاً بحديث آخر رواه الحاكم في المستدرك وصححه وهو صحيح عن عثمان بن حنيف أنه قال: (جاء رجل أعمى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! ادع الله لي أن يرد علي بصري، فقال له النبي ﷺ : إن شئت دعوت لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة -كما قال للمرأة التي كانت تصرع- قال: ادع الله لي، فقال: اذهب فتوضأ ثم صلِّ ركعتين، ثم قل: اللهم! إني أتوجه إليك بنبيك أو أتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ ، يا محمد! يا نبي الرحمة! إني أتوجه بك إلى ربي، ثم قال: اللهم! شفعه في وشفعني فيه). وتفسير شفعه في أي: اقبل شفاعته فيَّ، فالرجل لا يشفع للنبي ﷺ عند الله، ولكنه يقول: يا رب! اقبل دعائي أن تقبله شفيعاً لي عندك، كما سنبين. وأما من النظر أن النبي ﷺ أكرم خلق الله على الله، فلنا أن نتوسل بجاهه ونتوسل بذاته عند الله جل وعلا. فهذه هي أدلة الذين قالوا بجواز التوسل بجاه النبي ﷺ . أما جماهير أهل العلم وترجيح شيخ الإسلام رحمة الله عليه الذي نشر العلم والذي حارب من أجل ارتفاع كلمة أهل السنة والجماعة، ودحض أهل البدعة، فقد رجح أن هذا التوسل ممنوع، وإن كان هناك قول آخر له بأنه مشروع لكنه رجع عنه، واستدل بنفس حديث العباس؛ لأن عمر بن الخطاب قال: إنا كنا نتوسل بنبيك، ثم قال: ونحن اليوم نتوسل بعم نبيك. فهل توسل بعم النبي لجاهه أم بدعائه؟ في نفس الحديث قال له عمر بن الخطاب: قم يا عباس! فقام العباس وقال: اللهم! إنهم توسلوا بي -أو بمكانتي- عند نبيك، اللهم! ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة، ورفع يديه حتى استسقى لهم، فسقاهم الله جل وعلا بدعاء العباس. وأيضاً استدل جماهير العلماء: بأن الصحابة رضوان الله عليهم عمر وأبو بكر ومعاوية ومن بعدهم لم يتوسلوا لا بذات النبي ولا بذات غير النبي ﷺ ، فـ عمر ﵁ ما كان له أن يترك الأفضل ويذهب إلى المفضول، وما كان له مع القحط وعام الرمادة أن يتوسل بالضعيف ويترك القوي، فالقوي هو ذات النبي ﷺ ؛ فلم يتوسل بالنبي ﷺ ولم يذهب إلى قبر النبي ﷺ ولم يقف على المنبر ويقول: أتوسل إليك بجاه نبيك، أو بذات نبيك. وأيضاً معاوية بن أبي سفيان ﵁ وأرضاه، لما أصيب الناس في عصره بالقحط، قام على المنبر وقال: اللهم إنا نتوسل إليك بأفضلنا وخيرنا، قم يا يزيد! وهو يزيد بن الأسود، فقد كان بكاءً زاهداً في الدنيا عابداً متحمساً، وفي رواية قال: قم يا بكاء! فاستسق لنا، فقام يزيد فرفع يديه فاستسقى فما نشب أن وضع يده حتى أنزل الله المطر كرامة لـ يزيد العابد. فـ معاوية ما كان ليترك التوسل بذات النبي أو جاهه ويذهب إلى يزيد التابعي ليتوسل بدعائه، إلا لأنه وقر في قلبه أنه لا يجوز التوسل بذات النبي، وهذا هو الراجح الصحيح. فالصحيح أنه لا يجوز لأحد أن يتوسل بجاه النبي ﷺ ولو كان التوسل بذات النبي وجاهه خيراً لسبقونا إليه وهم أفضل وأفقه. فإذا كان هذا هو الراجح فلا بد لنا من الإجابة عن أ

стр. 838

فضل طلب العلم ومكانة طالبه إن شمس البدعة بزغت، ولن يتصدى لها إلا طالب علم يحقق المسائل ويدقق النظر في الأدلة، قال بعض السلف ﵏: ما انتشرت بدعة إلا وأخمدت سنة، ولما انتشرت البدع أميتت السنن، وانقلب الحال، فأصبحت السنة بدعة والبدعة سنة، فوجب على طالب العلم أن يصبر على طلب العلم، قال الإمام أحمد: ما رأيت أفضل من طلب العلم لمن أخلص نيته، وقال الشافعي: طلب العلم أفضل من قيام الليل ومن الصيام ومن الصدقة. بل إن طلب العلم أفضل من الجهاد، والعالم أفضل من المجاهد، وهذا في جهاد النافلة لا جهاد فرض العين، فطلب العلم أفضل من سبعين باباً من أبواب الجهاد، وضربنا مثلاً بما فعله الشافعي مع أحمد، لما ذهب إليه وأكل عنده كثيراً، وجلس طيلة الليل على الفراش فحسبته ابنة أحمد أنه نام، ثم قام فصلى الفجر بوضوء العشاء، فقالت ابنة أحمد: يا والدي! لقد أخذت على الشافعي ثلاثاً، قال: هاتها: قالت: أكل كثيراً، ونام كثيراً، وصلى الفجر بغير وضوء، فاستشكل أحمد فسأله عن ذلك فقال له الشافعي: أما طعامك فطعام الصالحين، فعلمت أنه مليء بالبركة، فأكثرت الأكل منه، وفي هذا فقه وفطنة من الشافعي، ثم قال الشافعي: وأما إني لم أصل من الليل فقد جلست أفكر في حديث النبي ﷺ : (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟)، فاستخرجت منه أكثر من عشرين مسألة، ولو جلست المجامع الفقهية في الكويت، والمجامع الفقهية في مصر والمجامع الفقهية في السعودية ليلة كاملة، ثم خرجوا بخمس مسائل فجزاهم الله خيراً، فالحديث خمس كلمات أو ست كلمات يستخرج منها الشافعي مسائل، ولذلك كان الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمة لله عليه يتأمل في الأدلة، وبلغني عمن لازمه من طلبة العلم قال: كان أفضل ما يدهشنا من الشيخ أنه كان ينظر في الدليل ويتأمل فيه. والنبي ﷺ قال: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، ولذلك تجد أحدهم يجلس بجانبنا من الفجر إلى الظهر، يسمع الصحيحين، وبعدها يسمع بقية الكتب الستة، وهذا جيد فقد قال رسول الله ﷺ : (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) لكن إذا سألته عن الفقه وجدته لا يفقه شيئاً. ولذلك أفضل العلماء من خلط بين الفقه والحديث، وكان وتداً في العقيدة، فطالب العلم الذي يخلو عقله من العقيدة أو من الفقه أو من الحديث طالب ضعيف؛ لأنه سيضعف أمام المسائل، فلا بد من الاجتهاد والإخلاص، وأذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفهم متنه، وفهم المتن رأس الأمر. قال الشافعي لـ أحمد: وأما صلاة الفجر فإني صليتها بغير وضوء، فما نمت من العشاء إلى الفجر. عند ذلك قال أحمد وهو إمام أهل السنة والجماعة وهو الفقيه والمحدث بحق: هذه التي لا نقوى عليها، وهذه التي هي أنفع للأمة من صلاة الليل، يعني: أن أمة لا تنتفع إلا بمثلك؛ لأنك تخرج على الأصول الفروع فتنتفع بها الأمة. فنحن في زمان عز فيه الطلب، فتجد كثيراً من الناس ما عندهم صبر، وهذا هو الذي يضيع عليهم الخير؛ لأن الترف أضاعهم، وأبشرهم بما يحزنهم، حتى يجعلوه خلف ظهورهم، قال الإمام مالك: لن يصل إلى هذا العلم إلا من أدقعه الفقر، أي نام في العراء، ولم يجد طعاماً ولا شراباً فهو الذي يصل إلى هذا العلم، فنقول: إن أنعم الله عليك بالمال فاستخدمه في رضا الله وفي طلب العلم، وإذا جلست في مجالس العلم، فاصبر وصابر وستصل بإذن الله، فالأمة الآن تحتاج إلى علماء، كما أهيب بالإخوة أن يصبروا، ويصابروا. لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا فاتقوا الله في أنفسكم، والله الله في العلم، واعلموا أن قيام الساعة لن يكون حتى يضيع العلم، قال النبي ﷺ : (لن تقوم الساعة حتى يرفع العلم، ويكثر الجهل، وإذا كثر الجهل اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسألوهم فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). فاعلموا حفظكم الله أن النجاة في العلم، وكفى بطالب العلم شرفاً أن يكون وريثاً لرسول الله ﷺ ، وكفى به أنه ليس بينه وبين النبي إلا درجة النبوة، فلمثل هذا فليعمل العاملون، ولمثل هذه المكانة تشرئب الأعناق، فهذه المكانة فوق مكانة المجاهدين، وبين العالم المجد وبين غيره تفاوت في الدرجات، فكن عالماً أو كن متعلماً، ولا تكن الثالث. أنا لا أريد أن تكون محباً لأهل العلم فقط حتى لا تكون ذيلاً، وعلى الإنسان أن يربأ بنفسه أن يكون ذيلاً لأحد، واسأل نفسك: لم لا أكون رأساً، إن لم أكن مثل أبي بكر ﵁ وأرضاه، فلم لا أنحو نحوه، وأحذو حذوه، وأسير على دربه؟ لم لا أتخذ شيخ الإسلام ابن تيمية نبراساً أمامي، يكون هو الذي تشرئب عنقي إليه، حتى أصل إليه، وإن لم أصل إليه أسير على دربه؟ فالناس بحاجة إلى العلماء، مثل حاجتهم إلى الماء والهواء أو أكثر، فانشغلوا بالعلم، فالعلم أفضل طاعة تطيعون الله بها، والعلم هو أفضل ما تقدمه بين يديك يوم القيامة، فإذا كنت من العلماء وقفت خلف الأنبياء. فالناس لهم صفوف ولهم درجات عند الله يوم القيامة، فإذا كنت عالماً كانت درجتك تحت النبي، فلماذا تريد أن تكون في الأسفل؟ إن الله يحب عالي الهمة، فأنا أهيب بإخوتي أن ينشغلوا بالعلم، وينقضوا عليه، ويجتهدوا، فلا تنم إلا قليلاً، ولا تأكل إلا قليلاً، واجعل غذاءك العلم، وكما قيل: الرزق رزقان، رزق القلوب، ورزق الأبدان، ورزق القلوب أفضل وأروع من رزق الأبدان؛ لأنه هو الذي به النجاة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.