← Акыда

Акыда · id 37435

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (838 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

اهتمام عمر ﵁ بالتوحيد اهتم عمر بالعلم وقال: أهم العلوم التي يرتقي بها المرء التوحيد؛ إذ إن العقيدة السليمة هي التي يصل بها المرء إلى الله وإلى جناته دون أدنى حساب، فالتوحيد هو أهم العلوم التي لابد أن ينصب الاهتمام عليه؛ لأن التوحيد أشرف العلوم، وشرف العلم من شرف المعلوم، ولا أحد أشرف من الله جل وعلا، فـ عمر ﵁ وأرضاه انبرى ليحافظ على توحيد الله، فقد بعث عمرو بن العاص إلى مصر ونظر إلى العقائد الخربة وحبال الشرك فقطعها، وسد الذرائع عن الشرك، وقد كانت تنتشر في مصر عقائد خربة جداً، هي العقائد الفرعونية التي مازال كثير من الناس يتغنى بها ويفتخر بها. فـ عمر لما بعث عمرو بن العاص لفتح مصر وفتحها، جاء أهل مصر إلى عمرو بن العاص فقالوا له: عادتنا كل عام في شهر معين أنه بعدما تمر عشرة أيام من هذا الشهر نأتي ببنت فنزينها أحسن الزينة، ونلبسها أحسن الثياب بالحلي والذهب، ثم تلقى في النيل، حتى يجري النيل ولا يحدث الجفاف فيه، فبين عمرو بن العاص أن هذا من الشرك، وأن هذه عقائد خربة لابد أن تقطع، وقال: لا تفعلوا هذا، فلما سمعوا له وأطاعوا ابتلى الله صدقهم فحدث الجفاف، ولم يجر النيل، فبعث عمرو إلى عمر مستشكلاً، وقال: القصة كذا وكذا وكذا، فقام عمر فأثنى على عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه؛ لأنه بين لهم العقيدة الصحيحة، ثم كتب بطاقة وكتب كتاباً على هذه البطاقة، وقال لـ عمرو بن العاص: إذا وصلت هذه البطاقة فألقها في النيل، ففتح البطاقة فوجد فيها التوحيد الخالص الذي يبين أن العبودية هي رأس الأمر، وجد فيها: من عبد الله عمر بن الخطاب إلى نيل مصر، وأما الذين يتغنون به ويقولون: مصر هبة النيل، فهذا شرك محض، وهذا من الألفاظ التي لابد أن تعدل في أفراد المسلمين، فمصر هي هبة الله جل وعلا، والنيل هبة الله، والذي يهبنا الحياة هو الله جل وعلا، والذي يهبنا الرزق هو الله جل وعلا النافع الضار. فـ عمر ﵁ وأرضاه انبرى ليحقق كامل التوحيد، فقال: من عبد الله عمر بن الخطاب إلى نيل مصر، إن كنت تجري بأمرك فلا تجر ولا حاجة لنا بك، وإن كنت تجري بأمر الواحد القهار فنسأل الله أن يجريك. هذا هو التأسيس الصحيح للعقيدة، فالنيل لا يملك شيئاً، ولا أحد يملك شيئاً، وأنا وأنت لا أحد منا يملك لأحد شيئاً، حتى كبيري في العمل لا يملك لي شيئاً، بل لا يملك لنفسه شيئاً، ولا أحد في هذه الدنيا يملك لأحد شيئاً، لا دول تتحكم في مقدرات الناس، ولا أشخاص ولا جماعات ولا طوائف، فالله جل وعلا هو النافع الضار، وهو المعز المذل، ولذلك قام عمر يؤكد أصول التوحيد التي إذا أثرت في القلوب انتهى الظلم، وارتقى المرء وارتفع عند ربه جل وعلا، وتحققت كل الأماني، فقال مخاطباً النيل: إن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا بك، وإن كنت تجري بأمر الله فنسأل الله جل وعلا أن يجريك، وما إن ألقيت هذه البطاقة إلا وأجرى الله النيل عشرة أذرع وكثر كثرة لم يعهدها مثلها؛ كرامة لتحقيق التوحيد من عمر ﵁ وأرضاه، وهذه القصة مشهورة جداً، وما ذكرتها إلا لشهرتها، وفي إسنادها ابن لهيعة وهو مختلف في تجريحه وتوثيقه. ومن جوانب حب عمر للتوحيد وسده ذرائع الشرك: أنه كان إذا طاف بالكعبة مضى إلى الحجر فقبله، ثم قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر. حتى يظهر للناس أن النافع الضار هو الله، وأن المعز المذل هو الله جل وعلا، فقال: إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولكني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك فقبلتك، فقعد قواعد عظيمة في التوحيد: أما الأولى فهي قاعدة مهمة في قلوب الناس: فإن النافع الضار هو الله جل وعلا، فابتهل لربك وتذلل إلى ربك ولا تعتقد إلا في ربك، لا تعتقد في البشر، فهم لا ينفعونك ولا يضرونك. القاعدة الثانية: التسليم التام لأوامر الله جل وعلا، فإذا أمر الله بالسجود لبشر نسجد للبشر؛ لأن الله أمر به، كما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم مع أن السجود لا يكون إلا لله، لكن كان السجود امتثالاً لأمر الله جل وعلا، وإذا أمر الله جل وعلا بتقبيل الحجر فيقبل الحجر إرضاءً لله جل وعلا. أيضاً من مظاهر حب الفاروق للتوحيد: أنه كان بعض التابعين يريدون التبرك بشجرة موقعها من أهم المواقع، وهذه الشجرة هي التي حدثت عندها بيعة الرضوان، وذلك لما أنبئ النبي ﷺ بأن عثمان ﵁ قد قتل، فبايعهم على الموت، وأنزل الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، فكان كثير من التابعين وكثير ممن يعرفون فضل هذه الشجرة يذهبون فيصلون عند هذه الشجرة، فأراد عمر ﵁ أن يقطع دابر الشرك؛ لأن هذا من باب التبرك الممنوع. فالتوحيد مهم جداً، والله! ما ننتصر إلا بالتوحيد، ولا نرتقي إلا بالتوحيد، ولا ترفع عنا الغمة إلا بالتوحيد: لأن الله جل وعلا ما أنزل الكتب إلا للتوحيد، وما أرسل الرسل إلا للتوحيد، والله ما رفع علم الجهاد إلا للتوحيد. واليهود لعنة الله عليهم جميعاً هم الذين وضعوا الشرك وأسسوه في الأمم، وقد كان المشركون يتبركون بشجرة، ويقولون: النصر من عندها، فقال بعض الصحابة الذين كانوا حديثي عهد بالجاهلية: (يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال لهم الرسول ﷺ : الله أكبر! قلتم مثلما قال أصحاب موسى لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨])، فبين أن هذا من الشرك، فـ عمر كان يخشى من ذلك، وكان يعلم أن النبي ﷺ حرج على الصحابة، وقال: (الله أكبر! قلتم مثلما قال أصحاب موسى لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]) فقطع هذه الشجرة وقطع دابرها حتى لا يتبرك بها؛ إعلاناً لكلمة التوحيد، فرضي الله عن الفاروق الذي حافظ على جناب التوحيد. ومن جوانب العظمة لهذا الشخص العظيم: أنه عزل خالداً أيضاً؛ حفظاً لجناب التوحيد، فإنه لما تولى الخلافة بعث إلى خالد يعزله من إمارته، فلما عوتب: كيف تغمد سيفاً سله رسول الله، بل سله الله جل وعلا قبل أن يسله رسوله ﷺ ؟ فاعتذر للناس بوجاهة، وبعلم دقيق وفقه عالٍ، فقال: رأيت الناس قد افتتنوا بـ خالد. يعني: لأنه ما في معركة دخل فيها خالد إلا وجعل الله النصر على يديه حتى في الجاهلية. ففي غزوة أحد كان خالد ﵁ وأرضاه سبب الهزيمة للمسلمين، قال: فأردت أن يعلموا أنه بصنيع الله لا بصنيع خالد، فعزله حماية للتوحيد حتى لا يفتتن به الناس.

стр. 772

اهتمام عمر بعبادات الناس ومن جوانب العظمة في شخصية عمر أنه اهتم بعبادات الناس بعدما اهتم بالتوحيد الخالص؛ لأنهم لن يصلوا إلى ربهم جل وعلا إلا بتوحيد خالص ولن يرتقوا عنده إلا بتوحيد خالص، فاهتم بعبادات الرعية واهتم بالدين؛ فإن الدين هو الذي يأتي بالنصر، وكان صلاح الدين الأيوبي يمر على جنوده فينظر: إن رآهم في قيام الليل وقراءة القرآن وذكر الله قال: من هنا يأتي النصر، وإن مر عليهم فوجدهم يمرحون ويلعبون قال: من هنا تأتي الهزيمة، وما من قائد عسكري كان من لدن الخلافة التي جابت مشارق الأرض ومغاربها إلا كان يهتم بالعبادة. وإذا نظرنا في انتصاراتهم ومحصنا النظر وقرأنا في التاريخ نرى أنه لا يمكن أن ينتصر إلا أن يُعْبِّد الناس لله جل وعلا، ثم يذهب بعد ذلك إلى القتال، والله جل وعلا يجعل النصر لأهل الإسلام، فكان يقول: عبادة الناس هي التي تأتي بالتمكين للحق، وبالنصر للحق، فكان يهتم بأهم العبادات وبالركن الرصين والأصل الأصيل لهذا الدين وهو الصلاة، ويضرب عليها، ويضرب على الخشوع فيها، بل جمع الناس لصلاة التراويح، ولما نظر إلى المسجد ووجده يؤمه رجل واحد، ووجد الناس يصلون مع هذا الإمام، قال: نعمت البدعة هي، ويقصد بذلك المعنى اللغوي. وكان يضرب على الخشوع وكان هو يخشع بلسان الحال، فمرة صلى بالناس في الفجر فقرأ من سورة يوسف حتى وصل إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] فبكى بكاءً شديداً حتى سمع نحيبه من آخر الصفوف، فرضي الله عنه. وكان يعدد الطرق للعبادات، فلعبادة الحج كان من المسارعين، فقد حج مع الناس عشر سنوات، وعلم الناس مناسك الحج، وفي الزكاة وفي الصوم كان يحث الناس على الزكاة، ونشر الدواوين، وكان يهتم بإبل الصدقة، وهو الذي أمر بوسم إبل الصدقة ليميزها عن غيرها.

стр. 773

اهتمام عمر بأحوال رعيته الدنيوية كانت اهتمامات عمر بن الخطاب لرعيته بأمر دينهم أهم شيء، فإذا تولى الإمارة قال: دين الناس أولاً، ثم دنيا الناس ثانياً، فلما اهتم بدين الناس ورأى الناس قد أتموا هذه العبادات بدأ في الاهتمام بأمر دنياهم، وأمر الدنيا هي: معاملات، فكان يدخل السوق ومعه الدرة ينظر إلى الباعة فيقول للبائع: تعلمت فقه البيوع؟ فإذا قال له البائع أو المشتري أو التاجر: لا، ضربه بالدرة وقال: وقعت في الربا لا محالة. وكان دائماً يذكر الناس بحديث النبي ﷺ : (يا معشر التجار، إن التجار يوم القيامة يأتون فجاراً إلا من صدق وبر)، فمر على رجل قد غش اللبن، جعل مع اللبن الماء، فأراق كل اللبن تعزيراً له، ولذلك استند العلماء الذين يقولون بجواز التعزير بالمال إلى فعل عمر ﵁ وأرضاه. وكان يحث الناس على التجارة، يقول: اتجروا في الأموال حتى لا تحتاجوا إلى مثل هؤلاء، فلا تحتاج إلى كافر، أو تحتاج لرجل أقل منك أو أدنى منك، فيقول لأصحاب الوجاهات: اتجروا بهذه الأموال، فاهتم بالمعاملات، واهتم بنشر فقه البيوع ﵁ وأرضاه حتى تسلم دنيا الناس. وكان يأمر عماله أن يعلموا الناس فقه البيوع، ودخل الأسواق فوجد الاحتكار فمنع الاحتكار، ومنع الغش، ولم يسعر، إذ إن النبي ﷺ قعد هذه القاعدة لما قالوا له: (سعر لنا، قال رسول الله ﷺ : إن الله هو المسعر، وإني أرجو أن آتي يوم القيامة وليس لأحد عندي مظلمة).

стр. 774

حراسة عمر ﵁ لرعيته من اهتمامه برعيته أنه كان يحرسهم ليلاً مع أن الحراسة كانت للشرطة، وهي التي لها الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن عمر كان هو الذي يحرس رعيته ﵁ وأرضاه، ويضرب أروع الأمثلة في الحفاظ على الرعية، فكان يعس ليلاً، يدور ليحرس الرعية، وكان من ثمار هذا الحفظ من عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: أنه كان يسد الخلة عن الناس ويحفظ الأعراض. فقد مر ليلاً ببيت فسمع امرأة تتكلم وتقول: ألا سبيل إلى خمر فأشربها أم هل من سبيل إلى نصر بن حجاج؟ فاندهش من هذا البيت الذي يدعو للريبة من امرأة مسلمة تطلب كأساً من خمر أو تطلب رجلاً يسمى نصر بن حجاج، فلما أشرق الصبح قال: ائتوني بـ نصر بن حجاج، ففتشوا المدينة حتى أتوه بـ نصر بن حجاج، يقول الراوي: فرآه أصبح الناس وجهاً -أي: أجمل الشباب- وأحسنهم شعراً، فقال له -حفظاً على الأعراض-: احلق شعرك، فحلق شعره فوجده أجمل مما كان، فقال له: تعمم، فصار أجمل مما كان، فقال: ستفتتن النساء بمثل هذا الرجل، فبعدما وجد الجمال منه في كل حالة أمر بأن يرحل إلى البصرة حيث الجهاد؛ حتى لا يهتم بنفسه ولا تفتن به النساء، عمل هذا حفظاً على رعيته. وأيضاً: مر ذات ليلة على امرأة فسمعها تقول بعدما أرخى الليل سدوله: تطاول هذا الليل واسود جانبه وليس إلى جنبي ضجيع ألاعبه فوالله لولا الله تخشى عواقبه لحرك من هذا السرير جوانبه فرأى امرأة تشتاق إلى رجل وتقول: سيتحرك السرير لولا تقوى الله جل وعلا، فخشي على رعيته من الزنا، فسأل عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عن صاحب هذا البيت، فقالوا: هذا البيت لفلان، وسأل عن زوجته فبعث إليها، وقال لها: سمعت منكِ كذا وكذا، ما بالك تقولين هذا؟ فبينت له أن زوجها قد ابتعد عنها أشهراً عديدة ولم تستطع الصبر، فذهب إلى حفصة -وهنا أخذ الفقهاء قاعدة في بعد الرجل عن زوجته- فقال: يا ابنتي! ما المدة التي تحتمل فيها المرأة البعد عن زوجها؟ فطأطأت رأسها حياءً من أبيها، قال: عزمت عليكِ أن تقولي، فقالت: أربعة أشهر، فحددت أن الرجل لا يبتعد عن امرأته أكثر من أربعة أشهر، ومع أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، لكن عمر أراد أن يحافظ على رعيته ويحافظ على دينهم، فكتب: لا يغزون أحد فوق أربعة أشهر، ولا تخرج سرية فوق أربعة أشهر، فعل كل هذا حفاظاً على الرعية. وأيضاً: لما كان يعس ليلاً جاءت رفقة فنزلت بالمصلى، فقال لـ عبد الرحمن بن عوف: ما رأيك أن نبيت نحرسهم؟ قال: نعم، فذهب معه عبد الرحمن، فسمع عمر بن الخطاب بكاء طفل، فذهب إلى أمه قال: يا امرأة! أما تتقين الله في هذا الطفل أو هذا الصبي؟ وتركها وذهب، حتى إذا كان آخر الليل وهو ما زال يسمع البكاء فذهب إليها فقال: والله! إنكِ أم سوء، كيف لا تتقين الله في هذا الصبي؟ فقالت: يا رجل! إليك عني، إني أشغله عن الرضاع ولا ينشغل، قال: فلمَ لا ترضعينه؟ قالت: فطمته، قال: ولم تفطميه؟ فقالت: إن عمر لا يكتب الفرض -أي: لا يعطي عطاء بيت مال المسلمين- لكل مولود في الإسلام إلا إذا فطم، فـ عمر بن الخطاب حدد العطاء للذي يفطم، فكانت بعض النساء التي ترضع ابناً تفطمه قبل الحولين حتى تأخذ المال، فقال لها: لا تفطميه، ثم صلى بهم الصبح، وبعد أن صلى بكى بكاءً شديداً، ثم قال: ابعثوا في الأمصار: كل مولود فطم أو لم يفطم فله حصة كذا وكذا، ثم قال: يغفر الله لـ عمر كيف قتل أولاد المسلمين، أو كم قتل من أولاد المسلمين؟ فهذا من باب حفظه على رعيته وعدله معهم ﵁ وأرضاه. وكان أيضاً يعس ليلاً، ومن فوائد هذه الحراسة ليلاً أنه سمع امرأة تقول لابنتها: ضعي على اللبن الماء، فقالت: يا أماه! اتقي الله، أما علمتِ أن أمير المؤمنين قد حرج على ذلك أو حرم هذا؟ فتحريم الأمير إن كان لا يخالف الشرع يجب اتباعه، فقالت: قد حرم أمير المؤمنين ذلك، فقالت لها: أين أمير المؤمنين الآن؟ فقالت البنت: إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فإن رب أمير المؤمنين يرانا! فأعجب عمر بذلك، وزوجها بابنه، فخرج من هذا النسل الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه ورضي الله عن الصحابة أجمعين.

стр. 775

ورع عمر ﵁ وخوفه كان دأب عمر في رعيته حفظ دينهم أولاً بالتوحيد، ثم بالعبادات، ثم بالمعاملات، ثم حفظ أعراضهم، وحفظ أموالهم. وارتقى حفظ عمر وانشغاله بالرعية من بني آدم إلى الحمير والغنم والإبل، فبعدما حفظ رعيته من بني آدم قال: الإبل والبهائم لها علينا حق، فما ترك حق البهائم، وهو الذي قال الكلمة المشهورة التي كل مسلم دائماً يلوكها في فمه، وهي: لو عثرت دابة في العراق لسئل عنها عمر. ويقال: إن عمر نظر إلى جمل فوجد عليه إعياءً وعرقاً شديداً، فأخذ يده على ذفره وقال: اسكن اسكن، أخشى والله! أن يسأل عمر عنك! واشتهى عمر مرة سمكاً طرياً، فقال لعامله: اشتهيت السمك، فذهب يبحث له عن السمك وبقي ليلتين ذهاباً وإياباً حتى أتاه بالسمك، فشق على الجمل، فقال: ذهبت تأتي بهذا السمك ليلتين على هذا البعير؟ قال: نعم، قال: عذبت بعيراً من أجل شهوة بطني، والله! لا آكله أبداً، وحرمه على نفسه طاعة لله جل وعلا. وكان يرفق كثيراً بإبل الصدقة، وكان هو الذي يعاملها، فقد دخل عليه رجل فوجده يسم إبل الصدقة -أي: يميزها عن غيرها من الإبل بعلامة- فقال: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين! أما كان عبد من عبيد الصدقة يقوم بذلك عنك؟ فقال له عمر بن الخطاب: أو عبد غيري؟ يعني: أن حق الأمير على الناس أن يكون لهم خادماً. فرضي الله عن عمر ورضي الله عن الصحابة أجمعين، وهذه جوانب من باب جوانب العظمة في شخصية هذا الرجل الفذ الذي يعد أمة وحده.

стр. 776

تعامل عمر مع أهل الكتاب من جوانب هذه الشخصية تعامل عمر ﵁ مع أهل الكتاب، وهذا سنفصله تفصيلاً تاماً بإذن الله في الدرس القادم، ولكن نذكر نتفاً صغيرة منه؛ فقد كتب عمر بن الخطاب إلى حذيفة يشدد عليه الوطأة لما أرسل إليه حذيفة: إني قد تزوجت امرأة من أهل الكتاب -امرأة يهودية- فقال له: أنكحت المومسات وتركت المسلمات؟ وشد عليه الوطأة، حتى بعث إليه حذيفة فقال: يا أمير المؤمنين! أحرام النكاح من أهل الكتاب؟ فبين له المسألة الفقهية، وسنسرد الكلام الذي كان بين حذيفة وبين عمر، حتى نزل حذيفة على أمره وطلق هذه المرأة. وأيضاً: لما جاءه أبو موسى الأشعري بعامل من النصارى يعمل عنده، فلما دخل عليه أبو موسى يبين له الكتب لم يدخل معه، فقال له: لِمَ لم يدخل هذا الرجل، أجنب هو؟ فقال له: لا يا أمير المؤمنين! قال: لِمَ لم يدخل المسجد؟ قال: هو نصراني، فغضب عليه غضباً شديداً، وقال: كيف تكرمونهم وقد أهانهم الله؟ وكيف تقربونهم وقد أبعدهم الله؟ ثم قال له: والله! ما رأيت أكفأ منه، فقال له: عليك بالمسلم، وقال له عمر حاسماً للمادة منهياً للقضية: مات النصراني -أي: اعتبر النصراني مات- وانظر إلى مسلم يقوم مقامه. وسنبين كيف أجلاهم، وكيف عاملهم، وكيف فتح البلاد، وكيف أنه عبدهم لله جل وعلا ولم يخضع لهم ﵁ وأرضاه، وسنبين كل هذا في الدرس القادم بإذن الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 777

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - فضائل عثمان بن عفان عثمان بن عفان ﵁ هو الخليفة الراشد الثالث، وله فضائل كثيرة، ومناقب عديدة، وأعمال عظيمة، من أعظمها أنه جمع القرآن على حرف واحد، وأنقذ الله به الأمة من الاختلاف في وجوه القراءات، وقد قتل صابراً محتسباً مظلوماً شهيداً، فرضي الله عنه وأرضاه.

стр. 778

ترجمة عثمان بن عفان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: نحن على موعد مع ثالث الخلفاء الراشدين، مع الذي استحيت منه الملائكة، إن فضائله جمة، فقد ثبته الله جل وعلا، وقتل صابراً محتسباً شهيداً مظلوماً، وارتقى عند ربه جل وعلا، وحظي بالمكانة السامية عند رسول الله ﷺ ، فهو ختن رسول الله الذي فضله النبي ﷺ على كثير من أصحابه وزوجه بابنتيه، وورد في بعض الروايات التي يتسامح فيها أن رسول الله ﷺ قال: (لو كانت عندي الثالثة لزوجتك إياها)، نحن مع عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه.

стр. 779

اسمه ولقبه وكنيته عثمان بن عفان بن أبي العاص يلتقي مع النبي ﷺ في الجد الرابع ابن عبد مناف. وكان أصغر من النبي ﷺ بست سنوات. لقب بـ ذي النورين، لقبه به كثير من الصحابة، بل إن علي بن أبي طالب لما سئل عنه قال: هذا الرجل يدعى عند أهل السماء بذي النورين، ختن رسول الله ﷺ . ولقب بهذا اللقب؛ لأنه تزوج بـ رقية ثم بـ أم كلثوم ﵃ أجمعين، وقد تزوج بـ رقية قبل النبوة والمبعث ثم في غزوة بدر مرضت مرضاً شديداً وامتنع من حضور بدر بسبب تمريض بنت النبي ﷺ بأمر منه، وماتت في وقت غزوة بدر، وضرب الله له بسهم في غزوة بدر، فلما ماتت زوَّجَه النبي ﷺ بـ أم كلثوم ﵁ وأرضاه. أما كنيته فكان يكنى بـ أبي عمرو، وقيل: كان يكنى بـ أبي ليلى لرقته ودماثة خلقه ولين جانبه ﵁ وأرضاه، فلما ولدت له رقية عبد الله كني به ﵁ وأرضاه. فضائله جمة لا تحصر لكن سنتكلم بإيجاز عن فضائله، ثم عن الفتوحات التي كانت في عصره، وفي جوانب عظمة شخصيته، ثم فتنة مقتله، ونبين أن فتنة مقتل عثمان ﵁ وأرضاه فتنة كبيرة جعلت هذه الأمة تحلب دماً بدلاً من اللبن بسبب مقتل عثمان ﵁ وأرضاه.

стр. 780

فضائله كان عثمان ﵁ وأرضاه زاهداً ورعاً عابداً فقيهاً عالماً، روى عن النبي ﷺ مائة وخمسين حديثاً، وكان ﵁ وأرضاه -كما اتفق الصحابة- من أعلم الصحابة على الإطلاق بالمناسك، ويخلفه بعد ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان من فقهاء الصحابة فهو عالم فقيه محدث، وكان عابداً لله جل وعلا قانتاً له، لا يترك صيام النهار عملاً بحديث النبي ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً). فكان صواماً للنهار قواماً لليل، حتى أثر عنه أنه كان يختم القرآن في ليلة واحدة في ركعة واحدة. ولما حج بالناس قام في الحجر من العشاء إلى الفجر يختم القرآن، وقد أنزلت فيه الآيات كما جاء ذلك عن عبد الله بن عمر بن الخطاب في قول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] قال ابن عمر: هذه في عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه. فكان قواماً لليل صواماً للنهار، ويكفيه أنه الذي بين لنا كيفية وضوء النبي ﷺ كما في الصحيحين: (أنه أخذ تنوراً فيه الماء فغسل يديه ثلاثاً، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، ثم غسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسح برأسه وغسل رجليه ثلاثاً ثم قال: توضأ رسول الله نحو وضوئي) يعني: هذا الوضوء بالضبط هو الذي توضأه النبي ﷺ ، وهذا من فقهه ودقة نظره لأفعال رسول الله ﷺ . قال: (توضأ رسول الله ﷺ نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه). والمعنى لا يفكر في أمور الدنيا ولو هجمت عليه أمور الدنيا سارع بردها، حتى يفرغ قلبه لله جل وعلا ولتدبر الآيات. قال: (غفر له ما تقدم من ذنبه). فرضي الله عن عثمان الذي بلغنا عن رسول الله ﷺ هذه الفائدة العظيمة. وكان سخياً كريماً زاهداً ﵁ وأرضاه. جواداً كريماً فالجود والكرم كانت من خلاله، وكان الحياء مع الجود والكرم صديقان له ملازمان لشخصيته، والحلم والأناة كانت من صفاته أيضاً، فـ عثمان بن عفان كان من أجود الناس، أنفق كل ماله في سبيل الله، وكان له السبق في الإسلام والهجرة كما سنبين، وبعد الهجرة واجهت المسلمين مشكلة أيما مشكلة، وهي مشكلة الماء، فقد قدر الله بحكمته أن الماء يكون في يد خبيث لعين من أحفاد القردة والخنازير، وهي بئر رومة، فقد كان يمتلكها يهودي، وكان يرفع السعر على المسلمين فيشترون منه الماء بثمن غالٍ، فاشتد ذلك عليهم وشق ذلك على رسول الله ﷺ ، فاستشرفت نفسه إلى من يجود بما معه من المال ليشتري هذا البئر للمسلمين ويكفيهم مئونة الماء، فعلم عثمان بن عفان بحكمته ﵁ وأرضاه ماذا يريد رسول الله، فذهب فساوم اليهودي على بئر رومة، فما أراد الرجل أن يبيعها له على الإطلاق، فقال: تأخذ أنت نصفها وأشتري أنا نصفها، فاشترى نصفها باثني عشر ألفاً، ثم أوقف النصف الذي اشتراه على المسلمين، فالبئر تكون يوماً لـ عثمان ويوماً لليهودي، فكان اليوم الذي لـ عثمان يأتي المسلمون فيأخذون من الماء ليومين، ويصبح اليوم الذي يمتلكه اليهودي فارغاً لا يأخذ منه ماء ولا ينتفع به، فلما علم اليهودي أن المسلمين أوقعوه في حفرة لا يخرج منها ذهب فساوم عثمان على النصف الآخر والشطر الآخر فاشتراه منه وأوقفها كاملة في سبيل الله جل وعلا، ولذلك كان النبي ﷺ يقول: (من يشتري بئر رومة وله الجنة؟). فحازها عثمان ﵁ وأرضاه. ولما اشتد بالمسلمين البأس في تجهيز جيش العسرة، وكان النبي ﷺ قد استنصر الناس لينفقوا على الجيش الذي سيذهب لتأديب أتباع الروم، فجاء عثمان بألف بعير بأقتابها وما عليها، وبأموال طائلة وضعها في حجر النبي ﷺ ، وسر النبي ﷺ ، وظهر الفرح على وجه الرسول ﷺ ، فنظر إلى عثمان وقال: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم). وهذا يقطع ألسنة كل من أخذ على عثمان ﵁ وأرضاه أي مأخذة، فأي فعل يفعله يغمر في ميزان حسناته ﵁ وأرضاه. وهو من السابقين إلى الإسلام فقد سبق إسلامه ستة أو سبعة فقط، وكان إسلامه على يد أبي بكر ﵁ وأرضاه، فقد كان عثمان ذا عقل راجح فذهب إليه أبو بكر ليدعوه إلى الإسلام فقال: ويحك يا عثمان! أتعبد صنماً لا يضر ولا ينفع وتترك رب الأكوان؟ فأخذه إلى رسول الله ﷺ ، كلمة واحدة تؤثر في القلوب النقية، أما القلوب القاسية فهي بعيدة أبعد ما تكون عن الله جل وعلا، ولذلك دائماً أنا أقول: محل مقياس الناس ومقامات الناس عند رب الناس هو نقاء القلوب، ولذلك عثمان ﵁ وأرضاه ما لبث أن سمع الكلمة حتى رق قلبه للإسلام، فدخل على رسول الله بقلب صاف نقي فقال له الرسول ﷺ : (يا عثمان! أجب داعي الله إلى جنته). فبكى بين يدي رسول الله ﷺ ، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فالقلوب النقية البيضاء الصافية تدخل إلى دين الله جل وعلا، فكان ﵁ وأرضاه ذا عقل راجح وقلب نقي. وكان مع هذا اللين والرقة شجاعاً، والشجاعة تظهر عند الحزم في الأمور، وعندما يكلف بمهمة يتقاعس عنها أشجع الناس فتظهر شجاعته، وهذه الشجاعة ظهرت جلية في السفارة عند صلح الحديبية، وذلك لما طلب النبي ﷺ من عمر بن الخطاب أن يكون سفيراً إلى قريش يبين المسألة التي بينه وبين النبي ﷺ اعتذر عمر، ثم كلف النبي ﷺ عثمان فذهب عثمان حتى أن بعض الصحابة اغتبط عثمان في ذلك وقال: هنيئاً له سيطوف بالبيت، ولننظر إلى النبي ﷺ كيف يظن في عثمان، فقد قال رسول الله ﷺ : (لا والله! لا يطوفن البيت قبل أن نطوفه) ولما ذهب عثمان إلى مكة رأى البيت وهو متشوق إلى أن يطوف بالبيت فقال: لا أطوف بالبيت ورسول الله ﷺ لم يطف به، ومنع نفسه الطواف. والمقصود أنه قبل أن يكون سفير النبي ﷺ إلى قريش، وهذه من بطولاته وشجاعته. ومن شجاعته الحازمة أيضاً أنه جمع القرآن في مصحف واحد وهو مصحف عثمان الذي وحد الله به الأمة، وهذه من المآخذ التي أشعلوها فتنة عليه كما سنبين. والمقصود أن فضائل عثمان كثيرة جداً، فله المكانة السامية السابقة عند رسول الله ﷺ ، وكفى أن النبي ﷺ بشره بالجنة وهو يمشي على رجليه بين أظهر الناس، وفي الحديث: (وقف النبي ﷺ على جبل أحد فاهتز به، فقال النبي ﷺ : اثبت أحد، ما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان). وكان عليه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان بن عفان، فأما عمر وعثمان فكانا شهيدين ﵄. وأيضاً قيل في رواية أخرى: (وقف النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فاهتز فقال النبي ﷺ : ما عليك إلا نبي وصديق وشهيد). وشهيد هنا نكرة في سياق النفي فتعم، فكأن المعنى: كل من عليك شهيد، فالنبي ﷺ مات شهيداً، وأبو بكر مات شهيداً أيضاً، وعمر وعثمان وطلحة كل هؤلاء ماتوا شهداء كما في وقعة الجمل. والنبي ﷺ بشره بالجنة لما كان أبو موسى بواباً له ففي الحديث: (دخل النبي ﷺ في حائط، فقال أبو موسى: سأكون بواباً لرسول الله اليوم، فجاء أبو بكر يستأذن فقال أبو موسى: انتظر، فدخل إلى النبي ﷺ فقال: من؟ قال: أبو بكر. قال: ائذن له وبشره بالجنة. فدخل أبو بكر على رسول الله ﷺ فوجده جالساً في الحائط تتدلى رجله في الماء، فجلس بجانب النبي ﷺ على يمينه وأدلى برجله في الماء، ثم جاء عمر يستأذن. فقال أبو موسى: مهلاً، فدخل على رسول الله ﷺ فقال: من؟ قال: عمر. قال: ائذن له وبشره بالجنة. فبشره بالجنة ودخل وجلس في الجانب الأيسر للنبي ﷺ . ثم جاء عثمان ﵁ وأرضاه فاستأذن فقال أبو موسى: مهلاً، فقال النبي ﷺ : من؟ قال: عثمان. قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه). وهذه البلوى كما سنبين في مسند أحمد أن النبي ﷺ بينها أيما بيان لـ عثمان نفسه. (فدخل عثمان فتغير وجهه وقال: الله المستعان). يعني: سيبشر بالجنة على بلوى تصيبه (فدخل عثمان ثم جلس مقابل رسول الله ﷺ . ففي مسند أح

стр. 781

مبايعته بالخلافة لما مات عمر بويع عثمان بالخلافة، واختلف كيف بويع عثمان هل بالتنصيص أم بويع له ﵁ وأرضاه بالاختيار؟ والصحيح الراجح أنها كانت بالاختيار؛ لأن عمر بن الخطاب قال: لئن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني وهو النبي ﷺ . ثم كتب الستة الذين مات عنهم رسول الله ﷺ وهو راض عنهم وهم: سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وعلي، وكأن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يلمح بـ سعد بن أبي وقاص فقد قال: وإن ولي هذا فهو لها. يعني: هو الجدير بالخلافة، وقال: لم نعزله لخيانة أو عجز. فكان يرى أن أصلح الناس للخلافة هو سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه؛ لأنه كان يرى في عثمان اللين، وكان يقول في علي: إن تولاها علي ففيه دعابة، ولكنه سيحملهم على الحق. وكان يرى في عبد الرحمن بن عوف أنه أمين وإيمانه يعدل نصف إيمان الأمة، لكنه لين، كما قال النبي ﷺ لـ أبي ذر: (إنك رجل ضعيف وإنها أمانة ويوم القيامة تكون حسرة وندامة). فأشار إلى ذلك وألمح، وقال لهؤلاء الستة النفر: عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه شاهد لكم ويحكم بينكم، يعني يفصل بين الأقوال، ثم أعطى الزبير وطلحة صوتهما لـ علي بن أبي طالب وعثمان، وبقي عبد الرحمن بن عوف فقال: أيكم ينخلع عنها؟ فسكت علي وسكت عثمان، حتى أنهما تقدما ليصليا على عمر فقال عبد الرحمن: ارجعا كلاكما يريد الخلافة، يصلي عليه صهيب حتى يفصل في النزاع، فسكت، فقال عبد الرحمن: أتولاها أنا، فمر على الصحابة فوجد أن الصحابة لا يفضلون على علي وعثمان أحداً، فانفرد بـ علي فقال: أخذت عليك ميثاق الله إن لم تأتِ إليك الخلافة من تولي؟ قال: عثمان. ثم ذهب إلى عثمان وقال: إن لم تكن الخلافة لك من تراه يكون؟ قال: علي. فذهب عبد الرحمن بن عوف فدار على بيوت الأنصار وذهب على أصحاب رسول الله، حتى ذهب إلى النساء في خدورهن فما عدلوا بـ عثمان أحداً. وهذا يعتبر إجماعاً من صحابة رسول الله على أن أفضل الأمة بعد أبي بكر وبعد عمر هو عثمان، وهذا هو الراجح الصحيح، وإن خالف بعض أهل السنة والجماعة ففضل علياً على عثمان، لكن الراجح الصحيح أن عثمان بن عفان هو أفضل هذه الأمة بعد العمرين ﵃ أجمعين. وعبد الرحمن بن عوف ذهب إلى منبر رسول الله ونادى علياً، فجاءه علي فقال: ابسط يدك فبسط يده. قال: تبايعني على أن تحكم كتاب الله وتتبع العمرين يعني أبا بكر وعمر؟ قال: لا آلو إلا أن أكون تبعهم على قدر استطاعتي، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] فسحب يده ثم قال لـ عثمان: قم. فقام عثمان فبايعه على نفس ما بايع علياً فقال: اللهم نعم. فبايعه، ثم كان أول من بايع عثمان علي بن أبي طالب، واستتم الأمر بفضل الله تعالى على عثمان، وأصبح أميراً للمؤمنين بعد الأيام الثلاثة التي جعلها عمر بن الخطاب ليختاروا لهم فيها أميراً عليهم. ولما تأمر عثمان في الست السنين الأولى اغتبط به الناس، وقدموه على عمر وفرحوا به أيما فرح، وكان لين الجانب ﵁ وأرضاه، وكان عمر قد حبس الصحابة في المدينة وقال: لا يخرج منكم أحد، حتى في الفتوحات الكثيرة التي فتحت للمسلمين، فقد خشي عمر على أصحاب رسول الله أن تأخذهم الدنيا عملاً بحديث النبي ﷺ قال: (ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم). ﵁ وأرضاه، لكن عثمان فتح لهم الأبواب وخرجوا في الأمصار، فبعد السنوات الست أشعلت الفتن، وهذا الذي سنختم به الكلام على عثمان.

стр. 782

جوانب العظمة في شخصية عثمان جوانب العظمة في شخصية عثمان كثيرة منها: أولاً: الاهتمام بالدين عن طريق عمارة المساجد، فقد اهتم بمسجد رسول الله ﷺ ، وزاد فيه البناء بالحجارة والنقش، وزاد في بناء مسجد رسول الله ﷺ ، فأخذ عليه ذلك وقيل له: كيف تفعل هذا ولم يفعله أبو بكر وعمر؟ فاحتج عليهم بفقهه أن النبي ﷺ قال: (من بنى مسجداً لله ابتغاء وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة). فكان أول من اهتم بمسجد رسول الله ﷺ وتوسعة المسجد. ثانياً: لما رجع حذيفة من معركة نهاوند مع الفرس بين له أن العراقيين يقرءون بلغة والمغاربة يقرءون بقراءة، والقرشيون يقرءون بقراءة، فخشي من تشرذم الأمة وأن تظهر العصبية الجاهلية، فأشار على عثمان أن يجمع المصاحف كلها على مصحف واحد، فاستعان عثمان بـ زيد بن ثابت وغيره من الصحابة الذين كانوا يحفظون كتاب الله جل وعلا وقال: إذا اختلفت القراءات فاجمعوها على قراءة قريش، وحملهم كلهم على مصحف واحد وهو مصحف عثمان ﵁ وأرضاه الذي بين أيدينا الآن، وهذه من فضائله ﵁ وأرضاه.

стр. 783

الفتوحات في عصر عثمان الفتوحات في عصر عثمان لم تكن كثيرة لكنها كانت إتماماً لفتوحات عمر، وكان هناك القمع للتمرد الذي حدث بعد موت عمر، فلما مات عمر وتولى عثمان كان كبير السن، فقد كان يكبر النبي ﷺ بسبع سنين فقط، وكان أكبر من عمر بن الخطاب، فكان شيخاً كبيراً عندما بويع له، فلما تولى عثمان الخلافة قال الفرس والروم: لا بد من إعادة الأمجاد، وتمردوا على الأمة الإسلامية، وابتدءوا يتحركون في الفتنة. وأفضل ما حدث وما يكتبه التاريخ ويسطره بماء الذهب لـ عثمان أنه أنشأ أسطولاً بحرياً للأمة الإسلامية، فـ عمر بن الخطاب خشي هذه الخطوة لما ذكر له السفن ورجال البحر وما أمر به لكن عثمان في عصره أنشأ أسطولاً بحرياً يقاتلون به، والمعركة التي دارت في البحر هي أشهر المعارك في العالم وهي ذات الصواري فقد كانت بين المسلمين وبين الروم، حتى أن المسلمين تشاوروا معهم أن يجعلوا المعركة على ظهر الأرض فأبوا فذهب المسلمون فربطوا سفنهم بسفن الروم ثم تجالدوا بالسيوف حتى أثخنوا قسطنطين قائد الروم بالجراح وفر، ونصر الله المسلمين. وفي الجهة الغربية كانت أيضاً معارك مع الروم، وأقوى وأروع ما يقال في هذا أن قائداً للمسلمين اسمه حبيب بن مسلم الزهري فقد كان مغواراً مقداماً شجاعاً، وكان في عشرة آلاف يعقد الألوية، فجاءه الروم بثمانين ألفاً، ثم طلب المدد فوصل إلى ثمانية عشر ألفاً، فلما عقد الألوية جاءته زوجته، فقالت: يا حبيب! أين ألقاك إذا حمي الوطيس وهاجت الرياح؟ -فانظروا الثابت- قال لها: اللقاء بيني وبينك في خيمة قائد الروم أو في الجنة، وانظروا إلى الثبات والقوة، يعني: إنه سوف يشق الصفوف قتلاً فيهم حتى يذهب إلى قائد الروم فيقتله لله جل وعلا، وفي المعركة ثمانية عشر ألفاً مقابل ثمانين ألفاً يتصارعون بالسيوف، وكتب الله النصر للمسلمين، وقابلته زوجته في خيمة قائد الروم بفضل الله جل وعلا عليه. فتمت الفتوحات وتسنى الأمر لـ عثمان.

стр. 784

الإرهاصات قبل حادثة مقتل عثمان بعد الست السنين الأولى حدثت الشائعات والفتن، وظهر المغرضون والمفتونون والمأثومون الذين أرادوا قتل عثمان، وحسدوا وحقدوا هذه الأمة الإسلامية، وأرادوا هدم عروش هذه الأمة التي دانت لها الدنيا بأسرها، فبدءوا يشعلون نيران الفتنة، فأتوا بشبه على عثمان حتى يرتقوا إلى خلع عثمان أو قتله وهذه الشبه هي: شبه في شخصية عثمان، ثم شبه دينية، ثم شبه سياسية في التعامل والإدارة، ثم شبه في التعامل مع الأفراد والأسرى، وأنا ألخص ما قاله ابن تيمية فـ عثمان غير معصوم، هذا الأصل، فإذا أخطأ أخطأ وهو غير معصوم لكن عثمان سبق الناس لفضله، وعثمان هو ذو النورين الذي تستحيي منه الملائكة، وعثمان ﵁ وأرضاه ولو وقع في الخطأ لضاع هذا الخطأ في بحر حسنات عثمان ﵁ وأرضاه. عبد الله بن سبأ اليهودي الخبيث اللعين دخل في الصف المسلم ليكون طابوراً خامساً من المنافقين ويشعل نار الفتنة، فـ عبد الله بن سبأ هو الذي خرب عقائد المسلمين، فقد جاء لهم فقال: المسلمون عندهم في أبواب الفقه القياس الجلي أو قياس الأولى وقياس العلة، فقياس الأولى عنده يقول: إذا أقررتم أنتم برجوع عيسى ﵇ ومحمد أفضل من عيسى فمن باب أولى أن يرجع محمد ﷺ ، يريد بذلك أن يخرب عليهم عقولهم، وأقرب الناس إلى هذه الفتن هم الشيعة الرافضة عليهم من الله ما يستحقون، فهم الذين أسقطوا الخلافة العباسية، وما من طامة كبرى نزلت على المسلمين إلا بسبب الشيعة، فأي خراب وأي دمار وأي هزيمة نكراء لا تأتي إلا من قبل الشيعة، حتى قام قائمهم يضرب حجر الكعبة ويأخذه ويقول: أين الحجارة من سجيل؟ أين الطير الأبابيل؟ متجاسراً على ربه جل وعلا. فالشيعة الباطنية أكفر ما يكونون، حتى المعتدلون منهم يقولون: ما عليك أن تأخذ اللقطة من سني أو من كافر، وإذا كانوا يعملون في الدوائر الحكومية فإذا خرج المسلمون نهبوا المكان، فهم يستحلون هذا المال غنيمة عندهم؛ لأن هؤلاء كفرة، فأهل السنة والجماعة أكفر أهل الأرض عند الشيعة، وهم الذين أشعلوا مع عبد الله بن سبأ الخبيث الفتنة، وألقوا بالشبهة الأولى الشخصية على عثمان فقالوا: إن عثمان ليس له فضل، فهو لم يشهد بدراً، وقد قال النبي ﷺ : (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم). الشبهة الثانية في شخصية عثمان ﵁ وأرضاه: أنه فر يوم أحد، ولم يقف في المعركة. الثالثة: إنه لم يحضر بيعة الرضوان، والله جل وعلا أنزل تعديله لأهل بيعة الرضوان، ولأهل بدر فلم يحضر بدر، ولا بيعة الرضوان، وفر يوم أحد، وكفى بهذا. وقد كفانا مئونة الرد عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه لما دخل عليه المصري عليه من الله ما يستحق يتنطع ويقول: يا ابن عمر! أما رأيت أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: اللهم نعم. قال: أما تقر أنه لم يحضر؟ قال: اللهم نعم. قال: أما رأيت أنه لم يحضر بيعة الرضوان؟ قال: اللهم نعم. فقال الخبيث: الله أكبر، فقام عبد الله بن عمر وقال: مهلاً! أما بدر فإن عثمان بن عفان قام يمرض بنت رسول الله ﷺ ، وضرب له النبي ﷺ سهماً في غزوة بدر فكان أفضل ممن حضر بدراً؛ لأنه قام بأمرين: قام بأمر رسول الله أن يمكث مع بنته، وقام بالأمر الثاني يمرض بنت رسول الله حتى دفنها، وضرب النبي ﷺ له بسهم في غزوة بدر. أما قولك: قد فر في أحد، فقد أنزل الله عدالته ومغفرته له من السماء السابعة حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٥٥]، ووجه الشاهد قوله تعالى: ((وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ)) فهذا تنصيص بأن الله عفا عمن فر يوم أحد، وقد فر كثير من الأفاضل والأكارم كـ سعد بن معاذ وغيره في هذه، وكان له تأويل إذ إنه أبيح لهم أن يفر المسلم من عشرة، وهم كانوا كثيراً، والله جل وعلا أنزل غفرانه لهم في كتابه فقال: ((وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ)). أما الثالثة فهي لـ عثمان وليست عليه، قال له: أما إن النبي ﷺ قد اختاره سفيراً له، ثم جاء في بيعة الرضوان قال: وهذه يدي اليمنى واليمنى أفضل من اليسرى، هذه يد عثمان فطبق بها وبايع رسول الله ﷺ له، وكأن اليد اليمنى يد عثمان ﵁ وأرضاه، قال ابن عمر: خذها وارحل. فكفانا مئونة الرد على هذه الشبهة المتهافتة، وكلها شبه متهاوية ضعيفة جداً. أما الشبه الثانية فهي شبه دينية، قالوا: قد أحدث في الدين ما لم يفعله أبو بكر وعمر. فأول ذلك الأذان فقد جعل أذانين، وفي عهد النبي ﷺ أذان واحد في الجمعة، وكذا فعل أبو بكر وعمر، فهو جعل أذانين، والأذان من العبادات التي لا يجوز الزيادة والنقص فيها. والشبهة الثانية الدينية قالوا: أتم في منى، وقد قصر النبي ﷺ في منى وأبو بكر وعمر، وعثمان صدراً من خلافاته، ثم أتم. قالوا: الثالثة أنه أحرق المصاحف كلها وجمعها على مصحف واحد. والجواب عن الشبهة: أنه قد كثر الناس في عهد عمر بن الخطاب، وكثرت الفتوحات في عصر عمر، وأيضاً لا يشكل علينا أن عمر لم يفعله إذ إن هذا اجتهاد، وعثمان كان يرى أن الناس ضيعوا شريعة النبي ﷺ ، فكان هذا من المصلحة، وقد تفرق الصحابة في الأمصار والعلم ينحصر في الصحابة، والناس ضيعوا قول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، ولذلك الخلاف مشهور بين الفقهاء هل البيع صحيح إذا وقع بعد الأذان الثاني أم غير صحيح؟ مع الاتفاق على أن البائع والمشتري آثمان إذا عرفا الحكم، فقال: نجعل مؤذناً في الزوراء يدعوهم ويبين لهم أن الوقت قد اقترب فكل بائع وكل تاجر يترك تجارته ويجهز نفسه حتى يذهب إلى الصلاة، وهو تعلم من إنكار عمر عليه؛ لأنه كان في السوق ذات مرة يبيع ويشتري فسمع الأذان فذهب فتوضأ ودخل إلى المسجد وعمر لا يسكت عن أمر يتخلف عنه فاضل كـ عثمان بن عفان وهو في الخطبة، فقطع الخطبة ثم قال: ما بال أقوام يأتوننا بعد قيام الخطيب أو بعد الأذان؟ فقال عثمان: والله! يا أمير المؤمنين! ما زدت على أن توضأت وجئت. يعني: سمعت الأذان في السوق فما هو إلا أن توضأت وجئت. قال: والوضوء أيضاً! يعني الوضوء فقط وأنت تعلم أن النبي ﷺ يبين أن الغسل أفضل فتترك هذه الفضيلة أيضاً، وهذا الذي احتج به العلماء على أن غسل الجمعة سنة؛ لأنه لو كان فرضاً ما تركه عمر، فـ عمر أنكر عليه في الفضيلة فألا ينكر عليه في الواجب؟ فلما علم ذلك عثمان وتعلم الدرس جعل مؤذناً يذكر الناس بأن يتركوا الصفق والبيع والشراء في الأسواق ويأتون إلى صلاة الجمعة. والإجابة الثانية: أن هذه تقيد شرعاً أنها من المصالح المرسلة. والإجابة الثالثة: أنها سنة متبعة؛ لأن عثمان له سنة مستقلة، فقد قال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ). وهذه سنة متبعة وليست بدعة. أما الشبهة الثانية وهي مسألة الإتمام في منى فقد كفانا الرد علي بن أبي طالب لما سألوه عن ذلك فقال: كان عثمان قد تأهل بمكة يعني عنده أهل في مكة، وأيضاً عنده بيوت هناك، فقال: كان عثمان قد تأهل في مكة فأراد أن يتم لأنه تأهل، لأن عنده القصر يكون للسفر لا للنسك، فهو غير مسافر الآن، وهو من أهل مكة فعليه أن يتم، وهذا الذي اعتذر به ابن القيم وغيره لـ عثمان؛ لأنه لم يتم، حتى إن ابن مسعود وافقه في هذا. وإن قلنا: إنه خالف أبا بكر وخالف عمر فقد ترك الأولى أو ترك السنة لكنه غير مبتدع؛ لأن للمسافر أن يتم وأن يقصر، والقصر أولى، لكن إن أتم فلا إنكار عليه. أما الثالثة في جمع القرآن فنقول: هي فضيلة له، فهو لم يبتدع فقد جمع أبو بكر، وجمع عمر، وجمع هو القرآن على كتاب واحد. تبقى مسألة الشبهات التي أوردوها عليه في التعامل مع أفاضل الصحابة مع ابن مسعود، ومع أبي ذر، ومع عمار بن ياسر. أما أبو ذر ﵁ وأرضاه فقد كان له منهج فيه تشديد يمكن أن يحتمله الصحابة لكن بعض الصحابة يمكن ألا يحتمل هذا، فكان أبو ذر -وهو من أزهد الناس وأصدقهم لهجة- مذهبه أن أي مال اكتنزه المرء زائداً عن النصاب لا يجوز أن يحتفظ به، بل لا بد أن يتصدق به، فمثلاً لو أن رجلاً عنده أربعة آلاف وزكى حين بلغ النصاب فلو بقي معه مال زائد عن حاجته في يومه ذلك وجب عليه إخراجه وإن لم يخرجه أثم بذلك! فشق ذلك على بعض الصحابة وبعض التابعين فراجعوا عثمان فراجع عثمان أبا ذر فلم يرجع أبو ذر وقال:

стр. 785

مقتل عثمان قتل عثمان صابراً محتسباً، وكان قد نام ليلة طيبة هنيئة، فرأى فيها رسول الله ﷺ فقال له: يا عثمان! تفطر عندنا اليوم. فعلم أنه مقتول ﵁ وأرضاه، فقام صائماً وما أفطر، ثم أخذ كتاب الله بين يديه يتلوه، فتسور هؤلاء الأوغاد بيتاً بجانب بيت عثمان ﵁ وأرضاه ثم دخلوا عليه، فلما دخلوا عليه رأوه يقرأ كتاب الله فدخل عليه محمد بن أبي بكر أولاً، وقال بعض الرواة: إنه دخل فأخذ بلحيته. فقال عثمان: لو كان أبوك حياً ما رضي بهذا المقعد مني، يعني ما رضي هو نفسه أن يقعد هذا المقعد مني، فارتجف قلب محمد بن أبي بكر وقام يحجز عنه ويدافع عنه وينافح وما استطاع إلى ذلك سبيلاً. وفي رواية: لما دخل على عثمان فرآه فقال: ارجع فلست بصاحبي. فرق قلبه لهذا الكلام وخرج من وقته، ثم دخل هؤلاء الأوغاد، والمصري الخبيث هو الذي قتله، ويقال: إن عبد الله بن سبأ هو الذي قتله، وممن قال هذا محب الدين الخطيب فلعله ينافح عن المصريين فهو قال: ما قتله إلا عبد الله بن سبأ الأسود الخبيث. وبعض الروايات قالت: المصري الخبيث هو الذي قتل عثمان، فدخل عليه وهو يقرأ الكتاب ويمسك المصحف بيده فقطع يده، فسال الدم على المصحف فقال: كم كتبت هذه اليد كلام الله جل وعلا؛ لأنه كان كاتب وحي رسول الله ﷺ . ثم تركوه ينزف حتى قتل ﵁ وأرضاه. ودخلت زوجته فقطعوا يدها، ثم نظر هذا الخبيث إلى جسدها فقال: ما أجمل هذا الجسد! قالت: خسئت والله! ما جئت لله. يعني لو جئت لله ما قلت هذا، وتنظر إلى عورة أمير المؤمنين. ثم تركوه حتى مات ﵁ وأرضاه صابراً محتسباً، ودفن بالبقيع، وذهب تصديقاً للرسول ﷺ يفطر مع رسول الله. ونسأل الله جل وعلا أن نراه مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى، ويحشرنا معه وجزاه عنا وعن المسلمين خير الجزاء.

стр. 786

الأسئلة

стр. 787

بيان بطلان دعاوى ظلم عثمان لرعيته السؤال هل هناك علامات تدل على أن عثمان قتل ظلماً؟ الجواب نعم، فهناك حديث مهم جداً في البخاري وهو حديث حذيفة لما جلس بجانب عمر فقال عمر بن الخطاب: (أيكم يحفظ حديث الفتن؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين! قال: إنك لجريء، ثم قال له: هاته. فقال له: فتنة الرجل في أهله وماله يكفرها الصلاة إلخ، قال: لست عن هذا أسأل. قال: عم تسأل؟ قال: عن الفتن التي تموج كموج البحر. قال: مالك ولها يا أمير المؤمنين؟! بينك وبينها باب -انظروا إلى الفقه- قال: يا حذيفة! يفتح الباب أم يكسر؟ قال: يكسر. قال: إذاً لا يغلق بعد اليوم). وحقاً ورب العزة! لم يغلق حتى الآن. فقالوا لـ حذيفة: أكان يعلم عمر من الباب؟ قال: كان يعلمه كما كان يعلم أن غداً دون الليل. يعني يقيناً يعلمه، ولذلك ورد عن أنس وعن أبي هريرة وأم سليم وغيرهم لما جاءهم مقتل عثمان قالوا: قتل عثمان مظلوماً، فقرروا هذا، ثم بينوا للأمة القرينة والإشارة التي تبين أن قتله كان ظلماً فقالوا: والله! لو كان قتله حقاً لتحلبن الأمة بعده لبناً. يعني: أن هذا باطل أزاحوه للحق فتأتيهم الدنيا بالخير. وإن كان قتله ظلماً لتحلبن الأمة بعده دماً، ولم يرقأ دم الأمة حتى الآن، فحتى الآن تحلب الأمة دماً بسبب مقتل عثمان ظلماً ﵁ وأرضاه. فما إن تولى علي بن أبي طالب إلا وعملت السيوف في المسلمين، ثم بعده في الخلافة الأموية، ثم في الخلافة العباسية.

стр. 788

بيان حقيقة الأرض التي أعطاها عثمان لمروان بن الحكم السؤال هل أخذ على عثمان أنه أعطى مروان أرضاً؟ الجواب نعم، هو أعطى هذه الأرض لابن عمه، فهو أخذ عليه أيضاً أنه أعطاها لـ مروان، وهو ما أعطاها لـ مروان، بل مروان أخذ سهمه، واشترى مروان باقي الغنائم وبقي عليه في ذمته مال، فلما جاءه وبشره بحصار المسلمين على الروم قال: هي هبة لك. فوهبه الباقي له من ماله الخاص، فقد كان ثرياً غنياً ﵁ وأرضاه. وأيضاً هذه الأرض كانت مواتاً فله أن يحيي ما شاء، فليست بشبهة أيضاً، فالنبي ﷺ قال: (من أحيا مواتاً فهي له) وله أن يحيي أي أرض للمسلمين وإن كان مروان يعمل عليها؛ لأنه كان كاتباً له.

стр. 789

بيان منهج أبي ذر في الأموال السؤال ما هو منهج أبي ذر في الأموال الذي نفاه عثمان من أجله؟ الجواب أن أبا ذر كان يرى من منهجه أن أي مال زائد عن الحاجة فهذا كنز لا بد من التخلص منه، والتصدق به وجوباً، يعني أنت الآن تقر بأن لك ألف زيادة مثلاً، فـ أبو ذر من منهجه أنه يأمرك وجوباً أن تخرجه، واستدل بإطلاق الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة:٣٤]، وهذا مما اشتد وشق على المسلمين فراجعه عثمان فلم يرجع عن قوله فنفاه إلى الربذة.

стр. 790

براءة محمد بن أبي بكر من دم عثمان السؤال هل كان لـ محمد بن أبي بكر يد في مقتل عثمان؟ الجواب الله جل وعلا طهر يده من دم عثمان فهو بريء من دم عثمان كما برئ الذئب من دم ابن يعقوب ﵇.

стр. 791

الأدلة التي تبرئ محمد بن أبي بكر من دم عثمان السؤال هل هناك أدلة تثبت أن محمد بن أبي بكر لم يشترك في قتل عثمان؟ الجواب نعم، نحن عندنا مخارج كثيرة تثبت أن محمد بن أبي بكر لم يفعل ذلك ولم يشترك فيه، فـ عائشة أولاً خرجت في خلافة علي ولم تبايع علياً بل خرجت تطالب بدم عثمان ولو كان محمد مشتركاً في دم عثمان لكانت طلبت بدم أخيها، ولما قتلوا أخاها بكت، بل قنتت شهراً على من قتل محمداً ﵁ وأرضاه، وإن كان قتل محمد من أجل دم عثمان كان قتلاً حقاً فكيف تقنت هي شهراً على من قتله؟ فالراجح أنه لم يشترك ﵁ وأرضاه، بل حفظه الله وحفظ يده من أن تتلوث بدم عثمان ﵁ وأرضاه.

стр. 792

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - فضائل علي بن أبي طالب علي بن أبي طالب ﵁ هو رابع الخلفاء الراشدين المهديين، أبو الحسن الهاشمي ابن عم النبي ﷺ ، وزوج فاطمة البتول، وأعظم الشجعان الأبطال، وهو أكثر من وردت فيه الفضائل من الصحابة الكرام. وقد ضلت فيه طائفتان: طائفة ترفعه فوق منزلته، وتصفه بما ليس فيه، وطائفة تنصب له العداء وتسبه، والحق وسط بين الجافي والغالي، فهو أفضل الصحابة بعد الثلاثة الخلفاء، وقد كان الحق معه فيما حصل في عصره من الاختلافات والخصومات.

стр. 793

مقدمة في الفتن إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: إخوتي الكرام! ما زلنا مع ختام المسك مع هذه الكتاب الجليل العظيم (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، وذلك في الكلام على صحابة رسول الله ﷺ ، وبالذات عن الخلفاء الأربعة، ونختم اليوم بالكلام على الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب ﵁. جاء في الصحيحين عن حذيفة ﵁ وأرضاه أنه جلس مع عمر بن الخطاب فقال عمر: أيكم يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسليم أحاديث الفتن، فقال: أنا يا أمير المؤمنين! قال: إنك عليه لجريء! قال حذيفة: (فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي) فقال عمر: ليس عن هذا أسأل، فقال حذيفة: عم تسأل يا أمير المؤمنين؟! قال: أسأل عن الفتن التي تموج كموج البحر، قال: مالك ولها يا أمير المؤمنين؟! بينك وبينها باب مغلق قال: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: بل يكسر، فقال عمر بن الخطاب ﵁ وارضاه بفقهه الواسع: إذاً لا يغلق أبداً. وقد كسر الباب ولم يغلق حتى الآن، وقالوا لـ حذيفة: يا حذيفة! أعلم عمر بن الخطاب من الباب؟ قال: نعم، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط، علم أنه هو الباب كما يعلم أن دون غد الليلة. وأيضاً لما بلغ أنس بن مالك وبعض الصحابة مقتل عثمان ﵁ وأرضاه اتحدت كلمتهم وقالوا: والله لئن قتلوه حقاً فإن الأمة بعده لتحلبن لبناً، وإن قتلوه ظلماً لتحلبن الأمة بعده دماً، وقد حلبت الأمة بعده دماً عبيطاً، وما زال الدم حتى الآن يسيل ولا يتوقف. وبعد مقتل عثمان ﵁ وأرضاه انتفضت الأمة لتؤمر عليها خليفة وهو الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، وسنتكلم عن فضله ونسبه، ثم نتكلم عن إمامته، ثم بعد ذلك سنذكر الفتن التي ظهرت في عصره، ثم نبين مع من كان الحق.

стр. 794

نسب علي بن أبي طالب علي بن أبي طالب ﵁ هو الخليفة الراشد الرابع، وهو من أبوين هاشميين، وهو ابن عم رسول الله ﷺ ، وقد تربى في بيت النبوة، فلشدة الفاقة التي أحاطت بـ أبي طالب اقترح النبي ﷺ على أعمامه أن يأخذ كل واحد منهم ولداً من أولاده؛ ليخففوا الحمل عنه، فقال أبو طالب: خذوا من شئتم واتركوا لي عقيلاً، فأخذ النبي ﷺ علي بن أبي طالب، فتربى عنده في بيت النبوة، وأخذ حمزة جعفراً ﵃. وعلي بن أبي طالب كان يكنى بـ أبي الحسن، ويكنى بـ أبي تراب، فأما كنيته بـ أبي الحسن فلئن أكبر أولاده هو الحسن سبط رسول الله ﷺ ، فكان يكنى بـ أبي الحسن، وكناه الرسول ﷺ بـ أبي تراب، فقد دخل النبي ﷺ على فاطمة ذات يوم وكان بين علي وبين فاطمة ما يحصل بين الزوج وزوجه، فدخل النبي ﷺ عليها فقال: (أين ابن عمك؟) وكأنه قد شعر بأن هناك شيئاً بين علي وبين فاطمة فقالت: يا رسول الله! غاضبني ثم ذهب إلى المسجد، فذهب إليه الرسول ﷺ وقد اجتمع التراب على بردة علي بن أبي طالب وهو نائم في المسجد، فقال له الرسول ﷺ بعدما أزاح التراب عن جسده: (قم يا أبا تراب، قم يا أبا تراب)، فكناه بـ أبي تراب، فكانت أحب الكنى إليه أن يكنى بـ أبي تراب ﵁ وأرضاه. ولقب بالإمام، وهذا اللقب جاء عن طريق الشيعة، فالشيعة هم الذين رفعوا هذا الشعار، لكنه الخليفة الراشد الرابع. وعلي بن أبي طالب كانت له الحبوة والمكانة السامية عند رسول الله صلى، فهو ابن عمه، وهو سليل بني هاشم، وهو الذي تزوج سيدة نساء العالمين فاطمة، ولما تقدم لها أبو بكر وتقدم لها عمر قال النبي ﷺ : أمرني ربي أن أزوجها لـ علي ﵁ وأرضاه.

стр. 795

الأحاديث في فضل علي بن أبي طالب وردت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في فضل علي، حتى قال شيخ الإسلام وغيره: إن أكثر الصحابة جاءت الآثار في فضله هو علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، ومن هذه الآثار: أن النبي ﷺ قال: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فقال عمر الفاروق: ما تمنيت الإمارة إلا ذلك اليوم)؛ لأن النبي ﷺ قال: يحبه الله ورسوله. وأيضاً جاء في فضله أن سعد بن أبي وقاص كما روى مسلم عنه أنه قال: (ثلاث قالهن رسول الله لـ علي لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: سمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)، والثانية: أن النبي ﷺ ذهب في إحدى الغزوات -وهي غزوة تبوك- فاستخلف علي بن أبي طالب على المدينة، فقال علي: يا رسول الله! أتتركني مع النساء والذراري؟ فقال له الرسول ﷺ : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، وأما الثالثة: فلما أنزل الله قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١] أتى النبي ﷺ بـ علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين وقال: اللهم إن هؤلاء أهلي)، فتمنى سعد واحدة من هذه الثلاث. وأيضاً في الصحيح عن علي بن أبي طالب قال: (والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لقد عهد رسول الله ﷺ إلي بأن علامة الإيمان حبي، وعلامة النفاق بغضي، أو قال: من أبغضني فهو منافق)، ﵁ وأرضاه. ووردت آثار كثيرة في فضل علي عن النبي ﷺ وعن الصحابة، وربما كانت مكانته السامية عند النبي ﷺ هي نفسها موجودة عند أبي بكر وعمر وعثمان، فرضي الله عنهم أجمعين.

стр. 796

زهد علي وورعه وعلمه وفقهه كان علي زاهداً عابداً ورعاً فقيهاً عالماً شجاعاً مبرزاً فارس الميدان، وهو أشجح الشجعان بالاتفاق، وقد كان عابداً قائماً بالليل، صائماً بالنهار، متصدقاً، زاهداً ﵁ وأرضاه، فكان يأكل الخل، ويمشي مع الصبيان إلى حيث أرادوا، ويعين ذا الحاجة، ويغيث الملهوف ﵁ وأرضاه، وما أروع ما وصفه به ضرار، فلما سأل معاوية ضراراً وقال له: صف لي علياً، قال: نحني عن هذا، قال: لا بد أن تصف لي علياً ﵁ وأرضاه، فقال: والله يا أمير المؤمنين! كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يستأنس بوحشة الليل، طويل الفكرة، غزير العبرة -يعني: أنه بكاء ﵁ وأرضاه- رأيته ذات ليلة وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وهو قائم قابضاً على لحيته يتململ تململ السقيم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا! غري غيري، قد طلقتك ثلاثاً، أبي تشوفت؟ أئلي تطلعت؟ عمرك قصير، وخطرك كبير، آه آه من قلة الزاد وطول السفر ووحشة الطريق! ﵁ وأرضاه. وكان أيضاً تقياً عالماً، وهو من أعلم الصحابة إن لم يكن أعلم الصحابة بالقضاء، كيف ولا وقد قال عنه النبي ﷺ : (وأقضاهم علي بن أبي طالب)، ﵁ وأرضاه، كما سنبين أن عمر الملْهَم في القضاء كان يأخذ بقضاء علي ويقول: قضية أو مسألة ليس فيها أبو الحسن أعوذ بالله منها. فكان علي عالماً فقيهاً، وقد قسم الناس من حيث العلم إلى ثلاث مراتب فقال: الناس على مراتب: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم. وهو الذي أسس أصول علم النحو واللغة العربية لما وكّل بذلك أبا الأسود الدؤلي، وكتب له تقاسيم العلم وقال: من أقسام العلم: ظاهر ومضمر، وما ليس بظاهر وما ليس بمضمر. فكان عالماً فرضياً. وكان قاضياً، وقد رفعت مسألة إلى عمر بن الخطاب أن امرأة زنت فاشتبهت هل هي حبلى من هذا الزنا أم لا؟ فقام عمر بن الخطاب ليجلدها الحد، فقال علي: لا تجلدها الحد؛ فقد سلطك الله على جسدها ولم يسلطك على ما في بطنها، أي: أنها تتحين حتى تتيقن هل هي حبلى أم لا، فأخذ عمر بن الخطاب بقول علي بن أبي طالب. ولما جيء بالمخمور الذي يشرب الخمر أكثر من مرة احتار عمر أيجلده الأربعين أم يجلده فوق الأربعين، فقال علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: إن الذي يشرب الخمر إذا شرب الخمر سكر، فإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون جلدة، فأخذ بقوله وجلده ثمانين جلده، ﵁ وأرضاه. وكان زاهداً، فكان ينصح الأمة بأسرها ويقول: إن الدنيا قد تهيأت مدبرة، وإن الآخرة قد تهيئات مقبلة، ولكل بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا. ﵁ وأرضاه، ونسأل الله جل وعلا أن يحشرنا في ركابه مع النبي ﷺ .

стр. 797

بيعة علي وأما بيعة علي فلما قتل عثمان باليد الأثيمة غدراً وظلماً وكان شهيداً فاضلاً محتسباً، ظلت الأمة لا أمير لها خمسة أيام، فعلم الثوار أنهم لو رجعوا إلى بلادهم ولا أمير للأمة فإن الدائرة ستدور عليهم، فذهبوا إلى علي بن أبي طالب يطلبونه للإمارة، وكان يهرب منهم إلى البساتين والحوائط، فدخلوا عليه ومعهم السيوف، واشتجروا في المدينة، فذهب بعض القوم إلى طلحة، وبعضهم إلى ابن عمر، وبعضهم إلى الزبير، وحق لنا أن نقول: ما كان حينئذ على وجه الأرض أحد أحق بالخلافة من علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، فهو أفضل الناس على الإطلاق، وهو الذي له الأهلية التامة للخلافة، فبايعوه فاستتب له الأمر، وبايعه طلحة والزبير، وأما معاوية فكان على الشام، ولم يرد أن يبايع علياً حتى يقتص من قتلة عثمان ﵁ وأرضاه. ونقل علي الخلافة إلى الكوفة، وأنا سأمر على هذه الفتن مرور الكرام؛ أدباً مع الصحابة، وحتى لا تشحن الصدور، ولا تغوص الأقلام في هذه الدماء، فهي دماء عصمنا الله من أن نشاهدها فنعصم ألسنتنا من الكلام فيها، فسنمر عليها مرور الكرام، ونبين أين الحق من الباطل. فـ معاوية لم يبايع علياً ﵁ وأرضاه، وقيل: إن سعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر وأبا موسى ﵃ وغيرهم لم يبايعوا علياً، وهذا باطل، فالصحيح أن الصحابة أجمعين قد بايعوا علياً وأقروا بإمامته ﵁ وأرضاه، وأما معاوية فلم يبايع حتى يشترط، وهو لم ينازعه في الخلافة، ولكن اشترط أن يقتص من قتلة عثمان ﵁ وأرضاه، وسنبين أن الحق لم يكن مع معاوية، فقد اجتهد فأخطأ فله أجر ﵁ وأرضاه، وعلي بن أبي طالب اجتهد فأصاب فله أجران. فالمقصود أن البيعة تمت لـ علي، وأصبح خليفة للمسلمين باستحقاق وبجدارة كما قال الذهبي: ما كان على أرض البسيطة أحق بالخلافة من علي بن أبي طالب. وكذلك باتفاق صحابة رسول الله ﷺ . وقد نهج في سياسة الخلافة نهج عمر بن الخطاب، فقد حبس الصحابة في المدينة، حتى لا يغتروا بأمر الدنيا، وأخذ الاقطاعات التي كان وزعها عثمان ﵁ وأرضاه وردها إلى بيت المال، وعزل كل الولاة الذين تسببوا وأثاروا الفتنة.

стр. 798

الفتن التي ظهرت في خلافة علي

стр. 799

وقعة الجمل لما استتب له الأمر بعث عبد الله بن عباس وغيره إلى الأمصار التي كانت تحت يده ليكونوا أمراء عليها، ثم ظهرت فتن في هذا العصر الذي هو خلافة على منهاج النبوة، وهي فتن ثلاث، هذه الفتن سنتكلم عنها بإيجاز، ونحقق المسائل فيها ونبين أين الحق من الباطل. فأما الفتنة الأولى فهي فتنة الجمل، والفتنة الثانية: فتنة صفين، والفتنة الثالثة: فتنة النهروان، وهذه هي أشد الفتن التي حدثت في عصر علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه. وقبل أن نتكلم عن هذه الفتن فقد أخذ على علي بعض الأمور في خلافته، وهي: أولاً: أخذ عليه أنه لم يولِّ طلحة والزبير أي إمارات. ثانياً: أنه تولى الخلافة في هذا الزمن العصيب بعد مقتل عثمان والفتن قد نزلت تطغى على الناس. ثالثاً: أخذ عليه أنه عزا معاوية ولم يداره ويجعله تحت أمرته حتى يبايعه، ثم بعد ذلك يفعل ما شاء. رابعاً: أخذ عليه أيضاً ﵁ وأرضاه أنه حبس الصحابة في المدينة كـ أبي موسى وغيره. وهذه المآخذ التي أخذت على علي كان الحق فيها مع علي، فأما مسألة طلحة والزبير فقد نظر إلى طلحة والزبير فرآهما قرينين له، وكانا من أهل الشورى ويتطلعان إلى الخلافة، ولو أمر كل واحد منهما على مصر من الأمصار لالتف الناس حوله، وثارت الفتن مرة ثانية، وقد كان ما توقعه، فلما خرجا واستأذنا علي بن أبي طالب للعمرة قال: هذه ليست عمرة ولكنها غدرة، ولما خرجا حدث ما حدث كما سنبين. وأما الأمر الثاني وهو قبوله للخلافة في وقت الفتن، فقد كان الحق معه أيضاً، ومن أحق من علي بالخلافة، قال يوسف ﵇، ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، ولو تمناها وطلبها علي فهو أحق بها، ولا أحد أحق بها من علي ﵁ وأرضاه. ولو ترك الناس يتخبطون لضاعت الأمة، فلا بد من أمير يضبط أمور الخلافة، فكان علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أهل لها. وأما مسألة عدم تولية معاوية فـ علي لا يناقض نفسه، فكثيراً ما قام إلى عثمان يشاوره وينصحه أن يعزل معاوية ﵁ وأرضاه، فلما تولى هو الخلافة قال: أنا أتكلم مع الرجل في عزله وأبقيه على نفس المكانة! فعزله وكان الحق معه، وحتى وإن لم يكن الحق معه فحكمة الله اقتضت أن تنزل الفتن في هذا العصر. وأما فتنة الجمل فبعدما استأذن طلحة والزبير ﵄ وأرضاهما إلى مكة للعمرة، قامت عائشة وقالت: نطلب بدم عثمان، فالتقوا بـ مروان بن الحكم الذي كان سبباً في قتل عثمان؛ لأن علي بن أبي طالب لما تعمم بعمامة رسول الله ﷺ وخرج متقلداً بسيفه حفاظاً على عثمان رده عثمان، وكان قد أرسل الحسن والحسين لنصرته، وقيل له: لو قدم لهم مروان ما قتل، وكان ذلك اجتهاداً من عثمان أنه يبقى صابراً محتسباً، فالتقوا به في مكة، فخرجوا طلباً للثأر من قتلة عثمان، وقتلة عثمان قد انتشروا في جيش علي بن أبي طالب وهو لا يعرفهم. فخرجوا إلى البصرة فوقفوا عند مكان يسمى الحوأب، فنبحت الكلاب، فقالت عائشة: هل هذا الحوأب؟ فقيل: نعم، فقالت: ردوني؛ فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب؟). وهذا الحديث ضعفه بعض العلماء وصححه بعض العلماء، لكن يستأنس به أن عائشة كأنها وجدت نفسها ليست صائبة في الخروج في طلب دم عثمان، وقد دلس عليها الثوار على أنها ليست في الحوأب، فذهبت مع طلحة، فبعث إليهم علي بن أبي طالب بـ القعقاع بن عمرو ﵁ وأرضاه، فذهب فقال: يا أمي! ما الذي أتى بك؟ قالت: أتيت للإصلاح بين الناس، فقال لـ طلحة: ما الذي أتى بك؟ فقال نفس مقالة عائشة، وقال ذلك للزبير، فقال مثل ما قالت عائشة، فقال القعقاع: آلإصلاح يأتي بالقتل؟! وكانوا في الطريق قد مروا ببعض قتلة عثمان فقتلوهم، فتألبت القبائل نصرة لهؤلاء الذين قتلوا، وذكر لهم القعقاع أنهم قد أفسدوا أكثر من المصلحة التي ترجى، فاقتنعوا بكلامه، فبعثوا إلى علي أن الأمر على الصلح ويرجعون من حيث أتوا، لكن الثوار أبوا ذلك، وحكمة الله اقتضت أن تثار الفتنة، فذهب ألف من الثوار فأعملوا القتل في جيش طلحة والزبير، ثم التقى الصفان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقام علي بن أبي طالب صاحب المروءة والشجاعة فقال: ألا يخرج طلحة؟ ألا يخرج الزبير؟ فخرج له طلحة، فقال له علي بن أبي طالب مبكتاً: يا طلحة أحبست زوجك في بيتك وخرجت بزوج رسول الله ﷺ تقاتل بها؟! فاستحيا طلحة، ثم قال له: أما سمعت رسول الله يقول: (اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)، فأغمد سيفه واستدار، ثم قال: أين الزبير؟ فخرج الزبير، فقال: يا زبير! أما تذكر أني مررتُ عليك فنضرت إلي فضحكت، فقال رسول الله ﷺ : (أتحبه، فقلت: نعم، فقال لك رسول الله: تقاتله وأنت له ظالم؟) أتذكر؟ فقال الزبير: والله ما تذكرته إلا الساعة، فأغمد سيفه واستدار، فكلمه ابنه، فقال: لا رجعة، فرحل الزبير، لكن أبى الله جل وعلا إلا أن يقتتل الفريقان لحكمة سنبينها. فاقتتلا وقتل الزبير وقتل طلحة، وقاتل الزبير دخل بسيف الزبير على علي، فنظر علي مندشهاً وقال: أسيف الزبير هذا؟ قال: نعم، وقد سلبته منه، فقال له: أبشر بالنار، من قتل ابن صفية فهو في النار، اذهب. وقال: دلوني على طلحة، فوجده طريح الأرض، فنحى التراب عن وجهه وقال: يعز عليَّ أن أراك في هذا الموقف، ثم بكى علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه. وذهب إلى أصحابه فوجد المقتلة عضيمة عند الجمل، فالتف الجنود حول جمل عائشة ﵂ وأرضاها، فقال عمار بعدما سبها رجل منهم: مه - يعني: اسكت - والله! إنها لزوجة النبي ﷺ في الجنة، وإن الله ابتلاكم بها أتسمعون لها أم تتبعون أمر الله جل وعلا. ثم أمر علي بأن يعقروا هذا الجمل فعقروه، ثم أخذوا عائشة في الهودج ومكن لها مكاناً طيباً مريحاً، ثم أكرمها أيما إكرام، ثم أحسن لها الكلام، ثم رجع بها إلى المدينة، وأخمدت الفتنة، ومات طلحة ومات الزبير، ورجع علي إلى الكوفة.

стр. 800

وقعة صفين لما رجع علي إلى الكوفة ارتحل معاوية إلى علي بجيشه من الشام، فبعث إليه علي بن أبي طالب يبين له أن الإمرة له، وأنه لا يحق له أن يشق عصا الطاعة، فلم يستمع معاوية إلى هذه الرسالة، وزحف بجيشه وكانت الفتنة الثانية وهي: فتنة صفين. وهذه الفتنة ضيع المؤرخون والمستشرقون التاريخ فيها، ولطخوه بدماء فاسدة وبكلام مزور، حتى إنهم ذكروا أن أبا موسى الأشعري يضحك عليه وكأنه طفل غر، وأن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه ضحك عليه وغرر به حتى قال: خلعت علي بن أبي طالب، وقال عمرو بن العاص: أثبت معاوية، وهذا كله باطل مختلق، والصحيح في ذلك ما عليه أهل التحقيق أن أبا موسى الأشعري لما جلس معهم في الجلسة قال: أرى أن الأمر لا يخرج عن النفر الذين توفي رسول الله وهم عنهم راضٍ، ومن هؤلاء النفر سعد لكنه رحل وباع الدنيا وزخارفها وباع الخلافة، حتى إن ابنه يقول له: إنهم يتصارعون على الخلافة وأنت هنا في الصحراء، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)، فاعتزل الناس. وبالاتفاق أن علياً هو أولى الناس بها ممن تبقى من الستة أصحاب الشورى. فقال أبو موسى: ولا شأن لك أنت ولا معاوية، وإن يستعن بكما ففيكما معونة، يعني: فأنتم أمراء، وأما الخلافة فلا تكون إلا في هؤلاء النفر، فهذا الذي عليه أهل التحقيق. فلم يسمع لـ أبي موسى الأشعري، وحدثت مقتلة عظيمة بين الاثنين ولن نتكلم عنها، وإنما نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل في الذي أثار الفتنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأسأل ربي العظيم أن يجعل المخطئ منهم مأجوراً غير مأزور، ويجعل أجر المصيب منهم فوق الذي أخطأ، ويغفر لهم زلتهم. ولما حدثت المقتلة قام علي بمروءته فقال لـ معاوية: اخرج بارزني؛ يقتل أحدنا الآخر وتبقى الخلافة لواحد منا ولا نريق دماء المسلمين، فلم يستمع له وخاف من مبارزته، فخرج عمرو بن العاص فبارزه وكاد أن يقتله حتى أظهر سوءته فاستحيا علي منه فتركه، فهرب عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، ثم رفعوا -أي: أصحاب الشام- المصاحف بعدما كانت الدائرة تدور عليهم، فرفعوا المصاحف على أسنة الرماح والسيوف، فتوقف جيش الكوفة، وكان علي صائب النظر فقال: لا تتوقفوا، فلم يستمعوا له وتألبوا عليه، فلما يرضوا بكلام علي بعد رفع المصاحف، ثم أتوا بـ أبي موسى الأشعري، وكان علي يقول: ابن عباس، وقال ابن كثير يقول: يا ليتهم رضوا بـ ابن عباس؛ لأنه كان ذا حجة يستطيع أن يقنع القوم، ولكن لم يرضوا إلا بـ أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه، وأبوا على علي أن يبعث عبد الله بن عباس.

стр. 801

فتنة الخوارج وبعد حدوث المقتلة في صفين رجع كل صف إلى مكانه علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام، واستتب الأمر بعد ذلك لـ معاوية قبل أن تظهر فتنة الخوارج الذين قال فيهم النبي ﷺ : (تخرج خارجة يمرقون من الدين، يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان)، وقال عنهم النبي ﷺ : (لو أدركتهم لقتلتهم قتل عاد وإرم)، فخرج أهل الكوفة وانقسموا على علي، فخرجوا بتنطع بارداً وهم يقولون: حكّم الرجال، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، فكفروا علياً وكفروا من معه وكفروا الصحابة، ثم ذهبوا إلى النهروان ومر عليهم عبد الله بن خباب بن الأرت ﵃ وأرضاه، فقالوا له: حدثنا بحديث سمعته من أبيك سمعه من رسول الله، فقال: سمعت أبي يحدث عن رسول الله ﷺ يقول: (ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي)، ثم سألوه عن علي بن أبي طالب فقال فيه قولاً حسناً، فقتلوه وقتلوا امرأته، وبقروا بطنها وكانت حبلى، وقد قالت لهم: اتقوا الله فيّ إني امرأة حبلى، فلم يبالوا فقتلوها وبقروا بطنها، حتى إن واحداً منهم بتنطع بارد سقطت ثمرة فأكلها ومضغها، فقال الآخر: اتق الله إنها ليست ملكاً لك، فلا بد أن تشتري هذه الثمرة أو تستأذن صاحبها! فبعدما قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، وبقروا بطن امرأته صاروا يتنطعون بهذا الورع الكاذب! ومن حكمة الله جل وعلا أننا علمنا فقه قتال الطائفة الباغية مما حدث مع علي، ولولا ما حدث مع علي ما عرفنا كيف يقاتل المؤمن الطائفة الباغية، وما هو فقه التعامل مع الطائفة الباغية. ولما قالوا لـ علي: هل كفروا؟ قال: لا، من الكفر فروا، وقال: هم إخواننا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا إلا أن يبارزونا -يعني: أن يبتدءوا القتال معنا-، فإن قاتلونا قاتلناهم، ولا نسبي نساءهم، ولا يذفف على جريح، وهذه ضوابط قتال الطائفة الباغية، وهذا الكلام مشتق من قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]. ومن هذا الفقه: ألا يذفف على جريح، يعني: لو جرح رجل منهم فلا يقتل، بل يؤخذ ويداوى، وأيضاً إذا ألقى أحد سلاحه فلا يقتل. فمن فقه قتال الطائفة الباغية ألا يذفف على جريح، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل بيته فهو آمن، ومن استسلم فهو آمن؛ لأنه مسلم كالمسلمين. فقاتلهم علي ﵁ وأرضاه وقتلهم، وكانت هذه علامة من علامات أن الحق مع علي كما سنبين، وهذه الفتنة هي الأخيرة.

стр. 802

استشهاد علي بعد هذه الفتن الثلاثة التي كانت في عصر علي استعجل الثوار قتل علي، فيموت شهيداً عند ربه مصداقاً لنبوءة النبي ﷺ لما وقف على أحد واهتز أحد وكان هو عليه وعلي وعثمان وأبو بكر وعمر، فقال النبي ﷺ : (أثبت أحد؛ فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد)، وكان علي من الشهداء. وأيضاً نظر النبي ﷺ إلى علي ذات مرة فقال له: (أتعرف من أشقاها؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أشقاها صاحب الناقة، وأشقاها من يضرب هذه فتبتل به هذه)، ويشير إلى رأس علي ﵁ وأرضاه. فجاء أشقاها، وكان علي بن أبي طالب قد اغتم بأهل الكوفة أيما غمّ، ورأى منهم الشقاق والخيانة، فطلب من ربه أن يقتل وأن يسارع أشقاها بقتله، فكان يمشي بين السواري ويقول: أين أشقاها؟ أما يبعث أشقاها؟ حتى جاء أشقاها فضربه ﵁ وأرضاه وقتله بسيف مسموم، فذهب إلى ربه شهيداً، وكان الحق معه.

стр. 803

الأدلة على أن الحق كان مع علي الأدلة على أن الحق في الثلاث الفتن كان مع علي ما يلي: الوجه الأول: رجوع الصحابة إليه، فهذا عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه كان أفقه الناس في عصره، وقد بكى بكاء شديداً بعدما علم بقتال علي للخوارج وأن الانتصار كان لـ علي، فبكى وقال: يا ليتني قاتلت مع علي، فندم ندماً كبيراً أنه لم يقاتل مع علي. وعائشة لما بلغها مقتل الخوارج، قالت: والله! إن الحق كان مع علي، وما كان بيني وبينه إلا ما كان بين الأحماء بعضهم وبعض، ﵃ وأرضاهم. الوجه الثاني: قال رسول الله ﷺ : (ويح عمار تقتله الفئة الباغية)، إذاً فـ عمار كان مع الفئة التي معها الحق، بل جاء صريحاً في بعض الآثار والأحاديث أن النبي ﷺ قال: (أينما كان الحق كان عمار)، وهذا دليل آخر على أن علياً كان معه الحق؛ لأن عماراً كان مع علي ﵁ وأرضاه، فقد قتل عمار في وقعة صفين التي وقعت بين جيش علي وجيش معاوية، فدخل الرجل الذي قتل عماراً وقال: قتلت عماراً وهذا سلبه، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أبشر بالنار، (فإن النبي ﷺ قد بشر بالنار من قتل ابن سمية) ثم بين أن النبي ﷺ قال: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية)، حتى إن كثيراً من جيش الشام ذهب يبايع علياً؛ لأنه علم أن الحق مع علي، فما كان من معاوية إلا أن قال: قتله الذين أخرجوه، يعني: علياً، فرد علي بن أبي طالب بفقه رصين فقال: إذاً قتل محمد حمزة، ﵁ وأرضاه؛ لأنه هو الذي أخرجه إلى أحد. فهذا أيضاً دليل من الأدلة والآثار التي تثبت أن الحق مع علي. والدليل الأخير أن النبي ﷺ قال: (تمرق مارقة من الدين، قوم يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان، يقرءون القرآن لا يبلغ تراقيهم، فيهم رجل يده كثدي المرأة)، فلما قاتل علي الخوارج ذهب يبحث في الناس حتى وجد الرجل، فسجد لله شاكراً؛ لأنه علم أن الحق كان معه، وهذا كان جلياً واضحاً أن الحق مع علي، فنرجو الله جل وعلا ونسأله أن يكون مع النبي ﷺ وأن يأجره أجراً عظيماً وفيراً؛ لأن الحق كان معه، ونرجو الله جل وعلا أن يأجر معاوية على اجتهاده، وإن كان قد أخطأ وله في ذلك الأجر، وأن يحشره مع النبي ﷺ فهو كاتب الوحي ﵁ وأرضاه، وهو خال المؤمنين؛ لأنه أخو أم حبيبة زوج النبي ﷺ .

стр. 804

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - ترتيب الخلافة - العشرة المبشرين بالجنة من عقائد أهل السنة أن ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل كترتيبهم في الخلافة، وأفضل الأمة بعدهم باقي العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أصحاب بيعة الرضوان، فهم أعظم أولياء الله الذين حققوا الإيمان والتقوى.

стр. 805

ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ , وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فنحن على مشارف الانتهاء من هذا الكتاب الجليل العظيم: كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وقد انتهينا من الكلام على فضائل الأئمة الأربعة خير هذه الأمة بعد نبينا ﷺ : أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , واليوم سنتكلم بإذن الله عن ترتيبهم في الفضل. الخلفاء هم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، فهل هذا الترتيب في الخلافة هو نفس الترتيب في الفضل أم هناك خلاف بين أهل العلم؟ لم يحدث خلاف بين أهل السنة والجماعة في تفضيل أبي بكر ﵁ وأرضاه على الأمة بأسرها سوى النبي ﷺ , ثم تفضيل عمر ﵁ وأرضاه بعد أبي بكر. روى اللالكائي في هذا الكتاب العظيم أنه سئل الإمام مالك: أي الأمة أفضل؟ قال: أما أبو بكر وعمر فلا خلاف فيهما, وأما علي وعثمان فحدث فيهما الخلاف, وحقاً قد حدث بعض الخلاف بين أهل السنة والجماعة في تقديم علي على عثمان، فقد كان أبو حنيفة والثوري وبعض علماء أهل الكوفة يرون تقديم علي ﵁ وأرضاه على عثمان بن عفان، ولم يخالفوا في تقديم أبي بكر وعمر، فقد رضيهما رسول الله ﷺ للدين فرضوهم للدنيا. وإيمان أبي بكر لو وضع في كفة ووضع إيمان الأمة في كفة لرجحت كفة إيمان أبي بكر ﵁ وأرضاه. وجاء بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف قال: ما سبق أبو بكر الأمة بكثير صلاة ولا صيام، ولكن سبق الأمة بشيء قد وقر في قلبه, وعمر وصفه النبي ﷺ بأنه الملهم في هذه الأمة، ولو سلك عمر فجاً لسلك الشيطان فجاً غير الفج الذي سلكه عمر ﵁ وأرضاه. وقد قام علي بن أبي طالب على منبر الكوفة يخطب في الناس ويقول: خير هذه الأمة بعد نبينا ﷺ أبو بكر، ثم عمر ثم قال ﵁ وأرضاه: من فضلني على أبي بكر وعمر جلدته حد المفتري، أي: ثمانين جلدة, وفي رواية أخرى أن علي بن أبي طالب قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم الله أعلم، وهذه الرواية تلمح بأن علي بن أبي طالب ما كان يرى تقدم عثمان عليه, لكن سنبين بالأدلة القاطعة أن عثمان يتقدم في القدر على علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه, وهذا الخلاف بين أهل السنة والجماعة قد قطع وحسم بالأثر والنظر. أما بالأثر ففي الصحيح عن ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: كنا على عهد رسول الله ﷺ نقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، وكان النبي ﷺ يسمع ذلك ويقر به، فلو كان عثمان يتقدم على علي في القدر لأنكر النبي ﷺ عليهم، ولقدمه على عثمان في القدر. أيضاً ورد عن عبد الرحمن بن عوف قال: ما رأيت الأنصار والمهاجرين يعدلون بـ عثمان أحداً حتى النساء في خدورهن، يعني اتفقوا على تقديم عثمان على علي ﵁ وأرضاه. وأيضاً جاء بسند صحيح عن أيوب السختياني أنه قال: من فضل علي على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ أي: لأنهم ما اختاروا إلا الأفضل, وهو عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه. وجاء إلى الحسن البصري رجل من أهل الشام فقال: من أفضل أبو بكر أم علي؟ فقال: أما علي فله سوابق وقد شاركه فيها أبو بكر -وهي سبق الإسلام ومناصرة الدين- وكان لـ علي أحداث لم يشاركه فيها أبو بكر، ويقصد بذلك الفتن التي حدثت في قتال الجمل وصفين، وما حدث بينه وبين الصحابة مثل طلحة والزبير، وهذه ما كانت في عهد أبي بكر، فيفضل بذلك أبو بكر على علي. ثم قال: أعلي أفضل أم عمر؟ فقال: كان لـ علي سوابق شاركه فيها عمر، وكان لـ علي أحداث لم يشاركه فيها عمر، فـ عمر كان سيفاً قاطعاً في الحق، وما قصر في السير على نهج النبي وأبي بكر، وكان هو الباب الذي إذا كسر فتحت الفتن، وعمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه لم يشارك علياً في الأحداث، فـ عمر أفضل من علي. ثم قال: من أفضل عثمان أم علي؟ فقال له مثلما قال في أبي بكر وعمر. ثم قال له في الرابعة: من أفضل علي أم معاوية؟ فقال له: أما علي فله سوابق لم يشاركه فيها معاوية، وكانت له أحداث شاركه فيها معاوية، فـ علي أفضل. إذاً: استقر عند أهل السنة والجماعة أن فضلهم مثل ترتيبهم في الخلافة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵁ وأرضاه, وهذا الآن اتفاق عند أهل السنة والجماعة.

стр. 806

فضل العشرة المبشرين بالجنة نعتقد اعتقاداً جازماً -لأن هذا من باب الاعتقاد- أن الذي يتلو الخلفاء في الفضل باقي العشرة المبشرين بالجنة؛ الذي جمعهم النبي ﷺ في حديث واحد كما في مسند أحمد عن عبد الرحمن بن عوف بسند صحيح قال: قال رسول ﷺ : (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) هؤلاء العشرة بشرهم النبي ﷺ أنهم في الجنة وهم يمشون بين أظهر الناس. وفي رواية أخرى: دخل رجل على المغيرة بن شعبة ودخل أيضاً سعيد بن زيد، وهو أحد المبشرين بالجنة، فقام الرجل يتكلم عما حدث من الفتن بين الصحابة, فقال له: اسكت أيسب صحابة رسول الله وأنا جالس؟! سمعت أذني ورأت عيني أن رسول الله ﷺ قال: (عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة)، ثم سرد تسعة دون أمين هذه الأمة أو دون عبد الرحمن بن عوف، لكن الحديث الأول هو الأتم ففيه ذكر العشرة الذين ذكر النبي ﷺ أنهم في الجنة.

стр. 807

من فضائل سعد بن أبي وقاص سعد بن أبي وقاص هو أفضل الناس بعد الخلفاء الأربعة، قال فيه النبي ﷺ : (سعد خالي، ليريني أحدكم من خاله!) يتشرف بأنه خاله من الرضاعة ﵁ وأرضاه. وقال علي بن أبي طالب كما في الصحيح: ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد إلا لـ سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه, نثر له كنانته ثم قال له: (ارم سعد! فداك أبي وأمي). وفي الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها: (أن النبي ﷺ في ليلة أرق فقال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني، فسمع صوت السلاح في الخارج، فقال: من؟ فقال: سعد بن أبي وقاص؛ جئت لأحرس رسول الله ﷺ ، فدعا له النبي ﷺ .

стр. 808

من فضائل طلحة ومن المبشرين بالجنة طلحة الذي فدى بروحه نفس النبي ﷺ ، وما قاتل مع النبي ﷺ أحد مثلما قاتل طلحة، في غزوة أحد فر كثير من الصحابة وبقي رسول الله ومعه طلحة وسعد بن أبي وقاص , فـ سعد بن أبي وقاص يرمي بالنبل وطلحة ينافح عنه بالسيف، ثم قال النبي ﷺ : (من يصد عنا القوم من المشركين وهو رفيقي في الجنة؟ فقام طلحة، فقال له النبي ﷺ : اجلس، ثم قال للأنصار: من ينافح عن رسول الله وهو رفيقي في الجنة؟ وكانوا عشرة فقام واحد تلو الآخر حتى قتلوا جميعاً ﵃ وأرضاهم، وكان طلحة يقول: يا رسول الله! لا ترفع رأسك، لا يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله, ثم قاتل ونافح عن رسول الله بالسيف، وصد السيوف التي تأتي على رسول الله بيده حتى شلت, فسقط على الأرض، فجاء أبو بكر وعمر فقال رسول ﷺ : دونكم صاحبكم فقد أوجب) يعني: أوجب الجنة بما فعله، وجاء في بعض الروايات أنه ما قاتل أحد مثلما قاتل طلحة وسعد بن أبي وقاص يوم أحد.

стр. 809

من فضائل الزبير الزبير هو أول من أشهر سيفاً في سبيل الله في مكة، وذلك عندما سمع أنه قد أصيب رسول ﷺ ، فأشهر سيفه وخلص إلى رسول الله، فلما علم رسول الله الخبر دعا له، ودعا لسيفه, وفي الصحيح: (أن النبي ﷺ انتدب رجلاً من صحابته يوم الخندق أن يأتيه بخبر القوم دون أن يؤلب عليه الناس، فقام الزبير فذهب فأتى بالخبر، فقال رسول الله ﷺ حينئذ: لكل نبي حواري وحواريي الزبير) , وفي رواية قال: (أنت حواريي وابن عمتي) ﵁ وأرضاه.

стр. 810

من فضائل عبد الرحمن بن عوف عبد الرحمن بن عوف إيمانه يعدل نصف إيمان الأمة، كان حليماً، وكان مستشاراً لـ عمر بن الخطاب، وقد اشتد رسول الله على سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه بسبب عبد الرحمن بن عوف، حدثت مشادة بين عبد الرحمن بن عوف وبين خالد بن الوليد ﵄، فاشتد خالد على عبد الرحمن، فقام النبي ﷺ يبين فضل عبد الرحمن فقال: (لا تسبوا أصحابي)، مع أن خالداً صاحب، لكنه لا يعدل في القدر والفضل عبد الرحمن بن عوف، ورسول الله ينزل الناس منازلهم قال: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
следующие страницы →