← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ضرورة التأهل قبل مناظرة أهل البدع وكلمة (مناظرة) لم تكن على ألسنة السلف إلا عند نصرة دين الله ، فمثلاً رد الإمام أحمد بن حنبل على الجهمية، وكذلك رد الإمام الشافعي على بشر المريسي، وكتب الله تعالى النصرة لـ أحمد وللشافعي على رءوس البدعة والضلالة. ورد عبد الله بن عمر على معبد الجهني قال: بئس المعبد هو، رد عليه فيما يتعلق بالقدر. ومن العجب أن يأتي الأصاغر فيقولون: تعال نتجادل تعال نتناظر! نتناظر في ماذا؟ إنك لا تحمل شيئاً من العلم؟ إنك لا تعلم كيفية الوضوء ولا تصلي ولا تصوم ولا! فحالتك منحطة، وتقول: أناظر؟ من تناظر؟ والأدهى من ذلك أن يأتي جاهل يضرب بأطنابه في الجهل إلى عالم ويقول له: أناظرك!! ولا يقول: أتعلم، ولا يأتي للتعلم فيسأل تعلماً ولا يسأل تعنتاً.

стр. 317

الشيخ الألباني ومناظرته لبعض الجهاديين وفي ذات مرة أتى رجل إلى الشيخ الألباني وقال: أناظرك، فقال له الشيخ الألباني: أنا أناظرك في مسألة الجهاد، وكان هو إخوانياً، ثم تحول في السجن فصار تكفيرياً، فلما خرج من السجن تحول عن التكفير إلى جماعة الجهاد، وقال للشيخ: أناظرك، فالشيخ قال له: المناظرة ليست سهلة، فلما ألح عليه وأصر قبل الشيخ المناظرة، فقال للرجل: هات الذي عندك، قال له: حججي كيت وكيت وكيت، والشيخ قال له: وأسئلتي على هذه الأدلة كيت وكيت وكيت أجب؟ فلما سمع الأسئلة خنس كالشيطان، ثم قال للشيخ: لا بأس! دعني أراجع ذلك، قال له: أحسنت: تفضل راجع. فأخذ الشريط، وكان يأخذ سؤالاً واحداً من أدلة الشيخ ويسجله على الشريط، ويسجل رده على الشيخ في غرفة النوم، وأخذ يرد في الظلام، لكن الجهال عندما يسمعون الرد يقولون: ما شاء الله! إن فلاناً هذا أعلم من الشيخ الألباني، وقد حصلت بينهما مناظرة، وعندما رد فلان على سؤال الشيخ لم يستطع الشيخ التعقيب. وكيف يعقب الشيخ وهو ليس موجوداً؟! فهذا الرجل رد عليه في غرفته، وأنزل الشريط إلى السوق، لكن الله يجعل الغلبة والتأييد والنصرة لدينه على لسان الشيخ الألباني، فإنه عندما علم أن هذه الأشرطة قد سجلت ودبرت له بليل قال: أنا أبرأ إلى الله مما نسب إلي في الشريط الفلاني والفلاني، ثم دعا على الفاعل، وحصل انتقام الله لأوليائه، فقد هرب هذا الفاعل من سجن في مصر إلى الأردن، فلما ضيق عليه في عمان أمنياً هرب إلى السعودية، ثم جيء به من السعودية عن طريق الأمن؛ فقضى أعواماً عديدة في سجون مصر مرة أخرى، ثم خرج قريباً من هذه الأيام، أو يبقى له عدة أشهر. فالذي يعرف أسلوب الشيخ في المناظرات والخصومات يعلم أن هذه الردود لا يسكت عليها قط، فالذين كانوا يسكنون معه في البيت بعمان هم الذين نقلوا للشيخ هذه المناظرة، وما كانوا يتصورون أن يتجرأ هذا الرجل على نشر هذه المفتريات والأكذوبات، فلما أرسلها إلى مصر وانتشرت في مصر عثروا على بعض أشرطة للشيخ، ففضح الأمر وفضح الفاعل، وهذا باب من أبواب دفاع الله عن المؤمنين كما وعد في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨].

стр. 318

دينك هو رأس مالك فاحرص عليه من كل ما يكدره [قال الحسن: رأس مال المؤمن دينه، حيثما زال زال دينه، لا يخلفه في الرجال، ولا يؤتمن عليه الرجال]. يعني: احذر أن تؤمن رجلاً على دينك؛ لأنه رأس مالك، وتصور لو أن عندك مائة ألف جنيه هل يعقل أنك تتركه عند شخص بسهولة وتقول له: انتبه لهذا المال؟! لا يمكن، بل إن حزمة الجرجير لا تأتمن عليها أحد، فلماذا تعرض دينك لمن يريد أن ينهش فيه؟! فدينك أعز عليك من كل شيء. [قال هشام بن حسان: جاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد! تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني -أي: أنا على يقين مما أنا عليه- اذهب وتكلم مع آخر شاك في دينه] وأما أنا فقد أبصرت ديني ولا حاجة لي في أن أجادل أحداً فيه. [قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: كان ذلك الرجل إذا جاءه بعض هؤلاء أصحاب الأهواء قال: أما أنا فعلى بينة من ربي، وأما أنت فشاك؛ فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه. وقال مالك: وقال ذلك الرجل: يلبِّسون على أنفسهم ثم يطلبون من يعرفهم] يعني: هم الذين أدخلوا أنفسهم في الأهواء ومضلات الفتن، ثم يطلبون من الناس أن يعرفوهم الطريق الحق. [وقال رجل لـ مالك: لقد دخلت في هذه الأديان كلها، فلم أر شيئاً مستقيماً، فقال رجل: فأنا أخبرك لم ذلك؛ لأنك لا تتقي الله، فلو كنت تتقي الله جعل لك من أمرك مخرجاً]. أي: أن هذا التيه والحيرة التي تعيشها هي بسبب البعد عن تقوى الله .

стр. 319

من أراد الله به خيراً أغلق عنه باب الجدال [وقال معروف: إن الله إذا أراد بعبد خيراً فتح له باب العمل، وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شراً فتح عليه باب الجدل، وأغلق عنه باب العمل]. وبعضهم طوال النهار ينصب المجلس، ويظل يجادل ويخاصم ويناظر، فإذا قلت له: لم لا تعمل؟ يقول لك: ليس هناك وقت! [وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: القرآن هو الإمام، فأما هذا المراء فما أدري ما هو] لا هو إمام ولا مأموم، إنما الإمام هو القرآن الكريم.

стр. 320

من كان كثير المراء والجدال فقد تمت خسارته قال: [وقال هلال بن سعد: إذا رأيت الرجل لجوجاً ممارياً يعجب برأيه؛ فقد تمت خسارته]. أي: إذا رأيت الرجل مجادلاً ومماحلاً ومخاصماً ويصر على ذلك؛ فاعلم أن خسارته قريبة جداً، هذا إن لم يكن بالفعل قد خسر خسراناً مبيناً. [وعن يزيد بن أبي حبيب قال: إذا كثر مراء القارئ فقد أحكم الخسارة. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: سَنَّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سنناً الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً]. وهذا النص قد شرحناه شرحاً مستفيضاً في كتاب الإيمان من صحيح البخاري عندما تعرضنا له.

стр. 321

الجلوس مع أهل الخصومات والجدال عدوى ينبغي الحذر منها قال: [وقال محمد بن واسع: رأيت صفوان بن محرز رأى قوماً يتجادلون قريباً منه؛ فقام ينفض ثيابه ويقول: إنما أنتم جرب إنما أنتم جرب]؛ فخشي أن يصاب أو أن يعدى بعدواهم. قال: [وعن أبي إدريس الخولاني قال: لئن أرى في المسجد ناراً تضطرم -أي: من شدتها- أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا تغير].

стр. 322

إفساد أصحاب الرأي والجدل والبدع لبيوت الله تعالى قال: [وعن يونس بن عبيد قال: قال لي الشعبي: ما مجلس أجلسه أحب إلي من المسجد؛ إذ كنا نجلس فيه إلى أبيك، ثم نتحول إلى الربيع بن خثيم فيقرئنا القرآن، حتى نشأ هؤلاء الصعافقة]. والصعفوق: هو التاجر الذي ليس معه مال، فيدخل السوق ليبيع ويشتري وليس معه مال! فهو يقول: لم يكن هناك مجلس أحب إلى قلبي من الجلوس في بيت من بيوت الله، كنا نجلس نسمع لأبيك، ثم نتحول إلى الربيع بن خثيم، ثم إلى الثالث والرابع نتعلم؛ حتى ظهر هؤلاء المفاليس الذين لا علم عندهم. قال: [والله لأن أجلس على كناسة أحب إلي من أن أجلس إليهم]. يعني: لو جلست على مزبلة أحب إلي من أن أجلس في مسجد وأصحاب الكلام فيه. [وقال صالح بن مسلم: كنت مع الشعبي، فلما حاذينا المسجد -أي: كنا بحذاء المسجد وقبالته- قال: لقد بغض إلي هؤلاء الآرائيون هذا المسجد]. أي: أصحاب: أرأيت لو كان كذا ماذا يكون؟ أو لو كان كذا ماذا يكون؟ وغير ذلك. قال: [لقد بغض إلي هؤلاء الآرائيون هذا المسجد حتى صار أبغض إلي من كناسة داري]. فـ الشعبي لم يقل ذلك إلا لأن هؤلاء أفسدوا أمر الشريعة، فهو لا يكره بيوت الله ، وإنما كان سبب كراهته دخول هذه البيوت تلك البدع التي أنشئت وأحدثت فيها، فمثلاً أنت الآن تمر على مسجد فيه قبر، فهل تريد أن تدخل فيه؟ هل تحب ذلك؟ فوجود القبر في هذا المسجد هو الذي بغَّض إليك المسجد. أو هناك إمام مبتدع يؤم الناس في مسجد، فلا شك أنك تبغض هذا المسجد لأجل هذا الإمام، وهكذا لا يبغض المسجد لكونه مسجداً، وإنما يبغض لما أحدثت فيه من البدع. نسأل الله تعالى أن يسلمنا وإياكم من كل بدعة وسوء، وأن يجنبنا وإياكم كل معصية. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وكل ذلك عندنا. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 323

شرح كتاب الإبانة - ذم المراء والخصومات في الدين والتحذير من أهل الكلام [٢] لقد حذر السلف الصالح من مجالسة ومخاصمة وجدال أهل الباطل والبدع والأهواء؛ وذلك طلباً لسلامة القلوب، وحفظ الدين من الشك والاضطراب، فلا يصح لمسلم أن يذهب إليهم ويجادلهم إلا من كان له الأهلية في ذلك، وكان خبيراً بشبههم ومداخلهم، والحجج والبينات في الرد عليهم.

стр. 324

تابع باب ذم المراء والخصومات في الدين، والتحذير من أهل الجدال والكلام

стр. 325

التحذير من الآرائيين إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن صالح بن مسلم قال: كنت مع الشعبي فلما حاذينا المسجد قال: لقد بغّض إلي هؤلاء الآرائيون هذا المسجد حتى صار أبغض إلي من كناسة داري. زاد ابن الصباح -وهو أحد الرواة في الإسناد- قال: وفي المسجد يومئذ قوم رءوس أموالهم الكلام، والجدال، والخصومات، والمماحلات في دين الله بغير هدى ولا كتاب منير. وقال عبدة بن سليمان: نهاني أبو وائل -وهو شقيق بن سلمة الكوفي تلميذ ابن مسعود أن أجالس أصحاب: أرأيت أرأيت]، يعني: الآرائيين. [ولـ عمر ﵁ قول عظيم جداً فيهم قال: إياكم والآرائيين؛ فإنهم أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا]. فهناك أمران: إما اتباع وإما ابتداع، فالمتبع دائماً رأس ماله: قال الله، وقال رسوله، وأجمع أهل العلم، فهذا هو رأس مال الأثري أو السني أو المهتدي. وأما رأس مال المبتدع: قال فلان وقال علان، من غير رجوع إلى سبيل من كتاب ولا سنة ولا إجماع لأهل العلم. ومن الناس من يقدم الرأي على السنة، وأقصد بالسنة الأثر، والأثر هو الدليل سواء كان في الكتاب، أو السنة، أو الإجماع. ومن الناس من يعجبه رأيه، ويجعله حاكماً على النصوص، وحاكماً على الأدلة، وهذا في الأساس شيمة أهل البدعة. [عن الشعبي قال: ما من كلمة أبغض إلي من أرأيت أرأيت]. وربما يحمل هذا القول على الفرض الزمني، يعني: إنسان يسأل سؤالاً ولما يقع بعد؛ ولذلك مر بنا أن كثيراً من السلف كانوا إذا سئلوا في مسألة قالوا: أثم هي؟ يعني: هل وقعت؟ فإن قال السائل: نعم، أجابه فيها، وإلا قال: أجلنا عنها حتى تكون، فإذا كانت أعاننا الله عليها. يعني: لا نجيب عن مسألة لم تقع بعد، وفي هذا كراهة توجيه الأسئلة لما ليس له واقع في حياة الناس، وكثير من الإخوة تجده يسأل الشيخ مثلاً أو المفسر فيقول: ما هو الحل الشرعي في مسألة كذا وكذا؟ فيجيب الشيخ، فيقول: هب أن كذا كان كذا وكذا، فما الحل؟ فيجيب على النحو الثاني، قال: ولكنها كانت كذا وكذا فما الحل؟ ففي مسألة واحدة يطرح الطالب عدة أسئلة، وكل واحد منها لم يكن له علاقة ولا واقع في حياة هذا السائل، وهذا بلا شك كله مخالف لسنة النبي ﵊، وأصحابه الكرام، وأئمة الدين.

стр. 326

الأخذ بالشرع وترك ما دونه [قال مالك بن مغول: لقيت الشعبي فقال: ما حدثوك عن أصحاب رسول الله ﷺ فخذ به، وما حدثوك عن غيره من هذه الآراء فألقه في الحش. وفي رواية عند ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله)، وكذا الخطيب البغدادي قال: فبل عليه. أي: ما حدثوك عن النبي ﷺ قرآناً وسنة فخذ به؛ لأنه لا يسعك إلا الأخذ به، وما حدثوك عن غير السنة وغير الدليل والنص فألقه في الحش؛ لأنه هو الحل معهم؛ لأن الرأي يتغير ويتجدد وينظر فيه بخلاف النص، فالنص قاض على غيره، وهو الآمر الحاكم المسيطر المهيمن والقاضي، وكل هذا من خصائص النص، وأقصد بالنص الأدلة من كتاب وسنة وإجماع، وأما دون هذه الأدلة فاعلم أن الرجل يقول القول اليوم ويرجع عنه غداً، وما الآراء إلا اجتهادات في مسائل من باب الفتوى، والمعلوم أن الحكم غير الفتوى، فالفتوى تتجدد وتتغير بتغير الزمان والمكان والحال والواقع، بخلاف الحكم فإنه ثابت لا يتغير.

стр. 327

الاجتماع للاختصام في دين الله سبيل إلى الافتراء على الله قال: [وقال ابن عباس: ما اجتمع رجلان يختصمان فافترقا حتى يفتريا على الله ]. أي: أنهما يتجادلان ويتماحلان بغير برهان ولا دليل، وليس قصدهم الوصول إلى الحق، وإنما هو التشبه بما يسمى في واقع الناس وحياتهم: المناظرات والمجادلات والمخاصمات، والنصرة للمذهب أو للرأي أو للشيخ الفلاني، أو للآباء والأجداد، أو للأعراف والعادات، فإذا كان هذا هو الهدف من المناظرة والمخاصمة فما اجتمع اثنان لأجل هذا إلا جرهم هذا الخلاف وهذه الخصومة إلى أن يفتري كل واحد منهما على الله .

стр. 328

حرمان صاحب البدعة من التوبة حتى يدع بدعته قال: [وقال الحارث العكلي: أيما رجلين جلسا يختصمان فليعلما أنهما في أمر بدعة حتى يفترقا]. أي: فليعلما أنهما قائمان على البدعة حتى يفترقا. ويكفيك تهديد النبي ﵊: (إن الله احتجر التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته)، وهذا الحديث أخرجه ابن ماجة، والطبراني بإسناد حسن. والمراد هنا البدعة الكبيرة في الدين، والبدعة في اعتقاد المسلمين، فمادام قائماً عليها فإن الله تعالى يحول بينه وبين التوبة، وهذا تهديد ووعيد كبير ينبغي الحذر منه.

стр. 329

من علامات الساعة اختصام الناس في ربهم قال: [وعن ابن الحنفية ﵀ قال: لا تقوم الساعة حتى تكون خصومة الناس في ربهم]. وهذا قد وقع، فقد اختلفوا في الله في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله، وهذا هو الافتراق في الأمة الذي حذر منه النبي ﵊، وربما يكون قد أخبر به ليس على سبيل التهديد، وإنما على سبيل الخبر الحتمي الذي لابد أن يكون، وقد كان. فقال ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة). فالمعلوم قطعاً أن هذه الفرق إنما خالفوا في أصل الدين، وأصل الدين متعلق بذات الله ، وبأسمائه وصفاته، وأفعاله، كما أنه متعلق كذلك بأصول الإسلام: من الشهادة، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، ومتعلق بأصول الإيمان: من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وكذلك متعلق بالغيبيات: من البعث والنشر، والحساب والجزاء، والصراط، والجنة والنار، وكل هذا الذي ذكرناه وغيره من أصول الإسلام، وقد وقع النزاع فيه بين هذه الفرق الضالة من ناحية، وبين أهل السنة والجماعة من ناحية أخرى. فقول غير واحد من أهل العلم: إن الساعة لا تقوم حتى تكون خصومة الناس في ربهم، فالخصومة قد وقعت، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم قد بحث هذه القضية بحثاً مفيداً موسعاً وبيّن أن جميع الفرق الثنتين والسبعين كلها قد ظهرت، ومن شاء أن يقف على كلامه فإن ذلك موجود في كتاب مجموع الفتاوى، ومنهاج السنة.

стр. 330

مجالسة أصحاب الكلام والخصومات سبيل إلى إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة قال: [وعن أحمد بن جناب قال: سمعت عيسى بن يونس وقد سأله رجل عن الحور العين، فغضب غضباً شديداً وقال: مالكم ومجالسة أصحاب الكلام والخصومات، لقد شهدت من رجل -قد سماه- مجلساً وألجأه قومه إلى الكلام حتى قال: ما خلق الله جنة ولا ناراً، وددت أني ما شهدته]. يعني: أن هذا الرجل كان على الاستقامة، ولكنه أذن لنفسه أن يجالس، وأن يماحل، وأن يخاصم أهل البدع وليس أهلاً لهذا، فجره ذلك إلى أن أنكر أن الله تعالى خلق الجنة وخلق النار، وهذا دائماً مصير من تصدى لأهل البدع بالكلام دون أن يؤهل لذلك، ولذلك حذرنا علماء السلف من مخاصمات ومجادلات أهل البدع، مع أنهم هم قد تصدوا للمناظرة والمجادلة والخصومة، بل والتأصيل للرد على أهل البدع؛ وذلك لأنهم تأهلوا لذلك، ولا أدل على هذا الفعل من أن عمر ﵁ أخذ صحيفة بعد إسلامه من صحف أهل الكتاب، فلما رآها النبي ﵊ في يده غضب غضباً شديداً، وقال: (أمتهوكون أنتم يا ابن الخطاب!)، أي: أمتنطعون، أو كما قال ﵊. فلم يُر عمر بعد ذلك آخذاً بصحيفة من صحف أهل الكتاب حتى صار إماماً كبيراً من أئمة الدين، وخليفة من خلفاء المسلمين، فتصدى لأهل البدع تارة بالضرب، وتارة بالإقناع والمناظرة؛ لأنه صار أهلاً، وأما في أول إسلامه فلم يتأهل لذلك بعد، ولم يطلب العلم بعد، وهذه الحادثة -حادثة الإنكار عليه- مكية، وحادثة التصدي لأهل البدع كلها حوادث مدنية، وهذا يدل على أن عمر لما تأهل عرف أنه يجوز له ذلك دون الحالة الأولى. ونحن نجد كثيراً من الشباب الذي لا يحسن أصول الإيمان والإسلام؛ يتصدى لأهل البدع بالمناظرة والمجادلة وغير ذلك، وسرعان ما ينقلب فيتبنى رأي الخصم، يعني: يشرب البدعة شرباً في قلبه، ويدافع عنها ويتبناها، ويعمل لأجلها، وربما مات على ذلك، والسبب أنه خالف نصيحة السلف ﵃ في كراهة التصدي لهؤلاء قبل التأهل.

стр. 331

مجالسة أصحاب الأهواء ممرضة للقلوب وسبيل إلى ضرب القرآن بعضه ببعض قال: [وقال ابن عباس: لا تجالسوا أصحاب الأهواء؛ فإن مجالستهم ممرضة للقلوب]، أي: تسبب مرض القلب. [وقال أبو عبد الله الملائي: لا تجالسوا أصحاب الأهواء؛ فإنهم يمرضون القلوب. وقال مهدي بن ميمون: سمعت محمد بن سيرين وماراه رجل، ففطن له -ومحمد بن سيرين إمام من أئمة الدين، سيد من سادات التابعين، وهو تلميذ أنس بن مالك - فقال: إني قد أعلم ما تريد، ولو أردتَّ أن أماريك كنت عالماً بأبواب المراء]. فـ ابن سيرين نزه نفسه عن أن يماري وأن يخاصم أهل الأهواء مع قدرته على ذلك، ولكنه أنكر ذلك وقال: لو أنك تريد أن أخاصمك ما فعلت، فكأن ابن سيرين أراد أن يقول: لست مني ولست منك، فلا أهل الأهواء من أهل السنة، ولا أهل السنة كذلك من أهل الأهواء. [وقال عون بن عبد الله: لا تفاتح أصحاب الأهواء في شيء؛ فإنهم يضربون القرآن بعضه ببعض]. وهذا مفتاح من مفاتيح أهل البدع وأهل الضلال؛ أنهم يأتون بآية، ثم يأتون بآية أخرى يظنون أنها معارضة للآية الأولى، ولو استدللت عليهم بنص من الكتاب أو السنة أتوك بنصوص ظاهرها التعارض، وهذا قد وقع من الصحابة ﵃ ذات يوم، فقد جلسوا في مسجد النبي ﵊ يجادلون في كتاب الله تعالى، فهذا يرد بآية وذاك يرد بآيتين، فسمعهم النبي ﵊ من داخل غرفة عائشة؛ فخرج عليهم فقال: (أتضربون القرآن بعضه ببعض وأنا بين ظهرانيكم؟!) يعني: هل هذا يكون منكم، ولا زلت أنا حي بينكم؟! فأنكر النبي ﵊ أن يكون هذا منهم، فاستغفروا ربهم، واعتذروا للنبي ﵊. فالمعلوم أن هذه الخصلة من شيم أهل البدع لا من شيم الصالحين. [وكان سليمان بن يسار إذا سمع في مجلس مراء قام وانصرف عنه]؛ لأنه لا ينبغي لصاحب سنة أو صاحب علم ودين أن يجلس في مجلس كله لغط وجهالة، والنبي ﵊ يقول: (ما من قوم جلسوا مجلساً، ثم لم يذكروا الله تعالى فيه إلا كان عليهم ترة يوم القيامة) والترة: هي الحسرة والندامة، فما من قوم جلسوا مجلساً إلا وجب عليهم أن يذكروا الله تعالى، وذكر الله تعالى لابد أن يقع في محل الرضا، لا في محل السخط والكراهية، فالجدال والخصومة والمماحلة والتفكه بكلام لا طائل تحته، ولا فائدة من ورائه؛ لا علاقة له بمرضاة الله ، والمجلس الذي انعقد على هذا النحو إنما هو وبال على أصحابه إلا أن يستغفروا الله تعالى فيه، ويتوبوا إليه منه، ويندموا على ما فعلوا، ثم يذكروا الله تعالى.

стр. 332

وجوب الإيمان بالقدر والتحذير من مجالسة المكذبين به قال: [وعن جبير بن نفير أنه كان يقول: إن التكذيب بالقدر شرك]. وفي الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر)، وباب القدر من أعظم أبواب الإيمان، مع أنه من أيسر أبواب الإيمان، ولكن زلت أقدام كثير من الناس باب القدر. قال: [إن التكذيب بالقدر شرك فتح على أهل الضلالة، فلا تجادلوهم فيجري شركهم على أيديكم]. أي: فلا تمازحوهم ولا تجادلوهم في هذا الباب على جهة الخصوص؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا إذا ذكر القدر أمسكوا، أي: آمنوا به دون أن يخوضوا فيه، والسلف كانوا إذا ذكر أصحاب النبي ﵊ أمسكوا عما شجر ووقع بينهم من مشاحنات وخلافات؛ فهم بشر، وكذلك إذا ذكرت النجوم أمسكوا ولم يتكلموا، وعلموا أن النجوم إنما هي خلق من خلق الله .

стр. 333

إحداث أهل السنة لبعض الألفاظ التي لم تكن عند السلف عندما اضطروا إليها للرد على أهل البدع قال: [وعن ابن عباس قال: لا تجادلوا المكذبين بالقدر فيجري شركهم على ألسنتكم]. أي: من كثرة مجادلتهم ومناظرتهم ربما يجري على ألسنتكم بعض بدعهم، أو بعض كلامهم دون أن تشعروا بذلك. وقد تجد في كتب السنة بعض الكلمات التي أمسك عنها السلف، ولم يتكلموا بها قط، واضطر أهل السنة اضطراراً إلى أن يقولوا بهذه الكلمات وهذه المصطلحات؛ للبيان. وأضرب لذلك مثلاً: لما قالت المعتزلة: كلام الله مخلوق، فإن السلف ما قالوا: مخلوق ولا غير مخلوق، وإنما قالوا: القرآن كلام الله، ولكن اضطر أحمد بن حنبل ﵀ وغيره من أهل العلم إلى أن يزيدوا في معتقدهم ما لم يأت عن السلف، فقالوا: القرآن كلام الله غير مخلوق، فلفظة: (القرآن كلام الله) هو كلام السلف الذي ورد إلى أهل القرن الثالث الهجري: قرن المعتزلة، وقرن أحمد بن حنبل وقرن الشافعي وغيرهم. فقال الإمام أحمد وغيره: القرآن كلام الله غير مخلوق، فزادوا مصطلح (غير مخلوق)؛ للرد على من يقول بأنه مخلوق، وأما أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة والتابعين فلم يقولوا: إنه مخلوق أو غير مخلوق؛ وذلك لأن الأمر قد استقر عندهم: أن القرآن كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته، فلابد أن تكون الصفات مخلوقة، ولذلك لم يكن بهم حاجة إلى أن يقولوا: مخلوق أو غير مخلوق، فلما دعت الحاجة في الرد على أهل الضلال والبدعة من المعتزلة وغيرهم لما قالوا: إنه كلام الله لكنه مخلوق؛ كان من الواجب على أهل السنة أن يقولوا: هو كلام الله غير مخلوق.

стр. 334

ضرورة التأهل عند الرد على أهل البدع ومناظرتهم إن تحذير أهل العلم من مجادلة أهل البدع أمر عظيم جداً، وهم بهذه المصالح الواجب الأخذ بها إنما يحافظون على ألا تزل ألسنتنا وأقدامنا في مجاري ومهاوي أهل البدع، وهذا أمر لابد أن يتفطن له الشباب. ومنذ ثلاثة أشهر أخذ أحد الإخوة بعض الكتب والرسائل، وذهب إلى مدينة نصر يناظر ما يسمون أنفسهم بالقرآنيين، فلقيته في الطريق؛ فسألته عن وجهته، وعما إذا كان يمكنني أن أخدمه بأن أدخله إلى المكان الذي يريد أن يذهب إليه، فقال: إنما أنا ذاهب لمجادلة ومخاصمة فلان وفلان، قلت: لمَ؟ قال: لأنهم يقولون بالقرآن فقط، وقد طبعوا كتاباً، وناولني نسخة من هذا الكتاب، وكان معه عدة كتب من كتبهم، وقال: الحمد لله قد ألممت بأفكارهم وكتبهم ومصادرهم وغير ذلك، وسينعقد بعد قليل المجلس لمناظرتهم، فنصحته مراراً ورجوته تكراراً، فأبى إلا أن يذهب فذهب، وإذا بهذا الرجل بعد أن رجع يقول: والله لقد ألقوا علي شبهات لم تكن في هذه الكتب، ولا في هذا المقرر، وبالتالي أجلنا هذا المجلس لبحث هذه المسائل، والرد عليها في المستقبل. فقلت: إنهم يفعلون في كل مجلس بك مثلما فعلوا بك في المجلس السابق، وفي كل مرة ستضطر إلى الاعتذار عن الجواب؛ لأنك لا علم عندك. وعلى أية حال هذه سمة من سمات أهل البدع؛ أنهم يُعنَون ويهتمون بمسألة واحدة، فيفتون على أصولها وعلى مدلولها وعلى أدلتها، ولذلك يتفوقون فيها أيما تفوق، فيجمعون الشبهات ويطرحونها على أهل الحق؛ فيقع فيها من لم يكن من أهل الحق محصناً بالعلم والإيمان. ولا تزال المناظرة قائمة بين هذا الرجل -وهو من أهل العلم أحسبه كذلك- لكنه لم يتأهل لمناظرة هؤلاء. فلابد أن تعلموا أن سيرة السلف كلها قاضية وشاهدة بأنه لم يتصد لأهل البدع أحد قط إلا من يشار إليه بالبنان في العلم، فلو أنك أتيت مثلاً على القرن الأول لوجدت أن علي بن أبي طالب ﵁ لما أرسل للخوارج من يناظرهم أرسل ابن عباس، وابن عباس معلوم قدره في الدين، فهو حبر الأمة، فلم اختار ابن عباس مع أن جيشه كان فيه آلاف من الصحابة والتابعين؟ الجواب لأنه كان فقيهاً، وانظر إلى الثمرة التي رجع بها ابن عباس: تاب على يديه أربعة آلاف شخص. وهذا قد حدث في زمن عمر بن عبد العزيز كذلك، فـ عمر اختار أن يناظر هو بنفسه أهل البدع، وأنتم تعلمون أن عمر بن عبد العزيز كان من كبار أهل العلم، وحتى بعد الخلافة كان مشهوراً بالرواية والتحديث، فهو من أهل العلم الأفذاذ، وكان يتصدى بنفسه لأهل البدع. فالمناظرة مهمة أهل العلم الأفذاذ الذين يرجع إليهم في الفتوى في زمنهم، ويشار إليهم بالبنان، فكان علماء السلف مع تأدبهم يناظرون، إلا أنهم كانوا يتهمون أنفسهم. فالذي ناظر المعتزلة هو أحمد بن حنبل، والذي ناظر بشراً المريسي هو الإمام الشافعي وهؤلاء هم رءوس البدع، وقد تصدى لهم رءوس الهدى والسنة في أزمنتهم، وأما أنت يا أخي المسلم! فما زلت على أول عتبة من عتبات طلب العلم؛ فينبغي الاهتداء بالسلف حتى تصل إلى مرادك في طلب العلم؛ ليصلح علمك ويصلح شأنك، وأما إن كنت تتصور بأنك إنسان ذو لحية طويلة، ولابس قميصاً وغير ذلك، وأنك ماهر بكل شيء؛ فهذا بلا شك باب عظيم جداً من أبواب الكبر والغرور. قال: عن ابن عباس أنه قال: لا تجادلوا المكذبين بالقدر؛ فيجري شركهم على أيديكم.

стр. 335

أحوال صحابة رسول الله والتابعين إذا ذكر لهم شيء من القدر أو الجدال والخصومة قال: [وقال أبو بلال الأشعري: سألت أنس بن مالك: هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يذكرون القدر؟ قال: إنه لم يكن شيء أكره إليهم من الخصومات، وكانوا إذا ذكر لهم شيء من ذلك نفضوا أرديتهم وانصرفوا]. والأردية: جمع رداء. وكان من المحدثين من إذا سئل عن راوٍ لم يجب، كـ يحيى بن معين وأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهم من أهل العلم النقاد، فـ أحمد بن حنبل يضرب كفاًّ على كف، والبخاري لما يسأل عن راو سواء كان كذاباً أو وضاعاً يتحول إلى الناحية الأخرى؛ إعراضاً. وكان يحيى بن معين إذا سئل عن أحد نفض ثوبه ثم قام، وقال: أخشى أن تنزل من السماء صاعقة، وأحرى أن تنزل الصاعقة الآن بذكر هؤلاء الكذابين الوضاعين الذين يفترون على الله الكذب وعلى رسوله ﵊. وكان الصحابة ﵃ إذا ذكر القدر وغيره مما هو محل للجدال والمناظرة ينفضون أرديتهم، ثم يقومون فيسرعون؛ مخافة أن تنزل عليهم عقوبة من السماء. [وقال إبراهيم النخعي: ما خاصمت قط]، يعني: لم يتعرض يوماً للجدال، وإذا تعرض له تركه وانصرف. [وقال أهل العلم: ما خاصم وَرِع قط]. وكل هذا الكلام محمول على الجدال بالباطل، وأما الجدال لإظهار الحق فلا حرج فيه، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، إذاً: فهناك جدال مذموم، وجدال ممدوح. وكل كلامنا هنا في جدال أصحاب أرأيت أرأيت، والآرائيون هم الذين لا يعنون بالسنة والأثر، وإنما يعتمدون على عقولهم، ويقدمون عقولهم على النص والدليل، فهؤلاء الجدال معهم هو الممحق للبركة، والممرض للقلوب وغيرها. [وقال جعفر بن محمد: إياكم والخصومة في الدين؛ فإنها تشغل القلب، وتورث النفاق. وقال وهب: دع المراء؛ فإنك لا تعجز أحد رجلين: رجل هو أعلم منك، فكيف تماري وتجادل من هو أعلم منك؟! ورجل أنت أعلم منه فكيف تماري وتجادل من أنت أعلم منه ولا يطيعك؟! فاقطع ذلك عنه]. فأنت في الجدال والخصومة في كل الأحوال مخطئ؛ لأنك إما أن تجادل من هو أعلم منك وأنت جاهل، أو أنك تجادل من أنت أعلم منه وهو أقل منك علماً ولا يطيعك، ففي كل الأحوال أنت لا تطيع ولا تطاع، فلابد أن يئول الأمر إلى الخسار والبوار.

стр. 336

خوف عمر على الأمة من المنافق عليم اللسان [وقدم الأحنف بن قيس على عمر في وفد عظيم؛ فسرح عمر الوفد واستبقى الأحنف]. وكان الأحنف هذا ذكياً عاقلاً فطناً، وكان ذا لسان يقطر عسلاً، حتى شهد له الكثير منذ طفولته باللباقة، وحسن صياغة الكلام وصناعته على أحسن وجه. وكان يهضم نفسه دائماً، ويقدم مصلحة الجماعة على مصلحته الفردية، فلما قدم في الوفد على عمر [سرح عمر الوفد -أي: بعد قضاء حاجته- واستبقى الأحنف عاماً كاملاً بالمدينة. ثم قال له: يا أحنف! أتدري لم أبقيتك؟ قال: لا. قال: لأني سمعت النبي ﷺ يحذر من كل منافق عليم اللسان، ولست منهم يا أحنف! فالحق بالوفد]. فـ عمر ﵁ خشي أن يفتن الأحنف الناس بخفة لسانه، وصياغة ألفاظه؛ فاستبقاه عاماً كاملاً حتى يشعر الناس بعد مرور عام بمفارقتهم للأحنف، وأنه يمكن أن يحيوا ويعيشوا بدونه.

стр. 337

توضيح قولهم: إن الدعوة لا تعلق لها بشخص معين ولذلك نجد كثيراً من أبناء الصحوة في كل زمان يقولون: الدعوة لا تعلق لها بشخص معين، وهذا الكلام من جهة الموضوع كلام جميل، لكن واقع الناس غير ذلك، فصحيح أن الدعوة لا علاقة لها بالأشخاص، وأقصد بالأشخاص دعاتها وحملة رايتها، لكن واقع الناس غير ذلك، فهم يقولون: نحن لا نعبد الأشخاص، فالشيخ الفلاني والعالم الفلاني والداعية الفلاني والواعظ الفلاني جنود مثلي، والدعوة كانت قائمة قبلهم بغيرهم، وستقوم من بعدهم بغيرهم أيضاً. إذاً: فالأشخاص يذهبون ويأتون والدعوة باقية وقائمة، لكن واقع الناس الآن أنهم يتعلقون تعلقاً تاماً بالأشخاص والدعاة، حتى سمعنا أكثر من واحد يقول: لو مات الشيخ الألباني ماذا سنعمل من بعده؟ ولو مات الشيخ ابن باز ماذا سنعمل من بعده؟ ولما مرض الشيخ ابن عثيمين ﵀ وانتقل إلى مدينة عنيزة للعلاج قالوا: افرضوا أن الشيخ ابن عثيمين مات؛ ماذا ستعمل الأمة من بعده؟ فالله تعالى يبعث فيها من هو خير من الألباني، وخير من ابن باز، وخير من ابن عثيمين، فهؤلاء الثلاثة كانوا تلاميذ لمن هم خير منهم، كانوا تلاميذ لأئمة فضلاء حملوا راية الدعوة إلى الله حملاً أعظم مما حملوه هؤلاء، فهؤلاء كانوا في القرن الرابع أو في القرن الخامس عشر هجري، فأين كانت الأمة على مدار أربعة عشر قرناً؟ هل كان فيها ابن باز والألباني وابن عثيمين؟ كان فيها هؤلاء وأعظم وأفضل من هؤلاء بعدة مرات. والأمر قد تعقله وفهمه عبد المطلب، فقال: أما البيت فله رب يحميه، وما الذي يمنعك أن تقول: أما الدين فهو من الله . إن جعل الدعوة معلقة بشخص يجعلك تقبل منه الغث والسمين، والحق والباطل، والخير والشر؛ لأنك متعلق بهذا الشخص لا غيره، ولكنك لو جعلت الحق هو الذي أمامك لأفلحت وما خسرت، فكل هؤلاء يقاسون ولا يقاس بهم، يقاسون بالحق ولا يقاس الحق بهم. فبلاء عظيم جداً أن تتعلق بالأشخاص، وهذا بلا شك ليس فيه أدنى مطعن في أحد، لكنه تصحيح للصحوة، وتصحيح للمسار والفكر؛ لأن تعلقك بالشخص يجعلك تنصدم أيما انصدام إذا مات، أو استبعد، أو سافر، أو مرض، ولكن الأمر كما قال النبي ﵊: (اللهم اؤجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها)، وهل نسيتم حديث النبي ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم)؟ يعني: أن مهمتهم أنهم مبينون للحق في الأمة إلى قيام الساعة، فهذه الفئة وهذه الطائفة لا يمكن أن تزول إلى يوم القيامة. فكثير من الإخوة في مساجد معينة لما مات الشيخ الفلاني ترك المسجد بالمرة، ويقول: كنا نذهب من أجل فلان، والآن قد مات، فإلى أين نذهب؟ فنقول: اذهب إلى أي مكان، فلا يزال في الأرض منار للعلم والحق. والأعجب من ذلك أن الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في الكويت استل من كتاب لـ ابن عربي ثلاثين ورقة، واستل من كتاب لـ ابن تيمية ثلاثين ورقة، وعقد مجلساً لاختبار وامتحان الإخوة في الكويت، فقال لهم: أريد أن أعرف أي المجموعتين أحق شرعاً؟ وسأل سؤالاً: ما تقولون في ابن عربي؟ ولابد أنك تجد من يقول: هو كافر، ومن يقول: وفاسق، أو مجرم، فهذه الأشياء يحفظها طلاب العلم ويعرفونها، وقد تربوا عليها، مع أنهم لم يقرءوا مرة ترجمة لـ ابن عربي، ويحفظون أيضاً أن ابن تيمية هو شيخ الإسلام، ولا شك أنه كذلك، وابن تيمية هو رافع راية التوحيد، ومنارة السنة وو وإلى آخره. فكل كلام يأتي من الشيخ ابن تيمية فهو حق، وكل كلام يأتي من قبل ابن عربي فهو باطل، حتى وإن تلا كتاب الله غير مقبول منه؛ لأنه من أهل البدع! وبالفعل أخبرنا الشيخ أن ٦٠ % من الممتحنين قالوا بأن الكلام الذي قاله ابن عربي -وهم لا يعملون أنه ابن عربي - كلام جميل وحق، فلما كان توزيع الجوائز قال لهم: هل تعرفون الورقة هذه لمن؟ قالوا: لمن؟ قال: هذا لـ ابن عربي، فالإخوة تفاجئوا، وتمنوا أنهم لم يقولوا ذلك. فالحق يقبل من كل من أتى به، والباطل يرد على كل من جاء به، فالحق حتى وإن أتى من قبل كافر كفراً أصلياًّ وليس مرتداً فقط لابد أن يقبل. فالواحد منا قد يسمع لشيخ واحد، وليس عنده أي استعداد ليتحول عنه، وربما يكون محقاً في ذلك من باب الفائدة أو من باب قلة من يستفيد منهم على الصعيد الآخر؛ لكن في نهاية الأمر لا يصلح أن يكون لك شيخ واحد، والأمر كما قال أحدهم: من كان له شيخ واحد كان كمن له امرأة واحدة، إذا حاضت حاض معها، وإذا نفست نفس معها، فلابد من تعدد المشايخ. ويقول ابن المعتز: لا تعلم خطأ شيخك حتى تسمع من غيره. فلا تعلم خطأ ش

стр. 338

خوف عمر بن الخطاب على أمة محمد من جدال المنافق العليم بالقرآن قال: [عمر بن الخطاب ﵁: إن أخوف ما أخاف عليكم ثلاثة: جدال المنافق بالقرآن لا يخطئ واواً ولا ألفاً] أي: مثل واحد من الذين حفظوا القرآن، يأتيه من أوله إلى آخره لا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً؛ لأنه حافظ متقن، وهل هناك أحفظ لكتاب الله، وأقوم لكتاب الله من الخوارج؟ فالخوارج معروف عنهم أنهم يتقنون حفظ القرآن، ويقومون الليل، وينتصبون إلى صلاة الفجر، وهم أكثر الناس عبادة، فعبادتهم هذه ليست دليلاً على صلاحهم، ولذلك حذر منهم النبي ﵊ فقال: (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم). قال: [إن أخوف ما أخاف عليكم ثلاثة: جدال المنافق بالقرآن لا يخطئ واواً ولا ألفاً، يجادل الناس أنه أجدل منهم؛ ليضلهم عن الهدى، وزلة عالم، وأئمة مضلون].

стр. 339

الورع يحمل صاحبه على ألا يخوض في الشبهات قال: [وعن الضحاك بن مزاحم قال: كان أولهم يتعلمون الورع، أما إنه سيأتي عليكم زمان يتعلمون فيه الكلام]. يعني: السلف كانوا أول شيء يتعلمون الورع، والورع يحمل صاحبه على ألا يخوض في المشتبهات، وإنما يؤمن بها ويسلم، بخلاف الذين في قلوبهم مرض فإنهم لا يجادلون إلا في المتشابهات، ويخوضون فيها أخذاً ورداً، ليس لقصد الوصول إلى الحق فيه، وإنما لقصد إيقاع الشكوك والأوهام في قلوب عامة أهل السنة.

стр. 340

تفسير مجاهد لقوله تعالى: (لا حجة بيننا وبينكم) [وعن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ [الشورى:١٥] أي: لا خصومة بيننا وبينكم] أي: لا جدال ولا مناقشة بيننا وبينكم، وكأنه أراد أن يقول: لكم دينكم ولي دين.

стр. 341

حكم جدال من يقبل الحق ويرجع عن الباطل قال: [وعن ابن سيرين: أنه كان ينهى عن الجدال، إلا رجل إن كلمته يرجع]. يعني: يغلب على ظنك أن هذا الرجل يريد الحق، ويحرص عليه، ويتحراه ويبحث عنه شرقاً وغرباً، فإذا اجتمع إلى ذلك حسن ظن بهذا فجادله، وأما أن تجادل إنساناً ليس يطلب الحق، وإنما يغلب على الظن -لمناظرات كثيرة سبقت وقرائن كثيرة سبقت- أنه لا يناظر من أجل طلب الحق، وإنما يناظر لأجل أن يناظر، ويضل الخصم ويجره إليه؛ فيحرم عليك الدخول في هذا الجدال.

стр. 342

الجدال والمراء من أسباب القطيعة وإفساد ذات البين قال: [وعن عبد الله بن الحسن قال: المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحل العقدة الوثيقة، وأقل ما فيه -يعني: أقل مفسدة تأتي من قبله- أن تكون المغالبة، والمغالبة أمتن أسباب القطيعة]. فكأنه يقول لك: احذر أن تخاصم أو تجادل؛ لأن الخصومة والمجادلة تفسد الصحبة القديمة، فإذا كان الجدل والمناظرة والمماحلة بالباطل يقدم على الصديق، فهذا يريد أن يغلب وينتصر لنفسه، وهذا جل أمره أن تكون له دائماً السيادة والريادة والغلبة على صديقه، فلابد أن يتأثر الصديقان بهذا الأمر، فإنه يعز على الصديق أن يكون في كل مرة مغلوباً، فالجدال يحل عقدة الصداقة القديمة، والإنسان يحرص على أن يكون غالباً لا مغلوباً، مع أن هذا يخالف ما كان عليه السلف. فـ الشافعي ﵁ ورحمه يقول: ما ناظرت أحداً قط إلا تمنيت أن يظهر الله تعالى الحق على لسانه. أرأيتم الأدب؟! والشافعي صادق في هذا، فالسلف يقولون ذلك بصدق، كما قال بعضهم: لو كانت للمعاصي رائحة لما استطاع أحد أن يجالسني. فعندما يقول هذا الكلام مثل الحسن البصري فإن هذا على سبيل الورع؛ فكان يعلم الأمة في زمانه الورع، وكان لا يؤخذ عليه مأخذة واحدة، فكل الذين ترجموا له لم يختلف أحد منهم في صلاحه وورعه وتقواه، لكن الآن من الناس من يجاهر الله بالمعاصي، وكلما تقلب صفحة تجدها أشد سواداً من التي قبلها، فقول أحدهم: (لو كانت للمعاصي رائحة ما استطاع) قول صحيح، لكنه لا يقول ذلك على سبيل الورع، وإنما يقول ذلك مجاهرة، بخلاف أن يقول هذا الكلام ابن سيرين أو الحسن البصري أو قيس بن أبي حازم أو عبد الله بن المبارك أو غيرهم فهؤلاء يقولون هذا الكلام ورعاً وتأدباً بين يدي الله .

стр. 343

المراء والجدال بين التقصير والمبالغة قال: [وقيل لـ عبد الله بن الحسن: ما لك لا تماري إذا جلست؟ -يعني: حينما تجلس معنا في المجلس لا تتكلم ولا تناظر ولا تجادل؟ قال: ما تصنع بأمر إن بالغت فيه أثمت، وإن قصرت فيه خصمت]. يعني: لا خير فيما تصنعون؛ لأنه يدور بين أمرين: إما أن تنتصر، وهذا الذي يكلفك مزيداً من الخصومة التي يترتب عليها مزيد من الإثم، وإن قصرت فالخصم سيغلبك، وكلاهما شر، فأحدهما شر عند الله، والثاني شر عند الخلق.

стр. 344

الجدال والمخاصمة سبب لقلة المروءة، وذهاب الكرامة قال: [وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: من لاحى الرجال وماراهم قلت مروءته] مع العلم أن هذا أعرابي بدوي، لكنه رجل، يقول: من لاحى -يعني: من ناظر وجادل وخاصم- الرجال قلت مروءته [وهانت كرامته، ومن أكثر من شيء عرف به]. وأذكر بهذه المناسبة أن سفيان الثوري كان يجلس إلى رابعة العدوية، ورابعة العدوية شخصية حقيقية ترجم لها الذهبي في سير أعلام النبلاء، وهو من أهل العلم النقاد، فكان سفيان الثوري يكثر أن يذهب إليها، وإذا ذهب إليها ذم الدنيا وأهلها بين يدي رابعة، فقالت: يا سفيان! من أكثر من ذكر شيء أحبه. فـ رابعة هذه معروفة بالزهد، وعندما يجلس معها سفيان يظل يذم الدنيا وأهلها، فقالت له: من أحب شيئاً أكثر من ذكره، فأنت كلما تأتي تتكلم عن الدنيا وأهلها فقط، وهذا دليل على أنك تحب الدنيا، فمن أكثر من ذكر شيء فهو أحب الأشياء إليه.

стр. 345

تعليق الإمام ابن بطة على ما تقدم من ذم المراء والخصومات في الدين قال الشيخ: [فاعلم يا أخي! أني لم أر الجدال والمناقضة والخلاف والمماحلة، والأهواء المختلفة والآراء المخترعة من شرائع النبلاء، ولا من أخلاق العقلاء، ولا من مذاهب أهل المروءة، ولا مما حكي لنا عن صالحي هذه الأمة، ولا من سير السلف، ولا من شيمة المرضيين من الخلف، وإنما هو لهو يتعلم، ودراية يتفكه بها، ولذة يستراح إليها، ومهارشة العقول، وتذريب اللسان بمحق الأديان، واستمتاع بظهور حجة المخاصم، وقصد إلى قهر المناظر، والمغالطة في القياس، وبهت في المقاولة، وتكذيب الآثار، وتسفيه أحلام الأبرار، ومكابرة لنص التنزيل، وتهاون بما قاله الرسول ﷺ ، ونقض لعقدة الإجماع، وتشتيت الألفة، وتفريق لأهل الملة، وشكوك تدخل على الأمة، وتوغير للقلوب، وتوليد للشحناء في النفوس. عصمنا الله وإياكم من ذلك، وأعاذنا من مجالسة أهل الأهواء]. كل هذه البلايا بسبب الجدال بالباطل. [وقال ابن أبي الزناد: أدركنا أهل الفضل والفقه من خيار أولية الناس -يعني: من السلف- يعيبون أهل الجدل والتنقيب، والأخذ بالرأي أشد العيب، وينهوننا عن لقائهم ومجالستهم، وحذرونا مقاربتهم أشد التحذير، ويخبرونا أنهم على ضلال، وتحريف لتأويل كتاب الله، وسنن رسوله ﷺ ، وما توفى الرسول ﷺ حتى كره المسائل وعابها، وعاب التنقيب عن الأمور وزجر عن ذلك، وحذره المسلمين في غير موضع، حتى كان من قوله ﵊ في كراهية ذلك أن قال: (ذورني ما تركتكم)] يعني: إذا أخفيت شيئاً عنكم، أو لم أتكلم في اتباعه؛ فلا يجادلني ويخاصمني فيه أحد منكم. قال: [(ذروني ما تركتكم، فإنما هلك الذين من قبلكم بسؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم)] يعني: لابد أن تعلم أن الجدال مهلكة، وأن الخصومة مهلكة. قال: [(فإنما هلك الذين من قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم -يقصد بني إسرائيل- فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) اجتنبوه كله؛ لأن النهي داخل في مقدور كل إنسان. قال: [(وإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم)]. وأنتم تعلمون ذلك الرجل الذي قام وقال: (يا رسول الله! الحج كل عام؟ فسكت، فقام فسأل: الحج كل عام؟ فسكت، فقام فسأل: الحج كل عام؟ قال: لو قلت: نعم لوجبت -أي: لو قلت: الحج كل عام لكان واجباً على كل مسلم أن يحج في كل عام- ولما استطعتم). [فأي: امرئ أكب على التنقيب لم يعقل من هذا، ولم يبلغ الناس يوم قيل لهم هذا القول من الكشف عن الأمور جزءاً من مائة جزء مما بلغوا اليوم، فهل هلك أهل الأهواء وخالفوا الحق إلا بأخذهم بالجدل، والتفكير في دينهم؟ فهم كل يوم على دين ضلالة وشبهة جديدة، لا يقيمون على دين، وإن أعجبهم إلا نقلهم الجدل والتفكير إلى دين سواه، ولو لزموا السنن وأمر المسلمين، وتركوا الجدل لقطعوا عنهم الشك، وأخذوا بالأثر الذي حضهم عليه النبي ﷺ ]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 346

الأسئلة

стр. 347

حكم إلزام الناس أنفسهم بأخذ الهدايا للأبناء والبنات في شهري رجب ورمضان السؤال هل هناك نهي عما اعتاده عامة الناس من الزيارات المحملة بالهدايا لأبنائهم وبناتهم في المناسبات كصيام رجب أو رمضان، وإن كان هناك نهي فهل هذا النهي منوط بتعظيم يوم لم يعظمه الله تعالى ورسوله، أم أنه يوم من أيام الإسلام؟ الجواب لا شك أن هذا من البدع، وهذا معروف في الريف المصري بالذات، يقولون: هذا موسم، فأول رجب عندهم موسم، يعني: يلزم الأولياء أو الآباء أن يأخذوا هدايا عظيمة جداً ويهدونها لأبنائهم، وإن لم يفعلوا كانوا محل تعيير. وهذا كله ليس عليه دليل، وأظن أنه قد أخذ شكل العبادة الملزمة للناس.

стр. 348

الحكم على حديث (من قرأ قل هو الله أحد في يوم إحدى عشرة مرة) السؤال ( من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] في يوم إحدى عشرة مرة بنى الله له بيتاً في الجنة) هل هذا حديث صحيح أم لا؟ الجواب هذا حديث غير صحيح.

стр. 349

حكم سكن الرجل بزوجته في بيت يشترك معه فيه أخوه وزوجته السؤال لي أخت جاء لها رجل ليتزوجها، وهو عنده شقة شركة بينه وبين أخيه، حيث يسكن معه أخوه، وأخوه هذا متزوج، فهل يجوز هذا مع ملاحظة أن الشقة واسعة، لكن قد يقع شيء من الرؤية على الأزواج والمحارم في هذه الحالة، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب إن الإسلام قد شرط أن يكون لكل زوجة مسكن يخصها، وأن يكون هذا المسكن مسكناً صحياًّ مناسباً للحياة من دخول الشمس ودخول الهواء وغير ذلك. فإذا كان هناك رجلان متزوجين من امرأتين، وكلاهما يسكن في شقة واحدة، والحمام مشترك، وبالتالي سيكون المطبخ مشتركاً؛ فلابد أن يقع محظور من اختلاط، ونظر، ومباشرة، وأنتم تعلمون أن الإسلام من أسمى أهدافه أنه يدفع المفسدة ويجلب المصلحة، وهذا الاختلاط جلب للمفسدة ودفع للمصلحة، وهذا على غير أصل الشرع في بناء وإصلاح المجتمع الإسلامي؛ ولذلك لا يجوز للإنسان أن يسكن بزوجته في بيت فيه رجل آخر.

стр. 350

حكم تدريس الرجال للنساء في حلقات القرآن السؤال هل يجوز عمل حلقة لتعليم القرآن للنساء، مع العلم بأن المعلم سوف يجلس بعيداً عنهن بحوالي مترين؟ الجواب الحقيقة أن مساجد الجمعية الشرعية ابتليت بهذا، وأنا أريد أن أعرف سر شرط كشف المرأة وجهها أمام الشيخ، أو أن يجعل بين الشيخ وبين المتعلمة ستار، فلابد أنه سينظر إلى وجهها، وينظر إلى شكلية مخارج الحروف حين تخرج من لسانها؛ وكل ذلك بحجة أنه لا يوجد دليل صريح على مشروعية تغطية الوجه، مع أن أعظمها صراحة الأمر بغض البصر، وبالتأكيد هو لن يغض بصره. وقد تأتي شبهة أخرى إذ يقول: إن هذا الثوب كثيف، فنقول: نعم، كثيف، لكنه جميل، فهذا الرجل الجميل تفتن المرأة به، وهل تتصورون أن الفتنة متعلقة بالعين فقط؟ بل إن فتنة الصوت أعظم من فتنة الوجه، فالرجل يسمع على التلفون مثلاً امرأة صوتها ناعم، وكذلك هي تتكلف الرقة في كلامها وتخضع في قولها، فلا شك أن هذا باب عظيم جداً من أبواب الفتنة لا علاقة له بالنظر، فأرجو أن يدرس النساء النساء فقط. وأظن أن هذا إن شاء الله متوفر في كل حلقة، وفي كل مكان، وهذا من رحمة الله بهن أنه جعل في كل حي أختاً حافظة للقرآن الكريم، وعندها شيء من السنن والفقه، فلا بأس أن يجتمع عليها النساء ويدرسن عندها. فالأصل من الأخت أن تحفظ من القرآن، ومن السنة، ومن الفقه ما ينفعها في حياتها؛ لأنه مع أول مولود تنتهي أسطورة التعليم، وإذا أصرت على مواصلة تعليمها على هذا النحو فلابد أن يكون على حساب بيتها، وعلى حساب زوجها، وعلى حساب أولادها، ولست أقول: صدوا الأخوات عن طلب العلم، لا، لكنني أقول: تأخذ الأخت من العلم قدر ما يقيم لها دينها، وهذا يصلح على يد امرأة لا على يد الرجل، والله تعالى أعلم.

стр. 351

حكم قراءة الضاد ظاءً في قوله تعالى (ولا الضالين) السؤال إمام مسجد عند قراءة الفاتحة يقول: (ولا الظالين) بدلاً من (ولا الضالين) أي: يقولها ظاء، فما حكم ذلك؟ الجواب هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم، ففي كتاب طبقات القراء للإمام الذهبي ذكر الإمام الذهبي في تراجم كثير من القراء وأصحاب الحروف: أن الواحد منهم كان يقرأ الضاد ظاء، لكنها ليست ظاء صريحة، وإنما هي بين الضاد والظاء، ولكنها تكتب ضاداً، فيقول: وهذه المسألة محل خلاف بين القراء، والراجح أنها تنطق ضاداً كما تكتب. لكن على أية حال هذه المسألة فيها أخذ ورد بين الكثير من المختصين، حتى أحدثت فتناً عظيمة في مسائل كثيرة، والواحد منهم كان يصر على أن ينطق الضاد ظاء صريحة، وهذا لا يستقيم لا من جهة الخط، ولا من جهة المعنى مع كثير من الآيات التي فيها الضاد، فلابد من تحول المعنى، ويختلف تماماً عن مراد الله . ثم لو سلمنا أن نطق الضاد متفق عليه، وأن الظاء لفظ مختلف فيه، فأي الفريقين أولى وأهدى: المتفق عليه أم المختلف فيه؟ المتفق عليه، فأنت تدعي أن الضاد تنطق قريبة من الظاء، مع أن كلمة (قريبة من الظاء) مسألة تقديرية، فهناك خلاف بين من يقولون: تنطق ظاء، ومن يقولون: تنطق أخف وأقل من ذلك. فالآن لو أنا قرأناها ضاداً فقط فهل هذا صحيح؟ الجواب نعم، فإذا صححتم أنتم قراءتنا ونازعناكم في صحة قراءتكم فأي القراءتين أولى؟ بلا شك المتفق عليها، لكن كثيراً من الإخوة لا حكمة عنده ولا مراعاة للمفسدة والمصلحة، فهو يتكلف عند قراءتها الضوضاء إحداثاً للفتنة؛ وذلك لأنه يعلم أن من خلفه لا يراعي ولا يعتبر الخلاف، يعني: ليس عنده حكمة في وجود الخلاف بين أهل العلم. وهذه المسألة قد كتب فيها بعض أهل العلم كالشيخ عبد الباسط هاشم، والشيخ عبد الله الجوهري، والشيخ عرفان وغيرهم، وصنفت رسائل عصرية في الرد على من قال بهذا الرأي، كما صنفت رسائل سلفية قديمة في الرد على هذا وبطلانه، وأنا لا أقول بالبطلان، وإنما أقول: هو مذهب مرجوح.

стр. 352

تمييز المسجد الأقصى من مسجد قبة الصخرة السؤال ما الفرق بين قبة الصخرة والمسجد الأقصى؟ الجواب هذه في الحقيقة مسألة مهمة جداً؛ لأن مسجد قبة الصخرة ترون قبته أحياناً تظهر فضية في الصورة، وأحياناً تظهر خضراء، فعلى مدار سنوات طويلة جداً أكثر من خمسين أو ستين سنة -أي: من سنة ١٩٤٨م وإلى الآن- واليهود مجتهدون على أن يصوروا للأمة الإسلامية أن مسجد قبة الصخرة هو المسجد الأقصى، وفي الحقيقة مسجد قبة الصخرة ليس هو المسجد الأقصى، فالمسجد الأقصى هو مكان بجوار مسجد قبة الصخرة، فمسجد قبة الصخرة في جانب من جوانب المسجد الأقصى وليس من المسجد الأقصى، ودليل هذا أن اليهود أو أهل البدع عموماً وأهل الكفر والنفاق يصبرون على كفرهم وبدعهم كما صبر نوح على دعوة قومه وزيادة، لكن أهل الحق دائماً متعجلون، فهم يفهمون الحق ومع ذلك يسحب البساط من تحت أرجلهم بسبب استعجالهم، وأما أهل الباطل فإنهم يزينون هذا الباطل ويزخرفونه، ويصورن أن هذا هو الحق، ويتحملون في سبيل ذلك كل الأذى إذا وقع بهم أذى. فاليهود يعملون ذلك؛ حتى إذا تسنى لهم هدم الأقصى هدموه، وقد زرعوا في قلوب الأمة وصدورها أن هذا ليس هو المسجد الأقصى، وإنما مسجد القبة الذي أنتم ترونه هو المسجد الأقصى، وكل هذا بفعل اليهود ومن جاراهم من أهل العداوة والنفاق، حتى إذا هدم الأقصى لم يتحرك أحد المسلمين؛ باعتبار أنه لا يزال الأقصى قائماً، وليس الأمر كذلك.

стр. 353

حكم جلوس الحائض في المسجد السؤال هل يجوز للحائض أن تجلس في المسجد؟ الجواب إذا دعتها الضرورة إلى ذلك وإلا فلا، والأصل ألا يجلس المسلم أو المسلمة في المسجد إلا على أكمل طهارة؛ لأنه يزاور ويجالس ملائكة الرحمن، ولا يخلو الأمر من ذكر أو تسبيح أو قراءة للقرآن، ولا خلاف أن المسلم يستحب له أن يكون على أكمل هيئة في ملبسه وبدنه من الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر، والخلاف هل للحائض والجنب المكث في المسجد؟ فالمسألة محل نزاع بين أهل العلم: فالجمهور على التحريم، والظاهرية على الإباحة، وإنما قالوا بالإباحة لضعف كل الأدلة التي اعتمد عليها جمهور الفقهاء. وفي الحقيقة من جهة الحل والحرمة والجواز وعدمه أنا أميل إلى هذا الأصل، ومن جهة الاستحباب فأنا مع رأي الجمهور، وأنا ألزم نفسي ومن يدخلون في ولايتي أن يكونوا على أكمل طهارة عند أخذهم القرآن الكريم، أو قراءتهم فيه، إلا إذا دعت الضرورة كامرأة حاضت، وهي منتظمة في درس، فيمنعها الحيض من درسين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة إذا كان الدرس يومياً، ولا شك أن هذا الدرس إذا امتنعت منه المرأة أثر على ربط حاضرها العلمي بماضيها، مما يرهق المعلم الذي يضطر لأن يعيد لها هذه الدروس، وهذا مرهق له، فلا بأس إذا دعت الضرورة.

стр. 354

حكم استعمال العطور التي فيها كحول السؤال هل يجوز استعمال العطور التي فيها كحول، أو الموجودة في المحلات حالياً، أو بيعها؟ الجواب أخبرنا شيخنا الألباني أن هذا الأمر مختلف فيه، فمن العلماء من حرم العطور إذا مسها شيء من الكحول مهما كان قليلاً، ومنهم من قال بالتفريق بين القلة والكثرة، فإذا كانت نسبة الكحول المضاف إلى العطر قليلة لا تكاد تذكر فالأصل الحل، وإذا كان كثيراً بحيث يغلب على نظر الناظر أو لمس اللامس لهذا العطر أنه يطير فور خروجه من زجاجته أو قارورته؛ فالأصل فيه الحرمة؛ لغلبة الكحول عليه. ولعل الرأي الثاني هو الذي يترجح لدي.

стр. 355

حكم قول الرجل: أنا عندي كذا منذ الجاهلية . وحكم بيع التلفزيون السؤال عندي تلفزيون قديم منذ الجاهلية هل يجوز أن أبيعه، وهو موجود عند الناس بكثرة؟ الجواب كلمة الجاهلية الأصل فيها ألا تطلق إلا على الكفر أو الردة، فإطلاق ذلك باب من أبواب الخوارج، والمراد: الكفر، أو إطلاق لفظ الكفر على المعاصي، أو الجاهلية على المعاصي، ولا شك أن المعاصي معاصٍ، لكن الأصل أن يقول المرء: كنت كذا قبل الالتزام، ولا يقول: في الجاهلية؛ لأن الجاهلية عند الإطلاق تعني: الكفر والشرك. وهذا التعليق ليس هو في معرض رد السؤال. وأما بيع التلفزيون فقد طرحت هذا السؤال على الشيخ الألباني وقال: لا يجوز، وقال بحرمة اقتنائه كذلك، فقلت له: نبيعه للإخوان الملتزمين، فقال: إن الله لا يحب الفساد، هكذا أفادنا الشيخ يرحمه الله.
следующие страницы →