Полный текст (1 366 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الحث على اعتزال الفتن والابتعاد عن صفها
قال: [وقال أبو عقيل: (قلت لـ أبي العلاء: ما كان مطرف يصنع إذا هاج هيج)]، يعني: إذا وقعت الفتنة، [قال: كان لا يقرب لها صفاً ولا جماعة حتى تنجلي عما انجلت.
وعن الفضيل بن عياض قال: الزموا في آخر الزمان الصوامع -يعني: البيوت- فإنه ليس ينجو من شر ذلك الزمان إلا صفوته من خلقه، قال: وسمعت الفضيل يقول: حتى متى لا نرى عدلاً يسر به ولا نرى لدعاة الحق أعواناً ثم بكى الفضيل وقال: اللهم أصلح الراعي والرعية.
وعن ابن طاوس عن أبيه قال: لما وقعت فتنة عثمان قال لأهله: قيدوني فإني مجنون، فلما قتل عثمان قال: خلوا عني القيد، الحمد لله الذي عافاني من الذنوب وأنجاني من فتنة عثمان].
يدعي أنه مجنون من أجل أن ينجو من الفتنة، لما شعر بوقوع الفتنة، قال: قيدوني أنا مجنون، وطاوس بن كيسان هو من كبار التابعين، ومن سادة أهل اليمن علماً وعبادة ورواية.
فقيدوه ثم بلغه وهو في القيد أن عثمان قد قتل وانجلت الفتنة، فقال: فكوا قيودي انتهت الفتنة؛ لأنه مأمور أن يكون حلس بيته؛ فعمل بالأمر وترك الناس.
قال: [وعن سيار بن عبد الرحمن قال: قال لي بكير بن عبد الله بن الأشج: ما فعل عمك؟ قلت: لزم البيت منذ كذا وكذا، قال: أما إن رجالاً من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم].
وهؤلاء من أهل بدر، فيا أخي الكريم! من أنت بجانب أهل بدر؟ هل نحن الآن نصل إلى ما وصلوا إليه؟ هل نفهم أكثر منهم؟ إذا كانت المسألة مسألة أفهام وعقول، فهل عقولنا مقدمة أم عقول أهل بدر؟
الجواب
عقولهم وأفهامهم مقدمة على أفهامنا، فضلاً عن وجود الأوامر النبوية باعتزال الفتن فهؤلاء أهل بدر الذين قال رسول الله ﷺ : (لعل الله اطلع على قلوب أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم).
فهؤلاء مع تقدمهم وعلمهم وإخلاصهم في الصحبة وبلائهم البلاء الحسن مع النبي ﷺ ، كانوا إذا سمعوا بفتنة لزموا بيوتهم حتى تنجلي.
قال: [فالفتن على وجوه كثيرة، ودروب شتى، قد مضى منها في صدر هذه الأمة فتن عظيمة نجا منها خلق كثير عصمهم الله فيها بالتقوى، وجميع الفتن المضلة المهلكة المضرة بالدين والدنيا فقد حلت بأهل عصرنا، واجتمع عليهم -مع الفتن التي هم فيها التي أضرموا نارها وتقلدوا عارها- الفتن الماضية والسابقة في القرون السالفة، فقد هلك أكثر من ترى بفتن سالفة وفتن آنفة، اتبعوا فيها الهوى، آثروا فيها الدنيا؛ فعلامة من أراد الله به خيراً، وكان ممن سبقت له من مولاه الكريم عناية، أن يفتح له باب الدعاء باللجاء والافتقار إلى الله بالسلامة والنجا، ويهب له الصمت، إلا بما لله فيه رضا، ولدينه فيه صلاح، وأن يكون حافظاً للسانه، عارفاً بأهل زمانه، مقبلاً على شأنه، قد ترك الخوض والكلام فيما لا يعنيه، والمسألة والإخبار بما لعله أن يكون فيه هلاكه، لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، فإن هذه الفتن والأهواء قد فضحت خلقاً كثيراً، وكشفت أستارهم عن أحوال قبيحة، فإن أصون الناس لنفسه أحفظهم للسانه، وأشغلهم بدينه، وأتركهم لما لا يعنيه.
[وقال سفيان: لما قتل الوليد بن يزيد، كان بالكوفة رجل يكون بالشام وأصله كوفي، سديد عقله، فقال لـ خلف بن حوشب لما وقعت الفتنة: اصنع طعاماً واجمع بقية من بقي، فجمعهم، فقال سليمان بن مهران الأعمش حينئذ للضيوف: أنا لكم النذير، كف رجل يده، وملك لسانه وعالج قلبه].
أي: أنا اليوم أنذركم، كفوا ألسنتكم، وأمسكوا بأيديكم، وعالجوا قلوبكم.
أي: لا تدخلوا في هذه الفتنة.
قال: [وقال سليمان بن عتيق لما وقعت الفتنة قال طلق بن حبيب: اتقوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله، على نور من نور الله، رجاء ثواب الله].
انظروا إلى تفسير التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله -أي: على بصيرة- ترجو ثواب الله.
قال: [وأن تترك معاصي الله، على نور من الله؛ خوف عقاب الله].
إذاً: التقوى فعل وترك؛ فعل للطاعة ببصيرة وعلم، ترجو بها ثواب الله، وترك للمعصية لعلمك أنها معصية، وهذا هو النور من الله، تخاف عقاب الله .
قال: [وقال سعيد بن جبير: قال لي راهب: يا سعيد! في الفتنة يتبين لك من يعبد الله ممن يعبد الطاغوت]، يعني: الفتن هي المحك.
قال: [وقال معقل بن يسار: قال النبي ﷺ : (العبادة في الهرج كالهجرة إلي)].
والهرج: هي الفتن، فأن يلزم إنسان بيته في الفتنة، وأن ينشغل بطاعة الله تعالى: بقراءة القرآن والذكر والتسبيح والصلاة وغير ذلك، وأن يهجر هذه الفتنة؛ يكون كمن هاج
стр. 457
الانصراف عن الفتن بالقلب
قال: [وقال إبراهيم: قال شريح: ما أخبرت خبراً ولا استخبرت خبراً منذ وقعت الفتنة، ولا أصيب من مال رجل ولا من دينه.
وقال لرجل: لو كنت مثلك ما كنت أبالي لو مت الساعة].
يعني: يقول: يا ليتني مثلك، مع أنه لم يتكلم، ولم يطلب من أحد أن يخبره بخبر الفتنة، ولم يصب من مال أحد ولا من عرضه، ولم يتكلم قط، وهو مع هذا يتمنى أن يكون كآحاد الناس الموجودين أمامه.
يقول: لو أني مثلك لتمنيت أن أموت الساعة؛ لأنك على خير.
قال: [وقال شريح: فكيف بقلبي وهواي ما التقت فئتان إلا وقلبي يهوى أن تظفر إحداهما].
يعني: رغم أنني ما أصبت من مال أحد ولا من عرضه وما تكلمت في أحد، وكما أنني كذلك لم أستخبر أحداً، ولم أخبر أحداً بشيء، إلا أنه إذا وقعت فتنة بين طائفتين هوى قلبي الظفر والنصر لإحدى الطائفتين، قال: هذه عقوبة وبلاء عظيم جداً.
فهذا النص يا إخواني! نص خطير جداً، ومخوف إلى أقصى حد، حتى الإنسان ينصرف عن الفتنة بقلبه فلا يفكر فيها، ولا تخطر بقلبه ألبتة، بل يلزم بيته لزوماً، كما [قال حذيفة: إن كان الرجل يتكلم الكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيكون بها منافقاً، وإني لأسمعها اليوم من أحدكم عشر مرات]، كان الرجل يتكلم بها في عمره مرة في حياة النبي ﵊ فيعد بها من المنافقين، فما بالكم تتكلمون في كل يوم بهذه الكلمة عشر مرات؟
стр. 458
الدخول على السلاطين وأثره على العلماء والدعاة
قال: [وقال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه، فيخرج ما معه منه شيء].
والرسول ﵊ يقول: (من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن).
فقوله: (من بدا جفا)، أي: من سكن البادية كان فيه شيء من الجفاء والغلظة، وهذا أمر معلوم مشاهد.
(ومن اتبع الصيد غفل)، أي: غفل عن الذكر والتسبيح والصلاة وغيرها؛ لأنه يهوى الصيد، فقد انشغل به واستحوذ على قلبه، مع أنه من المباح، لكن لا ينبغي الانشغال بالمباح عن الواجب.
(ومن أتى السلطان افتتن)؛ لأن إتيان السلطان مرهون بالفتنة، إلا أن يكون سلطان خير ودين وتقوى وصلاح، فيجب على أهل العلم حينئذ إعانته على مسئوليته، وعلى المهمة التي أنيطت برقبته، أما إذا كان غير ذلك فيحظر على الرجل أن يقترب منه، وإلا فالفتنة على باب بيته.
يذكر أن محمد بن واسع دخل على مالك بن دينار، وإذا برسول السلطان يعطي مالكاً صرة فيها مال، فقبل مالك هدية السلطان وأنفقها في الناس، ولم يأخذ منها شيئاً، فقال محمد بن واسع: أقبلت هدية السلطان؟ قال: أما رأيتني قد أنفقتها في طلاب العلم؟ قال: أسألك بالله أقلبك عليه بعد أن أخذت الصرة كقلبك عليه قبل أن تأخذها؟ قال: لا.
والله إني حمار.
وهذا فقه عظيم جداً؛ ولذلك أذكر أن أحد الدعاة قد أمات نفسه وهو حي، صعد المنبر في سنة (١٩٨١م)، وقال: إن لمصر إلهين: إلهاً في السماء، وإلهاً في الأرض، وهو مجلس الشعب، وكان يفتينا بأن حزب العمل والوفد وغيرها من الأحزاب أحزاب بدعية شركية، فإذا به يدخل في الحزب، ويدخل مجلس الشعب، فلما حدثناه في ذلك، قال: أنتم لا تدرون ما العلاقة التي بيني وبين فلان؟ إنها علاقة قوية نقية، وكلها خير، والرجل على صلاح وتقوى ودين وخلق؛ فقلنا له: لم كفرته آنفاً؟ إما أن تعرف عنه ما عرفته الآن، فتكون قد كفرت رجلاً أنت تعلم أنه على خير، وعلى دين، وإما أن تكون قد جهلت هذا؛ فتكون قد كفرت بغير علم، فأنت في حرج في الحالين.
فأرسل الله تعالى إليه جنداً من السماء، وهو جند الحب والبغض؛ فأبغضه شباب الصحوة وانصرفوا عنه تماماً، فهو الآن حي ميت، لا يتكلم بكلمة قط لله ؛ لأنها غير مسموعة تماماً، وهذه عقوبة نزلت من السماء.
وكان السلف ﵃ يتحرجون أشد التحرج من الدخول على السلطان، حتى وإن كان فيه نوع صلاح.
سفيان الثوري كان من أشد الناس هرباً عن بيوت السلطان، فقد دعاه سلطان الكوفة مرة، وأرسل إليه مرات ومرات فلم يأته، فحملوه حملاً حتى وضعوه على بساط السلطان، فدخل وجلس ولاطفه السلطان وكلمه بكلام يليق بمنزلة أهل العلم وكرامتهم، وطلب منه أن يتولى قضاء الكوفة، فقال: أنا لا أعرف القضاء، فلما ضغط عليه أظهر أنه مريض أو مجنون، فلما رأى ذلك منه السلطان، وعلم أنه لن يصلح معه أي حيلة قال: انصرف على أن تأتينا.
قال: أفعل.
قال: أتعد بذلك؟ قال: نعم.
فخرج سفيان الثوري وترك نعله، ثم عاد مرة أخرى ليأخذ نعله، ففطن لذلك أحد الجالسين وقال: يا فلان! إن سفيان لن يأتيك بعد ذلك، إنه قد وفَّى بما وعد، ودخل مرة أخرى.
أرأيتم الهروب من السلطان إلى أين يصل؟ هي والله فتنة عظيمة جداً.
قال: [إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه، فيخرج ما معه منه شيء.
قيل: لم يا أبا عبد الرحمن؟! قال: لأنه يرضيه بما يسخط الله عليه].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 459
شرح كتاب الإبانة - تحذير النبي ﷺ لأمته من قوم يجادلون بمتشابه القرآن
لقد حذر النبي ﷺ من الإصغاء إلى أهل البدع والأهواء؛ لأنهم يجادلون بمتشابه القرآن، ابتغاء الفتنة وابتغاء تحريفه، في حين أنهم يتركون المحكمات، وهذا مما يمحو نور آيات الله من قلب العبد، وقد نهى النبي ﷺ عن الاختلاف في قراءة القرآن الكريم، وذلك لأن اللهجات العربية متعددة، وقد أنزله الله على سبعة أحرف رحمة بهذه الأمة، وكفى الله المؤمنين مئونة هذا الاختلاف بجمع عثمان ﵁ له في مصحف واحد، وبقي اختلاف أهل الأهواء، فيرد عليهم العلماء.
стр. 460
باب تحذير النبي ﷺ لأمته من قوم يتجادلون بمتشابه القرآن وما يجب على الناس من الحذر منهم
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله ، وخير الهدي هدي النبي ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فمع باب جديد وهو: [باب تحذير النبي ﷺ لأمته من قوم يتجادلون بمتشابه القرآن، وما يجب على الناس من الحذر منهم].
[قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا﴾ [آل عمران:٧] إلى آخر الآية].
من القراء من وقف على قول الله : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، ومنهم من وقف على لفظ الجلالة، وهم جمهور القراء.
فهكذا التقدير: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]، ومنهم من وقف على قوله: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)) ثم استأنف: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧].
وكلتا القراءتين لها وجه، ولكن الذي عليه جماهير القراء -بل جماهير علماء الأمة- أن الوقف الأفضل هو الوقف على لفظ الجلالة، ثم استئناف علم الراسخين في العلم، وإلمام الراسخين في العلم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران:٧].
فهنا إثبات أن في كلام الله محكماً، وفي كلام الله متشابهاً، فأما المحكم فلا إشكال فيه؛ لأنه محكم لا يستطيع أحد من أهل البدع أن ينازع فيه.
وأما المتشابه وما ظاهره تعارض فإنه لا تعارض في كلام الله : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فلما لم يكن فيه اختلاف البتة دل على أنه من عند الله .
فأما أهل البدع فإنهم يتجادلون بالمتشابه من كلام الله ، وكذا بما ظاهره التعارض من كلام النبي ﵊.
أما الراسخون في العلم من أهل الإيمان والسنة، فإنهم يعملون بالمحكم بغير نزاع بينهم، ويؤمنون بالمتشابه ويمرونه كما جاء، ولا يردون على الله شيئاً من كلامه، ولا على رسول الله ﷺ شيئاً من كلامه كذلك.
وسنعرف ما هو المحكم في كلام الله، وما هو المتشابه بإذن الله تعالى.
стр. 461
بيان معنى قوله تعالى (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه)
[قالت عائشة ﵂: قال النبي ﵊ في قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] إلى قوله الله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧]؛ قال: (فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم).
يعني: إذا رأيت واحداً يتجادل ويتماحل ويتخاصم بمتشابه القرآن، فاعلم أنه زنديق أو منافق أو ملحد، فاحذره وفر منه فرارك من الأسد.
وفي نفس الآية يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران:٧] أي: شك وضلال وحيرة وتيه ومرض ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٧] فهم دائماً لا يقصدون إلا المتشابه، ولا يسألون إلا عن المتشابه سؤال متعنت لا سؤال متعلم.
قال: ((فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ)) لماذا؟ ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧] أي: تحريفه، يعني: يطلبون الفتنة.
ولقد رأيت أحد هؤلاء الذين في قلوبهم زيغ يتتبع آيات القرآن الكريم المتعلقة بالشفاعة، ثم أخذ يتتبع آيات القرآن الكريم المتعلقة بعدة المرأة الحامل، وعدة المرأة المتوفى عنها، وبقية العدة في حق المرأة.
وقال: هذا تضارب في قول الله ؛ مما يستبين معه للناقد البصير أن هذا الكلام ليس هو من عند الله ! هكذا تصور أنه ناقد بصير، فهو والله فقد بصيرته وبصره؛ لأن الكلام كلام الله .
[قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧].
فقال النبي ﵊ حينئذ: (هم أهل الجدل في القرآن، وهم الذين عناهم الله فاحذريهم يا عائشة!)].
[وقال النبي ﵊: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه -أي: من القرآن- فأولئك ذكر الله فاحذروهم)].
[وعن عائشة ﵂ مرفوعاً في نفس الآية: قال النبي ﵊: (الراسخون في العلم الذين آمنوا بمتشابهه وعملوا بمحكمه)]، حتى تعلم علامات أهل الصلاح أنهم إذا جاءتهم آية محكمة عملوا بمقتضاها ومفهومها وظاهرها، وإذا أتتهم آية متشابهة فوضوا وسلموا أمرها إلى الله، مع الإيمان الجازم بأنها كلام الله ، والله تعالى لا يتكلم عبثاً.
[وقال النبي ﵊: (إذا رأيتم الذي يجادلون فيه -أي: في القرآن- فهم الذي عنى الله فاحذروهم).
قال أيوب بن أبي تميمة السختياني: ولا أعلم أحداً من أهل الأهواء يجادل إلا بالمتشابه].
[وعن ابن عباس في قول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧].
قال: المحكمات: ناسخه وحلاله وحرامه وحدود وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به].
فإذا كان الناسخ من المحكم فالمنسوخ من المتشابه، والناسخ محكم لأن الناسخ هو النص اللاحق للعمل به، كما قال ﵊: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزورها فإنها تذكر بالآخرة).
فقول جرير أو جابر ﵄: (أن آخر الأمرين من النبي ﷺ أنه لم يكن يتوضأ مما مسته النار) يدل على أنه كان يتوضأ أولاً من كل طعام أعد في النار، ثم نسخ هذا بأنه ﵊ كان يأكل مما مسته النار وطهي عليها ولم يتوضأ.
وقد أعد العلماء كتباً للناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، والناسخ والمنسوخ لحديث النبي ﵊.
فالناسخ من المحكمات والمنسوخ من المتشابهات، كما أن من المحكمات أيضاً الحلال والحرام والحدود والكفارات، وما يؤمن به المرء إيماناً جازماً، وكذلك من المحكمات الفرائض كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وما أمر بأن يعمل به.
[فأما الذين في قلوبهم زيغ من أهل الشك فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم]، أي: يخلطون بين هذا وذاك، [ويلبسون] أي: على العامة، [كلام الله ، فيلبس الله تعالى عليهم، فأما المؤمنون فيقولون: آمنا به]، مهما لبستم يا أهل البدع! فلن يعدو الإيمان الجازم بأن هذا الكلام من عند الله منه الناسخ ومنه المنسوخ.
[فيقولون: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)، محكمه ومتشابهه]، أي: يقولون: المحكم من عند الله والمتشابه من عند الله.
[وعن الحسن في قول الل
стр. 462
بيان أن صفات الله من المحكمات
كثير من الناس يعتقد أن صفات الله من المتشابهات؛ اغتراراً بقول كثير من السلف: نؤمن بها ونمرها كما جاءت دون خوض فيها بتأويل أو تحريف أو تمثيل أو تكييف، فقالوا: هذا القول يشعر أن الصفات من المتشابهات، فمثلاً: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، ذهب أهل التمثيل والتشبيه إلى أن لله يداً كيد المخلوقات؛ لأن الله تعالى ما خاطب العباد إلا بما يدخل في أفهامهم وتدركه عقولهم، فلما قال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] دل على أن له يداً، وهذه اليد مثلوها بيد الإنسان.
قلنا: هذا الكلام لا يستقيم لا من جهة النقل ولا من جهة العقل، والدليل على ذلك أن نقول: لم جعلنا يد الله تعالى كيد الإنسان خاصة؟ لم لا تكون كيد الحيوان أو الطير أو الحشرات؟ ولو سلمنا أنها كيد إنسان فهل يد كل إنسان كيد أخيه الإنسان؟
الجواب
لا، بل أحياناً تجد في يد الإنسان الواحد قصوراً في يد وطولاً في الأخرى، وضموراً في يد وسمنة في الأخرى وغير ذلك، فإذا كانت اليد في الشخص الواحد أحياناً تختلف، فكيف نقول بأن يد الله تعالى كالإنسان؟ فأي إنسان هذا الذي تشبه يده يد الله ؟! لابد أن نتوقف في الجواب.
الأمر الثاني: أننا لا نستطيع تكييف الذات العلية لله ، ونعجز عن وصفها؛ لأنها لم تر لنا، وليس لها مثيل نقيس عليه، ولو أني قلت: هل رأى أحد منكم إبراهيم؟ تقولون: لا، أقول: إن إبراهيم يشبه محمداً في العين أو الفم أو الأنف أو الوجه أو اليد أو الساق أو غير ذلك، فإذا قلت: إن إبراهيم شبيه محمد فقد فهم المخاطب أوصاف محمد وأوصاف إبراهيم، ومحمد معلوم لدينا، لكن الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فلما لم يكن له مثيل من خلقه ولا شبيه من خلقه ولا كفؤ من خلقه، فلا يمكن معرفة الله تعالى عن طريق القياس، ولا رأينا الله تعالى في الواقع، وإنما يراه المؤمنون في الآخرة، كما أنه كذلك لا يمكن قياس الذات العلية على ذوات المخلوقين فإذا عجزنا عن كيفية الذات، لابد كذلك أن نعجز عن كيفية الصفات؛ لأن الصفات لازمة للذات.
والفريق الآخر المقابل للممثلة والمشبهة والمكيفة هم النفاة الذين قالوا في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]: لا يصح أن يكون لله يد، وفي مقدمتهم الجهمية، قالوا: لأن إثبات اليد لله تعالى تستلزم المشابهة، والله تعالى منزه عن ذلك، فلابد من تحريف الكلم عن مواضعه، ولابد من تأويل اليد هنا، فأولوها بالقوة، فلما أرادوا تنزيه الله وقعوا في شر مما هربوا منه، وهو التعطيل.
لكن أهل السنة والجماعة اعتبروا أن الصفات من المحكمات؛ لأننا نثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله، وننفي عن الله ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﵊، على المعنى اللائق بالله .
فالله تعالى أخبر أن له يداً وأخبر أن له قوة، فلا يستقيم قط أن أقول: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] أي: قوة الله فوق قوتهم؛ لأنني لو قلت ذلك وأولت وحرفت النص عن ظاهره، للزمني تعطيل صفة اليد، بل أنا أثبت اليد على المعنى اللائق بالله ، وأثبت القوة كذلك على المعنى اللائق بالله ؛ لأنها من صفات أفعاله، والله تعالى واحد في أفعاله، كما أنه واحد في ذاته، وواحد في أسمائه، واحد في صفاته، فإذا أثبتُّ أن له قوة أثبت القوة التي لا علاقة لها باليد التي هي من صفات الذات لله ، أما القوة فمن صفات الفعل لله ، وقوة الله تعالى لا تدانيها قوة ولا تضاهيها قوة، فأثبت اليد على المعنى اللائق بالله، وأثبت القوة على المعنى اللائق بالله ، ولم يخض أهل السنة والجماعة في معرفة كنه الصفة أو تكييف الصفة، وفوضوا كيفيتها إلى الله ؛ لأنه هو الذي يعلم ذاته ويعلم صفاته على الحقيقة.
أما البشر فالواجب عليهم أن يؤمنوا بأن الله تعالى سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بأوصاف، وكذلك فعل رسوله ﵊، فيجب عليهم أن يؤمنوا بها ويمروها كما جاءت، يفوضون كيفيتها إلى الله ، أما علمها وحقيقتها فإننا نؤمن إيماناً جازماً أن الله تعالى له أسماء وله صفات.
فتبين بعد هذا العرض السريع أن صفات الله من المحكمات وليست من المتشابهات، وهذه جزئية لو لم نخرج هذه الليلة إلا بها لكفى؛ لأن كثيراً من طلاب العلم -بل أهل العلم الذين يصنفون كتبهم- يزعمون أن الصفات من الآيات المشتبهات، وليس الأمر كذلك.
أما قول من قال: إن الصفات من المحكمات، فهو قول المحققين والمدققين من أهل العلم من المحدثين وغيرهم.
стр. 463
تأديب عمر لصبيغ بن عسل الذي كان يسأل عن متشابه القرآن
قال: [قال سليمان بن يسار: إن رجلاً من بني سعيد يقال له: صبيغ بن عسل قدم المدينة وكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فبلغ ذلك عمر ﵁، فبعث له وقد أعد له عراجين النخل -جريد النخل- فلما دخل عليه جلس فقال له: من أنت؟ قال: أنا صبيغ، فقال عمر: وأنا عمر عبد الله، ثم أهوى إليه فجعل يضربه بتلك العراجين حتى شجه -أي: قطع لحم رأسه- فجعل الدم يسيل على وجهه فقال: حسبك يا أمير المؤمنين! فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي].
وهكذا كثير من الملاحدة، لكن لما لم يكن لدين الله حماة في هذا الزمان، لا من الحكام ولا من المحكومين، لجأ أهل العلم الغيورون على دين الله إلى الجدال ورد الشبهة، حتى إني لأعتقد أن كثيراً من المحاضرات والدروس وخطب الجمعة إنما هي رد فعل لكلام الملاحدة، على أية حال هو ضرب من ضروب العلم: لأن العلم أن أعلمك الشيء ابتداءً دون أن تسأل عنه حتى تعلمه، والوجه الثاني: أن تسأل عن شبهة طرأت عليك فأعلمك إياها وأردها عنك وأقيمك على الجادة، لكنه أمر مخجل جداً أن ينشغل أهل العلم الآن بالرد على هؤلاء الملاحدة، مما يدل على أن كل واحد من هؤلاء رفع عقيرته؛ لأن الراية الخضراء أمامه: افعل ما تشاء فهذا هو وقت استباحة المحرمات، ووقت الطعن في الثوابت التي تعلمها أطفال المسلمين قبل كبارهم! فنجد من ينازع في أصول الحج، وفي أصول الصلاة، وفي أصول الصيام، وفي أصول الزكاة، وهذه ثوابت لا يجوز زعزعتها من قلوب المسلمين رجالاً ونساءً، صغاراً أو كباراً، فنجد الآن من ينازع ويزعزع هذه الثوابت، حتى يأتي الرجل فيسأل عن شيء لا تملك أمامه إلا أن تضرب رأسك بالأرض أو بالحائط، كيف يسأل عن هذا؟! فيقول: الزنا قضية شخصية فلماذا حرمها الله ؟ فماذا تقول لهذا؟ هذا لا يصلح معه إلا عراجين النخل، لكن من يملك هذه العراجين الآن؟ لا أحد، فكأن حماة الدين في هذا الزمان يتامى لا أب لهم ولا أم، فقدوا كل سلطان على هؤلاء الملاحدة، بل لو غضبوا لله وتمعرت وجوههم ولو مرة؛ لنسبوا إلى الجهاد والتطرف والتزمت وغير ذلك.
وعلى أية حال هذه خطط ظنوها محكمة، لكنها بإذن الله تعالى أوهن من بيت العنكبوت، والله تعالى هو الذي يحمي دينه، وأنا أذكر بهذه المناسبة مقولة عبد المطلب في مواجهه أبرهة الأشرم حينما أتى ليهدم الكعبة، فأخذ الإبل والمتاع، فخرج إليه عبد المطلب وقال: أما الإبل فهي لي وأنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه، نعم.
فنقول: إن دين الله هو دينه الذي ارتضاه وأنزله من السماء، وهذا الدين لا يزال ظاهراً، وطائفة قائمة يظهرونه إلى قيام الساعة، لا يضرها من خالفها من هؤلاء الملاحدة، حتى يأتي أمر الله تعالى وهم ظاهرون، وهم على ذلك.
стр. 464
إيجاد السبل في تعلم منهج السلف في الرد على الملاحدة
قال: [وقال عمر بن الخطاب ﵁: سيأتي أقوام يجادلونكم بشبه القرآن، فجادلوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله ].
أناس سيأتونكم يقولون: الله تعالى يقول مرة: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [المزمل:٩]، ومرة يقول: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧]، ومرة يقول: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:٤٠].
فيقول: هل هناك مشارق ومغارب؟ هو مشرق واحد ومغرب واحد، إذاً: فما معنى مشارق ومغارب؟ وإذا كانت المشارق والمغارب متعددة، فكيف يكون المشرق اثنين والمغرب اثنين؟ ولو أن ملحداً سألك هذا السؤال فماذا تصنع؟ فلابد أن تجيب بكلام أهل العلم، فتكون قد قرأت في الكتاب الفلاني من كلام أهل العلم كيت وكيت وكيت، وهذا هو طالب العلم؛ ولخطورة هذا الباب الذي نحن بصدده أفضل أن ندرس كتيباً صغيراً، مقداره (٤٠) صفحة من القطع الصغير، لكنه من أمتع ما يمكن أن تقرأ في المتشابهات وكيفية الرد على الملاحدة، وهو كتاب الرد على الجهمية، وصاحب هذا الكتاب هو الإمام أحمد بن حنبل، وهو كتاب رائع، تقرأ فيه وأنت تبكي، من فرحتك برحمة الله بهذه الأمة أن جعل فيها هذا الإمام؛ لأن هذا الكلام كلام إنسان قد فتح الله عليه يقينه.
هذا نور إلهي بثه الله تعالى في قلب هذا العبد، ولذلك إن شاء الله تعالى في الدرس القادم سنتناول هذه الرسالة حتى نعلم حلاوة العلم، والتلذذ في طلبه، ونعرف كيف نرد على الملاحدة، وكيف يفكر الملاحدة؟ وما هي مادتهم؟ مادتهم المتشابهات، هي عندهم متشابهات لكنها عند أهل السنة من المحكمات، وسأبين هذا بإذن الله تعالى في الدرس القادم.
стр. 465
باب النهي عن المراء في القرآن
الباب الثاني: [باب النهي عن المراء في القرآن]، أي: في باب الخصومة والمماحلة.
[عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مراء في القرآن كفر)].
[وعن عبد الله بن عمرو قال النبي ﵊: (دعوا المراء في القرآن.
فإن الأمم لم يلعنوا حتى اختلفوا في القرآن]، أي: في الكتاب الذي أنزل على نبيهم، [وإن مراء في القرآن كفر)].
[وعنه قال: (سمع النبي ﷺ قوماً يتدارءون في القرآن]، أي: يتجادلون في كتاب الله، [فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا به، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه)]، أي: وما جهلتم منه فلا تسارعوا وتقولوا: هذا من المتشابه، بل قولوا: نحن لا نعلمه، فالذي تعلمه يقيناً وحقاً وصدقاً فقل به وأخبر به وعلم الناس، واعمل به أنت أولاً، والذي لم تبلغه العقول فينبغي أن تقول فيه: لا أعلمه، أو قل: الله أعلم.
[وعن أبي عمران الجوني قال: (كتب إلي عبد الله بن رباح: إن عبد الله بن عمرو قال: هجرت إلى رسول الله ﷺ ]، أي: ذهب إليه في الهاجرة، [فقعدنا بالباب، فسمع رجلين اختلفا في آية من كتاب الله ، فارتفعت أصواتهما، فخرج ﷺ من بيته مغضباً يُعرف الغضب في وجهه فقال: إنما هلك من كان قبلكم بالكتاب)] يعني: فعلتم مثلما فعل الأولون، كانوا يضربون كلام الله بعضه ببعض، ويضربون آيات الله بعضها ببعض، فكان ذلك سبباً في هلاكهم، فلا تفعلوا فعلهم.
[وعن أبي أمامة قال: (بينما نحن نتذاكر عند رسول الله ﷺ القرآن ينزع هذا بآية وينزع هذا بآية)]، في المجلس مذاكرة، كل واحد يتبنى في مسألة ما رأياً معيناً، فيأتي ليثبت صحة قوله بآية من كتاب ، والثاني يريد أن يثبت كذلك أن رأيه أصوب وأصح وأتم من رأي صاحبه، فيأتي بآية من كتاب الله ، فكأن هذا يضرب بآيته الآية الأولى، وذاك يضرب بآيته الآية الثانية، فهذا سبب لتضارب الآيات بعضها ببعض، وهذا جرى على يد الملاحدة والجهال، فمن كان جاهلاً فليكل العلم إلى الله ، ومن كان جاحداً أو منافقاً أو مبغضاً لكلام الله يريد أن يحرف الكلم عن مواضعه؛ فليعلم أن لله تعالى جنوداً: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، تدافع عن كلامه، وتدافع عن سنة النبي ﵊.
قال: [(ينزع هذا بآية وهذا بآية، فخرج علينا رسول الله ﷺ كأنما صب على وجهه الخل فقال: يا هؤلاء! لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإنه يوقع الشك في قلوبكم، فإنه لن تضل أمة إلا أوتوا الجدل)] يعني: أن الجدل علامة الضلال.
[وعن جندب بن عبد الله البجلي قال النبي ﵊: (اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا عنه)].
[وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) , وفي رواية: (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ)] أي: وإن أصاب.
وهذا من باب القول على الله تعالى بغير علم، ومن باب تأويل كلام الله بغير علم حتى وإن أصاب الحق؛ وذلك لأنه يحكم على كل إنسان أن يتكلم وأن يتأول وأن يفسر كلام الله بغير علم، فمن تكلم بالقرآن برأيه واجتهاده، وليس من أهل الاجتهاد، ولا من أهل النظر والدراسة والبحث؛ فإن هذا معتد متجرئ على كلام الله ، حتى وإن أصاب.
وإن ظن أن هذا ظاهر لكل أحد، وفسره بغير رجوعه لكلام أهل العلم، أو لسنة النبي ﵊؛ فإن هذا مخطئ وإن أصاب المراد من الآية، أو من الحديث النبوي؛ وذلك لأنه لا يجوز له أن يتكلم في دين الله إلا ببينة قوية، وعلم أكيد متين.
ألا ترون أن أحداً لا يجرؤ أن يصنع رسماً هندسياً لبناء عمارة، مع أن هذا أمر دنيوي لا يأثم فاعله، لكن تعارف الناس أن الذي يقوم بهذا العمل متخصص اسمه المهندس، كما لا يجرؤ أحد من عامة الناس وإن بلغ أعلى المراتب في الشهادات العلمية في الهندسة أو الكيمياء أو غير ذلك أن يدخل لإجراء عملية جراحية ليجري جراحة لإنسان، بل تراه يقول: ليس هذا عملي ولا تخصصي.
فإذا كان الناس يحترمون هذه التخصصات في حياتهم العامة وحياتهم الدنيوية، فما بال الجميع الآن يعتقد أنه قد بلغ مرحلة الاجتهاد، فتجد الغبي والأحمق والعالم والجاهل، والمتخصص وغير المتخصص، لا يبرح مجلسه إلا وقد أجاب في مسائل هو غير متخصص فيها؛ هل الأدب قد غاب عن كثير من الناس، أو عن عامة المسلمين؟ فلا يتكلم أح
стр. 466
الأوجه التي ينصرف عليها المراء في القرآن
[قال ابن بطة: المراء في القرآن المكروه الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ، ويتخوف على صاحبه الكفر، والمروق عن الدين ينصرف على وجهين].
стр. 467
الوجه الأول قراءة القرآن على لهجات عربية متعددة، وكفى الله المؤمنين مئونته
[الأول: قد كان وزال وكفى الله المؤمنين مئونته، وذلك بفضل الله ورحمته، تم بجمع عثمان بن عفان ﵁ الناس كلهم على إمام واحد باللغات المشهورة المعروفة؛ وذلك أن النبي ﷺ قد كان سأل الله في القرآن فقال له: أقرئ أمتك على سبعة أحرف وكلها سيان -يعني: على سبع لغات العرب- كلها صحيحة فصيحة، إن اختلف لفظها اتفقت معانيها، فكان يقرئ كل رجل من أصحابه بحرف يوافق لغته، وبلسان قومه الذي يعرفونه، فكان إذا التقى الرجلان فسمع أحدهما يقرأ بحرف لا يعرفه وقد قرأ هو ذلك الحرف بغير تلك اللغة أنكر على الآخر، وربما قال له: حرفي خير من حرفك، ولغتي أفصح من لغتك، وقراءتي خير من قراءتك؛ فنهوا عن ذلك، وأقر الله جميع هذه القراءات وقيل لهم: ليقرأ كل واحد منكم كما علم، ولا تماروا في القرآن فيقول بعضكم: حرفي خير من حرفك، وقراءتي أصوب من قراءتك، فإن كلاّ صواب، وكلام الله حق فلا تنكروه، ولا يرد بعضكم على بعض، فيكذب بالحق ويرد الصواب الذي جاء عن الله ، فإن رد كتاب الله والتكذيب بحرف منه كفر، فهذا أحد الوجهين من المراء الذي هو كفر قد ارتفع ذلك والحمد الله، وجمع الله الكريم المسلمين على الإمام الذي جمع المسلمون من الصحابة والتابعين على صحته وفصاحة لغاته، وهو المصحف الذي جمع عثمان بن عفان ﵁ المسلمين عليه، وترك ما خالفه، وذلك باتفاق من المهاجرين والأنصار وأهل بدر والحديبية الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وسأذكر الحجة فيما قلت، والله الموفق].
يذكر الحجة من حديث أبي بن كعب وهو في صحيح مسلم.
[قال أبي: (كنت في المسجد، فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل رجل آخر فقرأ خلاف قراءة صاحبه، فقمنا جميعاً فدخلنا على رسول الله ﷺ .
قال: قلت: يا رسول الله! إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل هذا فقرأ خلاف قراءة صاحبه، فقال لهما رسول الله ﷺ : اقرءا لي.
فقرءا.
فقال النبي ﵊: أصبتما)]، مع أن كل واحد منهما قرأ قراءة تختلف عن قراءة الآخر، ومع هذا فقد صوبهما النبي ﵊، [(فلما قال لهما النبي ﷺ ، قال: كبر علي ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى النبي ﷺ الذي غشيني ضرب في صدري ففضضت عرقاً كأني أنظر إلى الله فرقاً، ثم قال: يا أبي! إن ربي أرسل إلي فقال: أن اقرأ على حرف، قال: فوددت أن أهون على أمتي، فأرسل إلي: أن اقرأ على حرفين، فوددت أن أهون على أمتي فأرسل إلي: أن أقرأ على سبعة أحرف، ولكل ردة مسألة يسألنيها.
قال: قلت: اللهم اغفر لأمتي ثلاثاً، وأخرت الثالثة ليوم يحتاج فيه الخلق وحتى إبراهيم ﵇].
هذا الحديث يبين أن النبي ﵊ شفع عند ربه رحمة بأمته في اختلافهم في القراءة، فأذن الله تعالى له أن يقرأ على حرفين، ثم يقرأ على ثلاثة حتى قال: فاقرأ على سبعة، وهذه هي القراءات المتواترة، وما دونها شاذ لا اعتبار به.
[وقال أبو جهيم: (إن رجلين اختلفا في آية من القرآن فقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، فسألا النبي ﷺ عنها؛ فقال: إن القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراءً فيه كفر)].
[وعن ابن مسعود ﵁ قال: (أقرأني رسول الله ﷺ سورة، فدخلت المسجد فقلت: أفيكم من يقرأ؟ فقال رجل من القوم: أنا، فقرأ السورة التي أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فإذا هو يقرأ بخلاف ما أقرأني رسول الله ﷺ ، فانطلقنا إلى النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله! اختلفنا في قراءتنا فتغير وجهه ﷺ ، فقال علي بن أبي طالب ﵁: إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف، فليقرأ كل امرئ منكم ما أقرئ)] أي: فليقرأ كل امرئ منكم ما أقرأه النبي ﷺ .
[وفي رواية أخرى عن ابن مسعود قال: (قلت لرجل: أقرئني من الأحقاف ثلاثين آية، فأقرأني خلاف ما أقرأني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقلت لآخر: أقرئني من الأحقاف ثلاثين آية، فأقرأني خلاف ما أقرأني الأول، فأتيت بهما رسول ﷺ فغضب، وكان علي ﵁ جالساً، فقال لهم: اقرءوا كما علمتم).
قال الشيخ ابن بطة: فهذا بيان المراء في القرآن الذي يخاف على صاحبه الكفر، وقد كفي المسلمون بحمد الله المراء في هذا الوجه بإجماعهم على المصحف، الذي من خالفه ند وشرد وشذ، فلم يلتفت إليه ولم يعبأ الله بشذوذه].
فهذا الوجه الأول: الاختلاف في القراءة، وإنكار كل
стр. 468
الوجه الثاني مراء أصحاب الأهواء والبدع في القرآن الكريم
الوجه الثاني: [وقد بقي المراء التي يحذره المؤمنون ويتوقاه العاقلون، وهو المراء الذي بين أصحاب الأهواء وأهل المذاهب المنحرفة والبدع الضالة، وهم الذين يخوضون في آيات الله، ويتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، هذا التأويل لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم]، لكن أهل البدع والأهواء والمذاهب الضالة [يتأولونه بأهوائهم ويفسرونه بأهوائهم، ويحملونه على ما تحمله عقولهم، فيَضِلون بذلك ويُضِلُّون من اتبعهم عليه].
[قال الحسن: من فسر آية من القرآن برأيه فأصاب لم يؤجر، وإن أخطأ محي نور تلك الآية من قلبه].
انظر إلى هذا التهديد والوعيد! من فسر آية من القرآن برأيه فأصاب -أي: أصاب الحق- ليس له في ذلك أجر، وإن أخطأ فنور هذه الآية يمحى من قلبه، لماذا هذا كله؟ لأنه قال على الله تعالى بغير علم، وهذا حرام: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
[وعن ابن الحنفية محمد بن علي قال: لا تجالسوا أصحاب الخصومات، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله].
[وعن مجاهد قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [الأنعام:٦٨] أي: يكذبون بآياتنا].
[وقال ابن سيرين: إن أسرع الناس ردة أهل الأهواء، وكان يرى أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام:٦٨].
قال الشيخ: المراء في القرآن والخصومة فيه، والتعاطي لتأويله بالآراء والأهواء لإقامة دولة البدع وابتغاء الفتنة بغير علم كفر وضلال.
نسأل الله العصمة من سيئ المقال].
[وقال عبد الله بن الزبير: لقيني ناس من أهل العراق].
ودائماً أهل العراق أهل فتن، وأيضاً أهل مصر.
قال: [لقيني ناس من أهل العراق فخاصموني في القرآن، فوالله ما استطعت بعض الرد عليهم، وهبت المراجعة]، أي: خفت أن يراجعوني في القرآن، [فشكوت ذلك إلى أبي الزبير]، يعني: شكا ذلك إلى والده، [فقال الزبير: إن القرآن قد قرأه كل قوم فتأولوه على أهوائهم، وأخطئوا مواضعه].
فالخوارج يقرءون الآية ويفسرونها على أهوائهم، والشيعة يقرءون نفس الآية ويفسرونها على أهوائهم وعلى النحو الذي يؤيد بدعتهم.
وقد ورط أهل العراق مرة ابن الجوزي في درس، وابن الجوزي كان واعظاً، وشأن الوعاظ في كل زمان ومكان أنهم لا يحبون أن يميلوا ميلة واحدة ولو عن أصحاب الباطل؛ حتى يكسبوا جمهوراً عظيماً.
فـ ابن الجوزي عليه رحمة الله ما كان يحب أن يتعرض لمثل هذه القضايا، فسئل ذات مرة: أيهما أفضل: عمر أم علي؟ فتصرف بذكاء وقال: أفضلهما من كانت ابنته تحته.
وسكت، فالشيعة قالوا: إنه يقصد علياً؛ وذلك لأن ابنة النبي ﷺ تحت علي، والآخرون قالوا: إنما يقصد عمر؛ وذلك لأن حفصة ابنة عمر كانت تحت النبي ﵊، وهكذا أهل البدع يتأولون الكلام على ما يؤيد بدعتهم، وإذا كان الكلام محمولاً على الوجه الآخر فإنهم لا يحملونه إلا على وجه واحد، وهو ما يؤيد بدعتهم.
[قال الزبير: إن القرآن قد قرأه كل قوم فتأولوه على أهوائهم وأخطئوا مواضعه، فإن رجعوا إليك فخاصمهم بسنن أبي بكر وعمر، فإنهم لا يجحدون أنهما أعلم بالقرآن منهم.
قال عبد الله بن الزبير: فلما رجعوا فخاصمتهم بسنن أبي بكر وعمر، فوالله ما قاموا معي ولا قعدوا]؛ وذلك لقول عمر بن الخطاب ﵁: إن أهل البدع يجادلونكم بمتشابه القرآن فخذوهم بالسنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا؛ لماذا؟ لأنهم قالوا بالرأي.
ولذلك [قال ابن عباس: إياكم والرأي فإن الله رد الرأي على الملائكة، وذلك أن الله تعالى قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠] فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
стр. 469
الأسئلة
стр. 470
الحث على قراءة بعض التفاسير الميسرة لكتاب الله
السؤال
نريد أن نفرد درساً في معاني أسماء الله تعالى، هذا لأنه قد كفر قوم بالله، وهم من أهل الضلال والبدع؟
الجواب
أكثر من واحد يتكلم في صفات الله وفي أسمائه، فقلنا: يجوز أن يجلس مجموعة من الإخوة ثم يقرءون سورة من القرآن، وكل واحد يقول ما خطر بباله من تفسير لآياتها، وما الذي يعجزهم لو أنهم أتوا بتفسير ابن كثير، وإذا قرءوا سورة أو ربعاً من سورة يتعلمون تأويل هذه السورة أو هذا الربع من كلام أهل العلم.
وإن أيسر تفسير وأوثق تفسير هو تيسير الكريم الرحمن للشيخ: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وهو في أربعة مجلدات بالخط الكبير، أو مجلد واحد مطبوع حديثاً يضم التفسير كله، وكذلك المصحف المفسر للشيخ حسنين مخلوف، لكن تفسير الشيخ السعدي أوثق وأيسر، وهو أيضاً يتكلم في العقيدة ويرد على أهل البدع، فيمكن أن يكون ورداً لأهل العلم، فهو كان عالماً سلفياً، يغفر الله للجميع، فلا بأس أن تجعل لك ورداً في كل يوم وليلة من كتاب الله ، وإذا كنت تؤم الناس في مسجد فالإمامة فرصة في أن تشتري هذا الكتاب بثمن زهيد من معرض الكتاب، وتقرأ بعض الآيات في صلاة الفجر مثلاً، ولا بأس أن تقرأ تفسيرها بعد الصلاة من هذا التفسير، فهو تفسير ميسر، واسمه: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي.
стр. 471
رد علي ﵁ على الرجلين اللذين اختلفا في القرآن بين يدي رسول الله ﷺ
السؤال
هل رد علي ﵁ على الرجلين اللذين جاءا وقد اختلفا يعد تقديماً بين يدي الله ورسوله؟
الجواب
ألا تعلم أن معنى التقديم في قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] أي: لا تخالفوا كلام الله وكلام رسوله، فالتقديم بين يدي الله ورسوله هو المخالفة لقول الله وقول رسوله، وعلي بن أبي طالب رضي عنه لما اختلف هذان الاثنان بين يدي النبي ﵊ قام وقال: ليقرأ كل واحد منكما كما علم.
وهذا صح مرفوعاً عنه ﵊، فليس هذا تقديماً من علي ﵁ بين يدي نبينا ﵊.
стр. 472
لفظ ﵇ مصطلح مخصوص بالأنبياء، وقد يكون لفظاً عاماً
السؤال
ذكر الإمام ابن بطة لفظ: ﵇ بعد ذكر علي بن أبي طالب.
نرجو تبيين ذلك؟
الجواب
إن لفظ ﵇ في الحقيقة هو له ولغيره من أصحاب النبي ﵊ والصالحين من التابعين وغيرهم عليهم منا الرحمة والسلام.
ولكن قلنا: إن هذا مصطلح مخصوص بالأنبياء، وتجوز بعض أهل العلم في إطلاقه على آل البيت أو على الخلفاء الراشدين أو غيرهم، لكن أن يطلق على آل البيت فقط فهذا بلا شك مخالف لجماهير علماء السنة.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 473
شرح كتاب الإبانة - أمثلة على تعلق أهل البدع بمتشابه القرآن للطعن في الدين
من أصول أهل البدع تعلقهم بمتشابه القرآن للطعن في الدين، وزعزعة الإيمان في قلوب عامة المؤمنين، ولذا فقد حذر العلماء من مجالسة أهل الأهواء والبدع واستماع شبهاتهم، وصنف أئمة أهل السنة كتباً نفيسة تدفع زيغ أهل الأهواء وشبهاتهم.
стр. 474
موقف أهل السنة وأهل البدع من المتشابه في القرآن والسنة
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: في الدرس الماضي تكلمنا عن التحذير من الخوض في متشابه القرآن، وقلنا: إن الله ﵎ أوحى بكلامه إلى نبيه ﵊ عن طريق جبريل ﵇، فكان من كلام الله المتشابه، ومن كلامه المحكم الذي لا يلحقه تأويل ولا نقص.
وعقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالمتشابه: الإيمان به دون خوض فيه.
وفيما يتعلق بالمحكم كعقيدة غيرهم أنهم لا يتأولونه من باب أولى، بل يعملون به.
وقلنا أيضاً: إن أهل السنة والجماعة يؤمنون بالمتشابه كما جاء، ويمرونه على المعنى اللائق بالله ، وذلك إذا كان هذا خاصاً بصفات المولى ﵎.
أما أهل البدع فإنهم يطنطنون ويدندنون حول متشابه القرآن، ويشككون عامة المسلمين في دينهم، وفي كلام ربهم من واقع هذه الآيات التي يبدو فيها التشابه، ويقولون: هذا اضطراب في كلام الله؛ ولذلك يعتبرون هذا حجة على أن هذا ليس من عند الله ، والأمر ليس كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، أي: فلما لم يكن فيه أدنى اختلاف؛ دل على أنه كلام الله ، وكذا كلام الرسول ﷺ ، فإذا صح الحديث عن النبي ﵊، وكان بينه وبين حديث آخر -على هذا النحو- في الظاهر تعارض؛ فإنما ذلك مرده إلى العقل الذي يتعامل مع هذين النصين، فإذا صح النصان فلا بد من الجمع بينهما، ومشكاة الوحي واحدة: قرآن، وسنة، ولذلك قال حسان بن عطية ﵀: كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالحديث كما ينزل عليه بالقرآن، والله تعالى زكى كلام نبيه فيما يتعلق بالوحي، فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، سواء كان ذلك في القرآن أو في السنة.
وعادة أهل البدع دائماً أنهم يقفون عند المتشابه من القرآن ومن السنة على خلاف عقيدة أهل السنة والجماعة.
فأردنا أن نذكر أمثلة متممة ومبينة وموضحة فيما يتعلق بتعلق أهل البدع بمتشابه القرآن، إذ إن أهل البدع جعلوا التعلق بالمتشابه بوابة للطعن في كلام الله ، وزعزعة الإيمان في قلوب عامة المؤمنين والمسلمين.
وقد اخترنا رسالة فيها نماذج طيبة، وهي منسوبة للإمام أحمد بن حنبل، وعنوانها: الرد على الزنادقة الجهمية.
وفيها: الجزء الأول: الرد على الزنادقة، ثم بعد أن فرغ من شبه الزنادقة رد على شبه الجهمية، قال عبد الله بن الإمام أحمد: هذا ما أخرجه أبي ﵀ في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن، وتأولته على غير تأويل، أي: صرفوا هذه الآيات عن ظاهرها، وعلى غير ما أراد الله تعالى منها.
قال الإمام: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم! هؤلاء العلماء ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس يشبهون عليهم؛ فنعوذ بالله من فتن المضلين.
انتهت مقدمة الإمام.
стр. 475
قوله تعالى: (بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب)
ثم يبدأ في المسائل التي أثارها الزنادقة: المسألة الأولى: قال أحمد في قول الله : ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
قالت الزنادقة: فما بال جلودهم التي عصت قد احترقت وأبدلهم جلوداً غيرها، فلا نرى إلا أن الله يعذب جلوداً لم تذنب حين يقول: (بدلناهم جلوداً غيرها)! فشكوا في القرآن، وزعموا أنه متناقض.
قال الإمام: إن قول الله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦]، ليس معناه: جلوداً غير جلودهم، وإنما معناه: جددنا لهم نفس الجلود، أي: أن جلودهم التي احترقت أحياها الله تعالى وأعادها مرة أخرى، فهي نفس الجلود التي كانت تكسو عظامهم في وقت ارتكابهم للذنوب، واستحقوا بموجبها العذاب والحرق، فكلما احترقت جلودهم أرجعها الله ، وجددها لهم مرة أخرى.
وهناك مسألة أخرى لم يذكرها الإمام، وهي: أن العذاب ليس على الجلود فقط، بل على الجلود والأبدان والنفوس والأرواح، وكما أن عذاب القبر يقع على هذا كله، فكذلك عذاب جهنم من باب أولى.
стр. 476
قوله تعالى: (هذا يوم لا ينطقون) وقوله: (عند ربكم تختصمون)
المسألة الثانية: قوله : ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات:٣٥ - ٣٦].
ثم قال في آية أخرى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١].
ففي الآيتين الأوليين أثبت أنه لا كلام ولا خصومة مطلقاً، وفي الآية الثالثة: أثبت أن الخصومة قائمة، فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟! فزعموا أن هذا الكلام ينقض بعضه بعضاً؛ فشكوا في القرآن.
قال الإمام: أما تفسير: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات:٣٥]، فهذا أول ما تبعث الخلائق، أي: لا ينطقون ولا يتكلمون بكلمة واحدة، بل هم يدعون ويبعثون من قبورهم، فهذا أول ما جمعت الخلائق على مقدار ستين سنة، فلا ينطقون ولا يؤذن لهم في الاعتذار بين يدي الله حتى يقدموا المعذرة، ثم يؤذن لهم في الكلام فيتكلمون، فذلك قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة:١٢]، أي: الآن أبصرنا العذاب وعقلناه؛ فارجعنا إلى الدنيا فإننا سنعمل صالحاً، فإذا أذن الله لهم في الكلام فتكلموا اختصموا في ذلك، وذلك قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١]، أي: عند الحساب وإعطاء المظالم، ثم يقال لهم بعد ذلك: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق:٢٨]، أي: انتهت الخصومة الآن، فكل منكم يلوم الآخر ويلقي بالملامة عليه، فإن العذاب مع هذا القول سار، والنبي ﵊ يقول: (من نوقش الحساب عذب).
стр. 477
قوله تعالى: (عمياً وبكما وصماً) وقوله: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة)
وأما قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء:٩٧]، وفي آية أخرى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٥٠].
ففي الآية الأولى: أنهم عمي وبكم وصم.
وفي الثانية: ينادي أصحاب النار أصحاب الجنة، فقالوا: كيف يحشرهم الله يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً، وفي موضع آخر ينادي بعضهم على بعض؟! أي: موضع لا كلام فيه، وموضع فيه كلام، كيف يكون ذلك؟ فشكوا في القرآن من أجل ذلك.
قال الإمام أحمد: أما تفسير: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤]، مع قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٥٠]، فإنهم أول ما يدخلون النار يكلم بعضهم بعضاً، وينادون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [إبراهيم:٤٤]، ويقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، فهم يتكلمون حتى يقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، أي: اسكتوا، ولا يتكلم منكم أحد؛ فصاروا فيها عمياً وبكماً وصماً، أي: يتكلمون أولاً، ثم يضرب عليهم البكم والصم والعمى، وينقطع الكلام ويبقى الزفير والشهيق؛ فهذا تفسير ما شك فيه الزنادقة من قول الله تعالى.
стр. 478
قوله تعالى: (ولا يتساءلون) وقوله: (يتساءلون)
وأما قوله: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، وفي آية أخرى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠].
فالآية الأولى: أثبتت أنه لا أنساب بينهم، وأنه لا يسأل أحدهم الآخر.
والآية الثانية: أثبتت هذا التساؤل: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠]، فقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟! فشكوا في القرآن من أجل ذلك.
قال الإمام: أما قوله وعلا: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، فهذا عند النفخة الثانية إذا قاموا من القبور، فلا يتساءلون ولا ينطقون في ذلك الموطن، فإذا حوسبوا ودخلوا الجنة والنار؛ أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
стр. 479
قوله تعالى: (ما سلككم في سقر) وقوله تعالى: (فويل للمصلين)
المسألة الثالثة: قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣]، وقال في آية أخرى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤].
فقالوا: إن الله قد ذم قوماً كانوا يصلون، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]، وقال في قوم: إنهم إنما دخلوا النار لأنهم لم يكونوا يصلون؛ فشكوا في القرآن من أجل ذلك.
وانظروا إلى أهل البدع كيف يشككون في القرآن؟! وما علموا أن قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] مرتبطة بما بعدها، لكنهم أخذوها فقط، فقالوا: الصلاة إما مذمومة وإما ممدوحة، فقلنا: هي ممدوحة، فقالوا: فلم يقول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]؟ ووقفوا عند هذه الآية، ولم يذكروا قوله بعدها: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥]، وإنما اجتزءوا من السورة هذه الآية فقط! و (ويل) هو وادٍ في جهنم كما هو معلوم من أقوال كثير من المفسرين.
ثم قالوا: إذا كانت هذه الصلاة ممدوحة فلم جعل الله تعالى للمصلين الويل، وإذا كانت كذلك فلم جعل الله تعالى لهم دركة من دركات النار وهي وسقر، فقال: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣].
فقالوا: الله تعالى عذب المصلين في كل الأحوال، فإما أن يدخلهم سقر؛ لأنهم لم يصلوا، وإما أنه أدخلهم الويل لأنهم كذلك قد صلوا، فيقولون: هذا ليس من الكلام المحكم لله .
وهذه طريقة أهل البدع دائماً، أي: أن طريقة أهل البدع الخيانة في العلم، وترك الأمانة في العلم، فإذا أرادوا أن يستدلوا لشبهتهم ولأهوائهم بدليل من الكتاب أو من السنة، أو حتى من أقوال أهل العلم؛ إنما يأخذون من الكلام ما يتفق مع بدعتهم ولو في الظاهر، ويتركون سياق الكلام الذي يخدم القضية برمتها.
فقال الإمام: أما قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]، فعنى بها المنافقين، ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥]، أي: يؤخرون الصلاة حتى يذهب وقتها.
قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون:٦]، أي: إذا رءوهم صلوا، وإذا لم يروهم لم يصلوا، فهم لا يصلون إلا رياءً وسمعة.
وأما قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣]، أي: من الموحدين المؤمنين.
فهذه ردود على هذه الشبهة.
стр. 480
قوله تعالى: (خلقكم من تراب)، وقوله: (من طين)
المسألة الرابعة: قول الله : ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم:٢٠]، ثم قال: ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات:١١]، ثم قال: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، ثم قال: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٦]، ثم قال: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن:١٤].
فهم يشكون في كلام الله فيقولون: هذه ملابسة، أي: هذا الكلام مشكل متشابه، ينقض بعضه بعضاً.
قال الإمام: هذا بدء خلق آدم، فقد خلقه الله من تراب، ثم من طينة حمراء وسوداء وبيضاء، من طينة طيبة وسبخة، وكذلك ذريته: طيب وخبيث، أسود وأحمر وأبيض، ثم صار ذلك التراب طيناً؛ فذلك قوله: (من طين)، فلما لصق الطين بعضه ببعض صار طيناً لازباً، أي: متماسكاً.
ثم قال: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، أي: مثل الطين إذا عصر انسل من بين الأصابع.
فأنت إذا أخذت قطعة من الطين فجعلتها في يدك، ثم عصرتها؛ انسل الطين من بين أصابعك.
ثم نتن هذا الطين فصار حمأً مسنوناً.
أي: خلق الله الخلق من الحمأ، فلما جف صار صلصالاً كالفخار، يقال: صار له صلصلة، أي: جرس كصلصلة الفخار، وله دوي كدوي الفخار، فهذا بيان خلق آدم.
وأما قوله: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨]، فهذا بدء خلق ذريته من سلالة، أي: النطفة إذا انسلت من الرجل لا من آدم؛ لأن آدم لم يخلق من نطفة، وإنما خلق من طين.
стр. 481
قوله تعالى: (رب المشرق والمغرب)، وقوله: (رب المشرقين)
المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [المزمل:٩]، وقوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧]، وقوله: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:٤٠]، فشكوا في القرآن وقالوا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم لله ؟! أما قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء:٢٨]، فهذا اليوم الذي يستوي فيه الليل والنهار، فقد أقسم الله بمشرقه ومغربه؛ لأنكم تعلمون أن الأيام والليالي على مدار السنة يطول فيها النهار ويقصر فيها الليل، أو يقصر فيها النهار ويطول فيها الليل، فقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [المزمل:٩]، أي: رب مشرق هذا اليوم الذي يستوي فيه الليل والنهار، فيكون النهار اثنتي عشرة ساعة، ويكون الليل اثنتي عشرة ساعة، فأقسم الله تعالى بهذا اليوم، والله تعالى يقسم بالعظيم من مخلوقاته، بخلاف المخلوق، فلا يقسم إلا بالله أو بأسمائه أو صفاته.
وأما قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧]، فهذا أطول يوم في السنة وأقصر يوم في السنة.
فإذا قلنا: إن أيام السنة ولياليها تدور بين الطول والقصر؛ فلا بد أن هناك يوماً هو أقصر أيام السنة، ولا بد أن هناك ليلاً هو أقصر ليالي السنة.
ففي هذا الموطن أقسم الله تعالى بأقصر أيام السنة، أو بأطول أيام السنة.
وقوله: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:٤٠]، أي: مشارق السنة ومغاربها.
وهذا ما شكت فيه الزنادقة.
стр. 482
قوله تعالى: (وإن يوماً عند ربك)، وقوله: (تعرج الملائكة والروح إليه)
المسألة السادسة: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، أي: في أيامكم، وهذا يوم يساوي ألف سنة مما نعد.
وقال في آية أخرى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، فهذا أيضاً يوم يساوي ألف سنة مما نعد.
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤].
فأثبت أن اليوم عند الله يساوي ألف سنة مما نعد، كما أثبت أن الملائكة والروح تعرج إليه في يوم يساوي خمسين ألف سنة، فقالوا: كيف يكون هذا الكلام محكماً وهو ينقض بعضه بعضاً؟ قال الإمام في قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، أي: أن هذه الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض كل يوم كألف سنة.
وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة:٥].
قال: ذلك أن جبريل ﵇ كان ينزل على النبي ﷺ ويصعد إلى السماء في يوم كان مقداره ألف سنة، وذلك أنه من السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، فهبوطه خمسمائة وصعوده خمسمائة، فذلك ألف سنة.
وأما قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، قال: لو ولي حساب الخلائق غير الله ما فرغ منه في يوم مقداره خمسين ألف سنة، لكن الله تعالى يفرغ منه في نصف يوم من أيام الدنيا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، أي: سرعة في الحساب.
стр. 483
قوله تعالى: (والله ربنا ما كنا مشركين) وقوله: (ولا يكتمون الله حديثاً)
المسألة السابعة: قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٢٢]، إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، أي: أنهم أنكروا عند الله أنهم اتخذوا شركاء وأنداداً له .
وقال في آية أخرى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢].
فهذه الآية صرحت أنهم لا يستطيعون إنكار ما كانوا عليه من شرك، بل يحدثون الله تعالى بما كانوا عليه من الشرك.
وعليه فالزنادقة شكوا في القرآن وزعموا أنه متناقض.
قال الإمام: أما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، وذلك أن هؤلاء المشركين إذا رءوا عفو الله عن أهل التوحيد يقول بعضهم لبعض: إذا سألنا نقول لم نكن مشركين، فلما جمعهم الله وجمع أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دونه قال لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٢٢]، ثم قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣].
فلما كتموا الشرك ختم الله على أفواههم وأمر الجوارح فنطقت بذلك، وذلك قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
وانظر إلى الإمام فإنه يقول: هذا تفسير ما شكت، ولم يقل: ما تأولت، ولا ما توهمت، ولا ما جهلت، وإنما يقول: هذا تفسير ما شكت؛ لأن عادة أهل البدع الشك، كما قال المخبول طه حسين: الأصل عندي في كتاب الله الشك حتى يتميز لي، أي: أنه يشك في كلام الله؛ لأنه تربى على منهج الملاحدة والزنادقة.
стр. 484
قوله تعالى: (إن لبثتم إلا عشراً) (ما لبثوا غير ساعة) (إن لبثتم إلا يوماً)
أما قوله : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥]، أي: يوم تقوم الساعة ويبعث الناس من قبورهم يقسم المجرمون أنهم ما لبثوا في القبر غير ساعة واحدة، وقالوا: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه:١٠٣]، أي: يتهامسون فيما بينهم يقول بعضهم لبعض: ما لبثتم أكثر من عشر، فطائفة تقول: ساعة، وطائفة أخرى تقول: عشراً، وقال: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:١٠٤]، وقال: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٥٢]، ومن أجل ذلك شك الزنادقة كم لبثوا؟ يوماً عشراً ساعة قليلاً يوماً.
فقوله تعالى: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه:١٠٣] يقولون ذلك إذا خرجوا من قبورهم، وذلك إذا نظروا إلى ما كانوا يكذبون به من أمر البعث؛ لأن أول شيء تقع عليه أعينهم حين يبعثهم الله من قبورهم أنهم يرون ما كانوا يكذبون به في الحياة الدنيا، فيتجادلون ويختصمون ويتكلمون فيما بينهم، ويقول بعضهم لبعض: إن لبثتم في القبور إلا عشر ليال، ثم استكثروا العشر، فقالوا: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:١٠٤]، أي: في القبور، ثم استكثروا اليوم فقالوا: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٥٢]، ثم استكثروا القليل فأقسموا ما لبثوا غير ساعة من نهار، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
стр. 485
قوله تعالى: (قالوا لا علم لنا) وقوله تعالى: (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم)
وأما قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩]، أي: ماذا كان موقف الأمم منكم؟ ﴿قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة:١٠٩]، هذا رد الأنبياء والمرسلين على الله لما سألهم عن العلاقة التي كانت بينهم وبين أقوامهم.
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود:١٨]، فقالوا: كيف يكون هذا، يقولون: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة:١٠٩]، ثم يقولون: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود:١٨]، فزعموا أن القرآن متناقض ينقض بعضه بعضاً.
يقول الإمام: أما قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩]، فإنه يسألهم عند أول زفرة لجهنم، فيقول: ماذا أجبتم في التوحيد؟ فتذهل عقولهم عند زفرة جهنم، فيقولون: لا علم لنا.
والذي يترجح لدي: أن الأنبياء إنما قالوا: لا علم لنا؛ تأدباً مع الله .
ثم ترجع إليهم عقولهم من بعد فيقولون: ((هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ))، فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
стр. 486
قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة)، وقوله تعالى (لا تدركه الأبصار)
المسألة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وقال في آية أخرى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣].
فقالوا: كيف يكون هذا؟ يخبر أنهم ينظرون إلى ربهم، وقال في آية أخرى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فشكوا في القرآن وزعموا أنه متناقض لأجل ذلك.
قال الإمام: أما قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]، من النضرة والحسن والبياض والبهاء، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، أي: تعاين ربها في الجنة، فهي تنظر إليه بأعينها، وهذا خاص بالمؤمنين دون غيرهم، وعلى هذا إجماع أهل السنة كما في قول النبي ﵊: (هل ترون القمر ليلة البدر، ليس دونه غيم؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: هل ترون الشمس في رابعة النهار؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته).
وفي رواية: (لا تضارون في رؤيته)، أي: لا يحصل لكم ضيم ولا غيم ولا اختلاف دون رؤيته، فكما أنكم ترون القمر في ليلة البدر حقاً مستديراً نيراً مضيئاً؛ فكذلك سترون الله ، وليس هذا تشبيهاً لله بالقمر، وإنما هو تشبيه للرؤية بالرؤية، لا تشبيه للمرئي بالمرئي، وهذه جزئية في غاية الأهمية، ودائماً أهل السنة يدندنون حول هذا الأمر.
قوله: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر)، تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي وهو الله بالمرئي وهو القمر، فالله تعالى ليس كالقمر، ولا نقول: إنه كالقمر، بل ذات الله تعالى وصفاته لا يعلم كيفيتها إلا هو، فنحن نؤمن بها ونثبتها لله كما أثبتها لنفسه كما يليق بجلاله وكماله .
وأما التشبيه والتكييف والتمثيل فلا نقول به، كما لا نقول بالتعطيل والتحريف والتأويل من باب أولى.
أما قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فالإدراك بمعنى الإحاطة، فأنت عندما تنظر إلي لا تدركني؛ لأنك تراني من أحد جوانبي، ولا تراني من كل جوانبي.
وإذا حملنا الإدراك على الرؤية فنقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، أي: في الدنيا، فلا تستطيع العين أن تنظر إلى الله تعالى، والله تعالى مرئي، لكن في الآخرة وليس في الدنيا، ولذلك لما سأل موسى ﵇ ربه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولم يقل: أنا لا أُرى، وإنما قال: لن تراني، أي: لن تراني يا موسى وأنت في هذه الحياة الدنيا، ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، لكن الجبل لم يستقر، بل ﴿جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، وهذه آية من آيات الله ، لو قال الله تعالى لموسى: أنا لا أُرى؛ لكان هذا نفياً للرؤية في الدنيا والآخرة، لكنه قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، أي: لن تراني الآن وأنت في هذه الحياة، لكنك بعد موتك وبعثك ستراني يوم القيامة، وكذا تراني في الجنة.
فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، أي: لا تحيط به الأبصار حتى بعد أن تراه في الآخرة.
ومن فسر الإدراك بالرؤية حمل الآية على: لن تراني، أو لا تراه الأعين والأبصار في الدنيا.
فلا تعارض بين قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وبين قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
و (يومئذ) هو يوم القيامة باتفاق المفسرين وباتفاق أهل السنة.
ولم يختلف أهل السنة والجماعة في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وفي الجنة، أما الكافرون والمشركون فإنهم لا يرونه، بل يحجبون عن رؤيته.
ووقع خلاف بين أهل العلم من أهل السنة في رؤية المنافقين لله : فبعضهم يقول: يرون الله تعالى رؤية ذل وصغار، أي: يعاقبهم الله فينظرون إليه، ويسمح لهم بالنظر إليه تحسراً على ما كان منهم من نفاق.
ومنهم من يقول: بل هم كالكفار؛ لأنهم حقيقة كفار، فهم لم يؤمنوا بالله ولا برسوله، وهذه المسألة مما لا يبدع فيها المخالف.
فقال: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، أي: في الدنيا دون الآخرة، وذلك أن اليهود قالوا لموسى: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [النساء:١٥٣]، فماتوا وعوقبوا لقولهم: ((أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً))، وقد سأل مشركو قريش النبي ﷺ فقالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللّ
стр. 487
قول موسى: (وأنا أول المؤمنين) وقول السحرة: (إن كنا أول المؤمنين)
المسألة التاسعة: قول موسى: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣].
وقال السحرة: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥١].
فإذاً موسى قال: (أنا أول المؤمنين)، والسحرة قالوا: (إن كنا أول المؤمنين).
وقال النبي ﵊: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣]، فقالوا: كيف قال موسى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقد كان قبله إبراهيم مؤمناً ويعقوب وإسحاق؟! وقالت السحرة وهم الذين آمنوا بموسى: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥١]، وكيف جاز للنبي أن يقول: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣]، وقد كان قبله مسلمون كثيرون مثل عيسى ومن تبعه؟ فشكوا في القرآن وقالوا: إنه متناقض.
و
الجواب
أن قول موسى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولا يراني أحد في الدنيا إلا مات، أي: صعق.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، أي: أول المصدقين أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات.
وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، أي: من هذا السؤال، فلا أسألك الرؤية مرة أخرى؛ لعلمي باستحالتها في الدنيا في حق المخلوقين.
أما في الآخرة فالعقيدة قائمة وثابتة أنه يراه أهل الإيمان، ويحجب عنه الكافرون.
وأما قول السحرة: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥١]، أي: أول المصدقين برسالة موسى ﵇، فالإيمان بمعنى: التصديق، وهذا معناه اللغوي، ولذلك قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]، أي: بمصدق لنا.
وهذا بخلاف تفسير الإيمان عند أهل السنة والجماعة، إذ إنه قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح.
ولذلك اغتر المرجئة بتعريف الإيمان فقالوا: الإيمان هو التصديق فقط.
والجهمية قالوا: الإيمان هو العلم.
ومنهم من قال: الإيمان هو المعرفة.
ولا شك أن تعريف الإيمان على هذا النحو لا يصدق مع مذهب الاستقامة عند أهل السنة والجماعة؛ لأنهم -أي: المرجئة- يخرجون العمل عن مسمى الإيمان وحقيقته، كما أن الجهمية يجعلون إبليس من المؤمنين؛ لأنه كان يعلم ويعرف ربه حق المعرفة، فهم يقولون: الإيمان هو المعرفة، أو الإيمان هو العلم، لكن إبليس يعلم أن الله تعالى رب، ويعرف حقيقة الله ، ويعلم ذلك تمام العلم، فهل يصير بذلك مؤمناً؟! لذلك كانت هذه التعريفات للإيمان من جهة الاصطلاح كلها تعريفات منابذة لتعريف أهل السنة والجماعة.
وأحياناً الواحد منا يدخل في تحد، أو في مسابقة، أو غير ذلك، وهذا الكلام من كلام العرب، فيقول: لو أنك يا بني نجحت في الامتحان، وأتيت بدرجة (١٠٠%)؛ فأنا أول من يمنحك هدية، لكن سبقك إلى الإهداء غيرك، وكذلك قولي: لو أنكم فعلتم كذا وكذا لكنت أنا أول المطبقين، فلا يلزم أن أكون أول المطبقين على الإطلاق، لكن يلزم أنني من أوائل المطبقين لهذا الكلام، وغير ذلك من الأمثلة كثير، والمقصود هنا: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، أي: أنا أكون أول من يؤمن بهذا، ولا يلزم من ذلك الأسبقية المطلقة في الإيمان والتصديق، وإنما ذلك مثل ما تقول بالضبط: لو أنك يا فلان ذهبت إلى زيارة والديك فسوف تجدني أول من يدخل بيتك، ويحملك إلى والديك، وآخر مات أبوه وأمه فقال: الذي يمنعني من زيارتهما هو عدم وجود المواصلات، فقلت له: لو أنك مستعد لزيارة والديك فستجدني أول من ينتظرك بسيارتي عند بابك ليحملك إلى والدك، وعليه فإذا أبدى الموافقة فلا يلزمك أنك تكون أسبق الناس إليه، بل ربما سبقك غيرك.
إذاً معنى كلامي: لو أنك مستعد لزيارة والديك ستجدني على أتم استعداد لحملك.
وهكذا قول الأنبياء: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وقول السحرة ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٥١]، أي: من أوائل المؤمنين المتابعين المصدقين لهذا الوحي الذي نزل من السماء.
وأما قول النبي ﵊: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣]، أي: من أهل مكة، أو يحمل على كلامنا السابق، وهذا تفسير ما شك فيه الزنادقة.
стр. 488
قوله تعالى: (أدخلوا آل فرعون)، وقوله: (فإني أعذبه عذاباً)
المسألة العاشرة: قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، وقال في آية أخرى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥]، وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥].
قالوا: هذه الآيات كلها متناقضة؛ فشكوا في القرآن لأجل ذلك.
كيف يقول الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، أي: معناه أن فرعون ومن معه في أشد دركات العذاب، ثم يقول: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥] ثم يثبت الله تعالى أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، فكيف يكون فرعون ومن معه في أشد دركات العذاب؟ ثم كيف يكون المنافقين في الدرك الأسفل من النار؟ والمعلوم أن فرعون لم يكن منافقاً، بل كان كافراً كفراً بواحاً صريحاً.
قال الإمام: قوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، أي: أشد العذاب في ذلك الباب الذي يدخلون فيه.
ولذلك نحن قلنا: إن الجنة لها ثمانية أبواب، والنار لها سبعة أبواب، ولكل باب منها دركات، وفرعون ومن معه يدخلون من باب واحد، فهم يدخلون أشد دركات العذاب من هذا الباب، والمنافقون يدخلون من باب آخر، لكنهم يكونون في هذا الباب الذين يدخلون منه في الدرك الأسفل من النار.
فهل بقي هناك شك؟ ليس هناك شك في ذلك.
قال: وقوله: ﴿عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥] وذلك أن الله تعالى مسخهم خنازير؛ فعذبهم بالمسخ ما لم يعذب سواهم من الناس.
وأما قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]؛ لأن جهنم لها سبعة أبواب: جهنم، ولظى، والحطمة، وسقر، والسعير، والجحيم، والهاوية، أعاذنا الله وإياكم منها.
стр. 489
قوله تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع) وقوله: (شجرة الزقوم طعام الأثيم)
أما قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦]، أي: أن الضريع هو طعام أهل النار، ثم بين أنهم كذلك يأكلون من شجرة الزقوم، فقال: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤].
وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦]، أسلوب حصر بإلا.
يفيد حصر الطعام لأهل النار في الضريع، لكن كيف يقول مرة أخرى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٥]، فأخبر أن لهم طعاماً غير الضريع؟! فشكوا في القرآن لأجل ذلك.
قال الإمام: أما قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦]، أي: ليس لهم طعام إلا من ضريع في ذلك الباب الذي دخلوا منه -كما قلنا تماماً في المسألة الأولى- وهذا الضريع ليس في الباب الآخر، وإنما الذي في الباب الآخر هو الزقوم، وهكذا كل باب له طعام، وهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
стр. 490
قوله تعالى: (أن الكافرين لا مولى لهم)، وقوله: (ثم ردوا إلى الله مولاهم)
المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢]، وهم مشركون كافرون، فكيف أثبت أن الله مولاهم الحق في الآية الثانية، وفي الآية الأولى قال: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]؟ إن هذا تناقض يرد به القرآن، فشكوا في القرآن لأجل ذلك.
قال الإمام: أما قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد:١١]، فالمولى هنا بمعنى: الناصر والمعين، أي: أن الله ناصر الذين آمنوا، ((وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ))، أي: لا ناصر لهم.
وأما قوله: ((ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ))؛ لأنهم في الدنيا اتخذوا أرباباً وآلهة باطلة أولياء من دون الله ؛ فكان أحدهم يوالي من يعبده من غير الله ، فيتخذه ولياً وحميماً وناصراً ومولى؛ فبين الله لهم في الآخرة أنه لا مولى على الحقيقة إلا هو ، وهذا مما شكت فيه الزنادقة.
стр. 491
قوله تعالى: (إن الله يحب المقسطين)، وقوله: (وأما القاسطون)
المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢]، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٥]، فكيف يجعل الله تعالى القاسطين لجهنم حطباً، مع أنه أخبر أنه يحبهم؟! حتى تعلم أن أصحاب البدع دائماً جهلة بأصول اللغة، فهم أجهل من دوابهم التي يركبونها؛ لأن المقسط غير القاسط، فالله أثبت أنه يحب المقسطين، وأثبت أن القاسطين هم حطب جهنم، فهم قالوا في هذا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟ واعلم أنه ما من صاحب بدعة يجتهد عليك، ويشكك فيما أنت فيه إلا من واقع هذه الأمثلة، وإذا كان الحق واحداً، فالذي تسمعه في القرن الأول الهجري ستسمعه في اليوم الذي يسبق قيام الساعة، والكلام الذي نقوله نحن الآن أخذناه من أسلافنا، وليس من أقوالنا نحن.
وكذلك أنتم تبلغونه عني، وغيركم يبلغه عنكم، وهكذا؛ لأن الحق واحد لا يتعدد.
وأهل الباطل كذلك لهم شبهات وأهواء ومشارب فاسدة يتلقونها واحداً عن واحد، وخلفاً عن سلف، ولذلك انظر لأي إنسان من أهل البدع والأهواء، وقل له: هات ما عندك، فوالله لا يستطيع ولا يقوى أن يذكر لك شبهة لم يقل بها أحد من أسلافه، بل لا بد أن يذكر ما تقدمه به أسلافه، فلا تزال الشبة هي هي، ولا يزال الحق هو هو، فهذا له أبناؤه، وذاك له أبناؤه.
ولذلك عمد العلماء من أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان ألا يجيبوا عن أسئلة أهل البدع إذا كان ذلك الأمر يطرح على الملأ، وقد سأل واحد من أهل الأهواء والبدع مالكاً في مسألة فأطرق ولم يرد، فأعاد عليه، فأطرق ولم يرد، فأعاد عليه؛ فقال: يا فلان! سل تعلماًَ ولا تسأل تعنتاً، أي: أن الذي يمنعنا من الرد عليك ليس هو العي والجهل والعجز، وإنما أمرنا أن نضع العلم في أهله، فإن كان صاحب هوى لا يتكلم إلا في الفتن والشبهات وغير ذلك؛ فهذا خليق وجدير بأن لا يعلَّم، ودولة الحق إلى قيام الساعة، والباطل عمره ومدته ساعة من زمان، فلا يصبر عليه صاحبه، وإنما تمل نفسه سريعاً، ولذلك أنا دائماًَ أوصي نفسي والآخرين على القوة والمتانة في حمل الحق والدعوة إليه بالليل والنهار؛ لأن أهل الباطل في هذا الزمان انتفشوا بصورة لم يسبق لها مثيل؛ لغياب الحاكم بهذا الدين وبهذه الشريعة، فتكلم كل ناعق بما عنده، ونضح كل قدر بما فيه، وأهل الحق قلَّ منهم من يتكلم، وهذه مفارقة عجيبة جداً، جديرة بأن تنزل عليهم من السماء صاعقة، لا أصحاب الباطل فحسب، بل تبدأ هذه الصاعقة بنا أهل الحق؛ لأن كثيراً منهم يعرف الحق ولا يتبعه، ويعلم أن هذا منكر ولا يجتنبه.
قال الإمام: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٥]، أي: العادلون بالله الجاعلون له عدلاً من خلقه، فيعبدونه مع الله؛ ولذلك المقسط هو العدل، يقال: أقسط يُقْسِط فهو مقسط إذا عدل، وقسط يَقْسِط فهو قاسط إذا جار، فالقسط هو الجور والعدول عن الحق، والقاسطون هم الجائرون المائلون العادلون عن الحق.
وكنا من قبل نسمع: (يد القاسط في النار وإن عدل)، وهو حديث موضوع.
وليس في كتب الموضوعات، بل نحن الذين وضعناه، فالذي وضعه شخص منا، ومعناه في الحقيقة: وإن عدل عن الحق، فالكلام في هذا المتن مستو، لكن السند إلى النبي ﵊ غير صحيح.
فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢]، أي: العادلين القائمين بالحق وعلى الحق.
وقوله: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:١٥]، أي: المائلون عن الحق، وبذلك تنتهي هذه الشبهة.
стр. 492
قوله تعالى عن المؤمنين: (بعضهم أولياء بعض) وقوله: (ما لكم من ولايتهم من شيء)
المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١].
وقال في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال:٧٢]، فكان عند من لا يعرف معناه ينقض بعضه بعضاً.
قال الإمام: أما قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال:٧٢]، فالولاية هنا بمعنى: الإرث؛ لأن النبي ﵊ جعل الأمر في أوله إخاءً بين المهاجرين والأنصار؛ فكان إذا مات أحد المهاجرين ورثه الأنصاري، وإذا مات الأنصاري ورثه المهاجري.
فكان الميراث يوزع على أساس الأخوة في الإيمان، وكان هذا أول الأمر، ثم نسخ في شريعة النبي ﵊ بأن رد إلى الأنساب بعد ذلك.
وكان في ذلك الوقت من آمن وبقي في مكة ولم يهاجر ليس له حق في الميراث، فلا يأتي شخص مثلاً آمن ثم يبقى في مكة، وله أخ آمن وهاجر، فإذا آخى النبي ﷺ بين هذا المهاجري وبين أحد الأنصار فمات المهاجري؛ فليس لأخ المهاجر في مكة إرث، بل إرثه لأخيه الأنصاري، دون من ترك الهجرة وبقي في مكة.
فكان هذا هو الأصل في أول الأمر، حيث ترتب على هذه المؤاخاة حقوق منها: الإرث، أي: ثبوت الإرث بإخوة الإيمان بين المهاجرين وبين الأنصار، وهذا حكم نسخ بقول الله : ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب:٦].
فقال: ((بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ))، فهذه الآية نسخت قول الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ﴾ [الأنفال:٧٢]، أي: من إرثهم، ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال:٧٢]، فانتهت بذلك هذه الشبهة.
стр. 493
قوله تعالى لإبليس: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) وقول موسى: (هذا من عمل الشيطان)
المسألة الرابعة عشرة: قوله تعالى لإبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢].
وقال موسى حين قتل النفس: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص:١٥]، وشكوا في القرآن وزعموا أنه متناقض؛ لأن موسى من عباد الله المخلصين، فكيف قتل هذه النفس، مع أن هذا من تسلط الشيطان، والشيطان لا سبيل له على المتقين؛ لقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]؟ والذي أريد أن أقوله: إن موسى قتل النفس قبل أن يكون نبياً، وهذا كفيل بإزالة الإشكال، وأهل الجاهلية منهم الصالح ومنهم الفاسد، وعلى أي حال فـ ابن كثير ﵀ قد نقل الخلاف في هذه القضية، والذي ترجح لدى القرطبي وغيره: أن قتل النفس كان قبل البعثة، وأنه لم يرتكب نبي كبيرة قط بعد بعثته، وهذا الذي يترجح لدي؛ لإجماع أهل السنة والجماعة على ذلك؛ لأنكم تعلمون أن الأنبياء معصومون في تلقي الوحي، وفي تبليغ الوحي، ومعصومون من الكبائر، وليسوا كذلك فيما يتعلق بالصغائر، وهذا مذهب أهل الحق.
وانظر إلى كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أما قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]، أي: الذين استخلصهم الله لدينه، ليس لإبليس عليهم سلطان أن يضلهم في دينهم أو عبادة ربهم، لكن يصيب منهم من قبل الذنوب.
أما الشرك فلا يقدر إبليس أن يضلهم عن دينهم؛ لأن الله تعالى استخلصهم لدينه وعبادته.
وأما قول موسى: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص:١٥]، أي: من تزيين الشيطان، كما زين ليوسف ولآدم وحواء وهم عباده المخلصون؛ فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
стр. 494
قوله تعالى: (اليوم ننساكم كما نسيتم)، وقوله (في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى)
المسألة الخامسة عشرة: قول الله تعالى للكفار: ﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية:٣٤]، واليوم هو يوم القيامة، وقال في آية أخرى: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢].
فأثبت الله تعالى في هذه الآية أنه لا ينسى، وفي الآية الأولى أثبت أنه ينسى.
قال الإمام: أما قوله تعالى: ((الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا))، فالنسيان بمعنى الترك في النار، فيكون التقدير: فاليوم نقذفكم في النار كما تركتم العمل لهذا اليوم، والإيمان بهذا اليوم.
وأما قوله: ((فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى))، أي: لا يذهب من علمه ولا حفظه، ولا ينساه المولى ؛ لأن النسيان صفة نقص لا تليق إلا بالمخلوق، أما العلم التام الكامل المطلق فهو صفة من صفات الله .
стр. 495
قوله تعالى: (ونحشره يوم القيامة أعمى) وقوله تعالى: (فبصرك اليوم حديد)
المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٥]، أي: كنت أبصر بعيني في الدنيا، فلم حشرتني هنا أعمى؟ وقال في آية أخرى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، فكيف يحشره الرب أعمى؟ وكيف يثبت أن بصره في ذلك اليوم حديد؟ قالوا: كيف يكون هذا من كلام الله المحكم؟ فشكوا في القرآن لأجل ذلك.
قال الإمام: قوله تعالى: ((وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى))، أي: أعمى عن حجته؛ لأن العمى نوعان: عمى البصر، وعمى البصيرة، وعمى البصيرة أشد من عمى البصر، فعبر الله عن عمى البصيرة في يوم القيامة بالعمى.
وقال: ((رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى))، أي: لم حشرتني أعمى عن حجتي، وقد كنت بصيراً بها، أي: بحجتي، مخاطباً بها؛ فذلك قوله: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص:٦٦]، أي: ضلت عنهم، والأنباء هي الكتب، فهم لا يتساءلون.
وأما قوله: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، ذلك أن الكافر إذا قرب من قبره شخص ببصره، ولا يصرف بصره قط حتى يعاين جميع ما كان يكذِّب به من أمر البعث.
فلما عاين ببصره الذي ركبه الله تعالى فيه على نحو معين يدرك به الحقائق التي كان يكذب بها؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:٢٢]، أي: بعد أن عاين الكافر ما كان يكذِّب به؛ قال الله تعالى كالمبكِّت له: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، أي: كشفنا عنك غطاء الآخرة، فبصرك حديد لا يصرف حتى تعاين وترى جميع ما كنت تكذب به من أمر البعث؛ فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.
следующие страницы →