← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

أثر وهب بن منبه: (الرجاء قائد) قال: [وعن وهب بن منبه أنه كان يقول: الرجاء قائدك]، أي: يقودك إلى الله، [والخوف سائق]، أي: يسوقك من الخلف، [والنفس حرون]، أي: تحرن عليك وتمتنع عن العمل، كما يقال: هذا الحمار حرن مني، أي امتنع عن السير والعمل، وهكذا النفس، فالرجاء يقودها إلى الله، والخوف يسوقها من الخلف، إذاً النفس في الوسط، أمامها الرجاء وخلفها الخوف. قال: [إن فتر قائدها]، وهو الرجاء، [صدت عن الطريق فلم تستقم لسائقها، وإن فتر سائقها لم تتبع قائدها، فإذا اجتمعا استقامت طوعاً وكرهاً]. وكأنه قال: الخوف والرجاء لا بد منهما للنفس التي ترغب أن تصل إلى الله ؛ خوفاً من عذابه وناره، وطمعاً في جنته ورحمته.

стр. 702

أثر علي بن أبي طالب: (ألا أخبركم بالفقيه) قال: [وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ألا أخبركم بالفقيه كل الفقيه؟] أي: ألا أخبركم بالفقيه حقاً؟ قال: [من لم يقنط الناس من رحمة الله]، وهذا كلام الدعاة والوعاظ، [ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله. وذكر الحديث]. فالذي يكون كل كلامه في الجنة حتى يوقن الرجل أنه ليس هناك شيء اسمه: عذاب ولا عقاب ولا نار، وأن الله غفور رحيم، وبالتالي فلماذا نصلي ونصوم ورحمة الله قد وسعت كل شيء حتى اليهود والنصارى؟ هكذا يقول! بل هكذا اعتقد أحد المسلمين وقال لي: أتظن أن رحمة الله تعالى لا تشمل اليهود والنصارى؟ قلت: والله لا تشملهم، قال: يلزمك التكفير عن هذه اليمين! فقلت: الذي لا يكفر اليهود والنصارى فهو كافر، وإن كان يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويزعم أنه مسلم؛ لأنه قد كذب الله تعالى في آياته، وكذب النبي صلى الله في حديثه، والقرآن والسنة قد ملئا بالآيات والأحاديث التي تدل على أن كل من لم يؤمن بالله رباً، وبمحمد ﵊ نبياً ورسولاً، ويعمل بمقتضى هذا الإيمان؛ فإنه كافر، ولعل الوقت يسمح بسرد ذلك بإذن الله إذا تكلمنا عن الإيمان. فالفقيه الحق هو الذي يعطي الناس جرعة خوف مع جرعة رجاء، فيخرج المرء من مجلس الوعظ بين الخوف الذي يحمله على العمل، وبين الرجاء الذي لم يقنطه من رحمة الله ، النبي ﷺ وهو أول من تنشق عنه الأرض، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو سيد الأولين والآخرين، ومع هذا كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فلما قالت عائشة: (يا رسول الله! أليس الله تعالى قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال النبي ﵊: أفلا أكون عبداً شكوراً)، والشكر باب من أبواب الرجاء لله ، كما أنه باب من أبواب الخوف لله .

стр. 703

دخول الجنة لا يكون إلا برحمة الله قال: [وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل أحداً منكم عمله الجنة، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل، ووضع يده على رأسه ﵊]. يا إخواني! مهما عمل العاملون، فإنهم لا يكافئون الله تعالى في أدنى نعمة أبداً. وعند الحاكم من حديث أنس بسند لا بأس به أن النبي ﵊ قال: (كان رجل فيمن كان قبلكم عبد الله ستمائة عام)، فهل هناك أحسن من هذا؟ ستمائة عام وهو في عبادة مستمرة، ما بين قائم وراكع وساجد وداع وتال وغير ذلك. قال: (فقال الله له: تمن، فتمنى أن يموت وهو ساجد، فمات وهو ساجد، ثم أمر به فجاء بين يدي الله ، فقال الله: أدخلوا عبدي الجنة بفضلي، فقال العبد: لا يا رب! بعملي، فأمر الله تعالى الملائكة أن يزنوا عبادة ستمائة سنة في مقابل نعمة البصر فقط، فلما وضعوا البصر في كفة والعمل في كفة طاشت عبادة ستمائة عام، فقال الله : أدخلوا عبدي النار، فقال: يا رب! أدخل الجنة بفضلك، فدخل الجنة بفضل الله . فلا بد أن يحاسب الواحد منا نفسه، وأن يرد الفضل إلى الله، إذ إنه الذي قواه على العبادة، وإذا استمر هذا العبد في عبادة الله ستمائة سنة فمن الذي قواه عليها؟ ومن الذي هداه إليها؟ إنه الله تعالى مصدر كل خير، فلا يغتر المرء بعمله؛ لأن المرء لا يدخل الجنة بعمله، إنما العمل سبب لدخول الجنة أو دخول النار، أما دخول الجنة فهو بفضل الله ، ودخول النار بعدل الله .

стр. 704

موقف السلف من المرجئة وتخويفهم من معتقدهم قال: [وعن ابن أبي مطيع قال: شهدت أيوب وعنده رجل من المرجئة]. وأيوب هو أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري الإمام الكبير، والمرجئة يقولون في الإيمان إنه تصديق القلب، والعمل ليس من الإيمان، ولذلك دفعهم هذا إلى أن يقولوا لزاماً بهذا النص: إن إيمان أفسق الخلق كإيمان جبريل وميكائيل؛ لأن العمل لا علاقة له بالإيمان عندهم، فيستوي مع جبريل عندهم من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله وصدق بهذه الكلمة بقلبه، ولو ترك كل الأوامر وارتكب كل النواهي؛ فهذا إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل، وهذا كلام دعاة الفساد والمجلات، فالعمل عندهم لا علاقة له بالإيمان البتة. قال: [فجعل يقول: إنما هو الكفر والإيمان]، أي: أن هذا المرجئ يقول لـ أيوب إمام السنة في زمانه: الإنسان إما كافر! وإما مسلم، وليس هناك غير هذا. قال: [وأيوب ساكت، فأقبل عليه أيوب فقال: أرأيت قول الله : ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٦]]، فهذه الآية هل يمكن أن تكون نزلت في الكافرين؟ أليست المسألة كلها عند المرجئة إيماناً أو كفر؟ أيضاً هل هذه الآية موافقة للقواعد التي قعدها المرجئة لأصل مذهبهم، أم أن هذه الآية تشهد لمذهب أهل السنة والجماعة؟ ((وَآخَرُونَ))، أي: من الخلق ((مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ))، أي: يوم القيامة ((إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ)). ثم مستحيل أن هذه الآية في صفات الكفار؛ لأن الكفار في عذاب الله يقيناً، وأنه لا تلحقهم التوبة أبداً إذا ماتوا على الكفر، فهذه الآية وردت للعقوبة أو العفو عنهم يوم القيامة، وهل يكون عن الكافر عفو يوم القيامة؟ لا يمكن العفو عن الكافر يوم القيامة، وقد يأتي من يقول: أليس الله على كل شيء قديراً؟ بلى، ونحن مؤمنون بهذا؛ لكن الله الذي هو على كل شيء قدير خلق الجنة وخلق النار، وجعل لكل منهما قسماً، وقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت! والله أخبرنا أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، فإذا جاء شخص وقال: هل يمكن أن الله لا يجعل المنافقين في الدرك الأسفل من النار؟ نقول: نعم؛ الله قادر على كل شيء، لكنه لما كان قادراً أخبرنا أنه بقدرته سيجعل المنافقين في الدرك الأسفل من النار. إذاً: هناك أمور تدل على المستويات الأخرى أبداً؛ لأن القرآن والوحي انقطع بموت النبي ﵊، فلا بد أن تستقر مسائل الإيمان والكفر في قلب العبد وذهنه. فهذا النص: ((وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ)) معناه: مؤخرون بمشيئة الله يوم القيامة، ((إما يعذبهم وإما يتوب عليهم)) أي: فإما أن يعذبهم بعدله، وإما أن يتوب عليهم ويغفر لهم ويدخلهم الجنة بفضله. وهذه مسألة متعلقة بالعمل، ولذلك أرجأهم الله تعالى، وأخرهم إلى يوم القيامة، وهم في مشيئته، إن شاء عذب وإن شاء غفر، وهذا بسبب أعمالهم المخالفة لأوامر الشرع، وارتكابهم لما نهى عنه الشرع. فهم في مشيئة الله، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، وإنما كان ذلك بسبب أعمالهم، إذاً: هذا العمل متعلق بالإيمان. [قال أيوب: أمؤمنون أم كفار؟] أي: هل هذه الآية أنزلت في المؤمنين أم في الكفار؟ [فسكت الرجل. فقال له أيوب: اذهب فاقرأ القرآن، فكل آية فيها ذكر النفاق فإني أخافها على نفسي]. أي: أنه يخاف أن يكون من أهلها، لكن ليس صحيحاً أن يعتقد أنه من أهل النفاق. يأتي أخ يقول لك: والله العظيم أنا منافق، طيب هذا النفاق هل هو أكبر أم أصغر؟ يقول لك: أكبر. إذاً: لماذا لا تتوب إلى الله ؟ يقول لك: أنا يئست! أقول: فماذا ستعمل؟ يقول: أنا من أهل النار فلن أعمل إذاً! فهو يوطن نفسه على أن يترك طاعة الله ثم يقع في معاصيه، وهذا على أية حال خلاف عقيدة أهل السنة والجماعة. قال: [وقال ابن أبي مليكة: قد أتى علي برهة من الدهر وما أراني أدركت رجلاً يقول: أنا مؤمن]. أي: أن ابن أبي مليكة قد أدرك عدة من أصحاب النبي ﵊، ولم يجد أحداً منهم يقول: أنا مؤمن، وإنما رجل يخاف على نفسه من النفاق. قال: [وما أراني أدركت رجلاً يقول: أنا مؤمن، فما رضي بذلك حتى قال: إيماني مثل إيمان جبريل]. وهذا يخوف المرجئة، إذ يقول: حينما لقيت الصحابة كلهم لم أجد فيهم أحداً قال: أنا مؤمن، وإنما كان كلهم خائف على نفسه من النفاق، وأنت غارق في المعاصي وتقول: أنا مؤمن وتتبجح بذلك، كما تترك الأوامر وتقع في النواهي وتزعم أنك مؤمن! هذا شيء عجيب جداً، وليس عليه مذهب السنة. قال: [وما كان محمد ﷺ يتفوه بذلك، وما زال الشيطان يتقلب بهم حتى قال: مؤمن وإن نكح أمه وأخته وابنته!] أي: أن نكاح الأم والبنت والأخت عندهم معاص، وعندهم أن صاح

стр. 705

كلام علماء أهل السنة في الخوف والرجاء

стр. 706

كلام الطحاوي في الأمن والإياس قال الإمام الطحاوي في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة: والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام. والأمن مصدره الرجاء فقط، والإياس مصدره الخوف فقط، والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، واعلم أن هذا ليس كفراً أصغر، بل هو كفر أكبر. يعني: لو أن المرء أمن مكر الله لابد أنه يوقن أنه من أهل الجنة وإن ترك العمل، كما أن المرء لو خاف الله بغير رجاء في رحمته وطمع في ثوابه وجنته، فلا شك أن سييأس ويقنط من رحمة الله . قال: وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة. أي: وسبيل الحق بين الخوف والرجاء، فلا الرجاء فقط مذهب أهل السنة، ولا الخوف فقط مذهب أهل السنة، وإنما مذهب أهل السنة الجمع بين الخوف والرجاء.

стр. 707

كلام ابن أبي العز الحنفي في الخوف والرجاء قال ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية: يجب أن يكون العبد خائفاً راجياً -وهذا أمر واجب ليس مندوباً ولا مستحباً- فإن الخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله. فهذا هو الخوف الحقيقي، وليس الخوف أنك تخاف ثم تترك الصلاة، إنما الخوف الحق هو الذي يحملك على طاعة الله . قال: فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط. أي: الخوف الحقيقي هو الذي يحول بينك وبين معاصي الله ، فمثلاً: لو أن امرأة اعترضتك ذات منصب وجمال، فقلت: إني أخاف الله، فهل هذا هو الخوف الحقيقي أم أنه كذب؟ هذا هو الخوف الحقيقي. وخوف يوسف ﵇ لما اعترضته امرأة العزيز كان خوفاً حقيقياً. قال: والرجاء المحمود: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله. أي: أنه عمل أولاً بطاعة الله، ولم يقل: والله أنا أملي في الله أن يغفر لي كبير جداً، فإذا سألته عن العمل يقول لك: والله أنا لا أصلي، وفي شهر رمضان أدخن في النهار! فإذا قيل له: يا فلان! اتق الله، يقول لك: أنت ليس لك علم بمقدار رحمة الله، يا سلام! وهل رحمة الله قالت لك: أن تترك الفرائض والأركان؟ قال: والرجاء المحمود: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله، فهو راج لثوابه، أو رجل أذنب ذنباً ثم تاب منه إلى الله فهو راج لمغفرته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢١٨]، أي: أول شيء حققوه هو الإيمان، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨]، فهم لم يؤمنوا فقط، بل بعد أن آمنوا هاجروا وجاهدوا، والهجرة عمل، والجهاد عمل، إذاً هم ضموا إلى الإيمان العمل الذي هو مقتضى الإيمان، وأجازوا الإيمان، أما إذا كان الرجل متمادياً في التفريط والخطايا والذنوب والمعاصي، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب. إذاً الواحد لا يقول: أنا راج إلا بعد تقديم العمل أولاً. قال أبو علي الروذباري ﵀: الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه. أي: أن الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا، كأن يكون جانب الرجاء مثلاً (٧٠ %)، والخوف (٧٠ %)، وإذا حقق جانب الرجاء على أعلى درجاته (١٠٠ %)، وحقق جانب الخوف (١٠٠ %)، فهذه منزلة الأنبياء والمرسلين، وقل أن يصل عبد من العباد إلى هذه المنزلة، لكن المرء يتعبد بالخوف والرجاء، فيغفل ويسهو عن عذاب الله أحياناً، وعن رحمة الله أحياناً، ولذلك أنتم تعلمون حديث حنظلة لما قال لـ أبي بكر الصديق ﵁: نافق حنظلة، فقال له: وما ذاك؟ قال: نكون بين يدي النبي ﵊ كأننا نرى الجنة والنار رأي العين، فإذا رجعنا إلى دورنا وعافسنا الأزواج والضيعات، نسينا ذلك. فظن أن غفلته عن ذكر الجنة والنار في انشغاله المباح بأعراض الدنيا شعبة من شعب النفاق، فقال أبو بكر: وأنا مثل ذلك. وتعال بنا نذهب إلى المعلم الكبير النبي ﵊ لنقص عليه هذه القصة، فلما ذهبا إليه وأخبراه بما كان من الإيمان، قال ﵊: (لو دمتم على ذلك لصافحتكم الملائكة)، وهذا شيء جميل جداً، لكن هل غفل النبي ﵊ عن الجنة والنار للحظة واحدة؟ الجواب لا. ولذلك كان كثيراً ما يقول: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)، فمصدر الضحك رحمة الله ، ومصدر البكاء عذاب الله ، وهذا تأصيل علمي لقاعدة استواء الرجاء والخوف، وأنهما يمثلان الجناحين للطائر أو السائر إلى ربه، ولا يصح من العبد أن يعبد الله بجناح واحد، وهو جناح الرجاء، أو بجناح الخوف. قال: الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت. أي: إذا ذهب الخوف والرجاء من قلب العبد فإنه هو والموت سواء. قال: وقد مدح الله أهل الخوف والرجاء فقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمناً، والخوف يستلزم الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطاً ويأساً، وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله تعالى فإنك إذا خفته هربت إليه، فالخائف هارب من ربه إلى ربه. لأن الواحد إذا أراد أن يهرب من ظالم يذهب إلى رئيسه، ثم إلى الرئيس الأعلى، ثم الأعلى، ثم الأعلى، حتى إذا انتهت أسباب اللجوء إلى من يمكن أن يدافع عن حقه لا بد أن يلجأ المرء إلى الذي لا يخاف وهو ، فكل إنسان يهرب من الظالم

стр. 708

كلام ابن القيم في الرجاء وقال صاحب المنازل وعقب عليه كذلك ابن القيم عليه رحمة الله: الرجاء أضعف منازل المريد. وفي كلامه نظر، بل الرجاء والخوف على الوجه المذكور من أشرف منازل المريد. أي: السائر إلى الله . وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: قال الله : (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء). وعند مسلم من حديث جابر قال: سمعته ﵊ يقول قبل موته بثلاث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه). ولهذا قيل: إن العبد ينبغي أن يكون رجاؤه في مرضه أرجح من خوفه، لأنه مودع، ولأن العبد في المرض لا يرجى منه العمل، إذ إن عمله في هذه الحال قليل جداً، ولذلك ينبغي أن يزداد رجاءً. والعلماء يقولون: في حال الصحة ينبغي أن يزيد جانب الخوف على جانب الرجاء زيادة طفيفة تحمله على العمل، أما إذا كان مريضاً فيستحب أن يزيد رجاؤه على خوفه؛ لأن العمل منه غير مرجو والحالة هذه، وأنه قادم على الله ، فينبغي أن يحسن الظن بربه. وقال بعضهم: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق. أي: يقول لك أنا لا أصلي ولا أصوم ولا أزكي ولا أحج، ولكن قلبي مفعم بالإيمان! وأنت إذا كنت تصلي فأنا أحب الله أكثر منك، ما هذا الحب؟! الحب الحقيقي هو الذي يحملنا على العمل، وأنت لو أحببت عبداً عملت كل ما يمكن القيام به مما يحبه المحبوب، والله فوق كل محبوب، فيجب أن يتقرب إليه من أحبه بكل ما يحبه . والله تعالى إنما أخبرنا بما يحب في كتابه وفي سنة نبيه، كما أخبرنا بما يكره في كتابه وفي سنة نبيه، فمراد الله تعالى من العباد محدود، أي: مراد العباد من العباد لا حدود له، أما مراد الله تعالى منا فمحدود بالأوامر والنواهي الواردة في الكتاب والسنة، فإذا فعلت الأمر واجتنبت النهي فقد حققت المراد لله ، وأتيت بالعبادة على أكلمها وأتمها.

стр. 709

كلام الإمام الهروي في الخوف والرجاء ويقول كذلك الإمام الهروي في كتابه منازل السائرين: إن القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل طائر وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف، وهذه طريقة أبي سليمان وغيره. قال: وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإن غلب عليه الرجاء فسد. وقال أيضاً: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف. أي: أكمل أحوال العبد أن يكون الخوف والرجاء عنده معتدلين؛ لأن تغليب جانب الرجاء يؤدي إلى التفريط في حق الله، وتغليب جانب الخوف يؤدي إلى اليأس من رحمة الله . قال: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حاد، والخوف سائق، والله الموصل بمنه وكرمه . وهناك كلام كثير جداً في الخوف والرجاء بإمكانك أن تطلع في أي كتاب من كتب الاعتقاد المشروحة أو غير المشروحة، والنصوص كثيرة في هذا الباب، وإنما أردنا التنبيه على أصل أصيل من أصول أهل السنة والجماعة، وهذا هو منهج أهل السنة، أن الإيمان فلا يصلح أن يكون خوفاً فقط، كما لا يصلح أن يكون رجاءً فقط، بل الإيمان خوف ورجاء، ولا بأس أن يزداد الخوف في حالة الصحة شيئاً يسيراً على الرجاء ليحمل المرء على العمل، ولا بأس أن يزداد الرجاء في حال المرض والقدوم على الله، حتى يلقى العبد ربه وهو حسن الظن به، لكن على أية حال أكمل أحوال السائر إلى الله اعتدال جناحي الخوف والرجاء، خوف يؤدي به إلى العمل أو يحمله على مزيد العمل، ورجاء لا يقنطه من رحمة الله . إذاً: خوف لا يقنطه ولا يجعله يترك العمل، ويقول: علام العمل إذاً؟ إذا كان الله تعالى قد أعد ناراً فيها كيت وكيت من أنواع العذاب، إذاً فلم العمل؟! أنا من أهل النار، وداخل النار لا محالة! نقول: من الذي أخبرك بأنك من أهل النار ابتداء؟ فربما تكون من أهل الجنة، ثم من الذي أخبرك بأنك من أهل الجنة؟ فربما تكون من أهل النار، فإذا اختار المرء بين المنزلتين عمل لأفضلهما وأشرفهما، وهي جنة عرضها السماوات والأرض. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 710

الأسئلة

стр. 711

خلاف أهل العلم في خلود الثنتين والسبعين فرقة في النار السؤال هل الاثنتان والسبعون فرقة في النار مخلدون فيها؟ الجواب هذا محل نزاع عظيم بين أهل العلم، مع أن هناك فرقاً كاملة في نار جهنم خالدة فيها، وهؤلاء الذين خالفوا الأصول والفروع لأهل السنة والجماعة، أما بقية الفرق التي شاركت أهل السنة في كثير من المسائل فإن المنظرين لهؤلاء أو أصول هذه الفرق بلا شك من أهل النار، ويغلب عليهم الكفر، أو هم إلى الكفر أقرب منهم للإيمان، بخلاف عامة الناس.

стр. 712

حكم مقولة: (فلان ﵀ السؤال ما الحكم في قولنا: إن فلاناً ﵀، أو يرحمه الله؟ الجواب هذا الكلام -يا أخي- من باب الدعاء وليس من باب القطع، فإذا قلت: فلان ﵀ أو فلان يرحمه الله فليس هذا قطعاً بأنه قد أدركته رحمة الله ، وإنما هذا من باب الدعاء فقط، فقولك: فلان ﵀، أي: أرجو أن يرحمه الله .

стр. 713

حكم قراءة الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأول السؤال ما هو الراجح لديكم في التشهد الأول هل تقرأ فيه الصلاة الإبراهيمية؟ الجواب النبي ﵊ علم أصحابه التشهد أولاً إلى قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فلما نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، (قالوا: يا رسول الله! هذا السلام عليك فما بال الصلاة عليك؟ أي: كيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إلى آخر الدعاء، وقال: واجعلوها في صلاتكم). فذهب الجمهور إلى أن التشهد يقرأ إلى حده الأول في التشهد الأول، وإلى قوله: إنك حميد مجيد في التشهد الثاني في الصلاة الرباعية. وذهب الظاهرية والشافعية: إلى وجوب قراءة التشهد كاملاً إلى قولك: إنك حميد مجيد في التشهد الأول، أي: في الصلاة التي فيها تشهدان. وفي الحقيقة هذا هو المذهب الراجح؛ لأن النبي ﵊ علم أصحابه أن يسموا الصلاة الإبراهيمية تشهداً، فمن قال: إنما ذلك في التشهد الثاني، فنقول له: ائتنا بالدليل الذي يفرق بين التشهدين، فإنهم كانوا يقرءون أولاً التشهد الأول فقط دون الصلاة الإبراهيمية قبل أن يعلمها إياهم في التشهدين الأول والثاني. فينبغي أن يلحق الصلاة الإبراهيمية بالتشهد الأول والثاني كذلك، ومن فرق بين الاثنين فليأتنا بالدليل.

стр. 714

حكم زواج الرجل من زوجة أخيه بعد طلاقها السؤال هل يجوز زواج الرجل من زوجة أخيه بعد طلاقها من أخيه، سواء كان لها أبناء من أخيه أم لا؟ الجواب نعم يجوز، وذلك إذا انقضت عدتها من زوجها الأول.

стр. 715

بيان معنى حديث: (اللحد لنا والشق لغيرنا)، وحديث: (لا ضرر ولا ضرار) السؤال ما معنى هذين الحديثين: (اللحد لنا والشق لغيرنا)، ثم يسأل عن حديث: (لا ضرر ولا ضرار)؟ الجواب الحديثان صحيحان ابتداءً، ومعنى (اللحد لنا): اللحد هو شق الأرض شقاً رأسياً ثم حفره أفقياً، وأن يكون الدفن باتجاه القبلة على الجانب الأيمن، ويهال التراب في هذا الشق، ويبقى هذا اللحد بجانبه الذي حفر باتجاه القبلة, ووضع الميت على جنبه الأيمن باتجاه القبلة. أما الشق الذي هو لغير المسلمين فإنما هو شق الأرض شقاً رأسياً دون اللحد الأفقي الذي هو إلى جهة القبلة، فالميت يرمى فيه إلقاءً ويهال عليه التراب. أما معنى (لا ضرر ولا ضرار)، أي: يحرم الضرر والضرار في الإسلام، فالضرر الذي يوقعه الإنسان على نفسه حرام؛ لأنه ليس ملكاً لنفسه، كما أنه يحرم عليه أن يلحق الضرر بالغير، وهو الضرار، فلا ضرر يوقعه الإنسان على نفسه، كما أنه يحرم عليه أن يوقع الضرر على غيره. وإذا أردت مزيد بيان وتفصيل فعليك بكتاب جامع العلوم والحكم.

стр. 716

حكم لعن المعين وإن كان كافراً السؤال هل يجوز لعن المعين وإن كان كافراً؟ الجواب لا يجوز لعن المعين حتى وإن كان كافراً، وقد ذكر الإمام النووي اختلاف أهل العلم في المسألة وقال: لا يدعى عليه إلا إذا مات على الكفر، أي: لا نلعنه إلا إذا مات على الكفر. وعلى أية حال أليس اللعن هو الطرد من رحمة الله، أو الحكم بالطرد من رحمة الله؟ تصور لو أن شارون دخل علينا في هذا الوقت المسجد وقال: أنا أريد أن أسلم، فماذا نعمل؟ أما نفرح جميعاً بهذا؟ إذ إنها ضربة قاصمة للكفر وأهله، وأعظم منها قصماً أن يدخل علينا مثلاً بابا الفاتيكان ويقول: يا إخواني! أنا أريد أن أسلم، فماذا نعمل؟ أما نفرح بذلك جميعاً؟ ولذلك كان النبي ﷺ يفرح إذا دخل في الإسلام صنديد من صناديد الكفر، وهو الذي أرسل رسالة إلى هرقل ملك الروم وقال له: (أسلم تسلم)؛ لكن لماذا لم يوجه الرسالة إلى أي جندي من الجنود؟ لأن هذا كبيرهم، ولو أسلم لأسلم من وراءه، والنبي لم يلعنه ولم يسبه، وإنما قال له كما في البخاري: (أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين)، أجرك أنت وأجر الأريسيين، أي: الفلاحين الذين يمشون خلفه، والرهبان الذين يمشون معه، والجند الذين حوله، فأنت لو أسلمت أسلم الكل، وكاد أن يسلم إلى أن جمع البطارقة وقوات الجيش، ووضعهم في بيت في الشام وقال لهم: إن محمداً قد بعث إلي برسالة وقال فيها: كيت وكيت، فما رأيكم في هذا الرجل؟ أنا أرى أنه صادق. ولذلك العلماء اختلفوا: هل أسلم هرقل أم لم يسلم؟ لأن كلامه هذا يدل على أنه أسلم، لكن هناك كلاماً آخر ناقضاً لهذا الإسلام وهذا الإيمان. وانظر إلى المكر والخداع، وكيف أن هذه السلطة بلاء ومحنة؟! فقال لهم: ما هو رأيكم في الذي يقوله محمد؟ أما أنا فأرى أن الرجل صادق، وقال لهم: على أية حال هو يضرنا! فلما رأى البطارقة أن هرقل يميل إلى جهة محمد قاموا عليه، قال لهم: كفى كفى، إنما أنا أردت أن أختبركم، يريد أن يخرج من المأزق، أنا أريد أن أختبركم، وهو في الحقيقة لو أنهم شجعوه على الإسلام لأسلم، لكن لما قاموا عليه قومة رجل واحد قال: لا. فأنا في الحقيقة أريد أن أتأكد من موقفكم، وبقي على الكفر حتى مات عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 717

شرح كتاب الإبانة - بيان أن الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح ولا يكون العبد مؤمنًا إلا بهذه الثلاث مذهب عامة السلف الصالح أن الإيمان قول وعمل، فهو إقرار باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، ولا يكون العبد مؤمناً إلا إذا حقق هذه الثلاث، والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة، وكلها تدل على أن العمل من الإيمان، وأنه لا بد فيه من الإخلاص، وبذلك يتبين المؤمن من المنافق والكافر.

стр. 718

بيان أن الإيمان اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والأركان، ولا يكون العبد مؤمناً إلا بهذه الثلاث إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. هذا بداية الكلام عن الإيمان، والكلام في الإيمان ومسائله كلام خطير وشائك، والمعصوم من عصمه الله ، ومنهج أهل السنة والجماعة في بيان مسائل الإيمان، والفرق بينها وبين مسائل الكفر أوضح من الشمس في رابعة النهار، ولكن يعمى على بعض الدعاة وطلاب العلم -ومن ينتسبون إليه بل هم من أهله حقيقة- بعض هذه المسائل، وإن شئت فقل: أصول الإيمان أحياناً مما أوقع شباب الصحوة في حيرة شديدة جداً. فالإمام ابن بطة -كغيره من أئمة السلف- عقد أبواباً متعددة في بيان ماهية الإيمان، وبيان مسائله، وأعظم مسألة فيه: هل العمل من الإيمان أو ليس من الإيمان؟ وهل هو شرط فيه؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فهل هو شرط كمال أو شرط صحة؟ وإذا كان شرط كمال فهل الكمال هنا المقصود به الكمال الواجب، أم الكمال المستحب؟ وإذا كان الإيمان شرط صحة، فهل يكفر من ترك هذا العمل؟ هذه بعض مسائل الإيمان، وهي أخطر المسائل التي تثار إذا ذكرنا مسائل الإيمان والكفر. والإمام قد عقد باباً عظيماً جداً في كتاب الإبانة فقال: [باب بيان الإيمان وفضله، وأنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والحركات، لا يكون العبد مؤمناً إلا بهذه الثلاث]، فقد بوب الإمام بهذا التبويب؛ ليثبت بداءة أن الإيمان قول وعمل، هو قول القلب واللسان، فاللسان ينطق بالشهادتين، والقلب يحب هذه الكلمة ويرضاها ويصدق بها ويذعن لها وينقاد، فهذا قول القلب. فالإيمان قول، أي: قول باللسان والقلب. وعمل، أي: عمل القلب والجوارح. ومنهم من زاد فقال: الإيمان قول وعمل ونية، أي: وإخلاص لله ، ولا تعارض بين هذا التعريف وبين التعريف السابق: أن الإيمان قول وعمل، والمقصود بكونه قولاً وعملاً، أي: وإخلاصاً؛ لأن القول إذا لم يكن صاحبه مخلصاً لله ، وكذا العمل؛ فإنه لا يقبل منه، بل يرد عليه، ولكن زيادة (ونية) للدلالة على أن الإخلاص أمر لازم في الإيمان، وأن العبد لا يقبل منه العمل ولا القول إلا إذا كان مخلصاً لله . فقال: (باب بيان الإيمان وفضله)، أي: وفضائل الإيمان، ثم قال: (وأنه تصديق بالقلب) هذه واحدة، (وإقرار باللسان) هذه الثانية، (وعمل بالجوارح والحركات)، أي: الأبدان، وهذه هي الثالثة. ثم قال: (ولا يكون العبد مؤمناً إلا إذا حقق هذه الثلاث). أما قوله: (لا يكون العبد مؤمناً)، فهل يستلزم نفي الإيمان عنه بالكلية، أو أنه أراد بذلك نفي الكمال؟ على تفصيل سيرد معنا بإذن الله تعالى. قال المحشي: ما ذهب إليه المصنف -وهو ابن بطة - من أن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان هو مذهب عامة السلف في الحقيقة، فلم يقل: هو إجماع السلف؛ لأن الأحناف خالفوا في هذا، فكان محقاً أن قال: وهذا التعريف والتبويب أطبق عليه عامة السلف، وخالف بعضهم، وليس في خلافه لعامة السلف حجة، بل كل من خالف السلف في أصل الإيمان ومسائله فقوله مردود عليه. قال: وهو من شعائر أهل السنة، بل وقع الإجماع عليه، أي: وقع الإجماع على أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. قال: بل وقع الإجماع عليه، وحكاه غير واحد، كما في كتاب الأم للإمام الشافعي، قال: وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركنا يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، ولا تجزئ واحدة من الثلاث إلا بالأخرى. فلو قال قائل: قول وعمل، أي: بغير نية؛ فقوله مردود عليه، ولو قال: قول ونية بغير عمل؛ فمردود عليه، ولو قال: عمل ونية بغير قول؛ فقوله مردود عليه، وهذا معنى قوله: لا يكون مؤمناً إلا إذا حقق هذه الثلاث. وفي كتاب الإيمان لـ ابن تيمية نقلاً عن الإمام البخاري أنه قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والمعلوم أن الإيمان لو قبل الزيادة فلا بد أن يقبل النقصان، بل هو قبل أن يكون زائداً كان ناقصاً. وكذلك الإمام اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة قال بعنوان: سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الإيمان تلفظ باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح. وقد جمع الثلاث، وأثبت أن العمل من الإيمان، ثم أورد عشرات الأدلة على ذلك من الآيات والأحاديث، وذكر ابن جرير في عقيدته بسنده إلى الوليد بن مسلم قال: سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز ﵏ ينكرون قول من يقول: إن الإيمان إقرار بلا عمل، ويقولون: ل

стр. 719

الدليل على أن الإيمان إقرار بالقلب قال: [فأما فرض المعرفة على القلب فما قاله الله في سورة المائدة]. أي: دليل أن الله تعالى فرض على القلب وظيفة معينة متعلقة بالإيمان، قول الله تعالى: [﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١]]. فإيمان القلب هو التصديق والإذعان، وكفر القلب عدم التصديق وعدم الإذعان، فالله يسلي رسوله عن كلام هؤلاء المنافقين الذين شهدوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم: [((قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ))]، وهذا يدل على أن الإيمان طهارة في القلب، [﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٤١]]. [وقال الله تعالى في سورة النحل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]]، فهذا يدل على أن القلب له علاقة وثيقة جداً بالإيمان، وهو أنه مقر ومذعن ومصدق بكلام الله . [وقال الله : ((إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ))]، والفؤاد: أصل القلب. قال: [﴿كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، أي: عن الإيمان وعن العلم. فالقلب يسأل عما فرض الله عليه من الإيمان، آمنت؟ صدقت؟ أذعنت أم لا؟ قال: [فهذا بيان ما لزم القلوب من فرض الإيمان، لا يرده ولا يخالفه ولا يجحده إلا ضال مضل].

стр. 720

الدليل على أن الإيمان إقرار باللسان قال: [وأما بيان ما فرض على اللسان من الإيمان]، أي: من النطق والكلام، [فهو ما قاله الله : ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦]]، فعل أمر يدل على الوجوب. و ((قُولُوا))، أي: بألسنتكم. [﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [البقرة:١٣٦ - ١٣٧]. وقال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [آل عمران:٨٤]]. (قُلْ آمَنَّا)، والقول هو قول اللسان. [وقال النبي ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا)]، لم يقل: حتى يصدقوا أو يذعنوا، وإنما قال: (حتى يقولوا)، وهذا القول يستلزم الاعتقاد، والاعتقاد يستلزم التصديق والإذعان والذل والامتثال لله ، فقال هنا: [(أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأني رسول الله)]. [وعن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال النبي ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)] أي: وأني رسول الله؛ لأن هذا من اللازم. قال: [(فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم)]، أي: إذا نطقوا بشهادة التوحيد؛ كانت هي العاصمة لهم من إراقة دمائهم وسلب أموالهم وذراريهم. قال: [(إلا بحقها)]، أي: إلا إذا أتى واحد منهم بعد أن نطق بهذه الكلمة بما يستوجب قتله، كأن يكون زانياً محصناً، أو تاركاً لدينه مخالفاً للجماعة، أو قاتلاً لنفس بغير حق، أو غير ذلك مما يستوجب قتله. قال: [(وحسابهم على الله ]، أوكل سرائرهم إلى الله، والتقدير: إذا قالوها نفاقاً يتعوذون بها من القتل فحسابهم على الله ؛ ولذلك كان النبي ﵊ يعلم المنافقين في زمانه بأسمائهم وأعيانهم وذواتهم، ولم يقتلهم وهم أكفر الخلق؛ حتى لا يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه. أما حسابهم فقد أنزل الله الوعيد الشديد والتهديد الأكيد في كفر هؤلاء، فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، وهذا جزاؤهم في الآخرة. أما في الدنيا فهم مسلمون في الظاهر، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ولا سبيل لأحد عليهم حتى وإن عرف نفاقهم، ما لم يتحيزوا ويتميزوا وتعظم فتنتهم ويطر شررهم وشرهم، ويحاربوا الإسلام؛ فحينئذ يجب على الإمام أن يحاربهم.

стр. 721

الدليل على أن الإيمان عمل بالجوارح قال: [وأما الإيمان بما فرضه الله من العمل على الجوارح؛ تصديقاً بما أيقن به القلب ونطق به اللسان، وذلك في كتاب الله تعالى كثير جداً، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]]، فرتب الله تعالى الفلاح على العمل، ولكنه خاطب المؤمنين أولاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ما المطلوب منا؟ ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج:٧٧]، أربعة أوامر تدل على أن الإيمان عمل بالجوارح. فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٧٧]، نداء لأهل الإيمان بما كلفهم الله به، وبما لا يصح إيمانهم إلا به، ما هو ذاك؟ قال: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]، فرتب الفلاح المتعلق بالإيمان على العمل، وضرب لذلك أمثلة بالركوع والسجود وسائر العبادة، مع أن الركوع والسجود من العبادة، فبعد أن ذكر الخاص ذكر العام، مع أن الخاص أحد أفراده. ثم قال: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج:٧٧]، أي: وافعلوا الخير بنية العبادة والطاعة، وهو كذلك ذكر للخاص بعد ذكر العام؛ ليدل على أهميته. [وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]]، وهذا في أكثر من سبعين موطناً في كتاب الله يأمر الله تعالى بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. في مواضع كثيرة من القرآن أمر الله تعالى بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان والجهاد في سبيله، وإنفاق الأموال وبذل الأنفس في ذلك، والحج بحركة الأبدان ونفقة الأموال؛ فهذا كله من الإيمان، والعمل به فرض لا يكون المؤمن مؤمناً إلا بتأديته.

стр. 722

الأحكام المترتبة على أن الإيمان قول وعمل وكل من تكلم بالإيمان وأظهر الإقرار بالتوحيد، وأقر أنه مؤمن بجميع الفرائض غير أنه لا يضره تركها، ولا يكون خارجاً من إيمانه إذا هو ترك العمل بها في وقتها، مثل الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت مع الاستطاعة، وترك الغسل من الجنابة، ويرى أن صلاة النهار إن صلاها في الليل أجزأه ذلك، وصلاة الليل إن صلاها في النهار أجزأه ذلك، وأنه إن صام في شوال أجزأه ذلك، وإن حج في المحرم أو صفر أجزأه ذلك، وأنه متى اغتسل من الجنابة لم يضره تأخيره، ويزعم أنه مع هذا مؤمن مستكمل الإيمان عند الله على مثل إيمان جبريل وميكائيل والملائكة المقربين؛ فهذا مكذب بالقرآن، مخالف لله ولكتابه ولرسله ولشريعة الإسلام، ليس بينه وبين المنافقين الذين وصفهم الله تعالى في كتابه فرق، قد نُزع الإيمان من قلوبهم، بل لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلاً، كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]. [فكل من ترك شيئاً من الفرائض التي فرضها الله في كتابه، أو أكدها رسوله ﷺ في سنته -على سبيل الجحود لها والتكذيب بها- فهو كافر بيِّن الكفر، لا يشك في ذلك عاقل يؤمن بالله واليوم الآخر]. هذا كلام جميل، من فرض الله عليه شيئاً فجحده جاحد؛ إلا كفر بهذا الجحود إلا كفر بجحده لما فرض الله ، بل من أحل ما حرم الله، أو حرم ما أحل الله عالماً بأدلة الحرمة والحل، وبعد قيام الحجة عليه، وهذا فيما يتعلق بهذه الثوابت الإيمانية لمن كان مؤمناً في ديار الإيمان والإسلام، بل من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، ومن أنكر شيئاً ثابتاً في دين الإسلام؛ فإنه يكفر بذلك وإن لم تقم عليه الحجة، ما دام أنه في دار الإسلام، كما لو قال أحد: أنا لا أعرف ما هذه الصلاة التي يصليها الناس؟ وهو في هذه البلاد -مثلاً- التي ينتشر فيها العلم، ويكثر فيها قال الله وقال رسوله، هذا الإنسان لا بد أنه يكفر بالله، وكمن أدرك شهر رمضان وقال: أنا لا أصوم رمضان، ولا أعرف هذا الصوم الذي يصومه الناس، أو يقول: أنتم تصومون في رمضان بالنهار، وأنا سأخالفكم وأصوم بالليل، فأنا أصوم من أول غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فهل هذا يقال له: إن الله تعالى فرض علينا الصيام في نهار رمضان، وهو في بلاد المسلمين؟ لا يقال له، بل هو بهذه المعاندة وهذا الجحود لأصل مواقيت هذا الفرض يكفر ويخرج من الإسلام، وأنا أقول هذا في ثوابت الإسلام ومبادئه ومؤكداته التي علمها الأطفال قبل الكبار، أما المسائل التي تحتاج إلى نوع اجتهاد؛ فإن المرء لا يكفر إلا إذا أقيمت عليه فيها الحجة، ومن أقر بذلك وقاله بلسانه ثم تركه تهاوناً فإنه يكفر بالإجماع، أما من أقر بذلك وقاله بلسانه، ثم تركه تهاوناً أو معتقداً لرأي المرجئة ومتبعاً لمذاهبهم؛ فهو تارك الإيمان، ليس في قلبه منه قليل ولا كثير، وهو في جملة المنافقين الذين نافقوا رسول الله ﷺ ، فنزل القرآن بوصفهم وما أعد لهم، وأنهم في الدرك الأسفل من النار، نستجير بالله من مذاهب المرجئة الضالة. [سئل حذيفة ﵁: من المنافق؟ قال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به. وعن حذيفة قال: المنافقون فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ ، قلنا: يا أبا عبد الله! وكيف ذاك؟ قال: إن أولئك كانوا يسرون نفاقهم، وإن هؤلاء أعلنوه]، يعني: كان عندهم شيء من الحياء رغم نفاقهم، لكن النفاق في هذا الزمان لا يستحي أهله ولا أصحابه. الدكتورة منى أبو سنة هذه -أم ناب أزرق- عدوة للإسلام، عقدت مؤتمراً بالأمس من بعد صلاة العصر واستمر إلى ما بعد العشاء في بيت محمد مشهور بالزمالك، واستدعت فيه إمام الضلال الكبير الدكتور أحمد عبد المعطي حجازي، هذا الرجل الذي زعزع ثوابت الإسلام من قلوب الحاضرين، وجلُّ من حضر لديهم كانوا من حزب العمل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد وجهت دعوات سرية جداً للحاضرين، مكتوب على كل مظروف: (دعوة سرية جداً لمؤتمر هام جداً) ويسمونه المنتدى الفلسفي، والهدف منه هو زعزعة الإيمان في قلوب المسلمين، فكما كان النبي ﷺ له هدف، وتبعه على ذلك الصحابة وأتباع الصحابة، وغيرهم إلى قيام الساعة؛ فكذلك عبد الله بن أبي ابن سلول كان رأس النفاق في زمان النبوة، فهؤلاء هم أتباع عبد الله بن أبي ابن سلول. أما الذي قيل وأثير في هذا المؤتمر فله وضع خاص، وهو مطبوع في شريط، والشريط موجود معي الآن، فـ أحمد عبد المعطي حجازي هذا ترجمته سوداء كلحاء، لا خير فيه أبداً.

стр. 723

فرض الإيمان على جوارح ابن آدم قال ابن بطة ﵀: [وفرض الإيمان على جوارح ابن آدم]. كيف فرض الله الإيمان على الجوارح؟ بالعمل. قال: [وقسمه عليها وفرقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلا وهي موكلة من الإيمان بغير ما وكلت به صاحبتها، فمنها قلبه الذي يعقل به ويتقي به ويفهم به، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره، فهذا فرض الله تعالى الإيمان في القلب. ومنها: اللسان الذي ينطق به، ومنها عيناه التي ينظر بهما، ومنها سمعه الذي يسمع به، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يخطو بهما، وفرجه الذي يصدق هذا كله أو يكذبه، فليس من هذه جارحة إلا وهي موكلة من الإيمان بغير ما وكلت به صاحبتها بفرض من الله تعالى ينطق به الكتاب وتشهد به السنة]. ففرض الله على القلب غير ما فرض على اللسان، وفرض على اللسان غير ما فرض على العينين؛ وهكذا. ثم يقول: [وأما ما فرض على القلب فالإقرار]، أي: إيمان القلب يتعلق بالإقرار والإيمان والمعرفة والتصديق، والعقل عن الله والفهم والرضا والتسليم، وأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى من رسول أو كتاب؛ كل هذا عمل القلب. [فأما ما فرض على القلب من الإقرار والمعرفة فقد ذكرنا أدلته ونعيدها الآن: كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]. وقال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١]. فذلك ما فرضه الله على القلب من الإقرار والمعرفة والتصديق، فهو رأس الإيمان، بل هو عمل القلب. وأما ما فرضه الله على اللسان فهو القول والتعبير عما كمن واستقر في القلب، كما قال الله : ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾ [البقرة:١٣٦]]، إذا كان الإيمان محله القلب من جهة التصديق والإقرار والإذعان؛ فإن الإيمان لا بد أن يعبر عما في مكنون القلب بالتلفظ، لما كان قادراً على التلفظ. [﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [البقرة:١٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]. وأما ما فرض على السمع: فهو أن يتنزه السمع عن الاستماع إلى الخنا والزنا، وإلى ما حرم الله ، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء:١٤٠]]، فأنت مطالب ألا تسمع شركاً، وألا تسمع معصية، وهذا هو الإيمان؛ ولذلك تصور أن رجلاً يغتاب وآخر يشجعه على الغيبة، أليس هذا قادحاً في إيمانهما، منقصاً للكمال الواجب عندهما؟ الجواب نعم، بخلاف ما لو قال رجل لجليسه: إن لم تكف عن الغيبة تركتك وانصرفت، فهذا قد نهى عن المنكر وأمر بالمعروف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعب الإيمان. فلا شك أن المرء كلما عمل عملاً بجارحة من جوارحه يزدد به إيمانه، وكلما قصر في عمل بجوارحه كان من الواجب عليه أن يأتي به نقص إيمانه. وقال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، أي: فيستجيبون لأحسن الأقوال. [وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٣]، أي: عن اللهو والزور من القول. [وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص:٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢]]، أي: مروراً سريعاً لا يقفون عنده. فهذا ما فرض الله على السمع: التنزه عن الاستماع إلى ما لا يحل له، وهو عمل السمع، وذلك من الإيمان. وكذلك فرض الله على البصر ألا ينظر إلى محارم الله وإلى حرماته، وأوجب عليه أن يغض بصره عما لا يحل مما نهى الله تعالى عنه، كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠]، فإن لم يفعلوا نقص إيمانهم، هذا هو التقدير. فنظرك إلى امرأة تسير في الطرقات أو في الشوارع لا شك أن له تأثيراً مباشراً على القلب، وكلنا نشعر بذلك، إذا علق الإنسان نظره على مفاتن امرأة جميلة؛ فإنه يهواها ويشتهيها، وكذلك المرأة تشتهي الرجل وتهواه، فلو أن كل امرأة وكل رجل علم أن هذا مما حرم ال

стр. 724

تبيين الله لعباده وتعليم النبي ﷺ أمته أن الإيمان قول وعمل قال: [فقد أخبر الله تعالى في كتابه في آي كثيرة منه: أن هذا الإيمان لا يكون إلا بالعمل وأداء الفرائض بالقلوب والجوارح، وبيَّن ذلك رسوله ﷺ ، وشرحه في سنته، وعلمه أمته، وكان مما قال الله تعالى في كتابه مما أعلمنا أن الإيمان هو العمل، وأن العمل من الإيمان ما قال في سورة البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة:١٧٧]]، وهذا عمل، فقوله: ((وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ))، حتى قال: ((وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ))، يعني: تصدق به رغم محبته إياه. قال: [﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]]. فهذه الآية انتظمت أوصاف الإيمان وشرائطه من القول والعمل والإخلاص، وهي أصول الإيمان وشرائطه. ولقد سأل أبو ذر النبي ﷺ عن الإيمان؛ فتلا عليه هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧] إلى آخر الآية، فقال رجل لـ أبي ذر يسأله نفس المسألة التي سألها أبو ذر للنبي ﵊، فأجاب أبو ذر بنفس الإجابة فقال له: (ليس عن البر سألت)، أنا لست أسألك عن البر، فقال أبو ذر: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله كما سألتني، فقرأ عليه كما قرأت عليك، فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى، فقال: ادن مني، فدنا منه، فقال: المؤمن الذي يعمل حسنته فتسره؛ فيرجو بها -أي: وجه الله- ومن عمل سيئة فتسوءه ويخاف عاقبتها)، أي: أن المؤمن هو من سرته حسنته وساءته سيئته؛ لأنه يلقى جزاءها عند الله يوم القيامة. وأنتم تذكرون قصة كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه لما تخلف عن غزوة تبوك، ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأغلقت الدنيا تماماً في وجهه؛ وذلك لأن سيئته ساءته، فهذا دليل عظيم على الإيمان، والصحابة ﵃ لما حدثهم الشيطان في ذات الله قالوا: (يا رسول الله! إن أحدنا لتحدثه نفسه بالشيء، لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، قال النبي ﵊: ذاك صريح الإيمان)، على أنهم ساءتهم هذه الوساوس، فهذا دليل على إيمانهم. أما الذي يأتي المعاصي، وينكر المعروف، ويعرف المنكر، ويستهزئ ويستهتر، ولا يتعامل مع الله ولا مع رسوله ولا كتابه وسنته وشرعه إلا بكل استهزاء وسخرية، فكيف يكون هذا في قلبه ذرة من إيمان؟ ليس هناك فرق، فهذا مسلم وذاك كافر أبداً. قال الشيخ: [وقد أنبأنا الله في كتابه عن معرفة الإيمان بدلالات القرآن أنه قول وعمل وتصديق ويقين]. وهذا تعريف راجع لمعنى الإيمان، أو لماهية الإيمان، ومرد ذلك كله: إلى أن الإيمان قول وعمل: قول اللسان والقلب، وعمل بالقلب والجوارح، فقال هنا: دلت آيات القرآن على أن الإيمان قول وعمل وتصديق ويقين، وأن جميع ما فرضه الله في القرآن شفاء لما في الصدور من الشك والشبهة؛ لأن البلاء كله الذي يمكن أن يقع فيه المرء يدور بين أمرين: شبهة أو شك. أما علاج الشبهة فهو العلم، ولا سبيل إلى علاج الشبهات إلا بالعلم، ولا مصدر صحيح للعلم إلا قال الله وقال رسوله كما قال ابن القيم عليه رحمة الله: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه قال الله وقال رسوله وأجمع العلماء؛ هذه هي مصادر العلم، ولا مصدر رابع لهذه المصادر الثلاث، إلا أن يكون القياس صحيحاً، وإذا كان العلم هو علاج الشبهات، فإن علاج الشهوات تقوى الله. فعندي الآن مرضان وعلاجان: المرض الأول: هو الشبهة، وعلاجها العلم، فبالعلم تنزاح الشبهات عن القلوب. والمرض الثاني: هو الشهوة، وعلاجها تقوى الله ، واستحضار مراقبة المولى ، ومخافة الله ، وكل ما يمكن أن تجمعه كلمة تقوى الله هي علاج الشهوات، أما علاج الشبهات فهو طلب العلم المستمد من الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم. قال: [وأن جميع ما فرضه الله في القرآن شفاء لما في الصدور من الشك والشبهة والريبة؛ لما فيه من البيان والبرهان والحق المبين]، ولكن الله جعله شفاءً ورحمة للمؤمنين لا لغيرهم، الله يهدي بهذا الكتاب أقواماً، ويض

стр. 725

التصور العقلي للواقع إذا لم يكن العمل من الإيمان إن الذين يقولون: العمل لا علاقة له بالإيمان، إذا كان هذا الكلام هو الحق، فهل يتصور غياب ذلك عن الصحابة؟ الجواب لا يتصور، فإذا كان هذا هو الحق -وعياذاً بالله أن يكون حقاً، أو قريباً من الحق، بل هو عين الباطل- فلنا أن نتصور أن النبي ﵊ لما علَّم أصحابه الإيمان كما قال جرير بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمر: كنا نتعلم الإيمان أولاً، فإذا نزل القرآن استزدنا به إيماناً، وكان الواحد منا يقرأ العشر الآيات فلا يتجاوزها حتى يتعلم ما فيها من إيمان وزواجر وأوامر ونواهٍ؛ فيزداد بذلك إيماناً. لنا أن نتصور أن النبي ﵊ خطب هؤلاء الأصحاب الذين يقولون إن العمل ليس من الإيمان: هيا بنا نجاهد المشركين يا إخواننا! قالوا: اذهب لوحدك، لن نأتي معك، فسيقول لهم: لماذا؟ أليس الجهاد هذا عملاً؟ فيقولون: نعم. هو كذلك، والعمل ليس من الإيمان. وإن قيل لهم: أنتم مأمورون بالصيام. لا يقبلون، بل يقولون: لأن الصيام عمل، والعمل ليس من الإيمان. كذلك نفعل الخير نأمر بالمعروف ننهى عن المنكر ندعو إلى الله؛ كل هذه أعمال، فلو أن الصحابة ﵃ امتنعوا عن هذا هل يكون ديناً؟ الجواب لا، بل لك أن تختار شيئاً أعظم من ذلك، وهو: إذا كان العمل ليس من الدين هل هذا يخفى على صاحب الرسالة ﷺ ؟ الجواب: لا يخفى عليه، وإذا لم يكن العمل من الإيمان فلم أمر به النبي ﵊، بل لم أمر به اللطيف الخبير في كتابه؟ فلا بد أن نوقن أن العمل من الإيمان، وأن المفرط فيه ينظر إلى أصل العمل، فإذا قام النص على أنه من أصل الإيمان كفر بتركه، وإذا قام النص أو الإجماع في كل عمل على أنه من واجبات الإيمان؛ كان المفرط في هذا العمل قد فرط في الإيمان الواجب، وإذا كان العمل مستحباً بالكتاب والسنة؛ فمن فرط فيه فقد فرط في كمال الإيمان والكمال المستحب، والله تعالى أعلم. ولذلك استحق الصحابة ﵃ اسم الرشاد بإكمال الدين، وذلك أنهم كانوا في فسحة وسعة، ليس يجب عليهم صلاة ولا زكاة ولا صيام، ولا كان حرم عليهم كثير مما هو محرم، وكان اسم الإيمان واقعاً عليهم؛ لأن التكاليف نزلت في المدينة، وهم استحقوا اسم الإيمان لما كانوا في مكة وقبل أن تنزل معظم التكاليف، لكن الله ﵎ امتدحهم بكمال إيمانهم، وتمام انصياعهم بإيمانهم الذي آمنوا به في مكة، ثم استقبلوا التكاليف الشرعية أحسن استقبال؛ وكان اسم الإيمان واقعاً عليهم بالتصديق ترفقاً بهم؛ لقرب عهدهم بالجاهلية وجفائها، فجعل الإقرار بالألسن والمعرفة بالقلوب هي الإيمان المفترض يومئذ؛ لأنه لم يكن هناك تكليف بعد، حتى إذا حلت مذاقة الإيمان على ألسنتهم، وحسنت زينته في أعينهم، وتمكنت محبته من قلوبهم، وأشرقت أنوار لبسته عليهم، وحسن استبصارهم فيه، وعظمت فيه رغبتهم؛ تواترت أوامره فيهم، أي: نزلت أوامر الله تعالى بالحلال والحرام والتكليف والأحكام. قال: [وتوكدت فرائضه عليهم، واشتدت زواجره ونواهيه، فكلما أحدث لهم فريضة -عبادة- أو زاجرة عن معصية؛ ازدادوا إليه مسارعة وله طاعة، دعاهم باسم الإيمان، وزادهم فيه بصيرة، فقال: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، فخاطبهم بالإيمان، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]. وكل الخطاب في الفرائض موجه لأهل الإيمان، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة:٣٨]، ونظائر هذا في القرآن كثيرة. وقال في النهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران:١٣٠]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]. فعلى هذا كل مخاطبة كانت منه لهم فيما أمر ونهى، وأباح وحظر، وكان اسم الإيمان واقعاً بالإقرار الأول قبل هذا، إذا لم يكن هناك فرض غيره، فلما نزلت الشرائع بعد -أي: بعد هذا- وجب عليهم التزام فرضها، والمسارعة إليها كوجوب الأول سواء بسواء]، الله سماهم

стр. 726

شرح كتاب الإبانة - الاستثناء في الإيمان الاستثناء في الإيمان من المسائل العويصة التي حصل فيها الخلاف بين أهل السنة وغيرهم من الفرق الضالة، فأهل السنة يقولون بالاستثناء في الإيمان على خلاف بينهم، فإذا كان القصد من الاستثناء أصل الإيمان الذي يخالف فيه المؤمن الكافر فلا يجوز؛ لأن أصل الإيمان إذا زال لا يبقى إلا الكفر، أما إذا كان الاستثناء متعلقاً بحقيقة وكمال وتمام الإيمان المبني على العمل فإنه يجوز، فيكون الاستثناء في الأعمال إذ فيها يكون التقصير.

стр. 727

الاستثناء في الإيمان بين أهل السنة وغيرهم من الفرق الضالة الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد. فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد. فموضوعنا عن جواز الاستثناء في الإيمان، ومعنى الاستثناء في الإيمان هل للرجل إذا سئل: أأنت مؤمن؟ أن يقول: نعم على القطع واليقين، أم يقول: نعم إن شاء الله؟ فتعليق الإيمان على المشيئة يعبر عنه أئمة السلف بالاستثناء في الإيمان. الجهمية والمرجئة قالوا: لا يكون الاستثناء في الإيمان، فمنعوه منعاً باتاً. وحجتهم في ذلك ترجع إلى أصل كلامهم في معنى الإيمان، فهم يقولون: الإيمان هو التصديق، ويعدون أنفسهم أنهم مصدقون، فلِمَ يعلقون هذا الأمر على المشيئة إذا صدقوا؟ وإذا سئلوا: أأنتم مؤمنون؟ يقولون: نعم، دون أن يعلقوا ذلك على المشيئة؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم مصدقون، إذاً ما فائدة التعليق أو ما قيمة الاستثناء حينئذ؟! والجهمية كذلك يمنعون الاستثناء في الإيمان؛ لأن الإيمان عندهم هو المعرفة، فإذا عرفوا الله تعالى فهم مؤمنون كاملو الإيمان، فإذا سئل الواحد منهم: أأنت مؤمن؟ يقول: نعم، ولا يقول: إن شاء الله. فهذه أولاً حجة الإرجاء. إذاً: الإيمان عندهم إما تصديق وإما معرفة، والتصديق والمعرفة إما أن يكون بالقلب أو بالقول فيقولون: نحن نوقن تمام اليقين بما وقر في قلوبنا، ونعرف ذلك من أنفسنا، وإذا كان بالقول فالقائل يعلم ذلك من نفسه. ولذلك ينكرون تماماً أن يعلق المرء إيمانه على المشيئة، أو يستثني في إيمانه إذا سئل: أأنت مؤمن؟ الحجة الثانية لهم: أن تعليق الإيمان على المشيئة من باب الشك، فإذا قلت: أنا مؤمن إن شاء الله، فهذا يعني أنك شاك في إيمانك، والإيمان عندهم لا يتصور نقصانه، كما يقولون: نحن نعرف الله تعالى، وهذا قول الجهمية، إذ إن الإيمان عندهم هو المعرفة، والمرجئة يقولون: الإيمان هو التصديق، فإذا شك المرء في معرفته بالله، أو في تصديقه بالله، فلا يخرج المرء عندهم من التصديق إلا إلى الكفر، ومن المعرفة إلى الجهالة التامة بالله ، وهذا كفر، ولذلك يقولون: لا يجوز لمسلم أن يستثني في إيمانه أبداً، بل لا بد أن يجزم بأنه مؤمن. أما أهل السنة والجماعة فيقولون بمشروعية الاستثناء في الإيمان، وأنتم تعلمون أن الأمر المشروع ينقسم إلى: واجب ومندوب، كما أن الأمر الممنوع ينقسم إلى: محرم ومكروه. ولذلك أهل السنة والجماعة مجمعون على جواز ومشروعية الاستثناء في الإيمان، لكن منهم من أوجب الاستثناء، وبالتالي لا يحل لمسلم أو لمؤمن أن يقول: أنا مؤمن، بل يجب عليه أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فلا بد أن يعلق إيمانه على المشيئة أو أن يستثني في إيمانه بالمشيئة. ومنهم من يقول: الاستثناء جائز وليس بواجب. إذاً: مدار كلام أهل السنة والجماعة في الاستثناء على المشروعية، لكنهم اختلفوا في الاستثناء: هل هو واجب أو جائز؟ فبعض أهل السنة -كما ذكرنا- قالوا بوجوبه، ومنهم الإمام اللالكائي، وصرح بهذا الرأي هناك، بل بوب في كتابه أصول الاعتقاد: باب وجوب الاستثناء في الإيمان. أما الإمام ابن بطة فقال: [باب الاستثناء في الإيمان]، ولم يذكر وجوباً ولا جوازاً ولا استحباباً، وإنما سار كما سار الإمام البخاري في صحيحه، إذ لم يكن قاطعاً بحكم المسألة التي بوب لها في الصحيح، حيث قال: باب كذا. وذكر المسألة، أي: باب خلاف أهل العلم أو باب حكم المسألة التالية، ثم يذكر الإمام الحافظ ابن حجر خلاف أهل العلم في هذه المسألة. وجمهور أهل السنة والجماعة على جواز الاستثناء في الإيمان، ومرد هذا الجواز إلى أمرين: الأمر الأول: إذا كان القصد من الاستثناء أصل الإيمان الذي يخالف فيه المؤمن الكفار، فلا يجوز حينئذ الاستثناء، أي: إذا كان الجواب بالمشيئة متوجهاً إلى قصد الإيمان بالله ورسوله وكتبه وملائكته واليوم الآخر وبالقدر، فلا يجوز فيها الاستثناء؛ لأن أصل الإيمان إذا زال لا يبقى إلا الكفر. الأمر الثاني: إذا كان الجواب متعلقاً بحقيقة الإيمان وكماله وتمامه المبني على العمل، فحينئذ يجوز، إذ إن كل مسلم ينبغي عليه أن يتهم نفسه أنه ما أدى حق الله تعالى عليه، فيكون الاستثناء بالأعمال إذ فيها يكون التقصير، أي: أنه يستثني في كونه مؤمناً ولا يستثني في صحة إيمانه.

стр. 728

شأن المؤمن الخوف من أن يسلب إيمانه قال: [اعلموا رحمنا الله وإياكم أن من شأن المؤمنين وصفاتهم وجود الإيمان فيهم، ودوام الإشفاق على إيمانهم، وشدة الحذر على أديانهم، فقلوبهم وجلة من خوف السلب]، أي: أن قلوب المؤمنين العابدين خائفة دائماً من أن يسلبهم الله هذا الإيمان؛ لأن قلب العبد بين يدي الله يصرفه كيف شاء، والنبي ﵊ كان يقول: (اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على ديني، ويا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك)، مع أن النبي ﵊ هو الذي حقق كمال الإيمان وتمامه، ومع هذا ما كان يأمن على نفسه، وكذلك الصحابة ﵃ كانوا في قمة الإيمان، ومع هذا كانوا يخافون على أنفسهم النفاق، ولا يأمنون مكر الله ، مع ثبوت البشرى بالجنة في حقهم وخاصة العشرة المبشرين. قال: [قد أحاط بهم الوجل لا يدرون ما الله صانع بهم في بقية أعمالهم، حذرين من التزكية، متبعين لما أمرهم به مولاهم الكريم حين يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]. خائفين من حلول مكر الله بهم في سوء الخاتمة، لا يدرون على ما يصبحون ويمسون، قد أورثهم ما حذرهم ﵎ الوجل في كل قدم حين يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤]]، أي: هل تكسب في إيمانها إيماناً أو كفراً، [فهم بالحال التي وصفهم بها حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]]، فهل هذا الإتيان الذي أتوه من خير أو شر؟ ولذلك لما تلت [عائشة عند رسول الله ﷺ هذه الآية قالت: (يا رسول الله! هو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ قال: لا، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق وهو يخاف ألا يقبل منه)]؛ لأن العبرة في العمل بالقبول لا بمجرد الإسلام أو الاستسلام المجرد. حتى النبي ﵊ يقول: (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل).

стр. 729

وجود الإشفاق في قلوب المؤمنين حملهم على الاستثناء في كلامهم قال: [فلما أن لزم قلوبهم هذا الإشفاق لزموا الاستثناء في كلامهم، وفي مستقبل أعمالهم، فمن صفة أهل العقل والعلم أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله]. وهذه المشيئة في الإيمان متعلقة بكماله وتمامه، وهذا الكمال لا يتحقق للعبد إلا بالعمل، إذاً الاستثناء في الإيمان مرده إلى عدم التزكية على الله تعالى في تحقق كمال الإيمان وتمامه. فحين أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فهذا يعني أنني قد عملت العمل، لكني لا أدري أقبله الله مني أم لا؟ كما أنني لا أدري هل هذا العمل في قمة الكمال والتمام أو في وسطه أو في أول مراحله؟ إذاً إذا كان الكلام موجهاً إلى أصل الإيمان فنعم أنا مؤمن؛ لأنني آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولا أكفر بشيء من ذلك، بل أعادي من يعادي ذلك، وأحب من يحب ذلك، وأنا موقن تمام اليقين من نفسي بما أقول؛ لأن هذا هو الأصل الذي لا ينزل إلا إلى الكفر البواح. وأما إذا كان السؤال متوجهاً إلى كمال الإيمان وتمامه فأنا لا أعرفها؛ لأن ذلك لا يكون إلا بالعمل، وأنا قد عملت، لكني لا أدري أقبل مني أم لا؟ وإذا قبل هل قبل كله أم بعضه؟ لأنه ربما يصلي المرء الصلاة فيعجب بصلاته، وقد أداها كاملة بقيامها وركوعها وسجودها وخشوعها، وربما ظن أن هذا هو عين المراد من تشريع الصلاة، لكن لو نظر المرء إلى صلاته وإلى صلاة أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي فهل يستويان؟ بل لو نظر المرء بين عبادته وعبادة من سلفه من سلفنا رضي الله ﵎ عنهم، إذ لا يمكن أبداً أن يزعم المرء بأن صلاته كصلاة أحمد بن حنبل، ولا أن صيامه كصيام أحمد بن حنبل، نعم، نصوم لأننا نؤمن بأن الله تعالى فرض علينا الصيام، لكن في هذه العبادة من لغو وغيبة ونميمة الشيء الكثير، وبالتالي فلا يمكن أن يكون صيامي كصيام أحمد بن حنبل، وإن صدق على كل واحد منا أنه قد صام رمضان، لكن هيهات أن يكون عملي كعمل أحمد، أو تكون عبادتي كعبادة أحمد رحمه الله تعالى. ولذلك نحن نقول: المرء يعمل، لكن هل العمل الذي أتى به العبد قد توفرت فيه قمة المطلوب والمراد من هذا العمل؟ لا يستطيع المرء أن يزعم أنه صلى صلاة ما بعدها صلاة، ولا صام صياماً ما بعده صوم، ولا حج حجاً ما بعده حج، ولذلك المرء يقول: أنا عملت، ومع عملي كنت مقصراً، وحجم العمل أين يكون في الميزان؟ هذا أمر لا يعرفه العبد، وحجم التقصير في ميزان العمل أين يكون؟ هذا أمر لا يعلمه كذلك إلا الله . فإذا كانت طاعتي من جهة الكمال والتمام فإنه لا يعلمها يقيناً إلا الله، وتقصيري في جنب الله لا يعلمه يقيناً إلا الله . إذاً: فحينئذ ينبغي الاستثناء في الإيمان إذا كان المراد منه الكمال والتمام، وأن المرء إذا قال: أنا مؤمن جزماً، وانصرفت نيته إلى كمال الإيمان وتمامه، فإنه قد زكى نفسه، والله تعالى يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]. قال الشيخ: [فلما أن لزم قلوبهم هذا الإشفاق لزموا الاستثناء في كلامهم، وفي مستقبل أعمالهم، فمن صفة أهل العقل والعلم أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، لا على جهة الشك، ونعوذ بالله من الشك في الإيمان؛ لأن الإيمان إقرار لله بربوبيته، وخضوع له في العبودية، وتصديق له في كل ما قال وأمر ونهى]. وكما نقول وقلناه مراراً: الإيمان ينقسم إلى أصل وفرع، والإيمان كالشجرة لها أصل ثابت وفروع تتفرع في السماء، فإذا كان الاستثناء في أصل الإيمان، فهذا خلع له من جذوره، وإذا كان الاستثناء في هذه الفروع المتعلقة بالعمل، فهذا جائز أو واجب في نفسه. قال: [فالشاك في شيء من هذا كافر لا محالة]. أي: لو أنه قال: أنا مؤمن بالملائكة، لكن لا أعلم هل جبريل من الملائكة أم لا؟ فهذا شك، وآخر يقول: أنا مؤمن بأن الله ﵎ أمرنا أن نصلي إلى الكعبة، لكني لا أدري أهذه الكعبة في مكة أم في اليمن أم في الهند؟ فإنه يكفر بذلك، إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام، أي: لا يعرف عن الإسلام ولا عن ثوابته شيئاً، فحينئذ يُعلَّم ويُعرَّف، فإن أنكر وأصر كفر.

стр. 730

توجيه الاستثناء في الإيمان قال: [ولكن الاستثناء يصح من العبد من وجهين: الأول: نفي التزكية]، أي: يصح الاستثناء بشرط ألا يزكي نفسه؛ [لئلا يشهد الإنسان على نفسه بحقائق الإيمان وكوامله، فإن من قطع على نفسه بهذه الأوصاف شهد لها بالجنة وبالرضاء وبالرضوان، ومن شهد لنفسه بهذه الشهادة كان خليقاً بضدها، أرأيت لو أن رجلاً شهد عند بعض الحكام على شيء تافه نزر، فقال له الحاكم: لست أعرفك، ولكني أسأل عنك ثم أسمع شهادتك، فقال له الرجل: إنك لن تسأل عني أعلم بي مني، فأنا رجل زكي مأمون رضي جائز الشهادة ثابت العدالة]. فهذا الرجل شهد لنفسه، وكأنه أعرف بنفسه من الحاكم، ولله المثل الأعلى، فهذا الرجل لم يستثن في الإيمان، بل قال: أنا مؤمن، ولم يقل: إن شاء الله. وهذا كما حصل مع جحا حينما ذهب يريد أن يشتري حماراً من السوق، فقالت له زوجته: إلى أين يا جحا؟ قال: أنا ذاهب إلى السوق لأشتري حماراً، قالت له: قل: إن شاء الله، قال: لماذا أقول إن شاء الله؟ هذه فلوسي معي، فلما ذهب إلى السوق سرق منه المال، ثم رجع إلى زوجته فسألته: أين الحمار يا جحا؟ قال: ضاعت مني الأموال إن شاء الله! قال: [أليس كان قد أخبر عن نفسه بضعف بصيرته وقلة عقله بما دل الحاكم على رد شهادته وأغناه عن المسألة عنه، فما ظنك بمن قطع لنفسه بحقائق الإيمان التي هي من أوصاف النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحكم لنفسه بالخلود في جنات النعيم]. ولو أنك قلت: أنا مؤمن وقصدت كمال الإيمان وتمامه -الذي هو البر والتقوى- فكأنك قلت: أنا من أهل الجنة؛ لأن الله تعالى وعد المؤمنين الصادقين الأبرار المتقين بالجنة، وأن الله تعالى يتقبل عمل المتقين، فكان لزاماً على الله أن يدخلني الجنة؛ لأنني محقق لحقيقة الإيمان وكماله. قال: [ويصح الاستثناء أيضاً من وجه آخر يقع على مستقبل الأعمال ومستأنف الأفعال، وعلى الخاتمة وبقية الأعمار]. الثاني: أن الاستثناء يصح على مستقبل الأعمال؛ إذ تعلمون أن الأعمال بالخواتيم، ولا يدري الإنسان بماذا سيختم له؟ بل لا أحد منا على يقين أنه سيخرج من باب هذا المسجد مؤمناً كامل الإيمان، فربما خرج الواحد منا مبغضاً لله ورسوله قبل أن نقوم من مقامنا، وربما يقوم الواحد منا مؤمناً كامل الإيمان، فهل نملك قلوبنا؟! ولا ندري ما الله تعالى صانع بنا؟ فإذا كنا لا ندري ما الله صانع بنا في الأفعال والأعمال، فينبغي أن نعلق فيما يتعلق بمستقبل الأعمال على التصديق بالله . قال: [ويريد إني مؤمن إن ختم الله لي بأعمال المؤمنين، وإن كنت عند الله مثبتاً في ديوان أهل الإيمان، وإن كان ما أنا عليه من أفعال المؤمنين أمراً يدوم لي ويبقى علي حتى ألقى الله به، ولا أدري هل أصبح وأمسي على إيماني أم لا؟ وبذلك أدب الله نبيه والمؤمنين من عباده، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، فأنت لا يجوز لك إن كنت ممن يؤمن بالله، وتعلم أن قلبك بيده يصرفه كيف شاء، أن تقول قولاً جزماً حتماً: إني أصبح غداً مؤمناً، ولا تقول: إني أصبح غداً كافراً ولا منافقاً إلا أن تصل كلامك بالاستثناء، فتقول: إن شاء الله. فهكذا أوصاف العقلاء من المؤمنين].

стр. 731

بعض الأحاديث والآثار الواردة في الاستثناء في الإيمان

стр. 732

أثر أبي هريرة: (ما أحب أن أحلف) قال: وعن أبي هريرة ﵁ قال: ما أحب أن أحلف لا أصبح كافراً ولا أمسي كافراً. قال الشيخ: والاستثناء يكون على الشيء اليقيني كما قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]]، مع أن الله تعالى علم يقيناً أنهم سيدخلونه، ومع هذا علق ذلك على المشيئة. [وقال النبي ﵊: (إني لأرجو أن أكون أتقاكم لله)، مع أنه على يقين أنه أتقاهم لله ].

стр. 733

دعاء زيارة المقابر قال: [ومر ﷺ بأهل القبور فقال: (وإنا بكم إن شاء الله لاحقون)، مع أنه يعلم أنه سيموت لا محالة]، وأن كل من عليها فان لا محالة: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧]، فعلق الموت على مشيئة الله مع أنه أمر يقيني. [ولكن الله تعالى بذلك أدب أنبياءه وأولياءه ألا يقولوا قولاً أملوه وخافوه وأحبوه أو كرهوه إلا شرطوا مشيئة الله تعالى فيه، قال إبراهيم الخليل ﵊ ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام:٨٠]، مع أن إبراهيم على يقين أنه إمام الحنيفية، لكنه يعلم أن قلبه بيد الله . وقال شعيب ﵇: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف:٨٩]. فهذا طريق الأنبياء والعلماء والعقلاء، وجميع من مضى من السلف والخلف والمؤمنين من الخلف، الذين جعل الله الاقتداء بهم هداية وسلامة واستقامة وعافية من الندامة]. قال: [وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)].

стр. 734

حديث عامر بن سعد: (أن النبي أعطى رجالاً) وعن عامر بن سعد (أن النبي ﷺ أعطى رجالاً ولم يعط رجلاً، فقال أبوه سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله! أعطيت فلاناً وفلاناً وتركت فلاناً -أي: من الغنائم- فلم تعطه وهو مؤمن، فقال النبي ﵊: أو مسلم؟ فسكت سعد، ثم قال: وحزبني -أي: دفعني- ما أعرف من الرجل فقلت: يا رسول الله -مرة أخرى- أعطيت فلاناً وفلاناً ولم تعط فلاناً وهو مؤمن، قال عندها: أو مسلم؟ فحزبني ما أعرف من الرجل أن أقول للنبي مرة ثالثة: يا رسول الله! أنت أعطيت فلاناً وفلاناً وفلاناً، ولم تعط فلاناً وهو مؤمن، فقال النبي ﵊: يا سعد هل لك في أن تقول: مؤمن؟). فنحن نعرف من قبل يا إخواني! أن المسلم لا يصح له الإسلام إذا كان معه أصل الإيمان، فلو قال رجل: أنا مسلم أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، لكني لا أؤمن بالملائكة ولا بالنبيين ولا باليوم الآخر ولا بالقدر خيره وشره، ولا بعذاب القبر ونعيمه، ولا بالبعث، ولا بالحساب، ولا بالجزاء، ولا بالصراط، ولا بالجنة، ولا بالنار، فهذا الرجل ليس مسلماً؛ لأنه ليس معه أصل الإيمان. وفي هذه الحالة حينما رد النبي ﵊ على سعد في عدم إعطاء هذا الرجل من الغنائم، كان قصد سعد بكلمة: (مؤمن) كمال الإيمان لا أصله، فلما أنكر النبي ﵊ على سعد أنكر شهادته له بكمال الإيمان. [فقال النبي ﵊: (إني لأعطي رجالاً وأدع من هو أحب إلي منهم مخافة أن يكبهم الله في النار على مناخرهم)]. أرأيتم العلم والحكمة؟! يقول له: يا سعد! ما معنى أني أعطيت فلاناً وطردت فلاناً؟ هل أنه مؤمن أو غير مؤمن؟ لا، فأنا قد أعطي فلاناً ولا أعطي فلاناً آخر، والذي لم أعطه أحب إلي، وإيمانه أعدل إلي من إيمان من أعطيته، ولذلك شرع الله سهماً من الزكاة للمؤلفة قلوبهم، مع أن هناك ناساً في كمال الإيمان، والمؤلفة قلوبهم أحب إلى الله أم أبي بكر وعمر؟ أبو بكر وعمر، فالنبي ﵊ حينما يعطي المؤلفة قلوبهم ولا يعطي أبا بكر وعمر، فهل يدل على أن المؤلفة أحسن من أبي بكر وعمر؟ أبداً، لكن النبي ﵊ أعطى هؤلاء مخافة أن يبغضوا رسول الله، أو أن يبغضوا الدين، فهم حينما يعالجوا بالمال يكون هذا عوناً لهم على الثبات، فيقول: لماذا لم تعطني؟ فيقول لك: أنت ليس وراءك خير! لكن النبي ﵊ بحكمة الداعية وبحكمة الأنبياء إنما دعاهم لشيء يعجبهم ويسرهم، وكان السائل يأتي إلى النبي ﵊ فيسأله فيعطيه غنماً بين جبلين برعاتها وكلابها ومرعاها، فيذهب الرجل إلى قومه ويقول: أتيتكم من عند من لا يخشى الفقر أبداً، محمد عبد الله ورسوله، فيأتي بعد برهة من الزمن مع قومه قد آمنوا بالله ورسوله، بسبب قليل من الأغنام زائلة فانية، والنبي ﵊ كانت الدنيا في يده لا في قلبه، وما كانت به حاجة أن يكون رجلاً من أهل الدنيا؛ لأنه غني بالله تعالى، وغني بالإيمان بالله، فحينئذ النبي ﵊ أنكر على سعد أن يتكلم في حقيقة وكمال وتمام إيمانه لأحد، حتى وإن كان من أصحاب النبي ﵊؛ لأن هذا إنما يعلمه الله ، ولو قال سعد: إنه مؤمن إن شاء الله يا رسول الله! ما أنكر عليه النبي ﵊، وإنما أنكر على سعد أنه جزم بذلك.

стр. 735

إنكار ابن مسعود على من يقول عن نفسه: إنه مؤمن قال: [وجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: يا أبا عبد الرحمن لقيت ركباً فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن المؤمنون، قال عبد الله بن مسعود: أفلا قالوا: نحن أهل الجنة]. أي: أن عبد الله بن مسعود يريد أن يقول: إذا كنتم أنتم المؤمنون حقاً فينبغي أن تقولوا: نحن أهل الجنة حقاً، وبذلك تلزمون الله ﵎ بدخولكم الجنة، ولذلك أهل السنة لا يقولون عن فلان بعينه شهيد إلا من شهد له الشرع بأنه شهيد، وإنما يقولون على العموم: شهداء بدر، شهداء أحد، شهداء الخندق، شهداء غزوة كذا، وغزوة كذا؛ لأن الشهداء يقيناً في الجنة، فلو قلنا: بأن فلاناً على جهة اليقين شهيد، لكان لزاماً على الله أن يدخله الجنة، ولا يلزم الله ﵎ أحكام العباد. ولذلك ينبغي أن نقول: فلان نحسبه شهيداً والله تعالى حسيبه، ونقول: فلان رجل صادق لا نزكيه على الله، والله تعالى يتولى أمره، لكن الذي يبدو لنا منه الصلاح والتقوى والعمل الصالح وغير ذلك، ما يدرينا أن الله تعالى يقبل هذا؟ ما يدرينا أنه يفعل ذلك رياء وسمعة؟ ما يدرينا أنه يفعل ذلك شهرة وتصدراً في المجالس؟ ما يدرينا أن الله تعالى قبل عمله؟ ما يدرينا أن هذا العمل قد حقق كمال الإيمان وتمامه؟ كل ذلك نحن لا نعلمه، الله تعالى يعلمه. قال: [وعن الحسن أن رجلاً قال عند عبد الله بن مسعود: إني مؤمن، فقيل لـ ابن مسعود: إن هذا يزعم أنه مؤمن، قال: فاسألوه أفي الجنة هو أم في النار؟ فسألوه فقال: الله أعلم]. أي: سألوه: هل أنت يا أخي! مؤمن أم لا؟ قال: مؤمن، إذاً هل أنت في الجنة أم في النار؟ قال: الله أعلم، فلم لم تقل في الأولى: أنا مؤمن إن شاء الله، أي: تعلق الأولى كما علقت الثانية. قال: [فسألوه فقال: الله أعلم، فقال له عبد الله: فهل وكلت الأولى كما وكلت الآخرة؟]. أي: هلا قلت في الأولى: أنا مؤمن إن شاء الله، كما قلت: الله أعلم، حينما سئلت: أأنت في الجنة أم في النار؟ قال: [وعن علقمة أنه كان بينه وبين رجل من الخوارج كلام فقال له علقمة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]. فقال الرجل: ومؤمن أنت؟ قال: أرجو، أي: أرجو أن أكون عند الله مؤمناً. قال: وعن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في خطبته: من يتأل على الله يكذبه]، أي: من يحلف على الله بأنه مؤمن فهو كذاب؛ لأن علم ذلك راجع إلى الله .

стр. 736

أسماء بعض السلف الذين يعيبون على من لا يستثني قال: [وعن جرير بن عبد الحميد الضبي قال: كان الأعمش ومنصور ومغيرة والليث وعطاء بن السائب وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسيب وابن شبرمة وسفيان الثوري وأبو يحيى صاحب الحسن وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون من لا يستثني]. فهؤلاء من السلف ذهبوا إلى وجود الاستثناء في الإيمان، والسبب أن بعض أهل السنة يقول: يجب الاستثناء في الإيمان، والبعض يقول: يجوز، والبعض يقول: يستحب، وهؤلاء جمهور أهل العلم.

стр. 737

كلام ابن مهدي وأحمد والثوري في الاستثناء في الإيمان قال: [قال المروذي: وسمعت بعض مشايخنا يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: إذا تُرك الاستثناء فهو أصل الإرجاء]. قال: [وعن أحمد بن حنبل ﵀ قال: ما أدركت أحداً من أصحابنا إلا على الاستثناء. قال يحيى: وكان سفيان يكره أن يقول: أنا مؤمن]، أي: أنه إذا سئل: أأنت مؤمن؟ يقول: آمنت بالله وكتبه ورسله. قال: [وقال سفيان: الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث]، أي: في الأحكام التي هي الأوامر والنواهي، الحلال والحرام وغير ذلك، والمواريث، فيورثون العبد ويرثون من العبد؛ لأنه مات على الإسلام الذي نعلمه منه يقيناً، ومع هذا الإسلام أصل الإيمان. قال: [الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث، ونرجو أن يكون ذلك ولا ندري ما حالنا عند الله؟] أي: من كمال الإيمان وتمامه.

стр. 738

سبيل المؤمنين الاستثناء والخوف والرجاء قال: [فهذه سبيل المؤمنين وطريق العقلاء من العلماء لزوم الاستثناء والخوف والرجاء، لا يدرون كيف أحوالهم عند الله، ولا كيف أعمالهم، أمقبولة هي أم مردودة؟ قال الله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]. وأخبر عن عبده الصالح سليمان ﵊ في مسألته إياه: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل:١٩]. أفلا تراه كيف يسأل الله الرضا منه بالعمل الصالح؛ لأنه قد علم أن الأعمال ليست بنافعة وإن كانت في منظر العين صالحة، إلا أن يكون الله قد رضيها وقبلها]، أي: ممكن أن يكون العمل في أعين الناظرين إليه عمل صالح، لكن الله تعالى لم يتقبله، فكيف ينتفع به العامل؟ ولذلك قال سليمان: ((وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا)) أي: يا رب! ارزقني أن أعمل عملاً صالحاً. قال: [وهذا لا يقدر على حتمه وجزمه] بالقبول [إلا جاهل مغتر] كالمرجئة، [نعوذ بالله من الغرة بالله والإصرار على معصية الله، أما ترون رحمكم الله إلى الرجل من المسلمين قد صلى الصلاة فأتمها وأكملها، وربما كانت في جماعة وفي وقتها، وعلى تمام طهارتها، فيقال له: صليت؟ فيقول: نعم إن قبلها الله]. مع أنه بإمكانه أن يقول: نعم صليت، فيذكر بأنه قد صلى، لكنه حينما قال: صليت إن قبلها الله؛ لأنه يعلم أن حقيقة الصلاة هي المقبولة. قال: [وكذلك القوم يصومون شهر رمضان فيقولون في آخره: صمنا إن كان الله قد تقبله منا]، وإلا فلا ينفعنا وإن كنا قد صمنا. قال: [وكذلك يقول من قدم من حجه بعد فراغه من حجه وعمرته وأداء جميع مناسكه إذا سئل عن حجه إنما يقول: قد حججنا ما بقي غير القبول، وكذلك دعاء الناس لأنفسهم عند انقضاء شهر رمضان وفي الأعياد وغير ذلك، وبهذا مضت سنة المسلمين، وعليه جرت عاداتهم، وأخذه خلفهم عن سلفهم، فليس يخالف الاستثناء في الإيمان ويأبى قبوله إلا رجل خبيث مرجئ ضال قد استحوذ الشيطان على قلبه، نعوذ بالله منه]. قال: [وقال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: كان سليمان بن حرب يحمل الاستثناء على التقبل]، أي: إذا سئل: أأنت مؤمن؟ يقول: نعم إن شاء الله، يقصد بالمشيئة القبول لا التمام والكمال، [ويقولون: نحن نعمل ولا ندري أيتقبل منا أم لا]. قال: [وقال الوليد: سمعت الأوزاعي ومالك بن أنس وسعيد بن عبد العزيز لا ينكرون أن يقولوا: أنا مؤمن، ويأذنون في الاستثناء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله]. فالذي جزم من السلف بأنه مؤمن بغير استثناء إنما تكلم عن أصل الإيمان، وجماهير أهل السنة على الاستثناء. قال: [قال جرير بن عبد الحميد: الإيمان قول وعمل]. يزيد وينقص، وزيادته ونقصانه تتعلق بالعمل. وكما قلنا من قبل: الرجل يعمل العمل ولما يدري أقبله الله تعالى منه أم لا، فينبغي أن يعلق زيادة الإيمان ونقصانه على مشيئة الله . قال: [وكان الأعمش ومنصور ومغيرة والليث وعطاء وإسماعيل بن السائب وابن أبي خالد وعمارة والعلاء وغير واحد يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون من لا يستثني]. قال: [وقال أحمد بن حنبل: إذا قال الرجل: إني مؤمن إن شاء الله فليس هو بشاك]، خلافاً لقول المرجئة الذين يقولون: إذا قال الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله فهو يشك. قال: [فقيل له: إن شاء الله ليس هو شكا. قال: معاذ الله، أليس الله تعالى يقول: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]]؟ أي: هل الله تعالى شك في دخوله؟ الجواب لا. قال: [وصاحب القبر إذا قال عليه: أبعث إن شاء الله، فأي شك هاهنا. وقال النبي ﵊: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)]، فلا يمكن أن يكون هذا شكاً. قال: [وعن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يخرج إذا كانت ليلة عائشة، إذا ذهب الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم أهل ديار قوم مؤمنين، وإنا وإياكم وما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)]. والنبي ﷺ على يقين من كلامه. قال: [وعن أبي هريرة أن النبي ﵊ أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)]. قال: [وقال أحمد بن حنبل لما سئل عن الاستثناء: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فاستثني مخافة واحتياطاً، ليس كما يقولون على الشك، إنما يستثني للعمل]. أي: أنه يستثني

стр. 739

كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول الاستثناء في الإيمان فـ ابن تيمية في كتاب الإيمان في الجزء السابع من مجموع الفتاوى يقول: وأن الاستثناء في الإيمان بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، فالناس فيه على ثلاثة أقوال: فمنهم من أوجبه حتى لا يزكي نفسه؛ لأنه لا يقول ذلك على جهة الشك، والذين أوجبوا الاستثناء قالوا: دفعاً للتزكية، وأنهم يقولونها لا على سبيل الشك بل على سبيل تفويض كمال الإيمان وتمامه لله . ومنهم من يحرمه، وهم المرجئة والجهمية، وذلك على أصلهم في تعريف الإيمان بأنه التصديق أو المعرفة، وأنه لا يتصور الاستثناء؛ لأن الاستثناء عندهم شك في أصل الإيمان، ومن شك في أصل الإيمان لا يتصور إلا إلى الكفر. ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين، أي: باعتبار كمال الإيمان وتمامه لا بد أن يستثني، وباعتبار أصل الإيمان فلا يستثني. قال: وهذا أصح الأقوال، أي: المذهب الذي يقول: إنه أحياناً يكون الجزم بالإيمان واجباً، وأحياناً يكون الاستثناء في الإيمان واجباً أو جائزاً. والذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ونحوهم، ممن يجعل الإيمان شيئاً واحداً يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب ونحو ذلك مما في قلبه. فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، وكما أعلم أني قرأت الفاتحة، وكما أعلم أني أحب الله ورسوله، وأني أبغض اليهود والنصارى، فقولي: أنا مؤمن كقولي: أنا مسلم، وكقولي: تكلمت بالشهادتين، وقرأت الفاتحة، وأنا أبغض اليهود والنصارى، ونحو ذلك من الأمور الحاضرة التي أنا أعلمها من نفسي يقيناً وأقطع بها، وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله، لا يجوز: أنا مؤمن إن شاء الله، لكن إذا كان يشك في ذلك فيقول: فعلته إن شاء الله، قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه، وسموهم الشاكة. والذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان، واعلم أن هناك بعض الناس من أهل البدع أوجبوا الاستثناء، لكن ذهبوا في الوجوب إلى علة أخرى غير التي عند أهل السنة والجماعة، أي: أن فريقاً من أهل البدع قالوا بأن الاستثناء في الإيمان واجب، وذلك لعلة تسمى الموافاة، وهي: أن يفي الرجل إلى الله يوم القيامة بالأعمال، أي: العمل الذي يقدم به العبد على ربه. كما قالوا كلاماً هو شراً من ذلك، فقالوا: الله سبق في علمه أن فلاناً سيموت على الكفر، ولا خلاف عندنا أن الله تعالى يعلم ذلك من عبده، فهو مؤمن الآن يعمل الصالحات، لكنه يختم له بالكفر والردة، أي: أن عمله هذا كله لا قيمة له، وأنه لا يثاب عليه؛ لأنه قد سبق في علم الله أنه سيوافيه يوم القيامة مرتداً وكافراً. وكذلك الصورة العكسية أن هذا العبد كافر عابد للأصنام والأوثان. قال: فلا يزال الله ﵎ يحبه حتى وإن كان عابد وثن؛ لأن الله تعالى سبق في علمه أن هذا العبد سيموت على الإيمان أو سيوافيه بالإيمان. ولذلك يقولون: لا بد من الاستثناء في الإيمان، وذلك لعلة الموافاة التي لا يعلمها العبد من نفسه، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أي: باعتبار قدومه على الله، هل يقدم عليه كافراً أو يقدم عليه مؤمناً؟ وعلة الموافاة هذه لم يقل بها إلا المبتدعة. ولذلك يقولون: محبة الله ﵎ لعبده لا تتغير، وسخط الله ﵎ على عبده لا يتغير، فلا يزال الله ﵎ ساخطاً على عبد من عباده أبداً، عمل صالحاً أو سيئاً؛ لعلم الله تعالى أنه سيختم له بالكفر والردة. كذلك فالله تعالى يرضى عن عبده وإن كان عابد وثن؛ لعلمه أن هذا العبد سيوافيه على الإيمان. فهذه عند المبتدعة اسمها: علة الموافاة، ونحن قلنا: إن فريقاً من أهل السنة قالوا بوجوب الاستثناء في الإيمان، فهل لعلة الموافاة؟ لا، وإنما عدم تزكية، وأنهم لا يقولون ذلك على سبيل الشك، بل على سبيل إيكال حقيقة الإيمان لله ، أما الاستثناء في الإيمان فينبغي أن يكون في كمال الإيمان وتمامه وحقيقته، أما أصل الإيمان الذي هو محل الردة ومحل الكفر، فلا استثناء فيه. وهذا الوجه الأول من الأوجه التي أوجب الله ﵎ لها الاستثناء، وهذا الوجه عند أهل البدع. الوجه الثاني كذلك في الاستثناء في الإيمان: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله ﵎ به وترك المحرمات، إذ إن الإيمان المطلق أو الإيمان الكامل متعلق بالعمل، والعمل عبارة عن أمر ونهي.

стр. 740

كلام الإمام أحمد في الاستثناء فإذا كان كمال الإيمان وتمامه مرتبطاً بالعمل الذي هو الأمر والنهي، وأنا غير متأكد من قيامي بواجب الأمر والنهي، ففي هذه الحالة إذا سئلت عن كمال الإيمان وتمامه أكل الأمر إلى الله وأقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ولذلك قال رجل لـ أحمد بن حنبل: قيل لي: أمؤمن أنت؟ فقلت له: نعم، وهل الناس إلا مؤمن وكافر؟ فغضب أحمد بن حنبل غضباً شديداً وقال: هذا كلام الإرجاء؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٠٦]، وذلك لما ذكر الله تعالى أهل الإيمان وأهل الكفر ذكر فئة ثالثة فقال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: يوم القيامة يفصل بينهم. فإذا كان الناس مؤمناً وكافراً فليس هناك داع لهذا الفريق الثالث الذي يرجئ أمره إلى الله يوم القيامة، وهم أصحاب الكبائر، فليس بمؤمن كامل الإيمان، وليس بكافر بكبيرته، ولذلك أصحاب الكبائر مؤمنون بإيمانهم فساق بكبائرهم، وفي يوم القيامة إن شاء الله عذبهم وإن شاء غفر لهم. إذاً مشيئة الله ﵎ في أهل الكبائر في الآخرة، ومعنى (مرجون): مؤخرون. وبالتالي ليس الناس مؤمناً وكافراً فحسب، بل مؤمن وفاسق وكافر. قال: إن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لنفسه بما لا يعلم. أما قول أحمد قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٠٦] من هؤلاء؟ ثم قال أحمد: أليس الإيمان قولاً وعملاً؟ قال الرجل: بلى، قال: فجئنا بالقول؟ قال: نعم، قال: فجئنا بالعمل؟ قال: الأمر لله، أي: ومن يجرؤ أن يأتي يوم القيامة ويقول: أنت أمرتني بالقول والعمل، ووعدتني على القول والعمل بالجنة، وأنا قد آمنت بالله، وما كنت أمل ولا أكل من قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكنت أصوم وأصلي وأزكي، فهيا أدخلني الجنة الآن! هل أحد يستطيع أن يقول هذا لله؟ مع أن الله وعد بأن من قال وعمل دخل الجنة، لكن هل هذا يلزم الله تعالى؟ لا يلزمه؛ لأن العبد لا يزعم أنه قد عمل، وإن زعم أنه قد قال؛ فلأن القول محقق ولا يقبل منه إلا إذا كان معه أصل الإيمان، أما العمل فلا يسع إنساناً أن يزعم أنه قد حقق كمال الإيمان وتمامه بتمام العمل وكماله. قال: فهل جئنا بالعمل؟ قال الرجل: لا، قال: فكيف نعيب أن يقول: إن شاء الله ويستثني؟ وقال أبو داود: أخبرني أحمد بن أبي شريح أن أحمد بن حنبل كتب إليه في هذه المسألة: أن الإيمان قول وعمل، فجئنا بالقول ولم نجئ بالعمل، فنحن نستثني في العمل. إذاً أنا حينما أقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فإني أستثني في العمل. قال: والقبول متعلق بفعله كما أمر، فكل من اتقى الله في عمله ففعله كما أمر، فقد تقبله الله منه، لكن هل العمل يجزم بالقبول؟ الجواب لا. وعن أبي طالب قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: لا نجد بداً من الاستثناء؛ لأنهم إذا قالوا: مؤمن، فقد جاء بالقول، وإنما الاستثناء بالعمل لا بالقول. وعن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان: أن الإيمان قول وعمل، فقد جئنا بالقول ونخشى أن نكون فرطنا في العمل، فيعجبني أن يستثنى العبد في الإيمان فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وسمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن قول النبي ﷺ : (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، الاستثناء هاهنا على أي شيء يقع؟ قال: على البقاع، لا يدري أيدفن في الموضع الذي سلم عليه أم في غيره، ولذلك قال النبي ﵊ لأهل البقيع: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، ولم يدفن في البقيع، وإنما دفن في الموضع الذي مات فيه، فعلم أن أحمد وغيره من السلف كانوا يجزمون ولا يشكون في وجود ما في القلب من الإيمان في هذه الحال، ويجعلون الاستثناء عائداً إلى الإيمان المطلق المتضمن فعل المأمور، ويحتجون أيضاً بجواز الاستثناء فيما لا يشك فيه، وهذا وإن كنا لا نشك فيما في قلوبنا من الإيمان، فالاستثناء فيما يعلم وجوده قد جاءت به السنة؛ لما فيه من الحكمة. قال: وعن محمد بن الحسن بن هارون قال: سألت أبا عبد الله عن الاستثناء في الإيمان؟ فقال: نعم، الاستثناء على غير معنى الشك، مخافة واحتياطاً للعمل، وقد استثنى ابن مسعود وغيره، وهذا مذهب الثوري، قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَا
следующие страницы →