← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قوله تعالى: (إن الله يحب المقسطين)، وقوله: (وأما القاسطون) المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢]، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٥]، فكيف يجعل الله تعالى القاسطين لجهنم حطباً، مع أنه أخبر أنه يحبهم؟! حتى تعلم أن أصحاب البدع دائماً جهلة بأصول اللغة، فهم أجهل من دوابهم التي يركبونها؛ لأن المقسط غير القاسط، فالله أثبت أنه يحب المقسطين، وأثبت أن القاسطين هم حطب جهنم، فهم قالوا في هذا: كيف يكون هذا من الكلام المحكم؟ واعلم أنه ما من صاحب بدعة يجتهد عليك، ويشكك فيما أنت فيه إلا من واقع هذه الأمثلة، وإذا كان الحق واحداً، فالذي تسمعه في القرن الأول الهجري ستسمعه في اليوم الذي يسبق قيام الساعة، والكلام الذي نقوله نحن الآن أخذناه من أسلافنا، وليس من أقوالنا نحن. وكذلك أنتم تبلغونه عني، وغيركم يبلغه عنكم، وهكذا؛ لأن الحق واحد لا يتعدد. وأهل الباطل كذلك لهم شبهات وأهواء ومشارب فاسدة يتلقونها واحداً عن واحد، وخلفاً عن سلف، ولذلك انظر لأي إنسان من أهل البدع والأهواء، وقل له: هات ما عندك، فوالله لا يستطيع ولا يقوى أن يذكر لك شبهة لم يقل بها أحد من أسلافه، بل لا بد أن يذكر ما تقدمه به أسلافه، فلا تزال الشبة هي هي، ولا يزال الحق هو هو، فهذا له أبناؤه، وذاك له أبناؤه. ولذلك عمد العلماء من أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان ألا يجيبوا عن أسئلة أهل البدع إذا كان ذلك الأمر يطرح على الملأ، وقد سأل واحد من أهل الأهواء والبدع مالكاً في مسألة فأطرق ولم يرد، فأعاد عليه، فأطرق ولم يرد، فأعاد عليه؛ فقال: يا فلان! سل تعلماًَ ولا تسأل تعنتاً، أي: أن الذي يمنعنا من الرد عليك ليس هو العي والجهل والعجز، وإنما أمرنا أن نضع العلم في أهله، فإن كان صاحب هوى لا يتكلم إلا في الفتن والشبهات وغير ذلك؛ فهذا خليق وجدير بأن لا يعلَّم، ودولة الحق إلى قيام الساعة، والباطل عمره ومدته ساعة من زمان، فلا يصبر عليه صاحبه، وإنما تمل نفسه سريعاً، ولذلك أنا دائماًَ أوصي نفسي والآخرين على القوة والمتانة في حمل الحق والدعوة إليه بالليل والنهار؛ لأن أهل الباطل في هذا الزمان انتفشوا بصورة لم يسبق لها مثيل؛ لغياب الحاكم بهذا الدين وبهذه الشريعة، فتكلم كل ناعق بما عنده، ونضح كل قدر بما فيه، وأهل الحق قلَّ منهم من يتكلم، وهذه مفارقة عجيبة جداً، جديرة بأن تنزل عليهم من السماء صاعقة، لا أصحاب الباطل فحسب، بل تبدأ هذه الصاعقة بنا أهل الحق؛ لأن كثيراً منهم يعرف الحق ولا يتبعه، ويعلم أن هذا منكر ولا يجتنبه. قال الإمام: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٥]، أي: العادلون بالله الجاعلون له عدلاً من خلقه، فيعبدونه مع الله؛ ولذلك المقسط هو العدل، يقال: أقسط يُقْسِط فهو مقسط إذا عدل، وقسط يَقْسِط فهو قاسط إذا جار، فالقسط هو الجور والعدول عن الحق، والقاسطون هم الجائرون المائلون العادلون عن الحق. وكنا من قبل نسمع: (يد القاسط في النار وإن عدل)، وهو حديث موضوع. وليس في كتب الموضوعات، بل نحن الذين وضعناه، فالذي وضعه شخص منا، ومعناه في الحقيقة: وإن عدل عن الحق، فالكلام في هذا المتن مستو، لكن السند إلى النبي ﵊ غير صحيح. فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢]، أي: العادلين القائمين بالحق وعلى الحق. وقوله: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:١٥]، أي: المائلون عن الحق، وبذلك تنتهي هذه الشبهة.

стр. 492

قوله تعالى عن المؤمنين: (بعضهم أولياء بعض) وقوله: (ما لكم من ولايتهم من شيء) المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]. وقال في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال:٧٢]، فكان عند من لا يعرف معناه ينقض بعضه بعضاً. قال الإمام: أما قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال:٧٢]، فالولاية هنا بمعنى: الإرث؛ لأن النبي ﵊ جعل الأمر في أوله إخاءً بين المهاجرين والأنصار؛ فكان إذا مات أحد المهاجرين ورثه الأنصاري، وإذا مات الأنصاري ورثه المهاجري. فكان الميراث يوزع على أساس الأخوة في الإيمان، وكان هذا أول الأمر، ثم نسخ في شريعة النبي ﵊ بأن رد إلى الأنساب بعد ذلك. وكان في ذلك الوقت من آمن وبقي في مكة ولم يهاجر ليس له حق في الميراث، فلا يأتي شخص مثلاً آمن ثم يبقى في مكة، وله أخ آمن وهاجر، فإذا آخى النبي ﷺ بين هذا المهاجري وبين أحد الأنصار فمات المهاجري؛ فليس لأخ المهاجر في مكة إرث، بل إرثه لأخيه الأنصاري، دون من ترك الهجرة وبقي في مكة. فكان هذا هو الأصل في أول الأمر، حيث ترتب على هذه المؤاخاة حقوق منها: الإرث، أي: ثبوت الإرث بإخوة الإيمان بين المهاجرين وبين الأنصار، وهذا حكم نسخ بقول الله : ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب:٦]. فقال: ((بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ))، فهذه الآية نسخت قول الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ﴾ [الأنفال:٧٢]، أي: من إرثهم، ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال:٧٢]، فانتهت بذلك هذه الشبهة.

стр. 493

قوله تعالى لإبليس: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) وقول موسى: (هذا من عمل الشيطان) المسألة الرابعة عشرة: قوله تعالى لإبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]. وقال موسى حين قتل النفس: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص:١٥]، وشكوا في القرآن وزعموا أنه متناقض؛ لأن موسى من عباد الله المخلصين، فكيف قتل هذه النفس، مع أن هذا من تسلط الشيطان، والشيطان لا سبيل له على المتقين؛ لقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]؟ والذي أريد أن أقوله: إن موسى قتل النفس قبل أن يكون نبياً، وهذا كفيل بإزالة الإشكال، وأهل الجاهلية منهم الصالح ومنهم الفاسد، وعلى أي حال فـ ابن كثير ﵀ قد نقل الخلاف في هذه القضية، والذي ترجح لدى القرطبي وغيره: أن قتل النفس كان قبل البعثة، وأنه لم يرتكب نبي كبيرة قط بعد بعثته، وهذا الذي يترجح لدي؛ لإجماع أهل السنة والجماعة على ذلك؛ لأنكم تعلمون أن الأنبياء معصومون في تلقي الوحي، وفي تبليغ الوحي، ومعصومون من الكبائر، وليسوا كذلك فيما يتعلق بالصغائر، وهذا مذهب أهل الحق. وانظر إلى كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أما قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢]، أي: الذين استخلصهم الله لدينه، ليس لإبليس عليهم سلطان أن يضلهم في دينهم أو عبادة ربهم، لكن يصيب منهم من قبل الذنوب. أما الشرك فلا يقدر إبليس أن يضلهم عن دينهم؛ لأن الله تعالى استخلصهم لدينه وعبادته. وأما قول موسى: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص:١٥]، أي: من تزيين الشيطان، كما زين ليوسف ولآدم وحواء وهم عباده المخلصون؛ فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.

стр. 494

قوله تعالى: (اليوم ننساكم كما نسيتم)، وقوله (في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) المسألة الخامسة عشرة: قول الله تعالى للكفار: ﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية:٣٤]، واليوم هو يوم القيامة، وقال في آية أخرى: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]. فأثبت الله تعالى في هذه الآية أنه لا ينسى، وفي الآية الأولى أثبت أنه ينسى. قال الإمام: أما قوله تعالى: ((الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا))، فالنسيان بمعنى الترك في النار، فيكون التقدير: فاليوم نقذفكم في النار كما تركتم العمل لهذا اليوم، والإيمان بهذا اليوم. وأما قوله: ((فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى))، أي: لا يذهب من علمه ولا حفظه، ولا ينساه المولى ؛ لأن النسيان صفة نقص لا تليق إلا بالمخلوق، أما العلم التام الكامل المطلق فهو صفة من صفات الله .

стр. 495

قوله تعالى: (ونحشره يوم القيامة أعمى) وقوله تعالى: (فبصرك اليوم حديد) المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٥]، أي: كنت أبصر بعيني في الدنيا، فلم حشرتني هنا أعمى؟ وقال في آية أخرى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، فكيف يحشره الرب أعمى؟ وكيف يثبت أن بصره في ذلك اليوم حديد؟ قالوا: كيف يكون هذا من كلام الله المحكم؟ فشكوا في القرآن لأجل ذلك. قال الإمام: قوله تعالى: ((وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى))، أي: أعمى عن حجته؛ لأن العمى نوعان: عمى البصر، وعمى البصيرة، وعمى البصيرة أشد من عمى البصر، فعبر الله عن عمى البصيرة في يوم القيامة بالعمى. وقال: ((رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى))، أي: لم حشرتني أعمى عن حجتي، وقد كنت بصيراً بها، أي: بحجتي، مخاطباً بها؛ فذلك قوله: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص:٦٦]، أي: ضلت عنهم، والأنباء هي الكتب، فهم لا يتساءلون. وأما قوله: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، ذلك أن الكافر إذا قرب من قبره شخص ببصره، ولا يصرف بصره قط حتى يعاين جميع ما كان يكذِّب به من أمر البعث. فلما عاين ببصره الذي ركبه الله تعالى فيه على نحو معين يدرك به الحقائق التي كان يكذب بها؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق:٢٢]، أي: بعد أن عاين الكافر ما كان يكذِّب به؛ قال الله تعالى كالمبكِّت له: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]، أي: كشفنا عنك غطاء الآخرة، فبصرك حديد لا يصرف حتى تعاين وترى جميع ما كنت تكذب به من أمر البعث؛ فهذا تفسير ما شكت فيه الزنادقة.

стр. 496

قوله تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى)، وقوله: (إنا معكم مستمعون) المسألة السابعة عشرة: قول الله تعالى لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]. وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥]، فقالوا: كيف قال: ((إِنَّنِي مَعَكُمَا))، وقال: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾؟ فشكوا في القرآن لأجل ذلك. قال الإمام: أما قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥]، فهذا من مجاز اللغة، يقول الرجل للرجل: إنا سنجري عليك رزقك، بصيغة الجمع، فيحمل على التعظيم، ومثله: قول الرجل للآخر: نحن نحبك في الله، وهو واحد، وإنما يقصد بذلك التعظيم. وأما قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، فكذلك جائز في اللغة، يقول الرجل الواحد للرجل: سأجري لك رزقك، أو سأفعل بك كذا وكذا. هذه المسائل التي اختارها الإمام للرد على الزنادقة، وأما رده على الجهمية فهو رد طويل لا داعي له الآن، خاصة وأن الإمام يدخل في قضية خلق القرآن. لكن الإمام هنا يقول: إذا سمع الجاهل قول هؤلاء الزنادقة؛ يظن أنهم من أشد الناس تعظيماً لله. وهذا دائماً مذهبهم، حتى يكسبوك للجهمية، وهم في الحقيقة معطلة ونفاة، إذ إنهم يقولون: نحن لا نثبت لله وجهاً ولا عيناً ولا يداً ولا ساقاً؛ لأننا لو أثبتنا نكون بذلك قد شبهنا الخالق بالمخلوق، فنحن ننزه الخالق عن مشابهته المخلوقين. فهم الآن عطلوا الله ﵎ عن صفاته تحت ما يسمونه بالتنزيه، أي: نزهوا المولى أن يشابه مخلوقاته؛ فوقعوا في شر من ذلك وهو التعطيل. ومثلهم الأشاعرة ومن معهم من المتأولين، فقد أولوا الصفات. أما الفريق الذي يقابلهم فهم الممثلة والمشبهة الذين يقولون: يد الله تعالى كأيدينا، ووجه الله تعالى كوجوهنا، وساق الله تعالى كسوقنا؛ حتى شبهوا الخالق بالمخلوق، لكنهم تأدبوا شيئاً ما، فقالوا: الله تعالى أفضل وأجمل ما يكون في المخلوق؛ فجعلوا الله ﵎ رجلاً جميلاً؛ لأنهم أثبتوا هذه الصفات على الحقيقة. وأهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، فقالوا: نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من الصفات والأسماء، لكننا نقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فنثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﵊، لكن على وجه لا يليق قط أن يكون بالمخلوقين، بل يليق بجلال الله تعالى وكماله وعظمته. يقول الإمام: فإذا سمع الجاهل قوله؛ يظن أنه من أشد الناس تعظيماً لله، ولا يعلم أنه إنما يعود قوله إلى ضلالة وكفر، ولا يشعر أنهم لا يقولون قولهم إلا فرية في الله . أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

стр. 497

الأسئلة

стр. 498

الرد على شبهة أن قبر النبي وصاحبيه داخل المسجد السؤال كنت أنصح شخصاًَ من إخواني بعدم الصلاة في المساجد التي فيها قبور، فأثار شبهة وهي: وجود قبر النبي ﵊ وصاحبيه: أبي بكر وعمر في مسجد المدينة، ومع هذا لا قائل بترك الصلاة في هذا المسجد من علماء الأمة، فما ردكم على هذه الشبهة؟ الجواب هذا كلام صحيح أنه لا قائل قط بترك الصلاة في مسجد المدينة، بل لا يقول ذلك إلا إنسان جاهل لا علم عنده. أما الجواب عن هذه الشبهة: فإن القبر لم يبن في المسجد، ولم يبن عليه المسجد؛ لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). والمسلمون لم يتخذوا قبر النبي ﷺ مسجداًَ ابتداءً، والعلماء يفرقون بين بناء المسجد على القبر، وبين أن يبنى المسجد أولاً، ثم يبنى بداخله القبر، فلا هذا ولا ذاك في قبر النبي ﵊. لكن الوليد بن عبد الملك ﵀ لما أراد توسعة المسجد النبوي، ونحن لسنا في حاجة إلى توسعة مسجد ما، بخلاف حاجة المسلمين عامة في العالم كله إلى توسعة هذه المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال: المسجد النبوي، والأقصى، والمسجد الحرام. فهذه المساجد في أمس الحاجة إلى توسعة في كل فترة من الزمن، ولذلك يقوم كل واحد في زمانه بتوسعة هذه المساجد شيئاً ما؛ لحاجة الناس. ولك أن تتصور الآن أن النبي ﵊ حج في حجة الوداع أو في عام الوداع -وهي حجته الوحيدة- وكان معه (١١٤٠٠٠) من المسلمين، وهذا عدد مهول في ذلك الزمان، ولا يزال العدد الآن في ازدياد؛ حتى وصلوا إلى ثلاثة ملايين. وبلا شك لو كان المسجد الحرام على هيئته الأولى في زمن النبوة؛ فإنه لا يكفي لهذا العدد، ولذلك كانت هذه التوسعة أمراً لازماً ضروياً للحفاظ على حياة الناس، وأنت ترى في كل عام من مواسم الحج آلاف القتلى من الزحام، فلك أن تتصور أن هذه الأماكن النسكية كانت على هيئتها الأولى، فماذا كان سيصنع الناس؟! أقول هذا الكلام كالمقدمة إلى الضرورة الملحة التي جعلت الوليد بن عبد الملك بن مروان يوسع المسجد النبوي، ورغماً عنه دخل القبر في المسجد بسبب التوسعة، لكن بغير قصد، وائتني بمسجد من مساجد المسلمين عامة دخل فيه القبر بغير قصد، قبر الحسين دخل مسجد الحسين بقصد. وهكذا كل المساجد التي فيها قبور دخلت القبور فيها بقصد، بل بوصية مكتوبة أو شفهية. أما الذي حدث بقبر النبي ﵊ فليس بقصد، فضلاً أن هذا المسجد له مكانة عظيمة، وهو محفوظ بحفظ الله. والنبي ﵊ قد دعا فقال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد). فلا زلنا إلى يومنا هذا لا نرى عابداً لقبر النبي ﵊، بل ولا تجد شخصاً مثلاً يأخذ تراباً ويضعه على رأسه مثل ما يفعل مثلاً عند قبر الإمام الشافعي، وأنتم تعرفون أن قبر الإمام الشافعي إلى الآن له يوم في السنة يزوره الناس، فيأتي إليه عباد القبور من شرق الأرض وغربها، حتى رأيت أناساً من أوربا وأمريكا يأتون ليشتروا التراب من كنس المسجد في هذا اليوم بمائة دولار؛ لأنهم يعتقدون في هذا التراب! فهل رأيتم ما الذي يجري حول هذه القبور من الاستغاثة والنذر والذبح والاستعاذة والتضرع والذل والطواف؟ وهل رأيتم مثل هذا عند قبر النبي ﵊؟ ثم إن الأصل تحريم الصلاة في المساجد التي فيها قبور لنفي شبهة الشرك، وليست هذه الشبهة قائمة عند قبر النبي ﵊، وهذا فارق من الفوارق بين مسجد النبي ﷺ وبين غيره من المساجد. الفارق الثاني: أن هذا القبر محفوظ أن يكون وثناً، وهناك فرق كبير جداً بين القبر وبين الوثن، فالوثن: هو ما عبد من دون الله، أما القبر فلا، ولذلك مكان دفن الموتى هو القبور لا المساجد، ثم وجود القبر في مسجد على هذا النحو الذي نراه يحوله من قبر إلى وثن؛ لوجود هذه العبادات حوله، وكلنا يعرف ما يحصل في القبور بشكل واضح، فهذه ليست قبوراً وإنما هي أوثان، فالنبي ﷺ قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد). وأنتم تعلمون أن دعاء النبي ﷺ مستجاب، فسيبقى قبره ﵊ قبراً فقط، لا وثناً إلى قيام الساعة؛ بدعوته ﵊. الفارق الثالث: أن هذا المسجد له خاصية، تختلف عن بقية المساجد، فشد الرحال إليه -أي: إلى المسجد النبوي- مشروع في الإسلام، والصلاة فيه أفضل من الصلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام والمسجد الأقصى. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 499

شرح كتاب الإبانة - كتاب الإيمان - مقدمة كتاب الإيمان الإيمان قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح، وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد نزل القرآن بترتيب فرائض الإيمان، حتى اكتمل الدين وتمت النعمة، وأوضح رسول الله ﷺ أنه شعب مختلفة في المرتبة والأهمية، فمنها ما لو تخلف العبد عن الإتيان بها فلا يصح إيمانه، ومنها ما لو تخلف العبد عن الإتيان بها نقص إيمانه مع صحته في أصله.

стр. 500

باب معرفة الإيمان وكيف نزل به القرآن وترتيب الفرائض وإثبات أن الإيمان قول وعمل إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فمع الجزء الخامس من كتاب (الإبانة) وهو جزء جديد وباب جديد يتعلق بالإيمان والإسلام، وقواعد الإيمان والإسلام وغير ذلك من المسائل المتعلقة بالإيمان والكفر، وهو تقريباً سيكون أهم باب في هذا الكتاب، وما تقدم يعتبر كالمدخل لهذا الموضوع. قال المؤلف ﵀: [الجزء الخامس من كتاب (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة) وهو الأول من الإيمان] يعني: هذا أول الكلام فيما يتعلق بمسائل الإيمان والكفر. قال: [وفيه ثمانية أبواب: الأول: باب معرفة الإيمان وكيف نزل به القرآن، وترتيب الفرائض وأن الإيمان قول وعمل. الثاني: باب معرفة اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية. الثالث: باب معرفة الإسلام وعلى كم بني. الرابع: باب معرفة الإسلام والإيمان، وسؤال جبريل النبي ﷺ عن ذلك. الخامس: باب فضائل الإيمان وعلى كم شعبة هو، وأخلاق المؤمنين وصفاتهم. السادس: باب كفر تارك الصلاة، ومانع الزكاة، وإباحة قتالهم وقتلهم إذا فعلوا ذلك. السابع: باب ذكر الأفعال والأقوال التي تورث النفاق، وعلامات المنافقين. الثامن: باب ذكر الذنوب التي من ارتكبها فارق الإيمان، فإن تاب راجعه] أي: رجع إليه الإيمان. ثم يتكلم ابن بطة عليه رحمة الله في مقدمته لمعرفة أصول هذا الكلام، أي: أصول هذه الأبواب فيقول: [بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن بعونك، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الذي هو ربنا وبه نستعين، وإياه نسأل أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، الذي أنعم عليهم بهدى القرآن فاتبعوه واهتدوا، ومنَّ عليهم بمحمد ﷺ وبسنته فسلكوا سبيله واقتدوا، متبعين غير مبتدعين، ومذعنين غير طاعنين، وموقنين غير شاكين ولا مرتابين، وهادين بدعوته غير ضالين ولا مضلين. فسلموا عاجلاً -أي: في الدنيا- من السخط والشك والارتياب، واستحقوا آجلاً -أي: في الآخرة- الرضا وجزيل الثواب، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. وصلى الله على من ختم به الرسالة، وأكمل به الحجة، وأوضح به المحجة، وأرسله إلى جميع عباده كافة على فترة من الرسل، ودروس من العلم -أي: وذهاب للعلم- فأنقذ به من عباده من سبقت له الرحمة في كتابه، ففتح أبواب السماء برحمته، وجعله الداعي إلى الحق، والهادي إلى الرشد، والقائم بالدين، ذاك -والله- محمد المصطفى، ونبي الله المرتضى، خير خلقه نفساً، وأكرمهم طبعاً، وأطهرهم قلباً، وأصدقهم قولاً، وأكملهم عقلاً، وأشرفهم خلقاً، النبي الأمين الزكي المرضي، فدعا الناس إلى الإقرار بتوحيد الله ومعرفته، والبراءة من الأضداد والأنداد، وأن محمداً رسوله الصادق، من اتبعه اهتدى فنجا، ومن خالفه هلك وغوى، جعلنا الله وإياكم ممن سبقت له الحسنى، فعُصم من متابعة الهوى، وموافقة أهل الزيغ والردى، ووفقنا وإياكم لاتباع الكتاب والسنة اللذين الدين فيهما مشروع -أي: لا يشرع شيء في الدين إلا من خلال الكتاب والسنة-، والحكم فيهما مجموع، وخير العاجلة والآجلة فيهما موضوع، قد قطع بهما عذر كل معتل، وسد بهما فاقة كل مختل، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة، وإن الله لسميع عليم. أما بعد: وفقكم الله! فإني مبين لكم شرائع الإيمان التي أكمل الله بها الدين، وسماكم بها المؤمنين، وجعلكم إخوة عليها متعاونين، وميز المؤمنين بها من المبتدعين المرجئة الضالين، الذين زعموا أن الإيمان قول بلا عمل، ومعرفة من غير حركة]. يتكلم ﵀ في هذه المقدمة بكلام صريح في نبذ عقائد الفرق الضالة، وتثبيت وتأييد عقيدة الفرقة الناجية، فقال: [وميز المؤمنين من المبتدعين المرجئة الضالين الذين زعموا -وهذا أصل اعتقاد المرجئة، ماذا زعموا؟ - زعموا أن الإيمان قول بلا عمل، ومعرفة من غير حركة] أي: إقرار بالقلب من غير عمل. ثم قال: [فإن الله قد كذبهم في كتابه وسنة نبيه وإجماع العقلاء والعلماء من عباده] أي: أن الله تعالى كذبهم في كتابه، ورسوله ﵊ كذبهم في سنته، وإجماع العلماء على بطلان عقائد المرجئة، ولكنه يتكلم كلاماً مجملاً هنا؛ لأن التفصيل سيأتي معنا في أثناء الكتاب. ثم قال: [فتدبروا ذلك وتفهموا ما فيه، وتبينوا علله ومعانيه، فاعلموا رحمكم الله أن الإيمان إنما هو نظام اعتقادات صحيحة]. يعني: الإيمان كالعقد الذي له حلقات مسلسلة. ثم يقول: [بأقوال صادقة، وأعمال صالحة، بنياتٍ خالصة، بسنن عادلة، وأخلاق فاضلة، جمع الله فيها لعباده مصالح دنياهم وآخرتهم، ومراشد عاجلهم وآجلهم]. يعني: هذا هو مضمون الإ

стр. 501

سبب إرسال الرسل وإنزال الكتب على الخلق قال ﵀: [وذلك أن الناس قد جبلوا -في نقصان عقولهم وحجرها- عن الإحاطة بحقائق الأشياء، والوفاء بالإدراك لكل ما فيه الفائدة والمصلحة، ومن استيلاء شهواتهم واحتكام أهوائهم بعدت عليهم سبل مراشدهم، واستغمضت عليهم مخارج هداياتهم، وذلك موضوع كله في جبلتهم]. يعني: هم مفطورون ومجبولون على هذا. ثم قال: [فلو وكل كل منهم إلى نظره وفكره ورأيه وتدبيره واختياره فيما يؤثر من السير والمذاهب والشيم والخلائق، لكان واجباً لا محالة أن يظهر عجزه عن كفاية نفسه، وحاجتها من أبواب الرشاد، وإعطائها حظها من دواعي الصلاح الذي فيه رضا خالقها ونجاتها من هلكتها]. يعني: الإنسان بطبيعته يعجز عن أن يقوم تجاه نفسه بما يصلحها في معاشها، الواحد منا أحياناً يختار باباً من الأبواب، أو شيئاً من الأشياء، ويظن بل يعتقد اعتقاداً جازماً أن مصلحته التي ليس دونها مصلحة في الحصول على هذا الشيء، فإذا نظر وقيم هذا الشيء من واقع الشرع علم أنه ليس في صالحه؛ ولذلك يحرمه الله تعالى بفضله ورحمته ومنِّه من الحصول على ذلك الشيء، والواحد منا أحياناً يسعى سعياً حثيثاً إلى نكاح امرأة معينة، ثم يفاجأ أنها خطبت أو نكحت لغيره، فربما يصدم في مشاعره وفي قلبه وفي شهوته وهواه، فإذا ما تزوج بامرأة أخرى فظهر صلاحها ودينها، ونظر هو إلى سيرة المرأة التي كان يحبها آنفاً، فإذا بها في غاية فساد الأخلاق مع زوجها التي تزوجته، فحينئذ يحمد الله أن لم تكن هذه المرأة من نصيبه، وعلم الله أن هذه المرأة لو تزوجها هذا الذي كان يحبها لكانت سبباً في فساد دينه وانحرافه عن الجادة، فاختار له الخير، لكن من الذي يعلم هذا الخير؟ الله ، وفر له ما يصلح دينه ودنياه، ولكن هذا العبد لأول وهلة لما فوجئ بأن هذه المرأة فلتت منه أصيب في قلبه، وظن أن الخير كله قد فاته، وإذا بالخير كله قد خزن له في زواج من امرأة أخرى. وعلى هذا فقس كل حياتك، في واقع عملك، وتجارتك ومصنعك ومالك وأولادك وغير ذلك، ربما يتمنى المرء أن يرزق ولداً جميلاً أبيض، فيرزق بأولاد سود أو عندهم من الدمامة في خلقتهم الشيء الكثير والأُدمة وغير ذلك مما لا يرغب فيهم كثير من الناس، ثم يرزق بالولد الأبيض الجميل، فيكون هذا الولد هو مصدر تعاسته وشقائه، أما الأولاد الذين كره منظرهم ولونهم فهم أبر الأبناء به في كبره، فالله علم أن الخير في هؤلاء، وأن الشر في ذاك الولد، فربما يحرم المرء ما يتمنى، ولأجل هذا جعل الله لبعض الخلق بنين وبنات، وجعل لبعض الخلق البنات دون البنين والعكس في آخرين، ولم يجعل الله لزوجين معينين أولاداً قط؛ لأن الخير فيما اختاره الله . فينبغي الإيمان والرضا والتسليم لقدر الله ، واعتقاد أن كل قدر الله هو خير كله، ومصلحة كله، وإذا وجد الخير فثم دين الله وشرعه. ثم قال: [فلما علم الله تعالى ذلك منهم كفاهم برحمته ورأفته المئونة] أي لما سبق في علم الله الأزلي مصالح العباد كفاهم ذلك، فاختار لهم. ثم قال: [وأعظم بلطفه وجوده المعونة، فأمدهم في كتبه وعلى ألسن رسله بوظائف من الأمر والنهي، بين لهم فيها ما يأتون وما يذرون، ووفقهم إلى ما يرتكبون ويجتنبون، ليكون كل أحد من عباده المؤمنين -قويت خبرته في النظر والاختيار أو ضعفت، وكملت آلته في المعرفة والتمييز أو نقصت- معرضاً لحظ يصل إليه من مراشده، ونصيب يتوفر عليه من منافعه، فيكون الجميع منهم في ضمن فضله ورحمته اللذين وسعا كل شيء، كما وصف الله تعالى نفسه فقال: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٣]. ولتكون حجته مع ذلك بالإرشاد والبينة لازمة لكل مأمور ومنهي]. يعني: الله لم يخلقنا هملاً، ولم يخلقنا سدى، فإنه لما خلق الله تعالى الخلق أراد أن يقيم عليهم الحجة بمعرفة الخير والشر، فأمر ونهى في كتبه التي أنزلها على رسله، وركب فيك عقلاً تميز به بين الخير والشر، وبين الصالح والطالح، وبين النافع والضار؛ وبهذه الثلاثة الأمور قد أقيمت عليك الحجة، حتى إذا هلكت هلكت عن بينة، وإذا حييت بنور الهدى حييت كذلك على بينة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢] أي: بعد إقامة الحجة عليه: ﴿وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢] هذه الحجة مصدرها الهدى والنور الذي نزل من عند الله في كتبه المنزلة على أنبيائه بواسطة جبريل ﵇. إذاً: عندي الكتاب وعندي الرسول، ولدي العقل، ولذلك لا يكلف إلا العاقل البالغ، أما الصبي الذي لم يبلغ فليس محلاً للتكليف، وكذلك البالغ لكنه غير عاقل لعرض الجنون أو غير ذلك ليس مكلفاً، حتى إذا كان بالغاً عاقلاً مميزاً لا يكون مكلفاً ولا يأثم إذا كان مكرهاً وغير ذلك من الأعذار المانعة للحوق الإثم. فالله نفى عنك الإثم في كل هذا، وأثبت لك الإثم بعد

стр. 502

تفاوت الناس في معرفة الأوامر والنواهي والفرائض قال: [والدين وإن كان قد انتظم في نفسه جميع ما وصفناه، فليس يقف أو يقع الكل على موضع هذه الفضائل فيه؛ لكنهم يستبقون من أحكامه وشرائعه، وموضع هذه المصالح من مفروضه -أي: من فرائضه- وأوامره في ذلك، ويتفاضلون على حسب مراتب المعقول، وتوفيق البارئ جل ثناؤه وتقدست أسماؤه لهم]. يعني: ليس كل الناس يوفق إلى معرفة الأوامر والنواهي والفرائض، بل هذا باب وطريق طلب العلم.

стр. 503

تابع باب معرفة الإيمان وكيف نزل به القرآن وترتيب الفرائض وإثبات أن الإيمان قول وعمل قال: [باب معرفة الإيمان وكيف نزل به القرآن، وترتيب الفرائض وإثبات أن الإيمان قول وعمل].

стр. 504

أثر ابن عباس في معرفة الإيمان قال: [عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]]، وإن كان في سنده ضعف، إلا أن الشواهد كثيرة تشهد لهذا المعنى، [قال: إن الله بعث نبيه ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم لا يزال أمرهم في ازدياد حتى أكمل لهم الله تعالى دينه، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. قال ابن عباس: وكان المشركون والمسلمون يحجون جميعاً]. وفي هذا إثبات أن الكافر يأتي بالعمل الصالح، لكن لا يثاب عليه إلا في الدنيا، أما في الآخرة فإنه لا ثواب له، يثاب على عمله الصالح في الدنيا، من الصدق ومكارم الأخلاق وحسن الضيافة وغير ذلك من أعمال البر والصلة وأعمال الصلاح كلها، وإذا أسلم كتب له ما كان قد عمل من عمل صالح في الجاهلية، وجوزي عليه في الإسلام. ثم قال: [فلما نزلت سورة (براءة) نفي المشركون عن البيت -أي: طردوا عنه- وحج المسلمون فقط، لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، وكان ذلك من تمام النعمة وكمال الدين، فأنزل الله : ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة:٣] إلى قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]].

стр. 505

أثر عثمان بن حنيف في معرفة الإيمان قال: [عن عثمان بن سهل بن حنيف أنه سمع عمه عثمان بن حنيف يقول: (كان رسول الله ﷺ مقامه بمكة يدعو الناس إلى الإيمان بالله، والتصديق به قولاً بلا عمل)] أي: في أول الأمر، وأنتم تعرفون أن التكاليف الشرعية نزلت في المدينة. فإذاً: إقام النبي ﵊ في مكة سنوات طويلة يدعو إلى الإيمان وتوحيد الله ، لم تنزل التكاليف بعد. فقوله: (بلا عمل) أي: بلا عمل من أعمال الجوارح، وإلا فالإيمان نفسه عمل القلب، وعمل القلب بالاعتقاد والإقرار والإذعان، وكذلك هو عمل الجارحة وهو اللسان، أي: النطق بالشهادة، لكنه هنا تجّوز في اللفظ؛ لأنه يتكلم هنا عن أعمال الجوارح، أي: ولم يكن مطلوباً منهم عمل الجوارح. ثم قال: [والقبلة إلى بيت المقدس، فلما هاجر إلينا -أي: إلى المدينة- نزلت الفرائض فنسخت المدينة مكة، والقول لها أم القرى، ونسخ البيت الحرام بيت المقدس، فصار الإيمان قولاً وعملاً] أي: أن الفرائض والأوامر والنواهي والحلال والحرام كل ذلك نزل في المدينة، والإيمان بعد أن كان قولاً بلا عمل صار قولاً وعملاً.

стр. 506

أثر سفيان بن عيينة في معرفة الإيمان قال: [قال: محمد بن عبد الملك بن مسلم أبو عبد الله المصيصي: كنا عند سفيان بن عيينة -وهذا في حديثه سنة (١٧٠هـ) فسأله رجل عن الإيمان فقال ابن عيينة: قول وعمل، قال: يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله] يعني: يزيد إلى ما شاء الله لا منتهى لزيادته؛ لأن زيادة الإيمان متعلقة بالأعمال، فكلما ازداد المرء من العمل ازداد إيماناً. ثم قال: [يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذه، وأشار إلى إصبعه]. يعني: يزيد الإيمان في قلب العبد بسبب العمل والاعتقاد حتى يكون كالجبال الرواسي، وينقص بسبب ترك العمل حتى لا يبقى منه إلا ذرة أو شعيرة، أو لا يبقى منه شيء ألبتة. ثم قال: [قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ فقال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده] يعني: القول بأنه قول بلا عمل كان قولاً صحيحاً في أول الأمر، وفي صدر الشريعة في العهد المكي. ثم قال: [إن الله بعث محمداً ﷺ إلى الناس كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله]. يعني: لم يكن مطلوباً منهم في العهد المكي غير التوحيد بلا عمل، تكاليف قلبية، من نبذ للأصنام، وهذا كله في الظاهر عمل، لكن يحمل كلامه على الفرائض والحدود، وعلى مباني الإسلام، وإن كان الإيمان والتوحيد في حد ذاته عملاً قلبياً يترجم في صورة ولاء وبراء لعبادة غير الله . قوله: (فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها) أي: إلا ما ينقضها. وقوله: (وحسابهم على الله) أي: إذا نافقوا بهذا القول فحسابهم على الله، لكنهم إذا صرحوا بالإيمان والتوحيد بألسنتهم عصموا دماءهم وأموالهم، فكان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وأما هم عند الله فهم منافقون كفار، يجازيهم الله على النفاق النار، وهذا معنى قوله: (وحسابهم على الله). ثم قال: [فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالصلاة] أي: لما استقر الإيمان والتوحيد في قلوبهم، وعلم الله تعالى صدق هؤلاء، ولم يكن عندهم نفاق؛ لأن النفاق إنما نشأ في المدينة، أما أهل مكة فليس عندهم نفاق، ولذلك كان الواحد منهم يعذِبه مولاه في قول التوحيد، وكان بإمكانه أن ينافق، ويخرج من أذى سيده ومولاه بأن ينطق بكلمة الكفر، وعنده في ذلك الرخصة، ومع هذا آثر العزيمة، فلم يكن ينطق بها حتى يسحب على بطنه تارة وعلى ظهره تارة في حر الرمضاء، وهو يقول: أحد أحد! ربما غلب على ظنه في ذلك الوقت أن العزيمة لها تأثير كبير في قلوب كل من رأى هذا العذاب؛ ولذلك أتى خباب بن الأرت ﵁ النبي ﵊ وهو مسند ظهره إلى الكعبة، فقال: (يا رسول الله! ألا ترى ما قد نزل بنا؟) أي: من أذى هؤلاء المشركين، (ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر لنا)، يطلب دعوة النبي ﵊ أن يرفع عنهم هذا البلاء، ولكن هذا الطلب للنبي ﵊ أثار غضبه وحفيظته، كان مسنداً ظهره إلى الكعبة فجلس، كأنه يعلّم خباباً ومَن وراء خباب إلى قيام الساعة سنن الله الكونية، وأن الحرب دائرة رحاها بين الإيمان والكفر، وأهل الضلال وأهل الاعتدال، وأن ذلك سنة الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتغير، فالعداوة قائمة ومستحكمة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر. قال النبي ﵊: (إن من كان قبلكم كان يخد له الأخاديد فيوضع فيها، وينشر بالمناشير من رأسه إلى أخمص قدميه، حتى يلقى على الأرض شقين، لا يرده ذلك عن دينه). ثم يبشر خباباً والحالة هذه الناظر إليها يقول: لا أمل قط في ظهور هذا الدين، يعني: تصور قلة المؤمنين في ذلك الزمان، وكثرة المعاندين المحاربين والكائدين لهذا الدين، وما نزل بهذه الثلة المؤمنة القليلة من التعذيب والفتك والضرب والطرد والتشريد بلا شك بحسابات جميع البشر يقول: لا أمل قط في ظهور هذا الدين، ولا خروجه من حيز مكة. ثم تأتي البشارة وهي من أعلام نبوته ﵊، قال: (وليظهرن الله هذا الأمر -أي: هذا الدين- حتى لا يبقى بيت حجر أو مدر إلا دخله) أي: أخبار هذا الدين تدخل في كل بيت، وهل هناك بيت الآن على هذه الأرض لا يسمع بمحمد ودين محمد؟ الجواب لا؛ ولذلك هذه بشارة عظيمة من النبي ﵊ ليطمئن أهل التوحيد والإيمان وأصحاب الدعوة إلى الله على هدى وبصيرة من أهل السنة والجماعة أنهم ظاهرون إلى قيام الساعة. ويدل على ذلك أيضاً قوله ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم) أي: من أهل البدع أو الشرك والكفر والإلحاد والقتال: (لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) وهي

стр. 507

باب معرفة اليوم الذي نزل فيه قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) قال: [باب معرفة اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية] وهي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].

стр. 508

أثر عمر في معرفة اليوم الذي نزلت فيه (اليوم أكملت لكم دينكم) قال: [عن طارق بن شهاب قال: (قال يهودي لـ عمر: لو علينا معشر يهود نزلت هذه الآية: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)) وعلمنا اليوم الذي أنزلت فيه لاتخذنا ذلك اليوم عيداً)] يعني: لكمال الدين وتمام النعمة، والرضا عن هذا الدين، فهي فرحة عظيمة جداً. قال: [(فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والساعة، وأين كان رسول الله ﷺ حين نزلت؟ نزلت ليلة جمع، ونحن مع رسول الله ﵊ في عرفات)] ليلة الجمع هي ليلة الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة، أي: نزلت بعرفات بعد غروب الشمس، ويقال لهذه الليلة: ليلة جمع؛ لمشروعية جمع المغرب والعشاء في المزدلفة، مع أن المغرب في يوم التاسع من ذي الحجة يؤذن له وأنت في عرفة، لكنك لا تصلي المغرب والعشاء إلا في المزدلفة، فتكون صلاة المغرب والعشاء في غير المكان الذي دخلت فيه وقت الأولى وهو عرفة، فهذه الآية نزلت ليلاً في عرفات ليلة جمع. قال: [وعن طارق بن شهاب: (أن اليهود قالوا: لـ عمر: إنكم تقرءون آية لو أنزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: إني لأعلم حيث أنزلت وأي يوم أنزلت؟ أنزلت بعرفة ورسول الله ﷺ واقف بعرفة). قال سفيان: وأشك أكان يوم جمعة أم لا؟ يعني: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ))]، لكن هذا الشك زال؛ لقول عمر في الطريق الثاني: (أنزلت يوم عرفة يوم جمعة). وهذه الآية ليست آخر آيات القرآن نزولاً، وبعض أهل العلم قال: هي آخر آية نزلت، لكن جماهير أهل العلم على أن آخر آية نزلت على الإطلاق هي: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١]. أما هذه الآية فهي آخر آية نزلت بمكة، نزلت في حجة الوداع في يوم عرفة، وكان يوم جمعة.

стр. 509

أثر ابن عباس في معرفة اليوم الذي نزلت فيه (اليوم أكملت لكم دينكم) قال: [عن عمار مولى بني هاشم قال: قرأ ابن عباس: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وعنده رجل من أهل الكتاب، فقال: لو علمنا في أي يوم نزلت هذه الآية جعلناه عيداً، فقال -أي: ابن عباس - لقد نزلت يوم عرفة، يوم الجمعة]. [قال عبيد الله بن محمد: لقد علم العقلاء من المؤمنين ومن شرح الله صدره ففهم هذا الخطاب من نص الكتاب وصحيح الرواية بالسنة، أن كمال الدين وتمام الإيمان إنما هو بأداء الفرائض والعمل بالجوارح، مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، مع القول باللسان والتصديق بالقلب] هذا هو تعريف الإيمان عند أهل السنة. فقوله: (لقد علم العقلاء من المؤمنين) الذين هم أهل السنة، بعد أن شرح الله صدورهم فهموا الخطاب من نص كتاب الله ، ومن سنة النبي ﵊ التي صحت عنه، أن تمام الدين وتمام الإيمان إنما هو بثلاثة أشياء: الأول: أداء الفرائض والعمل بالجوارح مثل: الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، مع القول باللسان والتصديق بالقلب، فقد جمع لنا هنا أصول الإيمان التي هي معتقد القلب، أي: عمله قولاً وفعلاً، ثم قول اللسان وعمل الجوارح والأركان. ومراد ابن بطة هنا إثبات أن عمل الجوارح من الإيمان، للرد على المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. ثم قال: [وعلموا أيضاً المعنى الذي أنزلت فيه هذه الآية، ومراد الله تعالى فيها، واليوم الذي أنزلت فيه على رسول الله ﷺ ، فبان لهم -أي: لأهل السنة- كذب من افترى على الله، وعلى كتابه وعلى رسوله، وعلى صحابته والتابعين، والعقلاء من علماء المسلمين، فتأول هذه الآية بغير تأويلها، وصرفها إلى غير معانيها، وزعم أنها نزلت في غير المعنى الذي أراد الله بها، وفي غير اليوم الذي أنزلها فيه، فآثر هواه، وباع آخرته بدنياه، ويح من كان دينه هواه، فقد بارت بضاعته، وخسرت صفقته، خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين]. هذه مقدمة رائعة جداً في إثبات أن الإيمان قول وعمل، قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب واللسان والجوارح والأركان، فمحل الإيمان القلب واللسان لمن كان قادراً على ذلك، أي: على النطق، والجوارح كذلك. اختلف العلماء في تعلق الإيمان بالعمل، فأهل السنة والجماعة على أن العمل من الإيمان؛ ولذلك قال ﵊: (الإيمان بضع وستون -أو بضع وسبعون- شعبة، أعلاه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). لو نظرنا في هذا الحديث لوجدنا قوله كما في مسلم: (أعلاه لا إله إلا الله) أي: أعلاه شهادة أن لا إله الله، والشهادة عمل اللسان، فالمرء يشهد بلسانه، فلو أن امرأً شهد بلسانه بهذه الشهادة ولم يعتقد قلبه صحة هذه الشهادة، فإنه يكون منافقاً بالإجماع. إذاً: هذه الشهادة إن تلفظ بها الإنسان ولم يكن لها رصيد في القلب لم يكن مؤمناً، بل كان منافقاً، وحينئذ نقول: إن هذه الشهادة لا بد لها من النطق إذا كان صاحبها قادراً على النطق، وإلا فتكفيه الإشارة، أي: الإشارة إلى السماء، كما في حديث الجارية: أن النبي ﵊ قال لها: (أين الله؟) وفي رواية: (فأشارت إلى السماء) أي: جهة العلو والارتفاع لله ، قال: لو لم يكن لهذه الكلمة التي صدرت على اللسان رصيد في القلب لا تقبل من قائلها إلا فيما يتعلق بأحكام الدنيا. أما إذا كان يعتقد صحة هذه الكلمة بقلبه، ولم ينطق بها مع قدرته على النطق، فهل يثبت له الإيمان أو الإسلام؟ أنتم تعلمون أن أبا طالب كان يؤازر النبي ﵊، وكان يحوطه من جميع جوانبه، وحينئذ لما صرح أبو طالب في غير ما مرة أن ابن أخيه على الحق، وإنما الذي يمنعه من الدخول فيه قوميته، كان أبو طالب رجلاً قومياً يضمر القومية العربية، فمنعه ذلك من أن يدخل في دين محمد ﷺ ، حتى لا يقال: صبأ أبو طالب، وترك دين آبائه وأجداده؛ ولذلك لما علم النبي ﵊ منه إيمانه الجازم بصحة رسالته، قال: (يا عماه! قلها كلمة أشفع لك بها عند ربي، فقال: لو لم تعيرني بها العرب لقلتها) فهو يؤمن بها في قلبه، لكنه لم يتلفظ بها، فهل تنفعه حينئذ؟ أنا الآن ضربت صورتين، الأولى: أنه تلفظ بها بلسانه ولم يعتقدها بقلبه، فهذا منافق، والمنافق كافر معلوم، ومن اعتقدها بقلبه ولم يتلفظ بها بلسانه فلا يقبل ذلك منه، بل هو باق على أصل كفره في الدنيا والآخرة، فهاتان صورتان لإثبات أن الإيمان لا بد فيه من اعتقاد القلب والنطق باللسان لمن كان قادراً على ذلك. يأتينا دور العمل، فكلمة التوحيد لها شروط ومقتضيات، سنتعرض لها بإذن

стр. 510

الأسئلة

стр. 511

الرد على شبهة كون الله خلق الخلق وجعل بعضهم معاندين للحق رافضين له السؤال لقد سبق في علم الله أن هؤلاء الكفرة والملحدين لن يستجيبوا لرسوله، فكتب عليهم الشقاء الذي هم فيه، ولكن قد يقول القائل: هذه النفس العنيدة التي لا تستجيب للحق، أوليس الله هو الذي خلقها وأودعها في عباده، وجعلها متكبرة عنيدة تأبى الحق، ولو شاء الله سبحانه لجعلها نفساً صالحة طيبة تستجيب للحق إن جاءها، فكيف نرد على إشكالهم هذا؟ الجواب هذا سؤال لا يعدو كونه شبهة من الشبهات، لكني أذكر لك مثالاً: لو أن غرضاً من الأغراض يؤدي إليه طريقان: أحدهما معبد ممهد، والثاني ليس كذلك، بل قد امتلأ بالشوك والحجارة الجارحة وغير ذلك، وأتينا بأقذر خلق الله وقلنا له: أمامك غرض يؤدي إليه هذان الطريقان، طريق سهل مرصوص معبد ممهد للسالكين، والآخر كما ترى قد امتلأ بالشوك والحجارة وغير ذلك من المعسرات، فعليك أن تصل إلى الغرض في مدة زمنية معينة، فماذا سيسلك هذا السالك؟ هل تتصورون أنه يدع الطريق الممهد؟ أنت يا أخي عندما تسير بسيارتك وأمامك طريق مكسر قريب، وطريق آخر ممهد وهو بعيد، فإنك ستسلك الطريق الممهد، وتقول: إنه طريق جيد نمشي عليه؛ لأن الطريق المكسر قد يكسر سيارتي ويكسر لي عظمي حتى وإن مشيت على رجلي، هل هذا الفعل الذي يقوله هذا الفاعل متعلق بالتمييز والإدراك، ممكن أن يأتي مجنون ويقول لك: أنا سأسلك هذا الطريق الذي به حفر، إنه حلو جداً وجميل جداً. نقول: هذا إنسان غير مكلف، لكن هذا الفاجر العنيد قد بينا له أن الهدف أمامه وهو ينظر إليه، ويؤدي إليه طريقان: أحدهما قد امتلأ بالشوك، والآخر معبد ممهد مرصوص وجميل، فماذا على هذا الفاجر أن يسلك؟ هل هناك أحد من العقلاء يمكن أن يقول: سيسلك الطريق الذي امتلأ شوكاً، لا يمكن، ولو فعل لحكمنا عليه بالجنون. وإذا كان الأمر هكذا في هذا المثل فلله المثل الأعلى، وقد أعذر الله لجميع خلقه بأن أرسل لهم رسلاً، وهؤلاء الرسل كانت مهمتهم إثبات وحدانية الله وربوبيته، وهداية الخلق إليه الذي خلقهم ورباهم وتولى أمرهم وقام على شئونهم، وأنزل مع الرسل الكتب فيها الهدى والنور، هذا فيما يتعلق بالكتب والرسل، وجعل العباد مكلفين بشرط أن يكون عندهم عقل، فركب فيهم العقول التي تميز بين الخير والشر، بين النافع والضار، بين الحق والباطل، فعلموا أن هذا هو الحق، ولكنهم عاندوا من عند أنفسهم، كمن عاند وسلك الطريق الذي قد امتلأ شوكاً ليصل إلى الهدف، لكن هذا العنيد إن سلك طريق المعصية فإنه لا يصل إلى الجنة؛ لأنه لا حظ له فيها، كما أن سلوك هذا الطريق يؤدي به إلى النار التي خلقها الله ، وأعد لها من أعد من خلقه؛ لما سبق في علم الله أن الحجة قد قامت. ثم هذا السائل الذي يسأل هذا السؤال، لو أني قلت له: لو كان لك ولد وقلت له: يا بني! أنا سآتي لك بالطعام والشراب، وأذهب بك إلى المدرسة ذهاباً وإياباً، وآتي لك بالمدرسين، وأسعى لك في كل واد في سبيل تحصيل التفوق في نهاية العام، ولكن هذا الولد آثر العناد وعدم الانتباه والامتثال لكلام المدرسين، ولم يعبأ بكل ما صنعه معه والده، وفي نهاية العام حقق رسوباً شديداً، ماذا يكون موقف الوالد، يضربه؟ يشتمه؟ يوقع به أشد العذاب؟ كل ذلك يمكن أن يكون من الوالد، لماذا؟ لأن الوالد يرى أنه ما قصر، وأن هذه النتيجة ليست من قدر الله الشرعي، إنما هي من قدره الكوني نسبة إلى تقصير هذا الولد. إذاً: مرد ذلك إلى التقصير والعناد أم لا؟ وإلا فلماذا يضرب الوالد ولده؟ ونحن نؤمن أن الكل من عند الله، لكن ما كان من عند الله تعالى في ذات الخير والشرع والدين والمحبة، كل ذلك راجع إلى ما أمر الله تعالى به على ألسن رسله في باب المحبة والرضا والشرع، أما ما وقع من شر في الكون، فإنه وقع بسبب تقصير من العباد بعد قيام الحجة، فالله تعالى علم ذلك قبل أن يخلق الخلق، كما في حديث ابن مسعود ﵁: (وإن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بكتب أربع: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) الله تعالى لا يحب الكفر، والكفر موجود، فهل وجد الكفر في الكون رغماً عن الله ؟ حاشا لله، إنما وجد الكفر في الكون بإرادة الله الكونية القدرية، ومعنى إرادته الكونية القدرية أنه قدر ذلك وشاءه كوناً لا شرعاً، وإلا فالله تعالى قدر تقديراً شرعياً الإيمان الذي هو في مقابلة الكفر، وأحبه ورضيه، ولما علم الله سلفاً أن عبده فلاناً الذي يخلق في الساعة الفلانية واللحظة الفلانية إذا كبر اختار طريق الضلال، وعبده الآخر إذا كبر اختار طريق الهداية، بعد إفراغ الأعذار لجميع العباد؛ تجد أن بعض العباد سيختار طريق الهداية، وبعض العباد سيختار عناداً طريق المعصية أو طريق الكفر والإلحاد، فأعد الله لهؤلاء الجنة في نهاية أمرهم، وأعد لهؤلاء النار في نهاية أمرهم، فهل هذا عدل من الله أم جور؟ عدل؛ لأن الله تع

стр. 512

حكم من أدرك الإمام في الركوع السؤال من أدرك الركوع في الركعة الأولى، وهو يأخذ بمذهب أنه: (لا صلاة إلا بأم الكتاب)، فهل يلزمه أن يقوم بعد التسليم، أم تحسب هذه هي الخامسة، فتبطل معها الصلاة كلها، أم ماذا؟ الجواب واضح أن السائل جاهل؛ لأنه إذا كنت صاحب مذهب فالأصل أنك تلم بفرعيات عظيمة. أما قراءة الفاتحة خلف الإمام ففيها مذاهب: المذهب الأول: أن قراءة الفاتحة واجبة على المأموم في الجهرية والسرية. والمذهب الثاني: قراءة المأموم ليست واجبة في حقه خلف الإمام في الجهرية. والمذهب الثالث وهو مذهب الأحناف: أن قراءة المأموم للفاتحة ليست واجبة عليه لا في الجهرية ولا في السرية. والذي يترجح لدي أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمأموم في الجهرية والسرية؛ لقوله ﵊ كما في حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين وغيرهما: (لا صلاة إلا بأم الكتاب)، ولحديث أبي هريرة وغيره أن النبي ﵊ قال: (من صلى بغير فاتحة الكتاب فصلاته خداج خداج خداج). وأمر عمر المأمومين أن يقرءوا بها خلف الإمام، قال رجل: أأقرأ بها يا أمير المؤمنين وأنت تقرأ؟ قال: نعم، اقرأ بها في نفسك يا فارسي. والأدلة كثيرة جداً على وجوب فاتحة الكتاب للمأموم في الجهرية والسرية. أما إذا أدرك المأموم الإمام في الركوع فليركع معه وليعدها ركعة، ولا يطالب حينئذ بقراءة الفاتحة لفوات محلها، أي: لفوات وقت الوجوب، وهو إدراك القيام مع الإمام، والله تعالى أعلم.

стр. 513

حكم الحج نتيجة الفوز بمسابقات وجوائز السؤال هل يصح الحج نتيجة الفوز بمسابقات وجوائز؟ الجواب نعم يصح، إذا كانت مسابقة وأعلن أن الفائز فيها يكافأ بالحج، فلا حرج حينئذ أن يدخل من التمس في نفسه أهلية لهذا، فإذا فاز فهنيئاً له الحج.

стр. 514

حكم معالجة المريض على حساب الدولة السؤال هناك امرأة مريضة تعالج على حساب الدولة، سواء كان في الداخل أو في الخارج، فهل هذا جائز؟ الجواب نعم جائز، بل هو واجب على الدولة في حق الفقراء، إن لم تقم به الدولة يأثم جميع المختصين أو القائمين بهذا الشأن، فلا يصح أن يكون هذا العمل كله محسوبية، الذي له قريب في وزارة الصحة هو الذي يعالج، والذي ليس له قريب يموت، لا يصح ذلك، بل كل فقير غير قادر على النفقة أو العلاج أو التعليم أو غير ذلك، يجب على الدولة أن تقوم برعايته وحسن تدبير أمره، وإلا فيأثم جميع المختصين بذلك.

стр. 515

حكم استبدال الأدوية الزائدة لمريض بدواء آخر لمريض آخر السؤال هل يجوز استبدال بعض الأدوية الزائدة التي يصرفها التأمين الصحي أو الدولة لمريضة بدواء آخر لأمها المريضة؟ الجواب نعم يجوز ذلك؛ لأنها تأخذ حكم البنت من جهة أنها فرد من أفراد المجتمع، وأنها فقيرة ليس في إمكانها علاج نفسها.

стр. 516

حكم لبس المرأة الذهب المحلق السؤال هل الذهب المحلق من الذهب المحرم على النساء؟ الجواب لا. ليس من الذهب المحرم، وأنا أعتقد أن مذهب شيخنا الشيخ الألباني ﵀ مذهب مخالف لعلماء الأمة؛ ولذلك ليس محل اعتبار عندي، وأن الذهب كله حلال للنساء، حرام على الرجال.

стр. 517

حكم الجهاد في فلسطين أو غيرها السؤال هل الجهاد في فلسطين أو غيرها فرض عين على الشباب في مصر أو غيرها؟ الجواب الجهاد في الأماكن التي ترفع فيها راية الجهاد فرض كفاية على المسلمين لا فرض عين، فالجهاد فرض عين في نفس المكان الذي اعتدي فيه عليك، مثلاً: الجهاد في فلسطين فرض عين على الفلسطينيين هناك، وعلى من كان في فلسطين من غير أهلها فرض عين عليهم، ولا يكون فرض عين على من تلاهم من أهل البلدان إلا إذا عجزوا، فإذا عجز مجموع المسلمين من البلدين تعين على الثالث، فإذا عجزوا جميعاً تعين على الرابع وهكذا. أما الجهاد على الشباب في مصر فليس فرض عين، وإنما هو فرض كفاية، وشرط فرض الكفاية: سلامة الطريق، وأنتم تعلمون أن الطريق غير سالم وغير آمن. الشرط الثاني: أن يأذن الوالدان، وهذا شرط لصحة الجهاد في فرض الكفاية، فإذا لم يأذنا يأثم المجاهد؛ لأن النبي ﵊ أرجع بعض أصحابه لخدمة والديه، ولو تعين عليه الجهاد لم يرجعه، وستأتي هذه المسألة بالتفصيل بإذن الله تعالى في كتاب الجهاد في صحيح مسلم.

стр. 518

شرح كتاب الإبانة - الإيمان قول وعمل يزيد وينقص [١] لقد ذكر الله تعالى الآيات الكثيرة التي تثبت أن العمل الصالح من الإيمان، وأن المدح لا يكون إلا لمن آمن وعمل صالحاً، وأن العمل سبب في زيادة الإيمان أو نقصانه، وفي ذلك رد على الفرق المنحرفة كالمرجئة القائلين بعدم دخول العمل في مسمى الإيمان، أو الجهمية الذين جاءوا بأفحش من ذلك فقالوا بأن الإيمان هو المعرفة أو العلم دون النطق أو العمل.

стр. 519

الآيات القرآنية في إثبات أن العمل من الإيمان الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فلا زال الكلام موصولاً في إثبات أن العمل من الإيمان، وكنا قد بدأنا هذا الموضوع في الدرس الماضي وتتمته في دروس متعاقبة بإذن الله. قال الإمام ابن بطة: [واعلموا رحمكم الله أن الله لم يثن على المؤمنين ولم يصف ما أعد لهم من النعيم المقيم والنجاة من العذاب الأليم، ولم يخبرهم برضاه عنهم إلا بالعمل الصالح والسعي الرابح، وقرن القول بالعمل، والنية بالإخلاص، وأن كل ذلك من الإيمان حتى صار اسم الإيمان مشتملاً على المعاني الثلاثة لا ينفصل بعضها عن بعض، ولا ينفع بعضها دون بعض، حتى صار الإيمان قولاً باللسان، وعملاً بالجوارح والأركان، ومعرفة -أي: إقراراً- ويقيناً بالقلب، خلافاً لقول المرجئة الضالة الذين زاغت قلوبهم، وتلاعبت الشياطين بعقولهم، وذكر الله ذلك كله في كتابه، والرسول ﷺ في سنته]؛ لأن المرجئة قالوا: العمل ليس من الإيمان، وأن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل. [باب الآيات من كتاب الله في إثبات أن العمل من الإيمان]، وأن اسم المدح لا يكون إلا لمن آمن وعمل عملاً صالحاً، لمن آمن بلسانه وقلبه وعمل بجوارحه، وأخلص العمل لله ، فهذا هو المستحق للمدح والمستحق للنعيم في الدنيا والآخرة. [قال الله : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥]] لم يقل: بشر الذين آمنوا أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وإنما قرن العمل الصالح بالإيمان. قال: [﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة:٢٥]. وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٢٧٧]]. فقرن الإيمان بالعمل الصالح، والصلاة والزكاة من العمل الصالح، فهذا ذكر للخاص بعد العام لبيان أهميته، مع أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة يمكن الاستغناء عن ذكرهما بقوله: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ))، ولكن ذكر الخاص بعد ذكر العام، وهو العمل الصالح؛ لبيان أهمية الخاص. فإذا قلت لك: لا تأخذ المال من جيبي ولا تأخذ هذا الجنيه، فهذا الجنيه يدخل ضمن المال، وأنا قد نهيتك عن أخذ شيء من جيبي مطلقاً والتنبيه على عدم أخذ هذا الجنيه بالذات للأهمية. فهذا يسميه الأصوليون ذكر الخاص بعد العام من باب التأكيد عليه. [وقال الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء:٥٧]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]. وقال : ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء:١٧٢] إلى أن قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء:١٧٣]، فقرن العمل بالإيمان ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٧٣]. وقال : ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ [الأنعام:٤٨]، أي: عمل عملاً صالحاً ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام:٤٨]. وقال : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف:٤٢]. وقال : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ [التوبة:٢٠] والهجرة عمل والجهاد عمل وقرنهما بالإيمان ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة:

стр. 520

اختلاف الفرق المخالفة لمنهج أهل السنة في تعريف الإيمان والرد عليهم [قال الإمام: فتفهموا رحمكم الله هذا الخطاب، وتدبروا كلام ربكم ، وانظروا هل ميز الإيمان من العمل؟] يعني: هل جعل العمل شيئاً والإيمان شيئاً آخر؟ [أو هل أخبر في شيء من هذه الآيات أنه ورث الجنة لأحد بقوله دون عمله؟ ألا ترون إلى قوله : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] ولم يقل: بما كنتم تقولون]. لأن المرجئة يقولون: الإيمان هو التصديق. والجهمية يقولون: الإيمان هو المعرفة، ومنهم من يقول: الإيمان هو العلم. وإبليس عليه لعنة الله يعرف جيداً أن الله تعالى إله واحد، ويعلم ذلك علماً يقينياً، فهل يكون بذلك مؤمناً؟ فالجهمية يقولون: الإيمان هو المعرفة أو العلم، ولا يشترطون النطق به. والمرجئة يقولون: يشترط النطق باللسان الذي يدل على تصديق القلب، ويقولون الإيمان هو التصديق. وكلاهما في غاية البطلان والفساد، لأن المرجئة يقولون: إذا صدق المرء بقلبه ونطق بلسانه فلا علاقة للعمل حينئذ بهذا الإيمان، ويكفي أنه نطق بالشهادتين، فيثبت له كمال الإيمان وتمامه، فإيمانه كإيمان جبريل أو كإيمان الملائكة الذين فطروا على عبادة الله . فلو أن الواحد صدق بلسانه وبقلبه فهو عند المرجئة مؤمن كامل الإيمان وإن ارتكب جميع الفواحش والمنكرات، والأمر أشد من ذلك ضلالاً عند الجهمية، فلو أنه ترك كل أمر وارتكب كل نهي، فلا يضره ذلك عندهم. فالمرجئة يناقشون أهل السنة ويقولون: هل ينفع مع الشرك عمل؟ الجواب عند أهل السنة: لا ينفع؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨] من الكبائر والصغائر، فهي في مشيئة الله تعالى. يقولون: كما لا ينفع مع الشرك عمل فإنه لا يضر مع الإيمان معصية، وانظروا إلى مدى قول المرجئة! فإن هذا كلام لا يستقيم أبداً. [وقال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١]، ولو كان العمل لا يضر الإيمان زيادة ونقصاناً أو إزالة من الأصل، فكيف يحاسبهم الله تعالى ويجازيهم على إساءتهم العمل في حياتهم الدنيا. قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] ففرق الله تعالى بين المسيء والمحسن، وجعل الإساءة والإحسان متعلقين بالعمل، ورتب على هذا العمل ثواباً وعقاباً، أما من أساء فيعاقبه الله، وأما من أحسن في عمله فيجازيه الله . [ولم يقل: بما قالوا]، أي: بل قال: ((لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا)) لأنه قد قال كلمة الإيمان وفرغ منها ولكنه أساء العمل، ومع هذا فإنه داخل في المحاسبة والمجازاة، ولو كان العمل لا علاقة له بالإيمان فإن الله لا يحاسبه عليه، ويكفي أنه تلفظ بهذا الإيمان، فلما جازاه الله تعالى على عمله دل أن العمل من الإيمان. [وقال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧] ولم يقل: أحسن قولاً]؛ لأن القول لو كان هو المراد دون غيره، وأن العمل لا علاقة له؛ لما كان في محاسبة هذا العبد عدل، والله ﵎ متصف بكمال العدل، منزه عن الظلم والنقص. [وقال الله تعالى في قصة الكفار: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف:٥٣]]، فالكفار يوم القيامة علموا أن سبب ورودهم جهنم ما كانوا يعملون، [ولم يقولوا: غير الذي كنا نقول]، أي: وإنما قالوا: ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف:٥٣]. [وقال : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥]]، الإيمان بالكتب والرسل يستلزم الإيمان بالأمر والنهي عملاً وتركاً. ومعنى أنك مؤمن بكتاب الله تعالى هو: أنك تعظم كتاب الله تعالى، وتشرف كتاب الله تعالى، وتحفظ كتاب الله تعالى، وتعمل بأوامره وتنتهي بنواهيه، وتؤمن أنه كله من عند الله، وهذا كله عمل. ومن قال: أنا أحب كتاب الله ولكني لا أعمل بهذه الآية، فإنه يكفر بهذا القول، فلو أنه جحد أو أنكر آية واحدة من كتاب الله كفر بهذا حتى وإن عمل بها، لأنه تلفظ بلفظ الكفر، كمن يقول: أنا لا أؤمن أن الله تعالى حرم الزنا وإن كنت لا أزني، فقد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، أو يقول: الله تعالى لم يحرم الخمر وإن كنت لا أشربها، فالكفر يكون بالقول كما يكون بالعمل. [فلم يفرد الإيمان حتى قال: ((كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ

стр. 521

حكم من زعم أن شرائع الإيمان وأحكامه وفرائضه ليست من الإيمان قال المؤلف: [فمن زعم أن ما في كتاب الله من شرائع الإيمان وأحكامه وفرائضه ليست من الإيمان، وأن التارك لها والمتثاقل عنها مؤمن؛ فقد أعظم على الله الفرية]. ولو أن واحداً قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فهذا عند المرجئة مؤمن كامل الإيمان، ولكنه يقول: لا توجد صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا حج ولا جهاد، ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر، ولا ولا ولن أفعل شيئاً من ذلك، وأنا أزني وأشرب الخمر وأسرق وأقطع الطريق، وغير ذلك من سائر المعاصي والذنوب، وأنا متأكد أنني مؤمن كامل الإيمان، كيف ذلك؟ فمن لجهنم حينئذ؟ فيكاد الإجماع أن ينعقد على أن من ترك الصلوات الخمس كفر بالله ، بل ومنعقد عند الصحابة أن من ترك الصلاة كفر وخرج من الملة. ولم يأت عن صحابي واحد أن من ترك الصلاة لا يكفر بها، ووقع النزاع فيما دون ذلك، بل وقع النزاع بعد عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: [فمن زعم أن ما في كتاب الله من شرائع الإيمان وأحكامه وفرائضه ليست من الإيمان، وأن التارك لها والمتثاقل عنها مؤمن؛ فقد أعظم على الله الفرية، وخالف كتاب الله، ونبذ الإسلام وراء ظهره، ونقض عهد الله وميثاقه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران:٨١]]. فلو قال الصحابة للنبي ﷺ : الجهاد عمل يا رسول الله أم ليس عملاً؟ فسيقول لهم: الجهاد عمل، ولو قالوا له: اذهب أنت وجاهد؛ لأنه حينما كان العمل ليس من الإيمان فليس عندنا استعداد أن نشارك معك في هذه الغزوة، أو على الأقل نحن شاركنا معك في غزوة أو غزوتين، فتفضل أنت وحارب والله معك ويعصمك!! لو أن الصحابة ﵃ أجمعوا على ترك الجهاد مع النبي ﵊، فهل تتصورون أن القرآن ينزل بمدحهم؟ لا يمكن أبداً، وهذا يدل على أن العمل من الإيمان. فتصور لو أن الجهاد في مصر مثلاً فرض عين، لأن اليهود دخلوا علينا وفوجئنا أن هناك رشاشات ودبابات مع جنود يهود أمام المسجد في هذا الوقت، فنقول: هيا لنجاهد، قالوا: نحن متأسفون، لأن الجهاد عمل، والعمل ليس من الإيمان على مذهب المرجئة؛ فأنا إن جاهدت أو لم أجاهد فأنا في الحالتين مؤمن كامل الإيمان فإذا كنت أنا في حال تركي للجهاد مؤمناً كامل الإيمان، فلماذا أجاهد؟ سأحرص على حياتي! فهذا القول قول المرجئة، وكلام المرجئة في الإيمان كلام بلا ذيل ولا يمكن ضبطه أبداً؛ لأنه كلام في غاية الفساد والبطلان. [﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١]. ثم قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:٨٢]] أي: فمن تولى عن نصرة النبي ﵊ حياً أو ميتاً إذا تعين عليه ذلك؛ فهو فاسق. وبعض أهل البدع الآن خرج بشبهات على السنة، حتى كاد أن يهلك الناس وأن يفتنهم في دينهم، وكان هناك عشرة من الناس بإمكانهم أن يدافعوا وأن يذبوا عن سنة النبي ﵊، ويبينوا مزاعم الأعداء وافتراءات المفترين، وأن يجلوا هذه الغمة عن سنة النبي ﵊، وأن يرشدوا الأمة إلى صالح عملها واعتقادها في سنة النبي ﵊، وأنهم تواطئوا واتفقوا على عدم الدفاع عن سنة النبي ﵊، فهم يصيرون بذلك من الفساق. فلا بد من نصرة النبي ﵊ حياً وميتاً. [ثم قال الله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران:٨٣]]، فبين أن الإيمان والعمل سواء بسواء يدخل تحت مسمى الدين، [ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:٨٢] فجمع الله تعالى القول والعمل في هذه الآية، وقال: فمن زعم أنه يقر بالفرائض لكنه لا يؤديها ولا يعلمها، كما أنه مقر بتحريم الفواحش والمنكرات، ولا ينزجر عنها ولا يتركها، وأنه مع ذلك مؤمن؛ فقد كذب بالكتاب وبما جاء به الرسول ﵊، ومثله مثل المنافقين الذين ﴿قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١] فأكذبهم الله ورد عليهم قولهم، وسماهم منافقين مأواهم الدرك الأسفل من النار]. الإمام ابن بطة يقول: [على أن المنافقين أحسن حالاً من المرجئة]، وهذا كلام في غاية الأهمية، لأن المنافقين والمرجئة كلاهما قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، كلاهما زعم أنه مؤمن، فالمرجئة آمنوا بأفواههم ولم يعملوا -أي: لم تعمل جوارحهم- أما المنافقون فإنهم آمنوا بأفواههم وعملوا قال: و

стр. 522

لا يقبل قول إلا بعمل [وعن الحسن البصري ﵀ قال: قال قوم على عهد رسول الله ﷺ : إنا لنحب ربنا ]، والحب أمر قلبي، فزعم بعض الصحابة أنهم يحبون الله ، [فأنزل الله تعالى] آية أعظم ابتلاء واختباراً لمن زعم أن المحبة ظاهراً قال: [﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١]] يعني: إذا كنتم صادقين في زعمكم وادعائكم المحبة، فاعلموا أن المحبة ليست كلاماً، وإنما المحبة اتباع النبي ﷺ ؛ لأنه الممثل عملياً لكلام الله وكلامه ﷺ ، [فجعل الله اتباع نبيه ﷺ علماً لمحبته، وأكذب من خالفه، ثم جعل على كل قول دليلاً من عمل يصدقه أو يكذبه، يعلم نبيه ﷺ والمؤمنين من عباده الإيمان. قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦]. فأعلم الله تعالى نبيه في هذه الآية أن الإيمان بالله هو الإيمان بما أنزل عليه وبما أنزل على الذين من قبله من الرسل والأنبياء، وبما في كتبه من الشرائع والأحكام والفرائض، وأن ذلك هو الإيمان والإسلام، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]. ففي هذا دليل على أن الإيمان قول وعمل، لا ينفصل الإسلام عن العمل في هذه الآية، وذلك أن الله قد أخبرنا أنه لا يقبل قولاً إلا بعمل. قال الله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]] أطيب كلمة هي كلمة التوحيد، وهذه الكلمة لو قالها إنسان ولم يعمل بمقتضاها لا تنفعه، فلو أن إنساناً لهج بلا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكنه لم يعمل بمقتضاها، بل عمل بما ينافيها وينقضها، لا تنفعه. أي: لو أنه قالها وهو كاره لها، أو قالها وهو غير عالم بحقيقتها، أو قالها وهو غير مخلص فيها فهناك ضوابط وشروط ومقتضيات لهذه الكلمة، أما لو فإنها مجردة لا تنفع. [فأخبرنا الله أنه لا يقبل قولاً طيباً إلا بعمل صالح، أو عملاً صالحاً إلا بقول طيب؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل:٩٧]، ولكن لو عمل عملاً صالحاً وهو مشرك لا ينفعه ذلك، فلا بد من العمل الصالح مع الإيمان، [﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧]. قال: فلا قول أزكى ولا أطيب من التوحيد، ولا عمل أصلح ولا أفضل من أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإذا قال قولاً حسناً أو عمل عملاً حسناً رفع الله قوله بعمله، وإذا قال قولاً حسناً وعمل عملاً سيئاً رد الله قوله على العمل، وذلك في كتاب الله ، فأنزل الله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]]. [وعن أبي العالية ﵀ قال في قول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧] قال: تكلموا بكلام الإيمان وحققوه بالعمل. قال الربيع بن أنس: وكان الحسن يقول: الإيمان كلام، وحقيقته العمل، فإن لم يحقق القول بالعمل لم ينفعه القول] قول طيب.

стр. 523

العبادة والإيمان قال ابن بطة: [وحسبك من كتاب الله بآية جمعت كل قول طيب وكل عمل صالح وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. فإنه جمع في هذه الآية القول والعمل، والإخلاص والطاعة لعبادته وطاعته والإيمان به وبكتبه وبرسله، وما كانوا عليه من عبادة الله وطاعته]. فالعبادة عمل، والعمل من الإيمان، [فلو كانت العبادة التي خلقهم الله لها قولاً بغير عمل لما أسماها عبادة وسماها قولاً، ولقال: وما خلقت الجن والأنس إلا ليقولون]، فكونه قال ((إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) دل على أن العمل من الإيمان، وأنه عبادة. [وليس يشك العقلاء أن العبادة خدمة، وأن الخدمة عمل، وأن العامل مع الله إنما عمله أداء الفرائض واجتناب المحارم، وطاعة الله فيما أمر به من شرائع الدين وأداء الفرائض، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٧ - ٧٨]. فهل يخفى على ذي لب أو عقل سمع هذا الخطاب الذي نزل به نص الكتاب، أن اسم الإيمان قد انتظم التصديق بالقول والعمل والمعرفة، قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. وقال الله تعالى لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. فدل على أن الصلاة والحج والنسك والذبح والهدي، بل المحيا والممات عموماً كلها لله . وقال الله تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٧١ - ٧٢]. وإقام الصلاة هو العمل، وهو الدين الذي أرسل الله تعالى به المرسلين وأمر به المؤمنين، فما ظنكم رحمكم الله بمن يقول: الصلاة ليست من الإيمان! وأن ترك الصلاة ليس شركاً! والله يقول: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٣١]]. فهذا يدل على أن من ترك الصلاة قد أتى شعبة من شعب الشرك أو وقع في الشرك، [فجعل الله من ترك الصلاة مشركاً خارجاً من الإيمان؛ لأن هذا الخطاب للمؤمنين؛ تحذير لهم أن يتركوا الصلاة فيخرجوا من الإيمان ويكونوا كالمشركين. قال : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨]. فقوله: ((مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ)) فلم يفرق بين الإيمان وبين الصلاة والزكاة، فمن لم يؤمن لم تنفعه الصلاة، ومن لم يصل لم ينفعه الإيمان، واستبدل بمحل الصلاة من الإيمان ونزولها منه بالذروة العليا، وأن الله تعالى فرضها بالطهارة بالماء، فلا تجزئ الصلاة إلا بالطهارة، فإذا عجز عن الطهارة بالماء فإنه يجب عليه أن يتطهر بالتراب عوضاً من الماء؛ لئلا يجد أحد في ترك الصلاة مندوحة، ولا في تأخيرها عن وقتها رخصة، وكذلك فرض الله تعالى عليهم الصلاة في حال شدة الخوف ومبارزة العدو، فأمرهم بإقامتها على الحال التي هم فيها، فعلمهم كيف يؤدونها، فلا يكون أحد أعظم جهلاً، وأقل علماً، وأضل عن سواء السبيل، وأشد تكذيباً لكتاب الله وسنة رسوله، وسنة الإيمان وشريعة الإسلام؛ ممن علم أن الله قد فرض الصلاة وجعل محلها من الإيمان هذا المحل، وموضعها من الدين هذا الموضع، وألزم الله تعالى عباده إقامتها هذا الإلزام في هذه الأحايين كلها مع الضيق والشدة والعنت، وأمر بالمحافظة والمواظبة عليها على هذه الشدائد والضرورات، فيخالف ذلك إلى اتباع هواه، وإيثاره إلى رأيه المحدث الذي ضل به عن سواء السبيل، وأضل به من اتبعه فصار ممن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، فولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً. قال الإمام: فقد تلوت عليكم من كتاب الله ما يدل العقلاء من المؤمنين أن الإيمان قول وعمل]، أي: هذه الأدلة من الكتاب التي يثبت بها أن الإيمان قول وعمل، وأن الإيمان بلا عمل لا ينفع صاحبه، وأن العمل بغير إيمان لا ينفع صاحبه حتى يؤمن ويعمل صالحاً. [وأن من صدق بالقول وتر

стр. 524

الأسئلة

стр. 525

حكم التعامل بالربا السؤال أخذت مالاً من بعض الناس على أني سأشغله لهم وأعطيهم على الألف أربعين جنيهاً، وأنا جاهل بأن هذا من الربا، فأخذت عشرة آلاف، وبعد ذلك علمت أنه ربا، وقد خسرت هذا المال في تجارة ثم تبت بعد ذلك إلى الله، والآن أنا أريد سداد هذا المال، والأبواب مسدودة في وجهي، وأبواب الحرام مفتوحة، وأخشى أن أضعف فهل من الممكن أن يسلفني أحد هذا المبلغ أو بعضه ثم أعمل جمعية بالباقي على أن يسدد أربعمائة جنيه في الشهر؟ الجواب عندما لا تجد من يساعدك فهذا دليل على أنك فتحت باب الحرب بينك وبين الله، ولو كنت صادقاً فيما تقول وأنك لا تعلم أن هذا ربا، وأنك فعلاً لم تبدأ الحرب مع الله ؛ لأن الله تعالى قال في المرابين: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]، فلم يعمل أحد قط بالربا إلا خسر كل شيء؛ لأنها حرب مع الله، ومن حارب الله لا بد أن يُهزم. اليهود والنصارى يعلمون أن مثل هذا التعامل هو ربا، والعجيب أن أحداً من الناس في الأسبوع الماضي يقول لي: أنا وضعت مالي في بنك مصري وآخذ أرباحاً، فهل الأرباح هذه حلال أم حرام؟ فهو قابلني وأنا ذاهب لأصلي العصر فقلت له: حرام طبعاً، فقال: فأين أضع أموالي حتى آخذ المال الحلال؟ قلت له: ضعها في بنك فيصل أو في مصرف الإسلام الدولي. قال: لا أستطيع، قلت له: على أية حال هم أعلنوا ورفعوا راية الإسلام، فإن كان شيء يخالف هذه الراية فهم مسئولون أمام الله إلى أن اقتربنا من باب المسجد فقال: بعد إذنك، قلت له: أين تذهب؟ ألا تصلي؟ قال: أصلاً أنا! أرأيتم أصحاب الربا؟ أنا رأيت من هذا أنه يعلم أن هذا التعامل ربا، فالقاعدة التي لا تنخرم أن الغرم بالغنم، أنت شريك في المكسب وشريك في الخسارة، فتدفع مبلغاً شهرياً أربعمائة جنيه أو ثلاثمائة جنيه عن العشرة آلاف جنيه كل شهر، والأصل أن هناك تجارة لهذا المال، وهذه التجارة معرضة للمكسب والخسارة، والمكسب قد يكون قليلاً أو كثيراً، وفي كل الأحوال أنت وصاحب المال شركاء في هذا الربح كل على حسب نسبته، أنت بالعمل وهو بالمال، أما أن تأخذ ربحاً مقطوعاً ابتداء فتأخذ ثلاثمائة جنيه على العشرة آلاف جنيه كل شهر، وافرض أنني خسرت وأظل أخسر باستمرار، وافرض أن رأس المال نفسه خسر وتدمر وذهب عني فماذا أعمل؟ هل أضمنه؟ الأصل أنك أتيت لي بهذا المال لثقتك أنني ماهر في التجارة، وإلا فأنت لو أتيتني بمال وأنت تعلم أنني لا علاقة لي بالتجارة، فخسرت، فلا شيء لك، فالمطلوب منك كرجل صاحب مال أن تتحرى من يجيد إدارة هذا المال، لكن حينما تعطيه صاحب محطة وتقول له: شغله لي! كرجل ركب الباخرة فتعرف على رجل في سطح الباخرة، وأعطاه كل أمواله وقال له: عندي ثلاثون ألف جنيه، فأعطني طقماً صينياً وطقماً آخر إيطالياً وغير ذلك قال: إن شاء الله حينما ننزل أنا أعرف ابن عمي من سكان مكة، وهو يستطيع أن يأتيك بكل شيء وأنت قاعد، فأول ما نزلوا عند الحرم، وأنتم تعلمون أنه ممنوع أن يدخل أي شخص بأي شنطة، فقال صاحبنا: اعتمر واترك متاعك وأنا أظل عندها، وحينما تعتمر تأتي عند الشنطة وأنا أدخل لأعتمر، قال: أنا متعب جداً ومرهق جداً وابدأ أنت فاعتمر ثم ارجع، طبعاً صاحبنا لا يزال لم يدخل من باب الحرم والآخر أخذ الشنطة وتوكل على الله، وكان فيها ثلاثون ألف جنيه، فأول ما وجدته وهو يطوف فرحت وسلمت عليه، وحضنته واطمأننت عليه، وقلت له: متى أتيت؟ قال: أتيت الآن، ولا يزال ينتظرني رجل من وزارة الزراعة في الجيزة تعرفت عليه في سطح الباخرة عنده الفلوس وهو في الخارج، قلت له: تعرفت عليه وهو من وزارة الزراعة، وينتظرك في الخارج؟ أين ينتظرك في الخارج؟ لو سمحت اقطع الطواف ولنخرج لنأتي بالشنطة أو أظل عندها، لأني أعرفه، فهو معروف لدي وهو من إخواننا، ثم خرجنا نبحث عنه ثلاثة أيام، فلم نجده لا في وزارة الزراعة ولا الصناعة أبداً، فحينما رجعنا إلى مصر سألنا جميع الوزارات، وذهبنا إلى التأمينات على اعتبار أن فيها تأمينات الجمهورية كلها، أي أساميهم جميعاً تأتي بها، قال: لا يوجد أحد بالاسم هذا نهائياً على شاشة الكمبيوتر، قال: ماذا أعمل؟ قلت له: لا نقاش في أنك ضامن لهذا المال، فهو لا يضمن في حالة واحدة، وهي أن صاحب المال يعرف إمكانيات صاحبنا ويعطيه المال، صاحبنا هذا رجل من أهل الصلاح والتقوى، لكنه لا يؤتمن على قلم رصاص؛ ليس لأنه يسرقه فهو صاحب دين، فأتى صاحب الأموال وظل يحقق في القضية إلى أن أيقن أن إمكانيات صاحبنا هذا لا تسمح بائتمانه على جنيه واحد، فالله أكرمه، وقال له: أنا قد سامحتك. الشاهد من أن هذا: لو أن أحداً من هؤلاء يسلفك، فأنا متأكد أنه لن يرجع إليه شيء أبداً، فهل منكم أحد مستعد أن يتبرع بعشرة آلاف جنيه؟

стр. 526

حكم صلاة تحية المسجد السؤال تحية المسجد قبل إقامة الفريضة واجبة أو مندوبة أو مستحبة؟ الجواب النبي ﵊ يقول: (إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين). وجمهور العلماء على أن جمع النيات في النوافل جائز، فلو أنك دخلت المسجد، وقبل إقامة الصلاة ليس هناك وقت إلا لأداء ركعتين، فلا بأس أن تنوي بهما أنهما سنة الفجر القبلية -مثلاً- وتحية المسجد، وتحية المسجد هذه من السنن الراتبة، فمنهم من ذهب إلى الوجوب، ومنهم من ذهب إلى الاستحباب. والذي ذهب إلى الوجوب قال بإثم تارك هاتين الركعتين مع القدرة، ومن ذهب إلى الاستحباب قال بالكراهة، أي: بكراهة ترك الركعتين. والذي يترجح لدي أن صلاة تحية المسجد من السنن المؤكدة فيمكن الجمع بينها وبين بقية الرواتب أو السنن المندوبات، فأنت إذا دخلت المسجد وليس هناك بين دخولك وبين إقامة الصلاة للفريضة إلا وقتاً يسع صلاة ركعتين فاجمع النية في هاتين الركعتين، وإذا كان هناك وقت طويل فلا بأس أن تصلي تحية المسجد ثم تصلي السنة الراتبة. وإن كنت أقول بأن صلاة ركعتين تجزئ في تحية المسجد حتى وإن كانت الفريضة، فلو أنك دخلت المسجد فوجدت الجماعة أقيمت فصليت ركعتين أو ثلاثاً أو أربعاً مع الإمام، فلست مطالباً بأداء ركعتين بعد الفراغ من الفريضة وهما تحية المسجد؛ لأن التحية سقطت بأداء الصلاة في المسجد أياً كانت هذه الصلاة. ولذلك يذهب الظاهرية وبعض الحنابلة إلى أن وقوع العبادة في محلها تغني عن شقيقتها، فقوله ﵊: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر) أي: السنة، قالوا: فمن فاته صيام في رمضان فقضى ما فاته من رمضان في شوال، وكان ما فاته من رمضان ستة أيام، أجزأه عن صيام النافلة، لأنه حقق الصيام في شوال، وربما يكون هذا الكلام بعيداً، لأن النبي ﷺ إنما أخبر في أول الحديث من صام رمضان كله، ثم أتبعه من النوافل بست من شوال. الذي أردت أن أستشهد به أن بعض العلماء قال: المهم أن تقع العبادة في محلها وتغني عن مثيلتها، فأنت إذا أردت أن تصلي تحية المسجد وضاق بك الوقت، فلا بأس أن تجمع بين هذا وذاك في ركعتين اثنتين.

стр. 527

صلاة ذات السبب في أوقات الكراهة السؤال هل تحية المسجد يكره أداؤها في أوقات معينة؟ الجواب من ذهب إلى ترك الصلاة مطلقاً في أوقات النهي، وحمل النهي على الكراهة أو التحريم ولم يعتبر السبب؛ قال بترك الصلاة أبداً بين العصر والمغرب، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس وترتفع قدر رمح، ووقت الظهيرة فهذه الأوقات نهى النبي ﵊ عن الصلاة فيها وعن أن نقبر فيها موتانا، فمن اعتبر النهي مطلقاً قال بحرمة أو كراهة الصلاة في هذه الأوقات أبداً. والإمام الشافعي عليه رحمة الله قال: الصلاة في هذه الأوقات مكروهة إلا لسبب، كدخول المسجد وأداء التحية، والصلاة على الجنازة، وصلاة الاستسقاء، وصلاة الكسوف، وغير ذلك من الأسباب فقال: النهي محمول على تحري الصلاة في هذه الأوقات، أما صلاة لها سبب فهو جائز؛ لقول النبي ﵊: (يا معشر قريش! يا بني عبد المطلب! يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً دخل هذا المسجد فصلى فيه ركعتين في أي وقت شاء من ليل أو نهار) فقوله: (في أي وقت شاء) يشمل أوقات الاستحباب وأوقات الكراهة، وهذا الذي يترجح لدي، وإن كنت في حرج بالغ من الوقت الذي تصفر فيه الشمس؛ لأن هذا وقت كراهة شديدة إن لم يكن وقت حرمة؛ لأن الشمس تشرق وتغرب بين قرني شيطان، كما قال ﵊: (لا تتحروا لصلاتكم وقت طلوع الشمس ولا وقت غروبها، فإنما تشرق الشمس وتغرب بين قرني شيطان)، فالذي يصلي في هذين الوقتين فإنما يتشبه بعباد الشيطان على الحقيقة. هذا النهي إنما يتعلق بالنوافل، أما الفرائض فلا تدخل تحت هذا النهي؛ لقوله ﵊: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن يخرج وقتها فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) وهذا الذي يصلي ركعة قبل الصبح لا بد أنه سيصلي الركعة الثانية بعد خروج الوقت، ومع هذا اعتبر النبي ﷺ الصلاة على هذا النحو إدراكاً لها، وأنها صلاة أداء وليست قضاء، والله تعالى أعلم.

стр. 528

حكم من قدم تحية المسجد على صلاة النافلة السؤال أتيت المسجد لصلاة الفجر قبل إقامة الصلاة بقليل، فصليت ركعتي تحية المسجد ثم أقيمت الفريضة فصليتها، ثم صليت بعدها ركعتي سنة الفجر؟ الجواب كان ينبغي أن تصلي ركعتي الفجر قبل الصلاة، وتجمع بين النيتين.

стр. 529

حكم تمزيق المصحف في حال الغضب السؤال ما حكم تمزيق المصحف متعمداً مع الغضب؟ الجواب لو أنه وقف عند هذا الحد لقلنا كافر، أما قوله مع الغضب فنفرق كما فرق ابن تيمية عليه رحمة الله بين ثلاثة أنواع من الغضب، النوع الأول: الغضب البسيط، أي: لا بد للإنسان أن يغضب؛ لكنه غضب بسيط يملك معه المرء نفسه، أي: حينما يندفع يمسك نفسه ويكبح جماح نفسه، فهذا غضب بسيط. النوع الثاني: غضب شديد لا يملك الإنسان أن يكبح جماح نفسه؛ ولكنه يدرك ما يقول. النوع الثالث: غضب شديد جداً يُغلق معه المرء ولا يدري ما يقول، حتى لو ألقى ولده من شاهق فقيل له: لِم ألقيته؟ قال: والله ما ألقيته، وهذا الذي يسمى إغلاقاً، ولا طلاق مع إغلاق، فلو أن إنساناً بلغ في الغضب هذا الحد وهذه المرحلة، فإنه لو طلق امرأته مائة مرة فإنها لا تطلق، لأن هذا والمجنون شيء واحد، لقد فقد عقله تماماً. والله أخبر عن موسى ﵇ أنه ألقى الألواح وفي نسختها هدى ونور، ألقى التوراة على الأرض من شدة غضبه حينما رأى أن بني إسرائيل عبدوا العجل من بعده، فعندما أتى إلى أخيه هارون وجد الناس قد اتخذوا عجلاً جسداً له خوار، حيث جمعوا الذهب من بني إسرائيل وصهروه وصنعوه عجلاً، وجعلوه في جهة الهواء، فإذا دخل الهواء فيه سمعوا صوتاً، وهذا هو الخوار؛ فلما رأى أن الذين قد كانوا آمنوا من بني إسرائيل يعبدون العجل والنبي بينهم، ولمجرد أن ذهب إلى طور سيناء ورجع مرة أخرى وجدهم يعبدون العجل في حياته! هذا يا إخواني إذا كنا نسمعه الآن أو نقوله ونستهين به؛ فهو عند الأنبياء لا يستهان به ولا يسكت عنه، فهو عندهم هدم للرسالة من أساسها، فغضب غضباً شديداً جداً حتى أخذ أخاه بلحيته يجره إليه فقال: يا ابن أم لا تشمت بي الأعداء فأنا لا أعرف شيئاً، ففي ثورة غضب موسى ﵇ ألقى الألواح، فهذا غضب يبلغ درجة الإغلاق؛ فهذا الذي لا يؤاخذ به المرء حتى وإن كان نبياً، أما غضب هو أقل من ذلك فالمرء محاسب على فعله. فانظر إلى هذه الثلاثة الأنواع من الغضب التي ذكرتها لك، وانظر من مزّق المصحف وكان مغضباً في أي درجة كان هو من هذه الدرجات الثلاث، ولكل من هذه الدرجات حكمه عند أهل العلم.

стр. 530

حكم الغش في الدراسة السؤال أنا طالب في كلية الصيدلة، والدراسة عندنا فيها أشياء غير مفيدة وغير مهمة، وبالتالي يصعب حفظها جداً، فهل يمكن أن أصطحب معي أوراقاً فيها بعض هذه المركبات المتعسر علي حفظها؟ الجواب يا أخي! هذا هو الغش بعينه، فأنا لا أجيز لك هذا أبداً.
следующие страницы →