← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1331–1366 · переход к 1336.

стр. 1331

أحسن الحديث كلام الله قال: [وقال ثابت بن قطبة: كان عبد الله بن مسعود يذكر كل عشية -يعني: كل يوم بعد صلاة المغرب أو العشاء يذكر الناس بكلمة يسيرة- فيحمد الله ويثني عليه ويقول: إن أحسن الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ . وذكر باقي الحديث]، وهو المعروف بخطبة الحاجة، وكان النبي ﵊ يبدأ بها كلامه وخطبه ودروسه وغير ذلك.

стр. 1332

تعويذ النبي ﷺ للحسن والحسين بكلمة الله قال: [عن ابن عباس قال: (كان نبي الله ﷺ يعوذ حسناً وحسيناً ﵄] كان يعوذهما يعني: يرقيهما. يرقي الحسن والحسين. وفي هذا بيان استحباب أن يعوذ الرجل أولاده أو المرأة أولادها، خاصة عند الصباح وعند المساء حتى لا يمسه الشيطان لا في نهاره ولا في ليله، فكان النبي ﷺ يعوذ حسناً وحسيناً ﵄، ويقول: [(أعيذكما بكلمة الله التامة من كل شيطان وهامة، وشر كل عين لامة، ثم يقول: هكذا كان إبراهيم يعوذ اسماعيل وإسحاق)] يعني: كان إبراهيم يعوذ بنفس هذه الكلمات ولديه إسماعيل وإسحاق. قال: (أعيذكما بكلمة الله التامة) الكلمة التامة هي كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله. أما الكلمة التامة في زمن إبراهيم ﵇ فهي: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم رسول الله ﵊، إذ لم يكن محمد ﵊ قد بعث في ذلك الوقت، فكان إبراهيم ﵊ يعوذ إسماعيل وإسحاق بكلمة التوحيد، وكذلك النبي ﵊ كان يعوذ الحسن والحسين ويقول: (أعيذكما بكلمة الله التامة من كل شيطان وهامة، وشر كل عين لامة) أي: التي تلم الفساد، من اللم: وهي التي تجمع أنواع الشرور والفساد.

стр. 1333

حديث: (لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك إن شاء الله) [عن رجل من أسلم قال: (أتى النبي ﷺ رجل -وهذا الحديث عند مسلم - فقال: إني لدغت الليلة يا رسول الله! فلم أنم حتى أصبحت قال النبي ﵊: ما لدغك؟ قال: عقرب، فقال له النبي ﵊: أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق لم تضرك إن شاء الله)]، لو أنك قلت هذه الكلمة ما كان للعقرب عليك من سلطان، وما لدغك، بل ربما نام العقرب بجوارك لا يقدر على لدغك؛ لأنك تعوذت واستعذت ولجأت واعتصمت بالله تعالى وبكلماته التامة. قال: [(أما إنك لو قلت حين أمسيت -وهذا في أذكار المساء- أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق -والعقرب منها- من شر ما خلق لم تضرك إن شاء الله)].

стр. 1334

حديث عائشة: (أن النبي ﷺ إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذات) [عن عائشة زوج النبي ﷺ -والحديث في الصحيحين-: (كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات)]، أي: بالمعوذتين، وبعض أهل العلم أدخل في المعوذات: الإخلاص تجوزاً، أطلقوا عليها معوذة؛ لأن المرء عندما يقرؤها يستعيذ بالله تعالى من الشرور والآثام. والغالب أن من تعوذ بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] يجمع معهما سورة الإخلاص وهي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، وهي السورة الوحيدة في القرآن الكريم التي اشتملت كل آياتها على توحيد الله ، فكل سور القرآن ربما تجد فيها الأمر بالتوحيد وقد لا تجد، وربما تجد فيها أحكاماً حلالاً وحراماً، أخلاقاً وآداباً، لكن سورة الإخلاص هي التي تكلمت عن التوحيد من أولها إلى آخرها، وقالوا: هذه السورة هي نسب الله . وقد جاء في الأثر: (أن قريشاً أتت إلى النبي ﷺ وقالوا: يا محمد! انسب لنا ربك) فأخذوا على نسب آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، فلو أنهم سئلوا: انسبوا لنا اللات أو العزى لاستطاعوا نسبة آلهتهم؛ لأنها من حجر أخذوه من جبل كذا، والذي صنعه ونحته وجعله على هذه الصورة فلان بن فلان، والذي حمله من مكان كذا إلى مكان كذا هو فلان بن فلان، وتم صنعه في ساعة كذا وفي يوم كذا، وتم تنصيبه وعبادته في ساعة كذا، وأول من عبده فلان، وهكذا يستطيعون أن ينسبوا آلهتهم. ولذلك أجروا عادتهم مع آلهتهم مع النبي ﵊: (انسب لنا ربك) فنزل قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] الذي تلجأ الخلائق كلها إليه رغم أنوفهم في سرائهم وضرائهم، حتى المشرك يلجأ إليه في وقت الضر، فإذا كشف عنه الضر رجع لعبادة الأصنام، وهذا دليل فطري أنه لا يكشف الضر ولا يسوق النفع إلا الله ، علم ذلك المشركون، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص:٢ - ٣]، ليس أباً لأحد، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]، ليس ابناً لأحد، فليس له ولد ولا والد، هذا نسب الله . عن عائشة: (أن النبي ﵊ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات).

стр. 1335

التعوذ بكلمات الله [قال الشيخ: فتفهموا رحمكم الله هذه الأحاديث، فهل يجوز أن يعوذ النبي ﷺ بمخلوق؟] لو كان القرآن هذا مخلوقاً فهل كان يحل للنبي ﷺ أن يتعوذ بالمخلوق؟ حاشا وكلا أن يتعوذ بالمخلوق، فمن تعوذ بالمخلوقين قلنا: هذا عمل عملاً شركياً، فمن تعوذ بفلان أو بقبر جده أو بتربة النبي ﷺ أو حتى بالنبي ﷺ أو بالكعبة أو غير ذلك قلنا: هذا شرك بالله ؛ لأنه قد تعوذ بمخلوق، والأصل لمن تعوذ أن يتعوذ بالخالق وأسمائه وصفاته؛ لأنها غير مخلوقة. فإذا كان القرآن مخلوقاً فكيف يتعوذ به النبي ﷺ ؟ قال: [ويتعوذ هو ﵊ بمخلوق ويأمر أمته أن يتعوذوا بمخلوق مثلهم؟] هذا كلام عظيم جداً وافتراء عليه ﷺ . قال: [وهل يجوز أن يعوذ إنسان نفسه أو غيره بمخلوق مثله؟] يعني: هل أقول: أعوذ بنفسي من شر ما نزل بي؟ هل يصح ذلك؟ الجواب لا يصح؛ لأني مخلوق، لا يصح التعوذ بالمخلوق، ولا أقول: أتعوذ بـ البدوي أو بـ الحسين أو بالسيدة أياً كانت السيدة، أو غير ذلك من سائر وسائل الشرك التي يقع فيها كثير من الخلق، فهذا كله من الأعمال الشركية، والتوسل غير المشروع، فيقول: أعيذ نفسي بالسماء، السماء لا ترقى، بالجبال؟ بالأرض؟ بالأنهار؟ بالبحار؟ بالأنبياء؟ بالعرش؟ بالكرسي؟ كل ذلك مخلوق أم لا؟ كل ذلك مخلوق، هل سمعنا أحداً تعوذ بالسماء أو تعوذ بالأرض أو الجبال؟ ما سمعنا ذلك، أو بالكرسي والعرش؟ ما سمعنا ذلك. قال: [وإذا جاز أن يتعوذ المخلوق بمخلوق مثله فليعوذ نفسه وغيره بنفسه فيقول: أعيذك بنفسي]، وإذا كان لأحد أن يعوذ بنفسه فليس هناك أفضل من النبي ﵊، وليس هناك أشرف مخلوق منه ﵊؛ ومع ذلك ما كان يعوذ أحداً بنفسه، وإنما كان يقول: (باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، الله يشفيك، باسم الله أرقيك)، ولم يقل: أعيذك بنفسي، وكان يعوذ الحسن والحسين بكلمات الله التامة، ولم يكن يعوذهما بنفسه، فلو كان التعوذ بالمخلوق جائزاً لكان من أفضل الأعمال والقربات أن يعوذ النبي ﷺ أصحابه بنفسه؛ لأنه أشرف مخلوق، فلما لم يكن ذلك منه دل على حرمة التعوذ بالمخلوقات جميعاً وإن عظمت كالسماء والأرض والجبال والأنبياء والملائكة وغير ذلك، كما أن التعوذ بالقرآن تعوذ بغير مخلوق؛ وذلك لأننا نفينا مشروعية التعوذ بالمخلوقين، وثبت التعوذ بالقرآن الكريم إذاً: القرآن غير مخلوق. هذا الذي يريد أن يذهب إليه الإمام.

стр. 1336

الكفارة المترتبة على من حنث في حلفه بكتاب الله دليل على أنه كلام الله قال ابن بطة: [أوليس قد أوجب عبد الله بن مسعود ﵀ على من حلف بالقرآن بكل آية كفارة؟ فهل يجب على من حلف بمخلوق كفارة؟] إنما كفارته أن يقول: لا إله إلا الله، كما قال ﵊: (من حلف بغير الله فليقل: لا إله إلا الله). فقد أوجب ابن مسعود على من حلف بكتاب الله في كل آية كفارة؛ لأنه يمين مشروع، والكفارة تترتب على اليمين المشروع دون اليمين الممنوع، إذ إن اليمين الممنوع يحتاج إلى توبة، كما لو حلف إنسان بالكعبة أو بأبيه أو بتربة جده أو بـ الحسن أو البدوي فإنما يلزمه أن يتوب إلى الله ؛ لأن هذا شرك، لكن لو أن إنساناً حلف بالله فحنث فعليه الكفارة: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فحينئذ الكفارة تترتب على اليمين المشروع دون اليمين الممنوع، فإن اليمين الممنوع يحتاج إلى توبة؛ ولذلك أوجب ابن مسعود على من حلف على كتاب الله وحنث بكل آية كفارة، انظروا إلى خطورة الأمر، وفي هذا إثبات مشروعية الحلف بكتاب الله ، لا على أنه كتاب، وإنما على أنه كلام الله، وأنه صفة من صفاته؛ لأن اليمين المشروعة تكون بالله وأسمائه وصفاته، فلك أن تحلف بقدرة الله وعزة الله وجلال الله وعظمة الله، وغير ذلك من سائر صفات الله فهو يمين عظيم منعقد، ولكن من حلف بكتاب الله فقد أوجب ابن مسعود عليه في وقت الحنث بكل آية كفارة إما أن يطعم (١٠) مساكين أو يكسوهم أو يعتق رقبة، فإن لم يجد شيئاً من ذلك أطعم عن كل آية (١٠) مساكين. عد كم آية في كتاب الله ؟ (٦٢٣٦) إذاً: (٦٢٣٦) × (١٠) مساكين، فالحانث يحتاج إلى وزارة شئون اجتماعية كاملة تقف بجواره لأداء هذه الكفارات؛ وذلك لأنه حلف يميناً منعقدة مشروعة على كتاب الله الذي هو كلام الله، والذي هو صفة من صفات الله ، وهذه اليمين مشروعة، أما لو كان صادقاً فإنه لا كفارة عليه، ولا حنث عليه؛ لأنه صادق فيما حلف عليه. قال: [عن عبد الله بن مرة عن أبي كنف عن عبد الله بن مسعود أنه سمع رجلاً يحلف بسورة البقرة فقال: أما إن عليه بكل آية منها يميناً]. يعني: قد حلف (٢٨٦) يميناً؛ لأنه حلف بسورة البقرة فقط، وهي: (٢٨٦) آية، قال: عليه (٢٨٦) كفارة إذا كان حانثاً في هذا اليمين، وإذا لم يكن حانثاً فلا شيء عليه. وقد أورده كذلك الإمام اللالكائي في كتاب أصول الاعتقاد من طريق حنظلة بن خويلد العنزي قال: أخذ عبد الله بن مسعود بيدي فلما أشرفنا على السدة -أي: وصلنا إلى الباب- إذ نظر إلى السوق فقال: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها. وكان النبي ﷺ يسأل هذا السؤال إذا نزل قرية، قال: (اللهم إنا نسألك خير هذه القرية وخير ما فيها ومن فيها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها ومن فيها). وكذلك قد ثبت في السنة: أن شر البقاع الأسواق، وخير البقاع المساجد. قال ابن مسعود لما أشرف على باب السوق: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها، قال: فمر برجل يحلف بسورة من القرآن، فقال ابن مسعود: أما إن عليه بكل آية منها يميناً. قال: [عن الحسن -وهو من مراسيل الحسن - قال النبي ﷺ : (من حلف بسورة من القرآن فبكل آية منها يمين)]، ولا شك أن مراسيل الحسن ضعيفة، لكن عمل بمقتضى هذا النص سلف الأمة ومنهم عبد الله بن مسعود، ولم يعلم له مخالف من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وروي كذلك عن مجاهد مرفوعاً كما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، ثم قال البيهقي: هذا الحديث إنما روي من وجهين جميعاً مرسلاً: عن مجاهد وعن الحسن. وروي عن ثابت بن الضحاك موصولاً مرفوعاً، لكن في إسناده ضعف، ثم ذكر حديث ابن مسعود السابق لهذا، ثم قال: فقول عبد الله بن مسعود ﵁ مع الحديث المرسل فيه دليل على أن الحلف بالقرآن يكون يميناً في الجملة، ثم التغليظ في الكفارة متروك بالإجماع. [عن إبراهيم وهو - النخعي - أنه كان يقول: من حلف بسورة من القرآن فبكل آية يمين]. وهذا قد سبق. وقول إبراهيم قد رواه كذلك موقوفاً عن ابن مسعود: من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، ومن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع. والحرف إما أنه بمعنى الآية من القرآن الكريم، أو بمعنى: طريقة النزول؛ لأن القرآن نزل على سبعة أحرف، فمن كفر بحرف منه فكأنما كفر بجميع الأحرف، أي: بالقرآن، وقد جاء من طرق متعددة مو

стр. 1337

إثبات أبي بكر ﵁ أن القرآن كلام الله قال: [عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم الأسلمي -وكانت له صحبة- قال: (لما نزلت ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم:١ - ٢] قالت قريش لـ أبي بكر ﵀: يا ابن أبي قحافة! لعل هذا من كلام صاحبك -أي: سورة الروم هذه لعلها من كلام محمد ﵊ قال: لا ولكنه كلام الله ] فلا زال الله تعالى متكلماً.

стр. 1338

قول الإمام الشافعي في الحلف بأسماء الله والحلف بالمخلوقات قال: [كتب لي أبو محمد بن أبي حاتم الرازي أجازني الرواية عنه، قال: حدثنا الربيع بن سليمان المصري في أول لقاء لقيه في المسجد الجامع، فسألته عن هذه الحكاية، وذلك أني كتبتها عن أبي بكر بن القاسم عنه قبل خروجي من مصر، فحدثني الربيع قال: سمعت الشافعي ﵀ يقول: من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة]. كما لو قلت: والعزيز والسميع والبصير، فمن حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة، وأنتم تعلمون أن الكفارة لابد أن تكون في اليمين المشروع. قال: [لأن اسم الله غير مخلوق]. وأسماء الله تعالى قد وردت في كتابه الكريم، والكتاب كله ليس مخلوقاً وكلام الله تعالى كله ليس مخلوقاً. إذاً: الأسماء الواردة في القرآن الكريم لكونه كلام الله ليس مخلوقاً، وكذلك بقية الأسماء الواردة في السنة. قال: [ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفارة؛ لأنه مخلوق وذاك غير مخلوق]. أي: أن أسماء الله غير مخلوقة، وما دون ذلك من الكعبة أو الصفا والمروة أو الأنبياء أو السماء أو الأرض أو الجبال أو غير ذلك من سائر المخلوقات فإنها مخلوقة ولا كفارة فيها، وبالتالي يلزم الحالف بها أن يتوب إلى الله . تعليقاً على كلام الشافعي ﵀: من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة -يعني: اسم الله غير مخلوق- ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفارة؛ لأنه مخلوق وذاك غير مخلوق. قال: حكى الربيع عن الشافعي ﵁ أنه قال: من حلف بالله أو باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة، فإن قال: وحق الله وعظمة الله وجلال الله وقدرة الله، يريد بها اليمين أو لا نية له فهو يمين، ثم ذكر باقي الكلام. قال: ولا يجوز الحلف بغير الله تعالى لما ورد في الحديث: أن ابن عمر سمع رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يحلف بغير الله -أي: بغير الله وأسمائه وصفاته- فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). وهذا بلا شك كفر عملي، أو شرك عملي؛ لأنه لو كان كفراً اعتقادياً فهو مخرج من الملة، فأنتم تعلمون أن يمين المصريين بالنبي ﷺ عن بكرة أبيهم إلا من تعلم، سواء كانوا يقصدون به اليمين أو لا يقصدون، المهم أن يمينهم يسبقه الواو أو التاء أو الباء، وهذه أحرف القسم. قال ابن عمر: سمعت النبي ﵊ يقول: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك). قال الترمذي: وفسر هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله: (فقد كفر أو أشرك) على التغليظ، يعني: المراد بهذا النص ليس ظاهره وإنما هو التغليظ، والحجة في ذلك: حديث ابن عمر: أن النبي ﵊ يقول: (وأبي وأبي -كالمنكر على من قال ذلك- فقال: ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) فمن الناس من يقول: ورحمة أبي، فيقال: ما دام قد حلف برحمة أبيه فهو صادق. فإن قلت له: وإن حلف بالله؟ لقال: محتمل قد يكون صادقاً، وقد يكون كاذباً، وإن قلت له: فإن حلف بتربة أبيه؟ لقال لك: هي أعز من رحمة أبيه، فلا يمكن أبداً أن يكون كاذباً في هذا اليمين. وهذا هو شأن العراقيين، فالعراقي يحلف بالله فيكون كذاباً، وإن حلف بشرف صدام وكان كاذباً فيه فمصيره الإعدام لا محالة، عجيب! كان لدينا صاحب عام (١٩٨٣) م في الأردن، أخذ سيارته وسافر إلى العراق، وجلس هناك فترة من الزمن، وجاء بدولارات معه، وكان يمنع خروج الدولارات في تلك الأيام من العراق، فجاء صاحبنا بحبل من الحبال المغلفة بالبلاستيك، ووضع مكان السلسلة دولارات، فكانت الدولارات داخل الغلاف البلاستيك غير ظاهرة؛ لأن الغلاف سميك، فخرج من العراق بسيارته، فأخبر عنه من أخبر أنه قد خرج بالدولارات -طبعاً هذه جريمة لا تغتفر- فتبعه أربعة من الضباط الكبار، فأدركوه على الطريق، فقالوا: معك دولارات؟ قال لهم: لا. ليس معي دولارات. قالوا: جنب السيارة. فجنب السيارة على اليمين، وأخذوا يفتشون السيارة شمالاً ويميناً، إلى أن فكوا العجلات وما وجدوا شيئاً، ونزعوا الكراسي وقطعوها قطعاً فما وجدوا شيئاً، فلما فتحوا شنطة السيارة أخذوا هذا الحبل ورموه على الأرض، واستمر التفتفيش ثلاث ساعات أو أربع ساعات وما وجدوا شيئاً. قالوا: أمعك دولارات؟ قال لهم: لا. قالوا: أتحلف بشرف صدام أنه ليس معك دولارات. قال لهم: إذا حلفت بشرف صدام أنه ليس معي دولارات؟ قالوا: إذا حلفت بشرف صدام سنتركك. فقال: وشرف صدام معي دولارات. قالوا: أين؟ قال لهم: في الخرطوم الذي رميتموه على الأرض، فأخذوا الخرطوم ومزقوه حتى أخرجوا الدولارات كلها، ولم يجرءوا قط أن يمسوه بأدنى أذى؛ لأن الذي سيتو

стр. 1339

مس القرآن على طهارة دليل على أنه كلام الله قال الشيخ ابن بطة: [ومما يحتج به على الجهمي الخبيث الملحد أن يقال له: هل تعلم شيئاً مخلوقاً لا يجوز أن يمسه إلا طاهر طهارةً تجوز له بها الصلاة؟ -أي: هل تعلم شيئاً مخلوقاً لا يجوز للمحدث مسه، ويصح بها الصلاة؟ - فلولا ما شرف الله به القرآن، وأنه كلامه وخرج منه لجاز أن يمسه الطاهر وغير الطاهر، ولكنه غير مخلوق، فمن ثم حظر الله تعالى أن يمس المصحف أو ما كان فيه مكتوب من القرآن إلا طاهر، فقال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]]. ولكن الإمام في الحقيقة يخالف جماهير العلماء الذين يقولون في هذه الآية: ﴿لا يَمَسُّهُ -أي: اللوح المحفوظ- إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] يعني: الملائكة، والإمام بهذا يخالف، وكأنه يجمع الأدلة من هنا وهناك لإثبات صحة ما يقول، ونحن نعتقد صحة ما قال وما يقول بدون التكلف الذي تكلفه في تأويل قول الله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]. وفي حديث محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر -وهو ابن عمرو بن حزم - قال: [(كتب رسول الله ﷺ لجدي -أي: أبي بكر بن عمرو بن حزم - إن القرآن كلام الله، فلا يمس القرآن إلا طاهر)]، وليس في الروايات: إن القرآن كلام الله وإنما النص الثابت في كتابه ﵊ لـ أبي بكر بن عمرو بن حزم: أنه قال: (لا يمس القرآن إلا طاهر). وهذا الكتاب قد روي بطرق متعددة، وفي كل طريق منها ضعف، فمنهم من يثبته من جهة الإسناد ومنهم من يرده، وإن كانت الأمة أجمعت على وجوب العمل بهذا الكتاب؛ لأنه من قبيل الوجادة، والوجادة نوع من أنواع صيغ التحمل الثمانية التي منها: التحديث، والسماع، والإجازة، والعرض، وكذلك منها الوجادة، وصورة الوجادة: أن يجد الراوي كتاباً مكتوباً فيه شيء من العلم، بخط فلان يعرفه جيداً، ويثبت أن هذا من حديثه، فحينئذ لا يقول: سمعت ولا حدثنا ولا أخبرنا، وإنما يقول: وجدت في كتاب فلان قال: كذا وكذا، وهذه الوجادات موجود منها شيء ليس باليسير في مسند الإمام أحمد بن حنبل عن عبد الله بن الإمام: أنه وجد كتاباً في بيت أبيه. وهو يعرف أنه لأبيه، فقال: وجدت في كتاب أبي أنه قال: حدثنا فلان، ثم يذكر الإسناد ويذكر المتن. فقول الراوي: وجدت في كتاب فلان؛ هذا يعبر عنه العلماء بالوجادة، فكذلك الكتاب الذي أرسله النبي ﵊ لـ عمرو بن حزم كتاب وجده أبو بكر بن عمرو بن حزم، أو وجده موجهاً من النبي ﷺ إلى عمرو بن حزم؛ فهو عند أهل العلم من باب الوجادة. [عن نافع عن ابن عمر: أنه كان لا يأخذ المصحف إلا طاهراً]. أي: لا يمس المصحف إلا وهو على طهارة. وفي الصحيحين من حديثه أيضاً: أن النبي ﵊ قال: (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو) وفي رواية زيد فيها: (مخافة أن يناله العدو)، والمقصود بالعدو هنا: العدو المحارب لا العدو المسالم؛ لأن العدو منه من يكون محارباً، ومنه من يكون مسالماً، فالعدو الذي لا يقاتلني عدو مسالم، والعدو الذي رفع راية الحرب عدو محارب، وكذلك هناك عدو بيني وبينه عهد وأمان، وعدو ليس بيني وبينه عهد، فالأعداء كثيرون، ولكن لكل منهم حكمه، منهم من كان معاهداً، أو بيني وبينه عهد وأمان، ومنهم من نقض العهد فصار حربياً، فقول النبي ﷺ : (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو) إنما قصد العدو المحارب، وأنتم تعلمون أن نقض العهد يكون لأدنى شيء، وما وجد الكفار قط أحفظ ولا أرعى للعهود والمواثيق من المسلمين على مر التاريخ، ما نقض المسلمون عهداً قط، وإنما الذي كان ينقض دائماً هو العدو وخاصة إذا كان العدو يهودياً، فإن اليهودي ما حفظ وما رعى عهداً قط، فاليهود قوم غدر، وأظن أن غدرهم لا يخفى على أحد، حتى الساسة أنفسهم يعلمون بغدر اليهود بالليل والنهار؛ لأنهم إذا نقضوا العهد مع المسلمين فإنما ينقضون العهد مع الساسة المسلمين أولاً، فهم أعرف الناس في المسلمين بغدر اليهود وبحيلهم وألاعيبهم، فالساسة أعلم بهم منا، إذ نحن نعلم أنهم أهل غدر وخيانة من القرآن والسنة، ولكن غدرهم وخيانتهم في الواقع واقعة على السياسين بالدرجة الأولى. فقوله: (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو) أي: إذا خيف وقوع المصحف بأيديهم. [عن نافع عن ابن عمر: (أن النبي ﵊ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو)]، وأنتم تعلمون أن العدو إذا نال المصحف أو استهزأ به أو سخر منه أو ضربه بقدمه أو بعصاه فقد انتقض العهد؛ لأنه لا يحت

стр. 1340

تنزيه القرآن من قراءته في الأماكن المستقذرة دليل على أنه كلام الله قال ابن بطة: [ولأجل أنه كلام الله وخرج منه أمر القارئ بتنزيهه والإمساك عن قراءته عند الروائح المنتنة، وفي الأماكن المستقذرة]. [فعن ذر -وقيل: ذر بن صهيب: قال: سألت عطاءً: أقرأ فتخرج مني الريح؟ قال: أمسك عن القراءة حتى تذهب]. أي: أمسك عن القراءة حتى تذهب عنك الريح أو تخرج من الأماكن المستقذرة. و [عن عبد العزيز بن أبي رواد عن مجاهد: أنه كان إذا صلى فوجد ريحاً أمسك عن القراءة]. قال ابن بطة: [فهذا ومثله كثير مما أمرنا به من إعظام القرآن وإجلاله، وتنزيهه وإكرامه لفضله على سائر الكلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩]. وقال : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥]]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصل اللهم على النبي محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 1341

الأسئلة

стр. 1342

حكم الحلف بالتوراة والإنجيل السؤال هل يجوز الحلف بالتوراة والإنجيل على أنهما كلام الله قياساً على الحلف بالقرآن الكريم؟ وكيف يكون ذلك؟ الجواب ما سمعنا أن أحداً من أهل العلم قال ذلك قط ولا أجازه، وإنما التوراة والإنجيل كتابان محرفان، حرفهما اليهود والنصارى؛ ولذلك لا يجوز الحلف بهما قط، وإن كان الأصل أنهما من كلام الله ، لكن بعد أن دخلهما التحريف فلا يجوز الحلف بهما، والقرآن الكريم ناسخ لهذين الكتابين، فلا يجوز الحلف بهما أبداً.

стр. 1343

حمل كلام ابن مسعود في كفارة الحلف بكل آية من كتاب الله على التغليظ السؤال ما معنى قول البيهقي: (ثم التغليظ بالكفارة متروك بالإجماع) عند كلامه على أثر ابن مسعود؟ الجواب كلام الإمام البيهقي على قول ابن مسعود: من حلف بكتاب الله فعليه بكل آية كفارة؛ لأن الكفارة لا تكون إلا في اليمين المشروع. قال: (انعقد إجماع أهل العلم على جواز الحلف بكلام الله على أنه صفة من صفاته، وقد ترك العلماء الكفارة وحملوها على التغليظ). يعني: لا يلزم الحالف بكتاب الله حين الحلف أن يكفر عن كل آية كفارة، وإنما يكفر كفارة واحدة، فحمل كلام ابن مسعود على التغليظ والوعيد الشديد للاحتياط في الحلف بكلام الله كذباً، وليس المقصود منه الظاهر، وإنما المقصود منه: التغليظ.

стр. 1344

الحكم على حديث: (يدخل الجنة سبعون ألفاً من أمتي) وبيان معناه السؤال يقول الرسول ﵊ (يدخل الجنة سبعون ألفاً من أمتي بغير حساب ولا سابقة عذاب -وذكر من أوصافهم أنهم- لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون)، فهل هذا الحديث صحيح؟ الجواب نعم. الحديث في الصحيحين، ومعنى هذا الحديث: أن هؤلاء السبعين يدخلون بغير حساب ولا سابقة عذاب، وأوصافهم: أنهم لا يكتوون، والكي مشروع، لكنه آخر الدواء. قال رسول الله ﷺ : (ثلاث فيهن الشفاء: شرطة بمحجم -وهي الحجامة- أو شربة عسل - ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩]- أو كية بنار). وقال: (آخر الدواء الكي) قيل: هو حديث، والحقيقة أنه ما روي من طريق إلا وفيه ضعف، فمنهم من قال: ليس بحديث أصلاً، ومنهم من ضعفه، وبعض المتساهلين قد أثبته حديثاً للنبي ﵊. والنبي ﷺ أخبرنا أن من أوصاف هؤلاء السبعين الذين يدخلون الجنة ومع كل واحد سبعون ألفاً قال: (هم الذين لا يكتوون) أي: لا يكتوون لأول وهلة، أو أنهم يدعون الكي توكلاً على الله ، وأملاً في الشفاء من عنده؛ حتى يدركهم الموت بغير كي، فجمعوا بين ترك التداوي والتوكل على الله ، ولا شك أن هذه درجة عظيمة، والتداوي مشروع وجائز؛ ولذلك قال ابن القيم: ما كنا نتداوى إلا إذا مر على الداء ثلاثة أيام، وكنا نسترقي بفاتحة الكتاب وغيرها، فوالله لقد وجدنا أنها نافعة في الرقية. ذكر هذا الكلام في بداية كتاب الداء والدواء، كما أنه ذكره في كتاب زاد المعاد، في الجزء الثالث: الطب النبوي. قال: (هم الذين لا يسترقون ولا يرقون)، وقوله: (ولا يرقون) رواية شاذة؛ وذلك لأن النبي ﵊ رقى، كان يرقي الحسين ويعوذ الحسن والحسين بالمعوذتين. أما قوله: (هم الذين لا يسترقون) أي: لا يطلبون الرقية، لكن هذا لا يمنع أن تقع عليهم الرقية بغير طلب، فالذي يطلب الرقية يسترقي؛ لأن الألف والسين والتاء للطلب، فاسترقى فلان أي: طلب الرقية، فكونه استرقى خرج من السبعين ألفاً، وبعض الناس يفهم من هذا الكلام أنه لو استرقى دخل فيهم، وهذا خطأ، إنما المفهوم أنه خرج من الفئة التي تدخل الجنة بغير حساب ولا سابقة عذاب. إذاً: النص الصحيح: (يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب. قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون). أما الرواية القائلة: (هم الذين لا يرقون) فهي رواية شاذة، والصحيح أنهم: (الذين لا يسترقون) أي: لا يطلبون الرقية من غيرهم.

стр. 1345

التوسل المشروع السؤال ما هو التوسل المشروع؟ الجواب التوسل المشروع يكون بأسماء الله تعالى وصفاته، وكذلك التوسل بالعمل الصالح، والدليل على ذلك: حديث أصحاب الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة. وكذلك يشرع التوسل بدعاء الصالحين الأحياء والدليل على ذلك: حديث عمر عندما استسقى بدعاء العباس عم النبي ﵊. قال: اللهم إنا كنا نستسقي إليك بدعاء نبيك وقد مات نبيك والآن نستسقي بدعاء عم نبيك العباس. إذاً: الاستسقاء والتوسل بدعاء الصالحين من الأحياء من التوسل المشروع، وما دون ذلك من التوسل الممنوع.

стр. 1346

نسبة الأشاعرة إلى أهل السنة والجماعة أم إلى أهل القبلة السؤال أريد أن أعرف بكل دقة: ما حكم أصحاب العقيدة الأشعرية؟ وهل هم من الفرق الضالة التي في النار التي ذكرها الرسول ﵊ أم لا؟ وهل يصح القول بأنهم فاسدو العقيدة أم لا؟ الجواب بلا شك أن الأشاعرة والماتريدية ليسوا من أهل السنة والجماعة، وكوننا ننفي عنهم ذلك لا يلزم منه الحكم بتكفيرهم، لكن إذا قلنا: فلان ليس من أهل السنة لا يمنع أن يكون من أهل القبلة، فالأشاعرة من أهل القبلة مسلمون، ولكنهم ليسوا من أهل السنة والجماعة.

стр. 1347

حكم الاتكاء على اليد اليسرى في الجلوس السؤال هل نهى الرسول ﵊ عن الاتكاء على اليد اليسرى في الجلوس؛ لأنها جلسة أهل النار؟ الجواب نعم نهى عن الاتكاء على اليد اليسرى، والحديث ثابت عند أبي داود، وقال: (إنما هي جلسة أهل النار). والحديث الذي عند أبي داود فيه النهي عن الاتكاء على اليدين: اليد اليسرى واليد اليمنى، ومن باب أولى أن يكون النهي شاملاً لليد الواحدة، فهذا النهي ثابت والحديث فيه صحيح، وهي جلسة أهل النار، وفي رواية: (أنها جلسة الشيطان).

стр. 1348

النهي عن تسريح الشعر كل يوم السؤال هل نهى النبي عن تسريح الشعر والاغتسال في كل يوم. وما صحة ذلك؟ الجواب نعم. نهى النبي ﷺ عن الترجل إلا غباً، أي: نهى عن تسريح الشعر ودهنه إلا غباً، والغب: هو اليوم بعد اليوم أو الأيام بعد الأيام، كما قال النبي ﵊: (زر غباً تزدد حباً) يعني: عندما تحب أن تزور شخصاً لا ينبغي لك أن تزوره كل يوم من باب المحبة في الله إلى أن يكرهك في الله. والمقصود: أن تزوره كل فترة من الزمن إذا تطلب الأمر ذلك، لا أن تقلقه في عائلته، كل وقت تطرق عليه الباب إلى أن تؤثمه، فالنبي ﵊ يقول: (الضيافة ثلاثة أيام، وما زاد عن ذلك فهو صدقة). وكان عبد الله بن عمر إذا زار أحداً أخذ مولاه نافعاً معه، فكان إذا انتهت الثلاثة أيام قال: يا نافع! أخرج طعامنا من الكيس. لأنه انتهى حقهم في الضيافة. ولذلك قال النبي ﵊: (ولا يحل لأحدكم أن يؤثم أخاه)، يعني: بعد الثلاثة أيام ترحل بنفسك، ولا توقع أخاك في الإثم بكراهة وجودك، أو بتقديم الطعام لك على غير نية صالحة، أو بأنك ثقيل على قلبه، أو توقعه في بغضك، ولا شك أن المسلم لا يتصف بهذا كله إلا لعلة وضرورة، فلا تكن أنت السبب في إيقاع أخيك في هذا الإثم، فقوله: (ولا يحل لأحد أن يؤثم أخاه) أي: يوقعه في الإثم بسبب المكث عنده أكثر من ثلاثة أيام، لكن هل هذا الحديث في البادية أم في المدينة؟ اختلف أهل العلم، والذي يغلب على ظني أن هذا في البادية؛ لأن البادية لا يتمكن المرء من مكان يقيم فيه، ولا من مطعم يطعم فيه، لكن في المدينة هناك المطاعم والفنادق وغير ذلك، فبإمكانك أن تنزل فيها. كما أن في القاهرة والمدن الكبيرة هذه العادات مسألة في غاية العسر، خاصة إذا كان الضيف صعيدياً؛ لأن هذه أعراف، والحقيقة الإخوة الصعايدة المقيمون في القاهرة في غاية العنف والمشقة من هذا الأمر، إذ يأتيه أخوه من خارج البلد فيمكث عنده شهراً كاملاً. وعندما يذهب للعمل يأخذ أخاه معه، فلو أنه أخذ أخاه ثلاثة أيام أو أربعة أيام معه في العمل فإن أصحاب العمل سيتحرجون جداً، فلا يقدمون طعاماً ولا شراباً، فيصبح قاعداً على الكرسي، وهكذا يثقل على أخيه؛ فلذلك ينبغي أن يكون حريصاً على خفته، فلا يجلس شهراً بلا هدف ومن غير مصلحة، إن جاء للزيارة مكث شهراً، وإن جاء لمصلحة مكث السنة كلها، وأخوه ماذا يفعل؟ هل يتركه مع امرأته في البيت؟ إذاً تقع المحاذير والانتهاكات الشرعية، وانتهاك الحرمات وغير ذلك، وإن قلت له: تعال معي العمل قال: هذا لا يأمنني، بل يعتبرني خائناً! فنقول: أفضل شيء هو تطبيق الشرع حتى وإن وجد في نفسه وغضب، فهذا دين الله ، فلابد أن يقول المضيف: أكرمتك ثلاثة أيام وقدمت فروض الطاعة لك، وقد انتهت الثلاثة أيام. والأنكى من ذلك أن الأسرة في البلد تتفق مع أسرة أخرى أو مع بعضها البعض أن كل ثلاثة أيام يزورون شخصاً! وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 1349

شرح كتاب الإبانة - الرد على الواقفة الذين قالوا القرآن كلام الله ولم يقولوا مخلوق ولا غير مخلوق لقد حذر العلماء من اتباع سبيل الجهمية وغيرهم من المبتدعة القائلين بخلق القرآن، وبينوا أن العقيدة السليمة في ذلك هي عقيدة أهل السنة والجماعة وهي إثبات أن القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود، تكلم به سبحانه على الحقيقة بحرف وصوت يليق بجلاله سبحانه، وأنه غير مخلوق، ومن قال: إن القرآن كلام الله، وسكت، فلا قال: هو مخلوق ولا غير مخلوق؛ فهو شر من الجهمية.

стр. 1350

باب الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق خلافاً للطائفة الواقفة والشاكة الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فقد تكلمنا في الدرس الماضي عن إثبات أن كلام الله غير مخلوق، وبينا ذلك من الكتاب والسنة؛ إذ إنه في الأحاديث القدسية أن الله يتكلم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء ، فحينئذ القرآن الذي تكلم الله ويتكلم به ولا تنفد كلماته ليس مخلوقاً؛ لأن الكلام صفة من صفات الله ، وصفات الله تعالى غير مخلوقة. ولو قلنا: إن الله تعالى يتكلم بكلام يخلقه لكان لزاماً أن نقول: إنه كان ليس قادراً على الكلام أولاً، فخلق في نفسه القدرة على الكلام فتكلم، وهذا القرآن إنما يحمل الأسماء والصفات، إذاً: كل الأسماء والصفات مخلوقة، فما يقوله الإنسان في صفة يلزمه أن يجري هذا الكلام في بقية الصفات؛ لأن الكلام في صفة هو كالكلام في جميع الصفات، فإذا كان الكلام مخلوقاً فجميع الأسماء والصفات مخلوقة، والذي يقول هذا مع إثبات كفره وإلحاده في أسماء الله تعالى وصفاته نقول له: إنه يلزمه أن يقول: إن الله تعالى ذات بغير صفات، وقلنا: إنه لا يتصور مطلقاً أن تكون ذات بغير صفات. إذاً: إذا قال ذلك فإننا نقول له: كيف نتصور ذاتاً ابتداء بغير صفات؟ لابد أنه سيعجز عن الرد، ثم نقول له: لقد جعلت الله عدماً، والمعلوم أن العدم لا يخلق شيئاً حتى يصير ذاتاً، وغير ذلك من هذه الفلسفات التي ينبغي أن يتنزه عنها المسلم. كما قلنا في الدروس الماضية: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، والسلف ﵃ -أي: في زمن الصحابة وزمن التابعين- ما اضطروا إلى هذه الزيادة -غير مخلوق- لكن لما تكلم الجهمية بهذا الكلام الإلحادي الكفري اضطر السلف اضطراراً أن يقولوا: غير مخلوق، كما قال النبي ﵊ للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء)، ولم يقل لها: بذاته أم لا، فلما جاء الخلف وقالوا: الله تعالى في كل مكان، اضطر السلف أن يقولوا: الله تعالى في السماء بذاته، فهو استوى على العرش بذاته، وهو مع خلقه معية سمع وإحاطة ورعاية، وغير ذلك من بقية معاني صفاته . إذاً: السلف ما قالوا: الله تعالى على العرش بذاته -وهم يعلمون أنه على العرش بذاته- ولم تكن هناك حاجة إلى أن يذكروا مصطلح: بذاته، حتى أتى من نفى أن الله تعالى استوى على العرش بذاته، فاضطر السلف أن يزيدوا في الرد على المبتدعة قول: بذاته، فقالوا: الله تعالى استوى على العرش بذاته، وكذلك السلف كانوا يقولون: القرآن كلام الله، وما كانوا يقولون: مخلوق ولا غير مخلوق؛ لأن الأمر مستقر عندهم أن القرآن صفة، وأن الكلام صفة من صفات الله، وهي غير مخلوقة، ولم ينازع في ذلك أحد من السلف، فما كان هناك حاجة إلى أن يقولوا: مخلوقة أو غير مخلوقة، فلما أتى من قال: القرآن كلام الله مخلوق، اضطر السلف أن يقولوا: بل القرآن كلام الله غير مخلوق، فاضطروا اضطراراً إلى ذلك، فمن الناس من قالوا: القرآن كلام الله مخلوق، ومنهم من قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، ومنهم من توقف، فلم يتكلم لا في مسألة القرآن ولا في مسألة اللفظ، وقالوا: لا نقول: مخلوق ولا غير مخلوق، وإنما نقول: القرآن كلام الله، وربما يتوهم السامع بهذا أن هؤلاء الواقفة أخذوا بالأصل الأصيل الذي ورد في كلام سلف الأمة من الصحابة؛ أنهم ما كانوا يقولون: لا مخلوق ولا غير مخلوق؛ لأنهم قالوا: القرآن كلام الله، وهذا كلام لا يختلف عليه أحد من أهل السنة، لكن هيهات أن يكون الأمر كذلك، إذ إنهم شر ممن صرحوا بأنه مخلوق؛ لأن بقية العلامات والأمارات لهؤلاء الواقفة تنبئ عن أنهم جهمية؛ لأنهم تبنوا أصول الجهمية فيما يتعلق بنفي رؤية الله ونفي عذاب القبر وغير ذلك، أي: قالوا بما قالت به الجهمية، فلا يمكن حمل توقفهم في كلام الله مخلوقاً أو غير مخلوق على بقية منهج الجهمية، ولذلك عقد الإمام ابن بطة الباب السابق والذي قبله لإثبات عقيدة أهل السنة والجماعة في كلام الله وأنه غير مخلوق، وساق الأدلة من القرآن في الباب الأول، وساق في الباب الثاني الأدلة من السنة النبوية وكلام الصحابة ﵃ على أن القرآن كلام غير مخلوق، لا يقول بغير ذلك إلا كافر. ثم عقد الباب الذي نحن بصدده الآن للرد على الواقفة الذين توقفوا في قولهم مخلوق أو غير مخلوق، وإنما قالوا: القرآن كلام الله، ولم يقولوا: هو مخلوق أو غير مخلوق، فقال ﵀: [باب الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، خلافاً للطائفة الواقفة التي وقفت وشكت وقالت: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق].

стр. 1351

الآثار عن بعض السلف في أن القرآن كلام الله غير مخلوق قال: [عن معاوية بن عمار سألت جعفر بن محمد -وهو ابن علي بن أبي طالب - فقلت: إنهم يسألوننا عن القرآن أمخلوق هو؟ فقال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله. حدثنا ابن وهب قال: حدثنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قول الله : ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨]، قال: غير مخلوق]. وهذا من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، والمعلوم أن علي بن أبي طلحة يروي التفسير عن ابن عباس، لكن روايته صحفية، أي: أن رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس صحفية يرويها علي عن ابن عباس، وابن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس ولم يره، ولذلك قال ابن كثير في هذه الآية: ((غَيْرَ ذِي عِوَجٍ)): هو قرآن بلسان عربي مبين لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان، وهذا ربما يكون أحسن الأقوال. قال: [حدثنا حموية بن يونس إمام مسجد جامع قزوين: بلغ أحمد بن حنبل هذا الحديث]. أي: عن ابن عباس في قول الله: ((قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ)). أي: غير مخلوق، [فكتب إلى جعفر بن محمد بن فضيل الرسعني: اكتب إلي بإجازته]. أي: أن الإمام أحمد يطلب من جعفر بن محمد أن يجيزه بهذا. قال: [فكتب إليه بإجازته، فسر أحمد بن حنبل بهذا الحديث وقال: كيف فاتني عن عبد الله بن صالح هذا الحديث؟]؛ لأن الإمام أحمد تلميذ لـ عبد الله بن صالح، وعبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد، وكأن الإمام أحمد أخذ كل ما عند عبد الله بن صالح من حديث، فكيف فاته هذا الحديث؟ قال: [سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: الواقفة شر من الجهمية بعشرين مرة، هؤلاء شكوا في الله]. أي: الذين توقفوا وقالوا: لا نقول مخلوقاً ولا غير مخلوق، فهؤلاء شر من الجهمية الذين صرحوا وقالوا: القرآن كلام الله مخلوق بعشرين مرة؛ لأنهم شكوا في الله . إذاً: التوقف في إثبات أن القرآن كلام الله غير مخلوق هو شك في صفات الله ، هل الله تعالى يتكلم أو لا يتكلم؟! هل يقدر على الكلام أو لا يقدر على الكلام؟! وبالتالي ما الفرق بين من شك في قدرة الله على الكلام ومن شك في قدرته على العلم أو الإرادة أو السمع أو البصر؟ ما الفرق بين أن يشك المرء في صفة من صفات ربه أو في كل الصفات؟ لا فرق، ولذلك فالواقفة شر من الجهمية الذين صرحوا بأن القرآن مخلوق عشرين مرة؛ لأنهم شكوا في قدرة الله على الكلام. وفي رواية من طريق أبي داود: هؤلاء يقولون: القرآن كلام الله ويسكتون شر من هؤلاء، يعني: الذين قالوا: القرآن مخلوق. وفي رواية عن السلف: من وقف في القرآن أنه كافر، وقالوا: جهمي. لأن الشك في الصفة شك في الموصوف؛ لأن الذي يشك في صفة من صفات الله فقد شك في الله، وكانوا يستحقون بذلك أن يكونوا شراً من الجهمية؛ لأن كلامهم يتضمن نوعاً من الخداع حيث يحتمل اعتقادهم بأن القرآن مخلوق، ولكنهم أخفوا هذا الاعتقاد بستار التوقف، ولأن مجرد توقفه عن التصريح بأن القرآن غير مخلوق، يعني: أنه شاك في الأمر، فهو يشك في هذا الأمر وفي هذه الصفة.

стр. 1352

الآثار الواردة عن أحمد بن حنبل في إنكاره على الواقفة واعتقاده أن القرآن كلام الله غير مخلوق

стр. 1353

الحكم على الواقفة قال: [وعن أبي بكر بن هانئ -وهو من أكابر تلاميذ الإمام أحمد - قال: أتينا أحمد بن حنبل أنا والعباس بن عبد العظيم العنبري -وهو كذلك من كبار تلاميذ أحمد - فسألناه عن أشياء فذكر كلاماً، فقال العباس: وقوم هاهنا قد حدثوا -أي: قد ظهر قوم في بغداد قد أحدثوا أمراً عجيباً- يقولون: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وهؤلاء أضر من الجهمية على الناس، ويلكم؛ فإن تقولوا: ليس بمخلوق، فقولوا: هو مخلوق، فقال أبو عبد الله: قوم سوء هؤلاء، قوم سوء، فقال العباس: ما تقول يا أبا عبد الله؟ فقال: والذي أعتقده وأذهب إليه -أي: وهو معتقدي- ولا أشك فيه: أن القرآن غير مخلوق، ثم قال: سبحان الله! ومن يشك في هذا؟]. أي: ومن يشك في أن القرآن كلام الله غير مخلوق؟! [ثم تكلم أبو عبد الله بكلام مستعظماً للشك في ذلك، فقال: سبحان الله! في هذا شك؟ قال الله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، ففرق بين الخلق وبين الأمر، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٣]، فجعل يعيدها] ولم يقل: الرحمن خلق القرآن، وإنما قال: علم، إذاً: القرآن من علم الله، وعلم الله ليس مخلوقاً، إذ إن علم الله أزلي أبدي لا أول له ولا نهاية، أما المخلوق فقال الله تعالى فيه: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ [الرحمن:٣]، إذاً: الإنسان مخلوق، أما القرآن فليس مخلوقاً. قال: [فالقرآن من علم الله، وفيه أسماء الله لا نشك أنه غير مخلوق، وهو كلام الله، ولم يزل الله متكلماً].

стр. 1354

الواقفة أشد خداعاً للعامة من الجهمية قال: [حدثنا أبو الحارث الصائغ قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل فقلت: إن بعض الناس يقول: إن هؤلاء الواقفة شر من الجهمية؟ قال: هم أشد تربيثاً -أي: خداعاً وتمويهاً وتدليساً على العامة- من الجهمية، وهم يشككون الناس؛ وذاك أن الجهمية قد بان أمرهم]. كما أن المنافق أخطر على الإسلام وأهله من الكافر؛ لأن الكافر قد علم أمره وبان وظهر، وللناس أن يعاملوه على هذا الأساس، لكن لو أن الإنسان منافقاً ظاهره الإسلام، فليس لنا منه إلا الظاهر، أما الباطن فيحاسبه عليه الرب يوم القيامة، لكن المضرة قادمة من قبله. قال: [وذاك أن الجهمية قد بان أمرهم، وهؤلاء إذ قالوا: لا يتكلم؛ استمالوا العامة، إنما هذا يصير إلى قول الجهمية]. أي: الذي يقول: القرآن كلام الله ثم يتوقف ولا يقول: مخلوق ولا غير مخلوق، مآلهم أن يقولوا في نهاية أمرهم إذا فضحوا: مخلوق. [قال أبو الحارث: وسمعت أبا عبد الله سئل عمن قال: أقول: القرآن كلام الله وأسكت. قال: هذا شاك، لا، حتى يقول: غير مخلوق]. يعني: لا نقبل منه التوقف حتى يصرح بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، حتى لا يقول أحد من الإخوة: أنا سأعمل مثل ما عمل الصحابة، فقد كانوا يقولون: القرآن كلام الله ويسكتون، نعم سكتوا إذ لم تكن هناك فتنة، فلما قامت الفتنة كان لابد من التمييز بين أهل الحق وأهل الباطل، وبالتالي لا يقبل منك حتى تصرح بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما لا يقبل منك حتى تقول: الله استوى على العرش بذاته، وينزل ويجيء؛ ينزل إلى السماء الدنيا حيث يبقى ثلث الليل الآخر، ونزوله إلى السماء الدنيا لا يستلزم خلو العرش منه ، وهذه لابد أن تكون هذه عقيدة المسلمين.

стр. 1355

أصناف المبتدعة في القرآن قال: [قال: حدثنا أبو طالب أحمد بن حميد قال لي أبو عبد الله: صاروا ثلاث فرق في القرآن]، أي: صار الناس المبتدعة في القرآن ثلاث فرق [قلت: نعم هم ثلاث: الجهمية والواقفة واللفظية]. الجهمية المصرحة بأن القرآن كلام الله مخلوق. والواقفة الذين ما قالوا: مخلوق ولا غير مخلوق. واللفظية الذين قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة. [فأما الجهمية فهم يكشفون أمرهم، يقولون: مخلوق. قال: كلهم جهمية] أي: المصرحة والواقفة واللفظية [هؤلاء يستترون، فإذا أحرجتهم كشفوا الجهمية] أي: أن الواقفة يستترون خلف التوقف، ويتمسكون بظاهر الأمر على ما كان عليه سلف الأمة [فإذا أحرجتهم كشفوا أمرهم فكلهم جهيمة، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]]، فهل يتصور أن هذا الكلام لم يعرفه الله ﵎ ولم يعلمه قبل ذلك حتى خلقه وكلم موسى؟ أو هل يتصور أن الله تعالى خلق كلاماً في الهواء أو في الشجر أو فوق الجبل فسمعه موسى؟ لا يتصور، بل المتصور هو العقيدة السليمة الصحيحة أن الله تعالى تكلم مع موسى، فسمع موسى صوت الله ، والله تعالى تكلم بحرف وصوت. قال: [وقال الله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، فيسمع مخلوقاً وجبريل جاء إلى النبي بمخلوق!]. أي: هل جبريل ﵇ لما جاء إلى النبي بالوحي أتاه بمخلوق أم بصفة من صفات الله؟ بصفة من صفات الله . قال: [قال أبو طالب: وسمعته، يعني أحمد يقول: من شك فقد كفر]. وفي رواية عنه قد ذكرناها: من قال: مخلوق فقد كفر. إذاً: الكفر يلحق كل من توقف في القرآن الكريم أو صرح بأنه كلام الله مخلوق. قال: [قال أبو طالب: وجاء رجل إلى أبي عبد الله وأنا عنده، فقال: إني لي قرابة يقول بالشك]. أي: لي أحد الأقارب يشك في أن القرآن كلام الله أو غير كلام الله. قال: [فقال وهو شديد الغضب: من شك فهو كافر، وقال رجل: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، قال: فقال: هذا قولنا: من شك فهو كافر، فقال له الإمام أحمد بن حنبل: جزاك الله خيراً]. وكأنه يقره على هذه العقيدة. قال: [سمعت أحمد بن حنبل يقول: اللفظية والواقفة زنادقة عتق]. أي: قديمين في الزندقة والإلحاد. قال: [قال عباس الدوري: كان أحمد بن حنبل يقول: الواقفة واللفظية جهمية]. أي: الذين توقفوا فلم يقولوا مخلوق أو غير مخلوق، وكذلك الذين قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة. قال: [حدثنا أبو بكر المروذي قال: سمعت الإمام أبا عبد الله يقول: من لم يقل: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، فهو يحل محل الجهمية]. قال: [المروذي أبو بكر: قال لي أبو عبد الله: أول من سألني عن الوقف علي الأشقر]. وفي الحقيقة المحقق يقول: لم أجد له ترجمة، ولو قرأ النص في المخطوط صحيحاً لعرف ترجمته، إذ إنه علي الأشتر بالتاء لا بالقاف، فتصحف للتاء عند قارئ المخطوط قافاً، فلا شك أنه لم يتوصل إلى ترجمة علي الأشتر، وعلي الأشتر من كبار المبتدعة ومن كبار الجهمية. قال: [فقلت له: القرآن غير مخلوق]. قال: [قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: افترقت الجهمية على ثلاث فرق: الذين يقولون مخلوق، والذين شكوا، والذين قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة].

стр. 1356

الموقف من الشاك في كون القرآن غير مخلوق قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: لا تقل هؤلاء الواقفة، هؤلاء الشاكة]. يعني: أن الاسم الصحيح لهم أنهم الشاكة، فقد شكوا في الله . قال: [قال المروذي: وسألت أبا عبد الله عمن وقف لا يقول غير مخلوق، وقال: أنا أقول: القرآن كلام الله، قال: يقال له: إن العلماء يقولون: غير مخلوق، فإن أبى، فهو جهمي]. أي: من أتاك وقال لك: أنا أقول: القرآن كلام الله، وهذا الذي يجب علي، فقل له: إن العلماء بعد الفتنة صرحوا بأنه غير مخلوق، فإذا توقف في ذلك ولم يقل: غير مخلوق، فقل له: إنك جهمي. قال: [قال أبو بكر المروذي: قدم رجل من ناحية الثغر] والثغر هو آخر نقطة بين ديار الإسلام وأرض العدو، ويتوقع أن يدخل منها العدو، وتسمى أيضاً بأرض الرباط. قال: [قال: قدم رجل من ناحية الثغر فأدخلته على الإمام أحمد، فقال: ابن عم لي يقف وقد زوجته ابنتي]. أي: ابن عم لي يتوقف فلا يقول: مخلوق ولا غير مخلوق، وقد زوجته ابنتي. قال: [وقد أخذتها وحولتها إلي]. أي: لما بلغني أنه توقف أخذت ابنتي منه وأدخلتها في داري على أن أفرق بينهما. قال: [فهل أنا مصيب حينئذ؟ قال الإمام: لا ترضى منه حتى يقول: غير مخلوق، فإن أبى ففرق بينهما]. إذاً: هذه المسألة ليست مسألة سهلة، فقد حكم الإمام أحمد بالكفر وأنه جهمي ومخالف ومحاد لله ورسوله وشاك في الله وفي صفاته، وأنه لا يحل له أن يتزوج المسلمة، وإذا كان متزوجاً لها فيجب التفريق بينهما، وأنه لا يصلى عليه ولا يجهز ولا يدفن في مقابر المسلمين، ومن صلى خلفه وجبت عليه إعادة الصلاة، وهذه أحكام المرتد. قال: [قال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد بن عبدة يقول: ما أبالي شككت في القرآن غير مخلوق أو شككت في الله ]. أي: أنه يقول: ما الفرق بين أن أشك في ذات الله وأن أشك في صفة من صفاته؟ قال: ما أبالي إذا كنت أشك في صفة أو في ذات الله ؟ فهذا كفر وذاك كفر. قال: [قال أبو داود: وسمعت إسحاق بن راهويه -وهو من أئمة السلف- يقول: من قال: لا أقول القرآن مخلوق ولا غير مخلوق؛ فهو جهمي. وقال قتيبة بن سعيد [قيل له: الواقفة؟ فقال: هؤلاء الواقفة شر من الجهمية] أي: من الجهمية الذين صرحوا بأنه مخلوق، [قال: هؤلاء الذين يقولون: كلام الله ويسكتون شر من هؤلاء] يعني: ممن قال: مخلوق.

стр. 1357

إنكار أحمد بن صالح المصري على من قال القرآن كلام الله وسكت قال: [قال أبو داود: سألت أحمد بن صالح المصري]. وأحمد بن صالح من كبار أئمة السلف، وصاحب سنة، ثقة إمام جليل، آذى النسائي نفسه بالكلام فيه، وأين النسائي من أحمد بن صالح؟ وليس من باب العصبية؛ لأن أحمد بن صالح مصري، لكن أحمد بن صالح المصري كان في زمانه كـ الليث بن سعد، فقد كان يأتيه الناس من بلاد العالم، لكن لم يكن يأذن لأحد في مجلسه إلا بعد أن يختبر عقيدته، فقد كان شديداً في السنة وشديداً على أهل البدع، وكان إذا بلغه أن رجلاً أتى من خراسان أو الشام أو المغرب أو الأندلس أو من أي مكان اختبره وخاصة في مسائل الفتن، في مسألة القرآن، في مسألة الفتنة بين الصحابة ﵃، إذ ربما يكون عدواً لـ علي بن أبي طالب، أو عدواً لـ معاوية أو غير ذلك، فإذا كان ممن يتكلم في هذه المسائل بغير ما تكلم به السلف كان يطرده عن مجلسه ولا يأذن له قط. ولذلك الإمام النسائي كان يعرف قدر أحمد بن صالح المصري، والإمام النسائي صاحب السنن كان فيه شيء من التشيع، وقيل: إنه رجع عنه، لكن الذي ثبت عنه أولاً أنه كان فيه شيء من التشيع، فلما قدم النسائي من بغداد إلى مصر وبلغ أمره إلى أحمد بن صالح المصري قال: يا أبا عبد الرحمن! لا تجلس في مجلسي قط ولا تحدث عني، فكان يجلس الإمام النسائي خارج المسجد ويقول: قرئ على أحمد بن صالح وأنا أسمع؛ لأنه يحرم عليه أن يقول: حدثني أحمد بن صالح؛ لأنه لم يحدثه، أو سمعنا أو سمعت؛ لأن ذلك لم يحدث، وإنما كان يقرأ المستملي على الإمام أحمد بن صالح ويسمع الإمام النسائي وهو خارج المسجد، فكان يقول: قرئ على أحمد بن صالح وأنا أسمع، وما أجازه بالرواية عنه قط؛ لأنه طرده، فلما طرده أطلق الإمام النسائي لسانه في أحمد بن صالح المصري. قال الذهبي: أحمد بن صالح المصري إمام ثقة جليل ثبت، قد أخطأ من تكلم فيه، وآذى النسائي نفسه بالكلام فيه، وهو صاحب سنة. قال: [قال أبو داود: سألت أحمد بن صالح المصري عمن يقول: القرآن كلام الله، ولا يقول: مخلوق ولا غير مخلوق، قال: هذا شاك].

стр. 1358

تواطؤ أقوال السلف على تكفير الواقفة وأنهم شر من الجهمية قال: [وعن أبي داود قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: سمعت محمد بن مقاتل العباداني، وكان من خيار المسلمين يقول في الواقفة: هم عندي شر من الجهمية]. فانظر إلى هذا الكلام الكثير جداً من كلام السلف يدل على مسألة واحدة حتى تكاد ألفاظهم أن تكون متقاربة، إذ إن الكل متفق على أن الواقفة شر من الجهمية، والواقفة كفار، واللفظية جهمية، والجهمية كفار، وكلهم يقولون قولاً واحداً، وبإمكاننا أن نسرد ألف نص عن السلف بلفظ واحد: الواقفة شر من الجهمية، وكلهم يقولون هذا؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، والباطل كثير. [قال أبو بكر المروذي: سألت عباساً النرسي عن القرآن، فقال: نحن ليس نقف؛ نحن نقول: القرآن غير مخلوق]. أي: لا نتوقف في ذلك، بل نقول: هو كلام الله غير مخلوق. قال: [وسألت عبيد الله بن عمر القواريري عن الواقفة، فقال: شر من الجهمية، وسألت يحيى بن أيوب عن الواقفة، فقال: هم شر من الجهمية، وسألت إبراهيم بن أبي الليث عن الواقفة، فقال: هم كفار بالله العظيم، لا يزوجوا ولا يناكحوا]. أي: إذا أتاك واحد منهم لينكح ابنتك فلا تفعل. قال: [وسألت محمد بن عبد الله بن نمير عن الواقفة فقال: هم شر من الجهمية، وقال: هذا والوقف زندقة وكفر. وسألت أبا بكر بن أبي شيبة عن الواقفة، فقال: هم شر من الجهمية. وسألت عثمان بن أبي شيبة -أخو أبي بكر - عن الواقفة فقال: هم شر من الجهمية]. وهكذا كلما ننقل عن واحد من السلف نجد نفس الكلام: الواقفة شر من الجهمية. قال: [وسألت ابن أبي معاوية الضرير عن الواقفة، فقال: هم مثل الجهمية أي: هم منهم. قال: [وسألت هارون بن إسحاق الهمداني فقال: هم شر من الجهمية، وسألت أبا موسى الأنصاري عن الواقفة، فقال: هم شر من الجهمية، وسألت سويد بن سعيد الأنباري فقال: هم أكفر من الحمار]. وهذا مصطلح جديد، لكننا بلا شك لا نقول بكفر الحمار، وأنا قلت لكم قبل ذلك أن رجلاً سأل وقال: أنا أريد أن أعرف هل الحمار مسلم أم كافر؟ فقال: الحمار على ملة صاحبه، وهذا كلام لا ذيل له ولا رأس، وإنما خرج مخرج الضجر الشديد، والضيق الشديد جداً، ربما لاحتدام الفتنة، ثم هل الحمار كفر من أجل أن نقول: أكفر منه؟ لا، يريد أن يقول: هؤلاء أغبى من الحمار، وإذا جاز للحمار أن ينطق ويتكلم بعقيدته ما قال قولهم ولا توقف مثل توقفهم، وهذا معنى: أنه أكفر من الحمار. قال: [وسألت أبا عبد الله بن أبي الشوارب عن رجل من الواقفة سئل عن وجه الله]. أي: هل الوجه صفة من صفات الذات أم لا؟ [سئل رجل من الواقفة عن وجه الله أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فقال: لا أدريس]. أي: أنه كذلك شاك في وجه الله ، والذي يشك في كلام الله يشك في ذات الله، وهو طريقه لابد. قال: [قال: لا أدري، فقال: هذا من الشاكة، أحب إلي أن يعيد الصلاة]. يعني: من صلى خلفه. [وقال سلمة بن شبيب: دخلت على أحمد بن حنبل فقلت: يا أبا عبد الله! ما تقول فيمن يقول: القرآن كلام الله؟ فقال أحمد: من لم يقل: القرآن كلام الله غير مخلوق فهو كافر، ثم قال لي: لا تشكن في كفرهم، فإنه من لم يقل: القرآن كلام الله غير مخلوق، فهو يقول: مخلوق، فهو كافر]. أي: الذي يتوقف في أنه غير مخلوق لابد أنه يلزمه أن يقول: مخلوق، وإذا قال: مخلوق، فقد كفر. ولا شك أن النصوص الواردة عن الإمام أحمد بن حنبل فيما يتعلق بفتنة القرآن الكريم كثيرة جداً، فربما تبلغ المئات أو يزيد عن ألف نص، ولك أن تتصور أنه في أيام المحنة يدخل عليه الواحد تلو الواحد، والرجل تلو الرجل، والمرأة تلو المرأة، والصبي تلو الصبي، والسلطان تلو السلطان، يسألونه ما تقول في القرآن؟ سؤال واحد والسائلون مئات وآلاف، فماذا يكون موقفه؟ وكيف تكون نفسيته عندما يسأله الآلاف سؤالاً واحداً؟ إن الواحد منا عندما يسأل سؤالاً ويجيب عنه مرة بالتفصيل، ويسأل بعده مباشرة عن نفس السؤال، فإذا به يقول: قد أجبنا عليه فلا داعي للإعادة مرة أخرى، فيضيق صدر الشخص منا لإعادته، وهذه هي طبيعة البشر وطبيعة الخلق، حتى في الكتابة، وانظر في أي جهد لأي عالم من العلماء. وانظر إلى الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم إذ تجد فيه الكلام عن الإيمان والصلاة والوضوء والطهارة وغير ذلك، وهو كلام متين جداً وطويل، ويستوعب الإسناد بحثاً وإسناداً وترجمة وغير ذلك، وذكر مناقب الرواة، ثم بعد ذلك بدأ الإمام النووي يتساهل ويختصر، حتى تأتي إلى الحديث الذي يحتاج إلى كلام في عشرات الورقات يختصره في صفحة واحدة أو نصف صفحة؛ لأنه مل، وهذه طبيعة الخلق. وانظر إلى جهد الحافظ ا

стр. 1359

بعض كلام الإمام أحمد في الواقفة قال: [قال أبو بكر أحمد بن هارون: حدثنا عبد الله ابن الإمام أحمد، قال: سمعت أبي ﵀ وسئل عن الواقفة، فقال: من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي]. أي: من كان منهم يعرف معنى ما يتكلم به، ويقصد حقيقة الكلام، فهو جهمي، مع أن هذه المسألة مقطوع بها عند السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر. قال: [لما قيل لـ أبي عبد الله: ما الواقفة؟ قال: أما من كان لا يعقل فإنه يبصر]. أي: أن الإنسان الجاهل الذي لا يعلم خطورة هذا القول يعلم ويبصر بحقيقة الأمر، وقد تجد أناساً كثيرين جداً لا يفهمون، وهنا الآن أرسل شخص برسالة يقول فيها: نريد أن نعلم ما معنى لفظية؟ وقبل أن نتكلم عن مسألة خلق القرآن شخص يتكلم ويقول: ما معنى القرآن مخلوق؟ وما خطورة أنه مخلوق؟ وحينئذ ينبغي أن يعلم الجاهل، وأن يعذر حتى يعلم، فإن تعلم لم يكن له عذر بعد ذلك في التوقف أو في إثبات أن القرآن كلام الله مخلوق. قال: [وقال مهنا بن يحيى: قلت لـ أحمد بن حنبل: أي شيء تقول بالقرآن؟ قال: كلام الله وهو غير مخلوق. قلت: إن بعض الناس يحكي عنك أنك تقول: القرآن كلام الله وتسكت]. فانظروا إلى المفترين في زمن الإمام أحمد! ولذلك فإن أعظم فتنة تعرض لها الإمام هي مسألة الوقف واللفظ ومخلوق: وقوله: (وتسكت). أي: أنه من الواقفة. قال: [قال الإمام: من قال علي ذا فقد أبطل]. أي: تكلم بالباطل. قال: [يقول الدورقي: سألت أحمد بن حنبل فقلت: فهؤلاء الذين يقولون: نقف ونقول كما في القرآن، كلام الله ونسكت، قال: هؤلاء شر من الجهمية، إنما يريدون رأي جهم]. [وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن الرجل يقف، قال: هو عندي شاك مرتاب]. [قال محمد بن سليمان الجوهري بأنطاكية: سألت أحمد بن حنبل عن القرآن، فقال: إياك ومن أحدث -أي: ابتدع- فيه، فقال: أقول: كلام الله ولا أدري مخلوق أو غير مخلوق؟ من قال: مخلوق فهو ألحن بحجته من هذا -أي: قد أبان حجته وإن كانت باطلة، لكن على أية حال فلديه حجة- وإن كانت ليست لهما حجة ولله الحمد]. قال: [عن الحسن بن ثواب المخرمي قال: قلت لـ أبي عبد الله أحمد بن حنبل: الواقفة؟ قال: صنف من الجهمية استتروا بالوقف]. وأنتم تعلمون أن التوقف دائماً شر، وتعلمون أن جماعة من الجماعات الإسلامية الموجودة على الساحة اسمها: جماعة التوقف والتبين؛ وسميت بالتوقف لأنها تتوقف عن إثبات حكم الإيمان أو الكفر لأي أحد مهما كان إلا إذا تبين لها أنه مؤمن، وهذا بلاء عظيم جداً لا ندري من أين جاءوا بهذا؟! وهذا الذي يتوقف في إثبات حكم إسلامي للمسلمين لا شك أنه فرع عن التكفير، أي: أن التوقف والتبين فرع عن التكفير. وتصور أنه يرى الناس وقت الأذان يخرجون من بيوتهم ويدخلون في بيوت الله ، ومع هذا لا يحكم لهم بالإسلام إلا أن يتبين له بعد نقاش وحجج وسوق أدلة أنهم مسلمون، ويرى الناس يصلون في بيوت الله فلا يحكم لا للإمام ولا للمأمومين بالإسلام إلا أن يتبين له شخصياً أنهم من أهل الإسلام! بلاء عظيم جداً، والحمد لله أن هذه الفتنة كثير منكم لم يدركها، كثير من الشباب الصاعد لم يدركها، بل كان هذا في وقت من الأوقات في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات! كان بلاءً وشراً مستطيراً، ولذلك أحداث (١٩٨١م) بفضل الله رغم ما كانت تحمل من محن شديدة جداً إلا أنها أسفرت عن معادن الناس في ذلك الزمان، والذي تربى حقيقة إنما تربى قبل هذا التاريخ، ومن تربى بعده فلا شك أنه لم يدرك تلك المعارك التي صقلت أبناءها في ذلك الوقت، ولذلك لما دارت فتنة التوقف كنا قبل (١٩٨١م) يمشي الواحد منا في طريق وعلى الجانب الآخر من الطريق أخ أو شبه أخ، فيمر الواحد إلى الناحية الأخرى ويعرض نفسه للطيارات والخطر من أجل أن يقابله ويقول: السلام عليكم يا أخي! كيف حالك؟ ما هو اسمك؟ وأين تسكن؟ وإلى أين تذهب؟ فيتعرف عليه وعلى أبيه وأمه وزوجته وأولاده وشغله، وإلى أين هو ذاهب، ومن أين أتى في الطريق، والآن الأخ ربما يصطدم رأسه برأس أخيه ولا يقول له: السلام عليكم، فهذا حاصل الآن؛ وما هذا إلا أثر طبيعي في التوقف، وإلا فالنبي ﵊ يقول: (ألق السلام على من عرفت ومن لم تعرف)، يعني: من المسلمين، إلا أن يتبين لك أو تعلم مطلقاً أن هذا كافر، أي: أن هذا الرجل ليس من المسلمين، بل هو من الكفار، فلا تبدأه بالسلام، وإن سلم عليك فقل: وعليك، كما قال النبي ﵊ في أهل الكتاب، أو في الكفار عموماً. فالذي يقابلني وهيئته ومنظره يدل على أنه مسلم فهو أحسن مني، ثم ما الذي يمنعني أن أسلم عليه، وقد ترى أخاً ينظر إليك بمنتهى الغلظة والجفاء والخشونة حتى لو أنك ناو أن تقول له: السلام عليكم، إن الدين هو المعا

стр. 1360

فتوى الإمام أحمد بمقاطعة ذوي الأرحام القائلين بالوقف قال: [حدثنا محمد بن أبي حرب الجرجرائي قال: سألت أبا عبد الله عن رجل له والد واقفي -أي: عن رجل له والد ممن يتوقف في القرآن- قال: يأمره ويرفق به -أي: يأمره بكلام أهل الحق ويرفق به؛ لأنه أبوه- قلت: فإن أبى؟ قال: يقطع لسانه عنه] أي: يهجره ويخاصمه مع أنه أبوه. قال: [وسألت أبا عبد الله عن رجل له أخت أو عمة ولها زوج واقفي؟ قال: يأتيها ويسلم عليها -أي: له أن يذهب إلى بيتها ويسلم عليها- قلت: فإن كانت في الدار له -أي: لزوج العمة أو لزوج الأخت- قال: يقف على الباب ولا يدخل]. فانظروا إلى أي درجة؟! يقف على الباب ولا يدخل! قال: [حدثنا أحمد بن أصرم المزني المغفلي، قال: سمعت أبا عبد الله وقال له رجل له أخ واقفي: فأقطع لساني عنه؟ قال: نعم، مرتين أو ثلاثاً]. أي: أنه قال: نعم مرتين أو ثلاثاً. [قال حدثني الحسين بن حسان، سمع أبا عبد الله، سأله الطالقاني عن الواقفة فقال أحمد: لا يجالسوا ولا يكلموا]. ونحن قبل ذلك عندما كنا نتكلم عن الموقف من أهل البدع في أول الكتاب قلنا: إن أئمة الدين أبوا الجلوس مع أئمة البدع والضلالة، بل والتحادث إليهم، لكن الآن عندما يظهر شخص من أهل البدع ترى الناس يقولون: لماذا يا شيخ لا تذهب وتناقشه؟! يا أخي! لا يصح أن نناقشهم ولا أنت، ولذلك افرض أن عنده شبهات وضلالة، فماذا ستكون النتيجة؟ مع أنه ليس مطلوباً منك كل هذا، وإنما المطلوب منك أن تهرب من مواطن الفتن، وأنا قد أخذت ما هو واجب علي، فلا أتعرض له ولا أجالسه ولا أحدثه؛ لأنني أخاف على نفسي، أما أنت كطالب فما زلت مبتدئاً لا شيء عندك من الحصانة العلمية، ثم تريد أن تناقش رأساً في الضلالة؟ أنت كذلك ستقول: لا، لابد من المناظرة، ثم لماذا يا شيخ تخاف من ذلك؟ يا أخي لست خائفاً منه، لكني خائف على نفسي، هو لن يقتلني ولن يؤذيني إلا في عقيدتي، فأنا أهرب ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، يقول: لا، إن الواجب عليكم أن تبينوا الحق للناس، فأقول له: وهل هذه الفلسفة التي تقولها خفيت على سلف الأمة عندما امتنعوا عن محادثة أهل البدع؟ لم تخف عنهم، لكنه الأصل الأصيل الذي هو بناء السد بينك وبين الفتن، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

стр. 1361

هجر أهل العلم للواقفة وعدم السلام عليهم قال: [قال يوسف بن موسى القطان: قيل لـ أبي عبد الله: فمن وقف ماذا نصنع معه؟ قال: يقال له في ذلك -أي: يعلم- فإن أبى هجر]. [قال أبو عبد الله لما سئل عن الواقفي إذا كان يخاصم -أي: إذا كان صاحب حجة ولسان وبيان- لا يكلم ولا يجالس]. فإذا كان صاحب حجة وبيان ومستعد لأن يناظر فهذا الذي لا يناظر ولا يكلم، بل يهجر ويخاصم. إذاً: الذي يكلم الجاهل المغرر به، هذا الذي يقال له: أنت جاهل، وهذا الذي تسلكه إنما هو كلام أهل البدع وأهل الضلال، أما كلام أهل الحق فهو كيت وكيت، فهذا الجاهل الذي لا حجة لديه، وإنما هو من عموم رعاع أهل البدع، أما الذي يخاصم ويجادل ويماحل عند العجز فهذا لا يجالس ولا يكلم. قال: [وقال: على كل حال من الأحوال؛ القرآن غير مخلوق، وسأله رجل عن الشاكة: هل يسلم عليهم؟ أو أيرد على الرجل منهم؟ قال: إذا كان ممن يخاصم ويجادل فلا أرى أن يسلم عليه]. قال: [قال إسحاق: وشهدت أبا عبد الله وسلم عليه رجل من الشاكة، فلم يرد ﵇، فأعاد ﵇، فدفعه أبو عبد الله ولم يسلم عليه]. أي: دفعه في صدره دفعة قوية ولم يسلم عليه. قال: [قال داود بن رشيد: من زعم أن القرآن كلام الله وقال: لا أقول: مخلوق ولا غير مخلوق، فهذا يزعم أن الله لم يتكلم ولا يتكلم]. قال: [قال أبو بكر المروذي: سمعت أبا عبد الله يقول: ولا نرضى أن يقول: كلام الله ويسكت حتى يقول: إنه غير مخلوق]. وجاء عن عبيد الله بن معاذ: [لو علم الواقفة أن ربهم غير مخلوق لما وقفوا]؛ لأن الكلام يا إخواني! في الصفة فرع عن الكلام في الذات، فالذي يقول: القرآن كلام الله مخلوق كأنه يقول: الله مخلوق، والذي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق يثبت أن الله تعالى غير مخلوق، والله تعالى هو خالق كل شيء وليس مخلوقاً: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]، ((لَمْ يَلِدْ)) أي: ليس أباً لأحد، ((وَلَمْ يُولَدْ)) أي: ليس ابناً لأحد؛ لأنه الخالق الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجهم وحاجاتهم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1362

الأسئلة

стр. 1363

الجمع بين الآثار الواردة عن السلف في مناظرة أهل البدع والآثار المحذرة من ذلك السؤال قلتم: إنه لابد من عدم مجالسة ومخاطبة المبتدعة، فما حكم المناظرات كمناظرة الشيخ أحمد في ذلك؟ الجواب يا أخي الكريم لو أنك أدركت معنا شيئاً من مقدمة الكتاب في حكم التعامل مع أهل البدع لوجدت أن سلف الأمة أحياناً ينهون عن مجالسة أهل البدع، وأحياناً يجالسون أهل البدع ويناظرونهم، وفي الوقت نفسه يحذرون منهم، فهم لهم مواقف عدة مع أهل البدع، أحياناً يذهب الرجل إلى موطن أهل البدع فيناظرهم، كما فعل ابن عباس عندما ذهب إلى الخوارج ورجع بألفين منهم وقيل: أربعة آلاف، أيضاً عمر بن عبد العزيز ناظر أهل البدع وخاصمهم وألزمهم الحجة، والإمام الشافعي خاصم بشر المريسي وناظره وأقام عليه الحجة، والإمام الدارمي ناظر أهل البدع وصنف كتاباً في الرد على الجهمية، وغير ذلك من مواقف السلف الكثيرة جداً. وأحياناً نجد أن ابن سيرين لا يرضى قط بسماع أهل البدع فضلاً أن يناظرهم؛ لأن ابن سيرين يعلم أن هذا ليس فرض عين عليه؛ لكثرة العلماء في زمانه، وأن الحق ظاهر دائماً، فلا يلزمه حينئذ، والأمر على الكفاية، أي: دحض حجج أهل البدع، فإذا قام به فلان وفلان وفلان فهل يلزم بقية أهل العلم؟ لا يلزمهم، وأحياناً هذه النصوص التي ترد بالنهي عن مجالسة أهل البدع محمولة على هذا المعنى؛ وذلك أن كبار أهل العلم في الزمان الفلاني والمكان الفلاني قد قاموا بهذا الواجب فلا يلزمني أن أقوم به، إذ لا يلزم الناس جميعاً أن يردوا على صاحب البدعة، فإذا ظهر هذا على لسان عالم واحد فقط كفى، وإذا لم يظهر إلا بثلاثة أو أربعة وجب على الناس أن يتكلموا في ذلك حتى يظهر الحق ويخمد الباطل. وهذه الكلمات التي قد أتتنا تنهى عن مجالسة أهل البدع إنما هي من باب أن الرد عليهم فرض كفاية، وقد قام وسقط الحرج عن الأمة، فلا ينبغي بعد ظهور الحق وبيان الباطل أن يتصدى الناس لسماع الباطل، وهذا وجه. الوجه الثاني: أن نهيهم لنا عن مجالسة أهل البدع والتصدي لهم إنما هو نهي للعامة دون الخاصة، ولذلك الآن جماعة التكفير أكثر جماعة تطلب المناظرة، وأكثر جماعة كانت أهل مجادلة ومخاصمة ومماحلة في الباطل؛ لأنهم يناقشون بلا دليل، بلا عقل، بلا أدب، وقد أخذوا حقهم من المناظرة وبيان الحجة ما لو كان في عالم الكلاب أو الحمير لسلمت الكلاب والحمير بأن المخاصم معه الحق، وهم إلى الآن لم يقولوا بأن أهل السنة على الحق إلا من تاب منهم ولنا منه الظاهر، فمثلاً في ناظرهم الإمام أحمد بن حنبل يقولون: نحن نقول كما قال الله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، ونحن نقول: إن القرآن هذا كلام الله فقط، ولم يأت في القرآن أنه مخلوق ولا غير مخلوق، فنحن نتوقف عند الحد الذي توقف عنده القرآن الكريم، وهذا كلام ظاهره جميل، لكن الإمام أحمد بن حنبل يفهم مغزى هذا الكلام، إذ إنه يؤدي إلى التجهم، وما كان لينطلي عليه هذا، لكن هذا ينطلي على العامة؛ لأن صاحب البدعة دائماً يزين كلامه وينمقه ويحسنه ويجمله؛ لأنه يعلم أن بضاعته أو أن وجهه القبيح لا يدخل على العامة إلا بهذا التزييف وهذا التجميل والتحسين. أما أهل العلم فهم يعلمون الخطر بمجرد أن يسمعوا الخبر، فلا يتوقفون في إثبات أن هذا من أمور البدع والمحدثات، فيسأل العامة أهل العلم فيقولون: كيف هو من البدع؟ إنكم تسيئون الظن بأهل العلم، وغير ذلك من الكلام الفارغ، كما لو أن رجلاً من الناس كبير جداً ويشغر منصباً عظيماً ويتكلم بلباقة، فإنه لا ينطلي على أهل العلم. وأضرب لذلك مثالاً: رجل في هذا الزمان ﵀ مات منذ عدة سنوات، كان بليغاً حصيفاً له في تفسير وشرح كلام الله باع طويل، لكن لا علاقة له بالحديث ألبتة، فلو أتيت له بكلام من كتاب شرشر وصدرته: بقال رسول الله، وعقبته: بصدق رسول الله، وألقيت إليه الورقة، لذهب في التلفزيون وعلى حلقتين أو ثلاث يشرح هذا الكلام على أنه من كلام النبي ﵊، فإذا سألك العامة عنه، ماذا تقول في فلان؟ إذا قلت: هو في الحديث حاطب ليل، سينظرون إليك على أنك عدو لأهل العلم، وإذا قلت: إنه صوفي درويش يسرج المساجد التي فيها القبور، أو لا علاقة له بالحديث، أو لا علاقة له بالفقه، أو شيء من هذا، قامت عليك الدنيا ولم تقعد؛ لأن حبهم لهذا الشيخ أعماهم عن ذكر مثالبه، فهم لا يحبون أن يسمعوا كلمة واحدة تسيء إليه، وهي في الحقيقة لا تسيء، وإنما هي شهادة: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩]، فأنت تسألني، وأنا شهدت بما أعلم، فيقول لك: أبداً، هذا رجل من كبار أهل العلم في الحديث والفقه والبيان والتفسير والأصول، وهو ليس له علم إلا في مجال واحد. إذاً: السلف ﵃ لما نهونا عن مجالسة أهل البدع حفاظاً علينا ألا نقع في حبائلهم وشراكهم؛ وتعرضوا لهم لأنهم أهل لذلك، فهم أه

стр. 1364

وجوب صلة الأرحام ولو كانوا من أصحاب المخالفات الشرعية السؤال مع الفساد الموجود في الأهل والأقارب والجيران وغيرهم، لا أتمكن قط من زيارة محارمي لما عندهم من مخالفات عظيمة جداً وأن أخاف على نفسي منها، فهل لي أن امتنع عن زيارتهم؟ الجواب قال النبي ﵊: (بلوهم ولو بالسلام)، أي: بروهم ولو بإلقاء السلام، فلك أيها الأخ الكريم أن تتصل بهم دائماً وتطمئن عليهم، ولا بأس أن تكون زيارتك على مسافات بعيدة؛ في كل شهرين أو ثلاثة تذهب وتطرق الباب: السلام عليكم، كيف أخباركم؟ ولا يلزم أن تذهب إليهم، وهم عندما يعلمون أنك على هذا المبدأ سيتركونك، وكلهم قد تركونا.

стр. 1365

واجب المسلم تجاه الجماعات المنتشرة في الساحة اليوم السؤال ما هو الواجب علي تجاه الجماعات المنتشرة في هذا الوقت إن كنت قد نصحت لهم ولم ينتهوا عما هم فيه، وكان أحدهم جاراً لي أو نزيلاً عندي أو قريباً مني؟ الجواب أنت تعلم أن رجلاً قام إلى الأمير والسلطان عبد الملك بن مروان عندما خطب خطبة العيد قبل الصلاة، مع أنه كان لديه حجة فيما يرى، وذلك أنه عندما يصلي الناس قبل الخطبة فإنه ينصرف أكثر من نصفهم، فكانت هذه حجة عبد الملك بن مروان، فقام إليه رجل في حضرة أبي سعيد الخدري فقال: يا أمير المؤمنين! الصلاة قبل الخطبة، قال: اسكت لا أب لك، قال: يا أمير المؤمنين! الصلاة قبل الخطبة، قال أبو سعيد الخدري: أما هذا فقد أدى ما عليه.

стр. 1366

حكم إلقاء السلام في شوارع بلد عامة أهله مسلمون السؤال هل عدم معرفة المسلم من النصراني يمنع من إلقاء السلام؟ الجواب المسلم له علامات وأمارات تميزه، وشخصية المسلم تختلف عن شخصية الكافر، لكن لو قلنا بعموم البلوى، وأنك في طريق لا تعرف الكافر من المسلم، فألق السلام مادمت في بلد أهله مسلمون، أما إذا كنت في بلد أهله كفار فلا، مثل أن تكون مثلاً ماشياً في روما أو في باريس أو في نيويورك، فالأصل في هذه البلاد الكفر، إذاً: الأصل أن كل من فيها كفار إلا من علمنا أنه مسلم، والأصل في بلاد الإسلام أن من بها على الإسلام حتى نعلم أن هذا كافر، وأنا حقيقة عندما يقابلني قسيس لا يمكن أشك أن هذا قسيس، ولا يمكن أشك أن هذا كافر، ولا يكون عندي في ذلك أدنى شك، ولا يلزم أن يكون أبوه كافراً، بل يمكن أن يكون أبوه من المسلمين، لكن الذي أمامي كافر، وإذا شكيت فأنا جاهل، ونحن قد تكلمنا الآن عن الواقفة، فهل واحد يقول: لا، يمكن أن يكون مسلماً فنظلمه! نحن لا نطالبك بباطنه، نحن طالبناك بالظاهر، هذا الرجل يضع صليباً على صدره، ويلبس السواد -على عينه وعين أهله- حتى ترجع مصر قبطية كما كانت، فيمشي محزوناً ومغموماً ومهموماً من أجل أن تعود مصر بلد قبطية، وهيهات أن ترجع إلى مرادهم، فهذا الرجل كافر بلا شك، قد تبين لي أنه كافر من منظره وعندما أقف مع رجل آخر: ما اسمك؟ قال: أنا جبريل، عزرائيل، ميخائيل، فقد ظهر لي من اسمه أنه كافر. إذاً: هذا يستثنى من عموم الحديث: (ألق السلام على من عرفت ومن لم تعرف)، فهذا الرجل ظهر لي بأمارات وعلامات. وانظر إلى الحيلة: من حوالي شهر أيها الإخوة -وهذا شيء عجيب جداً- في مدينة نصر، شخص من الفلاحين جاء من آخر الدنيا ويريد أن يشتري سيارة نوع مرسيدس -لكن انظر فقط إلى الدهاء الشديد والمكر الذي يتمتع به الفلاحون- فسأل عن ثمنها، قالوا له: بخمسة وستين ألف جنيه. قال: أين صاحب هذه السيارة، قالوا له: ذاك الذي يجلس في الظل، قال: من هذا؟ قالوا له: ذاك الرجل القسيس الذي يجلس هناك. قال: أهذه له؟ فماذا عمل هذا الرجل؟ لم يذهب إليه، بل دخل حمام المسجد وعمل صليباً بقلم معين على يده، ثم ذهب إليه تحت الظل، وقال له: يا أبانا! أأنت صاحب السيارة؟ قال له: نعم. قال له: والله إنني رأيت في النوم هذه الليلة أن الرب راضياً عنك! فظل يتكلم ويشير بيده من أجل أن يلفت نظر القسيس إلى يده لرؤية الصليب، قال له: أتريدها؟ قال: نعم، قال له: من أين أنت؟ قال: أنا من مدينة كذا، قال له: أتعرف القديس فلان، قال: نعم، هو حبيبي وكل يوم وهو عندي، وهذا رقم تلفونه اتصل به، قال له: لا داعي، مبروك عليك بخمسة وأربعين! فجاء هذا الرجل وسألني، هل بفعله هذا قد كفر أم لا؟ قلت له: اذهب واسأل القسيس، ثم قلت له: هذه المسألة لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر. أرأيت إلى مكر ودهاء هؤلاء الفلاحين، من أجل أن يكسب عشرين ألف جنيه؟! ربما أنه بعد أخذه للسيارة يخرج إلى السوق فيصطدم في السوق ويموت وتذهب السيارة، فلم تبيع دينك؟ أمن أجل عشرين ألف جنيه؟ ومثل هذا كمثل رجل ذهب إلى محل تجاري وهو صاحب صحة أو تموين، فيقول له صاحب المحل التجاري: باختصار أنا سأعطيك مائة جنيه كل شهر وتبعد عني نهائياً ولا تأتي إلي. فيقول: لا. أأدخل جهنم من أجل مائة جنيه؟! إذاً بكم تريد دخول جنهم؟ قل لي بكم؟ بمليون؟ هل تكفي؟ تدخل جهنم مقابل مليون جنيه؟ قال له: كم تريد؟ قال له: لا. زد قليلاً، أي: أنت تعلم أن هذا يُدخل جهنم، وكأنك تقدم على جهنم وأنت تعلم أنها جهنم، فانظروا إلى الناس كيف ابتلوا ببلادة الحس، وخراب العقائد، وصاروا في حالة مزرية لم تمر بالأمة في زمن من الأزمنة، ولا في مكان من الأمكنة أبداً، نسأل الله السلامة والعافية. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.