Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
حكم أهل السنة والجماعة على الجهمية وتقسيمهم لهم إلى درجات
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: في الدروس الماضية تكلمنا عن مؤسس فرقة الجهمية وهو الجهم بن صفوان، وذكرنا طرفاً من شيوخه، ويحلو للإنسان أن يسميها سلسلة أهل النار، وتكلمنا في المحاضرة الأخيرة عن طرف من تاريخ الجهمية.
وقد أطلق أهل السنة وعلماء السنة لقب الجهمية على الذين ينفون أسماء الله تعالى وصفاته.
فمعتقد الجهمية متعلق دائماً بالأسماء والصفات، والجهمية ليسوا جميعاً على درجة واحدة، وليسوا مذهباً واحداً فبينهم اختلافات، فالجهمية فرقة أساسية كبيرة، تفرقت فيما بينها إلى فرق داخلية، وهذا شأن أي فرقة من الفرق؛ ولذلك كثير من أهل العلم لما تعرض لشرح حديث النبي ﵊ في افتراق الأمة ذكر من الفرق فرقتين وثلاث فرق وأربع فرق خطأً؛ لأن هؤلاء جميعاً يدخلون تحت مسمى الشيعة مثلاً، فالشيعة فرقة أساسية افترقت فيما بينها إلى ثلاث: غلاة، وإمامية، وزيدية، فهو عد الغلاة فرقة، والزيدية فرقة، والإمامية فرقة، وفي الحقيقة أن هؤلاء جميعاً فرقة واحدة، وكذلك فرق الجهمية الفرعية التي تندرج في نهايتها تحت فرقة واحدة وهي الجهمية ظن بعض أهل العلم أنها كذلك فرق، فجعل فرق الأمة أكثر من مائتي فرقة، وهذا خطأ، ويصطدم مع حديث النبي ﵊، وإنما الخطأ في فهم من تصور أن الفرع الذي انبثق من الأصل في داخل الفرقة الواحدة يعد فرقة لوحدها؛ ولذلك فالجهمية درجات:
стр. 1297
الجهمية الخالصة الغالية (النفاة)
الدرجة الأولى من الجهمية: هم الذين يسميهم العلماء: الغلاة أو الجهمية الغالية، وقولنا: الغالية، من الغلو، أي: المغالية في تجهمها، وهم الذين ينفون أسماء الله تعالى وصفاته، يجردون ذات الله من كل اسم ومن كل صفة، ويقولون: الله بلا أسماء وبلا صفات.
وأحياناً يريدون أن يحسنوا وجههم القبيح، فيقولون: لله أسماء لكنها ليست مرادة، ولله صفات ولكنها ليست مرادة، ولهم فلسفات سنتعرف عليها بإذن الله تعالى.
ولذلك يقول الشيخ هنا: وهم أشر درجات الجهمية، وهم الذين ينفون أسماء الله تعالى وصفاته، وإن سموه بشيء من الأسماء الحسنى قالوا: هو مجاز، فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي، ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم، ولا يتكلم، فحقيقة قولهم: أنهم لا يثبتون شيئاً لله.
إذا أردت أن تنظر إلى حقيقة قولهم فلا بد أن تعلم أنهم ينفون عن الله تعالى الأسماء والصفات مطلقاً.
قال: ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية، فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟ -هل تعبدون رباً لا اسم له ولا صفة له- قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق، فإذا قيل لهم: فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هل هو مجهول لا يعرف بصفة؟ قالوا: نعم.
فإذا قيل لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى؟ قالوا: لم يتكلم ولا يتكلم- ثم عللوا بأن الله تعالى لا يتكلم ولن يتكلم بقولهم: لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة.
يعني: الكلام لا يكون إلا بلسان وفم ولهاة، والله تعالى منزه عن ذلك.
إذاً: فقد آلة الكلام فلا يتكلم، إذ كيف يتكلم والعقلاء قد علموا أن المتكلم لا بد له من جارحة يتكلم بها، ونقول: هذا في حق المخلوقين، أما في حق الخالق فإن القياس منتفٍ، فالله تعالى يتكلم بحرف وصوت، ويتكلم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء، وما زال كلام الله ﵎ قائماً، ولا زال الله تعالى متصفاً بالكلام لا ينتفي عنه ذلك ، وصفة الله تعالى ليست مخلوقة أياً كانت هذه الصفة، الكلام أو غير الكلام، ولكنهم يقولون: لا بد للمتكلم من جارحة، مع أن الله تعالى في القرآن أخبر أن بعض مخلوقاته يتكلم بغير جارحة، كقوله تعالى عن السماوات والأرض: ﴿َقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا -أي: تكلمتا السماوات والأرض- أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١].
إذاً: السماوات والأرض تكلمتا بغير جارحة، أم أن للأرض لساناً وفماً ولهاة، وللسماوات لساناً وفماً ولهاة؟ هل أحد منا يعتقد أن للأرض لساناً أو فماً أو لهاة؟ لا أحد يعتقد ذلك، ومع هذا أثبت الله تعالى أن السماوات والأرض تكلمتا.
وقال الله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد:١٣]، من من الناس يعلم أن الرعد له لسان يسبح به؛ لأن التسبيح لا يكون إلا بجارحة؟ وغير ذلك من مخلوقات الله تعالى، وكذلك الجبال، هل رأى أحد منا جبلاً له لسان، أو بحراً له لسان؟ إن الله ﵎ سخر الجبال مع داود يسبحن والطير، هل الطير له لسان يسبح به ويتكلم كما نتكلم؟ إذاً: لا يلزم دائماً لكل متكلم أن يتكلم بجارحة، وإذا كان هذا في حق بعض المخلوقين فما بالك بالخالق ، فهو قادر على أن يتكلم كيفما شاء وبما شاء.
قالوا: والجوارح عن الله منتفية.
نقول: نعم.
الجواح عن الله منتفية.
قال الشيخ: وإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيماً لله تعالى.
الجاهل يقول: هؤلاء ما أرادوا إلا تنزيه المولى أن يكون شبيهاً بمخلوقاته أو مثيلاً لمخلوقاته، ولكن عند النظر والتدقيق يتبين أن هؤلاء ليسوا معظمين لله ، وإنما هم معطلون لأسماء الله ولصفاته.
قال: وقد أفصح عن هذا المذهب رجل منهم يسمى ابن الإيادي.
أخطأ شيخ الإسلام ابن تيمية، وربما لا يكون هو الذي أخطأ حينما الناسخ لكتابه هو الذي أخطأ أنه قال: ابن الأباري، وابن الإيادي وابن الأباري في الرسم شيء واحد، وهو أقرب إلى التصحيف.
فالذي يقرأ عن تاريخ الفرق سواء كان في كتاب موسوعة الفتاوى لـ شيخ الإسلام أو في درء تعارض العقل والنقل، أو في كتاب منهاج السنة لـ ابن تيمية يجد ابن الأباري، وفي الحقيقة ليس هناك أحد بهذا الاسم، إنما هو ابن الإيادي، فالصواب: أنه ابن الإيادي.
قال: وكان ابن الإيادي ينتحل قول الجهمية، فزعم أن البارئ عالم، قادر، سميع، بصير في المجاز لا في الحقيقة.
يعني: أن الله ﵎ عالم مجازاً، وكلمة (مجاز) تنفي العلم الحقيقي عن الله ؛ لأن المجاز ضد الحقيقة، فإذا قلنا: إن الله تعالى عالم مجازاً لا حقيقة؛ لزمنا أن نقول: إن الله تعالى بذاته ليس عالماً، وإنما أودع علمه بعض مخلوقاته؛ ولذلك الجهمية أخذوا كتاب الله وسنة النبي ﵊ من أوله إلى آخره، كلما مروا على اسم أو صفة جعلوه مجازاً لا ح
стр. 1298
المعتزلة
أما الدرجة الثانية من درجات الجهمية: فهم المعتزلة، وهم الذين تبنوا مذهب الجهمية أو شيئاً منه؛ ولذلك ربما تجد في الشخص الواحد متناقضات وأضداداً في عقيدته لا تدري كيف كان ذلك منه! ولكن ربما لانحرافه عن طريق السلف عاقبه الله بأن جعل في عقله الأضداد، حتى يحيره في حياته، وقد شاهدنا في هذا الزمان كثيراً من أهل العلم لا نظر له في الكتب ولا يحسن أن يفتح الكتب فضلاً عن أن يفهم ما فيها، قد شاهدناه يقرأ في الباب الواحد كلاماً للمعتزلة، فإذا أعجبه قصه من الكتاب وألصقه في كتاب آخر يريد إخراجه، فإذا قرأ في نفس الباب كلاماً للجهمية أعجبه وضعه تحت الكلام الأول، وللخوارج تحت الكلام الأول، وللمرجئة تحت الكلام الأول، فيجمع في مسألة واحدة بين عدة عقائد، إلا عقيدة أهل السنة والجماعة.
وللأسف الشديد بعض هذه الكتب يدرس الآن في بعض معاهد إعداد الدعاة هنا وهناك.
فالمعتزلة فرقة لا علاقة لهم في الأصل بالجهمية؛ إذ إن المعتزلة فرقة أسسها واصل بن عطاء المعتزل البصري في زمن الإمام الحسن البصري، وقصة الاعتزال معروفة، وتاريخ واصل معروف، وربما لو تسنى لنا دراسة مذهب المعتزلة لتعرفنا عليه أكثر من ذلك.
والجهمية كما علمتم من المحاضرتين السابقتين لهم مؤسس ولهم أصول ثابتة يتكئون عليها، ولهم إنكارات ونفي للأسماء والصفات، فهم يعتمدون في أصل دعوتهم على خمسة أسس، فحينئذ مذهب المعتزلة في أصله له أصول يتكئ عليها، وينافح عنها، هذه الأصول -وإن كانت في الظاهر أصول الجهمية- تخالف الجهمية.
стр. 1299
أصول المعتزلة
أما أصول المعتزلة فهي خمسة: الأصل الأول: التوحيد.
هذا أصل أصيل يتكئ عليه أهل الاعتزال، والذي يسمع أن كلمة التوحيد أصل من أصول المعتزلة يقول: لماذا تنكرون على المعتزلة؟ أنتم تدعون إلى التوحيد وهم يدعون إلى التوحيد؟ بل حتى صار التوحيد شعاراً من شعارهم، لكن التوحيد عند المعتزلة إنما هو إبطال الصفات؛ بزعمهم أنهم ينزهون الله عن أن يكون شبيهاً بمخلوقاته، فيقولون: الله تعالى ليس له يد، ولا ساق ولا وجه، وليس له نفس، ولا يغضب ولا يسخط ولا يفرح ولا يضحك، قالوا: لأن هذا كله لا يصدر إلا من المخلوق، والخالق منزه عن ذلك، فنحن نوحده في ذاته أن يكون شبيهاً بمخلوقاته، هذا هو التوحيد عندهم، والتوحيد عندهم فيه كلام كثير.
لكن على أية حال: إذا علمت أن هذا هو التوحيد عند المعتزلة فاعلم أن هذا عند أهل السنة إنما هو نفي وتعطيل، وقد سمى المعتزلة هذا النفي وهذا التعطيل لصفات الله تعالى توحيداً، ولا مشاحة في الاصطلاح، فكل إنسان يصطلح لنفسه مصطلحاً، ويفعل لنفسه ما يشاء، لكن أهل السنة والجماعة إنما ينظرون إلى معنى هذه المصطلحات، يقولون: نحن نتفق معكم في نفي المماثلة ونفي المشابهة، لكننا نثبت الأسماء والصفات وأنتم تنفونها، وتظنون أن التوحيد لا يكون إلا بالتعطيل، ونحن لا نقول بالتعطيل، وإنما نقول بالتوحيد الذي هو إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله الكريم ﷺ على المعنى اللائق بالله ، دون استلزام مشابهته بالمخلوقات؛ لأن المخلوقات فيما بينها مختلفة في هذه الأسماء والصفات، فلو قلنا: للحمامة جناح، ولليمامة جناح، وللعصفور جناح، ولكل طائر جناح، ولجبريل ﵇ جناح، فهذه كلها أشياء مخلوقة تطير، وتطير بأجنحتها، لكن هل جناح العصفور كجناح جبريل؟
الجواب
لا.
إذاً: العصفور يتفق مع جبريل في مجرد الاسم، أما الكنه والحقيقة فشتان وهيهات، وكذلك الله تعالى له يدان وله عينان وله نفس، ويضحك ويغضب ويسخط وغير ذلك من صفاته الخبرية التي أخبر بها، وصفاته الذاتية التي أخبر بها ، وأخبر بها رسوله، وكذلك شتان بين ضحك المولى وضحك المخلوقات، حتى الحيوانات فيما بينها تضحك وتغضب وتبكي وتحزن، وليس حزنها كحزن بعضها البعض، ولله المثل الأعلى .
فالمعتزلة فضلاً عن أصولهم الخمسة تجهموا، أي: مالوا إلى مذهب الجهمية، فصاروا يضبطون أصولهم الخمسة على مذهب الجهمية ويخالفون الجهمية في بعض المسائل، لكن المعتزلة في نهاية أمرها أشربت مذهب الجهمية، وكثير من الناس يقول: هذا معتزلي جهمي، أو هذا جهمي معتزلي، وفي الحقيقة أن كل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزلياً، وهنا نقول: بين الجهمية والاعتزال عموم وخصوص، فكل معتزلي قد أشرب منهج التجهم، وليس كل جهمي يقبل مذهب الاعتزال.
قال: الدرجة الثانية: هم تجهم الاعتزال، أو المعتزلة الجهمية.
قال: وهم الذين يقرون بأسماء الله الحسنى -هناك النفاة لا يقرون بهذا، لكن هؤلاء يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة، وكلمة (في الجملة) لها معنى، فقد قلنا بالأمس: إن مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء الصفات على سبيل التفصيل والإجمال من باب أولى، فأهل السنة والجماعة إذا أرادوا إثبات الأسماء والصفات أثبتوها تفصيلاً، والذي يثبت تفصيلاً من باب أولى أنه يثبت إجمالاً، وإذا أرادوا أن ينفوا عن الله تعالى صفة النقص نفوها إجمالاً.
إذاً: نفي النقص عن الله عند أهل السنة والجماعة يكون إجمالاً، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
أما إثبات الأسماء والصفات لله فيكون على سبيل التفصيل؛ ولذلك بينها الله تعالى إجمالاً، قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] ثم أثبت الله ﵎ في كتابه وأثبت رسوله في سنته ﵊: (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)، فهذا إثبات لأسماء الله تعالى وصفاته على سبيل التفصيل، خلافاً للمعتزلة الذين يثبتون الكمال إجمالاً، وينفون النقص تفصيلاً، فيقولون: ليس الله تعالى بذات ولا جسم، ولا طويل ولا قصير، ولا أبيض ولا أسود، وغير ذلك.
مع أن هذا الكلام لا يصلح أن يكون منهجاً للمخلوقين، فلو أردت أن تمدح واحداً أو ملكاً أو شريفاً أو وجيهاً، فلا يصح منك أن تقول له: لست حماراً ولا كلباً ولا خنزيراً ولا غبياً ولا كيت وكيت وإنما تأتي بإثبات المدح مباشرة، فإذا كان هذا لا يصح في حق المخلوقين فمن باب أولى أنه منكر في حق المولى .
فهؤلاء المعتزلة الجهمية يقرون بأسماء الله الحسنى إجمالاً، لكن ينفون عنه صفاته، وهم أيضاً لا يقرون بأسماء الله كلها على الحقيقة، بل يجعلون كثيراً منها على المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون، وهم الذين اعتنى العلماء بالرد عليهم.
ولذلك معظم ردود ابن بطة عليه رحمة الله في هذا الجزء الخاص
стр. 1300
الصفاتية
إذاً: الدرجة الأولى: النفاة الغالية، والدرجة الثانية هم المعتزلة الجهمية، أي: المعتزلة الذين أشربوا منهج الجهمية، وأصل الرد على هذه الطائفة من بين الطوائف الثلاث.
أما الدرجة الثالثة فهم الصفاتية، وهم: المثبتون المخالفون للجهمية، وكلمة (المثبتون) عند الإطلاق تعني: أنهم يثبتون الأسماء والصفات في الجملة، والنفاة: هم الذين يعطلون الأسماء والصفات كذلك في الجملة، فهؤلاء هم الصفاتية، والصفاتية تعني: أنهم يثبتون الصفات في الجملة، وهم بذلك مخالفون للجهمية وللمعتزلة الجهمية.
قال: لكن هذه الدرجة فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من الأسماء والصفات الخبرية أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها.
يعني: يقولون: نحن نثبت الصفات، فنقول: يد الله فوق أيديهم، لكن المراد باليد: القوة، فهم أثبتوا الصفة لكنهم أولوها، وهذا التأويل باطل.
وإذا كان بعض الشر أهون من بعض، فهل هؤلاء الصفاتية الذين يثبتون الصفات ويؤولونها على غير ظاهرها المراد منها أقرب إلى الحق أم النفاة الذين لا يثبتون أسماء ولا صفات؟ وللتقريب نقول: هل الذي يموت كافراً كفراً بواحاً لم يدخل في الإسلام قط يكون كالشيعي أو القدري يوم القيامة مع أن كليهما شر؟
الجواب
بعض الشر أهون من بعض، والذي لا يصدق كلامي هذا يقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية الفرقان بين الحق والباطل، فقد قال: لأن يموت الرجل جهمياً أو قدرياً أو شيعياً أو مرجئاً أو أشعرياً خير له من أن يأتي ربه كافراً كفراً بواحاً لم يدخل الإسلام.
هذا قول الإمام ابن تيمية شيخ الصحوة منذ زمانه، وإن شاء الله تعالى يكتب له ذلك إلى يوم القيامة.
والعجيب أن ابن تيمية رجل واحد في الأمة، وهو الذي يقود الأمة الآن إلى قيام الساعة، أو إلى وقتنا هذا على الأقل، فأي شخص من الناس إذا التزم بحث عن كلام ابن تيمية وابن القيم، وكأن الله تعالى لم يخلق علماء قبله؛ لأن العلماء قبله كانوا مصنفين ومؤصلين ومقعدين لهذه المسائل التي أخذها ابن تيمية وفهمها فهماً جيداً موافقاً لمنهج السلف، فنشرها هنا وهناك بالقول والعمل، وكان مجاهداً حقاً؛ إذ لا خلاف في شجاعته وجهاده الأعداء المبطلين في الداخل والخارج في ذلك الوقت؛ ولذلك كتب له القبول، وربما يكون سر هذا القبول الإخلاص، فكم من عالم جليل عنده من العلم ما ليس عند غيره ولم يكتب له شيء من ذلك.
إذاً: هؤلاء يثبتون الصفات لكن يؤولونها, ويحلو لنا أن نقول: إن هؤلاء من طرف خفي هم الأشاعرة، والماتريدية، فهم يثبتون الأسماء ويثبتون الصفات، لكن يقولون: ليس المراد من الصفة ظاهرها وإنما لا بد من التأويل، وابن تيمية عليه رحمة الله يقول: وهؤلاء هم أقرب الناس لأهل السنة.
ولا يعني ذلك: أنهم أهل سنة، لا والله بل هم أهل بدعة، بدليل أنهم درجة من درجات الجهمية، لكننا إذا قارناهم بالنسبة للمعتزلة الجهمية لكانوا هم أقرب الناس إلى الحق، لكن لا يعني هذا: أنهم أصابوا الحق، بل هم بعيدون عن الحق، لكنهم بالنسبة لغيرهم من أهل النفي الأصلي الكلي أو الاعتزال التجهمي هم أقرب الناس إلى الحق، ولم يصيبوا الحق بعد، فهم الصفاتية الذين يثبتون الصفات، فبلا شك أن الذي يثبت الصفة ويؤولها خير من الذي لا يثبتها، وكلاهما شر، وهذا كما قال النبي ﵊: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، لكن لا يمكن أن يستوي الخيران، فكذلك هنا: كلاهما شر لكن شتان بين المثبت والنافي، والذي نفى نفى بزعمه تنزيهاً لله ، والذي أول الصفة قال: قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، هل الله له يد؟ أستغفر الله، لا.
اليد: هي القوة؛ لأننا نثبت لله القوة، والطرف الآخر يقول: ليس الله تعالى بسميع ولا عليم ولا حي ولا قادر ولا قوي، فينفون الاسم والصفة في آن واحد، فكأنهم في نهاية الأمر يذهبون إلى أن الله عدم، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً! فالله تعالى ذات، ولا بد لكل ذات من صفات، حتى هذه الورقة التي بين يدي، إذا أردنا أن نصفها نقول: مستطيلة وبيضاء، وفيها كلام مكتوب بالأزرق، ورقة جديدة أو ورقة قديمة، فهذه كلها صفات لهذه الذات، فكل ذات لها صفات، وهذا أمر مستقر في عقول العقلاء أنه لا يمكن أن يكون هناك ذات إلا بصفات، فالعجيب أن الجهمية الغالية ينازعون في أن الله تعالى ذات، والذي يقول منهم: له ذات يقول: له ذات بلا صفات، وإذا أثبتنا الصفات فإنما نثبتها على سبيل المجاز لا الحقيقة، وهو في حقيقة الأمر إلحاد وزندقة؛ لأنه يلزمهم أن يقولوا: إن الله تعالى ليس متصفاً بصفات على الحقيقة، إذاً: هو ذات عدمية، ولا يمكن أن يكون هناك شيء اسمه ذات عدمية، فلا بد أن يقولوا في نهاية قولهم: إن الله تعالى عدم، خلافاً للمغالين في الإثبات أو في التشبيه أو ف
стр. 1301
أصول الجهمية التي خالفوا فيها أهل الإسلام
ما هي الأصول التي خالف فيها الجهمية أهل السنة والجماعة؟ في الجملة: قولهم بخلق القرآن، وإنكارهم رؤية المولى بالأبصار في الآخرة، وإنكارهم أن يكون لله تعالى وجه ويدان، وأنكروا شفاعة الرسول ﵊.
قد يقول قائل: لماذا ندرس الجهمية والمعتزلة والقدرية، هل ما زالوا موجودين؟
الجواب
كل الفرق الضالة موجودة في الأمة بأسماء غير الأسماء المعروفة، وستظل موجودة في الأمة، فهم يسمون في كل عصر ومصر بأسماء تختلف عن أسمائها الواردة في النصوص، كما قال النبي ﵊: (يستحلونها يسمونها بغير اسمها) يأتي الواحد منهم فيقول: الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] لم يقل: (الوسكي) ولم يقل: (الشنبانيا) ويبدأ بذكر عشرات ومئات الأسماء للخمر، ثم يقول: إن الله حرم الخمر ونحن مقرون بذلك، والذي ينكر أن الله حرم الخمر يكفر، لكنه لم يذكر (الشنبانيا) ولا (الوسكي)، ويقول: الربا حرام، لكن ليس في البنوك ربا، إنما هي فوائد، فما حرم الله في القرآن نقول بتحريمه، فالله قصد بتحريم الربا نوعاً معيناً ليس هو ما تتعاطاه البنوك اليوم؛ ولذلك البنوك حلال.
فنقول: البنوك قول المبطلين الأفاكين، حتى لا يفهم أحد أني أقول: إن فوائد البنوك حلال أبداً.
قال: وجحدوا علم الله وقدرته، قالوا: ليس بعالم ولا قادر، ونفوا عن الله تعالى الصفات التي نطق بها القرآن من السمع والبصر والحلم والرضا والغضب والعفو والمغفرة والصفح والمحاسبة والمناقشة -كل هذا نفوه عن الله وأثبتوا لأنفسهم من القدرة والاستطاعة والتمكن ما لم يثبتوه لله تعالى؛ وذلك لأنهم يقولون في هذا الباب بمذهب القدرية الذين يثبتون لأنفسهم القدرة على الفعل، وأن العبد مختار لفعله ولا علاقة لله تعالى بأفعاله البتة، وزعموا أنهم يقدرون على ما لا يوصف الله تعالى بالقدرة عليه، ويخلقون ما لا يخلقه الله تعالى من الأعمال والأقوال، وزعموا أنهم يفعلون ويقدرون على ما لا يفعله الله ولا يقدره، ويريدون ويشاءون ما يستحيل أن يكون من تدبير الله ومشيئته، ويزعمون أنهم يريدون لأنفسهم ما لا يريده الله، ولم يشأه لهم خالقهم، فيكون ما يريدون ولا يكون ما يريده ربهم.
عندما تكلمنا عن القدر الشرعي والقدر الكوني قلنا: إن الله تعالى أراد الخير والشر وخلقهما وأذن في وجودهما، ولا يكون في الكون إلا ما أراده الله ، لكنه أراد الحق وأراد الطاعة والخير إرادة شرعية دينية وأعان عليها، وأراد الشر إرادة كونية قدرية، بمعنى: أنها لا تكون في الكون إلا بإذن الله خلقاً وإرادة وكسباً من العبد، فالله تعالى أذن في وجود الشر؛ ولذلك هو الذي خلق إبليس وهو رأس الشر، فهو الذي أذن في خلقه ووجوده، مع أن الله تعالى يبغض إبليس ولا يحبه، وكذلك الله تعالى هو الذي خلق الزنا والسرقة وشرب الخمر، ونهى عنه، وقدره في الكون تقديراً، وأذن في وجوده خلقاً، والذي باشر هذا الشر هو هذا الإنسان؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، فأثبت للعبد مشيئة وأثبت لنفسه مشيئة، فالعبد مختار لفعله بعد قيام الحجة عليه؛ ولذلك خلق الله تعالى الجنة والنار.
قال: وزعموا أن الجنة تفنى وتبيد ويزول نعيمها، وأن النار تزول وينقطع عذابها، هذا آخر ما زعموا من أصول مسائل الاختلاف بينهم وبين أهل السنة والجماعة، ولهم أقوال في غاية الغرابة.
стр. 1302
مغالطات الجهمية المعتزلة وبعض عقائدهم
قال ابن بطة: ومن مغالطات الجهمية المعتزلة -الدرجة الثانية- وتمويههم على الناس قولهم: إن الله تعالى منزه عن الأعراض والأبعاض والحوادث والحدود.
هذا كلام جميل في الجملة في الظاهر، لكن مقصودهم غير ذلك.
قال: ومقصودهم بذلك: نفي الأفعال ونفي مباينة الله تعالى للخلق، وعلوه على العرش، فإذا قالوا: إن الله منزه عن الأعراض، لم يكن في ظاهر هذه العبارة ما ينكر؛ لأن الناس يفهمون من ذلك أنه منزه عن الاستحالة والفساد.
الأعراض كالصحة والسقم والمرض وغير ذلك، فلا شك أن الله تعالى لا يفسد ولا يمرض فهو منزه عن الأعراض، فكل ما يصيبني من أعراض الحياة من غنى وفقر، وصحة وسقم، وطلوع ونزول وغير ذلك من صفات المخلوقين الله تعالى منزه عنها، أي: لا يصيبه آفات كما تصيب المخلوقين، فلا شك أن هذا كلام جميل، ولا ريب أن الله تعالى منزه عن ذلك، لكن مقصودهم بهذا القول: (إن الله منزه عن الأعراض) أنه ليس له علم؛ لأن العلم بالنسبة لي عرض، كنت جاهلاً فتعلمت، كنت عدماً فأحدثت بعد ذلك، كنت عدماً فصرت بعد العدم كائناً حياً، كنت ميتاً ثم صرت حياً.
قال: ولكن مقصودهم أنه ليس له علم ولا قدرة ولا حياة، ولا كلام قائم به، ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونها أعراضاً.
إذاً: قولهم: إن الله منزه عن الأعراض أي: منزه عن صفاته التي وردت في القرآن والسنة.
ونقول لهم: كيف يثبت الله تعالى لنفسه الصفة وأنفيها أنا زاعماً التنزيه، هل أنا أعلم بالله من الله؟ إن الله تعالى أعلم بذاته من سائر المخلوقين؛ ولذلك وصف نفسه بصفات، فلا يحل لآحاد الخلق أو للخلق أجمعين أن ينفوا هذه الصفات من باب التنزيه زعماً.
قال: وكذلك إذا قالوا: (إن الله منزه عن الحدود والأحياز والجهات).
أوهموا الناس أن مقصودهم بذلك: أنه لا تحصره المخلوقات، ولا شك أن هذا الكلام في ظاهره كلام جميل، أن الله تعالى حقاً لا تحصره المخلوقات ولا تحيط به المخلوقات، هذا كلام حق، لكن قولهم: إن الله منزه عن الحدود والأحياز والجهات أنه ليس مبايناً للخلق، ولا منفصلاً عنه، يعني: أن الله تعالى داخل في مخلوقاته، يعني: لو سألنا: أين الله؟ لبادر جل الناس بقولهم: الله تعالى في كل مكان، أليس هذا الذي حفظناه وتعلمناه من آبائنا وأجدادنا والناس في الشوارع والمساجد؟ أليس هذا الذي تعلمناه؟ أين الله؟
الجواب
في كل مكان، الجواب محفوظ وأسرع من السؤال، وهو أبطل البطلان، وأفسد الفساد؛ لأن النبي ﵊ سأل جارية -بنتاً صغيرة- ترعى الأغنام: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: ومن أنا؟ قالت: أنت رسول الله) جارية ترعى الأغنام تعقل عن الله علوه واستواءه على عرشه على الحقيقة والمعنى اللائق به تعالى، جارية تفهم ما لا يفهمه معظم الأمة في هذا الزمان، ويبدو أنها لم يكن لها مجالس مع النبي ﵊، وإنما كانت مجالسها مع سيدها الذي لطمها على خدها، ثم بعد ذلك أراد أن يكفر عن هذه اللطمة فسأل النبي ﷺ : (إني لطمت جاريتي؛ لأنها فعلت كيت وكيت، فقال النبي ﷺ : يا جارية! أين الله؟ قالت: في السماء، ومن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال النبي ﷺ : أعتقها فإنها مؤمنة).
فأثبت لها الإيمان لصحة اعتقادها في علو الله تعالى وفوقيته واستوائه على العرش؛ ولو سألت أحد الناس الآن: أين الله؟ لقال: في كل مكان، والذي يقول: على العرش، هذا كذاب ومفتر، أليس الذي قال: إنه على العرش هو الله ؟ ونبيه ﵊ هو الذي أثبت له العلو على العرش والفوقية؟ فهل الله تعالى كذاب ومفتر؟! وهل رسوله كذاب ومفتر؟! بل الكذاب والمفتري هو الجاهل الذي قال على الله بغير علم كذباً وزوراً وافتراءً: إن الله تعالى ليس على العرش، بل هو مع خلقه في كل مكان، حتى إنهم أثبتوا أن الله تعالى في الحمامات وفي القاذورات وفي الحش وغير ذلك من الأماكن المستقذرة.
قالوا: لا يخلو منه مكان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! أما أهل السنة والجماعة فيقولون: الله تعالى مستو على عرشه، مع خلقه بعلمه وسمعه وإحاطته وأسمائه وصفاته ، أي: بمقتضى أسمائه وصفاته هو مع خلقه، فمعيته ثابتة له، معية علم وسمع وإحاطة وإرادة ومشيئة وغير ذلك، أما الله تعالى فهو مستو على العرش، مباين لخلقه، أي: الله تعالى فوق السماوات السبع، مختلف عن خلقه، ليس الله تعالى بذاته في المكان الذي فيه خلقه، وإنما الله مستو على العرش، استواءً يليق بجلاله وعظمته.
قال: ومقصودهم بذلك: أنه ليس مبايناً للخلق ولا منفصلاً عنه، وأنه ليس فوق السماوات رب، ولا على العرش إله، وأن محمداً ﷺ لم يعرج به إليه، ولم ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يتقرب إليه شيء، ولا يتقرب هو إلى شيء، ولا ترتفع إليه الأيدي في الدعاء، ونحو ذلك من معاني الجهمية.
كل هذا كلام قالت به الجهمية المعتزلة.
قال: وإذا قالوا: إنه ليس بجسم ب
стр. 1303
تشعب آراء الجهمية وتعدد أقوالهم
قال ابن بطة ﵀: [ومع ذلك فإن الجهمية كغيرهم من الفرق ليسوا على رأي واحد، فقد تعددت أقوالهم وتشعبت آراؤهم].
دائماً المبتدع لا يمكن أن يستقر على بدعة واحدة إلى نهاية أمره؛ ولذلك يقول ابن الجوزي: وأصل البدع إما من المجوس أو من اليهود أو من النصارى، ودليل ذلك أن أهل البيت الواحد من النصارى إذا كانوا عشرة إذا اجتمعوا على مسألة فقال كل واحد منهم رأيه؛ تفرقوا على أحد عشر رأياً، وشيء غريب أن يكونوا عشرة فيخرجون بأحد عشر رأياً، فهل من الممكن أن يختلف شخص مع نفسه فيقول رأياً ثم يقول نقيض هذا الرأي في المجلس الواحد؟
الجواب
نعم.
كاليهود فقد قالوا في عبد الله بن سلام: أنت سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وابن حبرنا فلما قال لهم: أسلمت، قالوا: أنت سفيهنا وابن سفيهنا وحقيرنا وابن حقيرنا، هكذا قالوا بالقول وضده في مجلس واحد.
وهذا شأن أهل البطلان والزيغ والضلال، لا يثبتون على رأي، بل يختلفون مع بعضهم البعض، وهذا شأن جماعة التفكير في هذا الزمان، يكفرون لأدنى معصية، فإذا قلت لهم: هل أنا أكفر بحلقي للحيتي؟ يقولون: نعم؛ لأنها معصية، فإن قلت أنت لأحدهم: وأنت ألست تلبس ثوباً قد نسجه الكفار؟ قال: نعم.
فإن قلت: هذه معصية أم لا؟ قال: نعم.
وإن قلت له: وما حكمك إذاً؟ قال: أنا كافر، وهذا كلام لا طعم له ولا لون ولا رائحة؛ ولذلك دائماً تسيطر على أهل البدع والضلال غياهب الجهالة فيكون منطلقهم في المناظرات والمناقشات الجهل، لا يحبون العلم، بل بينهم وبين العلم عداء، ولو تعلموا حقاً لاهتدوا؛ لأن العلم أعظم عاصم من هذه الأهواء والمضلات والفتن؛ ولذلك جعله الله فريضة، قال النبي ﵊ في حديث أنس: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)؛ لأن المسلم لا نجاة له من هذه الأهواء والفتن إلا بطلب العلم على منهج السلف.
الجهمية كذلك ليسوا على مذهب واحد، ولا على كلام واحد؛ بل تعددت أهواؤهم وآراؤهم، وقد قسمهم العلامة الملطي حسب آرائهم إلى ثمانية أصناف، إذاً هم من حيث الدرجات ثلاثة ومن حيث الأصناف ثمانية على مذهب الملطي، لكل صنف منهم عدة آراء، وليس ما ذكره الملطي هو جماع آراء الجهمية، لكن هذه أصول المخالفات؛ والعلماء دائماً عندما يردون على المبتدعة يذكرون أصل الخلاف، لكن عندما يصنفون في الفروع تجد أن لهم أقوالاً لا يمكن أن تتصور أنهم قالوها! فلو نظرت إلى كتاب أبي الحسن الأشعري (مقالات الإسلاميين)، لوجدته كتاباً رائعاً جداً جداً جداً، ويحتاج كل سطر منه أن يشرح في ورقتين أو ثلاث ورقات، وأنا أسأل الله تعالى أن يسخر لهذا الكتاب رجلاً من أهل العلم يشرحه باستفاضة، ويضبطه على منهج أهل السنة والجماعة، فيخرج في أكثر من عشرين أو ثلاثين مجلداً مع أنه مجلد واحد؛ كما أنه لا ينصح أهل العلم قط بقراءة هذا الكتاب إلا رجلاً قد تمكنت من قلبه عقيدة أهل السنة والجماعة، ففي هذا الكتاب العجب من فروع الخلاف بين أهل الأهواء وأهل السنة والجماعة.
قال: للجهمية آراء كثيرة غير ما ذكرنا، ومن أهمها: منهم صنف من المعطلة يقولون: إن الله لا شيء، وما من شيء، ولا في شيء، ولا يقع عليه صفة شيء، ولا معرفة شيء، ولا توهم شيء، ولا يعرفون الله فيما زعموا إلا بالتخمين، فوقعوا عليه اسم الألوهية، ولا يصفونه بصفة يقع عليه الألوهية.
إن هذا الكلام يحتاج إلى شرح وبسط كثير جداً، خاصة وأن النبي ﵊ سمى الله شيئاً، فقد قال في دعائه: (اللهم يا أحسن الأشياء! لا تجعلنا أهون الأشياء عليك)، فجعل النبي ﷺ ربه شيئاً، لكن ليس كبقية الأشياء، وشيء صفة في الله ، وهي تأخذ حكم بقية الصفات، فنقول: إن الله شيء لكن ليس كبقية الأشياء، وإنما يقع التوحيد في مجرد الاسم، فأنا شيء والله شيء، لكن شتان ما بين المخلوق والخالق .
فهؤلاء المعطلة زعموا أن الله ليس بشيء، أو لا شيء ولا منه شيء، ولا يكون في شيء وغير ذلك، وهذا كلام يحتاج إلى ضبط وتفنيد.
قال: ومنهم صنف زعموا أن الله شيء وليس كالأشياء، لا يقع عليه صفة ولا معرفة ولا توهم ولا نور ولا سمع ولا بصر.
إذاً: قولهم: أولاً: أن الله تعالى شيء ليس كالأشياء يوافقون أهل السنة والجماعة في هذا، أما قولهم بعد ذلك: أنه شيء ليس كالأشياء فهذا يعني عندهم: أنه ليس نوراً ولا سميعاً ولا بصيراً فهذا كلام يحتاج كذلك إلى ضبط وتفنيد سيكون في أثناء الشرح بإذن الله تعالى.
قال: ومنهم صنف زعموا أنه ليس بين الله وبين خلقه حجاب ولا خلل، وأنه لا يتخلص من خلقه ولا يتخلص الخلق منه إلا أن يفنيهم أجمع فلا يبقى من خلقه شيء، وهو مع الآخر في آخر خلقه ممتزج به إلى آخر كلام كثير جداً، ولولا أن الله تعالى حكا في كتابه مقالة الكافرين ما تجرأ الواحد منا أن يتكلم هذا الكلام.
قال: ومنهم صنف أنكروا أن يكون ا
стр. 1304
شرح كتاب الإبانة - ما جاء من الآيات أن القرآن كلام الله غير مخلوق
لقد أثبت الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ أن القرآن الكريم كلام الله منه بدأ وإليه يعود، تكلم به على الحقيقة بحرف وصوت، كلاماً يليق بجلاله سبحانه، وعلى هذا كان صدر هذه الأمة حتى ظهر المبتدعة القائلون بخلق القرآن من الجهمية وغيرهم، فانبرى لهم علماء السلف فدحضوا بدعتهم، وحذروا من اتباعهم والقول بقولهم؛ لأن ذلك كفر مخرج من الملة.
стр. 1305
بيان أن القديم والباقي ليس من أسماء الله
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
بقي في مقدمة كتاب الرد على الجهمية جزء ليس بالقليل، وهذا الجزء ما هو إلا دراسة مستفيضة أو شارحة ومبينة للنصوص التي وردت في الجزء الثاني عشر وهو هذا المجلد، ووصف للمخطوطة ومنهج التحقيق، ثم التفصيل الطويل جداً فيما يتعلق بتكفير الجهمية الذين أنكروا الأسماء والصفات، خاصة صفة الكلام لله ؛ لأن الذي ينكر صفة الكلام لله لابد أنه سينكر بقية الأسماء والصفات، لأن أسماء الله تعالى وصفاته موجودة في كلامه، فالذي ينكر أن هذا الكلام هو كلام الرب ﵎ لزاماً عليه أن ينكر كذلك بقية الأسماء والصفات التي وردت في القرآن الكريم، فالشارح أو المحقق قد استفاض في هذا الأمر، لكن لا بأس أن نبدأ في الجزء المحقق مباشرة فإذا مر بنا شيء غامض شرحناه بإذن الله تعالى.
قال المصنف ﵀: [الجزء الثاني عشر قال فيه الشيخ: وصلى الله على محمد وعلى آل محمد وسلم.
أخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسن علي بن عبيد الله بن نصر بن الزاغواني بمدينة السلام -التي هي بغداد- بنهر معلى في الخريم]، ونهر المعلى نسبة إلى المعلى بن طريف، وهو نهر يسير من تحت الأرض حتى يدخل قصر الخلافة المسمى بالفردوس، وكان يقال: هو جنة الموحدين لجماله وروعته، وقربه كذلك من دجلة [في الخريم] وهو المكان الذي كانوا يخزنون فيه السلاح.
[قال: أخبرنا الشيخ أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن علي بن أحمد بن البسري بباب المراتب -وهو اسم لموضع ببغداد- قال: أخبرنا أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان بن بطة إجازة -يعني: أجازه برواية هذا الجزء ولم يسمعه منه- الحمد لله الأول القديم].
فبلا شك أن الأول من أسماء الله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣].
وقال أهل السنة: أول بلا ابتداء، آخر بلا انتهاء، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء .
أما القديم فأنتم تعلمون أن من قواعد وأصول الأسماء والصفات أنها توقيفية، بمعنى أننا نتوقف في إثبات الاسم لله أو في إثبات الصفة لله إلا إذا ورد الاسم أو الصفة في الكتاب أو في السنة؛ لأن الله تعالى أعلم بذاته وأسمائه وصفاته، وأعلم الخلق بالله تعالى هم الأنبياء والمرسلون وما دون ذلك من الخلق لا يعلمون عن الأسماء والصفات شيئاً إلا ما جاء في الكتب وفي الوحي، فالقديم إذا بحثنا عنه في الكتاب والسنة لم نجد له ذكراً، حتى في كلام السلف ليس له ذكر، ولكن بعض أهل العلم استعملوا اسم القديم للدلالة على الأول، مع أن بين الأول والقديم من الفروق ما بينهما، فالأول معلوم أنه لا شيء قبله، أما القديم فقبله أقدم، ولذلك تقول: قديم وأقدم، ولكنهم لا يقصدون هذا، الذين قالوا: إن الله قديم أو موصوف بالقدم لا يقصدون أن هناك من هو أسبق من الله في القدم.
وعلى آية حال ما وسع السلف في باب الاعتقاد يسعنا، وما لم يسعهم لا يسعنا، فالأولى فيما يتعلق بالأسماء والصفات الوقوف عند الوارد في النصوص، وليس في النص إثبات أن القديم من أسماء الله تعالى، ولا من صفات الله تعالى، ولذلك نقول: (الحمد لله الأول الذي لم يزل).
قال: [الدائم الباقي].
الدائم من أسماء الله تعالى، وأما الباقي فليس من أسماء الله تعالى، وإن كان المعنى صحيحاً، لكن القضية الآن في ثبوت هذا من عدمه، كما لو أنك أخذت حديثاً موضوعاً أو ضعيفاً أو منكراً فوجدت معناه جميلاً جداً، وفي غاية الروعة والجمال، ويدعو إلى الفضائل ومكارم الأخلاق، فإذا قلت لحامل الحديث هذا حديث موضوع أو مكذوب، أو حديث ضعيف لا يجوز العمل به قال لك: وما بال هذا الحديث؟ إنه حديث جميل، وألفاظه طيبة تدعو إلى مكارم الأخلاق وإلى الفضائل وغير ذلك، فليست القضية في معنى الحديث، وإنما القضية في ثبوت نسبة الحديث إلى قائله.
وكذلك إذا كان القديم معنى من المعاني اللائقة بالله ، والباقي معنى من المعاني اللائقة بالله إلا أن القضية هي أن الأسماء توقيفية، وهذا ليس منها، فكأنك تقول أنا أعلم بالله من الله، ولذلك أنا أثبت له ما لم يثبته لنفسه، وهذا بلا شك ضلال مبين فلا نثبت إلا ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله، وهذا كلام عام يحفظه جميع أبناء الصحوة في هذا الزمان عن سلفهم، نثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﵊ على الوجه اللائق بالله تعالى من غير تمثيل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل.
فإذا كنا نحفظ هذا الكلام فعند التطبيق
стр. 1306
منهج أهل السنة في إثبات صفات الكمال لله ونفي النقائص عنه سبحانه
قال: [الحمد لله الأول القديم الذي لم يزل، الدائم الباقي إلى غير أجل، خلق الخلق بقدرته، حجة لنفسه، ودلالة على ربوبيته فإنه ليس كمثله شيء].
وكما قلنا من قبل: منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الكمال لله على سبيل التفصيل لا الإجمال، أما نفي النقص عن الله تعالى فعلى سبيل الإجمال، إذا أردنا أن ننفي النقص عن الله قلنا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وإذا أردنا أن نثبت الكمال قلنا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]؛ لأن الله ﵎ نفى وأثبت، نفى المشابهة، والمماثلة، والأنداد، والأضداد، وكل مشابهة بين الخالق والمخلوق، فقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أي: ليس شيء مثيلاً له ولا شبيهاً به ولا كفؤاً ولا عدلاً لله ، فكل شيء مهما عظم هو دون الله ، لا يمكن قيام المشابهة والمماثلة بينه وبين الله .
وإذا أردنا أن نثبت الكمال أثبتناه على التفصيل، فقلنا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي أثبتت الأسماء متعددة مسرودة تفصيلاً على الوجه اللائق بالله من غير مشابهة سمعه لسمع المخلوقين، أو علمه بعلم المخلوقين، أو قدرته بقدرة المخلوقين، وقل في كل أسمائه وصفاته مثل ما قلنا في هذه الصفات أو الأسماء، فإثبات الكمال تفصيلاً لله، ونفي النقص إجمالاً عن الله هو منهج أهل السنة والجماعة.
ومنهج المعتزلة والجهمية عكس ذلك تماماً يثبتون الكمال إجمالاً وينفون النقص تفصيلاً، فيقولون: ليس الله تعالى بطويل ولا قصير ولا عريض ولا نحيف ولا مصمت ولا مجوف وغير ذلك من أقوالهم الكفرية تعالى الله تعالى عن قولهم علواً كبيراً، وهذا لا يصلح أن يكون أسلوب مدح لآحاد المخلوقين.
أي: نفي النقص تفصيلاً عن المخلوقين غير مقبول، لو دخلت على عظيم من عظماء الدنيا وقلت له: أنت لست بالطويل ولا بالقصير ولا بالمصمت ولا المجوف ولا أنت كلب ولا حمار ولا خنزير، ولا أنت غبي ولا أحمق، لابد أنه سيقوم عليك؛ لأنه لا يقبل هذا منك، إنما يقبل منك المدح ابتداءً، إنما المدح عن طريق نفي النقص فلا شك أن هذا أسلوب غير مقبول، فما بالك بالله ولله المثل الأعلى؟
стр. 1307
إثبات القدرة لله تعالى
قال: [خلق الخلق بقدرته].
فأثبت لنفسه القدرة وهو الذي خلق الخلق، وما ادعى أحد قط أنه خلق نفسه، ولا يقبل من أحد قط أن يزعم أنه خلق نفسه أو خلق شيئاً من الأشياء؛ لأن جميع الخلق متفقون على أن الخالق الواحد الأحد هو الله ، حتى المشركين قبل بعثة النبي ﵊ كانوا متفقين على أن الله هو الخالق الذي خلق الخلق أجمعين، وهو رب العالمين، كانوا يعتقدون ذلك، ولكنهم كانوا قد أشركوا في عبادة الله فعبدوا المخلوقين من دون الله زعماً منهم أنها توصلهم وتبلغهم إلى الله زلفى، مع علمهم أن الله خلق الخلق أجمعين، فالله تعالى هو الذي خلق الخلق بقدرته.
قال: [حجة لنفسه].
وجعل ذلك حجة لنفسه أي: [ودلالة على ربوبيته].
أي: ليدل العالمين على أنه رب كل شيء ومليكه [فإنه ليس كمثله شيء] .
قال: [تفرد بالإنشاء]، والإنشاء: هو الابتداء، أي ليس أحد يزعم أنه خلق آدم ﵇، باعتبار أن آدم أول البشر، ولم يزعم أحد أنه خلق العرش، أو خلق الكرسي، أو خلق السماوات، أو خلق الأرض أو الجبال أو الأنهار أو تلك الأشياء المخلوقة العظيمة التي كانت في مبتدئ خلق هذا الكون، فالله ﵎ هو الذي أنشأها وهو الذي أبدعها على غير مثال سابق، فهو الذي أنشأ الجبال قبل أن تكون الجبال، وهو الذي خلق الأرض قبل أن تكون، وخلق آدم قبل أن يكون هناك إنسان على وجه الأرض، فالله تعالى هو الذي أنشاء المخلوقات ولم يكن هناك مخلوقات.
قال: [تفرد بالإنشاء، وجل عن شبه الأشياء]، أي: الله ﵎ لما خلق الخلق جميعاً خلقهم على صورة فيها شيء من العجز والنقص الذي يليق بطبائع المخلوقات، ففي كل خلق عجز ونقص يليق به كمخلوق، وتنزه الله ﵎ عن كل نقص؛ لأنه الموصوف بالكمال والجلال سبحانه وتعال.
فلو نظرنا إلى طبيعة خلق النساء فربما وجدت المرأة أجمل النساء، واشتهاها القاصي والداني ولكن هذه المرأة لا تخلو من نقص أخبر عنه الوحي: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين مثلكن، قالت امرأة جزلة)، وهي أم عطية الأنصارية على أرجح الأقوال: (يا رسول الله! ولم؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير).
يعني: المرأة تغلب الرجل بنقصان عقلها، ولابد في كل امرأة من عوج، ومن عوجها: أنها تحب أن تخرج من البيت بغير إذن، أو امرأة لا ترتب البيت ولا تقوم على شئون الأولاد، وامرأة أخرى تريد الخروج إلى العلم مع غناها واستغنائها عن ذلك، فكل امرأة عندها شيء من العوج ولابد، وهذا قد أخبر عنه النبي ﵊، والمطلوب تقويم هذا العوج، أما من رام إزاحة وإزالة هذا العوج من أصله فإنما يصادم النصوص ويصادم الفطرة، فالعوج لابد أن يكون موجوداً، لكن المطلوب كفكفته وتخفيف حدته أو تقويمه، أما إزالته بالكلية فمحال وهيهات هيهات؛ لأنك تصادم الوحي وتصادم الفطرة التي فطر الله تعالى عليها ذلك الجنس من الخلق، وأحياناً عوج المرأة في غالب أحوالها يعتبر في حقها كمال.
والله ﵎ لما خلق المرأة ناقصة عقل ودين أثبت أن هذا نقصان يليق بها، وأنها صالحة على هذا النحو للمهمة التي خلقها الله لأجلها، فهذه المرأة لا يمكن أبداً أن تصلح لتربية الأولاد إلا على هذا النحو، ولذلك الرجل أكمل منها عقلاً ولو كلف بتربية طفل فلا يمكث معه إلا ثلاث ساعات ويقتله ويستريح منه، لأنه لا يقوى عليه، فالطبيعة التي خلق عليها تتناسب مع شيء آخر لا تتناسب مع تربية الأولاد، ولذلك المرأة إذا خرجت من بيتها ترجلت واكتسبت صفة الرجولة، وتخشنت في أفعالها وأقوالها، لمخالطتها للرجال؛ لأنها خرجت عن حد الفطرة.
والرجل إذا كان يعمل في أي مؤسسة أو شركة في مكتب وفيه نسوة فبعد مضي فترة من الزمان تجده قد اكتسب صفات الأنوثة في كلامه وأفعاله وحركاته وهكذا، حتى إنه ليقلد النساء اللاتي معه في المكتب فيأتي في الصباح وقد أتى من الأسواق بالخضار وغير ذلك ووضعه تحت المكتب كما تفعل زميلاته من النساء، يقلدهن في كل شيء ويتنازل عن دينه حتى يذهب عقله ربما بالكلية، فهن لا زلن يحتفظن بنص العقل أو بربعه، وهو قد فقد عقله بالكلية؛ لأنه خرج عن حد الفطرة التي فطره الله عليها.
ولو أنك نظرت إلى المرأة الأم وهي تدلل وليدها وتنظر إليه مع الأقوال والأفعال والحركات التي تصدر منها فلابد أنك ستقول: الحمد لله الذي كملني وخلقني رجلاً؛ لأنه يصدر منها أشياء يستحي المرء أن يقلدها.
ودور الأم في تربية الأطفال إلى سن معين ثم تأتي مهمة الأب بعد ذلك، ولذلك الأم لا تصلح مع الصبية، تربية الأم للصبية تربية عاجزة وقاصرة جداً فلابد أن يتولى أمره بعد السابعة والثامنة الأب وإلا هلك الولد وضاع وتاه؛ لأن الزمام من الأم يفلت في هذا السن فإذا لم يكن الأب هو الحازم والرقيب على تصرفات أولاده ضاع الولد في هذا السن الصغير.
قال: [خلق الخلق بقدرته، حجة لنفسه، ودلالة على ربوبيته، فإنه ليس كمثله شيء، تفرد بالإنشاء، وجل عن شبه الأشياء سبح
стр. 1308
دعوة الرسول ﷺ الناس إلى توحيد الله
قال: [وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، شهادة من أخلص لربه، وخلع الأنداد من دونه].
الند: هو الشريك والعدل والمثيل، فإن الله تعالى لا ند له، ولا مثيل له، ولا شريك له.
قال: [وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله على فترة من الرسل].
الفترة: هي انقطاع الوحي بين الرسولين، وكان بين عيسى ﵇ وبين نبينا ﵊ حوالي ستة قرون، ولا شك أن هذا زمان طويل كفيل بأن ينسى الناس اتباع عيسى بن مريم ﵇، ولذلك اختلط الحابل بالنابل في هذه الفترة، وسمي بالجاهلية لاندراس وغياب العدل بين الناس، وكان القوي يأكل الضعيف، والشريف لا يقام عليه الحد، والضعيف يقام عليه الحد، وانتشرت بدع الجاهلية وشركياتها، فلما كان الأمر كذلك أرسل الله ﵎ على حين فترة من الرسل -أي: انقطاع الوحي- رسوله محمداً ﷺ .
قال: [ودروس من الوحي في أعقاب المرسلين، وحجة على العالمين، والخلق في جاهلية جهلاء].
أي: أرسل الله رسوله حجة على العالمين، وكانوا في جاهلية جهلاء.
قال: [صم بكم عن الهدى].
أي: لا يسمعون الهدى، ولا يبصرونه، ولا يفهمونه [متمسكون بعروة الضلالة والردى]، والعروة: مقبض الدلو، وهو الذي يمسك ويتحكم بالدلو من خلاله، فهم يتمسكون بالضلالة في الجاهلية تمسكهم بهذا الدلو من عروته.
قال: [متمسكون بعروة الضلالة والردى -أي: الهلاك- فدعاهم -أي: الرسول ﵊ إلى توحيد الله ].
تصوروا أنهم متمسكون بعروة الضلالة فيخرج من بينهم رجل يعرفونه ويعرفون أمانته وصدقه يدعوهم إلى توحيد الله ، ونبذ جميع هؤلاء الآلهة المزيفة والأنداد الباطلة! بلا شك أنها دعوة في قمة الغرابة، ولذلك لما كان منه ﵊ ما كان من دعوتهم إلى عبادة الله وحده ونبذ جميع هذه الأنداد والآلهة المزيفة الباطلة، قالوا: عجباً لك أجعلت الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب.
يعني: هذه الدعوة منك يا محمد غير مقبولة بالمرة، أتجعل جميع هذه الآلهة إلهاً واحداً؟! إذا كان لكل واحد أربعة آلهة، واحد في الحرم وثلاثة في البيت، وإذا أراد أن يسافر أخذ أحد الثلاثة معه حتى لا يحرم من العبادة والشرك في سفره حتى يرجع إلى بلده مرة أخرى، أتجعل كل هذا باطلاً ثم تدعونا إلى إله واحد؟! نحن نؤمن بهذا الإله الواحد ونحن نعبده لكن عن طريق هذه الآلهة؛ لأنه لا يصح لنا أن نعبد الله مباشرة، فإنما نتخذ الأنداد والشركاء؛ ليقربونا إلى الله تعالى، ونحن نوقن أن الله تعالى هو الذي خلقنا ورزقنا وسوانا وغير ذلك من سائر صفات الربوبية لله !! والنبي ﵊ إنما أتاهم بتوحيد الله وحده، فهو الذي يستحق العبادة وحده سبحانه، فهؤلاء الآلهة المزعومة يقطعون الصلة بينكم وبين الإله الواحد، فدعاهم إلى توحيد الله والإقرار له بالربوبية -وهم كانوا يقرون بالربوبية- واتباع أمره، وإفراده بالعبادة، فأبوا ذلك فصبر منهم على الأذى.
بلا شك أن هذه الدعوة لم تلق قبولاً مطلقاً، بل ولقي صاحبها ﵊ منتهى الأذى من السب والضرب والشتم والجنون والسحر وغير ذلك من سائر ما رماه به المشركون، حتى ظهرت حجة الله على خلقه، وهذه هي النتيجة الحتمية! من صبر على الحق الذي معه ظفر بالنتيجة المرجوة، ولذلك أقسم الله ﵎ بالعديد من مخلوقاته، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]، قال الشافعي ﵀: لو لم ينزل من الوحي إلا هذه السورة لكفى.
والله ﵎ بين فيها نوعاً من القسم، وأن لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، فأقسم بالعصر على اختلاف بين أهل العلم فيه، فقوله: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] أي: كل بني الإنسان في خسارة وهوان في الدنيا والآخرة، فاستثنى الله ﵎ من عموم الهلاك والخسارة أصنافاً أو صنفاً قد اتصف بصفات أربع هي: الإيمان، العمل الصالح، التواصي بالحق، التواصي بالصبر، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣] لم يقل: آمنوا أو عملوا الصالحات؛ لأن الإيمان بغير عمل لا ينفع، والعمل بغير إيمان لا ينفع، فعطف هذا على ذاك لتلازمهما.
ولا شك أن الإيمان حق، والعمل الصالح حق، فلا بد من التواصي بالتمسك بهذا الحق، فأعقب الإيمان والعمل الصالح بتواصي أهل الحق فيما بينهم بهذا الإيمان وبهذا العمل، قال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣]، أي: الصبر على طاعة الله، وعلى التمسك بالإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بهذا فيما بينهم! الصبر على الأذى في هذا الحق وفي هذا الإيمان! الصبر على الأذى والتمسك بالدين! الصبر على الدعوة إلى الل
стр. 1309
نصيحة للمسلمين بالتمسك بالكتاب والسنة
قال: [ثم على إثر ذلك فإني أجعل أمام القول إيعاز النصيحة إلى إخواني المسلمين].
يعني: أنه أراد أن ينصح المسلمين قبل الدخول والشروع في المراد والمقصود.
قال: [فإني أجعل أمام القول -يعني: في مقدمة القول- إيعاز النصيحة -أي: تقديم النصيحة- لإخواني المسلمين: بأن يتمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، واتباع السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء المسلمين] هذه النصيحة من أغلى ما نصح به ناصح منصوحاً، فأغلى نصيحة يمكن أن يقدمها الناصح للمنصوح أن ينصحه بالتمسك بالكتاب والسنة، ومنهج سلف الأمة في فهم الكتاب والسنة، أعز ما يملك المرء لأخيه من نصح أن ينصحه بهذا، وبهذا بيان أن المنهج الحق الذي يتمسك به المسلم هو أن يتمسك بالكتاب والسنة على منهاج سلف الأمة؛ لأن الكل يزعم أنه على الكتاب والسنة، وإن أتيت بأفجر فاجر على وجه الأرض وسألته: ما منهجك؟ لقال: الكتاب والسنة.
وكل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا كل يدعي أنه يحب ليلى، ولاشك أنها تحب واحداً، ويقولون: ليست العبرة أنك تحب الله، وإنما العبرة أن يحبك الله ؛ لأن هذا هو الحب الذي ينفعك، وإن الله تعالى لا يحب الظالمين ولا المفسدين، ولا الكافرين وإنما يحب الصالحين، الصابرين، المؤمنين، الصائمين وغير ذلك من سائر صفات الطائعين لله ، فالعبرة أن يحبك الله ، ولا يحبك الله إلا إذا كنت عاملاً بالكتاب والسنة على منهاج سلف الأمة.
ولذلك لو أتيت برجل صاحب بدعة، وتصور لو أنك أتيت بجهمي وقلت له: ما هي مصادرك فيما تقول؟ سيقول: الكتاب والسنة.
ولو أتيت بجهمي أو معتزلي أو أشعري أو خارجي أو حتى أتيت بـ خميني إيران ما منهجك؟ يقول: الكتاب والسنة.
لكن العبرة ليس بالكتاب والسنة فحسب، بل العبرة وبيت والقصيد أن يفهم الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، ولذلك كثير من الناس يأتي بآية من كتاب الله ويفهمها على غير مراد الله، أو حديث من أحاديث النبي ﷺ ويفهمه على غير مراد النبي ثم هو في نهاية الأمر يزعم أنه على الكتاب والسنة.
نعم.
أنت على الكتاب والسنة لكن بفهم الخلف لا بفهم السلف، وما أظن أن واحداً من المبتدعة أو الضلال يزعم أنه لا علاقة له بالكتاب والسنة، وإنما الكل يدعي وصلاً بالكتاب والسنة، وأنه يأخذ منهما غضاً طرياً، وليس الأمر كذلك إلا أن يكون فهمه للكتاب والسنة على منهاج الصحابة ﵃، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ولذلك يقولون: الدعوة السلفية امتداداً لدعوة النبي ﵊، وسميت سلفية؛ لأن مناط البحث فيها ومناط الأخذ عنها إنما هو عن الصحابة ﵃، وعن التابعين لهم بإحسان، وعن الأئمة المتبوعين، فالسلفيون لا يفهمون الكتاب من عند أنفسهم، ومن فهم منهم آية من عند نفسه ولم يرجع فيها إلى فهم السلف لم يكن متبعاً لمنهج السلف في هذه الآية، فلابد من الرجوع في كل آية من كتاب الله، وفي كل حديث من أحاديث النبي ﷺ لفهم علماء الأمة وسلف الأمة لهذا الكتاب ولهذه السنة، وما دون ذلك خرط القتاد، لا يصح منك أبداً ولا يقبل منك حتى يستقيم فهمك للكتاب والسنة كما استقام فهم سلف الأمة للكتاب والسنة.
قال: [ثم على إثر ذلك فإني أجعل أمام القول إيعاز النصيحة إلى إخواني المسلمين: بأن يتمسكوا بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، واتباع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين، الذين شرح الله بالهدى صدورهم، وأنطق بالحكمة ألسنتهم، وضرب عليهم سرادق عصمته].
السرادق: هو الذي يحيط بالشيء، وسرادق العصمة بالنسبة للأنبياء معلوم وهو العصمة في تلقي الوحي، وفي إبلاغ الوحي، والعصمة من الكبائر، أما العصمة لمن بعدهم فهي العصمة من البدع، والعصمة لعلماء الأمة من السلف، أن الله عصمهم من الوقوع في البدع، أما الكبائر فليسوا معصومين منها، بل تقع منهم الكبيرة كما تقع ممن هو دونهم.
قال: [وأعاذهم من كيد إبليس وفتنته، وجعلهم رحمة وبركة على من اتبعهم، وأنساً وحياة لمن سلك طريقهم، وحجة وعمى على من خالفهم، قال الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]].
وهذه الآية تدعو إلى التمسك بالمنهج السلفي؛ فهي من أعظم قوانين القرآن للسلفيين، والمشاقة: هي البعد والمحادة.
ومعنى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء:١١٥]، أي: تبين له الوحي والعلم والطريق المستقيم: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] هو سبيل الصحابة والتابعين لهم بإحسان، والعقوبة: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء:١١٥] أي: نمهد له السبيل للوقوع في الفتن والبدع؛ لأنه شاقق الرسول واتبع غير سب
стр. 1310
التحذير من مقالة جهم بن صفوان
قال: [وأحذرهم مقالة جهم بن صفوان وشيعته].
ولا تزال النصيحة دائمة مستمرة، فهو يقول: وأحذر إخواني المسلمين أن يقعوا في مقالة الجهم بن صفوان وشيعته [الذين أزاغ الله قلوبهم، وحجب عن سبل الهدى أبصارهم، حتى افتروا على الله بما تقشعر منه الجلود، وأورث القائلين به نار الخلود]، أي: هم كافرون خارجون من الملة، مخلدون في نار جهنم أبد الآبدين، وسيأتي معنا باب إثبات كفر الجهمية، وأن القائل من علماء الأمة بكفرهم كفراً مخرجاً عن الملة أكثر من ستمائة عالم من علماء الأمة.
قال: [فزعموا أن القرآن مخلوق]، وهذا أول باطل خرجوا به [والقرآن من علم الله تعالى، وفيه صفاته العليا وأسماؤه الحسنى]، يعني: إذا كان الله ﵎ خلق هذا الكلام فهذا يعني أنه لم يكن موجوداً فأوجده الله، كان عدماً فأحدثه الله، فهو محدث في ظن الجهمية والمعتزلة، مخلوق أي: حادث، ومعنى حادث أنه لم يكن موجوداً من قبل، فالقرآن في ظن الجهمية والمعتزلة وأهل البدع لم يكن موجوداً فوجد بعد ذلك، وهذا القرآن الذي هو كلام الله فيه إثبات الأسماء والصفات، وهذا يعني أن ذات الله تعالى ذاتاً بلا أسماء ولا صفات، ثم خلق الله تعالى الأسماء والصفات؛ لأن القرآن إذا كان مخلوقاً وهو الذي حوى الأسماء والصفات وكان حادثاً ومخلوقاً فإن كل ما فيه مخلوق، والذي فيه هو الأسماء والصفات.
إذاً: كلها مخلوقة لله، والله تعالى لم يكن مسمى بأسماء ولا متصفاً بصفات، فخلق الأسماء والصفات بعد ذلك، وهذا من أخطر الباطل، وأكفر الكفر.
قال: [فزعموا أن القرآن مخلوق، والقرآن من علم الله تعالى وفيه صفاته العليا وأسماؤه الحسنى، فمن زعم أن القرن مخلوق فقد زعم أن الله كان ولا علم]؛ لأن الله تعالى أثبت أنه علام الغيوب، وأثبت أنه عليم بذات الصدور، عليم بكل شيء: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩]، وأثبت أنه عالم غيب السماوات والأرض، فأثبت الله تعالى العلم في القرآن، فإذا كان هذا القرآن مخلوقاً، فالله تعالى لم يكن عليماً فصار عليماً، لم يكن سميعاً فصار سميعاً، لم يكن قديراً فصار قديراً، لم يكن حليماً ولا غفوراً، وغير ذلك من سائر أسمائه وصفاته، لأنها في ظن هؤلاء وزعمهم أنها مخلوقة، ومعنى مخلوقة أنه لم يكن مسمى ولا متصفاً بهذا ولا بذاك.
قال [: ومن زعم أن أسماء الله وصفاته مخلوقة فقد زعم أن الله مخلوق محدث]، أي: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله لم يكن قد تسمى بأسماء ولا اتصف بصفات، وكل هذا حادث، ولا يتصور أن ذاتاً بغير صفات ولا أسماء، وبالتالي فمن زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن الله تعالى مخلوق.
قال: [وأنه لم يكن ثم كان -تعالى الله عما تقول الجهمية الملحدة علواً كبيراً- وكلما تقوله وتنتحله، فقد أكذبهم الله تعالى في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ ، وفي أقوال أصحابه، وإجماع المسلمين في السابقين والغابرين؛ لأن الله لم يزل عليماً سميعاً بصيراً متكلماً، تاماً بصفاته العليا وأسمائه الحسنى، قبل كون الكون، وقبل خلق الأشياء، لا يدفع ذلك ولا ينكره إلا الضال الجحود الجهمي المكذب بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وسنذكر من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وإجماع المسلمين -أي: وهذه هي المصادر الثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع- ما دل على كفر الجهمي الخبيث وكذبه، ما إذا سمعه المؤمن العاقل العالم ازداد به بصيرة وقوة وهداية، وإذا سمعه من قد داخله بعض الزيغ والريب وكان لله فيه حاجة وأحب خلاصه وهدايته نجاه ووقاه، وإن كان ممن قد كتبت عليه الشقوة زاده ذلك عتواً وكفراً وطغياناً.
ونستوفق الله لصواب القول وصالح العمل].
أي: نطلبه التوفيق في ذلك كله.
ثم يبدأ الباب الأول من القرآن الكريم في سوق الآيات التي تثبت أن الله تعالى لا يزال متصفاً بالكلام، يتكلم بأي كلام شاء، في أي وقت شاء، وفي أي زمان شاء ، فالله ﵎ تكلم بما شاء في أي مكان شاء وفي أي وقت شاء.
أما الواقفة، فهم الذين قالوا: لا نقول: القرآن مخلوق ولا غير مخلوق.
أي: نحن نشك في أنه مخلوق أو غير مخلوق.
قال الإمام أحمد: وهؤلاء أكفر وأشر ممن قالوا بأنه مخلوق.
ثم يثلث الإمام باللفظية: وهم الذين قالوا ألفاظنا بالقرآن مخلوقة.
إذاً: هنا ثلاثة أبواب: الباب الأول: إثبات أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإثبات ذلك من الكتاب والسنة والإجماع.
الباب الثاني: الرد على الواقفة وتكفيرهم.
الباب الثالث: الرد على اللفظية وتكفيرهم كذلك، وهم الذين قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة.
وهنا مسألة وهي: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال أنه مخلوق فهو كافر، إذا كان عالماً بما يقول فيكفر ابتداءً، وإذا كان جاهلاً يُعلَّم؛ فإن عُلِّم استتيب فإن تاب وإلا قتل، وسنذكر خطورة القول، ومعنى القول بأن القرآن مخلوق فيما سيأتي.
стр. 1311
باب ذكر ما نطق به نص التنزيل من القرآن بأنه كلام الله
قال المصنف ﵀ في الباب الأول: [باب ذكر ما نطق به نص التنزيل من القرآن بأنه كلام الله، وأن الله عالم متكلم: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]]، أي: أن الله متصف بالكلام، فالكلام صفة من صفات الله .
[وقال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥].
وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف:١٥٨].
وقال : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]]، والمداد: الحبر الذي يكتب به، فلو أن البحر ومثله معه ومثله معه ومثله معه وسبعة أمثاله مداد، وهذه الأشجار التي خلقها الله أقلام، فأخذنا تلك الأقلام ووضعناها في هذه المحابر التي هي البحار السبعة، وكتبنا كلام الله ما نفدت كلمات الله، تنفد الأقلام وتنفد البحار ولا تنتهي كلمات الله .
إذاً: الله تعالى متكلم عليم قدير سميع بصير ، والذي يظن أن الله ﵎ تكلم بهذا القرآن فحسب فقد أخطأ؛ لأن هذا القرآن إنما هو جزء وشيء من علم الله ، هذا القرآن الذي بين أيدينا الذي هو كلام الله إنما هو علم من علم الله تعالى وليس هو كل علم الله تعالى، فعلم الله تعالى لا يمكن الإحاطة به، ولذلك قال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ﴾ [لقمان:٢٧].
[وقال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤].
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥].
وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]]، وفي الدرس الماضي قلت لكم أن الجهمية حرفوا هذه الآية، فقالوا: وكلم اللهَ موسى تكليماً، ولم يقولوا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٦٤] فجعلوا المتكلم هو موسى، حتى لا يقولون أن الله تعالى يتكلم، فجعلوا الله تعالى في هذه الآية المخاطب لا المخاطب، فإذا كان الأمر كذلك فماذا يقولون في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]؟ لا يستطيع أحد أن يحرف هذه الآية، إلا أن يفعلوا كما فعل الجهم، حيث أتى على هذه الآية فمحاها من مصحفه، فلما قيل له: لم فعلت ذلك؟ قال: إني أكرهها؛ لأنه لا يعرف أن محرف، فلما اصطدم بهذه الآية ولم يكن بد من محوها محاها لأنها حجة عليه، ولا يمكن تحريفها.
[قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]]، والحديث هو الكلام، ولم يقل: أصدق من الله خلقاً وإنما قال حديثاً، وهذا يدل على أن حديث الله أو كلام الله ليس مخلوقاً.
[وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]]، ولم يقل: وإذ خلق ربك؛ لأن الجهمية يقولون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة:٣٠] أن الله تعالى خلق كلاماً في السماء فسمعته الملائكة، وليس المتكلم حقيقة هو الله، وإنما الله تعالى خلق الكلام في الأشجار أو في البحار أو في الجبال، أو في الهواء بين السماء والأرض فتكلم هذا المخلوق بكلام الله فسمعته الملائكة أو سمعه موسى أو غير ذلك ممن كلمهم الله .
[وقال : ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:١١٥]]، الشاهد هنا: (قَالَ اللَّهُ) إذاً: الله تعالى يقول.
[وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:١١٦]]، إذاً: الله تعالى كلم عيسى.
[وقال تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:١١٩]]، وهو يوم القيامة.
[وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥].
وقال تعالى فيما أعلمناه في كتابه أن القرآن من علمه -وليس هو كل علم الله تعالى- فقال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا﴾ [البقرة:٢٥٥].
وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ
стр. 1312
الأسئلة
стр. 1313
حكم إطلاق لفظ القديم على الله
السؤال
هل يجوز إطلاق لفظ القديم على الله ؟
الجواب
اسم القديم ليس من أسماء الله ، قال بعض أهل السنة: يجوز إطلاق لفظ القدم على الله ؛ لأنه قد ثبت في النص، وأن النبي ﵊ كان إذا دخل المسجد قال: (أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم)، هذا الحديث أخرجه أبو داود في سننه بسند صحيح ولكن المقصود بالقدم هنا سلطان الله، فالموصوف بالقدم هو السلطان وليس ذات الله ، فهذا وصف للسلطان، وليس وصفاً لله .
стр. 1314
حكم حديث الترمذي في سرد أسماء الله الحسنى
السؤال
الأخ يسأل عن الحديث الذي أخرجه الترمذي وفيه إثبات أسماء الله تعالى الحسنى؟
الجواب
هو حديث ضعيف، لأنه من زيادات بقية، وبقية إذا تفرد فهو ضعيف، وللأسف الشديد أنه مشهور جداً، وكثيراً ما نجد حتى الإخوة من أهل السنة يعلقون الورقة المكتوب فيها أسماء الله في برواز فاخر في بيوتهم أو في محلاتهم أو غير ذلك، في حين أن هذه الأسماء فيها أسماء ليست من أسماء الله ، فحديث الترمذي الذي سرد تسعة وتسعين اسماً فيها أربعة أسماء ليست من أسماء الله ، وهي: الباقي، والستار، والمنعم، والمنتقم.
وباب الإخبار باب عظيم جداً، وباب واسع وطويل، ولا بأس به، إنما باب الإثبات يحتاج إلى توقف ودليل، فإذا قلت إن الله هو المنتقم فهذا إثبات لاسم من أسمائه، ولم يذكر الله تعالى في الكتاب أنه منتقم، ولكنه أخبر عن نفسه أنه ينتقم، ولا يذكر الله الانتقام إلا في مقابلة إجرام كما قال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، ولذلك لم يجوز أهل العلم إطلاق اسم المنتقم على الله مطلقاً؛ لأن الله تعالى لم يتسمى بهذا ولم يسمه به رسوله ﷺ ، وما ذكرك له ذلك إلا في مقابلة إجرام المجرمين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]، فلا يسمى الله تعالى بالكائد، ولكن الله تعالى ذكر أنه يكيد لمن كاد، وهذا إثبات لعظمة الله ، وهو في هذا السياق صفة كمال، وكذلك الانتقام من المجرم صفة كمال لله.
تصور أن الله تعالى لا ينتقم من المجرمين فهذا ليس عدلاً! لما تقابل شخصاً مجرماً، وأنت تعتقد أن الله تعالى لا ينتقم من هذا المجرم ستتحسر، لكن لو أن عندك يقين أن الله سينتقم من هذا المجرم إن لم يتب وأنه لن يفلت من قبضة الله ومن عذابه ومن سطوته وجبروته ، فأنت ترتاح جداً أن الله تعالى عنده من العذاب ما ليس عندك، وعنده من الانتقام ما ليس عندك، فهذا يتناسب مع عظمته وكماله .
وكما قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، فلا يسمى الله تعالى بالماكر ابتداءً، إنما يوصف بالمكر في مقابلة مكر الماكرين.
يعني: مهما تمكرون فإن الله تعالى أشد مكراً منكم، فأين المفر من الله؟ فهذه صفة كمال لله، لا يمكن أن يشتق من هذه الأخبار أسماء، ولكنها أخبار، أو تسمى صفات المعاني، وبابها واسع جداً.
والله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] فلو قلنا: إن الله تعالى من أسمائه المنعم، لكان لزاماً أن نقول أن من أسماء النبي ﷺ أيضاً المنعم؛ لأن الآية تقول: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، فعطف إنعام الرسول على إنعام الله، فحينئذ ليس من أسماء الله المنعم، ولكن الله ﵎ أخبر عن نفسه أنه أنعم على عباده، فهذا خبر وليس صفة ولا اسماً.
ولذلك اتفقت كلمة أهل السنة أن الاسم المجرد إذا كان ظاهره النقص فلا ينسب لله لوحده وإنما ينسب في المقابل كما تقول: هو النافع الضار، فلا تقل: هو الضار فقط؛ لأن الله تعالى لا يوصف بالضار ابتداءً، وإنما يوصف بالنفع والضر، فهو الذي يملك النفع والضر في آن واحد، فإذا ذكرت هذا، فاذكر الأول مع الثاني حتى تثبت أن النفع والضر بيد الله، فالصفات التي ظاهرها السلب والنقص لله وإن كانت ثابتة لا تذكرها إلا مع ما يقابلها.
стр. 1315
حكم وصف الله تعالى بالبقاء والقدم ومخالفة الحوادث
السؤال
كثير من الإخوة يسأل: هل الله تعالى موصوف بالقدم والبقاء، والمخالفة للحوادث وغير ذلك من سائر هذه التصانيف التي صنفها الأشاعرة؟ الجوابك هذا كلام الأشاعرة وليس كلام أهل السنة، ومعاني هذه الأوصاف ثابتة لله .
والأشعري لما يبحث في الكلام لكي يثبت وجود الله يلف الكلام فيقول: بما أن هذا الكون مخلوق لله ، وأن الله تعالى هو الذي خلقه ولم يدع أحد أنه خلق هذا الكون، إذاً: الله تعالى هو الذي خلق هذا الكون، وما دام الله تعالى خلق هذا الكون فإن الله تعالى هو الذي خلق هذا الكون، وكلام ليس له طعم ولا لون ولا رائحة، ولما تأتي إلى كلام السلف تجده كلاماً جميلاً مرتباً حلواً ومقنعاً موافقاً للعقل، وإن لم يوافق العقل فاعلم أن العقل هو القاصر، وتنتهي القضية هكذا.
فالله تعالى أنزل شرعه ليتفق مع العقل والفطرة وإذا اصطدمت معك آية في كتاب الله أو حديث من أحاديث الرسول ﵊ فاتهم نفسك فوراً، إما أن هذا النص لم يثبت في سنة النبي ﵊، أو أن العقل قاصر عن إدراك حقيقة هذا النص؛ لأنه لا يتصور إنسان عاقل يحترم عقله يقول: إن الله تعالى أنزل كلاماً يصادم به الفطرة ويصادم به العقل الصحيح، ولذلك صنف ابن تيمية كتاباً جليلاً عظيماً من أعظم ما ألف وهو: (درأ تعارض العقل والنقل).
يعني: استبعاد أي تعارض ينشأ بين النص الصريح والعقل الصحيح، مستحيل أن يكون بينهما تعارض، إنما التعارض ينشأ إذا لم يكن النص ثابتاً فحينئذ يصدم بالعقل، لأنه ليس من مشكاة النبوة، وهذا لا يتهم به الشرع ولا الوحي؛ لأنه ليس من الوحي، فكيف ننسبه إلى الشرع ابتداءً، أو أنه صحيح لكن العقل عجز عن إدراك معناه، ولا يمكن أن تعجز جميع العقول، فالذي عجزت أنت عنه أفهمه أنا، والذي عجزت عنه تفهمه أنت، وهكذا الناس في العلم يكمل بعضهم بعضاً.
стр. 1316
أحسن نسخة لكتاب فتح الباري
السؤال
ما هي أحسن نسخة أو طبعة لكتاب فتح الباري؟
الجواب
أحسن نسخة لفتح الباري هي نسخة المطبعة السلفية، والنسخة السلفية مشهورة بذلك، وأحسن نسخة لكتاب صحيح مسلم هي نسخة قرطبة، وأنا لست بذلك تاجراً بل ناصح فقط، والريان هي نسخة سلفية أيضاً، والنسخة السلفية هي نسخة الشيخ محب الدين الخطيب ﵀، كان رجلاً من علماء السلف، والمكتبة السلفية في المنيل، لكن للأسف الشديد على عادة الناشرين السرقة إلا من رحم الله، فهناك ألف مكتبة سرقت النسخة السلفية الأصلية وصورتها، فإذا كانت هذه النسخة مصورة تباع في المكتبة هذه أو في تلك المهم أنها تكون موافقة لأصل الطبعة السلفية، إنما الذين أخذوا الطبعة السلفية وأحبوا أن يلفوا حولها فصفوها من جديد فقد وقعوا في أخطاء لا نهاية لها فلا تخلو صفحة من خطأ، وأنا لا أنصح الإخوة بشراء النسخة السلفية؛ إلا لكون نسخة المطبعة السلفية هي الأصل، وقد اعتنوا بها عناية فائقة، فيبيعونها بحوالي أربعمائة جنيه، وهي تستحق أكثر من ذلك، لكن المصورة تباع بمائة جنيه.
стр. 1317
حكم مقاطعة منتجات اليهود والنصارى
السؤال
أحد الشيوخ يقول: لماذا نقوم بمقاطعة بضاعة اليهود والنصارى والرسول ﷺ لم يفعل ذلك مع الفرس والروم أثناء محاربتهم؟ فكيف نرد على مثل تلك الشبهات؟
الجواب
هذه لا يمكن أن تكون شبهة، فالنبي ﵊ حاصر يهود بني النضير، أليست هذه من باب المقاطعة الاقتصادية؟ هل كان يمدهم النبي ﵊ بطعام وشراب أم أنه حاصرهم للجلاء؟ (ثمامة بن أثال ﵁ لما أسلم وكان يرسل من بلده الطعام والشراب إلى قريش في مكة، فلما أسلم بين يدي النبي ﷺ في المدينة قال له: يا رسول الله! إني كنت قد نويت عمرة فماذا تأمرني؟ قال: اعتمر، وأرسل معه بعض أصحابه من المدينة حتى دخل مكة، فالتقى به المشركون في مكة، قالوا: يا ثمامة! أصبوت -يعني: تركت دين آبائك- قال: ما صبوت ولكني آمنت مع محمد بالله رب العالمين، ووالله لا تأتيكم حبة قمح حتى يأذن فيها رسول الله)، وهذه مقاطعة، والحديث في الصحيحين.
والذي يقول: بأن المقاطعة ليست مشروعة، لو أنه ناقش في الوجوب أو في التحريم لقلنا له ذلك، ونحن ما قلنا أبداً بوجوب المقاطعة ولا بحرمة الصلة أبداً، نحن نقول بالمقاطعة من باب النكاية في العدو كما هو يجتهد في النكاية لنا بكل ما استطاع من قوة وسلاح، فإذا كان العدو يعلم أن النكاية فينا تحصل بالطعام والشراب منعهما عنا، ألا تعلمون أن أمريكا تلقي ملايين الأطنان من القمح في المحيط ولا ترسل بها إلى جنوب أفريقيا؟ أما بلغكم أن بابا روما وشنود في مصر لما ذهبا إلى جنوب أفريقيا كانا يأخذان الإنجيل بأيديهما اليمنى، والرغيف باليد اليسرى، كانا يعرضان الإنجيل على المسلمين الجوعى هناك الذين ماتوا جوعاً فيقولان لهم: لا تأخذوا الرغيف حتى تأخذوا الإنجيل أولاً وتعتقدون ما فيه وتتنصرون، فلو قلنا في مقابل هذا وذاك مما طرحناه مراراً، والعالم كله يعلم ماذا يصنع الصليبيون واليهود في هذا الزمان وفي هذه الأرض بالمسلمين هنا وهناك، فلو قلنا بالمقاطعة فهذا أقل القليل مما نملكه، ومع هذا ما قلنا أن المقاطعة واجبة، ولا أن من اشترى سلعة من اليهود أو النصارى آثم، ما قلنا ذلك أبداً، ولكن من باب النكاية في العدو، ولكن هذا الغبي إنما يؤثر في نفسه أن نشتم اليهود أو النصارى مع أنه ما كف في ليله ولا في نهاره عن سب الموحدين، وهذا يذكرنا بما ورد في السنة من أن أهل الأهواء والزيغ والضلال يتركون أهل الأوثان ويسبون أهل الإسلام، فهذا ما كف أبداً عن سب علماء المسلمين، ولا طلاب العلم هنا وهناك، ويعز عليه جداً أن يتكلم واحد منا في اليهود والنصارى بكلمة.
أهم إخوانك؟ أهم آباؤك؟ أهم أصدقاؤك؟ أهم منك وأنت منهم أم ماذا؟ لا ندري، فالله تعالى يهدي الجميع.
стр. 1318
حكم قراءة الفاتحة على الأموات
السؤال
هل يجوز قراءة الفاتحة على الأموات؟
الجواب
هذه المسألة مما اختلف فيه سلف الأمة، والذي يترجح لدي: أنه لا يجوز قراءة القرآن مطلقاً على الأموات، وأن ذلك من البدع.
стр. 1319
أيهما أفضل الكافر أم الجهمي
السؤال
لقد ذكرتم في الدرس الماضي أن ابن تيمية قال: لأن يموت الإنسان جهمياً أو معتزلياً خير من أن يموت كافراً على سبيل أخف الشرين، فكيف يكون هذا الجهمي مخلداً في النار مع أنه أفضل من هذا الكافر الذي لم يدخل الإسلام؟ أرجو التوضيح.
الجواب
السؤال وجيه، ولكن نفرق بين دعاة الجهمية وعامة الجهمية، فأما الدعاة فتنطبق عليهم تلك النصوص التي كفرتهم وخلدتهم في النار وهذا الكلام ذكرناه مراراً، وفيه تفصيل سنذكره بإذن الله تعالى، ولكنهم على أية حال ليسوا كفاراً قولاً واحداً.
يكفينا ما ذكرنا، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1320
شرح كتاب الإبانة - ما جاء في السنة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق
القرآن كلام الله غير مخلوق، وبذلك جاءت الأدلة من الكتاب والسنة، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يستعيذ بكلمات الله التامات، ويعوذ الحسن والحسين ببعض سور القرآن، ومعتقد أهل السنة والجماعة أنه لا يجوز الاستعاذة بالمخلوق، فدل ذلك على أن القرآن كلام الله وصفة من صفاته غير مخلوق.
стр. 1321
خطورة القول بخلق القرآن
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
تكلمنا في الدرس الماضي في إثبات أن كلام الله تعالى غير مخلوق، وأن الله تعالى متكلم ولا يزال متكلماً بما شاء وكيف شاء ، لا ينتهي كلامه، وبينا ذلك من آيات الكتاب المبين.
ودرسنا في هذه الليلة في إثبات أن القرآن كلام الله تعالى، وأنه غير مخلوق من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فقال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاءت به السنة عن النبي ﷺ ، وعن أصحابه -أي: من المرفوع والموقوف- بأن القرآن كلام الله].
في الدرس الماضي بعض الإخوة كتبوا إلي رسالة وقالوا: ما قيمة هذا الكلام؟ ما قيمة ذكر هذه الفتنة خاصة وأن الناس لا يعرفونها؟ وهذه حقيقة، وقد أتتني رسائل في الدرس الماضي بعد أن شرحت أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وبينت خطر القول بخلق القرآن، لكن لا يزال الأمر غامضاً على بعض الناس، وقد سألوا عن خطورة القول بخلق القرآن، خاصة وأن بعض الوعاظ -كما ذكر بعض السائلين- يصعدون على المنابر يقولون: قال النبي ﷺ : (الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما، فأما الصيام فيقول: أي رب! أظمأت نهاره فشفعني فيه، وأما القرآن فيقول: أي رب! أسهرت ليله فشفعني فيه)، ويسأل عن صحة الحديث.
الحديث صحيح، لكن بدون لفظة: (وقال القرآن أي رب!) القرآن ما قال ذلك، ولكن الحديث: (الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما يوم القيامة، أما الصيام فيقول: أي رب!)؛ لأن الصيام مخلوق، والصيام فعل العبد، وأفعال العباد مخلوقة، (فيقول الصيام: أي رب! أظمأت نهاره فشفعني فيه، وأما القرآن فيقول: أسهرت ليله فشفعني فيه) ولم يقل القرآن: أي رب! ومن الخطأ الفادح فعلاً قول بعض الأئمة أو الخطباء في هذا الحديث: أي رب!، كما أن من الخطأ الشائع على ألسنة الناس إذا أراد أن يقسم يميناً مغلظاً أخذ القرآن بيمينه وقال: (ورب هذا القرآن) فجعل القرآن مربوباً، والمربوب مخلوق، فهذا يمين خطأ في الاعتقاد، ولا يصح؛ لأن القرآن ليس مربوباً، ولو كان مربوباً لكان حادثاً، ولو كان حادثاً للزم أن نقول: إن الله لم يكن متكلماً حتى خلق لنفسه الكلام، كما أنه لا بد أن يفنى إذا كان حادثاً؛ لأن كل حادث يطرأ عليه الفناء لا محالة.
ولذلك قامت مناظرة في زمن المعتصم في مجلسه، وكانت في فتنة خلق القرآن، وكان الذي تولى كبرها عالم من علماء السلطة في ذلك الزمان يسمى أحمد بن أبي داود أو أحمد بن أبي دؤاد، ينطق هكذا وهكذا، وهو الذي وشى بالإمام أحمد عند الخليفة في زمن العباسيين وقال: إن أحمد يقول: إن القرآن ليس مخلوقاً وهو مخلوق؛ لأن القرآن شيء، والله تعالى خلق كل شيء، فلما كانت المناظرة بين الإمام أحمد وبين إمام الضلالة أحمد بن أبي دؤاد بين يدي المعتصم قال ابن أبي دؤاد: يا أحمد! أليس القرآن شيئاً؟ قال: بلى.
قال: أوليس الله تعالى خلق كل شيء؟ قال: بلى.
قال: إذاً: القرآن مخلوق.
فقال أحمد بن حنبل: يا ابن أبي دؤاد! أليس القرآن شيئاً؟ قال: بلى.
قال: أوليس الله تعالى قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥]؟ قال: بلى.
قال: هل تقول: إن القرآن يدمر؟ -أي: يفنى ويزول- إذا قلت ذلك فقد كفرت، فسكت أحمد بن أبي دؤاد ولم يعر ابن حنبل جواباً.
وانتهت المناظرة وكل مسلم ومسلمة ينتظر هذه الصولة وهذه الجولة لمن تكون: لـ أحمد بن حنبل أم لـ أحمد بن أبي دؤاد؟ فلما انهزم ابن أبي دؤاد ولم يعر أحمد بن حنبل جواباً انصرف الناس وقد كتبوا عن أحمد بن حنبل في هذه اللحظة: القرآن كلام الله غير مخلوق.
ولا زال أهل السنة إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة يعتقدون أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
والقرآن هو كلام الله ، والمخلوق منا لم يكن متكلماً، فلما خلق الله له الكلام تكلم، والمخلوق منا جاهل، فلما خلق الله له العلم صار عالماً، والمخلوق منا جهول، فلما خلق الله الحلم صار حليماً، وغير ذلك من الصفات التي يتصف بها المخلوقين لم يكونوا يتصفون بها ابتداءً، فلما خلقها الله اتصفوا بها؛ ولذلك قال النبي ﵇: (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم) فلم يكن المرء منا عالماً حتى خلق فيه
стр. 1322
ما جاءت به السنة عن النبي وعن أصحابه بأن القرآن كلام الله غير مخلوق
في هذا الدرس نثبت من سنة النبي ﷺ أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
стр. 1323
حديث: (فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي)
قال: [عن جابر بن عبد الله قال: (كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف)] أي: يعرض نفسه على القادمين لأداء نسك الحج، وأنتم تعلمون أن أهل الجاهلية كانوا يحجون إلى بيت الله الحرام، ويعظمون شعائر البيت، ولكن على غير ما سنه لنا الله ﵎ ورسوله، فإنهم كانوا يحجون، فمنهم من كان يحج على ملة إبراهيم، ومنهم من كان يحج على غير ذلك، فكان النبي ﵊ يعرض نفسه على الناس بالموقف، أي: على مداخل مكة أو مشارفها أو في عرفات أو مزدلفة أو غير ذلك.
[فيقول: (هل من رجل يحملني إلى قومه؟ -أي: يأخذني إلى قبيلته وقومه- فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي)].
وهذا الشاهد: (فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي).
إذاً: الرب يتكلم؛ ولذلك كان من بعض حجج أهل التوحيد على أهل الشرك وعباد الأصنام: أنهم كانوا يقولون لهم: أتعبدون أصناماً لا تتكلم ولا تعي ولا تعيركم جواباً ولا ولا ولا؟ وثبت في السنة أن أم سليم لما هلك زوجها مالك بن النضر والد أنس بن مالك ﵁ تقدم لها أبو طلحة، فقالت: يا أبا طلحة! مثلك لا يرد، ولكنك رجل مشرك وأنا امرأة مؤمنة، يا أبا طلحة! أتعبد أصناماً لا تسمع ولا تعقل ولا تتكلم؟ ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟ قال: يا أم سليم! أنظريني ثلاثة أيام -أي: أعطيني مهلة ثلاثة أيام لأنظر في كلامك هذا- فأتاها بعد ثلاث وقال: يا أم سليم! جزاك الله خيراً، لقد فكرت في كلامك فوجدت أنه شرك، وأن ما أنت عليه توحيد وإيمان.
قالت: اذهب إلى رسول الله ﷺ فآمن بين يديه، فذهب وأعلن إسلامه، ثم أتى إليها وقال: يا أم سليم! هل لك في نكاحي؟ قالت: نعم.
ومهري إسلامك، فلم تأخذ شيئاً في صداقها غير إسلام أبي طلحة، فكانت أم سليم تفاخر النساء.
تقول: زوجكن آباؤكن على الدينار والدرهم وتزوجت على الإسلام، وهو بلا شك شرف عظيم جداً، وأثمن مهر، ويكفي أنه سبب للعتق من النار ودخول الجنة.
فقوله: (فإن قريشاً منعوني أن أبلغ كلام ربي) فيه إثبات أن الرب ﵎ يتكلم.
стр. 1324
حديث: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة)
قال: [عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا تكلم الله بالوحي -إذاً: كلام الله تعالى وحي- سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا)] إذا تكلم الله تعالى بكلامه بالوحي سمع أهل السماء من الملائكة للسماء جرساً وأصواتاً عالية كجر السلسلة على الصفا وهو الحجر الأملس، أي: كما لو أتيت بسلسلة أو جنزير ووضعتها على حجر أملس ناعم لا يستقر عليه شيء، ولو أجريت السلسلة على هذا الحجر لا بد أنك تسمع صوتاً عالياً، فكذلك إذا تكلم الله تعالى بالوحي [(سمع الملائكة في السماء لهذا الوحي صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون)]، وهذا من شدة الوحي.
وأنتم تعلمون حديث عائشة ﵂: (أن الوحي كان ينزل على النبي ﷺ في الليلة شديدة البرد، فما ينفصم عنه الوحي إلا وهو يقطر عرقاً) ﵊ من شدة الوحي.
وكذلك كان النبي ﵊ يتغير لونه تماماً إذا نزل عليه الوحي، فكان وجه يصفر أو يحمر، وذلك من شدته عليه ﵊، فكذلك يصعق الملائكة جميعاً [(حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم -أي: كشف عنهم الفزع- فيقولون: يا جبريل! ماذا قال ربك؟ -وفي هذا إثبات أن الرب يتكلم- قال: يقول الحق)] قول الله تعالى هو الحق، وقوله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
قال: [(فينادون: الحق الحق)].
أي: فيتنادون فيما بينهم: الحق الحق، أي: تكلم الله تعالى بالحق، تكلم الله تعالى بالحق.
ومصداق ذلك في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣].
وله شاهد من حديث أبي هريرة في صحيح البخاري: أن نبي الله ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير)، فوصفوا كلام الله تعالى بأنه قول الحق.
стр. 1325
حديث: (إذا تكلم الله سمع صوته أهل السماء)
قال: [عن عبد الله قال: (إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، فيخرون سجداً، حتى إذا فزع عن قلوبهم نادى أهل السماء أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا وكذا)] ويتكلمون بما تكلم الله ﵎ به.
стр. 1326
حديث: (القرآن كلام الله)
قال: [عن عبد الله بن مسعود: عن النبي ﷺ أنه قال: (القرآن كلام الله).
قال وسمعت الدغشي يقول: قال مجالد: قال عامر: قال مسروق: قال عبد الله: من قال غير ذا فقد كفر].
فهذا نص بعضه مرفوع والبعض الآخر موقوف.
أما المرفوع: (القرآن كلام الله) وأما الموقوف فقول ابن مسعود: من قال غير ذا أي: من قال غير أن القرآن كلام الله فقد كفر.
стр. 1327
حديث: (فأحسن الكلام كلام الله)
[عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: (إنما هما اثنتان: الكلام والهدي -أي: الكلام والسنة والطريقة والهداية- فأحسن الكلام كلام الله)] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] إذاً: الله تعالى يتكلم ويتحدث، فأحسن الكلام كلام الله، [(وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ].
وأما قوله: (إنما هما اثنتان) من قول ابن مسعود، فالكلام هو كلام الله وهو أحسن الكلام، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ .
قال: [(ألا وإياكم -أسلوب تحذير- ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)].
قال البيهقي: والظاهر أن ابن مسعود أخذ هذا من النبي ﷺ ، أي: أخذ هذا القول: (إنما هما اثنتان الكلام والهدي) من النبي ﷺ .
وقال ابن حجر: هكذا رأيت هذا الحديث في جميع الطرق موقوفاً على ابن مسعود.
وقد ورد بعضه مرفوعاً من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود وأخرجه صاحب السنن، وجاء أكثره مرفوعاً من حديث جابر، وهو عند مسلم وأبي داود والنسائي وأحمد وابن ماجه، وذكر الحافظ هذا في الفتح.
ثم قال في شرحه للحديث في كتاب (الاعتصام) أن هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن هذا الكلام لا يقال من قبل الرأي، أي: لا مدخل للرأي فيه، فلا بد أن يكون مستنده المعصوم ﵊.
ولذلك قال: لأن فيه إخباراً عن صفة من صفاته ﷺ ، وهو أن هديه خير الهدي، وهو أحد أقسام المرفوع.
وقل من نبه على ذلك.
وأما حديث جابر المرفوع في صحيح مسلم: (إنما هي اثنتان: الكلام والهدي) فهو كذلك في باب تخفيف الصلاة والخطبة من كتاب الجمعة عند الإمام مسلم.
стр. 1328
وصية خباب بن الأرت لفروة بن نوفل بالتقرب إلى الله تعالى
قال: [عن فروة بن نوفل قال: قال خباب بن الأرت] وخباب بن الأرت هو ابن جندلة بن سعد التميمي صحابي جليل ﵁، وهو من السابقين الأولين في الإسلام، وكان يعذب في الله عذاباً أليماً، ويصبر على ذلك، شهد بدراً وما بعدها من المشاهد.
[عن فروة قال: قال خباب بن الأرت وأقبلت معه من المسجد إلى منزله فقال: إن استطعت أن تقرب إلى الله فإنك لا تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه].
خباب بن الأرت ينصح فروة بن نوفل من التابعين: إذا أردت يا فروة! أن تتقرب إلى الله فليس هناك أحب إلى الله من كلامه أن تتقرب به إليه، من تلاوته وتعظيمه وتشريفه والعمل به، والدعوة إليه، وغير ذلك.
[قال ابن أبي العوام: اشهدوا عليَّ أن ديني الذي أدين الله به: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، وهذه كانت مقالة أبي].
فهذا قول ابن مسعود وابن أبي العوام، وكذلك قول أبي العوام نفسه.
قال: [عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: كنت جاراً لـ خباب فقال: يا هناه -أي: يا صاحبي أو يا صديقي- تقرب إلى الله ما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه] .
стр. 1329
أثر عمر: (إن هذا القرآن إنما هو كلام الله)
قال عمر بن الخطاب ﵁ في غيرما طريق عنه: [إن هذا القرآن إنما هو كلام الله فضعوه مواضعه].
أي: قدروه حق تقديره.
стр. 1330
حديث: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)
قال: [عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : (خياركم من تعلم القرآن وعلمه)]، يعني: من أفضلكم من تعلم القرآن لنفسه وعلمه الناس.
[قال أبو عبد الرحمن - أبو عبد الرحمن السلمي الذي روى ذلك عنه-: فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا].
أي: طلبي لأن أكون من خير خلقه هو الذي جعلني أتعلم القرآن وأعلمه إياكم مما أجلسني في هذا المكان، طلباً للخيرية والرفعة.
قال: [فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا.
وكان يعلم القرآن في مسجد الكوفة أربعين سنة].
أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي كان يعلم القرآن في مسجد الكوفة الكبير أربعين سنة طلباً للخيرية.
стр. 1331
أحسن الحديث كلام الله
قال: [وقال ثابت بن قطبة: كان عبد الله بن مسعود يذكر كل عشية -يعني: كل يوم بعد صلاة المغرب أو العشاء يذكر الناس بكلمة يسيرة- فيحمد الله ويثني عليه ويقول: إن أحسن الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ .
وذكر باقي الحديث]، وهو المعروف بخطبة الحاجة، وكان النبي ﵊ يبدأ بها كلامه وخطبه ودروسه وغير ذلك.
стр. 1332
تعويذ النبي ﷺ للحسن والحسين بكلمة الله
قال: [عن ابن عباس قال: (كان نبي الله ﷺ يعوذ حسناً وحسيناً ﵄] كان يعوذهما يعني: يرقيهما.
يرقي الحسن والحسين.
وفي هذا بيان استحباب أن يعوذ الرجل أولاده أو المرأة أولادها، خاصة عند الصباح وعند المساء حتى لا يمسه الشيطان لا في نهاره ولا في ليله، فكان النبي ﷺ يعوذ حسناً وحسيناً ﵄، ويقول: [(أعيذكما بكلمة الله التامة من كل شيطان وهامة، وشر كل عين لامة، ثم يقول: هكذا كان إبراهيم يعوذ اسماعيل وإسحاق)] يعني: كان إبراهيم يعوذ بنفس هذه الكلمات ولديه إسماعيل وإسحاق.
قال: (أعيذكما بكلمة الله التامة) الكلمة التامة هي كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله.
أما الكلمة التامة في زمن إبراهيم ﵇ فهي: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم رسول الله ﵊، إذ لم يكن محمد ﵊ قد بعث في ذلك الوقت، فكان إبراهيم ﵊ يعوذ إسماعيل وإسحاق بكلمة التوحيد، وكذلك النبي ﵊ كان يعوذ الحسن والحسين ويقول: (أعيذكما بكلمة الله التامة من كل شيطان وهامة، وشر كل عين لامة) أي: التي تلم الفساد، من اللم: وهي التي تجمع أنواع الشرور والفساد.
стр. 1333
حديث: (لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك إن شاء الله)
[عن رجل من أسلم قال: (أتى النبي ﷺ رجل -وهذا الحديث عند مسلم - فقال: إني لدغت الليلة يا رسول الله! فلم أنم حتى أصبحت قال النبي ﵊: ما لدغك؟ قال: عقرب، فقال له النبي ﵊: أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق لم تضرك إن شاء الله)]، لو أنك قلت هذه الكلمة ما كان للعقرب عليك من سلطان، وما لدغك، بل ربما نام العقرب بجوارك لا يقدر على لدغك؛ لأنك تعوذت واستعذت ولجأت واعتصمت بالله تعالى وبكلماته التامة.
قال: [(أما إنك لو قلت حين أمسيت -وهذا في أذكار المساء- أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق -والعقرب منها- من شر ما خلق لم تضرك إن شاء الله)].
стр. 1334
حديث عائشة: (أن النبي ﷺ إذا اشتكى قرأ على نفسه المعوذات)
[عن عائشة زوج النبي ﷺ -والحديث في الصحيحين-: (كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات)]، أي: بالمعوذتين، وبعض أهل العلم أدخل في المعوذات: الإخلاص تجوزاً، أطلقوا عليها معوذة؛ لأن المرء عندما يقرؤها يستعيذ بالله تعالى من الشرور والآثام.
والغالب أن من تعوذ بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] يجمع معهما سورة الإخلاص وهي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، وهي السورة الوحيدة في القرآن الكريم التي اشتملت كل آياتها على توحيد الله ، فكل سور القرآن ربما تجد فيها الأمر بالتوحيد وقد لا تجد، وربما تجد فيها أحكاماً حلالاً وحراماً، أخلاقاً وآداباً، لكن سورة الإخلاص هي التي تكلمت عن التوحيد من أولها إلى آخرها، وقالوا: هذه السورة هي نسب الله .
وقد جاء في الأثر: (أن قريشاً أتت إلى النبي ﷺ وقالوا: يا محمد! انسب لنا ربك) فأخذوا على نسب آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، فلو أنهم سئلوا: انسبوا لنا اللات أو العزى لاستطاعوا نسبة آلهتهم؛ لأنها من حجر أخذوه من جبل كذا، والذي صنعه ونحته وجعله على هذه الصورة فلان بن فلان، والذي حمله من مكان كذا إلى مكان كذا هو فلان بن فلان، وتم صنعه في ساعة كذا وفي يوم كذا، وتم تنصيبه وعبادته في ساعة كذا، وأول من عبده فلان، وهكذا يستطيعون أن ينسبوا آلهتهم.
ولذلك أجروا عادتهم مع آلهتهم مع النبي ﵊: (انسب لنا ربك) فنزل قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] الذي تلجأ الخلائق كلها إليه رغم أنوفهم في سرائهم وضرائهم، حتى المشرك يلجأ إليه في وقت الضر، فإذا كشف عنه الضر رجع لعبادة الأصنام، وهذا دليل فطري أنه لا يكشف الضر ولا يسوق النفع إلا الله ، علم ذلك المشركون، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص:٢ - ٣]، ليس أباً لأحد، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]، ليس ابناً لأحد، فليس له ولد ولا والد، هذا نسب الله .
عن عائشة: (أن النبي ﵊ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات).
стр. 1335
التعوذ بكلمات الله
[قال الشيخ: فتفهموا رحمكم الله هذه الأحاديث، فهل يجوز أن يعوذ النبي ﷺ بمخلوق؟] لو كان القرآن هذا مخلوقاً فهل كان يحل للنبي ﷺ أن يتعوذ بالمخلوق؟ حاشا وكلا أن يتعوذ بالمخلوق، فمن تعوذ بالمخلوقين قلنا: هذا عمل عملاً شركياً، فمن تعوذ بفلان أو بقبر جده أو بتربة النبي ﷺ أو حتى بالنبي ﷺ أو بالكعبة أو غير ذلك قلنا: هذا شرك بالله ؛ لأنه قد تعوذ بمخلوق، والأصل لمن تعوذ أن يتعوذ بالخالق وأسمائه وصفاته؛ لأنها غير مخلوقة.
فإذا كان القرآن مخلوقاً فكيف يتعوذ به النبي ﷺ ؟ قال: [ويتعوذ هو ﵊ بمخلوق ويأمر أمته أن يتعوذوا بمخلوق مثلهم؟] هذا كلام عظيم جداً وافتراء عليه ﷺ .
قال: [وهل يجوز أن يعوذ إنسان نفسه أو غيره بمخلوق مثله؟] يعني: هل أقول: أعوذ بنفسي من شر ما نزل بي؟ هل يصح ذلك؟
الجواب
لا يصح؛ لأني مخلوق، لا يصح التعوذ بالمخلوق، ولا أقول: أتعوذ بـ البدوي أو بـ الحسين أو بالسيدة أياً كانت السيدة، أو غير ذلك من سائر وسائل الشرك التي يقع فيها كثير من الخلق، فهذا كله من الأعمال الشركية، والتوسل غير المشروع، فيقول: أعيذ نفسي بالسماء، السماء لا ترقى، بالجبال؟ بالأرض؟ بالأنهار؟ بالبحار؟ بالأنبياء؟ بالعرش؟ بالكرسي؟ كل ذلك مخلوق أم لا؟ كل ذلك مخلوق، هل سمعنا أحداً تعوذ بالسماء أو تعوذ بالأرض أو الجبال؟ ما سمعنا ذلك، أو بالكرسي والعرش؟ ما سمعنا ذلك.
قال: [وإذا جاز أن يتعوذ المخلوق بمخلوق مثله فليعوذ نفسه وغيره بنفسه فيقول: أعيذك بنفسي]، وإذا كان لأحد أن يعوذ بنفسه فليس هناك أفضل من النبي ﵊، وليس هناك أشرف مخلوق منه ﵊؛ ومع ذلك ما كان يعوذ أحداً بنفسه، وإنما كان يقول: (باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، الله يشفيك، باسم الله أرقيك)، ولم يقل: أعيذك بنفسي، وكان يعوذ الحسن والحسين بكلمات الله التامة، ولم يكن يعوذهما بنفسه، فلو كان التعوذ بالمخلوق جائزاً لكان من أفضل الأعمال والقربات أن يعوذ النبي ﷺ أصحابه بنفسه؛ لأنه أشرف مخلوق، فلما لم يكن ذلك منه دل على حرمة التعوذ بالمخلوقات جميعاً وإن عظمت كالسماء والأرض والجبال والأنبياء والملائكة وغير ذلك، كما أن التعوذ بالقرآن تعوذ بغير مخلوق؛ وذلك لأننا نفينا مشروعية التعوذ بالمخلوقين، وثبت التعوذ بالقرآن الكريم إذاً: القرآن غير مخلوق.
هذا الذي يريد أن يذهب إليه الإمام.
следующие страницы →