Полный текст (1 366 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
تعقيب المصنف على آثار السلف في تغير حال المسلمين
قال: [قال الشيخ ابن بطة: إخواني! فاستمعوا إلى كلام هؤلاء السادة من الماضين والأئمة العقلاء من علماء المسلمين، والسلف الصالح من الصحابة والتابعين، هذه أقوالهم، والإسلام في طرافة ومطاوعة وعنفوان قوته واستقامته].
يريد أن يقول لك الحسن البصري وأبو الدرداء وغيرهم ما قالوا هذا الكلام الذي يتفطر فيه القلب دماً وغماً إلا والإسلام في عز قوته وعنفوانه وشبابه.
قال: [والأئمة راشدون، والأمراء مقسطون -أي: عادلون- فما ظنكم بنا وبزمان أصبحنا فيه وما نعانيه ونقاسيه، ولم يبق من الدين إلا العكر، ومن العيش إلا الكدر، ونحن في دردى الدنيا وثمارها]، أي: الحثالة من الطين التي تبقى في الماء، فهو يريد أن يقول: نحن الآن في نهاية الدنيا، وقد ذهب المسلمون الحق ولم يبق إلا الغثاء، وهذا في زمنه هو، فكيف بزماننا نحن؟! قال: [وعن عبد الله بن مسعود قال: ذهب صفو الدنيا فلم يبق إلا الكدر، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم]، عبد الله بن مسعود يقول هذا في زمن النبوة في القرن الأول، يقول: الموت اليوم تحفة وهدية الله للمسلم؛ لأنه قد ذهب الذين يعاش في أكنافهم.
ولذلك يقول أبو هريرة: لقد ذهب الناس ولم يبق إلا النسناس.
فـ أبو هريرة يقول هذا، إذاً: ماذا نقول نحن؟! وعائشة ﵂ تقول: لقد ذهب الذين يعاش في أكنافهم، أي: لم يبق أحد يستحق الصحبة والعشرة وغير ذلك من أقاويل أشراف الأمة في أعظم زمن الأمة وهو صدر الإسلام.
قال: [وقال زبيد: حدثني أبو وائل، قال: قال عبد الله بن مسعود: ذهب صفو الدنيا فلم يبق إلا الكدر، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم، فقال الرجل الذي حدثه أبو وائل وزبيد: سمعت عبد الله يقول: ما شبهت الدنيا إلا بالتعب يسري صفوه ويبقى كدره، ولن يزالوا بخير ما إذا حز في نفس الرجل وجد من هو أعلم فمشى إليه فسقاه].
أي: أنه يريد أن يقول: إن الخير الذي كان موجوداً في زمن عبد الله بن مسعود أن الواحد منهم عندما تحيك في صدره مسألة من مسائل العلم، فيسأل عن العلماء، فيجد عالماً يفتيه ويشفي غلته، فهذا هو الخير الذي كان موجوداً في زمن عبد الله بن مسعود وبعد ذلك لم يبق إلا الكدر.
ثم يقول: [وايم الله ليوشكن أن تلتمس ذلك فلا تجده]، أي: أنه يقسم بالله أن الرجل صاحب المسألة يسير في الناس، ويسأل عن عالم يفتيه فلا يجد؛ ولذلك يقول عمر ﵁: أيها الناس! تعلموا قبل أن تسودوا، أي: تعلموا قبل أن تصيروا سادة كباراً؛ لأن من صار سيداً وكبيراً ثم عزل من سيادته ونزل من كبريائه يستنكف أن يجلس في مجالس العلم، أي: بعد أن يصير وزيراً أو رئيساً أو مديراً أو غير ذلك، فهل يقبل أن يرجع مرة أخرى؟ ولذلك لما حمل رجل على القضاء في زمن مالك قال: حتى أستخير وأستشير، فاستشار مالكاً في ذلك، فقال مالك: لا أحب أن تتولى القضاء إلا بعد أن تتعلم، مع أن هذا الرجل كان من أنبغ تلاميذ مالك، لكن مالكاً أراد له أن يبلغ الكمال والتمام في العلم.
قال: ولم يا إمام؟ قال: لأنك لو عزلت عن القضاء لا ترجع إلينا هنا.
وكان عروة بن الزبير يقول لأبنائه وأبناء أخيه: يا بني تعلموا العلم، فإنكم صغار قوم اليوم تكونون كبار قوم غداً.
فطلب العلم من أشرف المطالب، ويكفي أنه واجب على كل مسلم، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ .
قال: [وقال إبراهيم بن نصر: سمعت الفضيل بن عياض يقول: كيف بك يا إبراهيم بن نصر إذا بقيت إلى زمان شاهدت فيه ناساً لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا بين المؤمن والكافر، ولا بين الأمين والخائن، ولا بين الجاهل والعالم، ولا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً]، فتصور أن زمناً يكون فيه كل هذه الآفات، وربما يكون هذا الزمن الذي نحن فيه.
قال ابن بطة: [فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإنا قد بلغنا ذلك وسمعناه، وعلمنا أكثره وشاهدناه، فلو أن رجلاً ممن وهب الله له عقلاً صحيحاً، وبصراً نافذاً، فأمعن نظره، وردد فكره، وتأمل أمر الإسلام وأهله، وسلك بأهله الطريق الأقصد، والسبيل الأرشد، لتبين له أن الأكثر الأعم الأشهر من الناس قد نكصوا على أعقابهم، وارتدوا على أدبارهم، فحادوا عن المحجة، وانقلبوا عن صحيح الحجة.
ولقد أضحى كثير من الناس يستحسنون ما كانوا يستقبحون، ويستحلون ما كانوا يحرمون، ويعرفون ما كانوا ينكرون، وما هذه -رحمكم الله- أخلاق المسلمين، ولا أفعال من كانوا على بصيرة في هذا الدين، ولا من أهل الإيمان به واليقين].
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، وإنا لله وإنا إليه را
стр. 37
الأسئلة
стр. 38
الحكم على حديث (رفع عن أمتي الخطأ)
السؤال
ما درجة حديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)؟
الجواب
على أية حال هذا الحديث قد ورد من طرق متعددة، من ثلاث طرق أو تزيد، ووقع النزاع بين أهل العلم في ثبوته من عدمه، والذي يترجح لدي أنه حديث حسن.
стр. 39
الحكم على حديث (الإسبال في ثلاث)
السؤال
ما درجة حديث: (الإسبال في ثلاث)، أي: في الكم والسروال والعمامة؟
الجواب
على أية حال هذا كلام الفقهاء، وإذا كان حديثاً مرفوعاً فهو ضعيف، ونبه عليه شيخ الإسلام ابن القيم في كتاب زاد المعاد.
стр. 40
حكم رد السلام على المرأة الأجنبية
السؤال
ما حكم رد السلام على المرأة الأجنبية، وما الدليل على ذلك؟
الجواب
رد السلام فرض عين على كل من سمع، لكن الراجح أن رد السلام فرض كفاية، فإن رد البعض سقط الإثم عن الباقين، وإلا أثموا جميعاً، أي: أثم من سمع، وهذا إذا سلم الرجال على الرجال، والنساء على النساء.
ووقع الخلاف في سلام النساء على الرجال والعكس، فالراجح جوازه ما أمنت الفتنة، ولحديث أبي هريرة ﵁: (حق المسلم على المسلم ست، وذكر منها: رد السلام).
وقال النبي ﵊ في حديث أبي هريرة: (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، و (أفشوا) فعل أمر.
وإلقاء السلام في مذهب الجمهور سنة، والذي يترجح لدي أنه واجب ما كان ذلك في الإسلام، والرد واجب بلا خلاف، ويبقى الإشكال في سلام النساء على الرجال والعكس، وهو مرهون بأمن الفتنة، فإذا سلمت المرأة على الرجال فلا بأس بذلك، وإذا سلم الرجل على جمع من النسوة فلا بأس بذلك.
أما إذا لقي الرجل المرأة، أو المرأة الرجل؛ فهذا الموقف صعب، وأصل السلام والحالة هذه جائز مع أمن الفتنة، خاصة حين يتعلق بالشاب والشابات، واستحب أهل العلم للشاب أو الفتاة أن لا يلقي أحدهما على صاحبه السلام؛ لأن الفتنة لا تكاد تكون مأمونة بين الشاب والفتاة.
стр. 41
حكم أداء النوافل عند إقامة الصلاة المفروضة
السؤال
ما حكم من دخل يصلي السنة وأقيمت الصلاة؟
الجواب
يقول النبي ﵊: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، والنزاع وقع في فهم هذا الدليل، والكل متفق على صحة الحديث.
أما الفهم فمن الفقهاء من قال: إذا أقيمت الصلاة فلا يصح لأحد أن ينشئ صلاة غير صلاة الجماعة؛ ولذلك لما أقام بلال صلاة الفجر وشرع رجل في الصلاة، أي: في صلاة السنة، دنا منه النبي ﵊ وقال: (آصبح أربعاً؟)، كالمنكر عليه أن ينشئ صلاة بعد سماع الإقامة.
وبعضهم قال: أنشأ أو لم ينشئ، فلو أنه كان في صلاة نافلة وأقيمت الصلاة فإنه يخرج من صلاته، والذي يترجح لدي -فضلاً عن المذهب الأول وأنه راجح بلا خلاف- أنه إذا كان الرجل في صلاة فسمع الإقامة، فإن كان قد نوى أربعاً صلاها اثنتين، ويتعجل فيها حتى يدرك الركعة الأولى مع الإمام، وإن كانتا اثنتين فليتمهما سريعاً حتى يدرك الإمام في الركعة الأولى، وهذا كله في النوافل والسنن.
أما إذا فاته الظهر، ثم دخل المسجد بعد أذان العصر، فصلى الظهر حتى يدرك العصر مع الإمام، فأقيمت الصلاة وهو في الركعة الثانية أو الثالثة، فلا يخرج من صلاته حتى يتمها، وهذا النهي وارد في حق السنن دون الفرائض.
كما أن النزاع وقع في كيف يخرج من صلاته، هل يخرج بتسليم أم لا؟ فمن حمل النهي في قوله ﵊: (فلا صلاة إلا المكتوبة) على الفساد والبطلان قال: لا يلزمه التسليم؛ لأن صلاته تبطل بسماعه الإقامة.
ومن لم يحمل النهي على الفساد والبطلان قال: يلزمه التسليم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 42
شرح كتاب الإبانة - ذكر الأخبار التي دفعت إلى تأليف الكتاب
لقد جرت عادة أهل العلم رحمهم الله تعالى بالتأليف والتصنيف في الرد على أهل الأهواء والبدع؛ لبيان وزيف باطلهم، وتحذير المسلمين منهم ومن باطلهم، وحتى لا يغتر بهم العامة فيقعون في أكاذيبهم وأباطيلهم.
стр. 43
التحذير من التلون في الدين
الباب الثاني: وهو ذكر الأخبار والآثار التي دعت ابن بطة ﵀ إلى جمع هذا الكتاب.
قال: [أستوفق الله بصواب القول وصالح العمل]، أي: أطلب منه التوفيق والسداد، [وأسأله العصمة من الزلل، وأن يجعل ما يوفقنا له من ذلك واصلاً بنا إليه، ومزلفنا لديه، وأن يجعل ما علمنا حجة لنا وبركة علينا وعلى من عرفنا ومن قصدنا لحمل ذلك عنا، فإنا لله وبه وإليه راجعون، وهو حسبنا ونعم الوكيل].
فهذا بلا شك أن الدافع لهذا الإمام إلى تصنيف هذا الكتاب: ظهور البدع، فقد أورد في هذا الباب أحاديث ظاهرها وجوب أن يتكلم العالم بما عنده من علم إذا ظهرت الفتن والبدع، لكن هذه الآثار غير صحيحة كما سيأتي.
قال حذيفة لـ أبي مسعود البدري، وهو عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، وليس بدرياً، فهو لم يحضر غزوة بدر، وإنما نسب بدرياً لأنه كان يسكن في مكان يسمى: بدر.
[قال حذيفة لـ أبي مسعود: إن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في الدين، فإن دين الله واحد].
أي: أن الضلال الذي ليس بعده ضلال أن تقول عن الحق إنه باطل، وأن تقول عن الباطل إنه حق، وبعد أن كنت على الحق المبين تتنكب له وتقول: بل هو المنكر الذي ليس بعده منكر، فكثير من الناس يكون على أمر الاستقامة ثم يزيغ وينحرف، لأنه في أصله وأصل هدايته كان صاحب هوى، ثم اعلم أن الناس ينقمون عليه ضلاله وانحرافه عن الطريق الذي سار فيه أولاً، فهو يقول ويسابق: إن الذي كنت عليه لضلال مبين، وما أنا عليه الآن فإنه الحق المبين.
فهذا تلون في دين الله ، والله لا يخفى عليه شيء من أعمال خلقه ولا من نياتهم، ودين الله ﵎ واحد لا تلون فيه، والحق فيه واحد، ولذلك نحن نرى أناساً كثيرين بعد أن كانوا ينهجون نهج سلف الأمة ﵃ أجمعين، تنكبوا وصاروا إلى مذاهب وفرق شتى، زاعمين بأن ما هم عليه الآن هو خير مما كانوا عليه آنفاً.
وإني لأعجب كل العجب من إنسان بعد أن يتعرف على البخاري ومسلم، ومن قبلهما: الشافعي ومالك وابن حنبل، وغيرهم من أهل العلم وسلف الأمة وأصحاب السنن والمصنفات والأجزاء، ثم بعد ذلك كله يتنكب الطريق الحق جرحاً وتعديلاً، ويسلك مسلكاً خلفياً شطحاً، ثم يزعم أن ما هو عليه الآن خير مما كان عليه! فكيف يتصور أن صاحب فكر حديث هو خير وأولى بالاتباع من هؤلاء الأعلام الذين ذكرتهم آنفاً؟! إما أنه كان سلفياً بجهل ولا يدري ما معنى السلفية أو ما معنى نهج الخلف وسوء الخلف، وإما أنه تظاهر باتباع السلف وفي حقيقة الأمر قلبه قد امتلأ هوى، فإن مضى وأتيحت له الفرصة ترك وتخلى عن مذهب السلف وانتهج نهج الخلف.
قوله: (إن الضلالة حق الضلالة: أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في الدين، فإن دين الله تعالى واحد).
ولذلك فإن انحراف هؤلاء الذين ينحرفون عن الصراط المستقيم أمر حتمي لابد منه؛ حتى يتميز الحق من الباطل، والطيب من الخبيث، وحتى نعلم الصادق من المنحرف والمتلون، ومع ذلك فهو أمر لا يرضيني شخصياً، فإذا كان الإمام على الاستقامة ثم انحرف فهذا له دلالة عندي قد استخلصتها من عند السلف ومن خلال السلف، وهي: أنه لم يكن على المنهج أصيلاً، وإنما كان دخيلاً جاهلاً، أو صاحب هوى كما قلت، وتركه لهذا المذهب الناصع البياض السليم الصحيح، واختياره لمذهب الخلف ظاهرة سطحية، حتى يتميز الحق من الباطل، والطيب من الخبيث.
[وقال عدي بن حاتم: إنكم لن تزالوا بخير ما لم تعرفوا ما كنتم تنكرون، وتنكروا ما كنتم تعرفون، وما دام عالمكم يتكلم بينكم غير خائف].
أي: لا تزال الأمة بخير إذا كان عالمها يتكلم وهو مطمئن لا يخاف السلطان وبطشه، أما إذا خاف العالم أن يتكلم من السلطان وظلمه وقهره، فإن الأمة لاشك قادمة إلى الهاوية.
[وقال الحكم بن عمير -وإن كان الحديث ضعيفاً جداً- وكان من أصحاب النبي ﷺ ، قال النبي ﵊: (الأمر المفظع، والحمل المضلع، والشر الذي لا ينقطع: إظهار البدع)]، وهذا الحديث لا نعول عليه لنكارته.
[قال ابن بطة ﵀: فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى، ومن الرجوع عن الحق والعلم إلى الجهالة والعمى].
стр. 44
لا أسوة في الشر
[وعن ابن مسعود قال: إذا وقع الناس في الشر خيل لك في الناس أسوة في الشر]، أي: إذا استشرى الشر وانتشر حتى لم يكن في المجتمع غيره، تصور الناس أن الأسوة في هذا الشر، ولذلك إذا نقدت أي إنسان الآن في ضلالة هو عليها أو في بدعة هو عليها يقول: كل الناس هكذا، فهل يتصور أن هذه بدعة والناس يعملون بها، ومطبقون عليها منذ زمن بعيد؟ وهل يتصور أن يكون هذا هو الباطل، وأن ما تأتيهم به الآن هو الحق؟ نعم هذا متصور.
ولذلك أنكر مجتمع قريش دعوة النبي ﷺ أول ظهورها؛ لتصورهم أنهم على الحق المبين.
قال: إذا وقع الناس في الشر فقل: لا أسوة لي في الشر، وإنه لا أسوة في الشر، كما قال النبي ﵊: (لا أسوة في الشر)، وإن أجمع الناس وأطبقوا على استمرار الباطل ورد الحق، فإن هذا لا يجعل الباطل حقاً، ولا يجعل الحق باطلاً.
[وعن عبد الله بن مسعود قال: ليوطنن المرء نفسه على أنه إن كفر من في الأرض جميعاً لم يكفر]؛ لأن كل واحد سيأتي ربه فرداً، ويسأل فرداً لا علاقة له بالناس، وأن الناس لا يدافعون عنه ولا يدفعون له بين يدي الله .
قال: [ولا يكونن أحدكم إمعة، قيل: وما الإمعة؟ قال: الذي يقول: أنا مع الناس]، أي: إن أحسنوا أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس فأحسنوا، وإن أساءوا فلا تسيئوا، أي: وإن أساءوا فلا تتبعوا إساءتهم.
قال: [إنه لا أسوة في الشر]، وإن أطبق الناس على عمل الشر، وقول الشر، واعتقاد الشر، فإنه لا علاقة لك بالناس، وإنما علاقتك بالحق المبين، الذين نزل من السماء على قلب رسولنا الأمين ﷺ .
стр. 45
فضيلة التمسك بالدين في هذا الزمان
[وعن أنس بن مالك قال: قال النبي ﵊: (يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه له أجر خمسين منكم)، حتى أعادها ثلاث مرات].
وهذا الحديث ضعيف، وربما يكون فيه شيء من النكارة؛ لأن الواحد منا مهما عمل ومهما بلغ عمله، فإنه لا يمكن أن يؤدي معشار ما أداه واحد من أصحاب النبي ﵊، ولذلك قال في الصحيح: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
والحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة والترمذي [وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر)].
وهو حديث عظيم جداً، إن لم يكن يتناسب مع واقع المسلمين اليوم فهو على أي حال يكاد ينطبق على حالهم غداً؛ لأن النبي ﵊ يقول: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه)، أي: لا يأتي عليكم زمان ولا يوم ولا عام ولا شهر ولا أسبوع إلا والذي بعده شر منه.
فهذا الحديث فيه إيحاء بفضيلة من تمسك بدينه في هذا الزمان والأزمنة المتعاقبة التي تتلو هذا الزمان، وأن المتمسك القابض على دينه كالقابض على جمرة من نار، والذي يقبض على جمرة من نار يوشك أن تحرقه أو تحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، وهكذا القابض على دينه في هذا الزمان، ويكفي أنهم الغرباء، والكثرة الكاثرة غالباً ليست الغريبة، وإنما الغريب هو القليل النادر، ولذلك قال ﵊: (بدأ الإسلام غريباً)، أي: بدأ وظهر الإسلام في ثلة مؤمنة عظيمة، لكنها قليلة في وسط قوم وأمة تعج بالفساد والشرك وعبادة الأصنام والأوثان.
ولذلك اتهموا النبي ﵊ بأنه شاعر، وأنه مجنون، وأنه ساحر، وأنه تعلم هذا من كتب السابقين، وغير ذلك من الشبه، وإن شئت فقل: افتراءات وكذبات قد ورد الرد عليها في كتاب الله ، إذ إن الله ﵎ قد رد وذب عن نبيه أيما رد وذب، وهنا إثبات الغرابة في أول أمر الإسلام، ثم بعد ذلك تنقض عرى الإسلام عروة عروة حتى يترك الناس دينهم أو جل دينهم، فإذا قامت فئة فتمسكت بالدين ظاهراً وباطناً أصولاً وفروعاً؛ كانوا هم الغرباء؛ لأنهم يحيون في الناس سنناً قد ماتت عندهم، وفرائض قد أهملوها، ولذلك يقول عنهم المجتمع الكثير: إنهم غرباء، وإنهم شواذ، وإنهم فئة قليلة، لكنها تغلب فئة كثيرة بإذن الله.
стр. 46
بشارة النبي ﵊ للغرباء في آخر الزمان
[قال النبي ﵊: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)]، هذه بشارة لأهل الالتزام الصابرين على دينهم صبر من أخذ بيديه جمرة فقبض عليها، [(قيل: يا رسول الله! ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون عند فساد الناس).
قال الشيخ ابن بطة: جعلنا الله وإياكم بكتاب الله عاملين، وبسنة نبينا ﷺ متمسكين، وللأئمة الخلفاء الراشدين المهديين متبعين، ولآثار سلفنا وعلمائنا مقتفين، وبهدي شيوخنا الصالحين رحمة الله عليهم أجمعين مهتدين، فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، قد جعل في كل زمان فترة من الرسل، ودروساً للأثر]، فجعل الله ﵎ بين كل نبيين فترة من الزمن، يقتفي فيها الآثار حتى يتميز الناس بمن كان متبعاً لآثار من مضى عمن انحرف عن طريق الأنبياء السابقين، وكل فترة بين نبيين تسمى بالفترة، وأهل الفترة إن ماتوا في هذا الزمان -أي: في مدة الفترة- فكانوا متبعين لآثار من مضى من الأنبياء، فإنهم من أهل الجنة، وهم المؤمنون حقاً، أما من ترك آثار الأنبياء السابقين ومات في الفترة فإنه يموت على الكفر.
قال: [قد جعل الله في كل زمان فترة من الرسل، ودروساً للأثر، اقتفاء للآثار، أي: أن الله تعالى بلطفه بعباده، ورفقه بأهل عنايته، ومن سبقت له الرحمة في كتابه، لا يخلي كل زمان من بقايا من أهل العلم وحملة الحجة، يدعون من ضل إلى الهدى، ويذودونهم عن الردى -أي: يدفعونهم عن الردى- ويصبرون منهم على الأذى، فيحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بعون الله أهل العمى، وبسنة رسول الله ﷺ أهل الجهالة والغباء]، أي: والغباء.
стр. 47
حديث: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)
[وعن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله ﷺ : (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)]، أي: يحمل هذا العلم من كل جيل ومن كل عصر عدوله.
والإمام أبو حنيفة ذهب إلى أن كل من طلب العلم، ودعا إلى الله فهو عدل؛ لقول النبي ﷺ (يحمل هذا العلم)، أي: العلم الشرعي (من كل خلف عدوله)، يقومون بهذه المهام.
قال [(ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)].
أما غيره من أهل العلم فإنهم لم يستفيدوا من هذا الحديث أن كل من حمل العلم عدل، فمن أهل العلم من هو من أفسق الناس وأفجر الناس، وليس بلازم أن كل من طلب العلم أو حمله يكون عدلاً ثقة، بل الواقع يؤيد أنه ليس كل من طلب العلم عدلاً، وإذا كان الأمر كذلك فهل يتصور أن أول من تسعر بهم جهنم العدول؟! وأنتم تعلمون الحديث: (إن أول من تعسر بهم جهنم ثلاثة: العالم)، أي: المرائي في علمه الذي طلبه لغير الله، وهذا يدل على أنه ليس كل من طلب العلم عدلاً، وأن من راءى في طلب العلم ليس من العدول، وأن من لم يعمل بعلمه ليس من العدول، وأن من باهى وفاخر وسمَّع وراءى بعلمه ليس من العدول، مع ما هو عليه من علم.
لكن ترد على الأحناف في ادعائهم أن النبي ﵊ عدل أهل العلم وحملة العلم وطلاب العلم، أن ذلك مشروط بثلاثة شروط قد وردت في نفس الدليل الذي اعتمد عليه الأحناف.
قال: [(ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)، أي: أن العالم العدل في كل زمان هو: من حمل العلم أولاً، أي: تعلم وعرف المسائل العلمية الشرعية بأدلتها من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع أهل العلم، وعمل بذلك لله ﵎ رغبة ورهبة، فهذا هو العالم حقاً.
أما كونه عمل بذلك للناس، فإن هذا العمل إما أن يكون لنفسه، أو يكون متعدياً إلى الغير في الدعوة إلى الله، وهو مع هذا في ليله ونهاره يهتم ويغتم بالرد على انتحال المبطلين، أي: من انتحل نحلة زاغ بها عن نحلة الإسلام، وعن هدي الإسلام، وعن طريق الإسلام، إذ إن الإسلام واحد، ودين الله ﵎ واحد، وسنة النبي ﵊ واحدة، وهديه واحد معروف لدى السلف، فمن انحرف عن مذهب السلف تصدى له أهل العلم الذين حملوه لبيان الحق له، وإثبات الباطل الذي انتحله، فهذا بلا شك من علماء الإسلام.
قال: (ينفون عنه: تحريف الغالين، وانتحال المبطلين)، والغالون: هم المتنطعون المتهوكون المتشدقون الذين يلوون أعناق النصوص، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويلوون ألسنتهم بالدليل كما تلوي الأبقار ألسنتها؛ تجليلاً للباطل الذي هم عليه، وتحريفاً للكلم عن مواضعه.
والغالون جمع غال، وهو الذي يتنطع في دين الله ، إما بإدخال أشياء ليست في دين الله عليه، أو بنقصان أشياء من الدين، فإن أدخل هذا المتنطع زيادة في دين الله وجب الرد عليه بترك هذه الزيادة والرجوع إلى الأصل؛ لأنه ربما فهم كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵊ على غير ما فهمه سلف هذه الأمة، وكثير من أصحاب البدع إنما مردهم ومستندهم هو إلى الله ورسوله، وهل يتصور أن أهل البدع أثاروا البدعة وهم يعلمون ويوقنون بأنهم على الباطل المبين؟! لا يتصور ذلك إلا في الباطنية وفرق الشيعة، فإنهم يعلمون أنهم على الباطل المبين، وخاصة غلاتهم، أما أن الإنسان يقرأ في كتاب الله ، فتضربه آية في أم رأسه فيتوقف عندها ويبني عليها أقوالاً وأعمالاً دون أن يرجع إلى شراح كلام الله وما يختص به، ودون أن يرجع إلى شراح سنة النبي ﵊، ويفهم فهماً لوحده لم يسبقه أحد من علماء الأمة، ثم يزعم بعد ذلك أن هذا هو دين الله ؛ فإنه لابد من الرد عليه وإثبات أنه ليس على شيء، وأن ما هو عليه ليس صحيحاً؛ لأن السلف هم أولى الناس بكلام الله وكلام رسوله الكريم، وهم أبلغ الناس وأفصح العرب، ومع هذا لم يفهموا ما فهمه هذا الذي يقرأ في كتاب الله .
ولذلك يقول الشاعر: وكل يدعي وصلاً لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا أي: كل يدعي أنه محب لليلى، لكن القضية تكمن في محبة ليلى لهؤلاء أو لواحد منهم؛ لأنها ستحار حينئذ، فكل يقول: منهجي ودليلي هو الكتاب والسنة، وفي حقيقة الأمر ليس هذا هو الفيصل، إنما الفيصل كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵊ بفهم سلف الأمة، أما أهل البدع إذا خاصموا في قضية ما فإنهم يحتجون عليك بقال الله وقال رسوله، لكن الفيصل بينك وبينهم: أنك تفهم قول الله وقول رسوله من واقع فهم سلف الأمة، وهم يفهمون قال الله وقال رسوله من واقع أفهامهم وعقولهم.
стр. 48
منزلة العلماء وفضلهم على الناس
стр. 49
حديث (لا يزال على هذا الأمر عصابة)
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزال على هذا الأمر عصابة من الناس لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله)].
أي: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق قولاً وعملاً، لا يضرهم في ذلك من خالفهم حتى يأتي أمر الله -أي: الساعة- وهم ثابتون قائمون عاملون بقول الله تعالى وبقول رسوله الكريم، مظهرون لهذا الحق على مراد الله وعلى مراد رسوله مهما انتفش الباطل؛ لأن الباطل لا يدوم بل يزول سريعاً، أما الحق لما كان واحداً فهو ثابت، إذ إن له أهلاً يحفظونه في كل زمان ومكان، فيلزمون الوحي حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
стр. 50
حديث (لا تزال طائفة من أمتي)
[وقال سعد بن أبي وقاص: قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الدين عزيزة إلى يوم القيامة)]، فوصفهم بأنهم ثلة قليلة -وهذه بشارة لك- وهذه الثلة ظاهرة على الحق، أي: أن معها الحق وتدعو إليه، وهو أعلى من الباطل، وأنها تكتسب العزة بتمسكها بهذا الدين، ولذلك قال: (عزيزة)، أما باطل هؤلاء فإنه لا يمكن أبداً أن يبقى في أهل الحق؛ لأن الحق حق، وأهل الباطل يعلمون أنك على الحق وإن سخروا بك واستهزءوا بك وحاربوك، بل ولو قتلوك فإنهم يعلمون يقيناً أنك على الحق المبين: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤].
стр. 51
حديث (من جاءه الموت وهو يطلب العلم)
وجاء في حديث مرفوع: [(من جاءه الموت وهو يطلب العلم يحيي به الإسلام لم يكن بينه وبين الأنبياء في الجنة إلا درجة)] هذا كلام مرفوع نصه، والنص ضعيف، ولا يقال من قبل الرأي؛ لأن هذا إخبار عن غيب، والإخبار عن الغيب لابد أن يكون من الثبوت والصحة بمكان، وليس الأمر هنا كذلك.
[وقال وهب بن منبه: الفقيه العفيف الزاهد المتمسك بالسنة؛ أولئك أتباع الأنبياء في كل زمان].
ومن كان بهذه الخصال وهذه الصفات فإنه يكون حقاً متبعاً لآثار من مضى، أما إذا تخلف عنه شيء من ذلك ففيه من الانحراف عن آثار أنبيائهم على قدر ما فيه من الخلل.
[قال الشيخ ابن بطة: جعلنا الله وإياكم ممن أعز أمر الله فأعزه، وأبقى لله فكفاه، ولجأ إلى مولاه الكريم فتولاه].
стр. 52
أثر سفيان (أفضل الناس منزلة)
[وقال سفيان بن عيينة: أفضل الناس منزلة يوم القيامة من كان بين الله وبين خلقه].
وقد جاء نحو هذا الكلام عن غيره، والذي بين الله وبين خلقه هم الأنبياء وورثتهم من العلماء، إذ إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ولذا فالعلماء هم في الدرجة الثانية بعد الأنبياء.
وهم الواسطة بيننا وبين الله بعد موت نبينا ﵊، وهم المبينون والمفسرون والموضحون لكلام الله ، وهم الذي يأخذون بنواصي العباد إلى الله ، ولذلك هم أشرف الخلق عند الله إذا كانوا عاملين بعلمهم.
стр. 53
أثر ربيعة (الناس في حجور علمائهم)
[وقال مالك بن أنس: سمعت ربيعة بن عبد الرحمن -وهو المعروف بـ ربيعة الرأي - يقول: الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم].
أي: يسلمون لهم، فأنك لو أخذت طفلك الرضيع فوضعته في حجرك وألقيت في فمه سماً ابتلعه، ولو ألقيت في فمه لبناً رضع، وهكذا العلماء، فالناس في حجورهم وبين أيديهم كالصبية والغلمان الصغار بين أيدي آبائهم.
بل أمر العلماء أخطر وأجل؛ لأن الأب غالباً يغذي الأبدان، أما العلماء فهم الذي يغذون الأرواح، ويغذون العقول ويفتحونها إما بالخير وإما بالشر، فإن كان بكتاب الله وسنة رسوله فهو خير، وإلا فلا خير في غير هذين المصدرين.
стр. 54
أثر سلمة بن سعيد (العلماء سرج الأزمنة)
[وقال سلمة بن سعيد: كان يقال: العلماء سرج الأزمنة].
أي: نور الأزمنة.
[فكل عالم مصباح زمانه، فيه يستضيء أهل عصره، وكان يقال: العلماء تنسخ مكائد الشيطان]، وهو كذلك، إذ إن العالم في قرية ما كالعين التي تنبع بالماء، بل هو أحسن وأجل؛ لأن هذه العين التي تنبع بالماء تغذي أبدانهم وزروعهم وغير ذلك، أما العالم فإنه يغذي العقول والأرواح، ويأخذ بنواصي العباد إلى ربهم ﵎.
وكذلك وجود العالم في قرية ما دليل على صلاحية هذه القرية، وعلى خيرية هذه القرية، وذهاب الناس في القرية إلى هذا العالم يستفتونه في أمور دينهم، دليل على خيرية هؤلاء، أما قرية بغير عالم فهي قرية تتخبط في ظلمات الغي والضلالة، وإن الواحد منهم إذا احتاج ليستفتي في مسألة ربما ركب المواصلات الطويلة حتى يجد عالما يفتيه في مسألته؛ لأن القرية ليس فيها عالم، وهي آثمة كلها؛ لأنهم لم يفرغوا من بينهم واحداً يطلب العلم، ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢].
وهنا يجب على كل طائفة من الناس أو قرية أو بلد إذا لم يكن فيها عالم أن يخصصوا رجلاً من أهل النباهة ليتعلم العلم في مكان يظهر فيه العلم، ثم يرجع إليهم عالماً يفتيهم في أمور دينهم وربما دنياهم.
[قال الشيخ ابن بطة: جعلنا الله وإياكم ممن يحيي به الحق والسنن، ويموت به الباطل والبدع، ويستضيء بنور علمه أهل زمانه ويقوي قلوب المؤمنين من إخوانه.
[وعن سلمان أنه قال: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يعلم الآخر، فإذا هلك الأول قبل أن يعلم الآخر هلك الناس].
بل مثل هذا الكلام ثابت من حديث النبي ﵊ أنه قال: (البركة مع أكابركم، ولا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن كبارهم، فإذا أخذوه عن صغارهم فقد هلكوا).
وقال ابن المبارك عليه رحمة الله: ليس الصغير صغير السن، وإنما الصغار هم أهل البدع.
أما صغير يؤدي إلى كبير؛ فليس بصغير على الحقيقة، إنما الصغير من انحرف عن الجادة وإن كان كبيراً في السن، والكبير من عرف الحق بأدلته، وعلم الناس وعمل بذلك، فهو الكبير وإن كان حديث السن، ومجلس عمر ﵁ كان مكتظاً بالشباب والكهول، وكان عمر يقول للشباب: لا يحقرنكم حداثة أسنانكم على ألا تشيروا برأيكم.
والنبي ﵊ كما في حديث أبي سعيد الخدري قال: (ستفتح لكم الأرض، ويأتيكم غلمان يتعلمون العلم، فإذا جاءوكم فعلموهم، والطفوا بهم، ووسعوا لهم في المجالس)، ولذلك كان أبو سعيد إذا أتاه غلام أو غلامان قال: مرحباً بوصية النبي ﷺ ، أما ما نراه الآن على شاشات التلفزيون تحت باب الحفاظ على الدين من الداخلين فيه بغير مؤهل، فهذا باطل ومنكر من القول.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فالعلم يكمن في قال الله قال رسوله، سواء كان قائله أزهرياً أو غير أزهري، حتى ولو كان صاحب حرفة حدادة أو نجارة أو غيرها، والأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم والصحابة والأئمة، وعلماء المسلمين شرقاً وغرباً، لم يتخرجوا من الأزهر، بل جل من تخرج من الأزهر لا يصلح أن يكون داعية لنفسه قبل أن يكون داعية لله يدعو الناس، مع إيماننا الجازم بأن الأزهر قد خرَّج رجالاً قل أن تجد في الخلق مثلهم في العلم والعمل والديانة والورع والنسك وغير ذلك، أما جل الأزهريين فإنهم لا يصلحون لأنفسهم قبل أن يصلحوا لغيرهم، وهذه خطوة أو حلقة في سلسلة طويلة مردها ومآلها: القضاء على كتاب الله وسنة رسوله الكريم.
стр. 55
الالتزام على منهج صحيح من أعظم النعم على العبد
قال: [إن من نعمة الله على الشاب إذا تنسك أن يوافي صاحب سنة يحمله عليها]، ولذلك ورد عن كثير من السلف أنهم قالوا: لا ندري أي الاثنتين أعظم: أن من الله علينا بالإسلام، أو أن جعل لنا في الإسلام سنة؟ وهذا كلام جدير بأن يكتب بماء الذهب، وبلا شك فإن الإسلام أعظم وأجل، لكن هذا كلام خرج مخرج بيان أفضلية اتباع الحق، أو المبالغة في إثبات أن الحق أولى بأن يتبع.
ولذلك فإن من أعظم نعم الله على الشاب أنه إذا التزم التزم على يد دعوة صحيحة سليمة لا شك فيها، وهنا أصحاب الأهواء يكثرون التدخل والجدل من جماعة إلى جماعة، ومن طائفة إلى طائفة، ومن فرقة إلى فرقة، بخلاف من وفق أولاً إلى طريق السلف رضي الله ﵎ عنهم، وهذا بخلاف الآخر، فقد مر على جماعة واثنتين وثلاث وأربع وعشر، وفي كل جماعة يدرس ولم يقتنع، فيتحول إلى جماعة أسوأ، منها حتى استقر به المقام على منهج السلف بعد أن بلغ من العمر أرذله.
وعلى أي حال فمن الخير أن يختم له بالعمل الصالح وبمنهج سليم.
قال: [من نعمة الله على الشاب والأعجمي إذا نسك أن يوافق لصاحب سنة يحملهما عليها؛ لأن الأعجمي يأخذ فيه ما سبق إليه]، وليس الأعجمي فقط فكذلك العربي، والأعجمي هو كل إنسان لا يحسن اللسان وإن كان عربياً، والعربي هو كل من يحسن العربية وإن كان أعجمياً.
لذا فهو يريد أن يقول: إن العجم الذين لا يفهمون العربية، يتبعون في الغالب من يدعوهم إلى الإسلام، فإذا دعاهم الشيعة دخلوا في الإسلام على مذهب الشيعة، وإذا دعاهم الخوارج دخلوا في الإسلام على مذهب الخوارج، وأنا أقول: وهكذا العوام الذين لا علاقة لهم بدينهم ولا بالعلم الشرعي، فأول من يدعوهم إلى الالتزام يتبعونه، وأنتم ترون أن هذه الجماعات المترنحة على الساحة، إذا دعت إنساناً لا علاقة له أصلاً بالعلم الشرعي ولا بالدعوة، فإنما يكون مذهب هذا المدعو هو مذهب من دعاه، ويصعب جداً خلعه من هذا المذهب؛ لأنه يرى أن لهؤلاء الفضل عليه بعد أن كان غارقاً في أوحال المعصية، ولا شك أن هذا خير، لكن ليس هو الخير المحض، بل هو خير فيه شر.
ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: إن من لقي الله ﵎ ممن دعي إلى الإسلام على منهج الخوارج، خير له من أن يلقى الله تعالى كافراً كفراً بواحاً، وإن من لقي الله ﵎ من الروافض -أي: أسلم على مذهب الروافض- خير له من أن يلقى الله تعالى كافراً كفراً بواحاً.
وهذا الكلام في غاية المتانة، وهو كلام محترم جداً، لكن ليس معنى ذلك أنه يدعو للرفض أو للخروج أو غير ذلك، وإنما نقول كما قال ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أهل العلم: إن من لقي الله ﵎ على بدعة أو معصية خير من أن يلقى الله تعالى كافراً كفراً بواحاً؛ لأن الكافر مخلد في النار بخلاف صاحب البدعة، فإن لم تكن مكفرة فإنه لا يخلد في النار، بل إذا دخلها خرج منها لا محالة.
ولذلك يقول: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يوافي صاحب سنة -أي: أن يصاحب صاحب سنة- يحمله عليها ويدعوه ويلهمه بها.
[وقال عمرو بن قيس الملائي: إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه -أي: ارج خيره- وإذا رأيته مع أهل البدع فايئس منه، فإن الشاب على أول نشوئه]، حتى ولو تاب، فإنك لو أتيت إلى صاحب بدعة في هذا الوقت قد تاب منها، فتنظر إليه فتجده لا يزال واقفاً على أشياء كبيرة ظاهرة فيه.
وأذكر أنه في سنة (١٩٨١م) كان هنا شخص من إيران يدرس في كلية دار العلوم، وهو شيعي رافضي، وكان صاحباً لي، فزارني في بيتي في المنصورة ذات يوم بعد أن ترك مذهب الرفض عاماً كاملاً، وتفقه عندي أكثر من عشرين يوماً، وكنا نتدرب على مصطلح الحديث، فقلت له: ماذا تقول في ثورة الكذاب الخميني؟ قال: الخميني ليس بكذاب، إنما الكذاب أبو بكر وعمر! وقال: لا يسب أحد الإمام الخميني ونتركه! فقلت له: ألم تدع مذهب الرفض؟ قال: نعم، لكن الذي تتكلم به غيبة على الخميني، فقلت له: وأنت قابلت غيبة الخميني بالطعن في هذين الإمامين العظيمين؟ قال: وهل إمامة أبي بكر وعمر محل اتفاق عند أهل السنة؟ قلت: نعم محل اتفاق عند أهل السنة، قال: لا، أهل السنة إمام إيران! فتأمل رجوعه، رجع إلى الحور بعد الكور، مرة أخرى لمجرد أنك طعنته في مشاعره، إذ إنه أول ما يسمع الخميني يقول لك: إلا هذا! ونترك العجم ونتكلم عن العرب: جماعة التكفير -وهم خوارج العصر- يجمعون أنفسهم إلى الآن بعد أن دخلوا السجون وخرجوا منها، وتجدهم جميعاً على قلب رجل واحد، وإذا دخل بينهم رجل لم يكن منهم حاولوا جاهدين خلعه كما يخلع أحدنا ضرسه؛ لأن ولاءهم لبعضهم وليس لغيرهم، وهكذا كل صاحب بدعة لا تزال البدعة تؤثر وتعمل في قلبه عملاً عظيماً وإن تظاهر بغير ذلك، ونحن لا ننفي قط
стр. 56
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل قادر
[وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (والله لأن يهدي الله بهداك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)]، وهذا فيه أعظم حافز لدعوة الناس إلى الله ، حتى ولو كانت ثمرة الدعوة على مدار الأعوام العديدة واحداً، (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق).
ويقول النبي ﵊: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).
وذهب النبي ﵊ ليزور طفلاً يهودياً في مرض موته ليدعوه، فلما ذهب إليه النبي ﵊ دعاه إلى الحق، وإلى طريق الإسلام، فنظر الغلام إلى أبيه فقال أبوه: (يا غلام! أطع أبا القاسم، فنطق الغلام بالشهادتين، فخرج النبي ﵊ ووجهه يتهلل ويقول: الحمد لله الذي أعتق بي رقبة من النار)، أي: رقبة واحدة.
فالدعوة إلى الله واجبة على كل قادر عليها، أما النتيجة فهي على الله ، وإن قلت ثمرتها فإنه لا حرج في ذلك، والسلف ﵃ كانوا يأتون بكلمات ثم لا ينتظرون النتائج وكانوا يفعلون ما أمروا به؛ لأنهم يعلمون أن ثمرة هذا الكلام وهذه الدعوة على الله دون سواه.
[وقال الحسن: أن رسول الله ﷺ قال: (ما أنفق عبد نفقة أفضل عند الله من نفقة قول)]، والعلم يزكو بالدعوة والعمل، وهذا كلام علي بن طالب وابن سيرين وابن المبارك وغيرهم من أهل العلم.
قال: والعلم يزكو بالدعوة والعمل.
أي: يزيد وينمو كلما دعوت إلى الله ، ولذلك الذي يدعو إلى الله يتعلم أكثر ممن لا يدعو إلى الله .
ولذا لو أن شخصين يحضران مجالس العلم، أحدهما يدعو بما تعلم ويعمل به، والآخر يكتفي من العلم بالسماع والحفظ فقط، ولا يعمل به أو لا يدعو إليه، فيكاد هذا الذي لا يدعو أن ينسى ما تعلمه، بخلاف الذي يدعو فإنه يحتاج في كل دعوة أن يذكر وأن يتذكر وأن يراجع، وأن يدرس ما تعلمه، حتى يتمكن من تبليغه للناس، ودعوة الناس إليه وبه، فهذا أدعى لتثبيته في القلوب، ولذلك فزكاة العلم ونماؤه هي الدعوة إليه ومدارسته ومراجعته، وغير ذلك مما كان يفعله السلف.
[وقال ابن مسعود: قال النبي ﷺ : (لم يكن نبي قط إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يتبعون أمره ويهتدون بسنته، ثم يأتي من بعد ذلك أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، يغيرون السنن، ويظهرون البدع، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن, وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة خردل)].
ففي الحديث بين النبي ﵊ أن أول هذه الأمة على الخير والبركة والرحمة، وأن حوارييه ﵊ على الإيمان التام، وهم أصحابه الكرام الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، لكن يأتي من بعدهم أمراء وسلاطين يقولون ما لا يعملون، ويعملون ما لا يؤمرون، يُظهرون البدع ويميتون السنن، يكيدون للإسلام ليل نهار، وينقضون عراه عروة عروة.
ثم بين النبي ﵊ أن على هؤلاء الحواريين ومن سلك نهجهم إلى قيام الساعة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قوله: (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن)، أي: إذا كان هذا المنكر لا يزول إلا باليد فواجبٌ أن نزيله باليد، وإذا عجزوا عن التغيير باليد جاهدوهم باللسان والدعوة والبيان، وإذا عجزوا عن ذلك فلا أقل من أن ينكروا بقلوبهم، ويفارقوا مواطنهم ولو بالهجرة من بلاد المعصية إلى بلاد الإيمان، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان، كما روي عند مسلم من حديث أبي سعيد في الإنكار على هؤلاء، قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، أي: لا إيمان بعد ذلك، وفي رواية: (وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة خردل)؛ لأن تغيير المنكر بالقلب في مقدور كل إنسان، إذ لا سلطان لأحد على قلبك إلا لله ، فأنت بإمكانك أن يتمعر وجهك، وأن تهجر وتفارق مكان المعصية، فإن عجزت عن التغيير باليد أو باللسان، فلا أقل من أن تهجر مكان المعصية مخافة أن ينزل العقاب فيعم الجميع.
[وقال أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة -: جزى الله عنا خيراً من أعان الإسلام بشطر كلمة]، وجزى الله تعالى شراً من أعان على هدم الإسلام ولو بشطر كلمة.
стр. 57
الأسئلة
стр. 58
ما يفعله من دخل المسجد أثناء الخطبة أو الدرس العلمي
السؤال
إذا دخلت المسجد أثناء الدرس فهل أصلي أولاً أم أنصت إلى الدرس؟
الجواب
إذا دخلت المسجد فصل ركعتين خفيفتين، ثم الحق بدرس العلم، والنبي ﵊ يقول: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، ومجلس العلم إما أن يكون خطبة جمعة، أو درس علم، أو مادة شرعية، أو غير ذلك، وكل هذا لا ينفي أن تصلي ركعتين، ولذلك أتى عثمان بن عفان ﵁ مسجد النبي ﵊ في يوم جمعة والنبي ﵊ يخطب، فجلس عثمان ولم يركع ركعتين، فأمره بعد أن جلس جلوساً خفيفاً أن يصلي ركعتين، وعثمان ﵁ اعتقد أن الإنصات للخطبة أولى من صلاة ركعتين، وفي رواية: (صل ركعتين وتجوز فيهما)، أي: لك أن تصلي ركعتين خفيفتين.
стр. 59
حكم توزيع الإنسان تركته على ورثته قبل وفاته
السؤال
والدي قسم بيننا قبل وفاته بمدة، والآن بعد عام إخوتنا لم يعطونا حقنا، ويقولون لنا: بعد ثلاث سنوات، وأمي تشجعهم على ذلك، وأنا وأختي في أمس الحاجة إلى المال، ومنعتني من دخول بيت أبي لو أصررنا على طلبنا هذا، والآن هي معي في المسجد، ونريد من حضرتكم الإفادة، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
على أي حال هذا كلام عظيم انتشر بين المسلمين.
فأولاً: لا ينبغي للأب أن يوزع تركته على ورثته قبل موته؛ لأن الميراث ما سمي ميراثاً إلا لتوزيعه بعد الوفاة، أما قبل الوفاة فلا، وأنتم تعلمون أن الهبة أو العطية بين الأولاد ليس فيها للذكر مثل حظ الأنثيين، وإنما إذا أراد الأب أو الأم أن توزع على الأولاد ما تملكه أو ما يملكه، فيجب التوزيع بالتساوي، فإذا أعطى البنت ألفاً وجب عليه أن يعطي الولد ألفاً، وإذا أعطى الولد مائة ألف يعطي البنت مائة ألف؛ لأن هذه هبة وعطية، وحديث النعمان بن بشير عندما أتى أبوه إلى النبي ﵊ ليستشهده على عطية أو نحلة نحلها أحد أولاده، فقال النبي ﵊: (أكل ولدك نحلت مثل هذا؟)، أي: أكل أولادك أعطيته مثلما أعطيت لهذا؟ (قال: لا يا رسول! قال: اذهب فأشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور).
وهذا أمر منه ﵊ يفيد التقريع والتوبيخ، لا جواز الإشهاد على هذا الجور، والشاهد من الحديث قوله: (أكل ولدك نحلته مثل هذا؟)، أي: أعطيته مثل ما أعطيت لهذا، قال: لا، فاعتبره النبي ﵊ جوراً، لأن هذه هبة لا يصح أن تكون تركة؛ لأن توزيع الشيء في حياة المورث لا يسمى ميراثاً، وإنما يسمى هبة وعطية ونحلة ومنحة، كل هذا يلزم فيه التساوي، ولا تأخذ فيه البنت نصف ما يأخذ الولد.
وأنا أنصح هذه الأم، وأنصح الأبناء الذكور أن يجمعوا الميراث كاملاً، أو يساووا التركة كاملة، ثم يقسموها من جديد: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، بعد أن تأخذ الأم من ميراث زوجها الثمن ما دام لها أولاد، ثم توزع بقية التركة بين الذكور والإناث للذكر مثل حظ الأنثيين.
وأقول: هذا إذا كنتم تحبون وتحترمون هذا الرجل الذي قضى حياته في خدمتكم وتربيتكم، وتعب تعباً شديداً بالليل والنهار لأجل إسعادكم، فلا تكونوا أنتم أول من يشقيه ويعذبه في قبره، فإنه الآن يعذب في قبره والله تعالى يعلم ذلك؛ بسبب أنه جار في هذه الوصية، أو جار في هذا الميراث، فإما أن يكون هذا حدث منه جهلاً، وإما أن يكون حدث منه عناداً ومحبة لأبنائه الذكور على حساب البنات.
وهذه الأم لا تأمن أن يصنع بها أولادها بعد موتها كما صنعت هي وأولادها بزوجها، فتشقى كذلك في قبرها، وهي ستموت وستعرض على الله ، ويكلمها كما يكلم أحدنا أخاه مشافهة ليس بينها وبين الله ترجمان -ولله المثل الأعلى- ويسألها عن هذا الجور وعن هذا الظلم، فلا يكون لديها جواب صحيح سديد تجيب به عن نفسها، وإن شاء الله عذبها وإن شاء غفر لها ويدخلها الجنة، وهذا الكلام لكل واحد، فإن البنات مظلومات في هذا الزمان، فلا يعطين من التركة إلا القليل، ويظن الذكور أن الحق كل الحق لهم، مع أن هذا لا يصح؛ لأن العقيدة الصحيحة السليمة تقول: إن الباطل لابد من زواله، يمحق الله الربا مهما كثر، ويربي الصدقات وينميها ليعمل بالحلال.
وهذه قصة لإحدى الأمهات دعتني لتوزيع التركة، فقال كبير القوم أو كبير الإخوة: يا شيخ! إذا كان عندك أن البنات ترث فلا نحتكم إليك في أول المجلس! فقلت: الأمر لكم، فرد جميع الرجال -إذا كانوا رجالاً، وإذا صح أنهم رجال-: أن البنات لا ترث من الأرض، وكانت هذه الأرض قطعة واحدة، والفدان الواحد بمائة وعشرين ألف جنيه، وعندهم فدان واحد بنوا عليه بيتاً عظيماً جداً بلغ إحدى عشرة غرفة، وعندهم مكان كبير يدرسون فيه المحاصيل، وبستان عظيم جداً فيه الكثير من الثمار وغير ذلك، ثم قالوا: ليس للبنت الواحدة إلا خمسمائة جنيه! أو ليس لهن كلهن إلا هذا! ونحن متفقون مع البنات على هذا، فسألت إحدى البنات فقالت: أنت ستقطع عيشتنا يا فلان! وإذا بها قد أغشي عليها حينما سمعت المبلغ المقسم من وراء الستار، وبعد جدال وأخذ ورد استمر حتى سمعنا أذان الفجر لم يصل أكثر من خمسمائة جنيه! فقلت: هذه المرة تتنازلن عن الخمسمائة جنيه وتحتسبن كامل حقكن عند الله ، وبينكن وبين إخوتكن الثلث الأخير من الليل.
فتصور أن معظم الأمة بهذا الشكل، يتعاملون مع الدين بذكاء لمصلحتهم، أما عليهم فلا لا دين ولا مصلحة ولا علم، ولا من هذه الأشياء نهائياً.
والعجيب أن البنات والصبيان حفظوا القرآن الكريم، وأنسى الله ﵎ القرآن كله أربعة من الرجال حتى صغار السن، وكان هذا قبل الميراث، لكن بقي واحد منهم على حفظ القرآن الكريم، وهو إنسان بصراحة، أما أحدهم وهو الكبير فقد كان صاحب متجر كبير جداً في شركة حكومية، وقد احتال عليه أحد التجار أن يأخذ رشوة في مقابل أن يسجل
стр. 60
حكم صيام الزوجة عن زوجها المتوفى
السؤال
توفي زوجها وعليه صيام رمضان، فهل تصومه عنه أو تفطر؟
الجواب
لو صامت فهو أولى؛ لقوله ﵊: (من مات وعليه صيام فليصم عنه وليه)، أما المرأة التي لا تقوى على الصيام فلا بأس أن تفدي عنه كل يوم إطعام مسكين.
стр. 61
ما يجب على الرجل إذا دخل على المرأة وهي تصلي
السؤال
لو دخل رجل أجنبي على امرأة وهي تصلي، فهل تقطع صلاتها أم تكمل الصلاة؟
الجواب
تكمل الصلاة، ويجب على من دخل عليها أن يغض بصره، وعلى المرأة أن تكمل صلاتها، وإذا كانت تلبس نقاباً فلها أن تنزله على رأسها.
стр. 62
الحكم على حديث (سبحانك اللهم وبحمدك)
السؤال
يسأل عن حكم حديث كفارة المجلس: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)؟
الجواب
حديث حسن.
стр. 63
حكم قراءة سورة العصر عند الانصراف من المجلس
السؤال
هل ثبت عند السلف قراءة سورة العصر عند الانصراف من المجلس؟
الجواب
الإمام ابن كثير يرجح مثل ذلك، وكنت قد بحثت هذا الأثر الذي يقضي بقراءة سورة العصر، فلما وقف على ذلك شيخنا العلامة الشيخ محمد عمرو عبد اللطيف -وهو معروف بعلمه، إذ إنه بحر في سنن النبي ﵊ قال: أرجو أن تراجع الأثر في سورة العصر، ولا تتعجل فإنها إلى الثبوت أقرب.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 64
شرح كتاب الإبانة - ذكر ما افترض الله تعالى في التنزيل من طاعة الرسول ﷺ
لقد قرن الله طاعة رسوله ﷺ بطاعته في مواضع كثيرة من كتابه، وجعل أمره كأمره، وأعقب ذلك بالوعيد الشديد، والزجر والتهديد لمن حاد عن أمره أو خرج عن طاعته، أو ابتدع في سنته، ولقد بين لنا سبحانه طريق محبته، وأرشدنا إلى سبيل هدايته بأقصد المذاهب، وأقرب المسالك، حين أعلمنا أن محبة الله هي متابعة نبيه ﷺ .
стр. 65
باب ذكر ما افترضه الله تعالى نصاً في التنزيل من طاعة الرسول ﷺ
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
الباب الذي نحن بصدده باب يحث على أصل عظيم من أصول الإيمان والإسلام، ألا وهو طاعة الرسول ﷺ .
في هذا الباب يسرد الإمام ابن بطة ﵀ الآيات والأحاديث التي أمرت بطاعته ﵊، ثم يعرج على موقف السلف، وخاصة أصحابه ﵊ من طاعته ﷺ .
стр. 66
بعث الله لمحمد ﷺ رحمة للعالمين ومهيمناً على النبيين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر ما افترضه الله تعالى نصاً في التنزيل -أي: في كتاب الله من طاعة الرسول ﷺ .
أما بعد.
فإن الله بعث محمداً ﷺ رحمة للعالمين ومهيمناً على النبيين].
قوله: (مهيمناً) أي: مسيطراً على النبيين الذين سبقوه، أو ناسخاً لجميع الشرائع والملل السابقة، كما أن القرآن الكريم ناسخ لجميع الكتب السماوية التي نزلت من السماء، ولذلك فببعثته ﵊ لا يحل لأحد أن يزعم أنه تابع لموسى أو لعيسى أو لغيرهما من الأنبياء؛ لأن النبي ﵊ بمجرد بعثته قد نسخ جميع الشرائع، وليس في وسع أحد من الأنبياء لو كان حياً إلا اتباع النبي ﷺ ، ولذلك قال ﵊: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)، وسينزل عيسى ﵇ في آخر الزمان، ويكون فرداً من أفراد الأمة الإسلامية، سيكون تابعاً للنبي ﵊، فيدعو بالقرآن والسنة، ويضع يده في يد المهدي المنتظر الذي سيظهر في آخر الزمان، وهو من آل بيت النبي ﵊، كما أن اسمه يوافق اسمه، ثم يخرب المسيح ﵇ رموز الكفر عند النصارى، ويتبرأ منهم تبرئة عظيمة عند باب لدٍّ في فلسطين، التي يزعم اليهود الآن والنصارى معهم أنهم يهيئون المنطقة العربية كلها لنزول المسيح على رأس الألفية، فإنهم زعموا في الألف الأولى أن عيسى سينزل، ولكنهم دائماً لا يقولون عيسى، إنما يقولون: سينزل المهدي أو ينزل المسيح، فالنصارى يزعمون أن المسيح هو عيسى بن مريم، واليهود يزعمون أنه المسيح الدجال.
على أية حال خيب الله تعالى آمالهم وسعيهم في الألفية الأولى، كما خيب سعيهم وآمالهم في الألفية الثانية التي كانوا ينتظرونها منذ عدة أشهر، وهكذا الله ﵎ يخيب اليهود والنصارى في كل سعيهم وفي كل حربهم، وفي أموالهم التي ينفقونها، ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون، وهذا وعد الله .
стр. 67
بعث الله لرسوله ﷺ ببيان ما أجمل من الكتاب ووجوب طاعته في ذلك
ثم قال: [ونذيراً بين يدي عذاب شديد، بكتاب أحكمت آياته وفصلت بيناته، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بيَّن فيه مناهج حقوق افترضها، ومعالم حدود أوجبها؛ إيضاحاً لوظائف دينه، وإتماماً لشرائع توحيده، كل ذلك في آيات أجملها بألفاظ اختصرها أدرج فيها معانيها، ثم أمر نبيه ﷺ بتبيين ما أجمل، وتفصيل ما أدرج، فقال جل ثناؤه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]].
أي: أنزلنا إليك يا محمد القرآن على سبيل الإجمال دون التفصيل؛ لتبين للناس ما أنزل إليك في القرآن على سبيل الإجمال، فالنبي ﵊ إنما قام مع شرع ربه بمثابة المبين والمفسر والموضح، والمزيل للإشكالات العامة التي جاءت في كتاب الله ، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤].
ثم قال: [وفرض على الخلق أجمعين طاعة رسوله، وقرن ذلك بطاعته، ومتصلاً بعبادته، ونهى عن مخالفته بالتهديد، وتوعد عليه بأغلظ الوعيد في آيات كثيرة من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣١ - ١٣٢]].
فالله عقد المقارنة بين من تنكب طريق الطاعة للنبي ﵊، وبين من أطاع الله وأطاع الرسول ﷺ ، فهؤلاء من أولي رحمة الله .
стр. 68
ذكر بعض الآيات التي توجب طاعة الرسول وتقرنها بطاعة الله تعالى
ثم قال: [وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]] أي: فإن تولوا عن طاعتك يا محمد، فهذا التولي إما أن يكون كفراً اعتقادياً مخرجاً من الملة، وإما أن يكون كفراً عملياً، لكنه على أية حال فهو في الجملة نوع كفر.
ثم قال: [وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]] ينفي الله ﵎ في هذه الآية الإيمان عمن لم يقبل حكم النبي ﵊، ولم يرض به ولم يسلم له تسليماً، قال: ((فَلا وَرَبِّكَ)) يبدأ الآية بالقسم، ((لا يُؤْمِنُونَ))، نفي للإيمان، ((حَتَّى يُحَكِّمُوكَ)) أي: حتى يقبلوا تحكيمك يا محمد في كل المنازعات والخصومات التي تنشأ بينهم، ((ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ)) يعني: يرضون بحكمك تمام الرضا، حتى لا يحيك في نفس أحد منهم مما قضيت وحكمت شيء، إنما يخرج من عندك بهذا القضاء الذي قضيت به راضياً بما قضيت، ثم يسلموا لك الأمر تسليماً؛ لأنك المبين عن الله وأنت رسوله الكريم.
ثم قال: [وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩].
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء:٨٠]] كأن الله يسلي نبيه بقوله: من أطاعك يا محمد فهو منك وأنت منه، لا بد من عقد الولاء بينك وبينه، أما من عصاك وتولى عنك ولم يرض بحكمك، فإن الحرب تنتقل إلى الله ، هو الذي يتولى أمرها: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء:٨٠].
يعني: هذا فيه نوع من المعنى الذي قال الله : ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]، فالذي يتولى الكيد لهؤلاء الكائدين هو الله ، ومن ذا الذي يفلح إذا كاد الله له، فالحرب تنتقل مباشرة بين هؤلاء وبين النبي ﵊ إلى حرب بينهم وبين المولى ، فهو الذي يتولاهم.
стр. 69
قول الله في طاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر وبيان معنى ذلك
ثم قال: [وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩]].
(أَطِيعُوا اللَّهَ) استقلالاً، (وأَطِيعُوا الرَّسُولَ): استقلالاً، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما قال: (وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ)، وهذا يدل على أن أولياء الأمور لا طاعة لهم مستقلة عن طاعة الله وطاعة الرسول ﵊، فإذا أمر أولو الأمر بأمر هو في طاعة الله وطاعة الرسول ﵊ فبها ونعمت، كذلك إذا أمروا بأمر مباح لم يأت فيه أمر ولا نهي في كتاب الله ولا في سنة رسوله وجب على المأمور أن يلزم هذا الأمر؛ لأن أمر الأمير والسلطان والوالي إذا كان في دائرة المباح فهو ملزم للمأمور، أما إذا أمر الأمير والسلطان بل والخليفة العام، إذا أمر بأمر هو في معصية الله ومعصية رسوله الكريم؛ فإن هذا الأمر لا يلزم أحداً من المسلمين، بل لو أنفذه المأمور لكان شريكاً للأمير في الإثم، ولذلك أرسل النبي ﵊ سرية وأمر عليهم عبد الله بن حذافة السهمي، فأمرهم أن يؤججوا ناراً ثم يقذفوا بأنفسهم فيها، قالوا: أيها الأمير والله إنا منها قد فررنا.
يعني: نحن ما آمنا بالنبي ﵊ إلا فراراً من النار، فكيف تأمرنا أن نلقي بأنفسنا فيها؟! قال: إنما أنا أمير.
وظن أن طاعته واجبة النفاذ في كل ما يأمر وينهى، في الحق والباطل، والخير والشر، والطاعة والإثم، فلم يفعلوا، فلما رجعوا إلى النبي ﵊ حكوا ما كان من أمرهم، فقال النبي ﵊: (والذي نفسي بيده لو أنكم أطعتموه ما خرجتم منها أبداً) أي: لو أنكم أطعتم أمر الأمير في معصية الله ما خرجتم من النار أبداً؛ للحديث الثاني: (لا يحرق بالنار إلا رب النار)، وفي رواية: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) فالذي له هذه الخاصية هو الله وحده دون أحد سواه لا أمير ولا غفير ولا خليفة ولا شيء من هذا، إلا بعض الأمور قد استثناها أهل العلم من هذه القاعدة العامة، مثل باب القصاص، قالوا: من أحرق أخاه بالنار اقتص منه بالنار، والجزاء من جنس العمل.
يعني: لو قام عليك أحد فأحرقك بالنار متعمداً، فالقصاص منه لا يكون بمجرد القتل، وإنما يكون بالقتل عن طريق الحرق؛ لأن هذا من نوع العذاب الذي أوقعه على صاحبه، هذا الكلام ذكره الإمام النووي، ونقل أن هذا هو مذهب جماهير العلماء، ومنهم من أنكر ذلك بالكلية.
كما أن علي بن أبي طالب ﵁ غالت فيه الشيعة وقالت: إنه إله.
فلما علم ﵁ بمقالتهم أمر بجمعهم، فجمعوا له وأجج ناراً، ثم أمر بإلقائهم في النار، فألقوا فيها.
ومن الناس من يقول: إن علياً لم يحرقهم على الحقيقة، والذي يترجح لدي أنه أحرقهم بالفعل، ولكن عبد الله بن سبأ لما علم بما كان من أمر علي ﵁ واستطاع أن يهرب من الحرق، وفي أثناء هربه قال: الآن أيقنت أنه هو الله؛ لأنه لا يحرق بالنار إلا رب النار، فهو لم يستسلم، وإنما استشهد بقوله ﵊: (لا يحرق بالنار إلا رب النار) على زعمه الباطل! وربما يدور في بعض الأذهان: لماذا أحرقهم علي بن أبي طالب بالنار؟
الجواب
ربما لم يبلغ علياً ﵁ هذا النهي الذي نهاه النبي ﵊، ولذلك أنكر عليه كثير من أصحابه.
ثم يحتمل أنه علم بالنهي، ولكنه خالف النهي لما رأى عظيم خطر هؤلاء، فأراد أن يجعلهم عبرة للعالم بأسره؛ حتى لا يجرؤ على هذه المقولة أحد بعدهم، وليس لأهل العلم أقوال في فعل علي بن أبي طالب غير هذين القولين.
وقوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) التنازع بمعنى الاختلاف، وتقدير الآية: فإن اختلفتم في شيء فردوا هذا التنازع والخصام والاختلاف إلى الله وإلى الرسول ﵊.
وإن فعلنا ذلك فهذا علامة إيماننا بالله ورسوله؛ لأنه قال: (إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).
стр. 70
تفسير عكرمة وميمون بن مهران لقوله تعالى (وأولي الأمر منكم)
قال: [عن عكرمة في قول الله : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].
قال: هما أبو بكر وعمر].
أي: بعد الرد إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول ﵊ نرد أمورنا كلها إلى أبي بكر وعمر.
وهذا الكلام له معنيان: الأول: أن ذلك كان في زمان عكرمة، ولم يكن الأمير في زمانه إلا ما كان من إمرة أبي بكر ثم من إمرة عمر ﵃؛ لأن هذا الكلام محمول على أنه قاله في إمرة عمر، فولي الأمر في زمان عكرمة بعد النبي ﵊ هو أبو بكر ثم عمر.
الثاني: أن يكون مقصود كلام عكرمة أنه يجب الرد إلى أولياء الأمور وخاصة الخلفاء الراشدين، فلما لم يكن من الخلفاء غير أبي بكر وعمر في زمانه أوجب الرد إليهما، وكأنه يدلنا على أصل أصيل من الأمور التي يجب على أصحاب الصحوة أن يحفظوها ويعوها جيداً، وهو أن أصول العلم كما قال ابن القيم: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فهذه أصول العلم عند أهل السنة والجماعة، الرد إلى الله في كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ في حياته وإلى سنته بعد مماته، وإجماع أهل العلم، وخاصة ما أجمع عليه الخلفاء الراشدون أو العشرة المبشرون ﵃ وعن أصحاب النبي ﷺ أجمعين.
قال: [وعن ميمون بن مهران في قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] قال: الرد إلى الله إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ إن قبض إلى سنته] أي: وإن كان حياً فإلى شخصه وذاته الكريمة ﷺ .
стр. 71
وجوب طاعة النبي ﷺ والتحذير من عصيانه
[قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٣ - ١٤]].
مقابلة أهل الطاعة بأهل المعصية، وجزاء الصالحين بجزاء العاصين، فإن أطاع فله الجنة خالداً فيها، وإن عصى وتعدى حده فله النار خالداً فيها كذلك.
ثم قال: [وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء:١٠٥].
أي: بما يوافق الواقع الذي يعيشه العالم، فهذا الكتاب نزل بالحق لتحكم به يا محمد بين الناس بما أراك الله.
قال العلماء: إن الله أنزل كتابه، وجعل لنبيه البيان، وأرسل نبيه وجعل لأهل العلم اجتهاداً، فلا غنى عن الرسول ﵊ ولا عن سنته، كما أنه لا غنى لعامة الناس عن أهل العلم الذين يستنبطون من كلام الله ، وكلام النبي ﵊ باجتهادهم، وبالأدوات التي ملكوها من الحِكَم والعظات والأحكام والفوائد من كلام الله ، ومن كلام رسوله الكريم ﷺ ؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.
ثم قال: [وقال الله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:٩٢]].
أي: ليس على الرسول إلا البلاغ، فإن توليتم عن طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، فإن الله ﵎ يجازي من تولى بتوليه أن يصليه جهنم.
ثم قال: [وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١]]، فجعل شرط الإيمان هو طاعة النبي ﵊.
ثم قال: [وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤]].
فالحياة الحقيقية هي حياة الإيمان، ولا إيمان إلا بطاعة الرسول ﵊.
стр. 72
الأمر بطاعة الله ورسوله والتحذير من التنازع والاختلاف
قال: [وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]].
أي: لا تضربوا الكتاب بالسنة، ولا تضربوا السنة بالكتاب، كما لا تتنازعوا في كتاب الله ، فتضربوا آياته بعضها ببعض، وتضربوا سنة النبي ﵊ بعضها ببعض؛ لأن الكتاب والسنة خرجا من مشكاة واحدة، وهي مشكاة الوحي، وإذا كانت المشكاة واحدة، فليس هناك تعارض ولا تفرق؛ لأنه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فلما لم يكن فيه اختلاف قليل ولا كثير، دل على أنه من عند الله ، فوجب الرجوع إليه وعدم التنازع فيه، فالنتيجة المترتبة على التنازع والنزاع: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] أي: تذهب قوتكم.
стр. 73
من شعار أهل الإيمان والفلاح السمع والطاعة لله ولرسوله ﷺ
قال: [وقال الله : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١]].
هذا شعار أهل الإيمان، بخلاف شعار بني إسرائيل الذين قالوا: سمعنا وعصينا.
انظر إلى أهل الجحود والنكران وإلى أصحاب الإيمان، هؤلاء قالوا: سمعنا، وهؤلاء كذلك قالوا: سمعنا، فكل منهم سمع، ولكن شتان بين سماع هؤلاء وسماع هؤلاء، فبنو إسرائيل ما زادوا في كلام الله على مجرد السمع بآذانهم، فأعقبهم الله عصياناً وجحوداً؛ لأنهم لم يتقبلوا كلام الله بالقبول الحسن: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣]، فختم الله على قلوبهم بالكفر، أما أهل الإيمان فقالوا: (سمعنا) أي: سماع إجابة، كقولك في الصلاة: سمع الله لمن حمده، مع أن الله تعالى يسمع من حمده ويسمع من لم يحمده، يسمع كل شيء من إيمان وكفر، فما فائدة قولك: سمع الله لمن حمده؟ أي: استجاب الله دعاء من دعاه، فسماع المولى في قولك: سمع الله لمن حمده، أي: سماع إجابة، وكذلك المؤمنون إنما يقولون: (سمعنا وأطعنا) أي: أجبنا الله إلى قوله، وأجبنا الرسول ﵊ إلى قوله كذلك.
إذاً: سماع أهل الإيمان سماع إجابة، بمجرد أن تسمع الأمر والنهي تمتثل اعتقاداً وقولاً وعملاً، هذا هو الإيمان، فالإيمان قول وعمل، عمل بالقلب والجوارح، وقول باللسان.
أما عمل القلب فإنه الإيمان والتصديق، وأما عمل الجوارح فأن تظهر نتيجة الإيمان القلبي على الجوارح، فيصلي ويصوم ويزكي ويحج، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وغير ذلك من امتثال الأمر واجتناب النهي، ويسبق هذا كله نطق اللسان، بعد أن يشهد العبد أنه قد آمن بالله ورسوله.
стр. 74
عدم الرضا بحكم الشرع واللجوء إلى حكم القوانين خلل في الاعتقاد
قال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].
الواحد منا أحياناً لا يرضى بحكم المحكم في الغالب، وإنما يرضى بقضاء القاضي رغماً عن أنفه، فالفرق بين القاضي والحكم في هذه القوانين الوضعية، أن حكم القاضي ملزم للخصمين شاءا أم أبيا، والقاضي يملك صفة التنفيذ على الخصمين شاءا ذلك أم أبيا.
ولا بد أن تعلم قبل هذا أن القاضي ربما وافق قضاؤه حكمَ الله وربما خالف، وهو في كل الأحوال ملزم له، وفي غالب الأحوال أنه مخالف لحكم الله ، خاصة في ظل هذه القوانين الوضعية التي هي زبالات عقول البشر، أما المحكم فإنه في الغالب إما أن يكون ارتضاه الخصمان من باب العادة، وإما يكون قد ارتضاه الخصمان امتثالاً لحكم الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥]، يعني: يأتي شيخ أو رجل من أهل العلم يرتضيه الخصمان حَكَمَاً بينهما، يقضي بينهما بما أنزل الله وبما قضى به رسوله ﵊، فالرجل العالم يجتهد ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فلو وافق حكمه حكم الله فلا بد أنه يرضي أحد الخصمين ولا يرضي الآخر، فيتنكب هذا الخصم الطريق؛ لأنه يعلم أن حكم هذا الحاكم أو المحكم لا يملك قوة التنفيذ، فيرفضه، وهو يعلم أن هذا هو كلام الله، وأن هذا هو حكم الله، فمن فعل ذلك فليعلم أنه داخل تحت قول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥]؛ لأنه رضي بحكومة هذا المحكم رجاء أن يصل إلى أمر يرضيه هو لا أمر الشرع.
فمهمة القاضي والمحكم إظهار حكم الله وإظهار حكم الرسول ﷺ ، لكن القاضي في هذا الزمان يزيد عن المحكم أنه يملك سلطة التنفيذ، لكن المحكم لا يملك هذا، ولذلك يستهين به الخصوم، مع أنه عند الله أولى من هذا القاضي الجاهل بكلام الله والجاهل بكلام الرسول ﵊، وهؤلاء الناس إنما يرضون بحكمه إذا وافق هواهم، فهؤلاء ما أطاعوا الله في هذا التحكيم، وما أطاعوا رسوله الكريم ﷺ ، فويل لهم ثم ويل لهم.
ومع هذا ينتقلون من عند هذا المحكم إلى القاضي، وربما حكم القاضي بنفس ما حكم به المحكم، لكن لا يجرؤ واحد منهما أن يقول: إن هذا الحكم لا يعجبني؛ لأنه يعلم أن الحبس مصيره، ويعلم أن القتل مصيره، ويعلم ما يملكه القاضي من سلطة تنفيذية، فما بالنا لا نرضى بحكومة أهل العلم، وبقضاء أهل العلم، وبفصل أهل العلم في المنازعات؟! ولماذا نلجأ إلى هذه القوانين الباطلة الزائفة المستوردة من هنا وهناك، ولا نلجأ إلى أصحاب الدين وأصحاب المنهج السليم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟! لماذا لا تقبل أنت حكومة العالم الذي يقضي في قضيتك التي ربما تبقى في المحاكم عشرات السنوات؟ لماذا لا تقبل حكم المحكم العالم بكتاب الله وسنة رسوله في مجلس واحد؟ متى يكون هذا الكلام واقع الناس وحياة الناس وقلوب الناس، ودين الناس؟ أنتم تعلمون ما نحن فيه من ذل وهوان، ورب السماء والأرض ما هذا إلا بسبب البعد عن كتاب الله وعن سنة الرسول ﷺ ، فأنا لا أخاطب الفساق ولا الفجار، وإنما أخاطب أهل المساجد وأهل الصلاة، وأصحاب اللحى، وصاحبات النقاب هذه البلايا فينا قبل غيرنا، فمتى نرجع؟ نحن الشيوخ والعلماء وطلاب العلم متى نرجع أولاً قبل الناس إلى الله ؟ وحذار أن تتصور أنني أخاطب الفجرة أو الفساق، أو المجرمين، وإنما أخاطب نفسي أولاً ثم أخاطبك بعد ذلك: متى العودة إلى الله ؟ لا بد أن تعلم أن هذا خلل في العقيدة، فلا تظن أن هذا خلل في المسلك أو في المنهج، هذا -والله- خلل في الاعتقاد، فأنت موقوف ومسئول، والله تعالى يسألك ليس بينك وبينه ترجمان، يوم أن تنظر أيمن منك فلا ترى إلا ما قدمت، وتنظر أشأم منك فلا ترى إلا ما قدمت، ثم تنظر تلقاء وجهك فلا ترى إلا النار، والله قادر على أن يقذف جميع عباده في النار ولا يبالي: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
الله ﵎ لا يخاف عاقبة الأمور، لا أحد يلومه: لم ألقيت عبادك في النار، والله لا يظلم الناس مثقال ذرة، فإذا أدخلك الجنة فبفضله، وإذا أدخلك النار فبعدله، وراجع عملك ثم حاسب نفسك: هل تستحق الجنة بما قدمت من عمل؟ لا والله، ليس أحد منا يستحق الجنة بعمله، وإنما الجنة بفضل الله ورحمته، ولذلك إذا قذفك في النار مهما كنت عابداً فليس بظالم لك، فقدم اليوم ما ترجوه غداً، واحذر اليوم ما تهرب منه غداً.
стр. 75
طاعة الله ورسوله سبب حصول العبد على الفوز والرحمة والهداية
قال: [قال: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢].
وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦].
وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]].
فالهداية في طاعة الرسول ﵊، (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا): وعد وبشارة منه سبحانه.
следующие страницы →