← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أسماء بعض السلف الذين يعيبون على من لا يستثني قال: [وعن جرير بن عبد الحميد الضبي قال: كان الأعمش ومنصور ومغيرة والليث وعطاء بن السائب وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسيب وابن شبرمة وسفيان الثوري وأبو يحيى صاحب الحسن وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون من لا يستثني]. فهؤلاء من السلف ذهبوا إلى وجود الاستثناء في الإيمان، والسبب أن بعض أهل السنة يقول: يجب الاستثناء في الإيمان، والبعض يقول: يجوز، والبعض يقول: يستحب، وهؤلاء جمهور أهل العلم.

стр. 737

كلام ابن مهدي وأحمد والثوري في الاستثناء في الإيمان قال: [قال المروذي: وسمعت بعض مشايخنا يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: إذا تُرك الاستثناء فهو أصل الإرجاء]. قال: [وعن أحمد بن حنبل ﵀ قال: ما أدركت أحداً من أصحابنا إلا على الاستثناء. قال يحيى: وكان سفيان يكره أن يقول: أنا مؤمن]، أي: أنه إذا سئل: أأنت مؤمن؟ يقول: آمنت بالله وكتبه ورسله. قال: [وقال سفيان: الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث]، أي: في الأحكام التي هي الأوامر والنواهي، الحلال والحرام وغير ذلك، والمواريث، فيورثون العبد ويرثون من العبد؛ لأنه مات على الإسلام الذي نعلمه منه يقيناً، ومع هذا الإسلام أصل الإيمان. قال: [الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث، ونرجو أن يكون ذلك ولا ندري ما حالنا عند الله؟] أي: من كمال الإيمان وتمامه.

стр. 738

سبيل المؤمنين الاستثناء والخوف والرجاء قال: [فهذه سبيل المؤمنين وطريق العقلاء من العلماء لزوم الاستثناء والخوف والرجاء، لا يدرون كيف أحوالهم عند الله، ولا كيف أعمالهم، أمقبولة هي أم مردودة؟ قال الله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]. وأخبر عن عبده الصالح سليمان ﵊ في مسألته إياه: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل:١٩]. أفلا تراه كيف يسأل الله الرضا منه بالعمل الصالح؛ لأنه قد علم أن الأعمال ليست بنافعة وإن كانت في منظر العين صالحة، إلا أن يكون الله قد رضيها وقبلها]، أي: ممكن أن يكون العمل في أعين الناظرين إليه عمل صالح، لكن الله تعالى لم يتقبله، فكيف ينتفع به العامل؟ ولذلك قال سليمان: ((وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا)) أي: يا رب! ارزقني أن أعمل عملاً صالحاً. قال: [وهذا لا يقدر على حتمه وجزمه] بالقبول [إلا جاهل مغتر] كالمرجئة، [نعوذ بالله من الغرة بالله والإصرار على معصية الله، أما ترون رحمكم الله إلى الرجل من المسلمين قد صلى الصلاة فأتمها وأكملها، وربما كانت في جماعة وفي وقتها، وعلى تمام طهارتها، فيقال له: صليت؟ فيقول: نعم إن قبلها الله]. مع أنه بإمكانه أن يقول: نعم صليت، فيذكر بأنه قد صلى، لكنه حينما قال: صليت إن قبلها الله؛ لأنه يعلم أن حقيقة الصلاة هي المقبولة. قال: [وكذلك القوم يصومون شهر رمضان فيقولون في آخره: صمنا إن كان الله قد تقبله منا]، وإلا فلا ينفعنا وإن كنا قد صمنا. قال: [وكذلك يقول من قدم من حجه بعد فراغه من حجه وعمرته وأداء جميع مناسكه إذا سئل عن حجه إنما يقول: قد حججنا ما بقي غير القبول، وكذلك دعاء الناس لأنفسهم عند انقضاء شهر رمضان وفي الأعياد وغير ذلك، وبهذا مضت سنة المسلمين، وعليه جرت عاداتهم، وأخذه خلفهم عن سلفهم، فليس يخالف الاستثناء في الإيمان ويأبى قبوله إلا رجل خبيث مرجئ ضال قد استحوذ الشيطان على قلبه، نعوذ بالله منه]. قال: [وقال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: كان سليمان بن حرب يحمل الاستثناء على التقبل]، أي: إذا سئل: أأنت مؤمن؟ يقول: نعم إن شاء الله، يقصد بالمشيئة القبول لا التمام والكمال، [ويقولون: نحن نعمل ولا ندري أيتقبل منا أم لا]. قال: [وقال الوليد: سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز لا ينكرون أن يقولوا: أنا مؤمن، ويأذنون في الاستثناء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله]. فالذي جزم من السلف بأنه مؤمن بغير استثناء إنما تكلم عن أصل الإيمان، وجماهير أهل السنة على الاستثناء. قال: [قال جرير بن عبد الحميد: الإيمان قول وعمل]. يزيد وينقص، وزيادته ونقصانه تتعلق بالعمل. وكما قلنا من قبل: الرجل يعمل العمل ولما يدري أقبله الله تعالى منه أم لا، فينبغي أن يعلق زيادة الإيمان ونقصانه على مشيئة الله . قال: [وكان الأعمش ومنصور ومغيرة والليث وعطاء وإسماعيل بن السائب وابن أبي خالد وعمارة والعلاء وغير واحد يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون من لا يستثني]. قال: [وقال أحمد بن حنبل: إذا قال الرجل: إني مؤمن إن شاء الله فليس هو بشاك]، خلافاً لقول المرجئة الذين يقولون: إذا قال الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله فهو يشك. قال: [فقيل له: إن شاء الله ليس هو شكا. قال: معاذ الله، أليس الله تعالى يقول: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]]؟ أي: هل الله تعالى شك في دخوله؟ الجواب لا. قال: [وصاحب القبر إذا قال عليه: أبعث إن شاء الله، فأي شك هاهنا. وقال النبي ﵊: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)]، فلا يمكن أن يكون هذا شكاً. قال: [وعن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يخرج إذا كانت ليلة عائشة، إذا ذهب الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم أهل ديار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم وما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)]. والنبي ﷺ على يقين من كلامه. قال: [وعن أبي هريرة أن النبي ﵊ أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)]. قال: [وقال أحمد بن حنبل لما سئل عن الاستثناء: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فاستثني مخافة واحتياطاً، ليس كما يقولون على الشك، إنما يستثني للعمل]. أي: أنه يستثني

стр. 739

كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول الاستثناء في الإيمان فـ ابن تيمية في كتاب الإيمان في الجزء السابع من مجموع الفتاوى يقول: وأن الاستثناء في الإيمان بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، فالناس فيه على ثلاثة أقوال: فمنهم من أوجبه حتى لا يزكي نفسه؛ لأنه لا يقول ذلك على جهة الشك، والذين أوجبوا الاستثناء قالوا: دفعاً للتزكية، وأنهم يقولونها لا على سبيل الشك بل على سبيل تفويض كمال الإيمان وتمامه لله . ومنهم من يحرمه، وهم المرجئة والجهمية، وذلك على أصلهم في تعريف الإيمان بأنه التصديق أو المعرفة، وأنه لا يتصور الاستثناء؛ لأن الاستثناء عندهم شك في أصل الإيمان، ومن شك في أصل الإيمان لا يتصور إلا إلى الكفر. ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين، أي: باعتبار كمال الإيمان وتمامه لا بد أن يستثني، وباعتبار أصل الإيمان فلا يستثني. قال: وهذا أصح الأقوال، أي: المذهب الذي يقول: إنه أحياناً يكون الجزم بالإيمان واجباً، وأحياناً يكون الاستثناء في الإيمان واجباً أو جائزاً. والذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ونحوهم، ممن يجعل الإيمان شيئاً واحداً يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب ونحو ذلك مما في قلبه. فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، وكما أعلم أني قرأت الفاتحة، وكما أعلم أني أحب الله ورسوله، وأني أبغض اليهود والنصارى، فقولي: أنا مؤمن كقولي: أنا مسلم، وكقولي: تكلمت بالشهادتين، وقرأت الفاتحة، وأنا أبغض اليهود والنصارى، ونحو ذلك من الأمور الحاضرة التي أنا أعلمها من نفسي يقيناً وأقطع بها، وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله، لا يجوز: أنا مؤمن إن شاء الله، لكن إذا كان يشك في ذلك فيقول: فعلته إن شاء الله، قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه، وسموهم الشاكة. والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان، واعلم أن هناك بعض الناس من أهل البدع أوجبوا الاستثناء، لكن ذهبوا في الوجوب إلى علة أخرى غير التي عند أهل السنة والجماعة، أي: أن فريقاً من أهل البدع قالوا بأن الاستثناء في الإيمان واجب، وذلك لعلة تسمى الموافاة، وهي: أن يفي الرجل إلى الله يوم القيامة بالأعمال، أي: العمل الذي يقدم به العبد على ربه. كما قالوا كلاماً هو شراً من ذلك، فقالوا: الله سبق في علمه أن فلاناً سيموت على الكفر، ولا خلاف عندنا أن الله تعالى يعلم ذلك من عبده، فهو مؤمن الآن يعمل الصالحات، لكنه يختم له بالكفر والردة، أي: أن عمله هذا كله لا قيمة له، وأنه لا يثاب عليه؛ لأنه قد سبق في علم الله أنه سيوافيه يوم القيامة مرتداً وكافراً. وكذلك الصورة العكسية أن هذا العبد كافر عابد للأصنام والأوثان. قال: فلا يزال الله ﵎ يحبه حتى وإن كان عابد وثن؛ لأن الله تعالى سبق في علمه أن هذا العبد سيموت على الإيمان أو سيوافيه بالإيمان. ولذلك يقولون: لا بد من الاستثناء في الإيمان، وذلك لعلة الموافاة التي لا يعلمها العبد من نفسه، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أي: باعتبار قدومه على الله، هل يقدم عليه كافراً أو يقدم عليه مؤمناً؟ وعلة الموافاة هذه لم يقل بها إلا المبتدعة. ولذلك يقولون: محبة الله ﵎ لعبده لا تتغير، وسخط الله ﵎ على عبده لا يتغير، فلا يزال الله ﵎ ساخطاً على عبد من عباده أبداً، عمل صالحاً أو سيئاً؛ لعلم الله تعالى أنه سيختم له بالكفر والردة. كذلك فالله تعالى يرضى عن عبده وإن كان عابد وثن؛ لعلمه أن هذا العبد سيوافيه على الإيمان. فهذه عند المبتدعة اسمها: علة الموافاة، ونحن قلنا: إن فريقاً من أهل السنة قالوا بوجوب الاستثناء في الإيمان، فهل لعلة الموافاة؟ لا، وإنما عدم تزكية، وأنهم لا يقولون ذلك على سبيل الشك، بل على سبيل إيكال حقيقة الإيمان لله ، أما الاستثناء في الإيمان فينبغي أن يكون في كمال الإيمان وتمامه وحقيقته، أما أصل الإيمان الذي هو محل الردة ومحل الكفر، فلا استثناء فيه. وهذا الوجه الأول من الأوجه التي أوجب الله ﵎ لها الاستثناء، وهذا الوجه عند أهل البدع. الوجه الثاني كذلك في الاستثناء في الإيمان: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله ﵎ به وترك المحرمات، إذ إن الإيمان المطلق أو الإيمان الكامل متعلق بالعمل، والعمل عبارة عن أمر ونهي.

стр. 740

كلام الإمام أحمد في الاستثناء فإذا كان كمال الإيمان وتمامه مرتبطاً بالعمل الذي هو الأمر والنهي، وأنا غير متأكد من قيامي بواجب الأمر والنهي، ففي هذه الحالة إذا سئلت عن كمال الإيمان وتمامه أكل الأمر إلى الله وأقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ولذلك قال رجل لـ أحمد بن حنبل: قيل لي: أمؤمن أنت؟ فقلت له: نعم، وهل الناس إلا مؤمن وكافر؟ فغضب أحمد بن حنبل غضباً شديداً وقال: هذا كلام الإرجاء؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٠٦]، وذلك لما ذكر الله تعالى أهل الإيمان وأهل الكفر ذكر فئة ثالثة فقال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: يوم القيامة يفصل بينهم. فإذا كان الناس مؤمناً وكافراً فليس هناك داع لهذا الفريق الثالث الذي يرجئ أمره إلى الله يوم القيامة، وهم أصحاب الكبائر، فليس بمؤمن كامل الإيمان، وليس بكافر بكبيرته، ولذلك أصحاب الكبائر مؤمنون بإيمانهم فساق بكبائرهم، وفي يوم القيامة إن شاء الله عذبهم وإن شاء غفر لهم. إذاً مشيئة الله ﵎ في أهل الكبائر في الآخرة، ومعنى (مرجون): مؤخرون. وبالتالي ليس الناس مؤمناً وكافراً فحسب، بل مؤمن وفاسق وكافر. قال: إن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لنفسه بما لا يعلم. أما قول أحمد قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٠٦] من هؤلاء؟ ثم قال أحمد: أليس الإيمان قولاً وعملاً؟ قال الرجل: بلى، قال: فجئنا بالقول؟ قال: نعم، قال: فجئنا بالعمل؟ قال: الأمر لله، أي: ومن يجرؤ أن يأتي يوم القيامة ويقول: أنت أمرتني بالقول والعمل، ووعدتني على القول والعمل بالجنة، وأنا قد آمنت بالله، وما كنت أمل ولا أكل من قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكنت أصوم وأصلي وأزكي، فهيا أدخلني الجنة الآن! هل أحد يستطيع أن يقول هذا لله؟ مع أن الله وعد بأن من قال وعمل دخل الجنة، لكن هل هذا يلزم الله تعالى؟ لا يلزمه؛ لأن العبد لا يزعم أنه قد عمل، وإن زعم أنه قد قال؛ فلأن القول محقق ولا يقبل منه إلا إذا كان معه أصل الإيمان، أما العمل فلا يسع إنساناً أن يزعم أنه قد حقق كمال الإيمان وتمامه بتمام العمل وكماله. قال: فهل جئنا بالعمل؟ قال الرجل: لا، قال: فكيف نعيب أن يقول: إن شاء الله ويستثني؟ وقال أبو داود: أخبرني أحمد بن أبي شريح أن أحمد بن حنبل كتب إليه في هذه المسألة: أن الإيمان قول وعمل، فجئنا بالقول ولم نجئ بالعمل، فنحن نستثني في العمل. إذاً أنا حينما أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فإني أستثني في العمل. قال: والقبول متعلق بفعله كما أمر، فكل من اتقى الله في عمله ففعله كما أمر، فقد تقبله الله منه، لكن هل العمل يجزم بالقبول؟ الجواب لا. وعن أبي طالب قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: لا نجد بداً من الاستثناء؛ لأنهم إذا قالوا: مؤمن، فقد جاء بالقول، وإنما الاستثناء بالعمل لا بالقول. وعن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان: أن الإيمان قول وعمل، فقد جئنا بالقول ونخشى أن نكون فرطنا في العمل، فيعجبني أن يستثنى العبد في الإيمان فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وسمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن قول النبي ﷺ : (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، الاستثناء هاهنا على أي شيء يقع؟ قال: على البقاع، لا يدري أيدفن في الموضع الذي سلم عليه أم في غيره، ولذلك قال النبي ﵊ لأهل البقيع: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، ولم يدفن في البقيع، وإنما دفن في الموضع الذي مات فيه، فعلم أن أحمد وغيره من السلف كانوا يجزمون ولا يشكون في وجود ما في القلب من الإيمان في هذه الحال، ويجعلون الاستثناء عائداً إلى الإيمان المطلق المتضمن فعل المأمور، ويحتجون أيضاً بجواز الاستثناء فيما لا يشك فيه، وهذا وإن كنا لا نشك فيما في قلوبنا من الإيمان، فالاستثناء فيما يعلم وجوده قد جاءت به السنة؛ لما فيه من الحكمة. قال: وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء في الإيمان؟ فقال: نعم، الاستثناء على غير معنى الشك، مخافة واحتياطاً للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره، وهذا مذهب الثوري، قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَا

стр. 741

باب سؤال الرجل لغيره أمؤمن أنت، وكيف الجواب له، وكراهية العلماء هذا السؤال وتبديع السائل عن ذلك وبقيت مسألة متممة لهذا الأمر وهي: هل يجوز توجيه هذا السؤال أم لا؟ أي: هل لك أن تسأل الآخر فتقول له: هل أنت مؤمن؟ الجواب لا، قولاً واحداً عند السلف، وبالتالي فجوابنا أو كلامنا في المسألة السابقة جواز الاستثناء أو وجوب الاستثناء فيما إذا وجه السؤال، مع الحكم على السؤال بأنه بدعة؛ لأن السلف لم يتوجهوا بهذا السؤال قط بل ذموه، وقد [سأل رجل ميمون بن مهران فقال: قال لي: أمؤمن أنت؟ قال: قل: آمنت بالله وملائكته وكتبه. قال: لا يرضى مني بذلك، قال: فردها عليه. فقال: لا يرضى، فردها عليه ثم ذره في غيظه يتردد]. أي: أن واحداً يقول لـ ميمون بن مهران: واحد سألني فقال لي: أمؤمن أنت؟ ماذا أقول له؟ قال: قل له آمنت بالله وملائكته وكتبه، قال: لا يرضى مني بذلك، فهو يريد جواباً محدداً، فقال: أعدها عليه، يعني: قل له: آمنت بالله وملائكته وكتبه، قال: لا يرضى مني بذلك، قال: ردها عليه، قال: إذا رددتها لا يرضاها مني، قال: ردها عليه ثم ذره في غيظه يتردد، أي: حينما يسألك: أنت مؤمن؟ قل له: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. [وكان طاوس إذا قيل له: أمؤمن أنت؟ قال: آمنت بالله وملائكته ورسله وكتبه، لا يزيد على ذلك]. [وقيل لـ إبراهيم: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله]. [وقال ابن سيرين: إذا قيل لك: أنت مؤمن؟ فقل: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق]. [وقال إبراهيم: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: لا إله إلا أنت]. [وقال إبراهيم: إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: أرجو]، أي: أن أكون كذلك. [وقال إبراهيم النخعي: سؤال الرجل: أمؤمن أنت؟ بدعة]. [وقال: إذا سئلت: أنت مؤمن؟ فقل: لا إله إلا الله، فإنهم سيدعونك]، أي: لو قلت لهم: لا إله إلا الله سيتركوك. [وقال إبراهيم: سؤال الرجل الرجل: أمؤمن أنت؟ بدعة]. [وقال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إذا سئلت أمؤمن أنت؟ إن شاء لم يجبه وسؤالك إياي بدعة]، أي: إن شاء أن يجيبه بالاستثناء، وإن شاء أن يدع الجواب، بل يتهمه في سؤاله ويقول: وسؤالك إياي بدعة، [ولا أشك في إيماني]، الذي هو أصل الإيمان، [ولا يعنف من قال: إن الإيمان ينقص أو قال: مؤمن إن شاء الله وليس يكره، وليس بداخل في الشك]. [وقال روح بن عبادة: كتب رجل إلى الأوزاعي: أمؤمن أنت حقاً؟] وكلمة (حقاً) هذه تفهم بأن السؤال متوجه لكمال الإيمان. قال: أمؤمن أنت حقاً؟ أي: أن هذا الغبي لم يجد غير الأوزاعي إمام الدنيا في زمانه في ديار الإسلام، ووالله لو كان الأوزاعي يعيش لما كان أحد من اليهود يجرؤ أن يقرب جهة لبنان أو سوريا أبداً، لكن الأوزاعي قد مات، [قال: فكتب إليه: كتبت تسألني أمؤمن أنت حقاً؟ والمسألة في هذا بدعة، والكلام فيه جدل، ولم يشرحه لنا سلفنا، ولم نكلفه في ديننا]. أي: نحن لسنا بمكلفين شرعاً أن نسأل هذا السؤال. قال: [سألت أمؤمن حقاً؟ فعلمري لئن كنت على الإيمان فما تركي شهادتي لها بضائري]. أي: لو أنك حققت كمال الإيمان وتمامه حقاً، فلو أني تركت الجواب عليك فهذا لا يضرني؛ لأني عند الله مؤمن إذا كان الله يعلم ذلك مني. قال: [وإن لم أكن عليه]، أي: على الإيمان الكامل التام عند الله، ويعلم الله ذلك مني، [فما شهادتي لها عندك بنافعتي، فقف حيث وقفت بك السنة]. وهذه كلمة جميلة جداً، وقد كان سفيان الثوري يقول: قف حيث وقفت بك السنة، ولا تحكن جلدك بظفرك إلا بدليل، أي: إن شئت ألا تحك جلدك بظفرك إلا بدليل فافعل؛ لأن هذا دين، وهذا إيمان. قال: [فقف حيث وقفت بك السنة، وإياك والتعمق في الدين، فإن التعمق ليس من الرسوخ في العلم؛ إن الراسخين في العلم قالوا حيث تناهى علمهم: آمنا به كل من عند ربنا]. ولم يزيدوا ولم يتكلفوا ولم يتنطعوا في العلم. [وقال أبو إسحاق الفزاري: قال الأوزاعي في الرجل يسأل الرجل: أمؤمن أنت؟ فقال: إن المسألة عما تسأل عنه بدعة، والشهادة به تعمق لم نكلفه في ديننا ولم يشرعه نبينا، ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام، القول به جدل، والمنازعة فيه حدث]، أي: أمر محدث، [ولعمري ما شهادتك لنفسك بالتي توجب لك تلك الحقيقة إن لم تكن كذلك عند الله، وتركك الشهادة لنفسك بها بالتي تخرجك من الإيمان إن كنت كذلك عند الله، وإن الذي يسألك عن إيمانك ليس يشك في ذلك منك، ولكنه يريد لينازع الله علمه في ذلك حتى تزعم أن علمه وعلم الله في ذلك سواء، فاصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم، وقد كان أهل الشام في غفلة من هذ

стр. 742

شرح كتاب الإبانة - القول في المرجئة وإنكار العلماء مذاهبهم بدعة المرجئة من شر ما ابتدع في الإسلام، فقد عطلوا أحكام الشريعة وجعلوا الأعمال لا علاقة لها بالإيمان، وقد ورد في ذمهم والإنكار عليهم الكثير من النصوص والآثار، وقد أنكر عليهم الصحابة والتابعون وأئمة المذاهب وعلماء الأمصار.

стр. 743

ما ورد في ذم المرجئة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [القول في المرجئة وما روي فيه، وإنكار العلماء لسوء مذاهبهم]. وقد جاء عن النبي ﷺ بعض الأحاديث ولم يصح في ذم المرجئة مرفوعاً عنه ﵊ شيء. منها حديث [أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ما بعث الله نبياً قط قبلي اجتمعت له أمته، إلا كان فيهم مرجئة وقدرية يشوشون عليه أمر أمته من بعده، ألا وإن الله لعن المرجئة والقدرية على لسان سبعين نبياً أنا آخرهم)]. ومن طريق [أنس ﵁، أن النبي ﵊ قال: (صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي أو لا يدخلون في شفاعتي: المرجئة والقدرية)]. وكلا الحديثين ليس بصحيح.

стр. 744

فتنة المرجئة أشد على الأمة من فتنة بعض فرق الخوارج قال: [وجاء عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: لفتنتهم عندي -أي: فتنة المرجئة عندي- أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة]، والأزارقة هم قوم من الخوارج، وهم أتباع نافع بن الأزرق الذي قُتل في زمن عبد الله بن الزبير وقد خرج عليه. [وقال الزهري: ما ابتدع في الإسلام بدعة أضر على أهله من هذه، أي: الإرجاء. وعن الأوزاعي قال: كان يحيى وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم]، أي: عند أهل السنة، [على هذه الأمة من الإرجاء]. [وعن جعفر الأحمر قال: قال منصور بن المعتمر في شيء: لا أقول كما قالت المرجئة الضالة المبتدعة]. [وقال حجاج سمعت شريكاً وذكر المرجئة، فقال: هم أخبث قوم، حسبك بالرافضة خبثاً، ولكن المرجئة يكذبون على الله ]. [وقال عبد الله بن حبيب يروي عن أمه قالت: سمعت سعيد بن جبير: وذكر عنده المرجئة فقال: مرجئة هذه الأمة كاليهود]؛ لأن اليهود ضالون كما أخبر النبي ﵊ في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، قال: (المغضوب عليهم هم اليهود، والنصارى ضالون). قال: والله تعالى غضب على اليهود؛ لأنهم عرفوا الحق ولم يعملوا به، والنصارى عملوا بغير ما علموا، وهذا نوع من أنواع الضلال، بل هو أعظم أنواع الضلال أن يتقرب المرء إلى الله بهواه بغير نص أو أثر. فالله تعالى غضب على اليهود؛ لأنهم علموا الحق فلم يتبعوه، وكذلك المرجئة علموا أن دين الله تعالى بعد القول مبني على العمل، وهم يزعمون أن العمل لا علاقة له بالإيمان، وليس من الإيمان في شيء، فإيمان من قال: لا إله إلا الله وإن ترك جميع الأوامر وارتكب جميع النواهي كإيمان جبريل وميكائيل، فهذا من حيث الضلال ضلال عظيم جداً؛ ولذلك شبههم علماء السنة باليهود. [وقال المغيرة بن عتيبة عن سعيد بن جبير قال: المرجئة يهود القبلة]، يعني: هم كاليهود في صفاتهم، غير أنهم لا يزالون من أهل القبلة. والعلماء يفرقون بين مصطلح أهل السنة وأهل القبلة، فالرجل من أهل السنة أي: أنه عامل بأصول الإيمان وفروعه، معتقد لذلك، داع إليه. أما من كان من أهل القبلة وليس من أهل السنة فهذا الذي هو قائم على بدعة غير مكفرة، فهو لا يزال من أهل الإسلام ومن أهل القبلة؛ لكن هيهات أن يكون من أهل السنة. [وقال سعيد بن جبير: المرجئة مثل الصابئين]، الصابئون في زمان نبي من الأنبياء، هم الذين زاغوا ومالوا عن طريق الحق، وسلكوا طريق الزيغ والضلال. [وعن حذيفة قال: إني لأعلم أهل ذينك الدينين في النار]، أي: أصحاب بدعتين في النار، كما قال ﵊، قال: [قوم يقولون: إن الإيمان كلام]، يعني: لو قال المرء: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهذا هو منتهى وكمال وتمام الإيمان. قال: [وقوم يقولون: ما بال الصلوات الخمس؟] يعني: من أين أتيتم بأن الصلوات خمس؟ [إنما هما صلاتان]، صلاة في أول النهار وصلاة في آخر النهار، وهاتان الصلاتان كل صلاة منهما ركعتان فحسب، كما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨]، فاستدل بالقرآن على أن الصلاة صلاة في أول النهار وفي آخره. [وعن عطاء بن السائب قال: ذكر سعيد بن جبير المرجئة فضرب لهم مثلاً، فقال: مثلهم كمثل الصابئين أتوا اليهود فقالوا لليهود: ما دينكم؟ قالوا: اليهودية، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: موسى، قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة، ثم أتوا النصارى فقالوا: من أنتم، وما دينكم؟ قالوا: نحن النصارى وديننا النصرانية، قالوا: فما كتابكم؟ قالوا: الإنجيل، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: عيسى، قال: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة، قالوا: فنحن بين ذين]، يعني: لا نحن يهود ولا نحن نصارى، نحن بينكما. كيف يدخل الجنة رجل لا يرضى قبل بعثة محمد ﵊ باليهودية ولا بالنصرانية، وإنما اختار لنفسه ديناً وسطاً بين هذين الدينين؟ هذا الدين وسط بين الملتين وبين الدينين، ليس هو دين السماء ولا شريعة السماء ولا تابعاً لنبي، ولا عنده عهد موثق وميثاق غليظ بدخول الجنة، فكيف لرجل يختار لنفسه ديناً وهوى ومذهباً لم يكن به أدلة من السماء؟ [وقال إبراهيم: لأنا لفتنة المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة].

стр. 745

عيب أئمة الإسلام على المرجئة كثرة التحول في الدين [وقال وكيع: حدثني القاسم بن حبيب عن رجل يقال له: نزار عن عكرمة عن ابن عباس، قال: صنفان من هذه الأمة ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية]. [وقال أيوب بن أبي تميمة السختياني: قال لي سعيد بن جبير: ألم أرك مع طلق؟] وهو طلق بن حبيب المرجئ الكبير المعروف، وهو من رواة السنة، [قلت: بلى فما له؟] يعني: ما عيبه؟ [قال: لا تجالسه فإنه مرجئ، قال أيوب: وما شاورته في ذلك، ولكن يحق للمسلم إذا رأى من أخيه ما يكره أن يأمره وينهاه]. يعني: ولم أكن قد استشرته في ذلك، وإنما يجب على المسلم إذا رأى أخاه على معصية أو على خطر أو على ضلالة أن يحسن به الظن، وربما أنه لا يعرف أن هذا ضلال، وليأمره ولينهه ولو بغير طلب منه. [وقال قتادة: إنما أحدث الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث]. [وسئل ميمون بن مهران عن كلام المرجئة فقال: أنا أكبر من ذلك]، يعني: أنا لا يمكن أقول بهذا القول، وهذا القول عندي فاسد بين الفساد، لا أقول به وأنا أكبر من ذلك. [وقال العلاء بن عبد الله بن رافع: إن ذراً أتى أبا عمرو وسعيد بن جبير في حاجة له فقالا: لا] أي: لا نقضي لك حاجتك [حتى تخبرنا على أي دين أنت اليوم]. ولذلك عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول: من لم يتخذ السنة ديناً أكثر التحول، يعني: يكون كل يوم على مذهب، اليوم خارجي، غداً معتزلي، بعد غدٍ مرجئي، قدري، إباضي، شيعي وهكذا؛ لأن كل هذه الفرق فرق ضلال، وضلالها سواء، فهو متى أعجبته فكرة ينتقل إليها. وقد رأينا رجلاً أكاديمياً صنف كتاباً في الفلسفة الإسلامية، أي: الاعتقاد، خلط فيه بين جميع ملل الإسلام غير مذهب أهل السنة والجماعة، إذا تكلم في قضية من القضايا أتى فيها بأقوال أهل البدع كلهم ولم يذكر مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، رجل يأخذ بما يناسب عقله، فالذي يعجبه من أي ملة من الملل يقصه ويلصقه أو يخطه في هذا الكتاب، فهذا كلام عجيب جداً! أن يعمى المرء عن الحق ثم يتخبط في غياهب الظلام بالليل والنهار. قال: [لا، حتى تخبرني على أي دين أنت اليوم أو رأي أنت اليوم؟ فإنك لا تزال تلتمس ديناً قد أضللته، ألا تستحي من رأي أنت أكبر منه؟]. [وقال محمد بن ذكوان لـ حماد: كان إبراهيم يقول بقولكم في الإرجاء، فقال: لا، كان شاكاً مثلك. [وقال جعفر الأحمر عن أبي جحاف قال سعيد بن جبير لـ ذر: يا ذر! مالي أراك في كل يوم تجدد ديناً؟] يعني: تنتقل من دين إلى دين، ومن ملة إلى ملة، ومن مذهب إلى مذهب، ومن فرقة إلى فرقة، غير أنك بعد لم تلتمس طريق الحق، وهو طريق أهل السنة والجماعة. [وقال أبو المختار: شكا ذر سعيد بن جبير إلى أبي البختري الطائي فقال: مررت فسلمت عليه فلم يرد علي]، أي: فلم يرد علي السلام، مع أن رد السلام أمر واجب، ومع هذا أجمع العلماء على أنه إذا كان الرجل المُسَلِّمُ صاحب بدعة وخطره محقق فالمقاطعة أولى حتى وإن كان في الواجبات، مثل رد السلام. [فقال أبو البختري لـ سعيد بن جبير فقال سعيد: إن هذا يجدد في كل يوم ديناً، لا والله لا كلمته أبداً]. [ومر إبراهيم التيمي بـ إبراهيم النخعي فسلم عليه فلم يرد عليه]، أي: لأنه مرجئ. [وقال رجل: رآني أبو قلابة وأنا مع عبد الكريم]، وهو ابن عجرد زعيم العجاردة، كان إمام مذهب من مذاهب الضلال. [فقال: مالك ولهذا الهزء]، يعني: هذا الإنسان السخيف المبتدع، كأنه يحذره المشي معه. [وقال أبو حمزة التمار الأعور: قلت لـ إبراهيم: ما ترى في رأي المرجئة؟ قال: أوه]، كأنه يستعظم ذلك، وهي كلمة تقولها العرب، ثم قال: [لفقوا قولاً فأنا أخافهم على الأمة والشر من أمرهم، فإياك وإياهم]، فهو يحذره، ويبين له أنهم شر طائفة على الإسلام. [وصف ذر الإرجاء وهو أول من تكلم فيهم، ثم قال: إني أخاف أن يتخذ ديناً، فلما أتته الكتب من الآفاق قال: فسمعته بعد يقول: فهل أمر غير هذا!]. يعني: لما دعا ذر إلى مذهب الإرجاء، ونشر أمره هنا وهناك، فأتى عليه الرد من هنا وهناك، فلما وقف على الردود المكتوبة بأقلام العلماء، قال: لو كان غير ذلك، أي: لنجحنا وأفلحنا، كأنه يظهر استياءه الشديد لرد العلماء عليه وأنهم عطلوا عليه نشر دعوته. قال: أو شيء غير ذلك؟ يعني: كان يتمنى أن

стр. 746

ما لم يكن ديناً في عهد الصحابة فليس ديناً لمن بعدهم قال: [وقال إبراهيم: إن القوم لم يدخر الله عنهم شيئاً خبئ لكم لفضل عندكم]. ولذلك نحن دائماً نقول: إن المقياس في ميزان الحق والباطل ما كان عليه السلف، وما وسع السلف يسعنا، وما لم يسع السلف لا يسعنا، وهذه أصول لأهل السنة والجماعة. ولذلك لو نظرنا إلى أي فرقة من فرق الإسلام لا نجد عليها أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، فـ أبو بكر ﵁ لم يكن معتزلياً، ولا قدرياً، ولا شيعياً، ولا مرجئاً، ولا خارجياً، ولا إباضياً، ولا أحداً من أصحاب النبي ﵊. إذاً: لا يمكن أبداً، وهذه حجة عقلية وإذا كان الإرجاء خيراً فلماذا يخفيه الله على نبيه وعلى أصحاب نبيه ثم يظهره لنا، أنحن أكرم على الله من هؤلاء؟! ولذلك قال مالك: وما لم يكن يومئذ ديناً فليس اليوم ديناً، وهذا مالك الذي مات سنة (١٧٤) أو (١٨٥) هجرية، يقول: وما لم يكن يومئذ -يعني: عند الصحابة- ديناً فليس اليوم ديناً، يعني: لا يصلح أن يكون ديناً أبداً، وهذا في القرن الثاني الهجري، فما بالكم بالقرن الخامس عشر الهجري، من باب أولى ألا يكون ديناً. ما رأيكم فيمن صنف النبي ﵊ أول صوفي في الإسلام، أيصح هذا؟ وأبو بكر الصديق ثاني صوفي في الإسلام، وعمر بن الخطاب ثالثهما وهكذا، هذا يخلط في الموازين التي هي عندنا، ألا تعلمون بهذه الكتب؟ هذه سلسلة من الكتب. وكذا تكلم عن النبي ﵊، وبعد ذلك تكلم عن الخلفاء الراشدين، ثم العشرة المبشرين بالجنة، فأصابته المنية فمات، الحمد لله الذي أراحنا منه.

стр. 747

التحذير من مجالسة المرجئة والتأثر بأقوالهم في الإيمان قال: [فاحذروا رحمكم الله مجالسة قوم مرقوا من الدين، فإنهم جحدوا التنزيل وخالفوا الرسول، وخرجوا عن إجماع علماء المسلمين، وهم قوم يقولون: الإيمان قول بلا عمل]، يعني: فإن هذا هو أس البلاء عند المرجئة؛ وأهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، وهذا كلام متين جداً، الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. عند المرجئة الإيمان قول بغير عمل، والأحمق فيهم ينص على أن العمل لا علاقة له بالإيمان، وخطورة هذا الكلام أن من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة لزاماً، وإن ارتكب جميع الموبقات وترك جميع الأوامر؛ لأن الأوامر والنواهي أعمال تحتاج إلى امتثال. إذاً: ليستا بواجب؛ سيستوي عندهم من امتثل مع من عصى. قال: [ويقولون: إن الله فرض على العباد الفرائض ولم يرد منهم أن يعملوها]، أتتصور أن هذا كلام عاقل؟ وهو أن الله لم يرد منا الصلاة ولا الصيام ولا الزكاة، ولا الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، أي: أن الله أمرنا بأوامر ونهانا عن أشياء، لكن لم يرد حقيقة الأمر ولا حقيقة النهي! هذا الكلام تخريف، هذا الكلام لا يقبله صاحب العقل المريض، فما بالك بالعقل السليم؟! قال: [وليس بضائر لهم]، أي: لا يضرهم، [أن يتركوها، وحرم عليهم المحارم فهم مؤمنون وإن ارتكبوها]. يعني: الواحد يقول: ربنا حرم علي إتيان المحارم، والجمع بين الأختين، وأنا سأجمع بين الأختين، أمرني ألا أنكح ابنتي أو أمي، وأنا سأنكح ابنتي وأمي، هل هذا ممكن؟! أو يقول: أنا أعلم يقيناً أن الله تعالى حرم علي نكاح الأم من النسب أو من الرضاعة، وهذه أمي من النسب وأنا أشهدكم أني سأتزوجها، مع علمي بالتحريم، لأن الله ما أراد مني حقيقة هذا التحريم، هل يكون هذا مسلماً؟ لا يمكن. كمن يطأ المصحف بقدمه وهو يقول: أنا أؤمن أن الله تعالى أنزل هذا الكتاب، وهو كلامه الذي نزل من اللوح المحفوظ بواسطة جبريل على قلب محمد ﵊، لا يكون هذا مسلماً، وهو ما زاد على كونه عمل عملاً. ئإذاً: من الأعمال ما يكفر بها العامل، ومن الأعمال ما يفسق بها العامل. قال: [وإنما الإيمان عندهم أن يعترفوا بوجوب الفرائض وإن يتركوها، ويعرفوا المحارم وإن استحلوها، ويقولون: إن المعرفة بالله إيمان يغني عن الطاعة]، وهؤلاء هم الجهمية، يقولون: الإيمان هو المعرفة فقط. والمرجئة يقولون: الإيمان هو التصديق، وهو قول بلا عمل. والنطق بالشهادتين عند الجهمية لا يلزم في ثبوت الإسلام والإيمان، بل يكفي أن يكون عارفاً بقلبه، وفرعون عارف بقلبه، وإبليس شيخ العصاة كان عارفاً بقلبه، وقد أقر بربوبية الله ، فهل يكون إبليس على هذا المذهب مؤمناً كامل الإيمان، أو فرعون مؤمناً كامل الإيمان؟ قال: [وإن من عرف الله تعالى بقلبه فهو مؤمن، وإن المؤمن بلسانه والعارف بقلبه مؤمن كامل الإيمان، كإيمان جبريل، وإن الإيمان لا يتفاضل ولا يزيد ولا ينقص، وليس لأحد على أحد فضل، وإن المجتهد والمقصر والمطيع والعاصي جميعاً سيان]. يعني: الذي يصلي مثل الذي لا يصلي، والذي يصوم مثل الذي لا يصوم، والذي يقوم الليل مثل الذي لا يقوم الليل، والطائع كالعاصي؛ لأن الإيمان ليس له تفاضل. التفاضل في الإيمان باعتبار العمل، فلما لم يكن العمل عندهم من الإيمان دل على نفي التفاضل في الإيمان، وبالتالي فهو لا يزيد ولا ينقص، وليس لأحد على أحد فضل، وإن المجتهد والمقصر والمطيع والعاصي جميعاً سواء عند المرجئة وعند الجهمية. قال الشيخ: [وهذا كله كفر وضلال، وخارج بأهله عن شريعة الإسلام، وقد أكفر الله القائل بهذه المقالات في كتابه، والرسول ﵊ كفره في سنته، كما كفره جماعة العلماء باتفاقهم، وكل ذلك فقد تقدم القول فيه مفصلاً في أبوابه. وللقائل إن المعرفة إيمان فقد افترى على الله ، وفضل الباطل على الحق، وجعل إبليس وإبراهيم خليل الرحمن وموسى الكليم في الإيمان سواء]، يعني: جبريل مثل إبراهيم ومثل موسى ومثل محمد ﵊؛ لأنهم جميعاً يعرفون أن الله تعالى حق. قال: [لأن إبليس قد عرف الله فقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]]، فهو يعترف لله بربوبيته، [وقال: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ [الحجر:٣٦]، وكذا قال إبراهيم ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]]، فالذي قاله إبليس قاله إبراهيم، والذي قاله إبراهيم قاله إبليس، وهو الاعتراف بالربوبية. [وقال موسى: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص:١٧]]، أي: فكل هذا إقرار بربوبية الله ، اشترك فيه الأنبياء وإبليس كذلك. [ويلزمه على أصل مذهبه الخبيث أن يكون من آمن بالنبي ﷺ من أصحابه وأهل بيته ومن جاهد معه، وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وهاجروا إليه، والذين كذبوه وحاربوه في الإيمان عندهم سواء]. أي: لأن هؤلاء أطاعوا محمداً، وهؤلاء عصوا

стр. 748

الرد على استدلال المرجئة بمثل حديث (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) قال: [هذا أبو جهل قد عرف بقلبه وعلم أن محمداً رسول الله ﷺ ، فيلزم صاحب هذه المقالة]، وهي: الإيمان قول بلا عمل، أو الإيمان معرفة بلا قول، [أن يلحقه في الإيمان بأهل بدر والحديبية وأصحاب الشجرة من أهل بيعة الرضوان، غضب الله على صاحب هذه المقالة، وأصلاه ناراً خالداً فيها، فإنه لم يفرق بين الحق والباطل، ولا بين المؤمن والكافر، ولا بين الصالح والطالح]. [وعن الزهري قال: قال لي هشام] لعله هشام بن سالم الجواليقي أو هشام بن سالم بن الحكم وهما من أصحاب البدع، [أبلغك أن رسول الله ﷺ أمر منادياً فنادى: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)]، أي: يا من تظن أنك إمام من أئمة أهل السنة، ألم تسمع كلام النبي ﵊: (أنه أمر منادياً في الناس ينادي: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة). فـ هشام الجواليقي يحتج عليه بأنه على حق؛ بدليل قول النبي ﵊: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)، ولم يذكر أن النبي ﷺ أوجب عملاً من الأعمال. قال الزهري: [فقلت: نعم وذاك قبل نزول الفرائض]، أي: هذا الكلام كان بمكة قبل نزول الفرائض، [ثم نزلت الفرائض، فينبغي للناس أن يعملوا بما افترض الله عليهم]. [وعن الضحاك بن مزاحم قال: ذكروا عنده: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)، فقال الضحاك: هذا قبل أن تحد الحدود، وتنزل الفرائض]، أي: فلابد من التزام ما أمر وترك ما نهى. [وقال الحسن البصري: لو شاء الله لجعل الدين قولاً لا عمل فيه، أو عملاً لا قول فيه، ولكن جعل دينه قولاً وعملاً، وعملاً وقولاً، فمن قال قولاً حسناً، وعمل سيئاً رد قوله على عمله، ومن قال قولاً حسناً وعمل عملاً صالحاً رفع قوله عمله، يا ابن آدم، قولك أحق بك]. [وعن مبارك بن حسان: قال: قلت لـ سالم الأفطس]، وهو صاحب بدعة الإرجاء، [رجل أطاع الله فلم يعصه، ورجل عصى الله فلم يطعه، فصار المطيع إلى الله فأدخله الجنة، وصار العاصي إلى الله فأدخله النار، هل يتفاضلان في الإيمان؟ قال: لا، فذكرت ذلك لـ عطاء فقال: سلهم، الإيمان طيب أم خبيث؟ فإن الله تعالى قال: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٧]، قال: فسألتهم فلم يجيبوني]. يعني: الإيمان شيء طيب أم شيء خبيث؟ فإن قالوا: خبيث، فصاحب الخبيث من الخاسرين، ويحتج عليهم بالآية، وللعلم أن هؤلاء كانوا علماء، ولم يكونوا جهلة، كان الواحد منهم ينظر في وجه العالم من أهل السنة فربما يعرف حجة صاحب السنة قبل أن يقولها، فيعد لها جواباً ملتوياً بعيداً عن الحق. عند أن تقرأ لشخص مثل أبي إسحاق النظام الذي هو إبراهيم بن سيار المعتزلي صاحب البدعة، يحتار عقلك وتحتاج أن تقف عند كل جملة، وتترحم على شيخ الإسلام ابن تيمية الذي فضحه وعراه وأظهر فساد قوله، وكان ابن تيمية يصطدم معه بمواقف ويناظره فيها فغلبه، فتقول: أكان إبراهيم النظام يقصد هذا الكلام؟ وكيف فهم ابن تيمية هذا الفهم؟ فتدرك حقيقة ما كان عليه ابن تيمية من إيمان وتقوى وعلم وعمل، ابن تيمية فضح جميع الفرق، ما ترك فرقة من فرق الضلال إلا وعراها، وبين فسادها وعوارها، وأن بضاعة جميع الفرق مزجاة كاسدة لا قيمة لها؛ لأنها مخالفة للكتاب والسنة. قال: [فقال سالم: إنما الإيمان منطق ليس معه عمل]، يعني: الإيمان هذا طيب أم خبيث؟ لا تقل لي: الإيمان منطق، أنا أريدك أن تقول: إما طيب وإما خبيث. فلو قال طيباً فالناس يتفاضلون في الطيب، ولو قال خبيثاً لكفر؛ لأن الإيمان لا يكون خبيثاً، فقال هروباً من الإجابة: إن الإيمان منطق ليس معه عمل، يريد أن يقول: الإيمان قول ليس معه عمل. قال: [فذكرت ذلك لـ عطاء فقال: سبحان الله! أما تقرءون الآية التي في سورة البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧]. فالآية الأولى حجة للمرجئة، وهي أن البر هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه وغير ذلك، فهذا هو كلام المرجئة، لكن الله عطف على ما ذكر: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة:١٧٧]، ليس البر أن تولوا، ولكن البر أن تؤم

стр. 749

التحذير من مقولة المرجئة بكمال إيمان عصاة المسلمين قال: [فاحذروا -رحمكم الله- من يقول: أنا مؤمن عند الله وأنا مؤمن كامل الإيمان، ومن يقول: إيماني كإيمان جبريل وميكائيل فإن هؤلاء مرجئة، أهل ضلال وزيغ وعدول عن الملة]. إن الصحابة ﵃، مع أنهم بشروا بالجنة، فالذي بشر بالجنة بالاسم والعين كان يخشى على نفسه النفاق، ولا يأمن عاقبة الأمور. قال: [قال الأوزاعي: ثلاث كلهن بدعة: أنا مؤمن مستكمل الإيمان]، أي: من قال ذلك فهو مبتدع؛ ومذهب أهل السنة والجماعة الاستثناء في الإيمان، يعني: إذا سئلت: هل أنت مؤمن؟ فقل: أرجو أن أكون مؤمناً، أو قل: نعم إن شاء الله، ليس على سبيل الشك. قال: [وأنا مؤمن حقاً، وأنا مؤمن عند الله ]. [وقال شريح بن النعمان سألت يحيى بن سليم الطائفي ونحن خلف المقام: أي شيء تقول المرجئة؟ قال: يقولون: ليس الطواف بهذا البيت من الإيمان]؛ يعني: لأنهم يخرجون العمل عن مسمى الإيمان وحقيقته. قال: [وعن نافع بن عمر بن جميل القرشي قال: كنت عند عبد الله بن أبي مليكة، فقال له بعض جلسائه: يا أبا محمد! إن ناساً يجالسونك يزعمون أن إيمانهم كإيمان جبريل. قال: فغضب ابن أبي مليكة وقال: والله ما رضي الله لجبريل حين فضله بالثناء على محمد ﷺ ، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢٢] يعني محمداً ﷺ ، أفجعل إيمان جبريل وميكائيل كإيمان فهدان؟]. أي: وفهدان رجل ممن أدرك ابن أبي مليكة وكان يعيش في زمانه، وكان رجلاً ماجناً يشرب الخمر ولا يكاد يفيق من السكر، فهو يقول لهم: أتتصورون أن إيمان فهدان مثل إيمان جبريل وميكائيل؟ أي: أترضون لي أن أقول أن إيمان شخص لا يكاد يفيق من السكر كإيمان جبريل وميكائيل؟ [وقال نافع: وقد رأيت فهدان رجلاً لا يصحو من الشراب]، يعني: لا يكاد يفيق من السكر، والمرجئة يزعمون أن فهدان كجبريل وميكائيل! ليس بينهما أي تقارب في الإيمان. [وقال نصر بن المثنى الأشجعي كنت مع ميمون بن مهران فمر بجويرية]، أي: ببنت صغيرة، [وهي تضرب بالدف وتقول: وهل علي من قول قلته من كنود؟] أي: اللوم والتوبيخ: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦]، يعني: متنكراً لحكم الله ، ومع هذا هو لحب الخير الذي يأتي من عند الله لشديد، فإذا وصلته النعمة تنكر لها، وظن أن ذلك باجتهاده وعمله. فهذه الجويرية عند أن ضربت بالدف تقول: وهل علي من قول قلته من كنود؟ أي: هل يستطيع أحد منكم أن يقول: هذا القول فيه عتاب أو ملامة؟ [فقال ميمون: أترون إيمان هذه كإيمان مريم بنت عمران]، يعني: هل إيمان هذه الجويرية التي تغني وتضرب بالدف كإيمان مريم ابنة عمران [قال: والخيبة لمن يقول: إيمانه كإيمان جبريل]. [وقال الوليد بن مسلم: سمعت أبا عمرو ومالكاً وسعيد بن عبد العزيز يقولون: ليس للإيمان منتهى، هو في زيادة أبداً، ويقولون على من يقول: إنه مستكمل الإيمان وأن إيمانه كإيمان جبريل، قال: قال الوليد: قال سعيد بن عبد العزيز: هو أن يكون إذا أقدم على هذه المقالة إيمانه كإيمان إبليس؛ لأنه أقر بالربوبية وكفر بالعمل، فهو أقرب إلى ذلك من أن يكون إيمانه كإيمان جبريل ﵇]. [وعن حذيفة أنه قال: تفترق هذه الأمة حتى تبقى فرقتان من فرق كثيرة، تقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس، لقد ضل من كان قبلنا؟] يعني: فرق الضلال تأتي وتقول: ما هذه الصلوات الخمس؟ إنما هما صلاتان فقط! قال: [وتقول الأخرى: إنا مؤمنون كإيمان الملائكة، ما فينا كافر ولا منافق، حقاً على الله تعالى أن يحشرهم مع الدجال]، يعني: هؤلاء دجاجلة وهم يستحقون أن يكونوا أتباعاً للدجال، لا للنبي محمدٌ ﵊. [وقال ابن مسعود ﵁: يقولون: ما فينا كافر ولا منافق؟! جذ الله أقدامهم]، يعني: قطع الله أقدامهم. [وقال وكيع: القدرية يقولون: الأمر مستقبل، إن الله لم يقدر المصائب والأعمال]. أي: أن الله لم يكتب أعمال العباد إلا بعد أن وقعت، أليست القدرية هم الذين يقولون: لا قدر وأن الأمر أنف؟ أي: مستأنف، والله تعالى لا يعلمه إلا بعد أن يقع، هكذا تقول القدرية، يقولون: الله تعالى لا يعلم الأعمال إلا بعد وقوعها، أما قب

стр. 750

موقف السلف من المرجئة قال: [وقال سفيان عندما ذكروا له المرجئة: رأي محدث أدركنا الناس على غيره]، يعني: الكلام المرجئي الذي أسمعه منكم؛ وهو أن العمل لا علاقة له بالإيمان ولا بأصل الإيمان ولا حقيقته ولا تمامه وكماله، هذا قول محدث أدركنا الناس على خلاف ذلك، وإن ذكر الناس فالمقصود بهم العلماء أهل السنة. [وقال أيوب: أنا أكبر من دين المرجئة، إن أول من تكلم في الإرجاء من أهل المدينة رجل من بني هاشم يقال له: الحسن]، أي: ابن محمد. [وقال أبو مليح: سمعت ميمون بن مهران يقول: أنا أكبر من الإرجاء]. [وعن زاذان وميسرة قالا: أتينا الحسن بن محمد الهاشمي فقلنا: ما هذا الكتاب الذي وضعت؟] أي: الحسن بن محمد الهاشمي أول من تكلم في الإرجاء، وكذلك ذر. فصنف كتاباً يؤصل فيه الإرجاء، ووضع القواعد ومنهج الإرجاء في هذا الكتاب، فلما قرأه زادان وميسرة أتيا إليه فقالا له: [ما هذا الكتاب الذي وضعت. قال: وكان هو الذي أخرج كتاب المرجئة، قال زاذان قال لي: يا أبا عمر! لوددت أني كنت مت قبل أن أخرج هذا الكتاب أو قبل أن أضع هذا الكتاب]، يعني: هو قد وضع أصول البدع وتاب، لكن هذه السنة عمل بها من أتى بعده، فإذا تاب وصحت توبته وتقبلها الله ، فلا عبرة بمن أتى بعده. وأنتم تعلمون أن الذي وضع أصول الأشعرية هو أبو الحسن الأشعري وتاب، والأشاعرة إلى الآن متمسكون جداً بمذهب أبي الحسن الأشعري السابق، ويزعمون أن أبا الحسن لم يتب، ويعتبرون أن ما هم عليه من أشعرية وتأويل وصرف للنصوص عن ظاهرها هو المنهج الحق الذي ينزه البارئ ﵎. فهم يتصورون أنهم على الحق فيقولون: إذا كان أبو الحسن قد تاب فمن أي شيء تاب؟ من الحق الذي كان عليه، فبعضهم يقول: هو تاب إلى الضلال، وهو التشبيه والتجسيم، يعني: انتقل من التأويل إلى التشبيه والتجسيم، وهذا عندهم ضلال؛ ولذلك صنف ابن الجوزي ﵀ كتاباً لعله أشأم كتاب في الإسلام سماه: دفع شبه التشبيه، أشأم كتاب متعلق بذات الله وأسمائه وصفاته. فهو يرد فيه على الحنابلة رغم أنه حنبلي في الفروع، إلا أنه لا يرضى مذهب أحمد بن حنبل في العقيدة، وكان مؤولاً أشعرياً، وكان يرد على الحنابلة ويقول: إثباتكم للصفات يعني التمثيل والتشبيه، إذا أثبتم لله اليد والعين والوجه وغير ذلك، فأنتم تجعلون الله ﵎ في صورة رجل، فلما تصور ذلك وعجز أن يدرك حقيقة معتقد أهل السنة والجماعة، والحنابلة على جهة الخصوص؛ ذهب ليرد عليهم بزعمه درءاً ونفياً للتشبيه والتمثيل، فسمى الكتاب دفع شبه التشبيه. وقد نصح مراراً من أهل السنة والجماعة في زمانه فلم يرجع عن ذلك، ولكنه صنف بعد ذلك رسالة لا تزال في حيز المخطوطات، وهي عندي، وقد بدأت العمل فيها، ويذهب فيها الإمام ابن الجوزي مذهباً عظيماً جداً هو مذهب أهل السنة والجماعة في الصفات، فالذي أبحث عنه الآن بصورة جدية هل هذه الرسالة التي معي صحيحة النسبة إليه بعد كتابته دفع شبه التشبيه أو قبلها؟ فلو صح أنه صنف هذه الرسالة التي بين يدي بعد شبه التشبيه لكان رجلاً من أهل السنة والجماعة، ومات على ذلك. ولو أن دفع شبه التشبيه بعد هذه الرسالة لقلنا: إنه كان متأثراً أولاً بمذهب أهل السنة والجماعة، حتى ضحك عليه القوم فترك مذهب أهل السنة اعتقاداً منه أنه يدل على التشبيه والتمثيل، وذهب إلى مذهب التأويل أو مذهب الأشاعرة. [وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: الولاية بدعة، والشهادة بدعة، والبراءة بدعة، والإرجاء بدعة]. وأما البراءة من أهل الإيمان فهي بدعة، والمقصود بالبراءة أن يبرأ من قوم هم على دين الإسلام والسنة، يقول لك: هؤلاء أهل سنة، لا أريد أن أقرب منهم ولا هم يقربون مني، إن هؤلاء السنيين متعصبون ومتشددون، يقول: أول ما نظرت بعيني الصباح بعد أن قمت من النوم على شخص لحيته ربع متر أعوذ بالله! فمن عند أن وضعت عيني عليه علمت أن هذا اليوم من أوله غم وهم. هذه براءة من أهل السنة، وهذا القول في غاية الخطورة، بل أنت مأمور بموالاة الموحدين ومعاداة الكافرين، فأنت الآن توالي الكفار وتعادي أهل الإيمان. شخص يقول: أقوم من النوم الصبح فلا أغسل وجهي ولا أصلي الصبح ويكون يوماً مثل الفل، بينما اليوم الذي أصلي فيه الصبح لا أحصل فيه على شيء من المال، ويكون يوم غم علي وعلى عائلتي بالكامل. وإذا سألته وقلت له: أتصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء؟ يقول لك: نعم، أصليهن عند أن أنام، لأنني أخاف إن صليتهن أثناء النهار أن الرزق ينقطع. ما هذا الخذلان يا إخوة!! والله العظيم لا يصلح أن يكون هذا معتقد يهود، اليهود ل

стр. 751

شرح كتاب الإبانة - الكلام في الإيمان من واقع الصحوة الإسلامية تعتبر مسائل الإيمان والكفر من أهم مسائل العقيدة، وقد ضلت فيها أفهام وزلت فيها أقدام، وقد أوضح العلماء رحمهم الله تعالى مسائل الإيمان والكفر، ومنها: دخول العمل في مسمى الإيمان وماهيته، وتأثر الإيمان بالعمل وجوداً وعدماً، وأن العمل وحده كاف للتكفير، وغيرها من المسائل المتعلقة بهذا الباب.

стр. 752

خطأ بعض أهل العلم في فهمه لمسائل الإيمان الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فقد فرغنا من الكلام عن مسائل الإيمان فيما يتعلق بهذا الجزء الخاص بالإيمان من كتاب الإبانة للإمام ابن بطة، ويبقى موضوعان خطيران جداً وهما: موضوع القدرية، وموضوع الجهمية، ولكل موضوع من هذين الموضوعين مجلدان تقريباً من هذا الكتاب، لكن يحسن بنا قبل أن نفتح واحداً من هذين الموضوعين أن نتم الكلام عن مسائل الإيمان خاصة فيما يتعلق بواقع الصحوة الإسلامية على الأقل في مصر. ولو أردت أن أدخل في الموضوع مباشرة سأقول: إن بعض أهل العلم وضع تصوراً لمسائل الإيمان والكفر، وهذا التصور لم يوافقه عليه أحد من السلف، وإن شئت فقل: هذا التصور مخالف لتعريف السلف للإيمان أو لحد الإيمان، مما حدا به أن ينسب قولاً للسلف لم يقولوه، وأن يتهم الآخرين بأنهم حادوا عن منهج السلف، وفي حقيقة الأمر أنهم ليسوا كذلك، كما أنني لا أقول: إنه بهذا المعتقد صار من أهل البدع، وإنما أقول: لما جهل المسألة أتى بالطامات، وهو يظن أنه على الحق. وليس ظن الشخص أنه على الحق لازم لإصابة الحق، فالمرء أحياناً يظن أنه على الحق، أو يتيقن على الأقل عند نفسه أنه على الحق المبين، وهذا لا يلزم منه أن يكون ما هو عليه هو الحق، بل ربما يكون الباطل الذي ليس بعده بطلان، والأمر كذلك في بعض مسائل الإيمان التي أخذت جدلاً عظيماً جداً في هذه البلاد وفي غيرها بين منهج المرجئة ومنهج السلف، والعجيب أننا نجد أن من تبنى مذهباً في مسائل الإيمان يوافق مذهب المرجئة يزعم أن المخالف له من الخوارج، وهذا الكلام ليس بصحيح، وإنما الصحيح أن من تبنى تعريف الإيمان يقول فيه: الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا الكلام هو تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة. أما عند ذاك القائل به فإنما حفظ ذلك حفظاً ولم يقدر أن يطبق ذلك عملاً، ولذلك يقول: العمل ليس من الإيمان، وأحسن أحواله أن يقول: العمل من الإيمان، لكنه شرط كمال فحسب، وهو جاهل بهذه المقولة وبأصل هذه المقولة.

стр. 753

تجلية بعض الحقائق في بعض مسائل الإيمان وعلى أية حال لنا أن نجلي بعض الحقائق في بعض مسائل الإيمان، فنقول:

стр. 754

المسألة الأولى: دخول العمل في مسمى الإيمان وماهيته المسألة الأولى: وقوع سوء الفهم في هذا الأمر من منطلق تعريف الإيمان، فالإيمان: قول وعمل؛ قول باللسان وبالقلب، وعمل بالقلب والجوارح. ومن أهل العلم من يطلق أن القول باللسان والقلب، والعمل باللسان والقلب والجوارح؛ لأن نطق اللسان بالشهادتين ما هو إلا كلام وعمل، وهذه حركة اللسان، فهي من حيث كونها حركة هي عمل، فالشاهد من ذلك أن هذا التعريف هو التعريف الحق، وهو تعريف أهل السنة والجماعة، أي: أن الإيمان قول وعمل؛ قول اللسان وقول القلب، وعمل القلب والجوارح، وهذا التعريف يدلنا على أن العمل داخل في مسمى الإيمان وماهيته، وأن العمل ركن من أركان الإيمان.

стр. 755

المسألة الثانية: تأثر الإيمان بالعمل وجوداً وعدماً المسألة الثانية -وهي مترتبة على المسألة الأولى-: إذا كان العمل داخلاً في ماهية الإيمان وفي مسمى الإيمان فلابد أن يتأثر الإيمان بالعمل وجوداً وعدماً. لماذا؛ لأنكم تعلمون أن الركن هو ما كان داخلاً في ماهية الشيء، والشيء مكون منه، فإذا انعدم الركن انعدم الشيء، وإذا وجد الركن وجد هذا الشيء، فإذا اتفقنا في المسألة الأولى على أن العمل داخل في ماهية الإيمان، فلابد أن نقول بأن العمل ركن من أركان الإيمان، وإذا كان العمل ركناً من أركان الإيمان فلا بد أن الإيمان يتأثر به وجوداً وعدماً. ولذلك تقرأ لأهل العلم -وسيأتي معنا كلام هؤلاء الأعلام-: أن من ترك العمل كله وأتى المنكرات كلها خرج من الملة بالإجماع، وإذا كان الإيمان لا يتأثر بالعمل -وهو مذهب المرجئة- فكيف يكفر من ترك العمل؟ لابد أنه لا يتأثر بذلك، وهذا الذي حدا بالمرجئة أن يقولوا: إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل؛ لأن الفاسق هو الذي ترك الأمر وارتكب النهي، أي: ترك الأمر الذي يفسق به، وارتكب النهي الذي يفسق به، فإذا كان الأمر كذلك فلابد أن الإيمان لا علاقة له بالعمل. وعند أهل السنة والجماعة: أن العمل داخل في ماهية الإيمان، وأن الإيمان مكون منه ومن القول والاعتقاد. إذاً عندنا مكونات الإيمان: قول وعمل واعتقاد، وأضرب لذلك مثلاً: لو أن إنساناً قادر على النطق، فهل يقبل منه الدخول في الإسلام والإيمان دون أن ينطق بالشهادتين، أو يقبل منه أن ينطق بهما في سره؟ لا يقبل؛ لأنه قادر على النطق، أيضاً: لو أن إنساناً نطق بالشهادتين وأتى بكل الأعمال الصالحة وتجنب كل الأعمال السيئة، لكنه لا يعتقد ذلك، فهل يقبل منه ذلك؟ لا يقبل، إذاً كما يكون الكفر بالقول فكذلك يكون الكفر بالاعتقاد. كذلك: إنسان يشك في الله ، أو في رسالة النبي محمد ﵊، أو في خلق الله للسماوات والأرض، فهل يقبل منه إيمان أو إسلام؟ الجواب لا يقبل منه ذلك؛ لأن هذا مناف لأصل الاعتقاد، فإذا كنا نكفر هذا بأنه لم يعتقد أو نكفر سابقه بأنه لم ينطق مع القدرة على النطق؛ فكذلك نكفر تارك العمل.

стр. 756

المسألة الثالثة: بيان ما يكفر به المرء من الأعمال المسألة الثالثة: أي عمل يكفر به المرء؟ هل يكفر المرء بمجرد المعصية؟ الجواب لا، لكن من مسائل الإجماع أن من ترك العمل بالكلية، أي: لم يصم، ولم يصل، ولم يزك، ولم يحج، ولم يفعل شيئاً من أوامر الإسلام، ويعبر عنه الإمام الحميدي في رسالة الاعتقاد: ومن ترك الخمس كفر، أي: أركان الإسلام الخمسة. لكن لابد أن نفرق بين مسألتين في العمل: هل الكلام على جنس العمل أم أفراده وآحاده؟ فالصيام من أفراد العمل، الصلاة من أفراد العمل، الزكاة من أفراد العمل، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفراد العمل، الإتيان ببعض المأمورات من أفراد العمل، الوقوع في بعض المحظورات من أفراد العمل، فهل إذا قلنا: إن العمل من الإيمان، أو هو أصل في الإيمان بمعنى: أن الإيمان يزول بزواله ويوجد بوجوده؟ هل نقصد بذلك عملاً من الأعمال بعينه، أو نقصد بذلك جنس الأعمال؟ نقصد جنس العمل، أي: مجموع الأعمال، فإذا أتى إنسان بعمل يخالف الإيمان فلينظر إلى هذا العمل بعينه، هل هذا العمل داخل في أصل الإيمان، أو في الإيمان الواجب، أو الإيمان المستحب؟ فمثلاً: رجل سب الله تعالى، هل هذا العمل من أصل الإيمان، أو من الإيمان الواجب، أو من الإيمان المستحب؟ من أصل الإيمان، إذاً: إذا سقط فيه المرء لابد أن يخلع الإيمان من جذوره. وبالتالي أنا عندما أقول: هل العمل شرط كمال أو شرط صحة؟ أتصح الإجابة بكلمة نعم أو لا؟ لا تصح، بل لابد من التفصيل؛ لأنه إذا كنت تسأل عن عموم العمل وعن جنس العمل فنقول: نعم جنس العمل شرط صحة في الإيمان، أما إذا كنت تسأل عن عمل بعينه -أي: من أفراد وآحاد الأعمال- فينظر إلى كل عمل على حدة، كما ضربت لك مثلاً بهذا الرجل الذي سب الله تعالى، إذ إنه بعد أن تحققت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع يكفر؛ لأن هذا العمل الفرد من أعمال الإيمان الذي نقضه كان تعلقه بأصل الإيمان. أيضاً: رجل وقع فيما حرم الله ، أو ترك أمراً واجباً من أوامر الله أو أوامر رسوله ﵊، فأقول: بالنظر إلى هذا العمل إتياناً أو تركاً، هل هو من أصل الإيمان أو الإيمان الواجب أو المستحب؟ فإذا كان من الإيمان الواجب فأقول: إن نفي الإيمان في النصوص إنما هو متعلق بنفي الإيمان الواجب عنه، لا نفي لأصل الإيمان، فيكون المقصود بحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) إلى آخر الحديث: نفي الإيمان الواجب. بخلاف من سب الله، أو سب الرسول، أو سب الشريعة، فهذا يأتي على أصل الإيمان من القلب فيجعله هباء منثوراً، فيحتاج إلى دخول في الإسلام من جديد. ولذلك لو أن واحداً أخل بعمل من الأعمال المستحبة أو المندوبة وغيرها من أعمال العبادات أو الطاعات، فنقول: قد أخل بالإيمان المستحب الذي يعبر عنه العلماء بأنه الإيمان الكامل، ونفي الإيمان في الأعمال المستحبة إنما هو نفي للكمال لا نفي لأصل الإيمان. والشاهد من هذا الكلام أنه لا يصح أن نقول: هل العمل شرط كمال أو شرط صحة في الإيمان؟ لأن هذا سؤال يحتاج إلى تفصيل. وأكثر منه خطأً أن يجيب المفتي أو المسئول إجابة واحدة فيقول: العمل شرط صحة، أو العمل شرط كمال، هذه إجابة غير سديدة، بل السديد أن يقول للسائل: أتقصد بهذا السؤال جنس العمل أم آحاده؟ فإن كنت تقصد جنس العمل فجنس العمل أصل في الإيمان وركن من أركانه، وإذا ترك المرء العمل في الجملة كفر بذلك، أما إذا كنت تقصد آحاد العمل فلا شك أن آحاد العمل من الإيمان، لكن من آحاد العمل ما يكفر به صاحبه ومنه ما لا يكفر به صاحبه، بل يفسق أو يترك الكمال المستحب، يعني: يفوت على نفسه مرتبة الصديقين وغير ذلك.

стр. 757

العمل وحده كاف للتكفير عند أهل السنة والجماعة فهذه بعض المسائل التي لها تعلق بالإيمان، ونلخص من ذلك إلى أن الكفر كما يكون بالقول وبالاعتقاد يكون بالعمل، وهذا بيت القصيد في الخلاف الدائر على الساحة، هل الردة تكون بالعمل أم لا؟ السلف ﵃ أجمعوا على أن من الأعمال ما يكفر بها فاعلها، ومنها ما لا يكفر بها فاعلها، خلافاً لمن يزعم أن العمل شرط كمال، وأن العامل لا يكفر بعمله إلا إذا استحل، كيف ذلك؟ أنا رجل -عياذاً بالله- أسب الله تعالى، أو أسب الرسول ﵊، ومع هذا أنا أقر دائماً أني أحب الله، وأحب الرسول ﵊ وأحب الشرع، وأحب الإسلام، كما أقر أن هذا الكتاب هو كتاب الله ، وهو كلامه المنزل من السماء المتلو الذي نزل بواسطة جبريل على قلب محمد ﵊؛ وفي الوقت الذي أقر فيه بهذا الكلام آخذ المصحف بيميني فأمزق أوراقه وأبصق عليه وأرميه في الأرض وأطؤه بقدمي، لكن هذا الشخص لم يستحل ذلك، بل هو مثبت لتبجيله وتعظيمه بلسانه وقوله، لكنه عملاً قد أهان القرآن، فهل هذه الإهانة لكتاب الله تؤهله للكفر؟ الجواب نعم، فيكفر بهذه الإهانة لكتاب الله حتى وإن قرر في الظاهر بلسانه أنه غير ذلك. وبعض أهل العلم يقولون: لا يكفر بمجرد الفعل، أي: بإهانته للقرآن أو سبه لله أو للرسول أو للشريعة أو غير ذلك، ويقولون: هو ما فعل ذلك إلا لأنه مبغض للقرآن لا لمجرد الفعل، وهذا استنتاج المرجئة والجهمية، وهو كلام فاسد لا يعرفه السلف، وجاء على ألسنة متأخري الأحناف، إذ إنهم يقولون: إذا ارتكب الإنسان ما يكفر به أو ما يؤدي به إلى الكفر فليس العمل وحده كافياً في الحكم عليه بالكفر، وإنما نحكم عليه بالكفر لأن عنده من الضغينة ما يؤهله للكفر، كيف ذلك؟ قالوا: لو أن شخصاً الآن يهين القرآن الكريم، فمجرد الإهانة لا يكفر بها، قالوا: بل إن علامة كفره أنه مبغض للقرآن ولذلك أهانه، وأوردوا هذا الكلام أو الاستنتاج الباطل لكي يقولون: لا يكفر المرء بالعمل، وإنما يكفر بالاستحلال، من أين أتيتم بالاستحلال؟ قالوا: هو ما أهان القرآن إلا لأنه مبغض له، فنكفره لأجل بغضه القرآن، لا لأنه أهان القرآن، أما أهل السنة والجماعة فقد أجمعوا أن العمل بمفرده يكفر به العامل. هذه بعض المسائل التي أردت أن أنبه عليها قبل الشروع في شرح هذه الأصول، ثم ذكر أقوال العلماء سلفاً وخلفاً في إثبات أن الكفر يقع بالقول والاعتقاد والعمل، وهذا الذي أريد أن أؤكد عليه من أن الكفر كما يقع بالقول يقع بالعمل. يعني: لو قام رجل الآن في المسجد وقال: أيها الناس! اشهدوا أنني كفرت وخرجت من الملة، وهو في حقيقة الأمر لم يعتقد ذلك، بل هو في قلبه محب للإسلام والمسلمين، هل لنا أن نكفره؟ نعم، بل يجب علينا جميعاً أن نكفره؛ لأنه نطق بكلمة الكفر مختاراً لها غير مكره عليها، وقد انتفت عنه الموانع كالجنون والسفه والسكر وغير ذلك، أما من نطق بكلمة التوحيد وعمل بمقتضاها، لكنه في نفسه يكره هذه الكلمة، فهل يكون هذا مؤمناً؟ الجواب هو عند الله ليس مؤمناً وإنما هو مسلم؛ لأن أحكام الإسلام تجري على الظاهر. فإذا كانت هذه قاعدة أصيلة عند أهل الإسلام، أي: أن أحكام الإسلام تجري على الظاهر، فإن من أتى عملاً ينقض به إسلامه وإيمانه أجريناه كذلك على الظاهر، ومن المقطوع به عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فكلمة (ينقص بالمعصية) إشعار بأنه لا ينقض بالمعصية، وهناك فرق بين كلمة: ينقص بالمعصية، وينقض بالمعصية، فينقض يعني: من أصله، فلا يبقى منه شيء، ولعلكم تذكرون نص إبراهيم بن عيينة أخي سفيان لما قال سفيان: الإيمان يزيد وينقص، قال: قل: يزيد، قال: اسكت يا غبي! فإنه ينقص حتى لا يبقى منه شيء، أي: أنه ينتهي تماماً، إما بالقول أو بالاعتقاد أو بالعمل؛ لأن هذه مكونات الإيمان وأركان الإيمان. وتارة يقول السلف: الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان -الجوارح- واعتقاد بالجنان -القلب- وتارة يقولون: قول وعمل ونية، ولهم عبارات لا تختلف عن هذه في معناها.

стр. 758

الإجماع على أن الإيمان قول واعتقاد وعمل قد حكى غير واحد إجماع الصحابة والتابعين والفقهاء والمحدثين على ذلك، ومن هؤلاء الإمام الشافعي، فقد حكى الإجماع على أن الإيمان قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، وكذلك البغوي، قال ابن تيمية في كتاب الإيمان من مجموع الفتاوى نقلاً عن الإمام الشافعي ﵀: وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعده ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر، أي: إلا مع الآخر، فكيف يقال لمن ترك العمل بالكلية أو ترك عملاً أثبت النص أن تاركه كافر أو انعقد الإجماع عليه إنه مؤمن؛ لأن الضابط لمسائل الإيمان والكفر هو النص أو الإجماع. وقال البغوي في شرح السنة: اتفقت الصحابة والتابعون ومن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان، لكن منها ما هو أصل في الإيمان، ومنها ما هو في الإيمان الواجب، ومنها ما هو في الإيمان المستحب. قال: وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، وكذلك نقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك، فقال في التمهيد: أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، بل أصبح هذا مما يميز أهل السنة والجماعة عن أهل البدع، فإذا كان هذا من الأمور المقطوع بها وهي محل إجماع السلف، فكذلك من المقطوع به عندهم أن من الأقوال والأعمال ما هو كفر أكبر؛ لأنه في الحقيقة محفوظ عند الإخوة أن الكفر كفران: كفر أكبر وكفر أصغر، أما الكفر الأكبر فهو المتعلق بمسائل الاعتقاد، وأما الكفر الأصغر فهو المتعلق بمسائل العمل، وهذا الإطلاق يحتاج إلى نظر، بل من مسائل الاعتقاد الصغيرة ما لا يكفر بها قائلها، ومن مسائل العمل الكبيرة ما يكفر بها فاعلها.

стр. 759

خطأ مقولة: كل خير في اتباع من سلف وكل شر في اتباع من خلف كما يطلق الناس شعارات أخرى تحتاج إلى نظر، ومنها أنهم يقولون: (كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف) وهذا كلام محفوظ لدينا جميعاً، لذا لابد أن أقف عند هذا النص فأقول: ماذا تقصد بكلمة السلف؟ إذا كنت تقصد بهذه الكلمة أهل تلك الحقبة الزمنية والقرون الخيرية الأولى فهذا كلام فاسد؛ لأن من هذه القرون: المرجئة والخوارج والمعتزلة والأشاعرة وغير ذلك من الفرق الضالة، إذ إنهم ظهروا في زمن الصحابة ﵃. فالقدرية ظهرت في أواخر عهد الصحابة، والمعتزلة ظهرت سنة (١١٠هـ)، وكانت لها جذور قبل ذلك، والخوارج والشيعة ظهروا في زمن الخلافة الراشدة، فإطلاق لفظة: (السلف) على أصحاب القرون الثلاثة إطلاق يحتاج إلى تقييد. والسلف هم أصحاب النبي ﷺ والتابعون لهم بإحسان، أي: المحسنون في اتباعهم لأصحاب النبي ﵊ وللخلفاء الراشدين خاصة من أصحابه ﵃ أجمعين. أما أهل البدع الذين عاصروهم فليس اتباعهم خيراً، ولذلك هذا الكلام المطلق: (كل خير في اتباع من سلف) يحتاج إلى تقييد، إذ إن كل من سبقك هو سلفك، فالذي مات منذ عشرين عاماً أو ثلاثين عاماً من أهل العلم هم لنا سلف، ونحن لهم خلف، فنحن يطلق علينا: الخلف، وسلفنا المباشرين بالنسبة إلى سلفهم هم خلف لهم، ولذلك هذا الإطلاق: (كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف) يحتاج إلى ضبط، وضبطه أن يقال: الخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع، سواء كان هذا الاتباع في أسلافنا أو فينا أو فيمن يأتي بعدنا إلى قيام الساعة. والابتداع مذموم مردود على كل من أتى به حتى وإن كان ذلك في زمن الصحابة، لا أقول: إنه جاء من الصحابة مثل هذا، وإنما أقول: ظهرت البدع في زمن أصحاب النبي ﵊، فهل يعني ذلك أن هذا الابتداع الذي حصل في زمن السلف أمر محمود وممدوح؟ الجواب لا، فيكون الذي هو أوثق -على الأقل عندي- أن الخير كل الخير في الاتباع، وأن الشر كل الشر في الابتداع، سواء جاء هذا الخير عن السلف ﵃ أو عنا أو عمن أتى بعدنا. وكذلك هذا الابتداع مردود على كل من جاء به، سواء من الأزمنة المتقدمة أو المعاصرة، أو التي ستأتي بعد ذلك إلى قيام الساعة.

стр. 760

الإجماع على كفر من سب الله أو رسوله ومن المقطوع به أيضاً عند أهل السنة: أن من الأقوال والأعمال ما هو كفر أكبر يخرج من الملة، وقد حكى غير واحد الإجماع على أن سب الله ورسوله كفر مخرج من الملة، ومن هؤلاء الإمام إسحاق بن راهويه، ومحمد بن سحنون وغيرهما، وقد ظن بعض الناس أن الكفر العملي لا يخرج صاحبه من الإسلام، وأن سب الله ورسوله مستثنى من ذلك، ولا دليل على هذا الاستثناء. فلو قلت: سب الله يعتبر عملاً، وسب الرسول عمل، قالوا: الكفر العملي لا يخرج به صاحبه من الملة، وسب الله؟ قالوا: إلا سب الله ورسوله فهذا مستثنى. إذاً: ما تقولون في سب الشريعة أكفر أم إيمان؟ كفر، فسيضطرون أن يزيدوا هذا في الاستثناء؛ لأنه لا ضابط لهذا الاستثناء، ومنهم من يقول: الضابط في تكفير العامل بعمله أن يتعلق أو تتعلق المسألة التي خالف فيها بمسائل الإيمان. لكن ذكرنا لهم أن بعض مسائل الإيمان لو خالف فيها العامد لا يكفر بذلك، فلابد أن تضطرب هذه القاعدة، إذاً فما هو الضابط؟ لابد أن يكون هناك ضابط جامع مانع حتى يستقيم الأمر؟ الضابط: نص أو إجماع؛ لأن الأمر لا يستقيم إلا بهذا، فإما أن يأتي النص فيقول: هذا العمل من الإيمان، وأن تارك هذا العمل كافر بالله، وإما أن ينعقد إجماع العلماء على أن من فعل كذا كفر، فإذا كان عندي نص أو إجماع حلت القضية، لكن شخص يجتهد ويقول: إذا كانت المسألة من مسائل الإيمان وفرط فيها العامل فإنه يكفر بذلك! فيرد عليه: هناك من مسائل الإيمان ما إذا فرط فيها العامل لا يكفر، ومن مسائل العمل ما إذا فرط فيها العامل كفر بذلك. إذاً: تقسيم الكفر إلى: كفر اعتقادي وكفر عملي، وأن العملي لا يكفر به العامل لأنه من مسائل العمل، كلام غير سليم؛ لأن من الأعمال ما يكفر بها العامل. قال: فظن بعض الناس أن الكفر العملي لا يخرج صاحبه من الإسلام، وأن سب الله ورسوله مستثنى من ذلك، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، بل حكى غير واحد الإجماع على أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، ومن هؤلاء: ابن حزم، والشيخ سليمان آل الشيخ، وعبد الله أبا بطين، والشيخ محمد بن إبراهيم مفتي السعودية، فسقطت دعوى الاستثناء. ومن فرق بين سب الله أو رسوله وبين أي قول أو عمل أجمع المسلمون على أنه كفر كالذبح لغير الله، فقد أخطأ. والذبح لغير الله عمل، فهل هذا العمل في ذاته كفر أم لا؟ كفر؛ لأنه قربة لغير الله ، وأن هذا العمل لا يجوز صرفه إلى الناس، كذلك: الطواف حول الكعبة عبادة وطاعة وقربة، لكن حول القبر شرك وكفر، لكن هل هذا الطواف قول أم عمل؟ عمل، فلو طاف إنسان حول غير بيت الله، وقصد بذلك الطواف القربة، فإنه يكفر بذلك، لكن لو أن رجلاً طاف بعمود يبحث عن حذائه، فهل تقول له: أنت طفت بغير بيت الله فتكفر بذلك؟! لا، فالطواف حول غير بيت الله لابد أن يكون بقصد القربة، والذي يطوف حول البدوي والحسين والسيدة وغيرهم، إنما يفعل ذلك قربة وطاعة، ولذلك الطواف حول غير بيت الله كفر مع أنه من الأعمال. والنذر لغير الله تعالى كفر، كأن يقول أحدهم: يا حسين لو نجَّحت ابني فسيكون لك في ذمتي مائة جنيه! وكذلك السجود لصنم، إذ إن السجود عبادة لا يجوز صرفها إلا لله تعالى، فلو أن إنساناً سجد لصنم فإنه يكفر بذلك، بشرط أن يكون عارفاً وعالماً بما يفعل، فلو أنني الآن سجدت وجاء شخص وأنا ساجد وواضع أمامي صنماً، فهل أكفر بذلك؟ لا أكفر بذلك، إلا إذا ذهبت راضياً مختاراً مع علمي أن هذا صنم وسجدت له، فهنا يكفر به الفاعل في هذه الحالة. فإن كان هناك صنم قائم، وأردت أن أصلي لله تعالى، فوافق سجودي محاذاة هذا الصنم وأنا لا أعلم أنه صنم، وربما ما علمت ذلك بعد الفراغ من الصلاة، فهل يكفر بهذا العمل؟ الجواب لا يكفر؛ لأن هناك مانعاً من موانع الكفر وهو الجهل، إذ إنه لما صلى إلى هذا الصنم لم يكن يعلم أنه صنم. قال: فلا يظن ظان أن في المسألة خلافاً يجعل المسألة من مسائل الخلاف والاجتهاد، إذ لا يستطيع أحد أن يحكي عن واحد من علماء أهل السنة والجماعة خلاف ذلك، وزعم بعض الناس أنه لا يكفر إلا من اعتقد الكفر، أما من تلفظ به أو عمل ما هو كفر صراحة فلا يكفر، إذ الكفر عنده هو الاعتقاد فقط، وهذا مذهب المرجئة كما تعلمون، إذ إنهم يستدلون بتقسيم بعض العلماء للكفر إلى: كفر عملي واعتقادي، وأن الأول كفر أصغر، والثاني كفر أكبر، دون تفريق بين الكفر العملي الذي يعنيه العلماء، والكفر بالعمل أو الأعمال المكفرة.

стр. 761

موانع التكفير مما تقدم نشأت شبهة عند بعض الناس وهي: أن المرء لو عمل عملاً كفرياً كالسجود لصنم أو صليب أو قال قولاً كفرياً كسب الله ورسوله، أو استهزأ بآيات الله لشهوة أو غرض دنيوي فإنه لا يكفر ما لم يعتقد، أي: ما لم يستحل ذلك -وهذا كلام في غاية الفساد- وعدوا ذلك مانعاً من موانع التكفير؛ لأنه ما فعل ذلك معتقداً ولا مستحلاً ولا جاحداً، إنما فعل ذلك لغرض دنيوي كشهوة أو غير ذلك، مع أن علماء السنة أجمعوا أن موانع التكفير أربعة: المانع الأول: الجهل، أي: الجهل بأن هذا القول كفر أو أن هذا العمل كفر، فلو قال القائل قولاً وهو لا يعلم أنه كفر، أو عمل عملاً وهو لا يعلم أنه كفر فلا يكفر. المانع الثاني: الخطأ، كأن يقول المرء قولاً خطأً لم يقصده ولم يتعمد النطق به أو العمل، لكن بادر إلى النطق به أو إلى عمله على سبيل الخطأ، لا على سبيل العمد والإصرار والتأويل أو الشبهة؛ لكن لو انتفت عنه الشبهة وذهب عنه التأويل لا يقول هذا ولا يفعله، فإذا قاله متأولاً أو بشبهة فإنه لا يكفر بذلك، ولا زالت الشبهات كلها رافعة للإثم، ولذلك عند الأحناف أن للمرأة أن تزوج نفسها إذا كانت بالغة رشيدة مختارة للكفء، فيجوز الزواج بهذه الشروط بغير ولي، وهذا الرأي مصادم مخالف للنصوص الشرعية في وجوب وفرضية الولاية في النكاح. لكن لو أن امرأة نكحت بغير إذن وليها، فهل نحكم على هذا الزواج بالبطلان، وأن نتاج هذا الزواج أو هذا النكاح الزنا؟ لا نقول بذلك؛ لأن النبي ﵊ يقول: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنحاكها باطل باطل باطل)، تأكيد ثلاث مرات، فلا نبطله نحن لوجود شبهة الأحناف؟! خاصة وأن هذه الدساتير والقوانين في باب المعاملات الشرعية أو الأحوال الشخصية أخذت بمذهب الأحناف في هذا، وليس كل الناس يذهبون إلى المساجد لكي يتعلموا العلم، كما أن هذه الوسائل المرئية والمقروءة والمسموعة تضلل الناس في الليل والنهار في أمر دينهم، فربما سمعوا كلمة من إمام مضل في باب الولاية في النكاح فظنوا أن هذا هو دين الله تعالى، وذهبوا إلى المأذون فقالوا: هل يلزم الولي؟ فيقول المأذون متبرعاً ومتفضلاً: لا يلزم؛ لأن عنده القانون الذي يعمل من خلاله والذي يقول: لا يلزم الولي. فهل إذا تزوجت المرأة على اعتبار هذه الشبهة -شبهة الأحناف- نقول: نكاحها باطل وأنها زانية، وإذا قلنا: زانية، فهل يقام عليها الحد، أم يدرأ بالشبهة؟ أنتم تعملون أن هذه كلها مسائل فرعية، ولو قلنا ببطلان هذا النكاح لكان لزاماً علينا أن نقول: إن ثلث نكاح الأمة باطل، أو أكثر من ذلك. إن منطقة شرق آسيا بأكملها على مذهب الأحناف، وتصور أنك تذهب إلى ملايين مملينة من الناس وتبطل أنكحتهم، وتثبت أن هذا النكاح ما هو إلا زنا، هل هذا يتصور؟ الجواب هذا النكاح صحيح، وإن كنا لا نعتقد ذلك، لكن هو صحيح على أصل شبهة الأحناف، وتبني هذه الحكومات لمذهب الأحناف، فلا نبطل أنكحة الناس والحالة هذه، وإن كنا نأمر كل واحد ألا يتزوج إلا بولي وشاهدي عدل وإشهار وإيجاب وقبول، وغير ذلك من أركان النكاح الصحيح على مذهب جماهير العلماء. لكن دائماً أقول: الشبهة دارئة للإثم، ولذلك لو وقع إنسان في الكفر قولاً أو عملاً بشبهة أو بتأويل هل يكفر بذلك؟ لا، إذاً: من موانع التكفير: الجهل والخطأ والشبهة أو التأويل. المانع الرابع: الإكراه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، فإن أكره على النطق بكلمة الكفر، فهل يكفر بذلك؟ لا يكفر بذلك، وأنتم تعلمون أن صناديد الكفر والشرك كانوا يعذبون بلالاً، وصهيباً، وعماراً وغيرهم ﵃ حتى ينطقوا بكلمة الكفر، لكنهم لم يفعلوها، هل لأن فعلها والنطق بها غير جائز لهم أو أخذاً بالعزيمة؟ أخذاً بالعزيمة.

стр. 762

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الإيمان وهنا باب عظيم من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من غلب على ظنه أن نهيه عن المنكر يسبب له مضرة عظيمة تذهب بماله أو بنفسه، والمصلحة في التغيير راجحة وعامة، كانت العزيمة أن يضحي بنفسه، لكن لو كانت المضرة ستلحق العامة فلا يفعل، فمثلاً: لو أنني ذهبت لكسر صنم بوذا، فهل هذه المصلحة العائدة عامة أو خاصة؟ عامة، لكني على يقين أن حراس هذا الصنم سيقتلونني وحدي، فهل يجوز لي والحالة هذه أن أذهب وأنا على يقين أو غلبة الظن بالهلكة؟ يجوز؛ لأنني سأضحي بنفسي في مقابل نفع العامة، لكن لو أنني عملت عملاً سيجر علي وعلى من كان على شاكلتي من شرق البلاد وغربها، ويرميهم في السجون أو غير ذلك من المضرة العامة؛ ففي هذه الحالة لا يجوز لي أن أغير هذا المنكر، مع اعترافي وإقراري واعتقادي بأنه منكر، لكن ربما لا يتغير هذا المنكر، ولا تتصور أنك بمجرد ما تذهب لتكسير ملهى ليلي أنك بذلك تكون قد غيرت المنكر. ولذلك نحن نقول: من أصول الإيمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنهي عن المنكر يقتضي تغييره، أي: تغييره حتى يصير معروفاً، أما إن ذهبت وكسرت الملهى الليلي الفلاني فأنا بذلك لم أغير المنكر، بل إنه سيبنى على أحدث طراز، فكانت هذه بركة أتت منك؛ لأنهم كانوا من زمن يريدون هدمه ولم يستطيعوا، فعندما ذهبت وعملت الذي عملته، قاموا هم وأكملوا بقية الملهى، يعني: كأني لم أكسره وأفجره، إذ إنهم بأنفسهم أصحاب الملهى فجروه؛ حيث أنه عندما يأتي بعد ذلك التعيين، أي: تعيين المكان، فالإرهابيون هم الذين كسروا الملهى الفلاني، إذاً فهذا يبنى على نفقة الدولة، على نفقتي أنا وأنت، ألم أقل: إننا نكون الدولة؟ ألسنا بمجموعنا نمثل الدولة؟ إذاً: فالملهى الفلاني بني على نفقة الدولة، يعني: على نفقتي ونفقتك، والسؤال الآن: هل زال المنكر؟ لم يزال، بل أدى إلى منكر أعظم، وهو إرجاع هذا المنكر على أحدث طراز، والمنكر الثاني أنهم لما قبضوا علي قبضوا على من كان على شاكلتي من شرق البلاد وغربها، فالمصلحة هنا ليست متحققة أبداً، ولا حتى مظنونة، إذاً فما المتحقق؟ الضرر العام. ففي هذه الحالة هل أنا مكلف شرعاً أن أغير هذا المنكر؟ الجواب لا، إذ إنني مكلف أن أغيره بقلبي أو بلساني، فأقول: أيها الناس! حرام عليكم، أيها الناس! لا يجوز هذا، أيها الناس! ربنا قال كيت والرسول قال كيت، فإن سمعوا فخير وبركة، وإن لم يسمعوا فقد أديت الذي عليًّ. ويبقى بعد ذلك أن أغير بقلبي، ولذلك العلماء يقولون: إذا جلست في مجلس فيه منكر، فإما أن تأمر وتنهى، أي: تزيل هذا المنكر، وإما أن تزول أنت عنه، فمثلاً: أنا عندما أجلس على مائدة، وبعد ذلك يأتي أناس يوزعون على الجالسين قوارير من خمر، فأنا لو كنت أعلم أنه سيكون كذلك لم أذهب، ثم سألت: ما هذا؟ قالوا: هذا خمر، لكن خمر على مستوى رفيع، فأقول: هذا حرام، والنبي ﷺ قال كذا وكذا، والله قال كذا وكذا، فيقولون لك: ساعة لقلبك وساعة لربك! كيف هذا الكلام؟ النبي ﵊ لعن قوماً جلسوا على مائدة يدار عليها الخمر، سواء من شرب أو لم يشرب، فقبل أن أقوم قلت لهم: حرام عليكم، وأقمت عليهم الدليل من القرآن والسنة وقول العلماء، وخوفتهم فلم يرتدعوا، فما المطلوب إذاً؟ أخرج من عندهم، فإما أن تزيل المنكر وإما أن تزول أنت عنه.

стр. 763

فهم العبد للنصوص شرط في قيام الحجة عليه وعلى أية حال أنا أريد أن أقول: إن موانع الكفر أربعة: الجهل، والخطأ، والتأويل أو الشبهة، والإكراه، فمن وقع في كفر عملاً أو قولاً، ثم أقيمت عليه الحجة، وبين له أن هذا كفر يخرج من الملة، فأصر على فعله طائعاً غير مكره، متعمداً غير مخطئ ولا متأول؛ فإنه يكفر بذلك، ولو كان الدافع إليه غرضاً دنيوياً؛ لأنه قد علم أن هذا العمل كفر، أو هذا القول كفر، وقد قاله مختاراً غير مكره، راضياً به غير محمول عليه، وغير مخطئ في الإتيان به، وغير متأول ولا شبهة له، بل قامت عليه الحجة وفهمها؛ لأن الحجة لا تقوم على العبد إلا بالفهم؛ لأن بعض الناس يتصور أن مجرد سرد النصوص حجة، وهذا خطأ، بل الحجة هي فهم هذا المحجوج لهذه النصوص، فأنا الآن أقول لك: هذا الذي تعمله حرام، بدليل أن الله قال كذا وكذا، والرسول قال كذا وكذا، ولكن هذا الشخص لا يفهم آية ولا حديثاً، فهل بمجرد سرد هذه النصوص والأدلة تكون الحجة قد قامت عليه؟ الجواب لا، إذ إن الحجة لا تقوم على العبد إلا بعد أن يفهم هذه الحجة وهذا النص. كذلك: لو قال الولد لأبيه: يا أبت تعليق هذه الصور حرام، ولابد أن تنزل صورتك أنت وأمي من على الجدار، وإلا فسوف أنزلها وأكسرها على رأسك أنت وهي! والرسول قال كيت وكيت، والأب سيقول: لم أفهم شيئاً، فهل تعتقد أنك بهذا السرد للأدلة قد أقمت الحجة؟ لا، بل لابد أن يفهم كلامك الذي نسميه (الحجة)، كلامك هذا نقلاً عن كتاب الله وسنة النبي ﵊ وأقوال العلماء وفهمهم لهذه النصوص، عندما تبلغ هذا كله لأبيك سرداً لا تقوم الحجة بذلك حتى يفهم. فإن فهم وأصر على العمل، أو أصر على القول، فننظر إلى هذا العمل وإلى هذا القول، هل هو من الأقوال أو الأعمال المكفرة؟ إذا كان الأمر كذلك فيكفر به. أنا أتكلم على قيام الحجة العامة والمعتبرة، وليس مجرد أن هذا بينك وبين أبيك وكفى؛ لأن قيام الحجة لها شروط وضوابط ليس هذا محلها؛ لكني أقول: لا يكفر المرء إلا بعد قيام الحجة الرسالية عليه -حتى ينتفي عنه مانع من موانع التكفير وهو الجهل- والحجة الرسالية: قال الله وقال الرسول وأجمع أهل العلم، وأن يفهم ما يتلى عليه شرحاً وبياناً وإيضاحاً؛ حتى لا يكون له يوم القيامة عذر بين يدي الله ، إلا إصراره على ما هو عليه من قول أو عمل، وإذا كان هذا العمل ليس من الأعمال المكفرة فينظر: هل هو من الأعمال التي يأثم بها في باب الواجبات أو المحرمات، أو أن هذا العمل في باب الكمال والاستحباب أو في المباحات، وأنه فوت على نفسه -وإن لم يأثم- فضلاً عظيماً وثواباً عميماً. يحتاج إلى معرفة أن هذا صنم، وقد سجد رجل أمامي لصنم في أمريكا، وهذا الصنم على عمود من الأعمدة، والذي لا ينظر إلى قمة العمود يتصور أنه عمود قائم؛ لأن رأس الصنم فوق، فالذي لا ينظر إلى فوق لا يعلم أن هذا صنم. إذاً: هذا الباب باب واسع، بل أوسع من باب الفقه، إذ إن باب الفقه عندما نتكلم فيه عن مسألة من مسائل الفقه؛ كل واحد منا يدور في ذهنه فرعية من الفرعيات. بينما مسائل الإيمان والكفر أوسع من ذلك بكثير، وأنا قلت في أول المحاضرة: اعتبروا أن هذا أول درس في مسائل الإيمان والكفر، ويبقى معنا بعد ذلك دروس عديدة، فأرجو ألا يتسرع الإخوة بتوجيه الأسئلة، وربما يأتي الجواب عن سؤالك دون أن تسأل. ونخلص مما ذكرناه إلى أن مجمل أقوال العلماء تنحصر في عبارات أو في كلمات وتعريفات: أن الكفر يكون بالقول أو الفعل كما يكون بالاعتقاد، ولذلك لم يقيده عامة السلف بالاعتقاد، وأن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، وأن الكفر يكون بالقول أو الفعل وإن لم يعتقد، وهذا كفر المنافقين، أي: أن هذا هو النفاق لأول وهلة. فلو أن رجلاً قد أتى بكلمة الإسلام وعمل في الظاهر بمقتضى هذه الكلمة، لكنه لم يعتقد صحة هذه الكلمة، فهل ينتفي تمام الإيمان بذلك؟ الجواب لا؛ لأن العلماء هنا قد نصوا على عدم شرطية الاعتقاد؛ لأن المرء يكفر بمجرد العمل إذا كان متعلقاً بأصل الإيمان، وأن الكفر بالقول والعمل يثبت للمرء، ولو أنه قال ذلك أو عمل ذلك لغرض من أغراض الدنيا. نكتفي بهذا القدر، وإن شاء الله تعالى لنا لقاءات كثيرة في مسائل الإيمان والكفر. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 764

شرح كتاب الإبانة - قواعد وأصول في مسائل الإيمان والكفر منهج أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر ينبني على أصول وقواعد، هذه الأصول والقواعد تمنع من إطلاق الكفر على المسلمين، إلا إذا أتى المسلم ناقضاً من نواقض الإسلام، أو عملاً نص الكتاب أو السنة على أنه كفر، مع تحقق الشروط وانتفاء موانع التكفير.

стр. 765

سبب اختلاف الناس في مسائل الإيمان والكفر اختلافهم في تعريف الإيمان إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. في الدرس الماضي تكلمنا عن قواعد ومسائل، قلنا إنه ينبغي أن نقف عليها قبل أن ندخل في سرد أقوال السلف فيما يتعلق بمسائل الإيمان والكفر، وقد اتفقنا تقريباً على بعض القواعد والأصول، ونكمل في هذه المحاضرة بقية هذه القواعد التي ينبغي أن نتفق عليها، وإلا فإننا إذا اختلفنا في الأصول فلابد أن نختلف في الفروع. من هذه القواعد: أن علة الاختلاف بين أهل العلم قديماً وحديثاً فيما يتعلق بمسألة الإيمان والكفر اختلافهم في حقيقة الإيمان ومعناه، فلو أنهم جميعاً اتفقوا على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص لما كان هناك خلاف، ولكنهم اختلفوا في تعريف الإيمان. فمنهم من قال: الإيمان هو التصديق، وهذا قول المرجئة. ومنهم من قال: الإيمان هو الإقرار. ومنهم من قال: الإيمان هو المعرفة، يعني: معرفة الإنسان لله بقلبه، ولاشك أنه على هذا التعريف يكون إبليس مؤمناً، وفرعون مؤمناً؛ وذلك لأنهم مقرون داخلاً بالله . ومنهم من قال: الإيمان هو العلم، أي: العلم المجرد بعيداً عن النطق، وبعيداً عن الاعتقاد، فهم يعلمون في أنفسهم أن الله إله واحد، ولكنهم لم ينطقوا ولم يعملوا بذلك، فهم عند الجهمية مؤمنون. فلما اختلف تصور الناس، واختلف تصور العلماء حول حقيقة الإيمان فلابد أن يقع الاختلاف فيما يتعلق في المسائل المتعلقة بالإيمان سلباً وإيجاباً، فعلة الاختلاف: هي الخلل الواقع في تعريف الإيمان.

стр. 766

معرفة الإيمان وحقيقته عند أهل السنة والجماعة الذي يعنينا من هذا كله هو معرفة الإيمان عند أهل السنة والجماعة. إن النبي ﵊ لما قال: (افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة)، الصحابة ﵃ لما علموا سلفاً أن هذه الفرق لا تعنيهم وإنما الذي يعنيهم هو معرفة الحق سألوا عنه؛ ولذلك لما قال: (كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟!)، ولم يقولوا: من هم؟ فلم يسألوا عن الضلال وإنما سألوا عن الحق؛ لأنه هو الذي يلزمهم، وإذا عرف الإنسان الحق عرف أن ما عدا هذا الحق هو الباطل الذي يجب عليه أن يتجنبه وأن يحذره، ولذلك من المناهج الفاسدة الخاطئة في هذا الزمان وعلى الساحة الدعوية أن يعلم الشيخ تلاميذه ومدرسته أصول الفرق الضالة قبل أن يعلمهم أصول أهل السنة والجماعة، فمن الأصول التي ينبغي على طالب العلم أو على المسلم عموماً أن يتعلمها وأن يعتقدها اعتقاداً جزماً: معرفة الإيمان وحقيقته. فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول وعمل. ومنهم من قال: قول وعمل ونية. ومنهم من قال: قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان. وهذه التعاريف مؤداها واحد، وهو أن الإيمان قول وعمل، قول باللسان، وعمل بالقلب والجوارح. هذا تعريف الإيمان.

стр. 767

دخول العمل في الإيمان واختلاف الأعمال في تأثيرها على الإيمان والإيمان على هذا النحو يشمل العمل، وإذا كان الإيمان يشمل العمل فلابد أن يزداد وينقص على حسب عمل العامل، فإذا كان عاملاً بالطاعة ازداد إيمانه، وإذا كان عاملاً بالمعصية نقص إيمانه، فينقص ثم ينقص حتى لا يبقى منه شيء، وكما قلنا من قبل: إن دائرة الإيمان ضيقة في وسط دائرة عظيمة واسعة اسمها دائرة الإسلام، وإذا انتفى الإيمان عن العبد فلا يعني ذلك أنه قد خرج من الملة، وإنما يعني ذلك: أنه سقط من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام. وإذا قرأنا قول النبي ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن)، علمنا أن نفي الإيمان هنا هو نفي للإيمان الواجب، فعندي أن الإيمان ثلاثة كما أن الأعمال ثلاثة، فارتباط الأعمال بالإيمان وارتباط الإيمان بالأعمال ارتباط وثيق، فإذا كان العمل متعلقاً بأصل الدين الذي إذا انتفى هذا العمل انتفى معه الدين، فهذا يدل على ردة من أتى هذا العمل، كمن سب الله تعالى، أو سب الشريعة، أو سب الرسول ﵊، أو استهزأ بآيات الله ، هذا كله عمل، فمن فعل ذلك خرج من الملة وارتد عن دين الإسلام بالكلية. إذاً: نفي الإيمان هنا إنما هو نفي لما هو أصل الإيمان لا للإيمان الواجب، أما الإيمان المستحب أو المندوب فهو المتعلق بالسنن والنوافل وغيرها، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: (ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، وقال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به -أي: لا يسمع إلا بي، ولا يحب أن يسمع إلا ما يرضيني- وكنت بصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي به، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) إلى آخر الحديث. فلو أن واحداً قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فبلا شك أن هذا في الظاهر يثبت له الإسلام، فله ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، لكن إن قال هذه الكلمة وهو يبغضها، أو لا ينقاد لها ولا يذعن لها، أو يشك فيها ويرتاب؛ فلا شك أنه عند الله منافق وإن ثبت له الإسلام ظاهراً، حتى وإن عمل ظاهراً بمقتضى هذه الكلمة ولكنه يشك فيها، أو لا يؤمن بها، أو قالها تعوذاً، فهذا شأن المنافقين. إذاًَ: عندي تفريق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فمطلق الإيمان هو أصل الإيمان الذي إذا جاء ذكر النفي له فهو نفي لحقيقة الإسلام، أما الإيمان المطلق هو الإيمان الكامل التام، وإذا جاء ذكر لنفي هذا الإيمان فإنما هو نفي الكمال والتمام، ونفي الإيمان الكامل لا ينفي أصل الإيمان. شخص يقتل، أو يزني، أو يسرق، أو ينتهب نهبة أو غير ذلك من المعاصي، فنقول له: أنت لست مؤمناً. نعني: لست مؤمناً كامل الإيمان، أما قولنا: لست مؤمناً بمعنى أنه كافر فهذا لا يكون إلا فيما يتعلق بأصل الديانة، أو ارتكاب ما يخل بأصل الدين، أو عمل عملاً أثبت النص أن من عمله فقد خرج من الملة، أو انعقد الإجماع على ذلك، فإننا كما قلنا من قبل: إن هذه المسائل لابد أن يكون فيها نص أو إجماع، فإذا قال لي شخص: ما هو الفارق والضابط بين اعتباري لهذا العمل أنه من أصل الإيمان أو من الإيمان الواجب؟ سأقول له: الضابط لذلك أن يأتيني نص يثبت هذا أو إجماع انعقد على أن من فعل ذلك فقد ارتد.

стр. 768

إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل السنة على أن العمل من الإيمان القاعدة الثانية: إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن العمل من الإيمان. هذا الإجماع نرد به على المرجئة الذين يقولون: لا علاقة للعمل بالإيمان، ويقولون: إن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل، وهذا كلام في غاية البطلان والتهافت والسقوط؛ وذلك لأن الإيمان عندهم هو التصديق، فإن قيل: لماذا وقع المرجئة في هذا؟ أقول: للخلل في معرفة حقيقة الإيمان، فإذا بالمرجئة يقولون: هذا الإيمان ليس قولاً ولا عملاً ولا يزيد ولا ينقص، إنما هو التصديق، فإذا صدق المرء بقلبه، ويا حبذا لو نطق ذلك بلسانه؛ فقد ثبت له الإيمان الكامل وإن لم يعمل شيئاً، أي: وإن ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج، وارتكب جميع الموبقات، قالوا: لأن العمل خيره وشره ليس من الإيمان، ولا علاقة له بالإيمان، فأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان وعن حقيقة الإيمان، فسواء عمل هذا المصدق الطاعة أو ارتكب المعصية فسيان، وعند المرجئة لو أن العامل أو المؤمن عمل صالحاً وانتهى عن السيئات فهذا فضل منه، يعني: يثاب على ذلك فوق الكمال والتمام، وهذا بلا شك تجن وتأل على الله . نحن قلنا من قبل: إن الإجماع من مصادر التشريع، ويا حبذا لو كان هذا الإجماع هو إجماع الصحابة، فلا يجرؤ أحد أن يطعن في الإجماع، خاصة إجماع الصحابة؛ لأن إجماع الصحابة محل اتفاق، فإذا أجمع الصحابة والتابعون على أن العمل من الإيمان كان هذا دليلاً في وجه الجهمية وفي وجه المرجئة في آن واحد؛ لأنهم أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان.

стр. 769

الكفر منه ما هو اعتقادي ومنه ما هو عملي، ولكل منهما ضوابط القاعدة الثالثة: الكفر منه ما هو اعتقادي ومنه ما هو عملي، وضابط الكفر العملي والاعتقادي كذلك النص والإجماع؛ لأن بعض الناس تصور أن الضابط لمعرفة الناقض للإيمان -كفرياً أو عملياً- أن يكون هذا المنقوض متعلقاً بالإيمان، أو متعلقاً بالعمل؛ فهكذا اجتهد، وهذا كلام لم يقله أحد من أهل العلم، وإنما هذا من بنات أفكاره، والصواب: أن الضابط لمعرفة ما إذا كان هذا كفراً اعتقادياً أو عملياً، هو ورود النص أو وجود الإجماع المنعقد على أن هذا كفر عملي أو كفر اعتقادي. النبي ﵊ يقول: (قتال المسلم كفر، وسبابه فسوق) هذا نص، فإذا قلت: هل هذا الكفر اعتقادي أم عملي؟ لابد أن أقول: إن هذا الكفر كفر عملي ليس مخرجاً من الملة، وذلك لوجود النص ووجود الإجماع، أما النص فقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فسمى الله تعالى القاتل أخاً: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ)، وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، فأثبت أن القتال يكون بين طائفتين من أهل الإيمان، فالقتال لم ينف عنهما صفة الإيمان، كذلك إجماع الأمة على أن المسلم إذا قتل صاحبه فلا يكفر بهذا القتل، وإلا لو كان كافراً للزم قيام الحد عليه ردة، لكن قيام الحد يكون قصاصاً، فالذي يقام عليه الحد قصاصاً هل يكون مرتداً أو كافراً؟ لا يكون كذلك، وانعقد الإجماع على أن قاتل المسلم لا يكفر بذلك.

стр. 770

التفريق بين الكفر العملي المخرج من الملة والكفر العملي غير المخرج منها عند هذه النصوص: (قتال المسلم كفر)، أريد أن أعرف: هل هذا الكفر اعتقادي؟ إذا كان اعتقادياً كفر به صاحبه وخرج من الملة والإسلام، أما إذا كان عملياً فينظر: إذا كان من العمل الذي إذا ارتكبه العامل أخرجه من الإسلام، أم أنه من الأعمال التي لها مكفرات وحدود حدها الشرع كحد الزنا والسرقة والقتل وشرب الخمر وغير ذلك من الحدود لم يخرج من الإسلام؛ لأن بعض الناس انطبع في ذهنه أن الكفر الاعتقادي مخرج من الملة، وهذا كلام سديد، أما الذي ليس كذلك فهو ما انطبع في أذهانهم أن الكفر العملي مطلقاً لا يخرج به صاحبه من الملة، وهذا هو الخطر، بل هذا بيت القصيد بين أهل السنة ومن عداهم، فغير أهل السنة يعتبرون أن الكفر العملي مطلقاً لا يخرج به صاحبه من الملة، ويقولون: هو كفر عمل -أي: كفر دون كفر- ليس هو الكفر الذين تذهبون إليه المخرج من الملة. والحقيقة أن الكفر العملي لابد أن ننظر فيه إلى نوع العمل الذي انتهشه وارتكبه العامل، فإن كان متعلقاً بالدين نصاً أو إجماعاً فإن الكفر العملي حينئذ معناه بالخروج من الملة، وإذا كان متعلقاً بالإيمان الواجب، بالحلال والحرام والواجبات في الإسلام وغير ذلك، فلاشك أن نفي الإيمان هنا إنما هو نفي للإيمان الواجب وليس الكامل، أما الكامل فهو المستحبات والمندوبات وغير ذلك، وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد السابع، فقد خصص هذا المجلد كله من أوله إلى آخره فيما يتعلق بقضايا الإيمان والكفر، وهذا الكتاب لا يشبع منه القارئ، وهو مجلد متعلق بالإيمان ومسائل الإيمان، لا يمل منه طالب العلم أبداً؛ لأنه كلام أحلى من العسل، كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فضلاً عن تلميذه البار ابن القيم عليه رحمة الله في غالب كتبه، إذا تكلم عن مسائل الاعتقاد فإنه يقرر ما سمعتموه الآن، وهو ما تلقاه عن شيخ الإسلام ابن تيمية. إذاً: الذي يعنيني في هذا الأصل: أن تقسيم الكفر إلى اعتقادي وعملي لا يلزم منه أن العملي لا يكفر به صاحبه، بل لابد من النظر إلى أصل هذا العمل، فإذا كان متعلقاً بأصل الدين فلابد أننا سنحمل نفي الإيمان هنا على نفي الإيمان الأصلي، وإذا كنا نقول: إن العمل عملان: عمل يكفر به صاحبه؛ وعمل لا يكفر به صاحبه، فلا شك أن العمل الذي لا يكفر به صاحبه ليس متعلقاً بأصل الديانة، وإنما هو متعلق بأصل الإيمان. مثال: الذبح لغير الله عمل، فإذا كان الكفر العملي لا يخرج به صاحبه مطلقاً من الملة، إذاً: الذبح لغير الله ليس كفراً مخرجاً من الملة، وكذلك السجود لغير الله، فإذا قلنا: إن الكفر العملي مطلقاً لا يخرج به صاحبه من الملة يلزمنا أن نقول: إن من سجد لغير الله لا يكون كافراً، وأنتم تعلمون يقيناً أن من سجد لغير الله كفر وخرج من الملة مع أنه عمل، وكذلك من سب الله أو سب الرسول أو سب الشرع أو سب الدين، أو استهزأ بآيات الله أو غير ذلك؛ كل هذا من الأعمال أو الأقوال، ومع هذا فقد أجمعت الأمة أن من ارتكب شيئاً من ذلك خرج من دائرة الإسلام ودخل في حظيرة الكفر. إذاً: الذي يعنيني في هذا الأمر أن تقسيم الكفر إلى اعتقادي وعملي تقسيم سديد وقال به كثير من السلف، أما اعتقاد أن الكفر العملي هو الذي لا يخرج به صاحبه من الملة فلا، فمن العمل ما يكفر به صاحبه -وقد ذكرت لكم أمثلة- ومن العمل من لا يكفر به صاحبه، والنبي ﵊ يقول: ليس منا من فعل كذا وكذا وكذا، ولفظ (ليس منا) قد ورد في أحاديث كثيرة: قال ﵊: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها) (خبب) بمعنى: أفسد. وقال ﵊: (ليس منا من غير منار الأرض)، أي: علامات وإشارات الأرض والدلالات على قوارع الطرق أو غير ذلك، فقوله ﵊: (ليس منا) المقصود به العملي أم الاعتقادي؟ العملي، وهذا العمل لا يخرج صاحبه من الملة. عندما يقف شخص عند كبري (المنصورة) ويجد لافتة فيها سهم إلى جهة الغرب يؤدي إلى المنصورة، وسهم إلى الجنوب يؤدي إلى الإسكندرية فقام هذا الشخص بتغيير هذه اللافتة؛ فأصبح طريق الإسكندرية هو طريق المنصورة والعكس، هذا الذي قال ﵊: (ليس منا من غير منار الأرض)، فهل قوله: (ليس منا) يعني أن من عمل ذلك كفر وخرج من الملة؟ هل (ليس منا) نفي للإسلام والإيمان، أو نفي لأخلاق النبوة وآدابها، وأخلاق المسلمين وما هم عليه من التزام أوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه وغير ذلك؟ فهذا بلا شك من العمل الذي لا يكفر به صاحبه، خلافاً للأعمال السابقة التي ذكرتها، وقد انعقد الإجماع فضلاً عن هذا النص على أن من ارتكب شيئاً منها خرج من الملة. ونقل غير واحد الإجماع كـ ابن حزم على أن الكفر يكون بالقول والفعل كما يكون بالاعتقاد، لا خلاف بين أحد من الناس أن الكفر يكون بالاعتقاد، كما أنه لو قال كفراً متعمداً غير جاهل ولا متأول ولا مكره كفر بالله. يعني

стр. 771

ضوابط الكفر بالقول ومذهب الفرق الضالة فيه والكفر الثاني: وهو كفر القول، لو أن قائلاً قال قولاً كفراً مع تحقق الشروط وانتفاء الموانع كفر بالإجماع؛ لكن الخلاف وقع في الكفر بالعمل على النحو السابق الذي ذكرت في تقسيم الكفر العملي إلى مخرج وغير مخرج، ومنهم من يقول -وهم المرجئة والجهمية على جهة الخصوص- لا يكفر العامل بعمله البتة حتى وإن كان العمل في ذاته كفراً؛ وذلك لأنهم يقولون إن العمل لا علاقة له بالإيمان، ولذلك سواء تعلق هذا العمل بالكفر أو لم يتعلق بالكفر؛ فإنه لا يؤثر على إيمان العبد بل على كمال إيمانه وتمامه، وهذا ضلال مبين، إذا رجعنا شيئاً إلى الوراء وقلنا: الإيمان عند أهل السنة قول وعمل، فلا شك أننا نقول: إن القول جزء من الإيمان لا يكون إلا به، وكذلك العمل جزء من الإيمان لا يكون إلا به، فإذا اختل العمل لابد أن يختل الإيمان، واختلال الإيمان المتعلق باختلال العمل يتوقف على نوع العمل. الشاهد من ذلك أنني أقول: الإيمان قول وعمل، فإذا كان يتكون الإيمان من هذين فلابد لي أن أقول: وجود الإيمان مرتبط بوجود أمرين إذا انعدم أحدهما انعدم الإيمان، وأحياناً يكون القول ليس شرطاً في حق أحد الناس، فقد يكون شخصاً أخرس غير قادر على النطق، فالنطق ليس شرطاً في حقه، فإشارته إلى السماء بسبابته كافٍ، أو حتى مجرد إعرابه عن فهمه للكلام أو الإشارات الموجهة إليه كافية في إثبات ذلك؛ لأن عجزه عن الكلام والنطق وصممه أدى به إلى عدم النطق، فمن عجز عن القول كمن عجز عن بعض الأعمال، فالذي أخرج به من هذه القاعدة: إذا كان الإجماع قد انعقد على أن الكفر يكون بالاستحلال، والاعتقاد، والتكذيب، والجحود، فكذلك يكون الكفر بالقول ويكون الكفر بالعمل؛ لأن بعض الناس يقولون: العمل لا يكفر به العامل إلا إذا استحل، وهذا كلام المرجئة وكلام الجهمية، يقولون: مهما عمل العامل من عمل وإن كان ظاهره الكفر إلا أن الفاعل لا يكفر إلا إذا استحل، فمن أين يعرف أنه استحل؛ لأن الاستحلال شيء قلبي؟ ننظر لمتأخري الأحناف وبعض أهل العلم، قالوا: نعم. سب الله كفر. نقول: سب الله عمل، إذاً: أنتم تناقضتم مع أنفسكم؛ لأنكم قلتم: إن العامل لا يكفر بعمله إلا إذا استحل، فإن قالوا: لا، خالفوا الإجماع، كما خالفوا النص: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] وغيره من النصوص، فالإجماع انعقد على أن من سب الله أو الرسول أو الشرع أو وطئ المصحف بقدمه أو سجد لصنم أو لغير الله كافر خارج من الملة، هذه مسائل من مسائل الإجماع لم يختلف عليها أحد. فإذا قالوا: من سب الله لم يكفر؛ لأن هذا عمل، قلنا: خالفتم النص والإجماع، ومن خالف النص والإجماع فقوله غير معتبر، وإذا قالوا: نعم. قلنا: هذا عمل، ومن أصول مذهبكم أنكم لا تكفرون بالعمل إلا إذا استحل العامل هذا العمل. قال القائل منهم: نعم. من أصولي أن العامل إذا عمل عملاً ظاهره الكفر لا يكفر بذلك إلا إذا استحل. نقول: لم كفرته هنا؟ قال: لقرينة، فانظر إلى الكلام الفاسد. قال: لقرينة. فأنا لم أكفره بمجرد العمل، وإنما سبه لله تعالى يدل على بغضه الداخلي لله، وهكذا رد المسألة للاستحلال والاعتقاد؛ وذلك لأن العامل عندهم لا يكفر إلا إذا اعتقد، أي: استحل، وهذا كلام في قمة الفساد، ولم يقل به واحد من أهل العلم من سلف الأمة.

стр. 772

يسر الإسلام باعتبار موانع التكفير من موانع التكفير الجهل، وأنتم تعرفون أنه لو لم يكن الجهل من موانع التكفير لوقع معظمنا في هذا المحظور، فنحن نخطئ كثيراً في المسائل العملية، بل نخطئ في المسائل الاعتقادية، بل نخطئ في الأسماء والصفات وبما يتعلق بالذات العلية، فإذا لم نكن معذورين بهذا الخطأ أو بهذا الجهل، فإن الله تعالى كان ينبغي أن يكون له معنا شأن آخر، فمن رحمة الله ويسر هذه الشريعة أن جعل الجهل مانعاً من موانع التكفير. وكذلك الخطأ أو الشبهة: شخص يعمل عملاً خطأً أو متأولاً، عنده شبهة يعتقد أنه على الحق، فإذا به على الخطأ المبين؛ لذلك هو يقول قولاً ويرجع عنه غداً، يقول قولاً اليوم، فإذا تعلم وبانت له الحقائق رجع عن قوله وذم التعصب. وكذلك الإكراه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، وهذه طبعاً الرخصة، أما العزيمة فهي أن يثبت المرء على إيمانه وإن قتل؛ وذلك لأنه يضحي بأمر عام، خاصة إذا كان من أصحاب الوجاهة، وممن يشار إليه بالبنان. ابتُلي أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بفتنة خلق القرآن، فـ أحمد بن حنبل طيلة عمره كان يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال إنه مخلوق فقد كفر، وإذا بالخليفة يحبسه ويضربه ويركبه على دابة، ويجعل ظهره في مكان وجهه، ووجهه في مكان ظهره، فيكون وجهه في دبر الدابة، ويطوف به بغداد، ويقول له: يا أحمد! قل للناس: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أحمد بن حنبل، فلا يزيد أحمد إلا أن يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال بغير ذلك كفر. إصرار منه إلى آخر لحظة، فطافوا به على بغداد، وجيء به فأدخل السجن، ودخل عليه رجل يشفق عليه. قال: يا إمام! كلمة قلها تنج بها من الأسر؛ فنظر أحمد إلى ثلاثين ألفاً قد وقفوا بمحابرهم وأقلامهم، وقال: أقول كلمة يكتبها هؤلاء فتكون ديناً إلى قيام الساعة، لا والله لا أقولها، فخرج وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق. وجاء أحمد بن أبي دؤاد عالم السلطة في ذلك الزمان، فقال: يا أحمد! أليس القرآن شيئاً؟ قال: بلى. قال: أليس الله خالق كل شيء؟ قال: بلى. قال: إذاً: الله تعالى خالق لهذا القرآن. قال أحمد بن حنبل: يا ابن أبي دؤاد! أليس القرآن شيئاً؟ قال: بلى. قال: أليس الله تعالى قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] أتقول: أن هذا القرآن يدمر؟ فسكت أحمد بن أبي دؤاد؛ لأنه لو قال: نعم. كفر وهو يعلم ذلك، وإن قال: لا. أقيمت عليه الحجة، وانصرف الناس جميعاً وقد أخذوا قول أحمد، ولا يزال أهل السنة والجماعة يعتقدون صحة قول أحمد إلى أن تقوم الساعة، فإمام الفتنة في ذلك الزمان هو أحمد بن أبي دؤاد، وإمام الهدى والتقى والعلم هو أحمد بن حنبل ﵁ ورحمه، رجل علم أن مدار كلمة الأمة وصحة اعتقادها على قوله، فلابد أن يثبت وإن كان ثمن ذلك ذهاب روحه وخروج نفسه، فهذه من العزيمة في حقه، إذ لا يحل لـ أحمد بن حنبل أن يأخذ بالرخصة حينئذ، أما إنسان آخر من غثاء الناس لا يؤبه بقوله ولا يعبأ به، فلا بأس أن يقول كلمة الكفر حين الإكراه. إن يحيى بن معين إمام من أئمة العلم في زمن أحمد بن حنبل، بل هو شيخ أحمد بن حنبل في الرجال، سقط هذه السقطة. قال: القرآن كلام الله مخلوق، فخاصمه أحمد ولم يكفره، وهذا أمر سنتعرض له بعد قليل، فلما دخل يحيى بن معين لزيارة أحمد أشاح عنه أحمد بوجهه، فقال يحيى: يا إمام! والله إنك لتعلم أني لا أعتقد ذلك، وأنت تعلم أني أعتقد أنه غير مخلوق؛ ولكني قلت ذلك مخافة السوط. اقرأ ترجمة يحيى بن معين تجده رجلاً نحيف البدن، هزيل الجسم، فضربة بسوط أو سوطين تنهي أمره ويكون ميتاً، ما قال ذلك إلا هروباً من الضرب، فهو معذور في هذا، والإكراه له شروط ليس هذا أوان سردها. فموانع التكفير: الجهل، والخطأ، والتأويل أو الشبهة، والإكراه، حيث إن التكفير حكم شرعي له ضوابطه، وأحكامه وحدوده يجب مراعاتها، فلابد من قيام الحجة وفهمها، وفي الدرس الماضي قلنا: ليست العبرة في قيام الحجة على الشخص، بل العبرة في أنه يفهم هذه الحجة. مثال ذلك: لو أنك قلت لشخص: الذي تعمله هذا حرام؛ لأن ربنا قال كيت وكيت وكيت، والرسول قال كيت وكيت، وهو لم يفهم نصاً واحداً، هل أقمت عليه الحجة بهذا؟ فهو لم يفهم معنى كلام الله ولا معنى كلام الرسول ﵊، ولا يفهم ما معنى إجماع الأمة، فلابد أن يفهم الرجل الحجة، كما يجب أن تتوفر الشروط المؤدية إلى إلحاق الكفر به، وتنتفي عنه الموانع المانعة من إلحا

стр. 773

الفرق بين القول: العمل الفلاني كفر، والعامل كافر إثبات الفارق بين قولنا: العمل الفلاني كفر، وقولنا: العامل كافر، هناك فرق بين القولين، وهذا أدى بكثير من الناس إلى إطلاق أحكام التكفير، فلو قلنا: إن سب الدين كفر، فلا شك أن هذا من مسائل الإجماع، لكن بشرط أن تتوجه إرادة الساب إلى قصد سب الدين، أما إذا كان هذا الساب عاملاً بأحكام الشرع ظاهراً وباطناً في الليل والنهار، وسبق لسانه في غير قصد منه إلى سب الدين فإنه لا يكفر؛ لأنه لم يقصد هذا السباب، ولم تتوجه إليه إرادته. ولو أن شخصاً قصد بالدين الخلق كخلق المسبوب، إذ لم تتوجه إرادته قط إلى الدين الذي نزل من السماء، وإنما قصد بالدين خلق هذا المسبوب، فإن هذا لا يكفر حتى وإن كان سب الدين في ذاته كفراً، فنقول: القول الذي قلته كفر، لكن هل تكفر به؟ هذا موطن النزاع، القول قول كفر بلا نزاع، والنزاع: هل يكفر القائل أو العامل أو لا؟ ولذلك ليس كل من وقع في الكفر كافراً، كما أنه ليس من وقع أو تلبس ببدعة مبتدعاً. ولذلك جاء عن بعض السلف أنهم كانوا متلبسين ببعض البدع ظناً منهم أنها السنن، فلما علموا أنها بدع انتهوا عنها، وذموا ما كانوا عليه سلفاً، وعملوا بالسنن عملاً مستأنفاً، وتحسروا وندموا أشد الندم على ما كان منهم، لكنهم يعلمون يقيناً أنهم غير آثمين بذلك؛ لأنهم ظنوا أن ما كانوا عليه قربة إلى الله . إذاً: عندما أرى شخصاً على بدعة لا أبادر إلى تبديعه أو تفسيقه أو الحكم عليه حتى تقام عليه الحجة الرسالية، فربما وقع فيه بجهل أو بخطأ أو بتأويل أو بشبهة أو إكراه، وهذه هي الموانع، فلا أبادر بإلحاق الكفر عليه إلا بعد قيام الحجة عليه وفهمه لهذه الحجج، إذاً: هذا الأصل الذي نذهب إليه ونقرره دائماً: أن الفارق قائم بين كفر العمل وكفر العامل، والعمل البدعي وبدعية العامل، فليس كل من ارتكب الكفر كافراً، كما أنه ليس كل من تلبس ببدعة مبتدعاً. الأصل الذي يلحق بهذا، لو أن قائلاً قال بمقولة قال بها بعض أهل الفرق الضالة متأولاً أو مجتهداً يظن أن هذا هو الحق، ولو علم أن الحق في خلافه لانتهى عنه، يا إخواني كم من عالم من علماء السنة عميت عليه مسائل اعتقادية على طور التاريخ وعرضه، ولك أن تنظر في كتب التراجم كسير أعلام النبلاء، أو تهذيب الكمال، أو غير ذلك من الكتب التي ترجمت لعلماء السلف والخلف معاً، ستجد أن الرجل كانت إليه الرحلة من أقطار الأرض، ومع هذا له زلة، وهذه الزلة في العلم أو العمل أو العبادة أو العقيدة، وأياً كانت لكن السؤال الآن: هل يخرج هذا الرجل بهذه الزلة عن حظيرة أهل السنة والجماعة؟ الجواب لا، لماذا؟ لأنه لابد من صناعة الموازنة في حق هذا الرجل بين إصابته وخطئه، فمن غلبت إصابته على خطئه كان الأصل فيه الاستقامة، ويُرَدُّ شره لخيره. فلو ضربنا مثلاً لذاك لوجدنا أن الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله ذاك العلم الذي يشار إليه بالبنان، ولا يفهم أحد كلام النبي ﵊ في صحيح البخاري إلا من طريق الحافظ ابن حجر، ولا يقول بغير ذلك إلا متكبر بطر الحق وغمط الناس، هذا الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله إمام من أئمة الهدى، وداعية من دعاة السنة أخطأ في مسائل من أقوال الأشاعرة؛ فقال بقول الأشاعرة، فهل يعد بهذا أشعرياً؟ الجواب لا؛ قولاً واحداً؛ لأننا إذا نظرنا إلى الرجل وجدنا أن الأصل فيه الاستقامة على منهج السلف، والدعوة إلى منهج السلف وعقيدة الصحابة ﵃ علماً وعملاً، وهذا موجود في كل كتابات الحافظ ابن حجر فنقول: عميت عليه هذه المسائل بعينها، والقول فيها على غير عقيدة السلف لا يخرج الحافظ من دائرة أهل السنة؛ لأن الأصل فيه الاستقامة. كما أنه لا يصلح أبداً أن نقول في رجل معروف بالبدعة، والأصل فيه الانحراف والزيغ عن عقيدة أهل السنة: إن هذا رجل من أهل السنة، فلو أن محيي الدين بن عربي -إمام من أئمة الضلال- قال قولاً وافق فيه أهل السنة، فهل هذا القول يخرجه عن حد البدعة؟ لا يخرجه؛ لأن الأصل فيه الانحراف عن عقيدة أهل السنة، ولو أن ابن تيمية عليه رحمة الله الآن وقفنا له على قول يخالف فيه أهل السنة، ويوافق فيه قول بعض أهل البدع، فهل يكون مبتدعاً بهذا القول؟ لا يكون مبتدعاً بهذا القول؛ لأن النظر إلى أصله هو الاستقامة، فلابد من صناعة موازنة في حق كل إنسان على حدة، إذا كان خطؤه عظيماً كان الأصل فيه الانحراف، وإن أصاب فإن إصابته لا تخرجه عن طريق الانحراف، والعكس بالعكس، إذاً: لا يلزم من الوقوع في الكفر أن يكون الشخص كافراً، كما لا يلزم من الوقوع في البدعة أن يكون صاحباً مبتدعاً. إن الحافظ ابن حجر شن حملة شعواء في المجلد الأول والثالث عشر على الأشاعرة، وبين فساد معتقدهم، وانحرافهم عن الجادة والصواب، ثم وقع فيما وقعوا فيه؛ لكن بالنظر إلى ما أصاب فيه لا يساوي شيئاً، فيبقى أن الأصل فيه الاستقامة، وأن هذا الانحراف مغفور له بإذن

стр. 774

الحق يؤخذ من كل من جاء به حتى وإن كان كافراً الأصل الثاني الذي هو محل اتفاق: أن الحق يؤخذ من كل من جاء به حتى وإن كان كافراً، والباطل يرد على كل من جاء به وإن كان شيخ الإسلام، فهذا الأصل لا علاقة له بالأشخاص؛ لأن الحب يعمي ويصم، وكما يقال: (حبيبك يبلع لك الزلط، وعدوك يتمنى لك الغلط) فهذا يا إخواني! ليس فيه أدنى موضوعية ولا تجرد لله ، فأنا حبي لله وحبي للرسول ﷺ وللصحابة ينبغي أن يفوق كل محبوب؛ ولذلك النبي ﷺ يقول: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً)، (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، إذاً: تحب الله وتحب رسوله، وإذا كنت صادقاً في هذه المحبة فاعلم أن حبهما اتباع واقتداء وعمل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]. الشاهد من هذا: أنني أحب فلاناً ولا أحب فلاناً آخر، فهل عدم حبي لفلان يحملني على رد قوله وإن كان حقاً، فمن كان هذا شأنه فإن هذا باب من أبواب الزندقة والإلحاد، وكما يقولون: الطالب الذي له شيخ واحد كالرجل الذي له امرأة واحدة، إذا حاضت حاض معها، وإذا نفست نفس معها. يقول ابن المعتز: لا تعلم الحق إلا إذا سمعته من غير شيخك، فلو دخل علينا الآن رجل وأخبرنا بخبر وكان ثقة عندنا صدقناه، فإن دخل الثاني وأخبرنا بنفس الخبر ازددنا به تصديقاً، وكذلك الثالث والرابع؛ حتى نستطيع أن نقسم على صحة هذا الخبر، لماذا؟ لأن هذا الخبر قد بلغنا بالتواتر والعلم اليقيني الذي يضطر الإنسان إلى تصديقه بغير نظر ولا بحث، بخلاف خبر الآحاد. إذاً: في هذه الحالة يا إخواني! نتفق على ترك التعصب؛ لأنه لا يصلح أن يكون التعصب خلقاً لمسلم فضلاً عن أن يكون خلقاً لطالب العلم، والحق يؤخذ من كل من أتى به لأنه الحق، وأنا محاسب عليه سلباً وإيجاباً -إيجاباً أثاب فيه، وسلباً أعاقب عليه لتركه- تصور لو أن شنوده أو شارون وجد مسلماً يزني أو يسرق أو يقتل وقال: يا فلان! اتق الله أليس الله قد حرم عليك هذا؟ فقال المسلم: من أجل أنك شارون لن آخذ بنصحك، وسأستمر في معصيتي. هل يقول بهذا عاقل يا إخواني؟ لا؛ لأن الحق يؤخذ من كل من جاء به حتى وإن كان شارون، طبعاً هو لا يأتي بالحق مطلقاً، لكن على فرض أنه أخطأ مرة وجاء بالحق. فهل يقبل منه؟ نعم، لأن هذه قواعد مقررة لا خلاف عليها. إذاً: التعصب للنبي ﵊، والتعصب للكتاب والسنة، والتعصب لسلف الأمة، أما ما دون ذلك فعار أن تتعصب له أياً كان هذا الشخص؛ لأنه يخطئ ويصيب. كما أن المسلم يتعصب للإجماع؛ لأن الأمة معصومة من الوقوع في الضلال، وإذا قلت: إن هذه المسألة من مسائل الإجماع، فمعناه إجماع علماء الأمة المعصوم في الجملة، فالتعصب لا يكون إلا لأمثال هؤلاء. فنفرق بين فعل الكفر أو البدعة وبين من وقع فيها، فلا يلزم من إثبات كفر الفعل إثبات كفر الفاعل، ولا يلزم من إثبات بدعية الفعل بدعية الفاعل، فربما قام بينه وبين الكفر والبدعة مانع من موانع التكفير أو التفسيق أو التبديع. وهذا أصل من أصول أهل السنة، أنهم يفرقون دائماً بين إطلاق القول بالكفر وكفر المعين، فالإمام أحمد بن حنبل كان دائماً يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، والذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق في زمان أحمد بن حنبل هم المعتزلة ومن خاف من بطشهم من علماء السنة، كـ يحيى وغيره، ومع هذا لم يكفر أحمد بن حنبل الحكام في زمانه بأعيانهم، ولم يكفر العلماء ومنهم يحيى بن معين كما سبق؛ وذلك لأن هناك فارقاً عظيماً بين كفر العمل وكفر العامل أو كفر المعين، وقد سئل أحمد بن حنبل: ألست تقول يا أحمد إن من قال القرآن مخلوق فقد كفر؟ قال: بلى. قيل له: فلم لم تكفر فلاناً وفلاناً من حكام المعتزلة وأمراء المؤمنين؟ قال: أليسوا قالوا ذلك ابتغاء وجه الله وإقامة دينه؟ يعني: هم ما فعلوا ذلك إلا جهلاً منهم، وهم يتصورون أنهم يقيمون بذلك الدين، فالمعتزلة في ذلك الزمان كانوا يحاربون أحمد بن حنبل من باب أن أحمد بن حنبل يقول: القرآن غير مخلوق؛ ظناً منهم أنه يخرب عقيدة المسلمين، فهم كانوا يتهمون أحمد بن حنبل بأنه خرب عقيدة المسلمين، وما قاموا عليه قومة رجل واحد إلا من باب حماية الدين وحراسته، فما فعلوه مع الإمام أحمد بن حنبل كان مصدره ومنشؤه الجهل، وما كان حرصهم على ذلك إلا لتثبيت مسائل الاعتقاد لدى المسلمين، فعملوا كل ذلك لأنهم يحبون الله ورسوله والقرآن، فعندما يأتي عالم كـ أحمد بن حنبل ويقول: القرآن ليس مخلوقاً فإنه سيقلب الموازين ر

стр. 775

أحكام الدنيا تجري على الظاهر بخلاف أحكام الآخرة فإن مردها إلى الله الأصل الأخير في المحاضرة: هو أن أحكام الدنيا تجري على الظاهر بخلاف أحكام الآخرة فإن مردها إلى الله . لو قال رجل الآن: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فإنه قد أسلم ما لم يأت بناقض من نواقض الإسلام، وهذا يعني أن كل من ثبت له الإسلام باليقين فإنه لا يزول عنه بالشك أو الظن المحتمل؛ وذلك لأن الشك لا يزيل اليقين قط، ولا يزول اليقين إلا بيقين مثله، ما لم يتلبس بناقض من نواقض الإسلام القولية أو العملية، كأن يقول: أنا كافر بالله، مع تحقق الشروط وانتفاء الموانع، أو يعمل عملاً نص الشارع على أن من عمله خرج من الإسلام، أو أجمعت الأمة أن هذا العمل ردة وكفر. نكتفي بهذا القدر. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
следующие страницы →