← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح كتاب الإبانة - مقدمة الكتاب كتاب الإبانة للإمام ابن بطة العكبري من الكتب المصنفة في موضوع العقيدة، وقد بين فيه عقيدة أهل السنة والجماعة، وذكر مزاياها ومصادرها، وحذر من الفرق المذمومة، المخالفة لما كان عليه النبي ﷺ وسلف الأمة.

стр. 2

مزايا العقيدة السلفية وأول من صنف فيها الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فهذا أول درس مع كتاب جديد من كتب السنة المسندة. السنة عند الإطلاق تعني: المخالفة للبدعة، أو مقابلة البدعة، فإذا قرأنا كتاب السنة لفلان، فمعنى ذلك أنه يذكر مسائل اعتقاد أهل السنة والجماعة بأدلتها المسندة، وكتاب الإبانة للإمام ابن بطة عليه رحمة الله هو من هذا الباب، بل هو من أوائل من صنف في عقيدة أهل السنة والجماعة، فهو العقيدة السلفية التي تمتاز عن غيرها من العقائد من أوجه عدة، منها: أن هذه العقيدة نبعها ومرتكزها هو الكتاب والسنة، أي: أن عقيدة السلف مردها ومرجعها إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﵌، وما أجمع عليه الصحابة ﵃، وسار على منوالهم ونهجهم بقية علماء الأمة ممن نحا نحوهم، فمن مزايا العقيدة السلفية أن مصادرها هي المصادر الأصيلة التي لم يختلف عليها أحد، ولن يختلف عليها أحد بإذن الله إلى قيام الساعة. ومن مزايا العقيدة السلفية: أنها عقيدة رسخت بمفهوم النبوة لكتاب الله ، ومفهوم الصحابة، وخاصة الخلفاء الراشدين الذين نقلوا إلينا معتقد النبي ﵊ في ربه وأسمائه وصفاته، وبقية مسائل الاعتقاد التي خالفوا فيها أهل الأهواء والزيغ والضلال، ولذلك: كل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا الكل يقول: أنا سني أو أنا سلفي، أو نهجي قائم على الكتاب والسنة، وكم من صاحب بدعة إذا احتج احتج بقال الله وقال الرسول ﵊، وهل يتصور أن صاحب البدعة يخرج علينا ويقول: أنا مبتدع، أنا زائغ، أنا ضال؟ لا يكون هذا منه، وإنما يقول: أنا مرتكزي ومصدري فيما أقول هو كتاب الله وسنة الرسول ﵊، لكن هيهات هيهات أن تصح دعوى أو يستقيم طريق لأحد، إلا لمن أخذ طريقه عن السلف ﵃. الكل يقول: أنا منهجي القرآن والسنة؛ لكن بفهم من؟ هذا هو مناط البحث، ليس مناط البحث أن تأتي بقول أو فكر أو فهم أو تأتي له بشاهد من الكتاب والسنة، ولكن مناط البحث أن تأتي من أقوال السلف بمن سبقك إلى هذا الفهم لهذه الآية أو لهذا الحديث، حتى تعلم أن القضية ليست بالدرجة الأولى الاعتماد على النص، بقدر ما هي الاعتماد على فهم السلف ﵃ لهذا النص. وهذا أمر أردت بيانه حتى ينتبه الناس أن طريق السلف يعني مفهوم السلف للكتاب والسنة لا مفهوم الخلف، وسيأتي معنا الفرق بين السلف والخلف، إما من جهة الزمان وإما من جهة كيفية الاتباع. ثم عقيدة السلف من أعظم ثمارها أنها السبب في توحيد صف المسلمين، فهذه العقيدة لا تدعو إلى التفرق، بل تدعو إلى الاجتماع ونبذ الفرقة، وفي ذلك روايات وأحاديث كثيرة. وما تفرق المسلمون منذ الصدر الأول إلا بعد ظهور الفرق الضالة، كالقدرية والمعتزلة وغيرهم من أصحاب الأهواء والملل والنحل، فلما ظهرت هذه الفرق تفرق المسلمون إلى فرق وجماعات شتى، فعقيدة السلف إنما هي أصل الاعتقاد، بل لا يصح اعتقاد غيرها عند الله . كما أن من مزايا عقيدة السلف أنها مرتبطة على مر أيامها وسنينها بآبائها وأجدادها من أهل القرون الخيرية الأولى المشهود لهم بالخير، والمشهود لهم بالفهم والعلم والبركة والاحتياط والورع؛ لقوله ﵊: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، فعقيدة السلف تعني أن تقتدي بآبائك أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وغيرهم من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين المشهود لهم بالكفاءة في الدين. وفي التمسك بعقيدة سلف الأمة آثار كثيرة جداً، ويكفينا وحسبنا في هذا المقام أن نقول: إن أهل العقيدة الصحيحة هم الناجون من النار نجاة أبدية، حتى لو عذب بعض المعتقدين بعقيدة السلف بسبب ذنوب قد اقترفوها، فإنه لابد خارج من النار ومخلد في الجنة بإذن الله ، ولذلك لما عدد النبي ﵊ فرق النصارى واليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين قال: (ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين كلها في النار) ولم يستثن إلا واحدة، قيل: (يا رسول الله! من هم؟ قال: من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). وهم الذين على عقيدتنا اليوم التي لا خلاف عليها، وكيف يكون الخلاف والنبي ﵊ هو الذي أسسها وقعدها رجوعاً إلى كتاب الله وإلى وحي السماء. فهذه بعض مزايا العقيدة السلفية، وإن كانت كلها مزايا وفضائل وشمائل ومناقب؛ لكن ليس هذا عنوان بحثنا، إنما نتكلم اليوم عن الإمام ابن بطة وعن كتابه المعروف بالإبانة، وله كتابان: الإبانة الصغرى والإبانة الكبرى، وهذان الاثنان عرف بهما ما صنفه هذا

стр. 3

التعريف بمؤلف كتاب الإبانة

стр. 4

اسم ابن بطة ونسبه ومولده ومنشؤه هو الإمام أبو عبد الله بن محمد بن محمد بن حمدان بن عمر بن عيسى بن إبراهيم بن سعد بن عتبة بن فرقد، وعتبة بن فرقد هو صاحب رسول الله ﷺ ، فهذا الرجل عتبي فرقدي، أي: من نسل عتبة بن فرقد، ولقب المؤلف بـ ابن بطة وهو لقب لأحد أجداده حتى صار يلقب به كل واحد في الأسرة. ولد ابن بطة سنة (٣٠٣هـ) في بلدة تسمى: عكبرى، لها باع طويل جداً في تأصيل العلوم الشرعية واللغوية لهذه الأمة المباركة، فكم أنجبت من علماء، سواء في التاريخ أو في الحديث أو في الرجال أو في شروح اللغة العربية أو السيرة، وهي بلد معروف لدى طلاب العلم بأنها أنجبت علماء كثيرين. قال ابن الجوزي في كتابه المنتظم: ولد ابن بطة يوم الإثنين ١٤ من شوال سنة (٣٠٤)، وهو إما أن يكون ولد في سنة (٣٠٣) أو (٣٠٤). وعكبرى بلدة صغيرة على دجلة فوق بغداد من جهة الشمال بخمس فراسخ، والنسبة إليها عكبري، ولذلك هو معروف بـ ابن بطة العكبري. وقد نشأ ابن بطة في حجر والده، وكان والده يحب العلم والعلماء فاعتنى بولده منذ الصغر، فأوفده إلى بغداد، يعني: أرسل به إلى بغداد ليتعلم العلم هناك، وأنتم تعلمون أن الخلافة في مطلع القرن الرابع كان مقرها بغداد، وأنه حيثما كانت الخلافة كانت رحلة أهل العلم وطلاب العلم إلى بلد الخلافة. وإذا قرأنا في صحيحي البخاري ومسلم أو في أي كتاب من كتب السنة، وجدنا أن معظم الرواة إما كوفي أو بصري أو بغدادي، أو غير ذلك من بلدان العراق شواطئ وغيرها، وهذا الراوي إما أنه من أهل هذه البلاد، وإما أنه وفد إليها، وما وفد إليها إلا بعلمه، فهناك جملة عظيمة مستكثرة من أهل العلم استقروا في هذه البلاد بطلب الخليفة، أو رحمة بالأمة في اجتماعها حول الخليفة، واجتماع طلاب العلم من أنحائها في أي موطن يكون فيه الخلافة والخليفة.

стр. 5

رحلة ابن بطة في طلب العلم رحل ابن بطة من عكبرى إلى بغداد قبل أن يتم العاشرة من عمره، وقد عقد ابن بطة ألوية السفر، وشد رحله من قطر إلى قطر، ومن مصر إلى مصر؛ ليأخذ العلم عن مشاهير العلماء في عصره. يقول الخطيب البغدادي عن ابن بطة باعتباره من أهل بلاده: إنه سافر الكثير إلى البصرة والشام، وذكر ابن العماد الحنبلي عنه أنه سافر الكثير إلى مكة والثغور والبصرة وغير ذلك، والثغور: هي أماكن الجهاد. وهذا يدل على أنه لم يقتصر على العلم بل كان يجاهد كثيراً.

стр. 6

عزلة ابن بطة واشتغاله بالتدريس وبعد عودة ابن بطة إلى موطنه من رحلاته المتكررة الكثيرة لازم بيته أربعين سنة، ولا يعني هذا أنه ترك العلم وترك الدعوة إلى الله ، وإنما معنى ذلك أنه اعتذر عن قبول أي عمل في مهام السلطان من القضاء والإفتاء وغير ذلك، وإنما تصدر فقط للعلم والتدريس، كما جاء في الروايات أنه كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى قبضه الله ، وليس معنى ذلك أنه مكث في بيته ولم ينشغل إلا بنفسه. كما أن مفهوم العزلة عند ابن بطة هو عدم الخوض في الفتن أو الاشتراك في وظائف الحكم، وقد ذكر ابن أبي يعلى عنه أنه كان له مجلس للدرس يوم الجمعة في مسجد عكبرى، كما كان له درس في مسجد المنصور، وهو أعظم مسجد في بغداد، ومن هذه المجالس التي كان يعقدها للتدريس تمكن طلبة العلم من الرواية عنه والانتفاع به. كما أجمعت كتب التراجم على أنه كان عابداً كبيراً وصالحاً شهيراً، لم ير في سوق ولا رئي مفطراً إلا في يوم عيد، وأنه مستجاب الدعوة وكان صواماً قواماً. قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: كان صاحب أحوال وإجابة دعوة ﵁. وقال ابن الجوزي: وكان له حظ وافر من العلم والعبادة.

стр. 7

مصنفات ابن بطة العكبري

стр. 8

المؤلفات المخطوطة وكان له مؤلفات كثيرة تدل على سعة علمه واطلاعه، عرف منها تسعة عشر مؤلفاً يمكن إرجاع أفضلها إلى مواضيع فقهية، وهي: المناسك أي: في الحج والعمرة، وكتاب الإمام ضامن، وهو نص حديث النبي ﵊: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن) أي: الإمام ضامن لأخطاء المأمومين، والمؤذن مؤتمن على الأذان، وأنه لا يؤذن إلا بعد علمه بدخول الوقت، وصنف الإمام ابن بطة في هذه المسألة رسالة فقهية. وكذلك كتاب: الإنكار على من قضى بكتب الصحف الأولى، والإنكار على من أخذ القرآن من المصحف، وإنما يؤخذ العلم من أفواه المشايخ والعلماء. وكتاب النهي عن صلاة النافلة بعد العصر وبعد الفجر. وكتاب تحريم النميمة. وكتاب صلاة الجماعة. وكتاب منع الخروج بعد الأذان والإقامة لغير حاجة. وكتاب إيجاب الصداق بالخلوة، والخلوة: هي الخلوة الشرعية، وهذا يعني أن رجلاً لو خلا بامرأته التي عقد عليها ثم طلقها فلها الصداق كاملاً، والخلوة: هي إرخاء الستر وإغلاق الباب وإن لم يقربها، أما إذا تنازلت أو تنازل وليها عن شيء من الصداق فهذا شيء آخر، إنما للمرأة الحق بأن تطالب بالصداق كاملاً عند تحقق الخلوة. وفي هذه المسألة نزاع بين أهل العلم، والذي ترجح لدى ابن بطة -وهو الراجح من أقوال أهل العلم- أن المرأة لها الصداق كاملاً إذا خلا بها زوجها قبل الجماع. وله كتاب فضل المؤمن. وله كتاب الرد على من قال الطلاق الثلاث لا يقع. وهذه المسألة محل نزاع بين أهل العلم، والراجح فيها أن الطلاق الثلاث لا يقع إلا واحداً. وله كتاب صلاة النافلة في شهر رمضان بعد المكتوبة، وله كتاب في ذم البخل، وكتاب في تحريم الخمر، وكتاب في ذم الغناء والاستماع إليه، وكتاب التفرد والعزلة. وكل هذه الرسائل لا تزال محفوظة لم تخرج للوجود، وهكذا لو عددنا لكل إمام من أئمة الدين كتبه المخطوطة التي لم تطبع لوجدناها أكثر مما طبع له، ولذلك فإن الذي تأهل لاستخراج هذه الكنوز الدفينة عليه مسئولية كبيرة جداً في إخراج تراث الأمة المهجور، لكنه للأسف الشديد اختلط الحابل بالنابل، وصار الطلاب يطلبون علم الحديث فحسب حتى يتمكنوا من التجارة، وإن شئت فقل: حتى يتمكنوا من أن يتاجروا بتراث البلد. ولذلك تجد الكتاب الواحد له عدة طبعات ربما لا يصلح من هذه الطبعات طبعة واحدة، ولابد عند المقارنة أن تجد بين مجموع هذه الطبعات سقطاً وتحريفاً وتصحيفاً وإن شئت فقل: هزلاً؛ لأنه يريد أن يخرج الكتاب حتى يأخذ على الملزمة كيت وكيت، ويأخذ على الكتاب مبلغاً من المال، ثم لا يهمه بعد ذلك الكتاب أن يخرج مصحفاً أو غير مصحف، محرفاً أو غير محرف، المهم أنه أخرج الكتاب واستفاد أمرين: الأمر الأول: أنه وضع اسمه على صدر الكتاب، وفي هذا حق أدبي ومعنوي عظيم، وأنه يعرف بين الناس بأنه من أهل العلم وإن لم يكن في حقيقة الأمر كذلك. ولذلك قال النبي ﵊: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)، تجد الواحد لا علاقة له بالعلم، بل والله لا علاقة له بالصلاة، ولا عهدنا عليه مرة أنه حضر مجلس علم، ثم يأتي وبين يديه كتاب يريد أن تقرأه ثم تقرأه، أنت لا تعرفه ولا هو معروف بين أهل العلم، ثم تقول له: يا فلان! ما الذي دعاك لهذه العجلة، ألا يسعك أن تطلب العلم أولاً حتى يزكيك أهل العلم؟ فالاستعجال في هذا الأمر ليس أمراً محموداً، يقول: يا شيخ؛ ليس المهم هذا، إنما المهم أن تقرأ الكتاب، وإن كان فيه شيء فأرجو أن تنصحني. ثم يدعي بعد ذلك أنه ما فعل هذا إلا لنفسه، وأن هذا الكتاب لا يخرج إلى الوجود قط، إنما هذا جهد وبحث في مسألة يريد أن يصل فيها إلى الحق، فإذا قرأت الكتاب وأثنيت عليه أو قلت له: هذا الكتاب جيد في بابه لكن يحتاج إلى تعديل في موطن كيت وكيت، ولا تتعد هذه الأماكن، ثم ما هي إلا أيام وترى الكتاب مطبوعاً مسبقاً. عجباً! فقديماً سمعنا الشيخ الألباني عليه رحمة الله وهو من هواة العلم يقول: لو استقبلت من الأمر ما استدبرت لجمعت ما كتبت وأحرقت، مع أنه لو فعل ذلك لكان جديراً بالأمة أن تحفر الأخاديد ثم توقد على نفسها النيران، ومعنى ذلك: أنه ندم ندماً شديداً مع رسوخه في العلم أن قلمه تجرأ بالكتابة، تجد طالب العلم ما يريد إلا الحديث فقط؛ لأنه يعرف أن الحديث هو مادته للتجارة. لكن الأعمال بالنيات، لئن أفلحت في الدنيا فلن تفلح في الآخرة، وافعل ما بدا لك؛ فإنك معروض على الله .

стр. 9

المصنفات المطبوعة قال: أما كتبه المطبوعة فهي: كتابه الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة. وهو الكتاب المعروف بالإبانة الصغرى، وكتاب آخر في إبطال الحيل، وهو مطبوع كذلك. وكان ابن بطة ﵀ من كبار علماء الحنابلة في زمنه، وكان له اختيارات فقهية في المذهب الحنبلي، ذكر بعضها المرداوي في كتابه الإنصاف. ومعنى (اختيارات فقهية) أنه كان مجتهداً في المذهب، مثل ما يقال: إن فلاناً هذا له حرف، يعني: أنه مجتهد في القراءة، وفي تأصيل وتقعيد الأصول والقواعد بكيفية التلاوة على الحرف الفلاني أو على قراءة فلان عن فلان. كما تتلمذ عليه أشياخ وعلماء الحنابلة، ومنهم أبو حفص العكبري، وابن حامد وغيرهما.

стр. 10

شيوخ ابن بطة العكبري وتلاميذه ووفاته وقد أخذ ابن بطة الفقه والحديث وغيرهما من العلوم عن كبار شيوخ عصره، منهم أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد الفقيه الحافظ شيخ الحنابلة بالعراق، وصاحب التصانيف الكثيرة، إمام كبير معروف مشهور. ومن شيوخه أيضاً: أبو القاسم الخرقي، وأبو بكر النيسابوري وكان إمام الشافعية في عصره. ومن شيوخه البغوي وابن الباغندي، والآجري وابن صاعد وكثيرون غير هؤلاء. وكلهم معروفون بالإمامة في الدين. كما أخذ العلم عن ابن بطة تلامذة كثيرون عرفوا بالعلم والتقوى والفضل، ومن أشهرهم: الحسن بن شهاب العكبري، وأبو حفص العكبري، وأبو إسحاق البرمكي، وابن حامد، والقطيعي، والروشاني وغيرهم. وكانت وفاة ابن بطة يوم عاشوراء سنة (٣٨٧هـ)، أي أنه عاش حوالي (٨٥) سنة، وقد سجلت لنا كتب التراجم قصيدة قيلت فيه، رثاه بها تلميذه ابن شهاب العكبري ومطلعها: هيهات ليس إلى السلو سبيل فليكتنفك تفجع وعويل إلى آخر القصيدة.

стр. 11

التعريف بكتاب الإبانة أما هذا الكتاب الذي نحن بصدده فاسمه الحقيقي: الإبانة عن شريعة الفرق الناجية ومجانبة الفرق المذمومة. ومعنى (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية)، أي: الإظهار والوضوح عن عقيدة أهل السنة لما ظهرت عقيدة الفرق المذمومة، فأراد هذا أن يظهر وأن يبين عقيدة أهل السنة والفرقة الناجية، فسمى كتابه الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة.

стр. 12

توثيق نسبة الكتاب لابن بطة أما من حيث توثيق إسناد هذا الكتاب إلى ابن بطة: فقد نسب هذا الكتاب إليه غير واحد ممن ترجم له، فـ الذهبي وغيره في ترجمتهم لـ ابن بطة يذكرون أن من مؤلفاته أن له كتاباً في أصول الديانة، وهذا الكتاب له أمارات وعلامات. ومما يدل على نسبة هذا الكتاب إليه: السند المتصل إلى المؤلف، وهو من أقوى الأدلة في إثبات أن هذا الكتاب هو كتابه؛ والذي روى هذا الكتاب أثبت السند إلى ابن بطة. الأمر الثاني الذي يدل على صحة إسناد هذا الكتاب إليه: ذكر هذا الكتاب العلماء القريبون من عصر ابن بطة وغيرهم من المتأخرين على أنه من مؤلفاته، ونقلوا عنه بهذا الاعتبار، يعني: كل من صنف في العقيدة بعد ابن بطة استفاد مما كتبه ابن بطة، فهذه النصوص عن علماء عصره ومن أتى بعدهم واعتمادهم على ما كتبه ابن بطة ونسبة ذلك إليه، تؤكد أنه كتب كتاباً في الاعتقاد، ومن هؤلاء أبو يعلى الحنبلي، وابنه أبو الحسين من المتقدمين، وكذلك ابن تيمية عليه رحمة الله، وابن القيم، والذهبي من المتأخرين. الأمر الثالث: نقل بعض المحدثين لبعض المرويات عنه في هذا الكتاب، يعني: من أتى بعد ابن بطة وأراد أن يستدل بدليل في أصول الاعتقاد أورد هذا الدليل من طريق ابن بطة في هذا الكتاب، وهذا يدل على صحة النسبة إلى المؤلف. الأمر الرابع: أن السماعات المثبتة على أجزاء النسخة الأصلية أو في نهايتها، تؤكد أن هذا الكتاب لـ ابن بطة، وقرأه عليه تلاميذه أو بعض تلاميذه، فأجازهم برواية هذا الكتاب، وكتب إجازته لهم في أول صفحة أو في آخر صفحة من كل نسخة من نسخ الكتاب. وهذا كله يؤكد أن هذا الكتاب لـ ابن بطة بلا نزاع ولا خلاف. الأمر الخامس: أن أحداً لم يطعن في نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه، فهذه الخمس الشواهد تؤكد أن الكتاب لـ ابن بطة ولم يطعن أحد في ذلك.

стр. 13

موضوع كتاب الإبانة لابن بطة أما موضوع الكتاب فهو: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، وأنه في العقيدة أو في أصول الاعتقاد. وهذا الكتاب ليس هو الكتاب الوحيد الذي صنف في هذا الباب بل كتب كثيرة جداً على منواله صنفت في أصول الاعتقاد، وأحياناً يطلق المصنف على ما صنف باسم السنة أو شرح السنة، مثل: كتاب السنة للإمام أحمد بن حنبل ولولده عبد الله، وكتاب السنة لـ ابن أبي عاصم، والسنة للأثرم، والسنة لـ محمد بن نصر المروزي، وشرح السنة لـ ابن شاهين، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، وشرح السنة للبغوي وغيرها. والمقصود بالسنة هنا: مخالفة البدع، ويهدف مؤلفو هذه الكتب في السنة أو في عقيدة السلف إلى إبراز عقيدة السلف كما كانت، خالصة من شوائب الفرق الأخرى وشبهها؛ وذلك من خلال روايتهم للأحاديث والآثار الواردة في هذه العقيدة، وهذه الكتب جميعها يكاد أن يكون نهجها واحداً، وهو ذكر عقائد السلف الصالح عن طريق رواية الأحاديث والآثار الواردة في جميع أبواب العقيدة السلفية، لاسيما ذكر من كان بارزاً ومشهوراً من السلف، حيث تذكر عقائدهم بالتفصيل مقرونة بأسمائهم. فهذا باب عظيم جداً تصدى له علماء السلف في إظهار مسائل الاعتقاد التي خالف فيها أهل البدع. والصحابة ﵃ لم يؤلفوا كتاباً في أصول العقيدة، لأن الأمر كان على الفطرة في ذلك الوقت، فلم تكن الأمة في حاجة إلى تصنيف يحفظ عليها أمر عقيدتها؛ لأنها محفوظة والعلم منتشر، وأي إنسان يرفع عقيرته يضرب على رأسه بالنعال أو بالجريد. إذاً: لا حاجة للسلف حينئذ أن يكتبوا وأن يحذروا الأمة من الجحد بالقرآن مثلاً؛ لأن الجاحد يؤخذ على رأسه، لكن لما انتشر هذا الفكر وتفشى وصار ظاهرة في الأمة صنف العلماء في هذه المسائل التي خالف فيها أهل الفرق، وفي كل عصر وفي كل مكان تظهر بدعة، فاضطر أهل السنة إلى الرد عليها من باب الرد على المخالفين أو المبتدعين، وهذا أمر ليس محدثاً، وإنما هو أمر قديم قد تطرق إليه سلف الأمة ﵃ أجمعين. فعندما يخرج مبتدع ببدعة لا يردون عليه، حتى إذا انتشرت بدعته وصار خطرها عظيماً على أغلب الأمة تصدى لها أهل العلم بالفضح والبيان والمخالفة وغير ذلك، ثم بينوا وجه الحق في المسألة من عقيدة السلف إلى يومنا هذا، فهذا النهج يسير عليه أهل السنة، لم يأت شخص بعد أن يتفشى المرض الفكري أو العقائدي في الأمة ويقول: يا أخي لا ترد عليهم، اتركهم، اجعل المسألة تمر. أما الآن فالرجل في التلفزيون أو الصحف أو المجلات أو الجرائد يكتب ما يريد وما يحلو له، باسم الدين وباسم السنة، والأمة كلها تتناقل الأخبار، أنتم عارفون أن فلاناً قال كذا، وهذا فلان يقول هكذا وهذا مخالف لعقيدة المسلمين. فحينئذ يجب وجوباً شرعياً محتماً على أهل السنة المتصدرين لبيان الحق في الأمة أن يظهروا فساد هذا الرأي، وأنه مخالف لعقيدة السلف التي هي المنبع والأساس، ولا يسعهم أن يسكتوا عن هذا الضلال، حتى وإن خمد هذا الضلال بعد ذلك ونسي وعفى عليه الزمن فإنهم لا ينجون من الإثم إلا أن يشاء الله ؛ لأن الله تعالى افترض عليهم إظهار دينه، ومكنهم من ذلك، وجعل لهم منزلة في قلوب الخلق فكان لابد عليهم أن يقوموا بهذا الواجب. أما أن يتأخروا وأن يتقاعسوا وتقدم الأهواء والآراء المضلة الفاسدة على دين الله ، فهذا ليس نهج السلف. ثم يقول: ومن المعلوم أن هذا النمط من الكتب -أي: كتب السنة- لم يظهر إلا بعد أن انتشرت الفرق الإسلامية وأخذت شبهها بالظهور بين الكافة.

стр. 14

منهج ابن بطة في كتابه الإبانة ومن الأجزاء الموجودة لدينا من هذا الكتاب نستطيع أن نقول: إن ابن بطة قد جمع بين رواياته للأحاديث والآثار الواردة في العقيدة، وبين الرد على الفرق المبتدعة، وقد سلك في كتابه مسلكاً عظيماً في إثبات وجه الحق في القضية، وإثبات قول المبتدعة والرد عليهم، أو إثبات قول المبتدعة ثم ذكر الآثار الواردة عن السلف في حقيقة هذه المسألة. وأظهر فساد ما عليه أهل البدع أصحاب الفرق الضالة، ثم بين الحق في هذه القضية، وذلك عن طريق رواية الأحاديث والآثار الواردة في إبراز وبيان حقيقة عقيدة السلف الصالح في هذه القضية، وهذا مسلك عظيم جداً، فالرد العلمي هو إظهار فساد فكر المخالف ثم إثبات الحق بأدلته. والفرق بين ضُلاَّل زمانهم وضُلاَّل زماننا كما بين السماء والأرض، ضُلاَّل زمانهم كانوا يتصورون أنهم أصحاب حق، فـ واصل بن عطاء، لما أتى رجل وسأل الحسن البصري وهو في المسجد الكبير في البصرة، فقال: يا إمام في مرتكب الكبيرة؟ وواصل بن عطاء تلميذ من تلاميذ الحسن البصري، لكن ليس من حقه أن يتكلم في حضرة الإمام، فتكلم قبل أن يتكلم الحسن البصري فقال: هو في منزلة بين المنزلتين، وهو في الدنيا لا مؤمن ولا كافر، وفي الآخرة من المخلدين في النار. ولم يكتف بذلك، بل استند إلى ركن من أركان المسجد، وأفتى أصحاب الأهواء والأمراض الفتاكة، وجلسوا مع واصل في حلقة في نهاية المسجد، فقال الحسن البصري: لقد اعتزلنا واصل، فسموا من هذا الوجه المعتزلة، والعار ينتابهم إلى قيام الساعة، وأصل البدعة أن واصلاً تخلى عن الأدب بين يدي شيخه، ولو انتظر حتى يسمع الجواب فلربما هداه الله . ولكنه تكلم بهذا الفقه بغير إذن فصار العار ينسب إليه إلى قيام الساعة؛ أنه أصل البلاء والاعتزال.

стр. 15

تقسيمات ابن بطة وترتيبه لكتاب الإبانة والحقيقة أن كتاب الإمام مكون من ثلاثة أجزاء، وكل جزء يتكلم في قضية بعينها، الجزء الأول يتكلم عن الإيمان ومباحثه، وما هو الإيمان، ومن خالف من الفرق في مسائل الإيمان والرد عليه، وإثبات عقيدة السلف في أن الإيمان قول وعلم وعمل، وأنه يزيد وينقص، وأن الأعمال لها تأثير عظيم في زيادة الإيمان ونقصانه. وكتاب الإبانة جاء في ستة مجلدات، المجلدان الأولان يتكلمان عن الإيمان، والآخران يتكلمان عن القدر، والأخيران يتكلمان عن الرد على الجهمية، فالمجلدان الثالث والرابع فيهما الرد على القدرية وإثبات النصوص السلفية التي توجب الإيمان بالقدر وما هو القدر وأحكامه ومراتبه وغير ذلك، ثم يتكلم في المجلدين الأخيرين عن الرد على الجهمية، وتلاه الرد على القدرية والرد على المرجئة وغير ذلك من الفرق الضالة. أما تقسيم كتابه فقد جاء في أجزاء الجزء الأول: يتعلق بالخمسة الأبواب، وهي: باب ذكر الأخبار والآثار التي دعت إلى جمع هذا الكتاب وتأليفه، يعني: ما هي العلة وما هو السبب الذي جعل ابن بطة يؤلف هذا الكتاب، ثم باب ما افترض الله تعالى نصاً في التنزيل من طاعة رسوله ﷺ ، ثم باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة رسول الله ﷺ والتحذير من طوائف يعارضون سنن رسول الله ﷺ بالقرآن. ثم باب ذكر ما نطق به الكتاب نصاً في محكم التنزيل بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة، ثم باب ذكر ما أمر به النبي ﷺ من لزوم الجماعة والتحذير من الفرقة. الجزء الثاني: ويتكون من ثلاثة أبواب: باب ما أمر به من التمسك بالسنة والجماعة والأخذ بها وفضل من لزمها، وباب ذكر افتراق الأمم في دينهم وعلى كم تفترق هذه الأمة وإخبار النبي ﷺ لنا بذلك، وباب ترك السؤال عما لا يعني والبحث عما لا يضر جهله، والتحذير من قوم يتعمقون في المسائل ويتعمدون إدخال الشكوك على المسلمين. الجزء الثالث: ويتكون من باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان، ثم باب ذم المراء والخصومات في الدين والتحذير من أهل الجدل والكلام. الجزء الرابع: ويتكون من: باب التحذير من استماع كلام قوم يريدون نقض الإسلام ومحو شرائعه فيكنون عن ذلك بالطعن على فقهاء المسلمين، وباب إعلام النبي ﵊ لأمته ركوب طريق الأمم قبلهم وتحذيره إياهم، وباب إعلام النبي ﷺ أمر الفتن الجارية وأمره بلزوم البيوت، وباب تحذير النبي ﷺ من قوم يتجادلون بمتشابه القرآن وما يجب على الناس من الحذر منهم، وباب النهي عن المراء في القرآن. الجزء الخامس: وفيه: باب معرفة الإيمان وكيف نزل به القرآن وترتيب الفرائض وأن الإيمان قول وعمل، وباب معرفة اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وباب معرفة الإسلام وعلى كم بني، وباب معرفة الإسلام والإيمان وسؤال جبريل النبي ﷺ عن ذلك، وباب فضائل الإيمان وعلى كم شعبة هو وأخلاق المؤمنين وصفاتهم، وباب كفر تارك الصلاة ومانع الزكاة وإباحة قتالهم وقتلهم إذا فعلوا ذلك، وباب ذكر الأفعال والأقوال التي تورث النفاق وعلامات المنافقين، وباب ذكر الذنوب التي من ارتكبها فارقه الإيمان فإن تاب راجعه. الجزء السادس: ويتكون من أربعة أبواب: باب ذكر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كفر غير خارج به عن الملة، وباب أن الإيمان خوف ورجاء، وباب بيان وجوب الإيمان وفرضه وأنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والحركات ولا يكون المؤمن مؤمناً إلا بهذه الثلاث، وباب ذكر الآيات من كتاب الله في ذلك. الجزء السابع: ويتكون من أربعة أبواب: باب زيادة الإيمان ونقصانه وما دل على الفاضل فيه والمفضول، وباب الاستثناء في الإيمان، وباب سؤال الرجل لغيره أمؤمن أنت؟ وكيف الجواب له وكراهية العلماء لهذا السؤال وتبديع السائل عن ذلك، وباب القول في المرجئة وما روي فيهم وإنكار العلماء لسوء مذاهبهم. وفي آخر الكتاب وهو آخر المجلدات وآخر النسخ الخطية ذكر فضل أبي بكر وعمر واستفاض في إثبات فضلهما. كأنه بذلك يرد على الرافضة والخوارج في إثبات فضل الصحابة. وصلى الله على نبينا محمد ورضي الله عن أصحابه أجمعين.

стр. 16

سبب تأليف ابن بطة لكتاب الإبانة أما سبب تأليف الكتاب فيقول الإمام في مطلع نسخته: [أما بعد: يا إخواني! عصمنا الله وإياكم من غلبة الأهواء، ومشاحنة الآراء، وأعاذنا وإياكم من نصرة الخطأ وشماتة الأعداء، وأجارنا وإياكم من غير الزمان -أي: من تغيرات الأيام- وزخاريف الشيطان، فقد كثر المفترون بتمويهاتها، وكساها الزائفون والجاهلون حلتها، فأصبحنا وقد أصابنا ما أصاب الأمم قبلنا، وحل بنا الذي حذرناه نبينا ﷺ من الفرقة والاختلاف، وترك الجماعة والائتلاف، ووقع أكثرنا في الذي عنه نهينا -يعني: وقعنا فيما نهينا عنه- وترك الجمهور منا ما به أمرنا، فخلعت لبسة الإسلام، ونزعت حلة الإيمان، وانكشف الغطاء وبرح الخفاء، فعبدت الأهواء، واستعملت الآراء، وقامت سوق الفتنة، وانتشرت أعلامها، وظهرت الردة وانكشف قناعها، وقدحت زناد الزندقة -والزناد هي ذلك الرمح الذي يقلب به- فاضطرمت نيرانها، أي: كما أنك لو أوقدت ناراً ثم خمدت فإذا ضربت مادة هذه النار والوقود بعصا تأججت النار مرة أخرى، هكذا قال: وقدحت زناد الزندقة فاضطرمت نيرانها، أي: زادت. [وخلف محمد ﷺ في أمته بأقبح الخلف -يعني: نحن شر خلف لخير سلف- وعظمت البلية، واشتدت الرزية، فظهر المبتدعون وتنطع المتنطعون، وانتشرت البدع، ومات الورع، وهتكت سجف المشاينة، وشهر سيف المشاحنة، بعد أن كان أمرهم هيناً، وحدهم ليناً، وذاك حتى كان أمر الأمة مجتمعاً، والقلوب متآلفة، والأئمة عادلة، والسلطان قاهراً، والحق ظاهراً، فانقلبت الأعيان، وانعكس الزمان، وانفرد كل قوم ببدعتهم، وحزب الأحزاب، وخولف الكتاب، واتخذ أهل الإلحاد رءوساً أرباباً، وتحولت البدعة إلى أهل الاتفاق، وتهوك -أي: وأقحم نفسه- في العسرة العامة وأهل الأسواق، ونعق إبليس بأوليائه نعقة فاستجابوا له من كل ناحية، وأقبلوا إليه مسرعين من كل قاصية، فالبسوا شيعاً وميزوا قطعاً، وشمتت بهم أهل الأديان السالفة، والمذاهب المخالفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وما ذاك إلا عقوبة أصابت القوم عند تركهم أمر الله، وصدودهم عن الحق، وميلهم إلى الباطل، وإيثارهم أهواءهم، ولله عقوبات في خلقه عند ترك أمره ومخالفة رسله، فاشتعلت نيران البدع في الدين، وصاروا إلى سبيل المخالفين، فأصابهم ما أصاب من قبلهم من الأمم الماضية، وصرنا في أهل العصر الذين وردت فيهم الأخبار، ورويت فيهم الآثار]. وهذا في القرن الرابع فما بالك لو رأى زماننا هذا. نكتفي بهذا القدر من بيان حال المؤلِف والمؤلَف كذلك، ثم نقف عند أول أثر من آثار هذا الكتاب في الدرس القادم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم.

стр. 17

شرح كتاب الإبانة - الآثار الواردة في افتراق الأمة وظهور البدع وردت آثار كثيرة عن نبينا محمد ﵊ في افتراق هذه الأمة وظهور البدع فيها، وما ذاك إلا بسبب ركوبها سنن أهل الكتاب، ومتابعتهم في عقائدهم وأخلاقهم ومسالكهم ومشاربهم، ولا مخرج من هذا كله إلا أن يكون المسلم على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام.

стр. 18

مقدمة المصنف رحمه الله تعالى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد: فهذا هو الدرس الأول في صلب الكتاب، وما سبق كان تعريفاً بالمؤلِّف والمؤلَّف. ذكر الإمام ابن بطة ﵀ في مقدمة هذا الكتاب كلاماً يستشعر القارئ أنه ينضح أسىً وحزناً على ما بلغ إليه أهل زمانه من الفساد والانحراف وترك السنة وظهور البدعة، فكيف به لو ظهر في زماننا ورأى ما نحن عليه؟! قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحمد لله المشكور على النعم بحق ما يطول به منها، وعند شكره بحق ما وفق له من شكره عليها، فالنعم منه والشكر له، والمزيد في نعمه بشكره، والشكر من نعمه لا شريك له، المحمود على السراء والضراء، والمتفرد بالعز والعظمة والكبرياء، العالم قبل وجود المعلومات، والباقي بعد فناء الموجودات، المبتدئ بالنعم قبل استحقاقها، والمتكفل للبرية بأرزاقها قبل خلقها، أحمده حمداً يرضيه ويزكينا لديه، وصلى الله أولى صلواته على النبي الطاهر عبده ورسوله مفتاح الرحمة وخاتم النبوة، الأول منزلة، والآخر رسالة، الأمين فيما استودع، الصادق فيما بلغ. أما بعد: يا إخواني! عصمنا الله وإياكم من غلبة الأهواء ومشاحنة الآراء، وأعاذنا وإياكم من نصرة الخطأ وشماتة الأعداء، وأجارنا وإياكم من غير الزمان -أي: من تغيرات الزمان ومحدثاته- وزخاريف الشيطان، فقد كثر المغترون -وفي رواية: فقد كثر المفترون- بتمويهاتها، وتباهى الزائغون والجاهلون بلبسة حلتها، فأصبحنا وقد أصابنا ما أصاب الأمم قبلنا، وحل الذي حذرناه نبينا ﷺ ، من الفرقة والاختلاف، وترك الجماعة والائتلاف، وواقع أكثرنا الذي عنه نهينا، وترك الجمهور منا ما به أمرنا، فخلعت لبسة الإسلام، ونزعت حلية الإيمان، وانكشف الغطا وبرح الخفاء، فعبدت الأهواء واستعملت الآراء، وقامت سوق الفتنة وانتشرت أعلامها، وظهرت الردة وانكشف قناعها، وقدحت زناد الزندقة فاضطرمت نيرانها، وخلف محمد ﷺ في أمته بأقبح الخلف، وعظمت البلية واشتدت الرزية، وظهر المبتدعون، وتنطع المتنطعون، وانتشرت البدع، ومات الورع، وهتكت سجف المشاينة، وشهر سيف المشاحة بعد أن كان أمرهم هيناً وحدهم ليناً، وذاك حتى كان أمر الأمة مجتمعاً، والقلوب متآلفة، والأئمة عادلة، والسلطان قاهراً، والحق ظاهراً، فانقلبت الأعيان، وانعكس الزمان، وانفرد كل قوم ببدعتهم، وحزب الأحزاب، وخولف الكتاب، واتخذ أهل الإلحاد رءوساً أرباباً، وتحولت البدعة إلى أهل الاتفاق، وتهوك في العسرة العامة وأهل الأسواق، ونعق إبليس بأوليائه نعقة فاستجابوا له من كل ناحية، وأقبلوا نحوه مسرعين من كل قاصية، فألبسوا شيعاً، وميزوا قطعاً، وشمتت بهم أهل الأديان السالفة والمذاهب المخالفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وما ذاك إلا عقوبة أصابت القوم عند تركهم أمر الله ، وصدفهم عن الحق، وميلهم إلى الباطل، وإيثارهم أهواءهم، ولله عقوبات في خلقه عند ترك أمره ومخالفة رسله، فأشعلت نيران البدع في الدين، وصاروا إلى سبيل المخالفين، فأصابهم ما أصاب من قبلهم من الأمم الماضين، وصرنا في أهل العصر الذين وردت فيهم الأخبار ورويت فيهم الآثار].

стр. 19

الآثار الواردة في افتراق الأمة وظهور البدع ثم يروي ﵀ بعد ذلك بسنده آثاراً كثيرة للدلالة على صحة ما قدم لهذا الكتاب، وأن البلاء الذي وقعت فيه الأمة -ولا تزال تغط فيه غطاً- إنما هو بسبب ترك أمر الله ، وترك سنة النبي ﵊، وإقبالها على البدع، وشربها للأهواء شرباً كما تشرب الماء البارد في اليوم الحار. وهذه النصوص ما كان منها مرفوعاً شددنا فيه، وما كان منها موقوفاً أو أقل من ذلك تساهلنا فيه، وذكرنا بالعبرة منها.

стр. 20

حديث عبد الله بن عمرو (سيأتي على أمتي ما أتى على بني إسرائيل) وقد أورد ﵀ حديث الافتراق من طرق، وهو حديث يكاد أن يكون متواتراً، فقد رواه الجمع الغفير، وربما وجد في بعض طرقه ضعف، لكن هذا الضعف لا يؤثر؛ لثبوت الحديث اتفاقاً وشهرته كذلك. قال: [عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (سيأتي على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلاً بمثل، حذو النعل بالنعل، وإنهم تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة)]، ولم يذكر اليهود؛ لأن اليهود افترقت إلى واحد وسبعين، والنصارى إلى اثنتين وسبعين، لكن النبي ﵊ في هذه الرواية إنما تكلم عن بني إسرائيل، وهم اليهود والنصارى. قال: [(وإنهم تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، تزيد عليهم واحدة)]، أي: أن هذه الأمة في تفرقها واختلافها، وعدم ائتلافها واتفاقها، أنها تزيد في تفرقها وتشرذمها وابتعادها عن نهجه السليم القويم عن عدد الاختلاف الواقع في بني إسرائيل، لكن النبي ﵊ لما علم يقيناً من ربه أن اليهود والنصارى بعد بعثته جميعاً في النار ما لم يؤمنوا ويدخلوا في الإسلام إنما اهتم وعني ببيان الفرق الإسلامية التي ستدخل النار. فقال: [(تزيد عليهم واحدة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: يا رسول الله! وما تلك الواحدة قال: هو ما نحن عليه اليوم أنا وأصحابي)]. فالنبي ﵊ كان على المحجة البيضاء، وقد تركنا عليها، ليلها كنهارها، ليس فيها زيغ ولا خفاء ولا لبس، ولا شيء من هذا مما يعذر به المرء بين يدي الله . فكانت الأمور واضحة والسنة ظاهرة حتى نهاية العصر الأول من عصر النبوة، حين ظهرت القدرية والخوارج والشيعة، وهذه الفرق هي أُولى الفرق ظهوراً في الإسلام، وكلها ظهرت في أواخر القرن الأول من القرون الخيرة. فالنبي ﵊ بين أن الافتراق لا بد أنه واقع في هذه الأمة، وبين أن هذه الفرق ثلاث وسبعون فرقة، ثم بين أن مجموع هذه الفرق في النار إلا واحدة فقط، وهي التي يطلق عليها أهل العلم: الفرقة الناجية، وبعض الناس يخطئ إذا تصور أنها الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة إجماعاً، لذا فإن كل من تمسك بالسنة واستمسك بها، وتمسك بالجماعة ولم يفارقها قيد شبر، فهو من أهل السنة والجماعة، وهم الفرقة الناجية. أما الطائفة المنصورة فشيء آخر، إذ إنهم خاصة الفرقة الناجية، ولذلك قال النبي ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك). قال الإمام أحمد عن الطائفة المنصورة: إن لم يكونوا هم أهل الحديث فلا أدري من هم؟! والظن بالإمام أحمد أنه عنى: أهل العلم المتخصصين المعروفين به، سواء كانوا من أهل الحديث أو من غيره من بقية فروع العلم الشرعي. قال النبي ﵊: (كلها في النار إلا واحدة)، والسؤال هنا: هل هؤلاء دخلوا النار ردة؟ وإذا دخلوها -إن لم يكونوا قد ارتدوا- فهل سيخلدون فيها؟ اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إن هذه الفرق كفرت وارتدت، وهي في الآخرة مخلدة في النار، لكن جمهور أهل السنة والجماعة أن الحكم بالنار لهذه الفرق ليس على سبيل التأبيد، وإنما على سبيل جزاء الانحراف وعلى قدر الانحراف، فيعذبون ثم يخرجون بشفاعة الشافعين بعد ذلك. مع أنهم يستثنون الغلاة، وإن شئت فقل: هم يقسمون الفرق إلى عامة وغلاة، فالغلاة منهم لا بأس بتكفيرهم؛ لأنهم من أهل العلم، وقد ظهرت لهم حجج أهل السنة والجماعة، وهي حجج شرعية نقلية، ومتفقة مع العقل السليم تمام الاتفاق. وهذا الرأي من أعجب الآراء إلي، إذ إن غلاة كل فرقة كفار إذا أتوا ما يستوجب كفرهم، وهم مخلدون في النار بالتأكيد إلا فرقة واحدة وهم أهل السنة والجماعة. وسموا بأهل السنة لاتباعهم للسنة، وسموا الجماعة لأنهم لا يخالفون الإمام ولا يخرجون عليه، وأعني بالإمام: الإمام العادل المسلم وإن كان فاجراً؛ لأن أهل السنة متفقون على عدم جواز الخروج على الإمام المسلم وإن جار، لكن بشرط أن لا يكون جوره مؤدياً إلى كفره كفراً بواحاً، فلو كان مؤدياً إلى كفره كفراً بواحاً، واستتيب ولم يتب وجب على الأمة أن تجتمع لخلعه ولا بد، قال: (كلهم في النار إلا واحدة، قيل: يا رسول الله! وما تلك الواحدة قال: هو ما نحن عليه اليوم أنا وأصحابي) وهذا يدل على أن الصحابة وخاصة الخلفاء الراشدين على الستر والسلامة والأمن والإيمان، وأن البدع من أبعد الأشياء عنهم أجمعين، فضلاً عن الخلفاء الراشدين.

стр. 21

حديث شداد بن أوس (لتركبن ما ركب أهل الكتاب) قال: [وعن شداد بن أوس ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لتركبن ما ركب أهل الكتاب)]، (لتتبعن سنن أهل الكتاب، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟)، أي: إن لم يكونوا هم الذين أعنيهم فمن يكونون إذاً؟ وإنما عنى بهم اليهود والنصارى والخوارج والروم. ثم قال: [(لتركبن ما ركب أهل الكتاب لا تخطئون ولا يخطأ بكم، حذو النعل بالنعل)]، أي: تصيرون خلفهم، فإذا رفعوا نعالهم وضعتم أنتم نعالكم مكان نعالهم، مبالغة في ترك سنة النبي ﵊، وترك الاهتمام بها والاهتداء بهديه، ومتابعة اليهود والنصارى في كل شيء، في عقائدهم وأخلاقهم ومسالكهم ومشاربهم، حتى لا يكاد الواحد منا -عياذاً بالله- يخطئ اليهودي ولا النصراني فيما يتعلق بخاصته، أي: يقلده في كل شيء، وأنتم تعلمون الآن أن تقليد المسلمين لأهل الكتاب -وإن شئت فقل: دول أوروبا وأمريكا- على أشده في بلاد المسلمين، حتى أخذ هذا مظهراً آخر واعتقاداً آخر، وحتى صار الذي يتبع اليهود والنصارى هو الإنسان المتمدن المتحضر الواعي العاقل الفاهم، وغير ذلك من هذه المصطلحات الرنانة، وفي الحقيقة هو الإنسان الفاجر الخاسر المستنكف عن عبادة الله ، المخالف لطريق النبي ﵊، وهذا على أية حال مذهبنا، وهذا فهمنا، وليعده من شاء تخلفاً أو تقدماً، فهذا لا يعنينا، إنما الذي يعنينا هو اعتقادنا الجازم أن ترك السنة وركوب سنن أهل الكتاب هو التخلف بعينه، وهو الفجور بعينه، وهو الفسق بعينه، وأخشى أن من قلدهم حشر معهم؛ لأن النبي ﵊ سئل عن الرجل يحب القوم ولما يعمل بعملهم، يحب القوم لكنه لا يتمكن ولا يستطيع أن يعمل بعملهم، فقال النبي ﵊: (المرء مع من أحب)، قال أنس وهو راوي الحديث: فوالله ما فرح الصحابة ﵃ أشد من فرحهم يوم أن سمعوا: المرء مع من أحب، ثم قال أنس: وأشهدكم أنني أحب أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً ﵃ أجمعين.

стр. 22

حديث أبي هريرة (لتأخذن أمتي بأخذ الأمم) قال: [قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : (لتأخذن أمتي بأخذ الأمم قبلها، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع)]، وهذا الحديث أخرجه الشيخان. قال القاضي عياض: الشبر والذراع والطريق ودخول الجحر، كل هذه الألفاظ التي وردت في الأدلة تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمه، وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا أولئك)، أي: ومن أعني إلا أولئك.

стр. 23

بيان المصنف انطباق أحاديث الافتراق على أهل زمانه قال الشيخ ابن بطة ﵀: [وإنما ذكرت هذه الأحاديث في هذا الموضع من هذا الكتاب ليعلم العقلاء من المؤمنين، وذوي الآراء من المميزين أن أخبار الرسول ﷺ قد صحت في أهل زماننا -أي: أنه يتكلم عن زمانه، فما بالك لو رأى زماننا- فليستدل بصحتها على وحشة ما عليه أهل عصرنا، فيستعملوا الحذر من موافقتهم ومتابعتهم]، أي: أن هذه الأحاديث ربما ما قالها النبي ﵊ إلا ليحذر أهل زمان ابن بطة من متابعة اليهود والنصارى. قال: [ويلزمون اللجاء والافتقار إلى الله في الاعتصام بحبله -أي: القرآن- والتمسك بدينه، والمجانبة والمباعدة ممن حاد الله ورسوله في أمره، وشرد شرود الناد المغتلم]، أي: شرود إنسان فارق وخالف وشذ.

стр. 24

الأحاديث والآثار الواردة في معنى حديث افتراق الأمة قال رحمه الله تعالى: [وأنا أذكر أيضاً من هذه الأحاديث وما يضاهيها وما هو في معانيها، لتكون زيادة في بصيرة المستبصرين، وعبرة للمعتبرين، وتنبيهاً للغافلين].

стр. 25

حديث أبي أمامة الباهلي (لتنقضن عرى الإسلام) وبيان مظاهر ذلك في زماننا قال: [وعن أبي أمامة الباهلي، عن النبي ﷺ قال: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة)]. ثم قال عياض: أتدرون ما نقض الصلاة؟ قالوا: لا نعلم، قال: رفع الخشوع. والناظر في هذا الحديث الصحيح سيجد أنه ينطبق تمام الانطباق على أهل زماننا، فإن الإسلام ينقضي عروة عروة، وشيئاً فشيئاً، والعجب أنك إذا قرأت لعلماء السنة منذ خمسين عاماً مثلاً أو مائة عام وهم يذبون عن الإسلام وعن الإيمان، فيدافعون في وجوه أعداء السنة والقرآن، ويردون على المستشرقين أقوالهم وأفعالهم، ودس السم في العسل، تكاد تعجب إذا قرأت مثلاً لواحد مثل الشيخ أحمد شاكر وهو لم يمض على موته خمسين عاماً، فيرد على الملاحدة في زمانه؛ لأنهم تكلموا في فرعيات وجزئيات لا يكاد طالب العلم أن ينتبه لها، لكن انتبه لها العلماء أمثال الشيخ أحمد شاكر؛ لأن ملحداً أو زنديقاً أو منافقاً أو معادياً للإسلام وأهله أراد أن يغمز الإسلام غمزاً من طرف خفي وعلى استحياء، في جزئية الجزئية من دين الله ، لينظر الآن الشيخ أحمد شاكر ﵀ إلى الطعن وخلع الثوابت من قلوب أبناء الإيمان وأهل الإسلام، والمسألة لا تحتاج بعد ذلك إلى استحياء، فكل كيد أو كل خنزير عنده طعن على الإسلام وأهله، سواء في الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو الحج، أو القرآن، أو الرسول، أو السنة، أو في الله ؛ له أن يتقدم به الآن، وله أن يفعل بدين الله ما يشاء تحت ذريعة الإبداع، وحرية الفكر، وباب الأدبيات الراقية، والعقول النيرة. ونحن نقول لهم: من باب الديمقراطية التي تؤمنون بها ونكفر نحن بها أيضاً؛ لأن الديمقراطية ما هي إلا ترك حكم الله ، وأن الشعب يحكم نفسه بنفسه. فنحن على أية حال من باب الديمقراطية التي يؤمنون بها نقول لهم: أعطونا فرصة، فمن باب الأدب، ومن باب الديمقراطية، ومن باب الإبداع أن نفكر كما تفكرون، وأن نبدع كما تبدعون، وأن نستنير كما تستنيرون ونقول إنكم كفار! فهذا الإبداع الذي نملكه نحن؛ لأن الذي يسب الله تعالى ويسب الرسول الكريم ﷺ ، ويقول إن القرآن كذا وكذا، وإن الرسول مزاجي! ويغمط النبوة والرسالة، ويطعن في شخصه ﵊؛ الذي يفعل ذلك كافر. ثم بعد ذلك يظهر كتاب آخر بعد هذا الكتاب، يطالب باستئصال ثوابت الإسلام من قلوب المؤمنين، بالطعن في ذات الإله، وبالطعن في القرآن، ثم يقول: وهذا إبداع، وهذه أدبيات راقية قلَّ أن يصل إليها أحد من أهل العصر! ونحن نقول: لو تكرمتم أعطونا فرصة لنبدع مثلكم، لكن إبداعنا إيمان وكفر؛ ولذلك نحن نقول: ما وصلتم إليه إبداع، ونعم الإبداع هو في نظركم! وهو عندنا كفر بواح، وقائله كافر، والراضي به كافر، والمساعد على مثله كافر، فهذا الإبداع الذي عندنا، وليس إبداعكم أولى بنشره وبيانه ووضوحه من إبداعنا، فأعطونا مساحة نبدع فيها، ولا تجعلونا أكواماً على الأرصفة، فنحن لنا الحق في الإبداع مثلكم، لكن إبداعنا يقتضي تكفيركم وخلودكم في النار إن متم على ذلك، فهذا نوع إبداعنا، وكل واحد أعلم بإبداعه، وهو حر في إبداعه. والعجب العجاب: أن الكلام من قبل كان في فرعيات وجزئيات الدين على استحياء وخجل، وكان يقال: هذا الكلام يمكن أن يصح ويمكن ألا يصح، يمكن أن يقصده قائله ويمكن ألا يقصده، أما اليوم فسب علني لكل ثوابت الإسلام! وتصور لو أن بعض السلف ﵃ -ولا أقصد بالسلف الشيخ أحمد شاكر الذي مات منذ خمسين عاماً ومن مات قبله وبعده بقليل- ظهر الآن ورأى هذا الإبداع في خلع مبادئ الإسلام من قلوب أبنائه، فماذا يقول؟ وكيف يكون موقفه؟! أما نقض الحكم فهو بلية البلايا، فالله تعالى يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، أي: ليس الحكم لأحد إلا لله ولرسوله الكريم ﷺ . وأما هذه الدول العربية والإسلامية التي استغنت عن الله وعن حكمه، وعن شرعه وعن قرآنه، فاستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير، بل ليس بعد كلام الله كلام، ولا بعد كلام الرسول كلام، إنما هي حثالات عقول البشر التي لا يمكن أن تصلح من خرج بها، ومن ظن أنه أبدعها أولاً، فإنها والله لا تصلحه، وكنا من قبل نعتقد ما كان يملى علينا في الجامعات من أن هذه القوانين الغربية لا تصلح إلا في بلادها التي خرجت منها، وإننا الآن بعد أن رددنا هذا نقول: إن هذا من أنكر المنكر وأكثر الفساد، بل هذه البلاد الغربية لا يصلحها إلا كتاب الله ، وسنة الرسول ﵊، وإن القوانين الفرنسية والإنجليزية والأمريكية لا تصلح للتطبيق في هذه البلاد، بل لا يصلحهم إلا ما جاء به نبينا ﵊. فهذا الحكم قد نقض منذ زمن بعيد، ولا أعلم بقعة على وجه الأرض الآن تطبق شرع الله كما أراد الله، وكما أراد

стр. 26

حديث أنس بن مالك (إن الإسلام بدأ غريباً) قال: [وعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء)]. هذا خبر من النبي ﵊ يبين لنا فيه أنه لما بُعث بعث وحده في قوم يغطون في عبادة الأصنام والأوثان، ويعبدون آلهة شتى، فإذا به يسفه أحلامهم، أو يسفه أصنامهم، ويدعو لشيء غريب، ولذلك بدأ غريباً، ومن تبعه على ذلك كان أشد غرابة، خاصة الفقراء وهم أتباع الأنبياء، والمهاجرون الذين هاجروا إليه من الروم ومن فارس وغيرها من البلدان المجاورة، والحق الذي علمه من الكتب السابقة. قال: (إن الإسلام بدأ غريباً)، وبعد غربة الإسلام اشتد وقوي وأسست الدولة وفتحت البلدان، وكذلك عقول الخلق وقلوبهم، وتحملت كتاب الله وسنة رسوله ﵊، واشتد عود الدولة حتى هابها القاصي والداني، حتى قال هارون الرشيد أحد الخلفاء لما أرسل رسالة إلى نقفور: من أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما ترى لا ما تسمع، وسأرسل إليك جيشاً أوله عندك وآخره عندي. وهذا يعني أن الإسلام كان في عزة وقوة وسيادة وريادة، وكان هذا لفترة من الزمان ليست بالقليلة، ثم كان الإسلام يضعف ويقوى حتى انتشر في ربوع الأرض على ضعف وهزال، وهي الفترة التي يمر بها المسلمون الآن، كثرة كاثرة لا قيمة لها ولا وزن لها. ولذلك حذر النبي ﵊ من هذا، وإن شئت فقل: أخبر بهذا، وأننا غثاء كغثاء السيل، وسبب ذلك: (ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)، فهذا حال الأمة اليوم، ومن أعلام نبوته ﵊ أن يتكلم بهذا الكلام. قال: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ)، أي: بعد قوة وذهاب للغربة الأولى سيعود غريباً كما بدأ؛ فلذلك أنتم الآن غرباء في مجتمع يغط غطيطاً في أخلاق الجاهلية وأعمال الجاهلية، وإن شئت فقل: نحن كذلك لم ننج من أعمال الجاهلية، بل كثير منا في وقت الميسرة تجده أحسن أخ، وفي وقت العسرة والغضب والشدة والضيق لو اضطر أن يذهب إلى ساحر يستجلب الرزق لذهب. إن الواحد منا لو فقد شيئاً عزيزاً عليه وقيل له: ليس من علاج إلا أن تذهب للساحر لذهب وهو يعتقد أن الساحر سيأتي به، وهذا من أعظم الجاهلية، بل هو الكفر البواح، ومع هذا يصدر منا معاشر الصحوة أحياناً! وعلى أية حال فالمسلمون اليوم يمرون بغربة عجيبة، والمتمسك بدينه كالقابض على الجمر، فليصبر، والله تعالى الناصر لعباده. ولذلك بشر النبي ﵊ هؤلاء الغرباء أولاً وآخراً بـ (طوبى) فقال: (فطوبى للغرباء)، أي: جزاء الغرباء لو تمسكوا بدينهم، واحتملوا هذه الغربة وما فيها من سب وتهكم وشتائم، واتهام بالإرهاب والتطرف؛ أن لهم في الآخرة: (طوبى) على خلاف في تفسيرها. فقيل: هي منزلة في الجنة لا يدخلها إلا الغرباء. وقيل: هي شجرة في الجنة يسير الراكب المسرع في ظلها مائة عام، وقيل غير ذلك.

стр. 27

أثر عبد الله بن عمرو بن العاص (كان النفاق غريباً) قال: [قال عبد الله بن عمرو بن العاص: كان النفاق غريباً في الإيمان]، أي: كان النفاق أولاًَ غريباً في الإيمان، إي والله، ولذا كان من أغرب الغرابة أن ينافق أحد في زمن النبي ﵊، فنحن نتمنى لو أننا رأينا النبي ﵊ ولو في المنام، وهذه عاجل بشرى المؤمن، فما بالك بمن كان يلقاه في كل وقت وحين، ويسمعه يقرأ القرآن الكريم. وإذا كان الواحد منا إذا استمع مثلاً إلى الشيخ المنشاوي كأن قلبه يحلق في السماء، وهذا الشيخ المنشاوي عنده ما عنده من المعاصي، وعنده ما عنده من الطاعات؛ لأنه فقط لا يخلو مما نحن فيه. لكن النبي ﵊ الذي ما أتى وما فكر في كبيرة قط، بل عصمه الله ، إنما أوتي من القرآن حلاوة وجمالاً وصوتاً لم يؤته أحد، فتصور أنك تسمع القرآن من النبي ﵊؛ ولذلك كان النبي ﵊ يقرأ القرآن والصحابة خلفه يتمنون أن لو ختم القرآن، أن لو أتى على آخره دون أن يصيبهم ملل. والشيخ ابن باز عليه رحمة الله يقول عن الشيخ المنشاوي: عجباً لهذا الرجل، لا يمل السامع من سماعه ولو كرر السورة مئات المرات! فما بالك بالنبي ﵊ وهو يقرأ؟! ومع هذا فإن عبد الله بن أبي ابن سلول الكلب الملعون، ما كفاه الصلاة خلف النبي ﷺ ، وسماعه القرآن منه، بل وما كفاه رؤية النبي ﵊، والآيات التي تتنزل من السماء، والمعجزات التي تظهر على يده الشريفة ﵊. كل هذا لم يغير في قلبه، ولذا فلا يمكن أن يكون هذا قلباً، بل قطعة من الصخر أو الحجر. ولذلك استغرب عبد الله بن عمرو بن العاص أن يكون النفاق في زمن النبوة، فقال: كان النفاق غريباً في الإيمان، أي: في ذلك الوقت. ثم قال: [ويوشك أن يكون الإيمان غريباً في النفاق]، وهذا هو الشاهد، أي: أن معظم أبناء الأمة تمرسوا في النفاق حتى صار صاحب الإيمان فيهم غريباً، ولا زلنا في تفسير الغرباء.

стр. 28

أثر حذيفة: (أتركت بنو إسرائيل دينها في يوم) قال: [وقال طارق بن شهاب: قيل لـ حذيفة: أتركت بنو إسرائيل دينها في يوم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه، وإذا نهوا عن شيء ركبوه، حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه]، فانظر إلى الخلع كيف يكون؟ والنبي ﵊ يقول لأصحاب المعاصي: كلما شرب العبد معصية نكت في قلبه نكتة سوداء، وإذا شرب أخرى نكت أخرى، وثالثة ورابعة حتى تسجتمع على قلبه طبقة تسمى الران، وهذا الران طبقة من السواد تغشى القلب حتى لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، وربما زيد له في هذا البلاء، فعد المعروف منكراً والمنكر معروفاً. وهذا كما يفعل المنافقون في هذا الزمان، فيحاربون أهل الإيمان، لكن العجيب أن هذه الحرب باسم الإسلام وباسم الإيمان، فمثلاً: مجلة روز اليوسف، أو المتمسلمون من أسرة روز اليوسف لا يقلون في كفرهم ونفاقهم عن النصارى الذين يكتبون معهم في نفس هذه المجلة، إذ إنهم يحاربون أهل الإيمان، ويحاربون الدعاة إلى الله ، نعم عندنا ضعف، وعندنا أخطاء، وعندنا تجاوزات، ونحن في نهاية الأمر بشر، لكن ليس عندنا نفاق ولا كفر. أما هم فهم أساتذة ومؤسسون للكفر، ويبثونه بالليل والنهار، وشتان بين ما عندنا من إهمال وتقصير وبين ما عندهم من كفر وجحود، ومع هذا يحاربوننا باسم الإسلام، أي: يقولون كلاماً يجعل الإنسان ينطلق في ليله ونهاره داعياً إلى الله، لذا فحذار أن تتصور أنك جئت إلى هنا لتسمع الدرس، بل أنت مكلف بعد خروجك من هذا المسجد بما هو أعظم من بقائك فيه، أنت مكلف في الليل والنهار بالدعوة إلى الله ، وفضح مخططات هؤلاء المنافقين، وإظهار صورة حسنة للإسلام وأهله، إما بالقول وإما بالعمل، وإن هذه الغمة لا تنقشع إلا بحسن الدعوة إلى الله ، ولا بد أن يقوم بها كل إنسان على قدر ما أوتي، وهنا نستشهد بقول النبي ﷺ : (بلغوا عني ولو آية).

стр. 29

أثر حذيفة بن اليمان (أول ما تفقدون من دينكم) قال: [وعن حذيفة بن اليمان قال: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ولتصلين النساء وهن حيض، ولينقضن الإسلام عروة عروة، ولتركبن طريق من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة، لا تخطئون طريقهم ولا يخطأ بكم، وتبقى فرقتان من فرق كثيرة تقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس؟ لقد ضل من كان قبلنا، إنما قال الله ﴿َأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤]، لا يصلون إلا صلاتين أو ثلاثة، وفرقة أخرى تقول: إنا مؤمنون بالله كإيمان الملائكة ما فينا كافر ولا منافق، حقاً على الله أن يحشرهم مع الدجال]. هذا الكلام سنده ضعيف، وربما يكون في المتن بعض نكارة. لكن لنا أن نأخذ العبرة من هذا الكلام، وهو أن فرقتين في آخر الزمان تنكران ثوابت الإسلام. أما الأولى فتقول: ما هذه الصلوات الخمس التي يصليها الناس، فيكفينا أن نأخذ بالقرآن ولا علاقة لنا بالسنة، والقرآن ما قال في الصلاة غير قول الله : ﴿َأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ﴾ [هود:١١٤]، أي: صلاة في أوله، وصلاة في آخره، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود:١١٤]، أي: وشيئاً يسيراً من آخره؟! ووالله لقد بلغ إلى مسامعي من يقول بهذا، وهو رجل ادعى العلم، وكتب ما يربو على عشر رسائل يسب فيها أهل العلم، وكأنه أخذ على عاتقه أو أقسم طلاقاً أن يشتم ويسب إمام أهل السنة والجماعة الشيخ الألباني عليه رحمة الله تعالى، فأبى الله إلا أن يفضح هذا ويرفع ذاك، فرفع الله تعالى ذكر الألباني في الناس كلهم أجمعين، وأخزى هذا الأبعد، وهو بجواركم هنا خلف هذا المسجد، ولا بأس أبداً أن أذكره، وهو المعروف بـ أبي عبد الرحمن الأثري الذي صنف رسالة يقول فيها: تضعيف ما صححه الألباني وتصحيح ما ضعفه الألباني، والرد على جهالة الألباني، والرد على سفالة الألباني، وغير ذلك من عناوينه الاستفزازية التي سب فيها أهل العلم. وكذلك لم ينج علماء الحجاز من لسانه، حتى فتن في دينه الآن وقال: الصلوات الخمس بدعة منكرة، وليس في الدين إلا صلاة في الصباح وصلاة في المساء! ولا بأس أن يصلي المسلم شيئاً من الليل، هكذا قال أخزاه الله! فالحمد لله أن بلغ إلى أعظم حد الردة، وكل هذا بسبب سبه لأهل العلم، إذ إن أهل العلم لهم حرمة عظيمة، ولحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن تعرض لهم بالثلب، ابتلاه الله تعالى قبل موته بموت القلب. على أية حال: نحن نحافظ كل المحافظة على البقية الباقية، لكن من أراد أن يمرق في هذا الزمان فالباب مفتوح على مصراعيه. أما الفرقة الثانية التي ذكرها حذيفة فتقول: (إنا مؤمنون بالله كإيمان الملائكة، ما فينا كافر ولا منافق)، وهذا كلام يشبه كلام المرجئة؛ لأن المرجئة يقولون: نحن مؤمنون كإيمان جبريل وميكائيل، وإن إيماننا لا تضره ولا تؤثر فيه المعاصي، وهذا كلام كله خبل؛ ولذلك دعا عليهم حذيفة وقال: أسأل الله أن يحشرهم مع الدجال.

стр. 30

أثر حذيفة (يأتي على الناس زمان) قال: [وعن حذيفة قال: يأتي على الناس زمان لو رميت بسهم في يوم الجمعة لم يصب إلا كافراً أو منافقاً]. وهذا أثر ضعيف، وهو في الحقيقة شديد جداً على الناس، لكن حذيفة كان بارعاً ومتخصصاً في الفتن التي ستقع فيها الأمة حتى قيام الساعة؛ إذ إن النبي ﵊ قد أطلعه على الفتن التي تظهر في الأمة إلى قيام الساعة، وتصور أن حذيفة يقول: سيأتي على هذه الأمة زمان لو أنك ألقيت على الناس في المسجد وهم يشهدون الجمعة سهماً؛ فإنه لا يكاد يقع إلا على كافر أو منافق، وهذا لكثرة النفاق وترك الإسلام، حتى وإن صلوا وصاموا. وعلى أية حال فالأثر ضعيف، وأنا لا أقول به، لكن هذا الكلام يستفاد منه: كثرة الغدر في آخر الزمان.

стр. 31

حديث غضيف بن الحارث: (ما ابتدعت بدعة إلا رفعت) قال: [وقال غضيف بن الحارث: قال النبي ﵊: (ما ابتدعت بدعة إلا رفعت مثلها من السنة)]. أي: ما ابتدعت بدعة إلا أثرت فيما يقابلها من السنة، وهذا كلام حق؛ لأن البدعة في الدين بقصد القربة ليس لها دليل من الكتاب أو السنة. وهنا لو أن مبتدعاً ابتدع في دين الله فإنه لا بد أن تقابل هذه البدعة مثيلتها من السنة، فإذا ظهرت البدعة ماتت السنة، وإذا ضعفت البدعة ظهرت السنة، فالسنة والبدعة طرفا رهان، إذا ظهر أحدهما انطفأ الثاني.

стр. 32

أثر ابن عباس: (ما يأتي على الناس عام إلا أحدثوا فيه) قال: [وعن عكرمة عن ابن عباس قال: ما يأتي على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن]. فأنت الآن عندما تأمر شخصاً بسنة يقول لك: لنا خمسون سنة على هذا، وقد أخذت هذا عن آبائي وأجدادي. فيظن أن ذلك هو الحق، وهو في الحقيقة على بدعة، ولذا فما الفرق بين قيام معظم هذه الأمة على هذه المبتدعات والشركيات وأنهم ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، وبين هؤلاء الذين عبدوا الأصنام أخذاً عن دين آبائهم وأجدادهم؟! إن هذا ابتدع والأول أشرك، ومن البدع ما هو شرك في العمل فحسب.

стр. 33

أثر علي بن أبي طالب: (لا يزال الناس ينقصون) قال: [وقال علي بن أبي طالب ﵇]. الحقيقة أن تخصيص علي بالسلام دون صحابة النبي ﵊ أمر مبتدع لم يكن معروفاً عند سلفنا، إلا ما جاء عن الشيعة أنهم يقولون عن علي بن أبي طالب وأئمة البيت ﵈. ومن جهة الاعتقاد واللغة لا بأس أن نقول: ﵈، لكن لا يختصون به دون بقية الأشخاص، فالصحابة جميعاً ﵈. أما تخصيص علي وآل بيته بذلك فمشعر بشيء من التشيع، لذلك لم يكن سلفنا ﵃ يخصون أهل البيت بالسلام، وإنما يقولون: علي ﵁، الحسن ﵁، الحسين ﵁، فاطمة ﵂، وغير ذلك من آل بيته ﵊. قال: [قال علي ﵁: لا يزال الناس ينقصون حتى لا يقول أحد: الله الله]، أي: لا يزال الناس في نقصان حتى لا يقول أحد: الله الله. ومعنى: (حتى لا يقول أحد: الله الله)، أي: لا يستعلن أحد بذكر الله ، وليس معنى ذلك أن الأرض لا يبقى عليها أحد أبداً يعرف ربنا، ولا يقول: الله الله، بل لا يزال الناس في نقصان، حتى يخشى أهل الإيمان ألا يقول أحد: الله الله. ونحن الحمد لله نصلي ونصوم ونرفع الأذان، ونعمل كل شيء في هذا الوقت، والحمد لله أيضاً أنه لم يجعلنا من أهل الزمان الذي لا يمكن لنا أن نرفع أصواتنا، ولا أن ننطق بألسنتنا لفظ الجلالة، إذ نحن في نعمة عظيمة جداً فلنحافظ عليها، والمحافظة عليها لا تكون إلا بالعلم والدعوة إلى الله ، ولا يزال باب الخير مفتوحاً، وباب الدعوة على مصراعيه. والمسلم في دعوته إلى الله سيصيبه ما أصاب نبيه ﵊، إذ إن الأرض لم تفرش يوماً حريراً له، فقد أصابه ما أصابه في الحروب وغيرها، وكان الواحد من الأعراب يأتي فيأخذ بتلابيبه، أو يأخذ بثوبه حتى يؤثر ذلك في رقبته ﵊، ومع هذا كان النبي ﵊ يحلم عليه؛ ولذلك كان الصبر هو عدة الداعية إلى الله ، فمهما وقع بك من أذى فاصبر؛ لأن هذا طريق النبوة، وهذا طريق الدعوة، فتدعو إلى الله وإن أصابك أذى؛ لأنه سبحانه هو الذي أمرك بالصبر على ذلك في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]، أي: تواضوا فيما بينهم بالحق الذي هم عليه، وتواصوا فيما بينهم بالصبر على ذلك، والصبر عبادة كالجهاد، وحذار أن تظن أن الصبر سلاح لا ينفع، وأن الدعاء سلاح لا ينفع، فهذا خلل في اعتقادك! وحذار أيضاً أن تتصور أنه لا وقت للدعاء، وأنه لا وقت للصبر، إذ إن عبادة الوقت الآن هي الدعوة إلى الله وطلب العلم والصبر على ذلك، وليس أمامك سبيل مفتوح الآن إلا هذا، فأنت مطالب أن تتعبد إلى الله بما هو في وسعك ومقدورك، وهذا هو الذي في مقدورك الآن.

стр. 34

حديث أسامة بن زيد: (لا تقوم الساعة حتى يلعن آخر هذه الأمة أولها) قال: [وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يلعن آخر هذه الأمة أولها، ألا عليهم حلت اللعنة)]. هذا الحديث وإن كان فيه ضعف، إلا أنه يشهد له حديث [عائشة ﵂: (أمرتم بالاستغفار لسلفكم فشتمتموهم، أما إني سمعت نبيكم ﷺ يقول: لا تفنى هذه الأمة -أي: لا تقوم الساعة- حتى يلعن آخرها أولها)]. ونحن الآن نقرأ في كل يوم ونسمع كثيراً من يسب أبا هريرة، ومن يسب معاوية، ومن يسب خالد بن الوليد، ومن يسب معظم الصحابة، بل ومن يكفر أبا بكر وعمر، أليس هذا حاصلاً في الأمة؟ أليس هذا آتياً من الفرق وحاصلاً في الفرق؟ إذاً: هذا الحديث من أعلام نبوته ﵊، فقد أمرنا بالاستغفار لهم في كتاب الله ، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، فذهبنا نسبهم ونلعنهم، ألا حلت لعنة الله على من لعنهم!

стр. 35

آثار عن السلف في تغير حال المسلمين قال: [وقال حماد بن زيد: سمعت يونس بن عبيد يقول: يوشك لعينك أن ترى ما لم تر، ويوشك لأذنك أن تسمع ما لم تسمع، ولا تخرج من طبقة إلا دخلت فيما هو دونها، حتى يكون آخر ذلك الجواز على الصراط]. أي: أن الأمة ما تزال في نقصان حتى تلقى الله . وعليه فهذه الأحاديث كلها مرعبة ومخيفة، تجعل الواحد لا ينام الليل ولا يفتر بالنهار، وإنما يبحث عن سنة في مقدوره وبإمكانه أن يستمسك بها في وسط هذه الأمواج المتلاطمة من الإلحاد والفجور والفسوق، بل والكفر البواح، نسأل الله العافية. قال: [وقال أبو الدرداء: لو أن رجلاً كان يعلم الإسلام وأهمه -أي: لو كان الرجل يعلم الإسلام وما هو الإسلام ويهمه أمر الإسلام- ثم تفقده اليوم ما عرف منه شيئاً]، وهذا قد أخذه أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وقال: صليت في مائة مسجد، فما رأيت واحداً يصلي صلاة كصلاة رسول الله ﵊. فتصور أن واحداً يقول هذا في القرن الثالث من القرون الخيرة: لو أن النبي ﵊ بعث فينا الآن ما عرف منا غير القبلة، أي: لا يعرف واحداً منا، وإنما يعرف أن هذه قبلة المسلمين، وأن هذه هي الكعبة؛ لأن المسلمين قد أضاعوا دينهم، حتى الملتزم منهم ملتزم على ضعف وهزال، يغفره الله . قال: [قال الحسن: ذهبت المعارف وبقيت المناكر، ومن بقي من المسلمين فهو مغموم]، أي: المعروف الذي كان يعرف عند الصحابة بأنه معروف قد ذهب، وهذا في زمن الحسن البصري الذي مات سنة (١١٠هـ)، أي: في أوائل القرن الثاني! وقوله: (ذهبت المعارف)، أي: ماتت، (وبقيت المناكر)، أي: المنكر، والمناكر جمع منكر، ومن بقي من المسلمين فهو مغموم؛ لما يرى من ظهور المنكر وخفاء المعروف. قال: [وقال الحسن: ما لي لا أرى زماناً إلا بكيت منه، فإذا ذهب بكيت عليه]. أي: أن الحسن يبكي ويتحسر، ويتفطر قلبه دماً على الزمن الذي ولد فيه، فقد كان يتمنى أن يكون في زمن النبوة، لكنه تابعي ومن سادة التابعين، ومن أئمة أهل الورع، وهو سيد أهل البصرة في الورع والزهد والعلم والعبادة والاعتقاد، وهو الذي فضح المعتزلة من أول وهلة. ولا زلنا نقول: (معتزلة) إلى قيام الساعة أخذاً عن تسمية الحسن البصري ﵁ لـ واصل بن عطاء. يقول الحسن: (مالي لا أرى زماناً إلا بكيت منه)، أي: في زمانه، (فإذا ولى هذا الزمان بكيت عليه)؛ لأنه يعلم أن ما يأتي بعده هو شر منه.

стр. 36

تعقيب المصنف على آثار السلف في تغير حال المسلمين قال: [قال الشيخ ابن بطة: إخواني! فاستمعوا إلى كلام هؤلاء السادة من الماضين والأئمة العقلاء من علماء المسلمين، والسلف الصالح من الصحابة والتابعين، هذه أقوالهم، والإسلام في طرافة ومطاوعة وعنفوان قوته واستقامته]. يريد أن يقول لك الحسن البصري وأبو الدرداء وغيرهم ما قالوا هذا الكلام الذي يتفطر فيه القلب دماً وغماً إلا والإسلام في عز قوته وعنفوانه وشبابه. قال: [والأئمة راشدون، والأمراء مقسطون -أي: عادلون- فما ظنكم بنا وبزمان أصبحنا فيه وما نعانيه ونقاسيه، ولم يبق من الدين إلا العكر، ومن العيش إلا الكدر، ونحن في دردى الدنيا وثمارها]، أي: الحثالة من الطين التي تبقى في الماء، فهو يريد أن يقول: نحن الآن في نهاية الدنيا، وقد ذهب المسلمون الحق ولم يبق إلا الغثاء، وهذا في زمنه هو، فكيف بزماننا نحن؟! قال: [وعن عبد الله بن مسعود قال: ذهب صفو الدنيا فلم يبق إلا الكدر، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم]، عبد الله بن مسعود يقول هذا في زمن النبوة في القرن الأول، يقول: الموت اليوم تحفة وهدية الله للمسلم؛ لأنه قد ذهب الذين يعاش في أكنافهم. ولذلك يقول أبو هريرة: لقد ذهب الناس ولم يبق إلا النسناس. فـ أبو هريرة يقول هذا، إذاً: ماذا نقول نحن؟! وعائشة ﵂ تقول: لقد ذهب الذين يعاش في أكنافهم، أي: لم يبق أحد يستحق الصحبة والعشرة وغير ذلك من أقاويل أشراف الأمة في أعظم زمن الأمة وهو صدر الإسلام. قال: [وقال زبيد: حدثني أبو وائل، قال: قال عبد الله بن مسعود: ذهب صفو الدنيا فلم يبق إلا الكدر، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم، فقال الرجل الذي حدثه أبو وائل وزبيد: سمعت عبد الله يقول: ما شبهت الدنيا إلا بالتعب يسري صفوه ويبقى كدره، ولن يزالوا بخير ما إذا حز في نفس الرجل وجد من هو أعلم فمشى إليه فسقاه]. أي: أنه يريد أن يقول: إن الخير الذي كان موجوداً في زمن عبد الله بن مسعود أن الواحد منهم عندما تحيك في صدره مسألة من مسائل العلم، فيسأل عن العلماء، فيجد عالماً يفتيه ويشفي غلته، فهذا هو الخير الذي كان موجوداً في زمن عبد الله بن مسعود وبعد ذلك لم يبق إلا الكدر. ثم يقول: [وايم الله ليوشكن أن تلتمس ذلك فلا تجده]، أي: أنه يقسم بالله أن الرجل صاحب المسألة يسير في الناس، ويسأل عن عالم يفتيه فلا يجد؛ ولذلك يقول عمر ﵁: أيها الناس! تعلموا قبل أن تسودوا، أي: تعلموا قبل أن تصيروا سادة كباراً؛ لأن من صار سيداً وكبيراً ثم عزل من سيادته ونزل من كبريائه يستنكف أن يجلس في مجالس العلم، أي: بعد أن يصير وزيراً أو رئيساً أو مديراً أو غير ذلك، فهل يقبل أن يرجع مرة أخرى؟ ولذلك لما حمل رجل على القضاء في زمن مالك قال: حتى أستخير وأستشير، فاستشار مالكاً في ذلك، فقال مالك: لا أحب أن تتولى القضاء إلا بعد أن تتعلم، مع أن هذا الرجل كان من أنبغ تلاميذ مالك، لكن مالكاً أراد له أن يبلغ الكمال والتمام في العلم. قال: ولم يا إمام؟ قال: لأنك لو عزلت عن القضاء لا ترجع إلينا هنا. وكان عروة بن الزبير يقول لأبنائه وأبناء أخيه: يا بني تعلموا العلم، فإنكم صغار قوم اليوم تكونون كبار قوم غداً. فطلب العلم من أشرف المطالب، ويكفي أنه واجب على كل مسلم، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ . قال: [وقال إبراهيم بن نصر: سمعت الفضيل بن عياض يقول: كيف بك يا إبراهيم بن نصر إذا بقيت إلى زمان شاهدت فيه ناساً لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا بين المؤمن والكافر، ولا بين الأمين والخائن، ولا بين الجاهل والعالم، ولا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً]، فتصور أن زمناً يكون فيه كل هذه الآفات، وربما يكون هذا الزمن الذي نحن فيه. قال ابن بطة: [فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإنا قد بلغنا ذلك وسمعناه، وعلمنا أكثره وشاهدناه، فلو أن رجلاً ممن وهب الله له عقلاً صحيحاً، وبصراً نافذاً، فأمعن نظره، وردد فكره، وتأمل أمر الإسلام وأهله، وسلك بأهله الطريق الأقصد، والسبيل الأرشد، لتبين له أن الأكثر الأعم الأشهر من الناس قد نكصوا على أعقابهم، وارتدوا على أدبارهم، فحادوا عن المحجة، وانقلبوا عن صحيح الحجة. ولقد أضحى كثير من الناس يستحسنون ما كانوا يستقبحون، ويستحلون ما كانوا يحرمون، ويعرفون ما كانوا ينكرون، وما هذه -رحمكم الله- أخلاق المسلمين، ولا أفعال من كانوا على بصيرة في هذا الدين، ولا من أهل الإيمان به واليقين]. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وإنا لله وإنا إليه را

стр. 37

الأسئلة

стр. 38

الحكم على حديث (رفع عن أمتي الخطأ) السؤال ما درجة حديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)؟ الجواب على أية حال هذا الحديث قد ورد من طرق متعددة، من ثلاث طرق أو تزيد، ووقع النزاع بين أهل العلم في ثبوته من عدمه، والذي يترجح لدي أنه حديث حسن.

стр. 39

الحكم على حديث (الإسبال في ثلاث) السؤال ما درجة حديث: (الإسبال في ثلاث)، أي: في الكم والسروال والعمامة؟ الجواب على أية حال هذا كلام الفقهاء، وإذا كان حديثاً مرفوعاً فهو ضعيف، ونبه عليه شيخ الإسلام ابن القيم في كتاب زاد المعاد.

стр. 40

حكم رد السلام على المرأة الأجنبية السؤال ما حكم رد السلام على المرأة الأجنبية، وما الدليل على ذلك؟ الجواب رد السلام فرض عين على كل من سمع، لكن الراجح أن رد السلام فرض كفاية، فإن رد البعض سقط الإثم عن الباقين، وإلا أثموا جميعاً، أي: أثم من سمع، وهذا إذا سلم الرجال على الرجال، والنساء على النساء. ووقع الخلاف في سلام النساء على الرجال والعكس، فالراجح جوازه ما أمنت الفتنة، ولحديث أبي هريرة ﵁: (حق المسلم على المسلم ست، وذكر منها: رد السلام). وقال النبي ﵊ في حديث أبي هريرة: (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، و (أفشوا) فعل أمر. وإلقاء السلام في مذهب الجمهور سنة، والذي يترجح لدي أنه واجب ما كان ذلك في الإسلام، والرد واجب بلا خلاف، ويبقى الإشكال في سلام النساء على الرجال والعكس، وهو مرهون بأمن الفتنة، فإذا سلمت المرأة على الرجال فلا بأس بذلك، وإذا سلم الرجل على جمع من النسوة فلا بأس بذلك. أما إذا لقي الرجل المرأة، أو المرأة الرجل؛ فهذا الموقف صعب، وأصل السلام والحالة هذه جائز مع أمن الفتنة، خاصة حين يتعلق بالشاب والشابات، واستحب أهل العلم للشاب أو الفتاة أن لا يلقي أحدهما على صاحبه السلام؛ لأن الفتنة لا تكاد تكون مأمونة بين الشاب والفتاة.
следующие страницы →