Полный текст (1 366 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
حكم قراءة الضاد ظاءً في قوله تعالى (ولا الضالين)
السؤال
إمام مسجد عند قراءة الفاتحة يقول: (ولا الظالين) بدلاً من (ولا الضالين) أي: يقولها ظاء، فما حكم ذلك؟
الجواب
هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم، ففي كتاب طبقات القراء للإمام الذهبي ذكر الإمام الذهبي في تراجم كثير من القراء وأصحاب الحروف: أن الواحد منهم كان يقرأ الضاد ظاء، لكنها ليست ظاء صريحة، وإنما هي بين الضاد والظاء، ولكنها تكتب ضاداً، فيقول: وهذه المسألة محل خلاف بين القراء، والراجح أنها تنطق ضاداً كما تكتب.
لكن على أية حال هذه المسألة فيها أخذ ورد بين الكثير من المختصين، حتى أحدثت فتناً عظيمة في مسائل كثيرة، والواحد منهم كان يصر على أن ينطق الضاد ظاء صريحة، وهذا لا يستقيم لا من جهة الخط، ولا من جهة المعنى مع كثير من الآيات التي فيها الضاد، فلابد من تحول المعنى، ويختلف تماماً عن مراد الله .
ثم لو سلمنا أن نطق الضاد متفق عليه، وأن الظاء لفظ مختلف فيه، فأي الفريقين أولى وأهدى: المتفق عليه أم المختلف فيه؟ المتفق عليه، فأنت تدعي أن الضاد تنطق قريبة من الظاء، مع أن كلمة (قريبة من الظاء) مسألة تقديرية، فهناك خلاف بين من يقولون: تنطق ظاء، ومن يقولون: تنطق أخف وأقل من ذلك.
فالآن لو أنا قرأناها ضاداً فقط فهل هذا صحيح؟
الجواب
نعم، فإذا صححتم أنتم قراءتنا ونازعناكم في صحة قراءتكم فأي القراءتين أولى؟ بلا شك المتفق عليها، لكن كثيراً من الإخوة لا حكمة عنده ولا مراعاة للمفسدة والمصلحة، فهو يتكلف عند قراءتها الضوضاء إحداثاً للفتنة؛ وذلك لأنه يعلم أن من خلفه لا يراعي ولا يعتبر الخلاف، يعني: ليس عنده حكمة في وجود الخلاف بين أهل العلم.
وهذه المسألة قد كتب فيها بعض أهل العلم كالشيخ عبد الباسط هاشم، والشيخ عبد الله الجوهري، والشيخ عرفان وغيرهم، وصنفت رسائل عصرية في الرد على من قال بهذا الرأي، كما صنفت رسائل سلفية قديمة في الرد على هذا وبطلانه، وأنا لا أقول بالبطلان، وإنما أقول: هو مذهب مرجوح.
стр. 352
تمييز المسجد الأقصى من مسجد قبة الصخرة
السؤال
ما الفرق بين قبة الصخرة والمسجد الأقصى؟
الجواب
هذه في الحقيقة مسألة مهمة جداً؛ لأن مسجد قبة الصخرة ترون قبته أحياناً تظهر فضية في الصورة، وأحياناً تظهر خضراء، فعلى مدار سنوات طويلة جداً أكثر من خمسين أو ستين سنة -أي: من سنة ١٩٤٨م وإلى الآن- واليهود مجتهدون على أن يصوروا للأمة الإسلامية أن مسجد قبة الصخرة هو المسجد الأقصى، وفي الحقيقة مسجد قبة الصخرة ليس هو المسجد الأقصى، فالمسجد الأقصى هو مكان بجوار مسجد قبة الصخرة، فمسجد قبة الصخرة في جانب من جوانب المسجد الأقصى وليس من المسجد الأقصى، ودليل هذا أن اليهود أو أهل البدع عموماً وأهل الكفر والنفاق يصبرون على كفرهم وبدعهم كما صبر نوح على دعوة قومه وزيادة، لكن أهل الحق دائماً متعجلون، فهم يفهمون الحق ومع ذلك يسحب البساط من تحت أرجلهم بسبب استعجالهم، وأما أهل الباطل فإنهم يزينون هذا الباطل ويزخرفونه، ويصورن أن هذا هو الحق، ويتحملون في سبيل ذلك كل الأذى إذا وقع بهم أذى.
فاليهود يعملون ذلك؛ حتى إذا تسنى لهم هدم الأقصى هدموه، وقد زرعوا في قلوب الأمة وصدورها أن هذا ليس هو المسجد الأقصى، وإنما مسجد القبة الذي أنتم ترونه هو المسجد الأقصى، وكل هذا بفعل اليهود ومن جاراهم من أهل العداوة والنفاق، حتى إذا هدم الأقصى لم يتحرك أحد المسلمين؛ باعتبار أنه لا يزال الأقصى قائماً، وليس الأمر كذلك.
стр. 353
حكم جلوس الحائض في المسجد
السؤال
هل يجوز للحائض أن تجلس في المسجد؟
الجواب
إذا دعتها الضرورة إلى ذلك وإلا فلا، والأصل ألا يجلس المسلم أو المسلمة في المسجد إلا على أكمل طهارة؛ لأنه يزاور ويجالس ملائكة الرحمن، ولا يخلو الأمر من ذكر أو تسبيح أو قراءة للقرآن، ولا خلاف أن المسلم يستحب له أن يكون على أكمل هيئة في ملبسه وبدنه من الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر، والخلاف هل للحائض والجنب المكث في المسجد؟ فالمسألة محل نزاع بين أهل العلم: فالجمهور على التحريم، والظاهرية على الإباحة، وإنما قالوا بالإباحة لضعف كل الأدلة التي اعتمد عليها جمهور الفقهاء.
وفي الحقيقة من جهة الحل والحرمة والجواز وعدمه أنا أميل إلى هذا الأصل، ومن جهة الاستحباب فأنا مع رأي الجمهور، وأنا ألزم نفسي ومن يدخلون في ولايتي أن يكونوا على أكمل طهارة عند أخذهم القرآن الكريم، أو قراءتهم فيه، إلا إذا دعت الضرورة كامرأة حاضت، وهي منتظمة في درس، فيمنعها الحيض من درسين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة إذا كان الدرس يومياً، ولا شك أن هذا الدرس إذا امتنعت منه المرأة أثر على ربط حاضرها العلمي بماضيها، مما يرهق المعلم الذي يضطر لأن يعيد لها هذه الدروس، وهذا مرهق له، فلا بأس إذا دعت الضرورة.
стр. 354
حكم استعمال العطور التي فيها كحول
السؤال
هل يجوز استعمال العطور التي فيها كحول، أو الموجودة في المحلات حالياً، أو بيعها؟
الجواب
أخبرنا شيخنا الألباني أن هذا الأمر مختلف فيه، فمن العلماء من حرم العطور إذا مسها شيء من الكحول مهما كان قليلاً، ومنهم من قال بالتفريق بين القلة والكثرة، فإذا كانت نسبة الكحول المضاف إلى العطر قليلة لا تكاد تذكر فالأصل الحل، وإذا كان كثيراً بحيث يغلب على نظر الناظر أو لمس اللامس لهذا العطر أنه يطير فور خروجه من زجاجته أو قارورته؛ فالأصل فيه الحرمة؛ لغلبة الكحول عليه.
ولعل الرأي الثاني هو الذي يترجح لدي.
стр. 355
حكم قول الرجل: أنا عندي كذا منذ الجاهلية .
وحكم بيع التلفزيون
السؤال
عندي تلفزيون قديم منذ الجاهلية هل يجوز أن أبيعه، وهو موجود عند الناس بكثرة؟
الجواب
كلمة الجاهلية الأصل فيها ألا تطلق إلا على الكفر أو الردة، فإطلاق ذلك باب من أبواب الخوارج، والمراد: الكفر، أو إطلاق لفظ الكفر على المعاصي، أو الجاهلية على المعاصي، ولا شك أن المعاصي معاصٍ، لكن الأصل أن يقول المرء: كنت كذا قبل الالتزام، ولا يقول: في الجاهلية؛ لأن الجاهلية عند الإطلاق تعني: الكفر والشرك.
وهذا التعليق ليس هو في معرض رد السؤال.
وأما بيع التلفزيون فقد طرحت هذا السؤال على الشيخ الألباني وقال: لا يجوز، وقال بحرمة اقتنائه كذلك، فقلت له: نبيعه للإخوان الملتزمين، فقال: إن الله لا يحب الفساد، هكذا أفادنا الشيخ يرحمه الله.
стр. 356
الحكم على حديث (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً)
السؤال
ما صحة حديث: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة)؟
الجواب
هذا الحديث حسنه الشيخ الألباني.
стр. 357
حكم العمل في الضرائب وشركات التأمين الأهلية
السؤال
ما حكم العمل في الضرائب، وشركات التأمين الأهلية، وكذلك مشاريع الصندوق الاجتماعي للتنمية؟
الجواب
أما العمل في الضرائب وشركات التأمين فالذي يترجح لدي من أقوال أهل العلم أنه حرام، وهو باب عظيم من أبواب الربا.
وأما مشاريع الصندوق الاجتماعي فلا أعرف كيفيتها؛ ولذلك أعتذر عن عدم الجواب عن ذلك.
стр. 358
حكم العمل في أماكن لا تخلو من شبهة
السؤال
ما حكم العمل في تشييد نادي الزمالك، وكذلك العمل في مشاريع مختلطة: فنادق وعمارات وأبراج سكنية؟
الجواب
هذا العمل لا يخلو من شبهة، والشبهات محلها الورع، فإن أردت أن تأخذ نفسك بالورع فعليك بتركها، وأما إذا عملت في مثل هذا فأظن أنه لا يجرؤ أحد أن يقول بحرمة ذلك، حتى ولو كان العمل في فندق بغير عمارات سكنية؛ وذلك لأن من الناس من يدخل إلى هذا الفندق ليشرب الخمر أو ليزني أو غير ذلك، وفي نفس الوقت تجد فيها المسلمين الملتزمين، مع أن بناء الفنادق في كثير من البلدان العربية والإسلامية إنما يدار فيها الخمر والعري والزنا وغير ذلك، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
стр. 359
لعبة الانتخابات والضحك على الذقون
السؤال
يقول: إن لله عباداً اختصهم لقضاء حوائج الناس، هل هذا حديث أم آية؟
الجواب
أنت لا تعلم هل هو آية أو حديث؟! ليس هو بآية ولا حديث، وإنما هو كلام مذكور في كتب الموضوعات منسوباً إلى النبي ﵊، ولا يصح ذلك.
وهذا الكلام كلام مرفوض، والناس يخرجون به في أيام الانتخابات! فهم حينما يريدون أن يحتجوا من السنة على مشروعية ما هم عليه فإنهم يحتجون بأحاديث موضوعة! ويثنون على شخص مع أنه كذاب ومبير، ويأتي إلى المسجد ولأول مرة نعرفه في المسجد في أيام الترشيح، فيدخل المسجد، ويصلي في الصف الأول، ويضع اليمين على الشمال، ويزيد خشوعاً وذلاً، ولا بأس أن يبكي أثناء قراءة الفاتحة، ثم يقول للشيخ: أخوكم في الله فلان الفلاني، فهؤلاء مفضوحون في تمثيلياتهم، فهو حين يمثل على المسرح فإنه سيجيد التمثيل تماماً، وأما في المسجد وهو يمثل الالتزام فإنه يصبح ممسوخاً جداً، وشكله غير مرغوب فيه، وتعرف أنه كذاب ودجال.
стр. 360
شرح كتاب الإبانة - ذم الجدال والمتكلمين وترك آثار الصالحين
وردت آثار كثيرة عن السلف رحمهم الله تعالى في ذم الجدال والكلام، واتباع المتكلمين وترك آثار الصالحين، وما ذاك إلا لخطورة هذا المسلك على العبد في دينه ودنياه، ومن كان يزعم أنه متبع لآثار السلف تاركاً لابتداع الخلف فعليه بالوقوف على ما وقفوا عليه، فهم قد خاضوا لما كان الخوض مطلوباً، وامتنعوا لما كان الخوض ممنوعاً.
стр. 361
ذم الجدال والمراء والخصومات في الدين، والحث على التمسك بآثار الصالحين
стр. 362
شرح أثر ابن الماجشون: (احذروا الجدل فإنه يقرب إلى كل موبقة)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فلا زال الكلام موصولاً عن ذم الجدال والمراء والخصومات في الدين، والحث على التمسك بآثار الصالحين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو صالح -وهو كاتب الليث بن سعد -: أملى علي عبد العزيز بن الماجشون قال: احذروا الجدل؛ فإنه يقربكم إلى كل موبقة -الموبقات: المهلكات- ولا يسلمكم إلى ثقة].
أي: ليس له أجل ينتهي إليه، فمن دخل في طريق الجدال والكلام والخصومات فإن له بداية، لكن ليست له نهاية.
قال: [وهو يدخل في كل شيء، فاتخذوا الكف عنه طريقاً إليه].
أي: أن الجدال والخصومات بغير حق يجب أن تكف عنها.
قال: [فإن الجدل والتعمق هو جور السبيل، وصراط الخطأ، فلا تحسبن التعمق في الدين رسخاً].
أي: لا تتصور أنه لا يكون المرء راسخاً في العلم، أو ليس عالماً إلا بكثرة الجدال والمناقشة والخصومة والمراء وغير ذلك، بل هذا هو الجهل بعينه.
قال: [فإن الراسخين في العلم هم الذين وقفوا حيث تناهى علمهم].
أي: يقفون عند حد العلم الذي علمهم الله تعالى إياه، وأما ما دون ذلك فإنهم يؤمنون به على الظاهر، ويلقونه كما جاء ولا يخرجون عنه.
قال: [واحذرهم -أي: أهل الكلام- أن يجادلوك بتأويل القرآن، واختلاف الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، وتجادلهم فتزل كما زلوا، وتضل كما ضلوا، فقد كفتك السيرة -أي: سيرة السلف الصالح ﵃ مؤنتها، وأقامت لك منها ما لم تكن لتعدله برأيك].
أي: أن سيرة السلف ﵃ فيما يتعلق بالجدل والمناظرة وقيام الحجة على الخصم كفيلة أن تقف عندها ولا تتعداها؛ لأنهم خاضوا لما كان الخوض جائزاً، ووقفوا لما كان الخوض ممنوعاً، وإذا نت حقاً متبعاً لآثار من سلف، تاركاً لابتداع من خلف؛ فالسيرة الذاتية والعلمية لكل واحد من أئمة السلف قاضية بذلك.
قال: [ولا تتكلفن صفة الدين لمن يطعن في الدين، ولا تمكنهم من نفسك].
فبعض الناس قد يتصور أنه قد أوجب الله تعالى في حقك أن تبين له صفة الدين، مع أنه ليس في حاجة لذلك؛ لأنهم يعرفون الدين بسمته وصفاته ومميزاته وغير ذلك.
لكنهم يريدون الجدال والمماحلة والخصومة؛ لأنهم وإن عرفوا أو علموا دين الله ، إلا أن هذه المعرفة لم تستقر في قلوبهم؛ ولذلك هم يريدون أن يظهروا ما عندهم من علم بالتأويل، وتحريف الكلم عن مواضعه.
فهذا يدل على أنهم أرباب ضلال، وهل تتصورون أن إبليس اللعين لم يكن يعرف قدر الله ﵎؟ إنه يعرفه جيداً، ويعرف أنه المعبود الأوحد، ولا معبود بحق سواه، لكنه عصى وفرط وبغى، وقاس قياساً فاسداً أوقعه وأورده المهالك، فهذا لا يدل على أنه لم يعرف الحق من الباطل، بل هو يعلمه تماماً وجيداً، لكنه زاغ وضل وانحرف عن الصراط، بل كان إبليس من أكثر العباد عبادة قبل أن يعصي، فهل تتصورون أن إبليس كان يعبد معبوداً أو إلهاً لا يعرفه ولا يعرف قدره؟!
الجواب
كلا، فقد كان يعرفه جيداً.
وهكذا أهل الكلام؛ لأن إمامهم وسلطانهم هو إبليس، ومنه أخذوا، وعلى يديه تربوا، وأشربوا منهجه في الجدال والمخاصمة والمماحلة، فهم لا يريدون أن يصلوا إلى الحق ليعملوا به، أو ليتعبدوا به، وإنما يريدون أن يجادلوا لأجل الجدال فقط، أو للتشهي، أو للنصرة على الخصم، أو لكثرة الأتباع أو غير ذلك.
وعلى أية حال سمات أهل الحق كما أنها واحدة إلى قيام الساعة، فكذلك سمات أهل البدع والضلال واحدة إلى قيام الساعة.
قال: [ولا تتكلفن صفة الدين].
أي: لا تكلف نفسك أن تظهر الدين.
[لمن يطعن في الدين، ولا تمكنهم من نفسك]، أي: إذا أرادوا الظلم، وعرضوا عليك المجادلة والمناظرة، فلا تمكنهم من نفسك، فإذا جاءك عاص أو ضال مبتدع أو غيره وطلب المناظرة فهذا لا يجوز محادثته أو مناظرته إلا بشروط: الشرط الأول: أن يغلب على الظن أنه يبتغي الحق.
الشرط الثاني: ألا يأتي للمناظرة، وإنما يأتي للتعلم.
الشرط الثالث: أن تكون من أهل العلم المشهود لهم بذلك، وممن تعَيَّن عليه التصدي لإظهار الحق، وقمع الباطل.
فهذه ثلاثة شروط، فإذا تخلف شرط منها اختلت المناظرة، ويحرم عليك أن تتصدى لأهل البدع؛ حتى لا تصاب بما أصيبوا، ولا تزل قدمك كما زلوا، ولا تضل كما ضلوا.
стр. 363
ضرر مناظرة أهل البدع والاستماع لهم
قال: [إنما يريدون أن يفتنوك، أو يأتوا بشبهة فيضلوك؛ فلا تقعد معهم]، كما قال الله تعالى: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨].
فإذا كانوا هم سعوا في كل واد لفتنة النبي ﵊، وفتنة أصحابه الكرام، فكيف بك أنت يا مسكين! ولا علم لك، ولا معرفة لك بأساليب وألاعيب القوم، فأنت من باب أولى خليق وجدير بأن تقع في شباك أهل البدع إذا تعرضت لهم ولم تتأهل لذلك؛ لأنهم يريدون أن يفتنوك، أو يأتوا بشبهة فيضلوك، فقد تذهب لتدفع عنهم شبهة قد بلغتك؛ فإذا بشبه متتابعة متعاقبة يلقونها على مسامعك لم تستعد أنت لها؛ فتؤثر هذه الشبه في قلبك؛ فتكون أنت أحوج الناس إلى إزاحة هذه الشبه من قلبك، فأنت الذي ذهبت لتقيم عليهم الحجة فأوقعوك هم في شراكهم وحبائلهم وشبههم، حتى زعزعوا قواعد الدين الأصلية في قلبك.
ولذا فالمناظرة مع أهل البدع من أخطر ما يمكن، وحذار أن تتصور أنه خذلان أو ضعف أو خوف أو خور أن تعتذر عن لقاء القوم، بل هذا هو عين الاستقامة، فكثير من أئمة السلف مع إمامتهم، ووفرة علمهم لم يسمحوا قط بسماع كلمة واحدة، ولا حرف واحد من أهل البدع، كما قال ابن سيرين: والله لو قرءوا القرآن لم أسمعه منهم، أو تلوا علي حديثاً ما سمعته منهم.
مع أن قراءة القرآن وسماع الحديث لا شيء فيه.
فانظر إلى ابن سيرين وهو إمام أهل البصرة في زمانه، وسيد من سادات التابعين، وتلميذه أنس بن مالك ﵁، ومع هذا لم يكن يأذن لنفسه قط أن يسمع كلمة واحدة من صاحب بدعة، حتى لو كانت هذه الكلمات آية في كتاب الله، أو حديثاً من سنة النبي ﵊.
стр. 364
مناهج التلقي عند أهل السنة والجماعة
قال: [ولعمري! إن صفة الدين لبينة]، أي: إذا كانوا يريدون صفة الدين، فصفة الدين، ومعالم الدين، وسمات الدين، وخصائص الدين بينة وواضحة.
قال: [وإن سبله لواضحة، وإن مأخذه لقريب].
ومأخذ الدين من كتاب الله، ومن سنة النبي ﵊، ومن إجماع أهل العلم، وقياس صحيح يوافق العقل الصريح، ويوافق المنقول من كتاب وسنة، ويوافق كلام أهل العلم، فإذا كان كذلك فهو قياس صحيح، وإذا كان عكس ذلك فليس بصحيح؛ ولذلك فمصادر التلقي المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة هي: الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس، وما عداها مختلف فيها، والراجح أن هذه المصادر هي المصادر الأصلية التي يعتمد عليها المسلم في دينه، علماً وعملاً وعبادة وغير ذلك.
стр. 365
اضطراب وشك أهل الباطل
قال: [وإن مأخذه لقريب لمن أراد الله هداه، ولم تكن الخصومة والجدل هواه، ولولا أن يأخذ الأمر من غير مأخذه، أو يتبع فيه غير سبيله؛ فإن الله تعالى لا بد كاشف عوراتهم، وإن حجتهم لداحضة، دانوا الله بغير دين واحد، بل دانوا بأديان شتى، يمسون على دين ويصبحون به كافرين].
يعني: يدينون الله تعالى في المساء بدين معين، فإذا أصبح عليهم الصباح اختلفوا فيما اتفقوا عليه بالأمس؛ فتفرقوا، فكفر بعضهم بعضاً، فهم يمسون على دين معين، ثم يصبحون بهذا الدين كافرين؛ لأنهم قد ضلوا السبيل، وضلوا منهج التلقي وهو الكتاب والسنة؛ فتلقوا هذا الدين الذي كفروا به بعد ذلك من وحي عقولهم، ومن وحي شياطينهم، وما وافق هواهم، ووافق شهواتهم، وأما إن وافق الكتاب والسنة، فإن هذا هو المصدر الحق، ولا يمكن أن يختلف؛ لأن الحق واحد، ومشكاة الحق واحدة لا تخطئ قط، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] أي: القرآن الكريم، فلما لم يجدوا فيه اختلافاً كثيراً ولا قليلاً؛ تبين أنه من عند الله .
стр. 366
ذم الشافعي لكل ما هو طريق إلى الكلام
قال: [قال الربيع بن سليمان المرادي: جاء رجل يناظر الشافعي في شيء].
والشافعي مع علو قدره، وعظيم منزلته يأتيه رجل من أهل الكلام ومن أصحاب البدع يريد أن يناظره في مسألة، فهل تعتقدون أن الشافعي يعجز أن يناقش أهل البدع جميعاً؟
الجواب
لا، فـ الشافعي إمام الدنيا في زمانه، ولم يكن أحد في الأئمة الأربعة، لا أبو حنيفة، ولا مالك، ولا أحمد بن حنبل يضاهي الشافعي في العلم، ولو كان التمذهب مشروعاً أو مسنوناً؛ لكان التمذهب بمذهب الشافعي من أوجب الواجبات، لكن التعصب لمذهب ما، وأخذ كل ما جاء عن صاحبه حقاً وباطلاً أمر مذموم، والممدوح لك أن تتمذهب بمذهب إمام معين، لكن لا يسعك اتباعه إذا أخطأ، وإنما يسعك مخالفته والأخذ بالحق.
وقد كان مجلسه رحمه الله تعالى يزدحم بالآلاف، فمنهم من يأتي ليستمتع بعلو إسناده، ومنهم من يأتي ليستمتع ببلاغته وفصاحته، حتى قال قائلهم -وهو إمام من أئمة اللغة-: كلام الشافعي في اللغة حجة، فهو رحمه الله تعالى إمام في البيان والفصاحة، وحجة على الأمة إلى قيام الساعة؛ لأنه من أنحى العرب، فقد تلقى لغته عن قبائل العرب كلها، ودفعت به أمه إلى قبيلة هذيل التي هي أعظم القبائل لغة وفصاحة وبياناً، فمكث بها الشافعي عدة أعوام حتى أتى على بلاغتها وفصاحتها، كما أنه محدث عظيم جداً، وأسانيده مرتفعة، وإن كان أحمد بن حنبل تلميذ الشافعي، إلا أن أحمد فاقه حديثياً؛ لانشغال أحمد بالحديث.
وأما الشافعي فكان جل اهتمامه بالفقه؛ ولذلك هو الفقيه حقاً، فيقدم في الفقه على كل الأئمة الذين تكلموا في الفقه إلى قيام الساعة، بخلاف أحمد، فإنه إمام الأئمة في زمانه في الحديث، وهكذا جمع القوم بين شتى فنون العلم: من الحديث، والفقه، واللغة، والتفسير، والقرآن وغير ذلك، لكن الواحد منهم اشتهر بعلم معين، وإن كان محصلاً لجميع العلوم الأخرى.
قال: [فقال الشافعي: دع هذا، فإن هذا طريق الكلام].
أي: أن هذا الذي تسلكه هو منهج أهل الكلام، ونحن عندنا سنة وأثر، وإنما أنصحك باتباع الأثر وترك الكلام وذمه.
قال: [وسمع الشافعي رجلين يتكلمان في الكلام، فقال: إما أن تجاورانا بخير، وإما أن تقوما عنا].
أي: إما أن تتكلما بخير، وإما أن تنصرفا عنا.
стр. 367
تهوين الشافعي لسائر المعاصي مقارنة بعلم الكلام خلا الشرك بالله تعالى
قال: [وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي ﵁ يقول: والله لئن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه، ما عدا الشرك به، خير له من النظر في الكلام].
يعني: لو أن المرء ابتلي بكل كبيرة من الكبائر: كالسحر، والفرار من الزحف، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، وغير ذلك من سائر الذنوب والمعاصي؛ أحب إلى الله من أن يبتلى بأن يتكلم في دين الله بغير علم، أو أن يخوض في دين الله على منهج أهل الكلام، وأصحاب الأهواء والبدع.
وليس في هذا الكلام دليل على أن البدع أو المعاصي محببة إلى الله ، لكن هذا الكلام خرج مخرج الزجر الشديد عن اتباع طريقة أهل الكلام، وسلوك منهج أهل البدع.
стр. 368
تحذير الشافعي من ائتمان صاحب الكلام على الدين
قال: [وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي: يا أبا موسى! لقد اطلعت من أصحاب الكلام على شيء ما لو رأيت رجلاً ارتكب كل ما نهى الله عنه خلا الشرك؛ كان أحب إلي من أن أراه صاحب كلام، قال: قلت: يا أبا عبد الله! -وهذه كنية الإمام الشافعي - وتدري ما يقول صاحبنا -أي: هل سمعت ما قال صاحبنا؟ أي: صاحب يونس بن عبد الأعلى، وصاحب الشافعي، وهو الإمام العلم الجبل المصري الليث بن سعد عليه رحمة الله- الليث بن سعد؟ قال: وما قال؟ قال: لو رأيت صاحب الكلام يمشي على الماء لا تأمنن ناحيته].
ومن الذي يستطيع أن يمشي على الماء؟ لا أحد، لكن لو تصورنا أن هذه الحادثة الخارقة للعادة وقعت في حق المتكلم، فتجمع الناس حتى سار على سطحه، ونظر الناس إليه.
يقول الليث: لو رأيتم صاحب كلام على هذا النحو فلا تأمنوه على دينكم.
[قال الشافعي: بل الأمر أعظم من ذلك، لو رأيت صاحب كلام يطير في الهواء فلا تأمننه على دينك].
إذاً: فالقضية كلها متعلقة بالاستقامة؛ ولذلك يقول ابن تيمية عليه رحمة الله في المجلد الحادي عشر من الفتاوى: إذا رأيت الرجل يطير في الهواء، أو يمشي على الماء؛ فلا تحكمن عليه حتى ترى عمله، فإن كان موافقاً للكتاب والسنة؛ فإنما ذلك كرامة من الله له، وإلا فهو استدراج من الشيطان.
أي: أن هذا العمل من الشيطان وليس من الرحمن، وهذا الكلام أيضاً مذكور في كتابه: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ومعناه: لو رأيت الرجل يطير في الهواء، أو يمشي في الماء، أو يأتي لك بأشياء هي كالسحر، بل السحر نفسه، حتى تكاد تجزم وتقسم أنك رأيت حقاً؛ فلا نحكم لهذا الرجل ولا عليه حتى نرى عمله هل هو مستقيم على منهج أهل السنة أم لا؟ فإن كان كذلك؛ فإن الذي جرى على يديه كرامة من الله تعالى له، وأنتم تعلمون أن كرامات الصالحين أمر مستقر في عقيدة المسلمين، منذ عهد النبي ﵊ وإلى قيام الساعة.
والله ﵎ يمن على من يشاء من عباده الصالحين بالخوارق للعادات كرامة لهم، كما تجري هذه الخوارق على أيدي الأبالسة، وعلى أيدي السحرة والأفاكين الكذابين، لكنها ليست كرامات، وإنما هي استدراجات من الشيطان.
قال: [قال أبو حاتم: حدثني بعض أصحاب الشافعي أنه سمع الشافعي يقول: كلمتني أم بعض أصحاب الكلام على أن أكلم ابنها ليكف عن الخوض في الكلام].
فالأم عقلت أن ابنها على ضلالة، فأتت إلى إمام المسلمين الإمام الشافعي، فقالت: كلم ولدي أن ينتهي عن علم الكلام.
قال الشافعي: [فكلمته ليكف عن الكلام، فدعاني إلى الكلام].
يعني: كلمته ليكف عن الهوى واتباع الشهوات، فدعاني هو إلى الخروج عن حد الاستقامة، والدخول في حد البدعة والضلالة.
قال: [وقال أبو حاتم: قال أبو ثور إبراهيم بن خالد: سمعت الشافعي يقول: ما ارتدى أحد الكلام فأفلح].
أي: ما سلك أحد سبيل الكلام والهوى؛ إلا ويخسر خسراناً مبيناً.
стр. 369
منهج أصحاب الكلام تجاه المخالف
قال: [قال حسن بن عبد العزيز الجروي: كان الشافعي ينهى النهي الشديد عن الكلام في الأهواء، ويقول: أحدهم إذا خالفه صاحبه قال: كفرت، وإنما يقال فيه: أخطأت].
يريد أن يقول: إن أهل السنة -وهذا كلام قرره شيخ الإسلام ابن تيمية مراراً- أرحم من أهل البدعة بعضهم ببعض، فأهل السنة لهم حد يقولون فيه: لا يكفر من أصحاب الفرق الضالة إلا الغلاة الذين خرجوا عن أصول الديانة، أو بدلوا وحرفوا في دين الله أو في هذه الأصول، وأما عامة أصحاب الأهواء والضلالات؛ فإنهم لا يكفرون بهذا.
وهذا بلا شك غاية الاعتدال من أهل السنة والجماعة، لكن لو تأتي الآن وتنظر إلى أهل البدع أنفسهم ماذا يقولون فينا؟ فالشيعة مثلاً هل يحكمون لنا -أهل السنة- بالإسلام؟
الجواب
لا، بل نحن جميعاً عن بكرة أبينا -جاهل وعالم- عندهم كفار وصابئة، حتى إنهم لا يسموننا قط أهل السنة، وإنما يسموننا: الصابئة أو الناصبة، وليس لنا عند الشيعة إلا هذان الاسمان: الصابئة أو الناصبة، وهذا مشعر بالكفر، فضلاً عن أنه في لحظة صدق وصراحة يصارحونا بهذا، لكن لما كان دينهم التقية والكذب والنفاق؛ فإنهم يخفون هذا في غالب أحوالهم وأوقاتهم.
وليس الأمر يقف عند ذلك، بل أكثر من ذلك، فإذا اختلف أهل البدع مع بعضهم البعض لم يقل أحدهم في صاحبه: إنك أخطأت، وإنما يقول له: إنك كفرت؛ ولذلك فالأحكام عند القوم: إيمان وكفر، ولا يعرفون طريقاً للفسق، وإنما عندهم -خاصة الخوارج- أن من ارتكب معصية فقد كفر بها، وغلاتهم يكفرون بالمعاصي كلها: صغيرها وكبيرها.
فالواحد منهم لا يقول لمن عصى: لقد عصيت، أو فسقت، أو أخطأت، وإنما يقول له: لقد كفرت، وليس هذا فحسب، بل إذا وقع الواحد منهم -ممن يصدرون الأحكام على الآخرين- في معصية كفر نفسه، وحكم على نفسه بالكفر، وألزم نفسه الدخول في الإسلام من جديد، وإننا نعلم أناساً كثيرين يعيشون بيننا في هذه الأيام وفي هذا العصر، بل وفي هذه المدينة يطلِّق الواحد منهم امرأته لمعصية وقع فيها؛ ظناً منه أنه انتقل من الإيمان إلى الكفر، وبالتالي لا تحل له امرأته حتى يشهد من جديد، ويعقد عليها عقداً جديداً بمهر جديد، وغير ذلك مما يلزم العقد الشرعي من ولي وشهود، وغير ذلك من سائر شروط أحكام العقد الشرعي الصحيح.
وأما أهل السنة فهم أرحم بأهل البدع من رحمة أهل البدع بعضهم ببعض، كيف لا وهم امتداد للنبي ﵊ الذي بعثه ربه رحمة للعالمين، فإذا كان النبي ﵊ رحمة للعالمين: لعالم الإنس والجن، للأبيض والأسود، للأعجمي والعربي، فقد نهج أهل السنة نهجه ﵊؛ لأنهم مأمورون باتباعه، والتخلق بأخلاقه ﵊، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨].
فإذا كنا حقاً نتابع النبي ﵊؛ فلا بد أن نتمثل أخلاقه، وآدابه، وأحكامه، وطريقته، ومنهجه، وكل ما يتعلق بأمر الدين والدنيا مما ورد إلينا عن نبينا ﵊ في كتاب الله، أو في سنته الصحيحة.
стр. 370
تعقيب الشيخ ابن بطة رحمه الله تعالى على موقف أهل الكلام من المخالف
قال الشيخ ابن بطة: [فأهل الأهواء في تكفير بعضهم لبعض مصيبون؛ لأن اختلافهم في شرائع شرعتها أهواؤهم، وديانات استحسنتها آراؤهم؛ فتفرقت بهم الأهواء، وتشتت بهم الآراء، وحل بهم البلاء، وحرموا البصيرة والتوفيق؛ فزلت أقدامهم عن محجة الطريق، فالمخطئ منهم زنديق، والمصيب منهم على غير أصل ولا تحقيق]؛ لأنهم ليس لهم منهج يعتمدون عليه، بينما نحن منهجنا القرآن والسنة وإجماع أهل العلم، والذي عرفنا بالقرآن والسنة هم أهل العلم من السلف، وهم أدرى الناس بكلام الله .
стр. 371
معنى السلفية وعلى من تطلق
ومعنى السلفية إجمالاً: اتباع السلف، وكلمة: (السلف) عند الإطلاق يقصد بها أهل زمن معين، وهم أصحاب القرون الخيرية الأولى، الذين قال النبي ﷺ فيهم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
والراجح أن أصحاب القرون الخيرية هم الثلاثة القرون الأولى، مع أن البدعة وقعت فيهم، فبدعة الخوارج وبدعة التشيع وبدعة القدرية -وهذه أسبق البدع ظهوراً في الإسلام- وقعت في نهاية القرن الأول، فهل هي المقصودة بالمدح؟
الجواب
لا، إنما المقصود بالمدح أصحاب القرون الخيرية الأولى، الذين وافقوا مراد الله من كتابه، ووافقوا مراد النبي ﵊ من سنته: كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبقية الصحابة ﵃ أجمعين.
стр. 372
الصواب في عبارة: وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في اتباع من خلف
فإذا كان الأمر كذلك؛ فاعلم أن الكلام القائل: بأن كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في اتباع من خلف؛ كلام يحتاج إلى تدقيق وتحقيق، وأرى أن الصواب في هذا الكلام يقال: الخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع، سواء كان في القرن الأول أو الثاني أو الثالث أو العاشر أو المائة؛ لأن القرون الخيرية الأولى وقع فيها من البدع ما وقع.
فيكون انضباط هذا الكلام بقولنا: الخير كل الخير في الاتباع، أي: في اتباع السلف ﵃.
وليست العبرة أن تحتج بكلام لله ، أو بكلام قاله النبي ﵊ في الصحيحين أو في غيرهما مما صح عنه ﵊، لكن العبرة: مَن فهم هذا الكلام كما فهمت أنت؟ هب أنك تحتج بآية من كتاب الله لم يسبقك أحد إلى هذا الفهم إلا الجهم بن صفوان، فهل يكون هذا الفهم صحيحاً؟ وهل يكون المراد صحيحاً؟ لا، فهذا فهم جهمي للآية.
وأما لو كان الفاهم لمعنى الآية هو: أبو بكر أو عمر؛ فيا حبذا هذا الفهم، وهؤلاء هم حقاً سلف الأمة رضي الله عن الصحابة أجمعين، وعن الأئمة المتبوعين أئمة الدين، وأصحاب الاجتهاد المطلق في الفقه وأصول الدين وغير ذلك.
стр. 373
استمرار المنهج السلفي إلى قيام الساعة
فالسلفية لم تنقطع عند أصحاب القرون الخيرة الأولى، بل السلفية من جهة المعنى مستمرة إلى قيام الساعة؛ لأن العبرة من سار على نهجهم إلى يوم الدين، فـ ابن تيمية ممن سار على نهج الصحابة وهو سلفي، وإن لم يكن من أصحاب القرون الخيرية.
وابن القيم سلفي؛ لأنه سار على نهج الصحابة، وإن لم يكن من أصحاب القرون الخيرية الأولى، وبالتالي فلا يخلو عقد ولا قرن من عالم وقائم لله بحجة على منهج السلف، والله ﵎ لا يمكن أن يترك الناس أو العباد بغير عالم يقيم عليهم الحجة؛ حتى يهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيي عن بينة.
وإذا كان الأمر كذلك؛ فاعلم أن الله تعالى له جنود ظاهرون على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله -أي: الساعة- وهم على ذلك.
والنبي ﵊ يقول: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها)، والذي أحسبه من المجددين في هذا الزمان وفي هذا القرن هو شيخنا العلامة الألباني، وكذلك شيخنا العلامة ابن باز، وغيرهما من أهل العلم ممن هو باق على قيد الحياة، نسأل الله أن يطيل أعمارهم، وأن يحسن أعمالهم، وأن يحسن خواتيمنا وإياهم جميعاً، ومنهم من مات ولا يقل في الفضل والعلم عمن ذكرناه.
فالسلفية لها معنى قديم متعلق بالقرون الخيرية الثلاثة، ومعنى حديث، أي: من جهة المعنى لا من جهة الزمن، وهذا مستمر إلى قيام الساعة، ولا يخلو منه عصر ولا مصر، فالذي أمرنا نحن به من قِبَل الله ، أو من قبل النبي ﵊، أو من قبل الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين، أو من قبل أئمتنا في هذا الزمان: أن نكون تبعاً لأهل العلم الصادقين المخلصين، المتبعين لآثار من مضى، لا المتبعين لأهوائهم، ولا المتبعين للجدال والكلام والخصومات والمراء والملاحاة؛ إذ كل هذا ليس منهجاً للسلف، بل قد ذموه ونقدوه وحذروا الأمة منه، بل وتعرضوا له بالنقد حتى بينوا زيفه، وبينوا عجزه وتقصيره، وبينوا فساده ومخالفته لهذا المنهج الذي أمرنا ألا نتلقى إلا منه وعنه، وهو الكتاب، والسنة، وإجماع أهل العلم، والقياس الصحيح.
قال: [يقول أبو يوسف صاحب أبي حنيفة: العلم بالكلام جهل، والجهل بالكلام هو العلم].
стр. 374
بيان ضلال القرآنيين الطاعنين في السنة النبوية
إن مادة أصول الفقه من أعظم المواد إظهاراً لمراد الله تعالى ومراد الرسول الكريم ﵊، وهذه المادة أنا أحبها غاية الحب، وأستمتع بالنظر في كتبها أيما استمتاع، وإن الدارس لهذه المادة بمجرد النظر في كتاب الله يعلم المراد، أو يعرف توجيه الآية.
لكن قوماً اتخذوا هذه المادة منهاجاً، فقدموها على كتاب الله، وقدموها على سنة النبي ﵊، كما سبقهم إلى ذلك أبالستهم، مثل: القرآنيين.
فالقرآنيون يقولون: نحن لا علاقة لنا بالسنة! وهذا أمر عجيب جداً، كيف يفهمون القرآن بغير سنة النبي ﵊؟! وهذه دعوى قديمة جداً، فقد ظهرت في زمن الصحابة، بل قد حذر النبي ﵊ منها، ولا يزال قوم منهم يستترون، ويعبثون بأدمغة وعقول شباب الأمة.
وأذكر على سبيل المثال: الجاحد والمنكر للسنة جمال البنا، وهو أخو الشيخ الكبير العلم الشيخ حسن البنا ﵀، فهذا الرجل لم يكتف فقط بأنه أجهل من حمار أهله فيما يتعلق بالعلم، بل ذهب ليصنف مصنفات بلغت العشرات، يزعم أنه من المجددين، وهو لا يعلم شيئاً بالدين، وإنما منهجه الطعن في سنة النبي الأمين ﵊، وهو من مدرسة ابن خلدون، وهو رفيق الطريق، وصديق الهوى للمدعو الدكتور: مصطفى محمود، ونصر أبو زيد وحسن حسني، وهذا الملحد العلماني الكبير في كلية الآداب، وبقية الملاحدة في كلية الألسن؛ كل هؤلاء جمعتهم دار تسمى: دار ابن خلدون، هذه الدار التي تنفق عليها أمريكا، كما تنفق عليها إيران بغير حياء، بل بكل بجاحة.
والعجيب أن يلتحق بهذه الثلة الإجرامية المجرمة اسم لعلم من أعلام الدين وهو ابن الشيخ عبد اللطيف السوري الذي لا يخفى على أحد، وهو إمام من أئمة الذب عن السنة النبوية، وقد أفنى أبوه حياته في الدعوة إلى السنة ونبذ البدعة، وهذا اشتغل وجعل جل أمره واهتمامه إنكار السنة، ويزعم أنه قرآني فقط، فلا والله لا أنت قرآني، ولا أنت من أهل السنة كذلك، بل أنت من أهل البدع والضلال، وإنما يتكلم بكلام خفي؛ حتى لا يفتضح أمره، لكن الله ﵎ فضحه وكشف ستره، وهتك أمره على يد تلامذته رجالاً ونساءً، الذين تربوا على يديه إنكاراً للسنة، حتى أنكر بضع مائة حديث متفق عليهم عند البخاري ومسلم.
فكيف يكون هذا آدمياً؟! بل هو إلى الحيوانية أقرب، فقد تربى في بيت علم وفي بيت سنة، ثم هو ينقلب رأساً على عقب ليحارب السنة تحت مسمى أنه قرآني فقط، فلم لم يزعم أحد من الصحابة هذا الأمر؟ فهل هذا هو الخير الذي كشفه الله تعالى لك وستره على نبيه، وعلى أصحابه الكرام، وعلى أئمة الدين؟ إن الصحوة الإسلامية الآن تمر بمخاطر عدة من أخطرها: ما يحاك خلف الكواليس وخلف الأسوار في الطعن في سنة النبي ﵊.
والعجيب أن بعض الشباب يقول: لا يعقل أن محمد بن عبد اللطيف يطعن في السنة، فلا بد أن نذهب إليه ونكلمه، فإذا ذهبت إليه إذا بك تمكث عنده، وتأبى أن تخرج من عنده؛ لأنك أصغيت أذنك لأهل الأهواء وأصحاب البدع، وخالفت ما حذرك منه سلف الأمة في هذه الكتب المسندة بأسانيد صحيحة، فلما خالفْتَ أوقع الله ﵎ عليك العقوبة؛ لأنه يعلم عدم صدقك، وعدم إخلاصك في الطريق، أو لعدم فهمك لمنهجية السلف رضي الله ﵎ عنهم في التعامل مع أصحاب الأهواء.
стр. 375
تحذير هشام بن عبيد من الكلام
قال: [قيل لـ هشام بن عبيد حين أدخل على المأمون: كلم بشرا المريسي -أي: أن المأمون قال للإمام: ناظر بشراً المريسي هذا الضال- قال هشام: أصلح الله الخليفة، لا أحسن كلامه].
أي: أنا لا أحسن أن أتكلم معه، مع أن هشام بن عبيد كان من أئمة الدين، فلما طلب منه المأمون أن يكلم بشراً المريسي ويقيم عليه الحجة ويناظره ويسكته؛ اعتذر الشيخ عن ذلك، وقال: إني لا أحسن الكلام، [بل من يحسن الكلام عندنا فهو جاهل].
يعني: من يحسن أن يكون كهذا فهو عند أهل السنة جاهل، أي: جاهل بالأصول السلفية التي منها: ترك المناظرة والجدال مع أصحاب الأهواء والكلام.
стр. 376
تحذير العتابي من الكلام والجدل وموقف المأمون من مناظرته مع بشر المريسي
قال: [وعن أبي علي محمد بن سعيد بن الحسن قال: دخل العتابي على المأمون وعنده بشر المريسي، فقال المأمون: ناظر بشراً في الرأي، فقال العتابي: يا أمير المؤمنين! قبل المناظرة فإنه لا يحمد المرء في أول وهلة على صوابه، ولا يذم على خطئه؛ لأنه بين حالين من كلام قد هيأه أو حصر، ولكنه يبسط بالمؤانسة، ويبحث بالمثاقبة، فقال له: ناظر بشراً في الرأي -أي: أن المأمون مصرٌّ على أن العتابي يناظر بشراً في الرأي- فقال العتابي: يا أمير المؤمنين! إن لأهل الرأي أغاليط وأغاليق].
أي: أنهم لا يتكلمون بصراحة، وإنما يلفون ويدورون، وديننا سهل وليس بصعب، والدليل على ذلك: أن الواحد من البادية كان يأتي إلى النبي ﵊ فيجلس في المسجد، ويسمع النبي ﵊، وبعدما يخرج النبي ﷺ يقوم وينطلق إلى باديته، فكل كلمة سمعها قد فهمها.
لكن الآن تأتي لواحد يدرس الناس مادة أصول الفقه، أو مادة أصول الحديث، أو مادة اللغة العربية، أو يدرسهم معنى حديث، أو معنى آية، لكنه رزق شيئاً من الكلام والفصاحة والبيان، أو القواعد الكلية في اللغة العربية، أو في الدين أو غير ذلك، فتجده يتلاعب بهذه الألفاظ، وبهذا التراث الكلامي الذي لديه، حتى إن السامع يضرب كفاً على كف -ولا أقول: إنه يضرب كفه بوجهه- لأنه يحاول جاهداً أن يفهم كلام المتكلم، لكنه دائماً يبوء بالفشل، فإن علم المتكلم أن المستمع لم يفهمه؛ ازداد إعجاباً وفرحة بنفسه؛ لأنه يقول كلاماً على أعلى وأرقى مستوى، لدرجة أن أحداً لم يفهمه!! وهذا هو الجهل بعينه؛ لأن العلم النافع ما سمي نافعاً إلا لأن صاحبه قد انتفع به، كما أن المستمع له قد انتفع به أيضاً، فإذا كان لا ينتفع به أحد، ولا حتى المتكلم؛ لأن الذي يتقعر في كلامه، ويأتي بجمل حشوية في أثناء كلامه، ذلك يدل على عدم الإخلاص، والمرء إذا لم يكن مخلصاً في قوله وعمله فلا بد أن تنزل من السماء عليه عقوبة تدمره، عقوبة في ولده، في ماله، في امرأته، في نفسه، في صحته، في علمه الذي بين جنبيه وغير ذلك، لكن يرد على وجهه فينسي أن هذه عقوبة، وربما يصاب بأزمة نفسية يبقى بقية حياته مريضاً منها، ولا يذكر أن هذه عقوبة من الله نزلت عليه بسبب تفريطه في الإخلاص الذي هو مأمور به قبل تعلم العلم.
وكم من إنسان لم يكن مخلصاً في طلبه للعلم، ولم يدعوه العلم لطلب الإخلاص؛ فباء أمره بالفشل، واستحب العلم لحصول أعراض الدنيا من مال وكرسي ومتاع وزينة وسيارات وأبهة ومنصب وغير ذلك؛ لأنه رضي من دينه وعمله أن يكتفي بكرسي يجلس عليه، أو بمال يحوزه، أو بأكلة شهية، أو بامرأة جميلة، أو غير ذلك من أعراض ومتاع الدنيا؛ فهذا حظه من العلم.
بخلاف ما لو قرأت في كتب السلف وسير أهل العلم، كالإمام أحمد بن حنبل وغيره، فوالله لكأنك تقرأ في سيرة الصديق ﵁، ولو أنك قرأت في سيرة الشافعي لكأنك تقرأ في سيرة عمر ﵁، فهؤلاء أئمة وأعلام بقيت سيرتهم نيرة تنير الطريق للسالك إلى يوم القيامة، مع أنهم ماتوا، وقوم بيننا أحياء يمشون على الأرض، لكنهم كالبهائم، فهم في عداد الموتى وإن كانت أجسادهم كأجسام البغال والحمير؛ لأن المرء بدينه، وإن المرء بإخلاصه، لا بتقعره بالكلام لإثبات العلم، أو بالمفاخرة والمباهاة وغير ذلك.
قال العتابي: [يا أمير المؤمنين! إن لأهل الرأي أغاليط وأغاليق، واختلافاً في آرائهم، وأنا واصف لأمير المؤمنين ما أعتقده من ذلك، لعل صفتي تأتي على ما يحاول أمير المؤمنين].
أي: سأحكي لك حكايتي كلها، وبعد أن أحكيها لك ستعلم صفتي وصفة هذا الذي تدعوني إلى مناظرته، وبالتالي إذا عرفت صفتي وصفة هذا الذي تدعوني إليه؛ فأنت الذي ستقول: كف عن مناظرته.
قال: [إن أمر الديانة أمران -أي: أن أمر التدين لله على قسمان-: أحدهما: لا يرد إلا جحداً -لأنه قرآن- وهو الأصل المعروض عليه كل حجة].
أي: لا ينكر أحد منه آية إلا كفر؛ لأن الإنكار جحود.
قال: [وعلم كل حادث لا نرده أو لا يرد، من انتحله حجة عليه، فما وضحت فيه آية من كتاب الله مجمع على تأويلها، أو سنة من رسول الله ﷺ لا اختلاف فيها، أو إجماع من العلماء، أو مستنبط تعرف العقول عدله؛ لزمهم الديانة به].
هو الآن يتكلم على مصادر التلقي، فيقول: إن مصادر التلقي هي: الكتاب، والسنة، وإجماع أهل العلم، والقياس الصحيح.
قال: [ولو كان هذا الكلام متفقاً عليه، واجتمع الناس على تأويل آية على نحو معين؛ فلا يحل لأحد بعد هذا الإجماع أن يخالف هذا التأويل].
وهذا الكلام كما أجريناه في القرآن نجريه في الحديث، ونجريه في الإجماع الذي لا يجوز لأحد أن يخالفه؛ لأن الإجماع كالنص، بل لا ينعقد الإجماع إلا ب
стр. 377
تحذير أبي يوسف من الكلام
قال: [قال أبو يوسف: لا تطلب ثلاثاً إلا بثلاث: لا تطلب العلم بالكلام؛ فإنه من طلب العلم بالكلام تزندق]؛ لأن الشرع يطلب من الأصول التي اتفقنا عليها، وأما أن تأخذه من علم الكلام أو من علم الفلسفة أو المنطق؛ فليس بعلم، بل هو زندقة وإلحاد.
ولذلك قال ابن تيمية: من تفلسف فقد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق.
أي: أن الفلسفة تؤدي إلى المنطق، والمنطق يؤدي إلى الزندقة والإلحاد، ولذلك تجد معظم الملاحدة في هذا الزمان يحتجون بكلام الفلاسفة، والعجيب أنهم عندما يصنفون الكتب فإن معظم الأسماء التي في كتبهم هي أسماء أفرنجة ليسوا بعلماء، يقول لك: كيف والفيلسوف اليوناني قال كذا، والفيلسوف الإنجليزي قال كذا، والفيلسوف الفرنسي القديم قال كذا، والحديث قال كذا، فاعتمادهم كله على كلام الفلاسفة، وهذا يدل على أنه تلقى علمه عن هؤلاء.
فأنت في رحمة من الله أن وفقك وعصمك في الإسلام بالكتاب والسنة، وأنك تتلقى علمك في بيوت الله تعالى من القرآن والسنة والإجماع والقياس، وأما غير ذلك فألقه في الحش ولا حرج عليك؛ لأنه ليس ديناً ولا علماً، بل هو زندقة وإلحاد.
стр. 378
التحذير من طلب الغنى بالكيمياء وبيان معنى الكيمياء
قال: [ولا تطلب الغنى بالكيمياء؛ فإنه من طلب الغنى بالكيمياء افتقر].
وفي الحقيقة أن هذه المسألة معماة عندي، وأنا لا أحسن الكلام فيها، غير أن بعض أهل العلم سمعته يذكر رأيه ويقول: المقصود به السحر، إذ إن الساحر يستخدم مواد كيماوية وغير ذلك، فيأتي بعناصر مكونة للذهب، أو بعناصر مكونة للفضة؛ لأن هذا مصدر المال، أو هذا أصل المال: الذهب والفضة، فهو يأتي بعناصر كيميائية بإضافة أنساب منها إلى أنساب أخرى معينة، وهذا الخليط يخرج ذهباً وفضة، أو معدناً يباع ويشترى، فمن طلب الغنى بالكيمياء أفقره الله .
стр. 379
الجرأة على العلماء لا تأتي إلا من الجهال
قال: [وجاء أبو بكر الأصم -وهو فعلاً أصم- إلى عبد الرحمن بن مهدي فقال: جئت أناظرك في الدين].
عاملك الله بما تستحق! ألم تجد إلا عبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام الشافعي، فـ عبد الرحمن بن مهدي تورع، وأحمد بن حنبل تورع، وهؤلاء هم أئمة الدنيا، ودائماً الجرأة لا تأتي إلا من جاهل أو غبي، ولذلك قال عبد الله بن المعتز: لا يتصدر إلا فائق أو مائق.
والفائق: هو المتفوق، فيكون له صدر في الأمة، وصدر في الناس، وعلم يشار إليه؛ لأنه طول عمره وهو رجل فاضل ومحترم، يحافظ على وقته، ويذاكر ويحفظ، ويستمع كلام أهل العلم، ويحاول أن يحصل العلم من مصادره؛ حتى يكتب له التفوق والتصدر في الناس، وإن لم يبغ هو التصدر لكن الناس يقدرونه، مع أن علماءنا ليس أحد منهم من أهل الدنيا، أو صاحب منصب، وما فرض علينا علمه من خلال منصبه.
وأما أصحاب المناصب فهم أكبر سلاطين في الدنيا، لكن لما يدخلوا علينا نقول لهم: لا نريدكم؛ لأن عندنا أناساً أحسن منكم، وأنظف منكم، فنتلقى عنهم، وأنتم لستم أصحاب دين، بل أصحاب انحراف، والانحراف ثابت عنكم، وقد كنتم مستقيمين قبل الكرسي، وبعد الكرسي تغيرت أحوالكم، ومن أجل ذلك كلامكم عندنا غير معتمد، مع أنهم في العلم أناس جيدون، فهم ليسوا جهلة، لكننا لا نثق في علمهم أو في فتاواهم.
فمثلاً: عندنا الشيخ الألباني ﵀، وابن باز وغيرهم من أهل العلم، هؤلاء أناس كتب لهم القبول والصدارة في العالم كله كافرهم ومؤمنهم، وليسوا أصحاب كراسي ووجاهات، ولا عندهم من الأموال الكثيرة لكي نتملق لهم من أجل أن نأخذ من دنياهم.
بل أنا أذكر مراراً أن الجهلة كانوا يأتون إلى عمان الأردن، ويجهلون أيما جهل على الشيخ الألباني، حتى هم كثير من الطلاب أن يضربوهم؛ لأنه لا يمكن مناقشة العالم بهذا الأسلوب أبداً.
فمثلاً: جاء رجل من مصر إلى عمان الأردن، وصلى الجمعة عند الشيخ الألباني في مسجد صلاح الدين في الدوار الرابع عند الشيخ أبي شقرة، وبينما أنا صاعد المسجد سمعته يقول: أين الأخ الألباني؟! فقلت له: لا يصح هذا يا فلان! من الخطأ أنك تخاطب عالماً مبرزاً في الأمة بلقب الأخ، فهل تدخل على أبيك فتقول له: يا أخ فلان؟! أو على أمك وتقول لها: يا أختي؟! المهم خرج الشيخ الألباني من المسجد الله يرحمه ويحسن إليه، فقال له: يا شيخ! أنا جئت لك من مصر مخصوص، قال له: لماذا؟ قال له: أنا ذهبت أقدم في الجامعة الإسلامية فقالوا: لا بد أن تأتي بتزكية من الشيخ الألباني، فقال له: قالوا لك: تزكية من الشيخ الألباني؟ قال له: نعم، قال له: ولكن أنت أول واحد ينقل إلي أن هذا الطلب من الجامعة موجه إليّ، وإلا فالأصل أنهم يقولون: اذهب وائت بتزكية من شخص معتبر عندهم وكفى، لكن أنهم عينوا لك الألباني فعجيب، قال: نعم عينوا الألباني، فقال: طيب يا أخي! إن التزكية شهادة، فكوني أشهد لك أنك من أهل الاستقامة في العلم والعمل والعقيدة وغير ذلك أمر مهم جداً، ثم قال له: أليس الواجب علي ألا أشهد إلا بما علمت؟ فقال الرجل: أنا الحمد لله أخ مسلم جئت من مصر، فكيف تردني؟ وهل كان النبي ﵊ يرد سائلاً؟ وأخذ يناقش بجلافة وقلة أدب مع الشيخ، ثم طلب من الشيخ المال الذي أنفقه في سفره إليه، فقال له الشيخ: ومن أين آتي لك بفلوس؟ هل أنا قلت لك: تأتي؟ فقال له: إما أن تعطيني الشهادة أو تعطيني الفلوس.
ثم إن الإخوة الذين هم مختصون بهذه الأشكال قاموا وصرفوه من الشيخ، ثم أتى إلى هنا ولم يتعلم لا في الجامعة ولا في المدرسة، ولا يزال إلى الآن يحمل حملة شعواء على الشيخ الألباني.
стр. 380
قوة الشيخ الألباني في الحق وعدم محاباته لأقربائه
مثال آخر: ولده عبد المصور الذي تغيب في أمريكا عدة أعوام، هذا الولد إذا نظرت في وجهه استحييت من فرط أدبه، جاء عبد المصور من أمريكا وذهب إلى الجامعة، فقالوا له: ما معك تزكية وأنت ابن الشيخ الكبير؟! اذهب وأحضر إجازة من والدك؛ لأن هذا عندنا إجراء روتيني لا بد من استيفائه.
فجاء إلى والده -ونحن جلوس في بيته- وتلطف غاية التلطف في طرح قضيته على والده، فالشيخ الألباني قال له: تريد تزكية؟ قال: نعم، قال: ائتني بورقة وقلم، ونحن أخذنا الأمر عادياً وطبيعياً أنه سيعطي لابنه إجازة، فكتب في الورقة: أما بعد: فهذا ولدي عبد المصور بن محمد ناصر الدين الساعاتي تغيب عني منذ أربعة عشر عاماً في بلاد الكفر، ولا أدري عن دينه ولا خلقه شيئاً، والسلام.
فأخذها عبد المصور وأطبقها، ثم وضعها في جيبه ولم يقرأها حتى انصرف عن والده، فسألناه بعد ذلك عما كتب أبوه، فأخرج الورقة وقرأها علينا، وقال: هو محق في ذلك؛ لأنه بالفعل الإنسان يتغير في يوم وليلة، ويتغير في لحظة، وأنا قد تغيبت عنه، فالولد التمس لأبيه هذا، وهو يعرف منهجية أبيه وشدته في الحق، فالتمس له العذر، لكن ذاك المصري لا، حتى وإن كان طالب علم، لكن بمجرد أنه يريد منك شيئاً فلا بد أن تعمله له وإلا سيغضب منك.
والشيخ يا إخواني قد وضعناه في مئات المرات الحرجة مع الجامعة الإسلامية، فأخ من الإخوة يأتي ويلح ثم يلح، ولا شيء غير الإلحاح، فتحت ضغط الأخ وإلحاحه يكتب له الشيخ تزكية إلى الجامعة الإسلامية، ثم يذهب الأخ هناك فيأتي بالموبقات والكبائر، فالجامعة ترسل رسالة للشيخ الألباني تقول له: لا ترسل إلينا أحداً من قبلك بعد ذلك، إي والله! والشيخ قد أطلعنا على مثل ذلك عدة رسائل من الجامعة موجهة إليه، وفي النهاية قال: أنا جعلت المسئولية على عاتق الغير، فيزكيه الغير، وأنا على تزكيته في نفس الورقة أزكيه؛ حتى يخلع مسئوليته أمام الجامعة.
ثم وقع في نفس الحرج وزيادة، فالآن نحن يا إخواني! لا نزكي أحداً قط حتى وإن كنا نعرفه، لكن الأخ يأتي يلح مئات المرات، حتى يلحق الواحد في بيته وفي شارعه وفي سوقه وفي كل مكان، ولا يكون أمامنا إلا التزكية، فهل ترضون أن نزكي واحداً منكم، ثم من ورائه فوراً أتصل بالشيخ وأقول: له كذا وكذا وكذا، فلا تعتمدها يا شيخ؟! أيصح هذا؟! نرجع إلى أصل كلامنا وهو: أن منهج التلقي عند أهل السنة والجماعة يكون من القرآن والسنة والإجماع والقياس، وما دون ذلك فليس بمنهج، وما دون ذلك فهو الكلام والأهواء والجدل والملاحاة والخصومات، وليس هذا هو منهج السلف ﵃.
стр. 381
احتقار الإمام ابن مهدي لأصحاب الكلام والجدل
قال: [قال: جاء أبو بكر الأصم إلى عبد الرحمن بن مهدي فقال: جئت أناظرك في الدين، فقال: إن شككت في شيء من أمر دينك فقف حتى أخرج إلى الصلاة، وإلا فاذهب إلى عملك، فمضى ولم يثبت].
أي: بالنسبة لي فديني مستقر وكامل، ولا أحتاج فيه إلى مناظرة، وإذا كنت شاكاً في شيء من أمر دينك، فقف عند الباب ولا تدخل، حتى آتي إليك بعد أن أخرج إلى الصلاة، ثم سل عن مسألتك حتى أعلمك بأنك جاهل.
قال: [وقال أبو يوسف: العلم بالكلام يدعو إلى الزندقة، كما قال أبو يزيد السراج: قال لي أبو عمر الطويل: العلم بالكلام بمنزلة التنجيم، كلما كان صاحبه أزيد علماً كان أشد لفساده].
ولذلك حين يوصف الساحر بأنه معتق، فإن ذلك يعني: عتيق وقديم، أي: متمترس في الكفر والإلحاد والزندقة، وكل الأبالسة جنوده، بخلاف الساحر المبتدئ فلم يزل بعد غير متمكن، فمعه شيطان أحياناً يحضر له الحاجة ويفلح فيها، وأحياناً لا يفلح، فيحرج أمام المسحور، بخلاف الساحر القديم؛ فإنه يسحر ومعه أبالسة عدة، إن لم يأت هذا جاء آخر وهكذا، لكن هذا كفر، وإن رأيت أنه في الظاهر ينفع.
стр. 382
ذم الإمام أحمد للكلام
قال: [وقال: أبو عبد الله أحمد بن حنبل: من أحب الكلام لم يخرج من قلبه -أي: من أحب الكلام واستهواه تمكن من قلبه، وتربع فيه ولم يخرج منه- ولا ترى صاحب كلام يفلح قط.
وقال: عليكم بالسنة والحديث، وما ينفعكم الله به، وإياكم والخوض والجدال والمراء؛ فإنه لا يفلح من أحب الكلام، وكل من أحدث كلاماً لم يكن آخر أمره إلا إلى بدعة؛ لأن الكلام لا يدعو إلى خير، ولا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال، وعليكم بالسنن والآثار والفقه الذي تنتفعون به، ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء، أدركنا الناس ولا يعرفون هذا، ويجانبون أهل الكلام، وعاقبة الكلام لا تئول إلى خير قط، أعاذنا الله وإياكم من الفتن، وسلمنا وإياكم من كل هلكة.
وقال أبو الحارث: سألت أبا عبد الله فقلت: إن ها هنا رجلاً يناظر الجهمية ويبين خطأهم، ويدقق عليهم المسائل فما ترى؟ قال: لست أرى الكلام في شيء من هذه الأهواء، ولا أرى لأحد أن يناظرهم، أليس قال معاوية بن قرة: الخصومة تحبط الأعمال، والكلام الرديء لا يدعو إلى خير، لا يفلح صاحب كلام، تجنبوا أصحاب الجدال والكلام، وعليكم بالسنن، وما كان عليه أهل العلم قبلكم، فإنهم كانوا يكرهون الكلام والخوض مع أهل البدع، والجلوس معهم، وإنما السلامة في ترك هذا، لم يؤمر بالجدال والخصومات مع أهل الضلالة، فإنه سلامة له منه.
وقال كذلك أحمد بن حنبل: صاحب الكلام لا يخرج حب الكلام من قلبه، إنه لا يفلح، كلما تكلم بمحدثة حمل نفسه على الذب عنها].
يعني: كلما ذكر بدعة تكلف الدفاع عنها؛ لأجل إثباتها.
стр. 383
غربة الدين في هذه الأزمان
والمعلوم أنه ما أحدثت بدعة إلا وأهلكت سنة، فتصور أن تنتشر البدع حتى تكون هي السنن في نظر الناس، ولذلك الآن إذا فتح الله عليك بالعلم، وذهبت إلى قرية من القرى تعلمهم الوضوء الصحيح فإنهم يضحكون عليك؛ لأنك في نظرهم يا ابن الجامعة! صغير، فمثلاً: أنت من مواليد الثمانين، فيقول لك: أنا عمري مائة سنة، فكيف تعلمني الوضوء؟! ووضوءه عبارة عن حفنة ماء يرش بها وجهه من الأمام، ثم يقف إماماً أو خطيباً في الناس! والعجيب أنه الوحيد في البلد الذي عنده إلمام، وأما أنت فلا، ويا ليت أنك تدخله في باقي متاهات العقيدة، أو في التوحيد، أو في الأسماء والصفات، أو في فروع العلم الدقيقة؛ فإنه بذلك يقول لك: فلان جاء بدين جديد، يعني: جاء به من باريس.
وكل واحد فينا من الفلاحين قد مر بهذه المرحلة، فقد كانوا يدعونني في قريتي -ووالدي موجود هنا يسمع- بـ حسن الكاذب، وكان الأهل والجيران والخلان هم الذين يحذرون أكثر تحذير، وهذا كان يذكرني بموقفهم من النبي ﵊ في العهد المكي.
فتصور أن أدعى حسن الكاذب، فعندما يسمع أحد أن هذا حسن كاذب هل سيأتي أحد ويأخذ منه شيئاً؟ لا، ثم إنني تركت البلد، وقام بالدعوة من بعدي أناس، مع أننا كنا من أحسن الناس أدباً، وألطف الناس ممن سكن معهم، فلم يكن فينا عنف ولا حدة، وقد كان الواحد منهم يجلس على سلم الجامع ويشرب شيشة، فيقال له: يا عم! هات الشيشة معك وادخل فصل، فيقول: لا، أنا لا أصلي، ثم بعد انتهاء الصلاة يقول: يا ليت أني صليت معكم، لقد كسلت.
وآخر وجدته جالساً في بساطة المسجد الخارجية وراكن على جدار المسجد، فلما أنكرت عليه قال: أنا قيم المسجد! فهذا بلاء عظيم جداً.
وفي يوم من الأيام كانوا قد عملوا عرساً على سطح المسجد؛ عملته الجمعية الزراعية، وهذا العرس فيه من المنكرات ما الله به عليم، وفيه بلاء عظيم جداً، لكن من الذي سينكر! فأنا أقول: لو جاز أن يرسل الله تعالى نبياً؛ فإن مصر لا يكفيها إلا خمسة وعشرون نبياً من أولي العزم، ولا يكفيها شيخ ولا داعية إلى الله، مع أن الأصل فيهم الطيبة، لكن قلوب بعضهم أصلب من الصخر!
стр. 384
نهي ابن سيرين عن الجدال إلا إذا كانت وراءه فائدة مرجوة .
قال: [وكان ابن سيرين ينهى عن الجدال، إلا رجلاً إن كلمته طمعت في رجوعه] فهذا شرط: أن يغلب على ظنك أنك لو كلمته أنه سيرجع، وإلا فلا.
стр. 385
كلام الإمام أحمد في ذم الكلام
نختم هذا الدرس بكلام نفيس جداً للإمام أحمد بن حنبل، يقول أحمد بن حنبل: لا تجالس صاحب كلام وإن ذبَّ عن السنة؛ فإنه لا يئول أمره إلى خير.
أي: لا تجالس صاحب كلام وصاحب هوى وبدعة؛ حتى وإن تظاهر بأنه يدافع عن السنة، وهذا كلام واقعي، واذهب الآن إلى منكري السنة فإن أحدهم يقول لك: أنت فهمتني خطأ، نحن لم ننكر السنة، ولكن نقول: السنة هي فكرة في العقل؛ ولذلك لما اعتمدوا على عقولهم وجعلوا العقل حاكماً على السنن؛ صححوا أحاديث موضوعة، وردوا أحاديث متفق عليها؛ لأن القواعد التي وضعها أهل العلم ليست هي الحاكمة والحاسمة، وإنما الحاكم والحاسم هو العقل.
يقول لك أحدهم: أنت إذا تصورت أنني أنكر السنة فأنت مخطئ، فتقول له: يا أخي! أنت رددت حديث الذبابة وهو وارد في البخاري، فيقول لك: هل حديث الذبابة معقول يا أخي؟! وتقول له: كذلك أنت رددت حديث فقء موسى لعين ملك الموت، فيقول لك: وهل هذا حديث؟
стр. 386
متى يجاب الإنسان إذا سأل عن بعض الأهواء والمحدثات
قال: فإن قال قائل: قد حذرتنا الخصومة والمراء والجدال والمناظرة، وقد علمنا أن هذا هو الحق، وأن هذا سبيل العلماء وطريق الصحابة والعقلاء من المؤمنين والعلماء المستبصرين، فإن جاءني ربي يسألني عن شيء من هذه الأهواء التي قد ظهرت، والمذاهب القبيحة التي قد انتشرت، ويخاطبني منها بأشياء يلتمس مني الجواب عليها، وأنا ممن قد وهب الله الكريم لي علماً بها، وبصراً نافذاً في كشفها، أفأتركه يتكلم بما يريد ولا أجيبه، وأخليه وهواه وبدعته، ولا أرد عليه قبيح مقالته.
أي: قد عرفنا الحق في هذا المنهج، لكن افرض أن شخصاً جاءني فسألني عن هذه الأهواء المضلة، وأنا ممن وهب علماً، وأستطيع أن أقيم الحجة عليه؛ وهذا هو الشرط الثاني.
والشرط الثالث بعد ذلك: أنه يغلب على ظنك أنه سيقبل منك.
قال: فإني أقول له: اعلم يا أخي رحمك الله! أن الذي تبلى به من أهل هذا الشأن لن يخلو أن يكون واحداً من ثلاثة: إما رجلاً قد عرفت حسن طريقته، وجميل مذهبه، ومحبته للسلامة، وقصده طريق الاستقامة، وإنما سلك طريقاً سمعه من كلام هؤلاء الذين قد سكنت الشياطين قلوبهم، فهي تنطق بأنواع الكفر على ألسنتهم، وليس يعرف وجه المخرج مما قد بلي به، فسؤاله سؤال مسترشد يلتمس المخرج مما بلي به، والشفاء مما أوذي به، أضف إلى علمك حاجته إليك حاجة الصادي إلى الماء الزلال، وأنت قد استشعرت طاعته، وأمنت مخالفته، فهذا الذي قد افترض عليك -أي: افترض الله تعالى عليك أن توفقه للرشاد والسداد، وأن تبين له الحق الذي يسأل عنه ويسترشد فيه- توفيقه وإرشاده من حبائل كيد الشياطين، وليكن ما ترشده به وتوقفه عليه من الكتاب والسنة والآثار الصحيحة من علماء الأمة من الصحابة والتابعين؛ وكل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، وإياك والتكلف لما لا تعرفه، وتمحل الرأي -أي: إياك أن تتكلف في أن تدخل في الرأي- والغوص على دقيق الكلام، فإن ذلك من فعلك -أي: إذا فعلته- بدعة، وإن كنت تريد به السنة، فإنَّ إرادتك للحق من غير طريق الحق باطل، وكلامك على السنة من غير طريق السنة بدعة، ولا تلتمس لصاحبك الشفاء بسقم نفسك -أي: لا تداويه فتمرض أنت- ولا تطلب صلاحه بفسادك؛ فإنه لا ينصح الناس من غش نفسه، ومن لا خير فيه لنفسه لا خير فيه لغيره، ومن أراد الله وفقه وسدده، ومن اتقى الله أعانه ونصره.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله
стр. 387
شرح كتاب الإبانة - التحذير من الاستماع لأقوام يريدون نقض الإسلام وشرائعه
لأهل الباطل والبدع مسالك شيطانية للطعن في الإسلام، إذ إنهم في كل زمان ومكان يتجملون ويتلطفون جداً مع العامة، ويظهرون من حسن الخلق الشيء الكثير؛ حتى يغتر بهم العامة، ولذا فقد حذر العلماء من الاستماع لهم؛ لما في ذلك من ضرر يعود على المسلم في دينه ودنياه، والتصدي لهم هو واجب العلماء وأئمة الدين.
стр. 388
التحذير من سماع كلام قوم يريدون نقض الإسلام، ومحو شرائعه
стр. 389
تستر أهل الباطل في طعنهم للإسلام وشرائعه بطعنهم في العلماء والرواة
الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد.
فقد توقفنا عند باب: التحذير من استماع كلام قوم يريدون نقض الإسلام، ومحو شرائعه، فيكنون عن ذلك بالطعن على فقهاء المسلمين وعيبهم، وهذا هو المرض العضال، لكنهم لا يجرءون أن يطعنوا في أحكام الإسلام مباشرة؛ لأنهم لا يجدون آذاناً صاغية، فيسلكون مسالك شيطانية أخرى، منها: الطعن في علماء المسلمين، أو الطعن في الرواة، ولذلك تجد أن أكثر الصحابة يطعنون فيه هو أبو هريرة ﵁، مع أن أبا هريرة ليس هو راوي الحديث فقط، وإنما هو أكثر الصحابة رواية للحديث، وعنده المؤهلات الشرعية والعلمية التي أهلته لأن يكون أكثر الصحابة رواية لعلم النبي ﵊، فلما كان مغنم القوم بزعمهم الطعن في جل الشريعة؛ لأنها جاءت من طريق أبي هريرة، عند ذلك لم يمكنهم التصريح بذلك، فلجئوا إلى الطعن في شخصية أبي هريرة؛ لأن سقوط الثقة في الراوي هو سقوط لمروياته، فلما انبرت أقلام الكثيرين من علماء السنة للذب عن أبي هريرة وعن إخوانه من الصحابة ﵁؛ لجئوا إلى حيلة أخرى وهي الطعن في علماء المسلمين عامة؛ لأن الاختلاف وقع بينهم، والله إنما أمر بالاتحاد ونبذ الفرقة وذمها.
فقالوا: الحق واحد، وما اختلفوا إلا لأنهم ليسوا على طريق الحق، وليسوا على طريق الاستقامة، ولو كانوا كذلك لما اختلفوا! ولا شك أن هذه الشبهة في ظاهرها لا بد أن تدخل وتلتبس على أذهان وأفهام العامة من الناس، والعامة ليسوا أهل شبه، فمع أنهم القطاع العريض والعظيم في الأمة، لكنهم ليسوا مدار ثبوت الأحكام ونشرها، وإنما مدار ذلك على أهل العلم؛ لأنهم أصحاب العلم، وهم أهل الاجتهاد، وعليهم مدار الفتوى، فأولئك يريدون أن يشوشوا عقائد عامة المسلمين، وصغار طلاب العلم بصرفهم عن طريق السلف.
стр. 390
واجب أهل العلم تجاه المسالك الشيطانية لأهل البدع ضد الدين
فالإمام ابن بطة عليه رحمة الله في هذا الباب يحذر من سماع كلام أهل البدع والزيغ والضلال وإن تجملت شبهاتهم، وإن كان كلامهم في ظاهره مقبولاً، فإنه يحذر منه أشد التحذير، ونجد كلام أهل العلم في تحذيرنا من سماع كلام أهل الزيغ والضلال والأهواء، ومع ذلك نجدهم قد تصدوا لهم، مع أنهم قد حذرونا أن نسمع مجرد سماع لكلامهم.
والتوفيق بين تحذير أئمتنا لنا من أن نسمع كلام أهل البدع وبين تصديهم لهم: أنه لا يتصدى لهم إلا أهل العلم، ويحمل تحذيرهم لعامة الناس، ولمن يظن أنه يقع في حبائلهم، وأما أهل العلم الذين أوجب الله عليهم إظهار هذه الشبهات، والرد عليها، وتفنيد مزاعم أهل الباطل؛ فهذا من أوجب الواجبات عليهم، ولذلك تجد في كل عصر من ينصح الأمة ويحذرها من أهل البدع، وهو بنفسه الذي يفضح ألاعيبهم، ويكشف عوارهم، ويبين فساد أقوالهم؛ لأن هذا يتعين عليه هو، وأما عامة أهل العلم مثلاً وعامة الناس فمن الخطورة بمكان أن يصغي أحدهم إلى أقوال أهل البدع.
وأهل البدع في كل زمان ومكان يتجملون ويتلطفون جداً مع العامة، ويظهرون من حسن الخلق الشيء الكثير حتى يغتر بهم العامة، ولا أدل على ذلك من أن النصارى -وهم النصارى وليس بعد الكفر ذنب- يتجملون جداً ويتلطفون، ويستخدمون أعلى أساليب الدهاء والمكر والخداع في استرضاء المسلمين، حتى إننا نجد جهلة المسلمين يلتقون بهم، ويصرحون أحياناً بأن النصارى أحسن من المسلمين، هكذا نسمع، وهذا ما هو إلا نقلة من مكائد أهل البدع، فيستخدمه أحدهم إذا أراد أن يعطيك شكوكاً، أو يوهمك في أصول الشريعة، أو يصرفك عن طريقك الذي تسلكه، فيصرفك بطريقة لبقة جداً مهذبة، وإن شئت فقل: بطريقة مقنعة لأهل الإيمان، مقنعة لمن كان قصده مبدأ لا عقيدة فيها ولا شريعة ولا فقه ولا علم.
فكلامهم لا يقبله إلا عقل فارغ ليس فيه شيء من دين الله ، وأما أن هذا الكلام مقنع أو مستقيم على الأصول الشرعية التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح؛ فليس كذلك، فهذه هي الأصول التي بها نقبل وبها نرد الأخبار، فالإمام هنا يحذر من سماع كلام هؤلاء القوم.
следующие страницы →