Полный текст (1 366 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
مقدمة المؤلف في أول جزء في القدر
стр. 807
هداية البشر وضلالهم بإرادة الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحمد لله، أهل الحمد ووليه، المنان الجواد، الذي ثوابه جزل -أي: كثير- وعطاؤه فضل، وأياديه متتابعة، ونعماؤه سابغة، وإحسانه متواتر، وحكمه عدل، وقوله فصل، حصر الأشياء في قدرته]، أي: جعل كل شيء في قدرته ومشيئته، فلا يكون في الكون شيء إلا بمشيئة الله تعالى وقدرته، وهكذا السلف ﵃ إذا أراد أحد منهم أن يكتب رسالة أو يصنف كتاباً جعل مقدمة الكتاب دليلاً للموضوع، فإذا أراد أن يتكلم عن الإيمان جعل لهذا الكتاب مقدمة طويلة جداً في الإيمان ومسائل الإيمان واختلاف أهل العلم في بعض قضايا الإيمان وغير ذلك، ومثله إذا تكلم في القدر، أو في الملائكة، أو في الإنس، أو في الجن جعل المقدمة مناسبة للموضوع ودليلاً عليه ومدخلاً له.
قال: [حصر الأشياء في قدرته، وأحاط بها علمه] إذاً: تكلم هنا عن مرتبة العلم، وأيضاً مرتبة الإرادة.
قال: [ونفذت فيها مشيئته] وهذه مرتبة من المراتب.
قال: [وصلى الله على خير خلقه محمد النبي وآله وسلم.
أما بعد: يا إخواني! وفقنا الله وإياكم لأقصد الطريق وأهداها]، وأقصد الطريق بمعنى: أقصرها وأقربها، ولذلك أنت دائماً تقول لآخر: أنت تكلمني كثيراً، أنا أريد أن تعطيني الموضوع مباشرة، أي: تدخل في الموضوع مباشرة من أقصر وأقرب طريق.
قال: [وفقنا الله وإياكم لأقصد الطريق وأهداها، وأرشد السبل وأسواها، فهي طريق الحق التي اختارها وارتضاها، واعلموا أن طريق الحق أقصد الطرق]، أي: أن طريق الحق أقصر وأقرب الطرق في الوصول إلى الله .
قال: [ومناهجه أوضح المناهج، وهي ما أنزله الله في كتابه وجاءت به رسله]، انظر مراد الله تعالى يتحقق في العباد بأمرين اثنين لا ثالث لهما: بالكتاب والسنة، فهل يمكن لأحد أن يزعم أو يدعي أن الله تعالى أراد منا غير ما طلبه في كتابه وفي سنة رسوله؟ وهل يزعم أحد أن مراد الله تعالى من عباده خارج عن نطاق الكتاب والسنة؟ إذاً: أنت عندما تريد أن ترضي إنساناً مستحيل أن ترضيه أبداً؛ لأنه يتلوى ويتلون ويتلطف في مراداته ولا يكاد يفرغ منها، فكلما أرضيته بشيء طلب المزيد، وكلما أرضيته بالمزيد طلب أكثر من المزيد، بحيث تعجز أنت في النهاية عن تحقيق مراده ومرضاته، وإذا رضي عنك اليوم سخط عليك غداً، والعكس بالعكس.
أما الله -ولله المثل الأعلى- ورسوله ﵊ فمرادهما في الكتاب والسنة، والله تعالى لا يطالبنا بشيء ليس في الكتاب، وكذا الرسول ﵊ لا يطالبنا بشيء ليس في السنة، وأريد أن أقول: إن مراد الله تعالى من العباد مذكور بغير زيادة ولا نقص في الكتاب والسنة، ويمكن بلوغ المرضاة وبلوغ الرضا لله بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه.
قال: [ومناهجه أوضح المناهج، وهي ما أنزله الله تعالى في كتابه وجاءت به رسله، ولم يكن رأياً متبعاً، ولا هوىً مبتدعاً]، أي: الدين ليس رأياً متبعاً من آراء الرجال، أو هوىً مبتدعاً، فدين الله ﵎ كله حق وصدق، والذي جاء في الكتاب وصحت به السنة ليس هو من الأهواء ولا البدع، وكل ما دون الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم لا شك أنه إما قول لا دليل عليه، وإما هوىً مبتدعاً يأثم به صاحبه، كما قال ابن القيم: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فبين ابن القيم -عليه رحمة الله- أن العلم في الكتاب والسنة والإجماع، خاصة إجماع الصحابة الذي لا خلاف عليه.
قال: [ولم يكن رأياً متبعاً، ولا هوىً مبتدعاً، ولا إفكاً مخترعاً، وهو الإقرار لله بالملك والقدرة والسلطان، وأنه هو المستولي على الأمور]، أي: ليس أمراً من الأمور يكون في الكون إلا بإرادة الله .
قال: [سابق العلم بكل كائن] إثبات لمرتبة العلم، أي: أن الأشياء لا تقع إلا بعلم الله ، وأن الله لما علم ذلك كتبه في اللوح المحفوظ.
قال: [ونافذ المشيئة فيما يريد ، كان الخلق كله وكل ما هو فيه بقضاء وقدر وتدبير، ليس معه شريك ولا دونه مدبر ولا له مضاد ، بيده تصاريف الأمور، وهو الآخذ بعقد النواصي، والعالم بخفيات القلوب ومستورات الغيوب، فمن هداه بفضل منه]، أي: من هداه الله فذلك بفضله .
قال: [فمن هداه بفضل منه اهتدى، ومن خذله ضل بلا حجة له ولا عذر] أي: ومن خذله الله تعالى فهو الضلال بعينه بلا حجة ولا عذر، وأثبت الله تعالى أن أهل الهداية إنما كانت هدايتهم بفضله ورحمته وطوله، وأثبت أن أهل الضلال لا عذر لهم بين يدي الله؛ لأن الله تعالى أفرغ لهم العذر ببعثة الرسل وإنزال الكتب، وميزهم بالعقل على غيرهم، فقامت عليهم حجة الله تعالى، وحينئذ فليحيا من حي عن بينة، وليهلك من هلك عن بينة، لأن الله تعالى أفرغ عذرهم فلا عذر لهم بين يديه يوم القيامة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
فمن لم ي
стр. 808
خلق الله ذرية آدم وإحصائه لأعمارهم وأعمالهم ومنتهى كل واحد منهم
قال: [فمن هداه الله بفضل منه اهتدى، ومن خذله ضل بلا حجة له ولا عذر، خلق الجنة والنار] والجنة والنار مخلوقتان الآن، والنبي ﵊ دخل الجنة فوجد أكثر أهلها المساكين والفقراء، واطلع في النار فوجد أكثر أهلها النساء.
قال: [وخلق لكل واحدة منهما أهلا هم ساكنوها، أحصاهم عدداً، وعلم أعمالهم وأفعالهم، وجعلهم شقياً وسعيداً، وغوياً ورشيداً، وخلق آدم ﵇ وأخذ من ظهره كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة]، وهذا معروف في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] وهذه الآية معروفة بآية الميثاق، وهو الميثاق الغليظ الذي أخذه الله من ذرية آدم، وذلك لما خلقه أخرج ذريته من صلبه، وما ترك في ظهره أحداً إلا وقد أخرجه مؤمنهم وكافرهم، ثم أخذ الله تعالى عليهم العهد: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا، فهم قد شهدوا على أنفسهم بربوبية الله وإلهيته، وأنه المستحق للعبادة وحده، وأنه الإله الحق وما دونه آلهة مزعومة باطلة لا تستحق العبادة، ولذلك أخرج الله ذرية آدم من ظهره كالذر وأخذ عليهم العهد وهم على هذه الصورة، أي: على صورة الذر، وفي ذلك أحاديث كثيرة جداً.
قال: [وخلق آدم ﵇ وأخذ من ظهره كل ذرية هو خالقها إلى يوم القيامة، وقدر أعمالهم، وقسم أرزاقهم، وأحصى آجالهم، وعلم أعمالهم، فكل أحد يسعى في رزق مقسوم]، أي: أن كل واحد يسعى في رزق مقسوم من قبل، ومقدر ومعلوم لله ، ولذلك سأل غير واحد من الصحابة ﵃ النبي ﵊: (يا رسول الله! فيم العمل، في أمر قد قدر وفرغ منه، أم في أمر سيكون؟ فقال النبي ﵊: في أمر فرغ منه.
فقالوا: يا رسول الله! ففيم العمل إذاً؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، لكن قد يقول قائل: أنا من أهل النار! فما عرفك أنك مكتوب في اللوح المحفوظ من أهل النار؟! وحتى وإن كنت شقياً فالأعمال بالخواتيم، ولذا النبي ﵊ يقول: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار)، أي: في حياته كلها.
(حتى ما يكون بينه وبينها)، أي: النار.
(إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، وحينئذ قال ﵊: (والأعمال بالخواتيم) فالإنسان لا يدري ماذا سيختم له، أو فيم يختم له، وإذا كان الإنسان لا يعلم أهو شقي أم سعيد، فالصحابة ﵃ -بل المبشرون منهم بالجنة- ما كانوا يأمنون من مكر الله.
فهذا عمر يقول: لو أن الناس نودوا يوم القيامة: ادخلوا الجنة إلا واحداً لظننت أني ذلك الواحد.
مع أنه مقطوع له بدخول الجنة.
وهذا أبو بكر الصديق ﵁ يقول: لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله.
مع أن أبا بكر يعلم أن إيمانه يساوي إيمان الأمة وزيادة، لكن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ، وهذا عنوان المؤمن: يعبد الله تعالى بالخوف والرجاء، الخوف من ناره وعذابه، والرجاء في رحمته والطمع في جنته.
أما الذي يعبده بالخوف فقط فإنه يذهب في آخر أمره إلى اليأس من رحمة الله، وربما ينتحر؛ لأنه آيس من رحمة الله، والذي يعبد الله تعالى بالرجاء فقط لا بد أن يفرط في فرائض الله تعالى وأوامره، فإذا قيل له: صل أو صم أو زك أو حج أو افعل ما أمر الله أو انته عن ما نهاك الله عنه، قال: رحمة ربك وسعت كل شيء! الله تعالى سيرحمنا! فيترك كل شيء ويفرط في كل شيء؛ اتكالاً على رحمة الله وعلى عفو الله، ولا شك أن هذا عبد هالك، وربما أدى به ذلك إلى الكفر بالله ، ويدخل في إجماع أهل العلم: أن من نطق بالشهادتين ولكنه ترك العمل كله، وارتكب النهي كله فهو كافر بالإجماع؛ لأنه ترك جنس العمل وقارف جنس النهي.
قال: [فكل أحد يسعى في رزق مقسوم]، أي: معلوم لله تعالى، وعلم الله ذلك في الأزل، وفي الحديث الطويل في الصحيحين: (إن أحدكم يخلق في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك -ملك الأرحام- ويؤمر بكتب أربع: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)، فانظر الملك يكتب الرزق والأجل والعمل وإذا كنت من أهل الشقاء أو من أهل السعادة، وبالتالي إذا كان الأمر كذلك فيجب علينا أمران: الأول: ألا نتكل على ذلك؛ لأن الذي كتب ذلك أمرنا بالسعي في تحصيل أسباب السعادة والهروب من أسباب الشقاء، وإلا لكان بإمكان النبي -وهو النبي ﵊ أن يمكث في مكة ويدعو على أهل مكة، وأنتم تعلمون أن دعاء النبي مستجاب، وكان بإمكانه عليه
стр. 809
السعي والعمل بين الأخذ بالأسباب والاعتماد عليها
قال: [فكل أحد يسعى في رزق مقسوم، وعمل محتوم إلى أجل معلوم]، أي: أن كل أحد يسعى إلى رزق مقسوم الله تعالى قسمه وعلم ذلك، لكن لا بد أن تسعى، وقديماً قال السلف: الاعتماد على الأسباب شرك بالله ، وترك الأسباب قدح في التوحيد، فلو مرض أحدنا ثم ذهب إلى الطبيب، واعتقد أن هذا العلاج هو الشافي، فهذا شرك مع الله ، إذ إن العلاج سبب لحصول الشفاء وليس هو الشفاء، أو ليس هو الشافي، لأن الشافي هو الله .
أيضاً: واحد يظن أن هذا الطعام الذي يأكله هو الشبع بعينه، لا، إذ الطعام سبب للشبع، والشراب سبب للري، ولذلك اثنان أحدهما يأكل أكثر من الآخر، أو يأكل أضعافه ولا يشبع، كأن يقعد على المائدة فيأكل عشر دجاجات ويقوم وهو مقهور، والآخر يأكل في أول الطعام نصف رغيف فيشبع، بل ولا يجد له مسلكاً أو موضعاً.
إذاً: الطعام سبب، أما أنه يحصل به الشبع مجرداً فلا، إذ إن هذا بقدرة الله ، ولذلك المريض يقعد أسبوعاً وأسبوعين لا رغبة له للطعام والشراب، ولا يريد أحداً أن يرغمه على الأكل، ولذلك قال النبي ﵊: (لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإنما يطعمهم الله تعالى ويسقيهم).
وقول السلف: وترك الأسباب قدح في التوحيد.
فلو أن مريضاً ذهب إلى الدكتور وصرف له علاجاً، ثم قال: هذا العلاج هو الشافي، فقلت له: أنت بهذا تكون مشركاً، لكن لو أن المريض لم يذهب إلى الدكتور أبداً، وأقعد في المرض حتى مات، فإن هذا قدح في التوحيد، إذاً ما المطلوب مني؟ مطلوب مني أن أقول: الخير كله من عند الله ، والذي بيده الخير والشر هو الذي أمرني بالسعي والبحث.
كذلك: آخر يقول: الله ربنا قادر على كل شيء، قادر من جهة القدرة أن يرزقني ولداً بغير زوجة، إذ إنه خلق عيسى ﵇ بغير أب، وخلق آدم من غير أب ولا أم، فهذا دليل القدرة، ونحن لسنا في حاجة إلى دليل لقدرة الله ؛ لأننا نعتقد أن الله على كل شيء قدير بغير نماذج ولا أمثلة، لكن الله تعالى أعطانا نماذج حتى تكون نبراساً لنا، لكن هذا الرجل قاعد ومعه فلوس ولا يعمل شيئاً، فإذا قلت له: تزوج يا فلان، قال: لا، وبعد الصلاة قعد في البيت يقول: يا رب! ارزقني الولد الصالح! كيف يرزقه الولد الصالح وهو لم يتزوج بعد؟! يقول: الله قادر على كل شيء! إذاً: ترك الأسباب قدح في التوحيد، أي: من توحيد الله أن تسعى لتحصيل أسباب الحياة، فمن أجل الولد لا بد أن تسعى في الحصول على زوجة، ومن أجل الشبع والري لابد أن تسعى في الحصول على الطعام والشراب، ولا تقول: يا رب! أشبعني! وأنت لم تتناول الشراب أو الطعام، وتقول: أنا لا آكل ولا أشرب؛ لأن ربنا قال: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٩]! وقد يقولون: العمل شرك بالله! مع أن الأنبياء كانوا يعملون، وربنا أمر المؤمنين بالعمل، وليس هناك آية في كتاب الله إلا وجمعت بين الإيمان والعمل، آمنوا وعملوا، فالعمل من الإيمان.
لذا فلا يصح لأحد أن يقول: أنا أترك العمل لأنه شرك! إن ترك العمل وترك الأسباب قدح في التوحيد، أنا ممكن أن أشتغل كل النهار، ثم يأتي إلي رب العمل فيضحك علي، وما أكثر الذين يضحكون على الناس، ثم في الأخير يعطيك خروجاً نهائياً من بلده، لكن على أية حال أنت قد شرعت في الأخذ بالأسباب، والله تعالى حينئذ لا يضيعك، بل يفتح لك أبواباً أخرى أفضل من الأبواب التي أغلقت؛ لأن كل الأبواب بإذن الله تعالى وبيديه ، فربما فتح لك وأغلق على من أغلق عليك حقك، لأن كل هذا بيد الله ، فحينئذ يجب على العبد أن يسعى في تحصيل أسباب الحياة وأسباب الطاعة، لكن أنت تقول: أنا لا آكل ولا أشرب ولا أتزوج ولا ولا ولا، فربما يصل بك الأمر إلى أن تقول: أنا لن أصلي ولن أصوم ولن أزكي ولن أحج، وربنا قادر أن يدخلني الجنة! بل ربنا قادر على أن يدخل شارون الجنة! لكن القادر هو الذي أخبر وبين في كتابه وعلى لسان رسوله أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، إذاً شارون لن يدخل الجنة إذا مات على ما هو عليه، وهو ممكن أن يموت على الإسلام والتوحيد ويصير أحسن مني ومنك؛ لأن ذلك بيد الله .
والعجيب أن رجلاً من جنوب أفريقيا كان قد بلغ في التنصير أشده، فمكافأة له عينوه رئيس مكتب البابا الفاتيكان في روما، وقد أسلم منذ أكثر من خمسة وعشرين يوماً تقريباً، فتصور هذا الرجل وقد عين رئيساً للمكتب مكافأة له على مجهوده في التنصير في جنوب أفريقيا وشرق آسيا، وكانت له طائرة معدة خاصة تنقله من مكان إلى مكان، ومن دولة إلى دولة؛ لفرط نشاطه ومجهوده الخارق الذي يبلغ مجهود أمة، وفي يوم أن أسلم أسلم معه ثلاثون ألفاً من جنوب أفريقيا، وقد اطلعت على دعوته القساوسة والعمد الذين هم رءوساء القرى في جنوب أفريقيا، فإذا بها دعوة بسيطة جداً يستطيع أن يدعو بها أي مسلم حتى وإن لم يكن له كثير حظ من علم، فقد كان يذهب للملك أو العمدة أو شيخ القبيلة أو الق
стр. 810
خلق الله للخير والشر وإيجاده للعاملين بكل واحد منهما
قال: [فكل أحد يسعى في رزق مقسوم وعمل محتوم إلى أجل معلوم، قد علم الله ما تكسب كل نفس قبل أن يخلقها]، إثبات مرتبة العلم.
قال: [فلا محيص لها عما علمه منها، وقدر حركات العباد وهممهم]، أي: الهم بالأعمال.
قال: [وهواجس القلوب وخطرات النفوس، فليس أحد يتحرك حركة ولا يهم همة إلا بإذنه، وخلق الخير والشر]، أي: أن ربنا خلق الشر، وأنت لا تذوق حلاوة الخير إلا إذا رأيت الشر، كما أنك لا تشعر بحلاوة التوبة إلا بوجود الذنب، ولكن الشر المحض ليس من أفعال الله، لقوله ﵊: (والخير في يديك والشر ليس إليك)، أي: الشر المحض ليس من أفعال الله، لكن ما هو الشر؟ الشر الذي يحمل معه الخير، فالقتل شر، فلو أن قاتلاً قتل وأقيم عليه الحد على ملأ من الناس، وما أعظم الملأ في هذا الزمان، ملأ الإنترنت وملأ الدش وملأ التلفزيون وملأ الراديو، فتصور لو أن العالم كله -كما يجتمعون على المباريات والمغنيات وغير ذلك- يجتمعون لإقامة الحد في فلان؛ لأنه قتل بغير حق، فهل سيفكر أحد رأى هذا المشهد أن يقتل؟ لا يمكن، ولذلك يكون من الخير أن يقتل هذا ويراه طائفة من المؤمنين، وهذه الطائفة ربما سولت لها نفسها أن تقتل، لكن المرء سيفكر مليون مرة قبل أن يقتل أنه سيعرض في نفس المكان ويقام عليه الحد ويتفرج عليه الخلق، ولذلك يحجم فوراً.
كذلك: النار شر وفيها الخير، فنقضي بها مصالحنا ويعذب بها من استحق العذاب وغير ذلك.
أيضاً: خلق إبليس هل هو خير أم شر؟ إنه لا خالق إلا الله، فله الخلق والأمر ، وحينئذ نقول: الله تعالى لما خلق إبليس يكون قد خلق الشر، فيكون الشر والخير من خلق الله ، ولذلك قال هنا: [وخلق الخير والشر، وخلق لكل واحد منهما عاملاً يعمل به، فلا يقدر أحد أن يعمل إلا لما خلق له، وأراد قوماً للهدى]، انظر مرتبة الإرادة.
قال: [وأراد قوماً للهدى، فشرح صدورهم للإيمان وحببه إليهم وزينه في قلوبهم، وأراد آخرين للضلال]، قوله: وأراد آخرين للضلال، إرادة كونية قدرية.
قال: [وأراد آخرين للضلال فجعل صدورهم ضيقة حرجة، وجعل الرجاسة -أي: الرجس والنجس- عليهم، وأمر عباده بأوامر وفرض عليهم فرائض، فلن يؤدوها إليه إلا بتوفيقه ومعونته]، حتى تعرف لما تصلي أو تصوم أو تزكي أو تحج أو تطلب العلم أن ذلك بفضل الله وتوفيقه لك.
قال: [وحرم محارم وحد حدوداً، فلن يكفوا عنها إلا بعصمته]، من الذي يعصمك من الشر؟ الله .
قال: [فالحول والصول والقوة له سبحانه، وواقعة عليهم حجته، غير معذورين فيما بينهم وبينه]، أي: أنهم غير معذورين بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
стр. 811
سلامة الصدر الأول من المسلمين من استعمال الآراء والميل للأهواء ووقوع من بعدهم في ذلك
قال: [يضل من يشاء ويهدي من يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فلم يزل الصدر الأول]، أي: القرون الأولى، خاصة قرن الصحابة ﵃.
قال: [على هذا]، أي: على هذا المعتقد جميعاً.
قال: [على ألفة القلوب واتفاق المذاهب، كتاب الله تعالى عصمتهم وسنة المصطفى إمامهم، لا يستعملون الآراء، ولا يفزعون إلى الأهواء، فلم يزل الناس على ذلك والقلوب بعصمة مولاها محروسة، والنفوس عن أهوائها بعنايته محبوسة، حتى حان حين من سبقت له الشقوة]، أي: حتى جاء وقت البدعة والأهواء.
قال: [وحلت عليه السخطة، وظهر الذين كانوا في علمه مخذولين]، أي: الذين سبق في علم الله أنهم مخذولون من أصحاب البدع والأهواء.
قال: [وفي كتابه السابق]، أي: اللوح المحفوظ.
قال: [أنهم إلى أعدائهم من الشياطين مسلمون، ومن الشياطين عليهم مسلطون، فحينئذ دب الشيطان بوسوسته فوجد مساغاً لبغيته، ومركبا وطياً إلى ظفره بحاجته، فسكن إليه المنقاد إلى الشبهات، والسالك في بليات الطرقات، فاتخذها دليلاً وقائداً، وعن الواضحة حائداً]، أي: عن الملة والشريعة حائلاً.
قال: [طالب رياسة وباغي فتنة] أي: أن الذي يحيد عن الشريعة تجده إما أن يكون طالب رياسة أو زعامة، أو باغي فتنة، وأهل البدع والشرور أكثر من ذلك، فإما أن تحمله الرياسة على تنكب الطريق، أو يحمله حبه للفتن على تنكب الطريق.
قال: [معجب برأيه وعابد لهواه، عليه يرد وعنه يصدر، قد نبذ الكتاب وراء ظهره، فلم يستشهده ولم يستشره، ففي آذانهم وقر وهو عليهم عمى]، يقول لك: رأيي صحيح ولن أتراجع عنه! وكأن رأيه قرآن أو سنة؛ لأنه تعود أن رأيه لا يرد ولا ينتقد.
قال: [كأنهم إلى كتاب الله لم يندبوا، وعن طاعة الشيطان لم يزجروا، فهم عن سبيل من أرشده الله متباعدون، ولأهوائهم في كل ما يأتون ويذرون متبعون، واستحوذ الشيطان على من لم يشرح الله صدره للإسلام، وأورده بحار العمى، فهم في حيرة يترددون، فجاروا عن سواء السبيل، فقالوا: بيد الشيطان من أمر الخلق ما لا يجوز أن يكون بيد الله ومشيئته]، أي: أنهم قالوا: إن الشيطان يملك ما لا يملك الله تعالى! قال: [ومشيئته فيهم حائلة تدون مشيئة الله لهم] أي: مشيئة الشيطان في العباد نافذة أكثر من مشيئة الله -هكذا يقولون- وهذا كفر بواح.
قال: [فضعفوا أمر الله ووهنوه، وردوا كتاب الله وكذبوه، وقووا من أمر الشيطان ما ضعفه الله حين قال: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦]، وقد كان سلفنا وأئمتنا رحمة الله عليهم يكرهون الكلام في القدر]، أي: قد كان السلف رضي الله تعالى عنهم يكرهون الكلام في القدر، ولهذا الموضوع أدلة ونصوص كثيرة أظن لو اكتفينا بهذا القدر لكان فيه كفاية حتى نبدأ الموضوع في الدرس القادم من أوله بإذن الله تعالى.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 812
الأسئلة
стр. 813
حكم سب الدين
السؤال
هل سب الدين كفر مخرج من الملة؟
الجواب
الإجماع على أن سب الدين كفر مخرج من الملة، أما الساب فهل يخرج من الملة أو لا يخرج؟ هذه المسألة محل نزاع بين أهل العلم، فجمهور السلف على أن ساب الدين يكفر بذلك، وابن تيمية له تفصيل في ذلك، قال: إن أراد بالدين: شرع الله الذي نزل من السماء، فيكفر بالإجماع، وإن أراد به أخلاق المسبوب فلا يكفر، لكن ينبغي أن يعزر ويؤدب حتى لا يتعود أن يسب الدين.
стр. 814
شرح كتاب الإبانة - ما جاء من الآثار في كراهة الخوض والكلام في القدر
ورد في الأحاديث النبوية وآثار الصحابة كراهة الخوض في القدر والكلام فيه؛ وذلك لأن القدر من أسرار الله ، نمره كما جاء عنه سبحانه من غير خوض فيه؛ لأن الخوض فيه هو سبيل إلى الشك والكفر بالله .
стр. 815
الأحاديث والآثار في كراهة الخوض والكلام في القدر
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: ففي الدرس الماضي تكلمنا عن القدر وكان هو بداية الكلام عن القدر، وبينا هناك أن الله تعالى خالق الخير والشر بدليل أنه خلق إبليس الذي هو رأس الشر.
وأن للقدر مراتب أربعاً: المرتبة الأولى: مرتبة العلم.
والمرتبة الثانية: مرتبة الكتابة ومن أنكرهما كفر بالإجماع.
والمرتبة الثالثة: مرتبة الإرادة، وقيل: المشيئة على خلاف بين أهل العلم فيما يتعلق بمعنى الإرادة والمشيئة.
والمرتبة الرابعة: مرتبة الخلق، والمقصود بها: أن الله تعالى خالق الخير والشر، وأن العبد مكتسب الخير والشر.
إذاً: الأفعال والأعمال في حق العبد اكتساب، وفي حق الرب ﵎ خلق وإيجاد، الله تعالى خلق وأوجد الخير والشر، ولكن الذي باشر ومارس الخير والشر بنفسه هو العبد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد كان سلفنا وأئمتنا رحمة الله تعالى عليهم يكرهون الكلام في القدر، وينهون عن خصومة أهله ومواضعتهم القول في ذلك أشد النهي، ويتبعون في ذلك السنة وآثار المصطفى].
هناك أحاديث جاءت في القدر، لكن بعضها ضعيف والآخر صحيح أو حسن، فمن الضعيف قوله ﵊ الذي رواه عنه [عمر بن الخطاب ﵁: (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم)]، وهو حديث ضعيف، والحسن: هو حديث أبي ذر ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ على أصحابه ذات يوم وهم يتذاكرون شيئاً من القدر -أي: يتباحثون في بعض مسائل القدر- فخرج عليهم مغضباً ﷺ ، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان) أي: من شدة الغضب احمر وجهه ﵊، فقال: (أبهذا أمرتم؟) أي: أنا أمرتكم أو أن الله أمركم أن تخوضوا في مسائل القدر؟ (أوما نهيتم عن هذا؟ إنما هلكت الأمم من قبلكم في هذا، إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا).
نهاهم النبي ﵊ عن الخوض في هذه المسائل الثلاث؛ لأن الخوض فيها يؤدي إلى الهلكة، (إذا ذكر القدر فأمسكوا) أي: لا تتحدثوا فيه ولا تقولوا: لم؟ وكيف؟ لم فعل الله هذا؟ وكيف فعل الله هذا؟ ولم لم يفعل الله هذا؟ قال: (فإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي) أي: أصحاب النبي ﵊ (فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا) هذه الثلاثة أشياء نحن مطالبون ومأمورون ألا نخوض فيها أبداً، وإنما نؤمن بها كما جاءت.
قال: [وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القدر فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟ -أبهذا وكلتم؟ - انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فاجتنبوه)]، كأنه ﵊ قال: لقد نهيتهم عن الكلام في القدر، فما بالكم تخالفون هذا النهي؟ قال: [وعن ابن عباس قال: (خرج النبي ﷺ يوماً فسمع ناساً يتذاكرون القدر، فقال: إنكم قد دخلتم في شعبتين بعيدتي الغور -يعني: قعرهما بعيد ومهلك- فيهما هلك أهل الكتاب)] كأنه يذكر القدر والنجوم.
قال: [وعن مسلم بن يسار رحمه الله تعالى لما سئل عن القدر فقال: واد عميق لا يدرك غوره -أي: قعره وبعده- قف عند أدناه.
واعمل عمل رجل يعلم أنه يجزى بعمله، وتوكل توكل رجل يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له.
وعن محمد بن إبراهيم القرشي عن أبيه قال: كنت جالساً عند ابن عمر فسئل عن القدر فقال: شيء أراد الله ألا يطلعكم عليه].
كأن القدر هذا هو سر الله تعالى، وهذا قد جاء صريحاً عن علي بن أبي طالب: القدر سر الله تعالى في خلقه.
فلما سئل ابن عمر عن القدر قال: [شيء أراد الله ألا يطلعكم عليه.
فلا تريدوا من الله ما أبى عليكم.
وعن ميمون بن مهران قال: ثلاث ارفضوهن -أي: ارفضوا الكلام فيهن- ما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، والنجوم، والنظر في القدر]، فكأن هذه من مسائل الإجماع عند السلف؛ لأن الكل أجمع على النهي عن الخوض فيما شجر بين الصحابة ﵃ جميعاً، والإمساك عن النجوم وأن لها عملاً وتأثيراً في الخلق، وكذلك الكلام عن القدر.
قال: [وسئل يحيى بن معاذ الرازي عن القدر فقال: من أحب أن يفرح بالله ويتمتع بعبادة الله فلا يسألن عن سر الله، يعني: القدر].
стр. 816
الكتاب والسنة يخرجان من مشكاة واحدة
قال الشيخ ابن بطة ﵀ يشرح موقف السلف القديم الذي ذكرناه هذا: [فإن قال قائل: قد رويت أحاديث في الإمساك عن الكلام في القدر والنظر فيه، ومع هذا فقد روي عن رسول الله ﵊ وأصحابه الكرام وعن جماعة من التابعين وفقهاء المسلمين أنهم تكلموا فيه]، فكأن الإمام ابن بطة عليه رحمة الله يقول: ظاهر النصوص في باب القدر فيها تضارب؛ لأن النبي ﷺ تكلم عن القدر ونهى عن الكلام في القدر، والصحابة نهوا عن القدر وتكلموا في القدر، وكذلك التابعون وأتباع التابعين وفقهاء المسلمين نهوا عن الكلام في القدر ومع هذا تكلموا فيه، بل صنفت كتب كثيرة جداً في القدر، منها ما كان بأيدي سلفنا ﵃، ومنها ما هو بيد المعاصرين لـ ابن بطة أو حتى ممن جاء بعد ابن بطة، فظاهر الكلام التضارب والتعارض، وأنتم تعلمون إذا كان الله تعالى نهانا عن الكلام في القدر وتكلم فيه، وكذلك النبي ﵊ إذا كان قد نهانا عن القدر وتكلم فيه فلا شك أن مشكاة الوحي واحدة، وإذا كانت مشكاة الوحي واحدة ومصدرها السماء، والكلام كلام الله فلا يمكن أن يكون فيه تضارب ولا تعارض: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
فلما لم يكن فيه أدنى اختلاف كان ذلك يقيناً أن هذا الكلام من عند الله ، أما هذا الكلام الذي ظاهره التعارض فمآله إلى ما يسمى عند أهل العلم بتأويل مختلف الحديث، وتأويل ما ظاهره الاختلاف وليس الائتلاف، فإذا كان الأمر كذلك فقد قال ابن خزيمة رحمه الله تعالى وهو سيد المسلمين وشيخ المحدثين في زمانه: أشهد أنه ما بين نصين وردا عن الله ولا عن رسوله ﵊ أدنى تعارض، ومن وجد شيئاً من ذلك فليأتني به لأؤلف له بينهما.
فلا تعارض قط بين نصوص الوحي خاصة إذا كانت صحيحة عن رسول الله ﷺ ، فإذا كان قد ورد في القدر إباحة الكلام فيه والنهي عن الكلام فيه، وكذلك الصحابة وكذلك النجوم فمآل ذلك إلى التأويل.
стр. 817
بيان ما يجوز فيه ذكر النجوم وما لا يجوز فيه ذكر النجوم
قال: [أما النجوم فقد ورد فيها كلام بالإباحة وكلام بالمنع فأحدهما واجب علمه والعمل به، فأما ما يجب علمه والعمل به فهو أن نتعلم نحن من النجوم ما نهتدي به في ظلمات البر والبحر كما أمر الله ، ونعرف به القبلة والصلاة والطرقات، فبهذا العلم من النجوم نطق الكتاب ومضت السنة.
إذا نظرنا إلى الآيات المتعلقة بالنجوم في الكتاب والسنة لكان مدار هذه الآيات وهذه الأحاديث بأن نتعلم من النجوم ما نستنير به في طرقاتنا في البر والبحر، ونعرف به القبلة، ونعرف به مواقيت الصلوات وغير ذلك، فلا يجوز لنا بعد ذلك أن نتعلم من النجوم شيئاً غير الذي أمرنا الله تعالى به، وأمرنا به رسوله ﵊، وأن ما لا يجوز النظر فيه -أي: في النجوم والتصديق به- ويجب علينا الإمساك عنه من علم النجوم فهو ألا نحكم للنجوم بعمل، لا نقول: إن النجوم لها تأثير في الأعمال؛ لأن النجوم لا تعمل شيئاً.
أفل نجم في زمن النبي ﵊، فقال لأصحابه: ما كنتم تقولون في مثل هذا؟ قالوا: والله يا رسول الله! كنا نقول: لا يكون ذلك إلا لموت عظيم أو لميلاد عظيم، فبين النبي ﵊ فساد هذه العقيدة، وقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنخسف لموت أحد ولا لميلاده) فالخسوف والكسوف آيتان من آيات الله تتم بقدر الله ، فلا تسأل: لماذا وكيف؛ لأن هذا مما نهيت عنه أيضاً، ولا يقضى لها بالحدود في أمره كما يدعي الجاهلون من علم الغيوب بعلم النجوم ولا قوة إلا بالله، فهذا الذي نهينا عن الكلام فيه].
стр. 818
بيان ما يجوز فيه أن يقال عن الصحابة إذا ذكروا وما يجب الإمساك عنه عند ذكرهم
قال: [وكذلك أمر الصحابة ﵃، فكذلك أمرهم على وجهين.
الأول: فرضي علينا علمه والعمل به، والثاني: يحرم علينا الخوض فيه.
فأما الواجب علينا علمه والعمل به فهو ما أنزله الله في كتابه من وصفهم وما ذكره من عظيم أقدارهم وعلو شرفهم ومحل رتبتهم، وما أمرنا به من الاتباع لهم بإحسان مع الاستغفار لهم، وعلم ما جاءت به السنة من فضائلهم ومناقبهم، وعلم ما يجب علينا حبهم لأجله من فضلهم وعلمهم ونشر ذلك عنهم؛ لتنحاش القلوب إلى طاعتهم]، أي: لتنحاز وتميل القلوب إلى طاعتهم.
قال: [وتتألف على محبتهم، فهذا كله واجب علينا علمه والعمل به.
ومن كمال ديننا طلب ذلك]، كما أنه من كمال ديننا معرفة فضائل الصحابة ﵃ ونشر هذه الفضائل والمناقب في الناس؛ حتى يتحلوا بهذه الأخلاق الكريمة التي هي أخلاق سلفنا ﵃ خاصة أصحاب النبي ﵊.
قال: [وأما الذي يجب علينا تركه ويحرم علينا الخوض فيه وفرض علينا الإمساك عنه هو النظر فيما شجر بين الصحابة] النظر فيما اختلف فيه الصحابة خلافاً أدى إلى النزال والوقاع والحروب بينهم لا أن ذلك في الفروع، فالصحابة ﵃ اختلفوا في فروع المسائل العملية التي هي مسائل الأحكام الفقهية، فهذا لم ننه عن النظر فيه بل نحن مستفيدون من اختلاف الصحابة ﵃ في المسائل العملية هذه.
أما ما شجر بينهم من خلاف ونزاع وحروب فنحن قد أمرنا أن نمسك عن هذا؛ ولذلك لما سئل عمر بن عبد العزيز ﵁ ورحمه عن الفتنة التي جرت بين علي ومعاوية ﵄ فقال: فتنة نزه الله منها سيوفنا، فلم لا ننزه منها ألسنتنا؟ فهذا كلام الإنسان الفقيه البصير بما وجب عليه وما نهي عنه، فيحرم علينا النظر فيما شجر بينهم.
قال: [والخلف الذي كان جرى منهم؛ لأنه أمر مشتبه، ونرجئ الشبهة إلى الله ، ولا نميل مع بعضهم على بعض، ولا نظلم أحداً منهم، ولا نخرج أحداً منهم من الإيمان، ولا نجعل بعضهم على بعض حجة في سب بعضهم لبعض، فرضي الله عنهم].
فإذا وقع بينهم السباب والشتائم فهل هذا حجة لنا أن نسب أحد الفريقين؟ ليس في ذلك حجة، ولذلك كلام الأقران يطوى ولا يروى، فضلاً عن أن هذا السب فيما يبدو للقائل أو الناظر أنه سب، لكن لو أخذنا مثالاً لقول عائشة ﵂ في أبي هريرة ﵁.
تقول: كذب أبو هريرة لم يكن رسول الله ﵊ يسرد الحديث كسرده هذا؛ لأن أبا هريرة ﵁ كان يجلس تحت جدار غرفة عائشة ﵂ في المسجد، ويسأله الصحابة والتابعون، فيسرد لهم الحديث سرداً، وكان مكثراً وأمة في العلم كما تعلمون.
فقالت عائشة ﵂: (كذب أبو هريرة.
والله ما كان النبي ﷺ يسرد كسرده، وإنما كان إذا أراد العاد أن يعد كلامه لأحصاه؛ كان النبي ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً لتفهم عنه) وفي رواية: (لتعقل عنه)، ولما سئلت عائشة عما قال عبد الله بن عمر في شأن تعذيب الميت ببكاء أهله وأنه قال: سمعت النبي ﵊ يقول: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)، قالت: كذب أبو عبد الرحمن، إنما ذلك الكافر هو الذي يعذب ببكاء أهله عليه.
فالشاهد هنا: أنها قالت: كذب أبو عبد الرحمن، وفي الحقيقة لو نظرنا إلى معنى الكذب في اللغة والاصطلاح لوجدنا أن الكذب: هو إخراج الكلام على غير الحقيقة، وأرادت عائشة ﵂ بإطلاق لفظ الكذب أن أبا عبد الرحمن تكلم بكلام على غير جهة الحقيقة، كأنها قالت: أخطأ أبو عبد الرحمن، فالكذب بمعنى: الخطأ.
أخطأ أو ظن ظناً لا يوافق الواقع أو الحقيقة.
فالصحابة ﵃ إذا وقع منهم شيء من ذلك فلا يحل لنا نحن أن نقول: كذب أبو عبد الرحمن أو كذبت عائشة، وإنما يجب علينا تركه كما قلنا.
قال: [ولا نجعل بعضهم على بعض حجة في سب بعضهم لبعض، ولا نسب أحداً منهم بسبه صاحبه، ولا نقتدي بأحد منهم في شيء جرى منه على صاحبه، ونشهد أنهم كلهم على هدى وتقوى وخالص إيمان؛ لأنا على يقين من نص التنزيل وقول الرسول ﷺ أنهم أفضل الخلق، وخير الخلق بعد نبينا ﷺ ؛ ولأن أحداً ممن أتى بعدهم ولو جاء بأعمال الثقلين الإنس والجن من أعمال البر، ولو لقي الله تعالى ولا ذنب له ولا خطيئة عليه؛ لما بلغ ذلك أصغر صغيرة من حسنات أدناهم، وما فيهم دني، ولا شيء من حسناتهم صغير.
والحمد لله].
стр. 819
ما يجوز الكلام فيه في القدر وما لا يجوز الكلام فيه
قال: [وأما الكلام عن القدر فعلى وجهين كذلك]، فقد بينا الوجهين في النجوم والوجهين في الصحابة، يبقى أن نبين الوجهين في القدر.
قال: [فالقدر الواجب علينا علمه والتصديق به والإقرار بجميعه أن نعلم أن الخير والشر من الله -هذا الذي يجب علينا علمه في باب القدر الذي قد ورد به النص في الكتاب والسنة- وأن الطاعة والمعصية بقضاء الله وقدره، وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً، علمهم بأسمائهم وأسماء آبائهم قبل أن يخلقهم، ووفقهم لأعمال صالحة رضيها سبحانه، وأمرهم بها؛ فوفقهم لها وأعانهم عليها وشكرهم بها، وأثابهم الجنة عليها].
يعني: الأعمال سبب، لكن دخول الجنة بفضل الله منه ورحمة.
قال: [وخلق النار وخلق لها أهلاً أحصاهم عدداً، وعلم ما يكون منهم، وقدر عليهم ما كرهه لهم، خذلهم بها وعذبهم لأجلها غير ظالم لهم، ولا هم معذورون فيما حكم عليهم به].
يعني: ليس لهم عذر؛ لأن الله تعالى أرسل لهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، وجعلهم مكلفين مميزين عاقلين.
قال: [فكل هذا وأشباهه من علم القدر الذي لزم الخلق علمه، والإيمان به والتسليم لأمر الله وحكمه وقضائه وقدره: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]]، هذا الذي يجب علينا الإيمان به في باب القدر.
قال: [وأما الذي يحرم علينا الخوض فيه في باب القدر هو أن نقول في باب القدر: كيف ولم]، كأن نقول: لم خلق الله إبليس؟ والله تعالى قبل أن يخلقه يعلم أنه رأس الشر فلم خلقه إذاً؟ هذا لا يحل لنا أن نتوجه إلى الله تعالى بالسؤال عنه.
قال: [كيف ولم وما السبب؛ لأن القدر هو سر الله تعالى المخزون وعلمه المكتوم، الذي لم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، وحجب العقول عن تخيل كنه علمه، والناظر فيه كالناظر في عين الشمس -الناظر في القدر كالناظر في عين الشمس- كل ما ازداد فيه نظراً ازداد فيه تحيراً، ومن العلم بكيفيتها بعداً، فهو التفكر في الرب : كيف فعل كذا وكذا؟ ثم يقيس فعل الله بفعل عباده، فما رآه من فعل العباد جوراً يظن أن ما كان من فعل مثله جور، فينفي ذلك الفعل عن الله، فيصير بين أمرين: إما أن يعترف لله بقضائه وقدره، ويرى أنه جور من فعله، وإما أن يرى أنه ممن ينزه الله عن الجور فينفي عنه قضاءه وقدره].
فينفي ذلك الفعل عن الله يقول: ليس ممكناً أن الله يعمل هكذا؛ لأن هذا ظلم؛ لأنه لو كان من عند خلقه لكان ظلماً.
يعني: يقول مثلاً: الله تعالى يلقي الكافر في النار وهو الذي قدر عليه الكفر أولاً فكيف يعذبه آخراً؟ قال: ولو أن ملكاً من ملوك الدنيا هو الذي استدرج عبيده إلى الوقوع في الخطأ والبعد عن الصواب ثم عاقبهم على ذلك لكان هذا منه ظلماً، يقيسون فعل العبد على أفعال الله .
يقولون: الله تعالى خلق إبليس وهو يعلم أنه رأس الشر ثم يعذبه بعد ذلك، هذا من الظلم؛ لماذا وقعوا في هذا؟ لأنهم قاسوا أفعال الله على أفعال العبيد.
والمعلوم أن الله تعالى واحد في أفعاله: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، هذا الذي حدا بالقدرية إلى الكفر بالله : قياس أفعال الخالق على أفعال المخلوق.
стр. 820
حكم من قال: (لم خلق الله إبليس وهو يعلم أنه سيعصيه)
قال: [فيصير القدري بين أمرين: إما أن يعترف لله بقضائه وقدره، ويرى أنه جور من فعله -أي: يرى أن فعل الله تعالى فيه ظلم وتعد على العباد- وإما أن يرى أنه ممن ينزه الله عن الجور؛ فينفي عنه قضاءه وقدره -وكلاهما شر- فيجعل مع الله آلهة كثيرة يحولون بين الله وبين مشيئته، فبالفكر في هذا وشبهه، والتفكر فيه والبحث والتنقير عنه هلكت القدرية؛ حتى صاروا زنادقة وملاحدة ومجوساً، حيث قاسوا فعل الرب بأفعال العباد، وشبهوا الله تعالى بخلقه، ولم يعوا عنه ما خاطبهم به، حيث يقول تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]]، ولما كانت هذه الجزئية من الجزئيات العظيمة أراد ابن بطة أن يضرب مثلاً.
قال: [فمما لا يحل لأحد أن يتفكر فيه ولا يسأل عنه ولا يقول فيه: لم لا ينبغي لأحد أن يتفكر؟ لم خلق الله إبليس؟] وأنتم تعلمون أن كثيراً من الناس يسأل هذا السؤال.
قال: [لم خلق الله إبليس وهو قد علم قبل أن يخلقه أنه سيعصيه، وأنه سيكون عدواً له ولأوليائه؟ ولو كان هذا من فعل المخلوقين إذا علم أحدهم أنه إذا اشترى عبداً يكون عدواً له ولأوليائه ومضاداً له في محابه، وعاصياً له في أمره، ولو فعل ذلك لقال أولياؤه وأحباؤه: إن هذا خطأ وضعف رأي وفساد نظام الحكمة، فمن تفكر في نفسه وظن أن الله لم يصب في فعله حيث خلق إبليس فقد كفر].
يعني: لو أن واحداً قال: لم خلق الله إبليس وهو يعلم أنه سيعصيه وسيكون عدواً له ولأوليائه؟ وقاسوا ذلك على رجل عظيم أو ملك من ملوك الدنيا اشترى عبداً وهو يعلم أن هذا العبد سيئ الخلق وسيكون عدواً له ولبقية العبيد عنده.
قالوا: هذا الملك لابد أنه سيكون سفيهاً حينئذ، فقارنوا فعل الملك بفعل الله .
قال الإمام: من قاس أفعال المخلوقين بأفعال الخالق فنتج عن ذلك السفه والغفلة فقد كفر، وهذا كلام في غاية الثبات؛ لأن الله تعالى واحد في أفعاله: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .
قال: [ومن قال: إن الله لم يعلم قبل أن يخلق إبليس أنه يخلق إبليس عدواً له ولأوليائه فقد كفر، ومن قال: إن الله لم يخلق إبليس أصلاً فقد كفر].
لأنه لابد أن يقول: إن مع الله آلهة أخرى خلقت إبليس، والله تعالى واحد في خلقه فهو الخالق أو يقول: إن إبليس خلق نفسه، وكل هذا كفر وضلال.
قال: [وهذا قول الزنادقة والملاحدة.
فالذي يلزم المسلمين من هذا أن يعلموا أن الله خلق إبليس وقد علم منه جميع أفعاله؛ ولذلك خلقه].
يعني: لما علم الله تعالى ما سيكون عليه إبليس من الفساد في الأرض وإفساد العباد على الله خلقه.
قال: [ويعلم أن فعل الله ذلك عدل وصواب] يعني: لابد أن تعلم أن الله تعالى علم ماذا سيصنع به ومع هذا خلقه، وما خلقه الله تعالى إلا من باب الحكمة والعدل.
قال: [وأن الله تعالى في جميع أفعاله ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
ومما يجب على العباد علمه وحرام عليهم أن يتفكروا فيه ويعارضوه في آرائهم، ويقيسوه بعقولهم وأفعالهم، لا ينبغي لأحد أن يتفكر: لم جعل الله لإبليس سلطاناً على عباده وهو عدوه وعدوهم مخالف له في دينه، ثم جعل له الخلد والبقاء في الدنيا إلى النفخة الأولى؟].
أي: لم جعل الله كل هذا السلطان لإبليس وأعوانه وهو قادر على ألا يجعل له ذلك؟ لو شاء الله تعالى أن يهلكه من ساعته لفعل؛ فلم لم يفعل؟ ولو كان هذا من فعل العباد لكان خطأً؛ لأن الملك إذا أخطأ عبد مرة أو اثنتين أو ثلاثة -وربما لا يتحمل خطأه من أول وهلة- لقتله ليستريح منه.
فمن قال: فلم لم يقتل الله تعالى إبليس ويريح منه العباد؟ فقد كفر؛ لأن هذا اعتراض على الله تعالى في أفعاله وفي عدله وحكمته.
قال: [ولو كان هذا من فعل العباد لكان خطأً، وكان يجب في أحكام العدل من العباد أن إذا كان لأحدهم عبد وهو عدو له ولأحبائه ومخالف لدينه ومضاد له في محبته أن يهلكه من ساعته، وإذا علم أنه يضل عبيده ويفسدهم؛ ففي حكم العقل والعدل من العبادات ألا يسلطه على شيء من الأشياء، ولا يجعل له سلطاناً ولا مقدرة، ولو سلطه عليهم كان ذلك من فعله عند الباقين من عباده ظلماً وجوراً؛ حيث سلط عليهم من يفسدهم عليه ويضادهم فيه وهو عالم بذلك من فعله] إلى آخر هذا الكلام.
стр. 821
حكم مقولة: لم جعل الله لإبليس وذريته سلطاناً أن يأتوا بني آدم
قال: [ومن ذلك نوع آخر أن الله جعل لإبليس وذريته أن يأتوا بني آدم في جميع أطراف الأرض].
ليس في مكان بعينه، بل مهما ذهبت في باطن البحر أو في قعر الصحراء فإن إبليس معك، جعل الله تعالى لإبليس سلطاناً على بني آدم في جميع أطراف الأرض، كما أنه جعل له سلطاناً أن يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم كما ذكر الله تعالى.
قال: [وجعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، ولم يجعل للرسل من بني آدم ذلك السلطان].
يعني: تصور أن الله تعالى كان قادراً أن يجعل للرسل سلطاناً، ويجرون في عروق ودماء بني آدم كما جعل ذلك لإبليس؛ فلم جعل الله تعالى ذلك لإبليس ولم يجعله لعباده الصالحين من الأنبياء والمرسلين؟ قال: [ولو كان هذا في أحكام العباد لكان من العدل بينهم أن يكون مع إبليس وذريته علامة كعلامة السلطان، أو يكون عليهم أجراس يعرفونهم بها].
يعني: يقولون: لماذا لم يجعل الله لبني آدم علامة وأمارة يعرفون بها إبليس، أو يجعل مع العبد جرساً يكون نذيراً له عندما يقترب منه إبليس؟ لو حصل ذلك فإن الجرس لن يتوقف ولا يكاد ينتهي، بل يضرب باستمرار؛ فيكون في ذلك إزعاج، فيكفيك يا أخي المسلم! أن يبين الله ﵎ لك في القرآن أن معك قريناً من الشياطين وقريناً من الملائكة، حتى النبي ﵊ كان معه قرين، إلا أن الله تعالى أعانه عليه فأسلم، فأكبر علامة لوجود إبليس أنه جاثم على صدرك بالليل والنهار لا يبرحك أبداً، وكلما فرغ من وسوسة ذهب إلى وسوسة أخرى، وهذا الذي بينه القرآن وبينته السنة.
ومن الناس من يقول: لو كان الله جعل لنا علامة القبول والرد في الأعمال والأقوال لعلمنا ما هو المقبول من أعمالنا وما هو المردود، ولو وقع ذلك لعنت عنتاً شديداً، وواجه مشقة شديدة جداً.
فهذا من رحمة الله بك أنه لم يخبرك بهذا، وإلا لكان كل واحد منا الآن إلا من رحم الله في ضيق وعنت شديدين جداً، كلما عمل العبد عملاً رد عليه.
لو وقعت أنا في ضائقة، وأحببت أن أتوسل إلى الله بصالح عملي؛ فإني أقسم بالله العظيم أنني لا أجد لي عملاً صالحاً واحداً، وهذا بلاء عظيم جداً، فمن رحمة الله أن أرجع ذلك للآخرة، وبين لك علامات قبول الأعمال وعلامات رد الأعمال في الكتاب والسنة، فشرط قبول العمل الإخلاص لله وعدم الشرك والرياء، ومتابعة الرسول ﵊، وترك البدع في الدين.
لو أنك تعمل عند رجل صاحب عمل، وكلما اجتهدت في تحسين العمل رده وقال لك: العمل هذا لا يعجبني.
أعد العمل مرة أخرى، لو أنه فعل بك ذلك مرتين أو ثلاث مرات في عمل واحد وقد بذلت الوسع في إرضائه ولم يرض؛ ليئست من العمل معه وتركته.
فلو أنك يئست من رحمة الله ماذا ستفعل؟ وإلى أين تذهب؟ لابد أنك ستذهب إلى الجحيم باليأس من رحمة الله ، فمن رحمة الله أن ترك ذلك لنا إلى الآخرة، أما أن تطالب الله ﵎ أن يجعل لك علامات من الآن تعرف بها الخير من الشر، وتعرف بها القبول من الرد فهذا من العنت الذي نهينا عنه كذلك؛ ولذلك هؤلاء لو طالبوا أن يكون لهم علامة كعلامة السلطان، أو يكون عليهم أجراس يعرفونهم بها، ويسمعون حسهم، فيأخذون حذرهم منهم؛ حتى إذا جاءوا من بعيد علم العباد أنهم هم الذين يضلون الناس فيأخذون حذرهم، حينئذ سيكون هذا كلاماً مردوداً، أو يجعل الرسل يصلون إلى صدور الناس، ويزينون طاعة الله لهم، كما يوسوس الشيطان وذريته لهم، ويزين لهم المعصية، وهذا أيضاً من العنت.
كذلك لا ينبغي لأحد أن يقول: لم سلط الله الكفار على الرسل في الدنيا؟ أليس الله قادراً على أن يجعل مع النبي ملكاً من أول لحظة، حتى إذا آذى شخص النبي قتله الملك؟ أليس الله قادراً على هذا؟ لو أن أهل مكة أطبقوا على مخالفة أمره ﵊ فقام ملك الجبال وأطبق عليهم الأخشبين.
أليس هذا ممكناً؟
الجواب
نعم.
لكن هذا مخالف للسنن يا إخواني! كذلك الله قادر على أن ينجحك من غير أن تذاكر، لكن هذا مخالف للسنن، والله قادر على أن يوفقك في الامتحان دون أن تنظر في الكتاب ولا أن تحضر المحاضرات؛ لأنه على كل شيء قدير ، قادر على أن يجعل المرأة رجلاً والرجل امرأة، قادر على أن يجعل السماوات والأرض في بيضة، لكن كل هذا مخالف للسنن؛ فلم يفعله الله ، وحذرنا أن نسأل مثل هذه الأسئلة؛ لأن هذا هو الضلال بعينه.
стр. 822
حكم من قال: لم سلط الله الكفار على الرسل والمؤمنين وهو قادر على إبادتهم ؟
ومن الناس من يقول: لماذا ربنا سلط الكافرين في البوسنة والهرسك وفي الشيشان وفي روسيا وفي أمريكا وفي فلسطين وغيرها على المسلمين؟
الجواب
هذا لحكمة عظيمة جداً لا يعلمها إلا هو ، فهو يسلط الكافرين على المؤمنين؛ فيموتون شهداء، فهل أجر الشهيد الذي قتل كأجر الذي قتله في الدنيا؟ هذا في الجنة وذاك في النار، فالله ﵎ علم أن هذا العبد له من الذنوب ما لا يغفره إلا الشهادة في سبيل الله، فجعله عرضة لذلك، وسلط عليه الكافر حتى يموت شهيداً، وهذه حكمة لا يعلمها إلا الله .
قال: [ومما لا ينبغي لأحد أن يتفكر فيه لم سلط الله الكفار على الرسل في الدنيا، وسلط الكافرين على المؤمنين حتى قتلوهم وعذبوهم، وقتلوا الذين يقومون بالقسط من الناس، وإنما سلط الله أعداءه على أوليائه ليكرم أولياءه في الآخرة بهوان أعدائه، وهو قادر على أن يمنع الكافرين من المؤمنين، ويهلك الكفار من ساعته، ولكن الله تعالى لم يفعل ذلك لحكمة، ولو كان هذا من أفعال بعض ملوك العباد كان جوراً عند أهل مملكته؛ حيث سلط أعداءه على أنصاره وأوليائه وهو قادر على هلكتهم].
لو أن حاكماً من حكام المسلمين الآن أذن للكفار بدخول بلاده ومملكته وتسلطوا على من كانوا تحت يده من رعيته؛ فلابد أننا سنقول: إن هذا ظلم وجور وخيانة.
وعندما يكون الحاكم جالساً على كرسي ويقول لليهود مثلاً: تعالوا ادخلوا البلاد واقتلوا من شئتم واسبوا من شئتم؛ لابد أن هذا ظلم بين وجور وعمالة، لا يختلف على ذلك أحد، والله ﵎ سلط إبليس وأعوانه على أوليائه، وسلط أعداءه على أوليائه.
فهل يستوي فعل الله مع فعل ذلك الحاكم أو الملك؟ لا يستويان، الأول جور وظلم وعمالة، والثاني: حكمة وعدل من الله .
стр. 823
حكم من قال: لم مكن الله لأعدائه في البلاد بالقوة والعتاد وأمر أولياءه أن يقاتلوهم
قال: [وخصلة أخرى من الخصال التي نهينا عنها: أنه لا ينبغي لأحد منا أن يتفكر لم مكن الله لأعدائه في البلاد؟] هذه من المسائل التي أمرنا بالإمساك عنها.
قال: [لم مكن الله تعالى لأعدائه في البلاد وأعانهم بقوة الأبدان ورشاقة الأجسام وأيدهم بالسلاح والدواب، ثم أمر أنبياءه وأولياءه أن يعدوا لهم السلاح والقوة، وأن يحاربوهم ويقاتلوهم، ووعدهم أن يمدهم بالملائكة، ثم قال هو لنفسه: إني معكم على قتال عدوكم، وهو قادر على أن يهلك أعداءه من وقته بأي أنواع الهلاك شاء من غير حرب ولا قتال، وبغير أنصار ولا سلاح].
هذا الكلام وارد، بل هو من عقيدتنا، فالله تعالى قادر على أن يهلك من في الأرض، ويجعلها ملساء جرداء بفعل منه ، فلم يمكن الله تعالى لهؤلاء الكفار، ويمدهم بالسلاح والعتاد والقوة ورشاقة الأجسام وغير ذلك، ويجعل المؤمنين ضعفه أذلة قلة ويأمرهم بإعداد ما استطاعوا؟ هذه المسألة في قمة الأهمية، فهي مسألة اعتقادية.
إن الله ﵎ مكن للكفار في البلاد، ومكن لهم عن طريق السلاح والعدد والعدة وغير ذلك، ولم يأمرنا الله ﵎ أن نعد للقتال مع الكفار بنفس ما هم عليه من إعداد، وإنما قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠]، فإعداد العدة سبب لابد منه، وأنتم تعلمون أن الاعتماد على السبب شرك بالله ، وترك الأسباب مخل بتوحيد الله .
فأمرنا الله ﵎ أن نعد لأعدائنا ما استطعنا، ولم يأمرنا أن نعد لهم كما أعدوا هم، وإنما جعل ذلك على قدر استطاعتنا، والله ﵎ لا يحاسبنا على ما هو فوق قدراتنا وطاقاتنا، وإنما يحاسبنا على ما أمرنا به من توخي الحذر وإعداد ما في استطاعتنا ومقدورنا، وبعد ذلك الله تعالى معنا ونصيرنا، وإذا كنت تريد أن توجه هذا السؤال الآن في مواجهة اليهود في فلسطين أو في غيرها من سائر البلدان الإسلامية في العالم كله فلابد أن نرد عليك بنفس
السؤال
لم لم يمكن الله لنبيه ﷺ في مكة؟ ولم لم يمكن له في غزوة أحد أو في غيرها من الغزوات التي أوذي فيها النبي ﵊؟
الجواب
لأن هذه سنن ربانية في الكون لابد من إتمامها لحكمة عظيمة جداً.
علمها من علمها وجهلها من جهلها.
قال: [فلو كان هذا من أفعال العباد وأحكامهم لكان جوراً وفساداً أن يقوي أعداءه على أوليائه، ويمدهم بالعدة، ويؤيدهم بالخيل والسلاح والقوة، ثم يندب أولياءه لمحاربتهم]؛ أي: ثم يدعو أولياءه لمحاربتهم، تصور لو أن دولة اليمن أو عُمان أو غيرها من البلدان الصغيرة جداً التي لا جيش لها، أمر الحاكم فيها أهل بلده أن يدخلوا في حرب ضروس مع إيران؛ فهل الكفة متعادلة؟
الجواب
ليست متعادلة نهائياً، ويغلب على الظن أن النصر لإيران، فلما أدخل أنا الآن في حرب وأنا على يقين أنني خسران فأنا إنسان مجنون لست عاقلاً ألبتة، هذا في أفعال العباد.
أما في أفعال الله فالأمر يختلف والموازين تختلف تماماً؛ لأن الله ﵎ هو الذي أمرك أن تقاتل عدوك وهو أكثر منك عدداً وعدة، وقد جعل الله ﵎ لك ملائكة مؤيدين، كما أن الله تعالى معك يسددك ويؤيدك وينصرك ويقويك، وهو ﵎ في الوقت نفسه ضد أعدائه وخصم لهم، والحرب بين الله تعالى وبينهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ [الطارق:١٥ - ١٦].
إذاً: الحرب معلنة ومنشورة بين الله تعالى وبين أعدائه، ومن كان الله معه لا يغلب قط، حتى وإن هزم في نظر الناس فإنه ليس عند الله مهزوماً؛ لأن المؤمن يدور أمره في القتال بين أمرين: إما النصر وإما الشهادة، وكلاهما خير، وكلاهما مراد العبد من هذا القتال، فإذا كان الأمر هكذا في أفعال العباد فلا شك أن هذا ظلم وجور، أما في أفعال الله فهو عدل وحكمة.
стр. 824
الحكمة من خلق الله سبحانه للحيات والأفاعي والعقارب والهوام والسباع
قال: [ومما لا ينبغي كذلك لأحد أن يتفكر فيه أنه لا ينبغي أن يضمر في نفسه فيقول: لم خلق الله الحيات والعقارب والهوام والسباع التي تضر بني آدم ولا تنفعهم وسلطها عليهم؟]، الحية أو الثعبان قد ملئت سماً، لكن الله خلقها، مع أن الله قبل أن يخلقها يعلم أن سمها يضر بني آدم، وأنها عدو من أعدائه، لكن العبد حين يذكر جهنم يقول: لو لم يكن في جهنم إلا الحيات والعقارب لكفى! ومعلوم أن نار الدنيا جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة، فلو لم يكن في النار إلا ثعبان واحد يدور على أهل النار لكفى، فيقول هذا السائل: لم خلق الله الحيات والعقارب والهوام والسباع التي تضر بني آدم ولا تنفعهم، وسلطها على بني آدم، ولو شاء ألا يخلقها ما خلقها؟ ولا يجوز أن يوجه هذا السؤال لله .
قال: [ولو كان هذا من فعل ملوك العباد لقال أهل مملكته: هذا غش لنا ومضرة علينا بغير حق؛ حيث جعل معنا ما يضر بنا، ولا ننتفع نحن ولا هو به، فمن تفكر في نفسه فظن أن الله لم يعدل حيث خلق الحيات والعقارب والسباع، وكل ما يؤذي بني آدم ولا ينفعه؛ فقد كفر، ومن قال: إن لهذه الأشياء خالقاً غير الله فقد كفر.
وهذا قول الزنادقة والمجوس وطائفة من القدرية، فهذا مما يجب على المسلمين الإيمان به، وأن يعلم أن الله خلق هذه الأشياء كلها، وعلم أنها تضر بعباده وتؤذيهم هو عدل من فعله، وهو أعلم بما خلق: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]].
стр. 825
حكم من قال: لم ترك الله العباد يشركون ويجحدون وهو قادر على هدايتهم
قال: [وكذلك يسأل السائل يقول: لم ترك الله العباد حتى يجحدوا ويشركوا به ويعصوه؟] لم جعل الله تعالى العباد يقعون في الشرك والجحود، وبيد الله تعالى أن يجعلهم مؤمنين، أليس ذلك في مقدور الله؟ بلى، لكن لم جعل الله تعالى الشرك والكفر في العباد مع أنه قادر على أن يجعل كل الخلق به مؤمنين، ولم خلق الله تعالى الشرك أصلاً وجعل له أهلاً وهو قادر على أن يمنع قلوبهم أن تدخلها شهوة شيء من معصيته أو محبة شيء من مخالفته، وهو القادر على أن يبغض للخلق أجمعين معصيته ومخالفته، وقادر على أن يهلك من هم بمعصيته مع همته، وهو قادر على أن يجعلهم كلهم على أفضل عمل عبد من أوليائه فلم لم يفعل الله ذلك؟ قال: [فمن تفكر في نفسه فظن أن الله لم يعدل؛ حيث لم يمنع المشركين من أن يشركوا به، ولم يمنع القلوب أن يدخلهم حب شيء من معصيته، ولم يهد العباد كلهم؛ فقد كفر، ومن قال: إن الله أراد هداية الخلق وطاعتهم له، وأراد ألا يعصيه أحد ولا يكفر أحد فلم يقدر على ذلك؛ فقد كفر، ومن قال: إن الله قدر على هداية الخلق وعصمتهم من معصيته ومخالفته فلم يفعل ذلك وهو جور من فعله؛ فقد كفر، وهذا مما يجب الإيمان به والتسليم له، وترك الخوض فيه والمسألة عنه، وهو أن يعلم العبد أن الله خلق الكفار، وأمرهم بالإيمان، وحال بينهم وبين الإيمان، وخلق العصاة، وأمرهم بالطاعة، وجعل حب المعاصي في قلوبهم، فعصوه بنعمته وخالفوه بما أطاعهم من قوته، وحال بينهم وبين ما أمرهم به، وهو يعذبهم على ذلك، وهم مع ذلك ملومون غير معذورين، والله عدل في فعله ذلك بهم وغير ظالم لهم، ولله الحجة على الناس جميعاً، له الخلق والأمر ﵎: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
فهذا من علم القدر الذي لا يحل البحث عنه ولا الكلام فيه ولا التفكر فيه، وبكل ذلك مما قد ذكرته وما أنا ذاكره إن شاء الله نزل القرآن وجاءت السنة، وأجمع المسلمون من أهل التوحيد عليه، لا يرد ذلك ولا ينكره إلا قدري خبيث مشئوم، قد زاغ قلبه وألحد في دين الله وكفر بالله، وسأذكر الآيات في ذلك من كتاب الله الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]]، وكذلك من سنة النبي ﷺ وهذا موعدنا في الدرس القادم بمشيئة الله.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 826
الأسئلة
стр. 827
حكم الاستثناء في الإيمان
السؤال
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن أهل السنة والجماعة أجازوا قول المسلم: أنا مؤمن إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً ولا على سبيل الاستثناء؟
الجواب
هذا النقل عن ابن تيمية نقل خطأ، ومسألة الاستثناء في الإيمان نحن قد ذكرناها من قبل وقلنا: إن بعض أهل العلم قالوا: إذا كان المراد الشك في الإيمان فحينئذ يقول المؤمن: أنا مؤمن جزماً لا تعليقاً، يعني: لا يعلق ذلك على مشيئة الله، فلا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأن الإيمان هو عبارة عن إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وأنت مؤمن بذلك تحقيقاً، فإذا كان المجال مجال شك في الإيمان لا تعليقاً فأنت مؤمن.
أما إذا كان من باب التزكية أو غير ذلك أو من باب معرفة المآل فكل ذلك لا يعلمه إلا الله ، والأعمال بالخواتيم كما قلنا من قبل، فيستحب للمسلم أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.
стр. 828
الفرق بين الشيطان والعفريت
السؤال
ما الفرق بين الشيطان والعفريت؟
الجواب
الشيطان والعفريت والمارد كلهم من جنس الجن، وما هم إلا درجات في الشيطنة والعفرتة، تكلمنا سابقاً في مسجد خولة أن الجن درجات، فمن الجن من إذا زادت شقوته فكان شيطاناً، فإذا زادت شيطنته صار عفريتاً، فإذا زاد في شيطنته صار مارداً، فإذا زاد كان كما قال الحافظ ابن حجر: كان عفريتاً نفريتاً، جمع الوصفين.
يقال: هذا فلان عفريت نفريت، يعني: بلغت الشيطنة والأذى والفساد فيه مبلغاً عظيماً جداً ليس بعدهن شيء، وهذه هي الدرجات.
стр. 829
حكم زواج الإنسان من الجن
السؤال
هل يجوز للإنسان أن يتزوج من الجن أم لا؟
الجواب
لا يحل للإنسي أن يتزوج من الجنية، وكذلك الجني لا يتزوج من الإنسية، وهذا يقع، لكنه ليس مشروعاً، فالزنا ممكن حدوثه، والقتل ممكن حدوثه، كل هذه المعاصي ممكنة الوقوع لكنها غير مشروعة.
ومذهب الإمام مالك عليه رحمة الله وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية: أن التزاوج مع الجن ممكن مع عدم مشروعيته، ففهم بعض من يعالج بالقرآن أن كلمة (ممكن) في كلام مالك وابن تيمية أنه ممكن شرعاً، وكان هذا في عام (١٩٨٧) م وظل يدعو الناس في مسجد الرحمة في شارع الهرم: سنزوج إن شاء الله فلاناً من واحدة من أخواتنا من الجن، وفي كل أسبوع يقول: الجنية اعتذرت، أو أن الأخ لم يأت، وكان يجمع الحمقى وما أكثرهم، والناس لا تجتمع إلا لمثل هذه الأشياء التي لا فائدة منها، وذات مرة قلت له: يا سيدنا! إما أن تزوجه الليلة وإلا فقد أعددت رسالة عن منهجك كله سميتها: دليل المحتار في الرد على الشيخ فلان، وسأقرؤها الآن على الجمهور.
قال لي: أرجوك.
قلت له: قل للناس: إن هذا العمل غير مشروع وأنا ما قلت ذلك إلا لجمعكم، فقال ذلك للناس لكن بطريقة لف ودوران، فقلت: لا مشكلة في ذلك.
وقلت له: الشرط الثاني: ألا تدخل هذا المسجد مرة أخرى، فانطلق لا يلوي على شيء، ثم بدأت الدعوة السلفية في هذا المسجد وامتدت بعد ذلك؛ لأن هذا المسجد كان يعج بالتصوف والرقص والطبل في كل ليلة، وأسأل الله أن يحفظ الحاج شعبان صاحب المسجد، الحقيقة أنه رجل فاضل جداً، وأحسبه من الصالحين، ولا أزكيه على الله.
ويذكر أن الشيخ الألباني ﵀ جاءه أحد الإخوة ونحن في الأردن سنة ١٩٨٣م فقال له: يا شيخ! لقد اتفقت مع واحدة من الجن أن أتزوجها، وأرجو منك أن تعقد الزواج، فقال الألباني: هذا الزواج لا يمكن أن يتم.
قال: لماذا لا يتم، وقد ذكرتك بالاسم أن تعقد لها؟ قال له: متى العقد؟ قال: لقد تركت ذلك لك من باب احترام أهل العلم، قال: لا مشكلة في ذلك، يوم الخميس القادم في مسجد فلان إن شاء الله، ولا أدري كيف سمع الناس بالخبر وجاءوا من كل حدب وصوب حتى بلغوا الآلاف، فقال الشيخ للرجل: مخطوبتك وصلت يا ولدي؟! قال: لم تصل.
قال: اذهب وادعها، فدخل غرفة الإمام ثم خرج وقال: وصلت يا شيخ! فقال الشيخ: اجعلها تظهر لنا.
قال: لا، سامحني يا شيخ! هذا أمر لا أرضاه لنفسي.
قال: هل تحب هي القرآن؟ قال: كلما قابلتني قالت لي: اقرأ علي القرآن، فقال الشيخ الألباني ﵀: ليست العبرة في أن تسمع القرآن، إنما العبرة في أن تقرأ هي القرآن، فإن قرأت عليك القرآن زوجتك وإلا فلا، فدخل الرجل يترجاها ساعتين أن تقرأ آية واحدة أو تقرأ البسملة فأبت.
قال الشيخ: ألم أخبرك أن هذا لن يتم وأنها كافرة وليست مؤمنة، فانظر إلى هذا الموقف، وإلى المواقف التي كانت في مسجد الرحمة، والفرق بينها شاسع، فالشيخ الألباني رجل فتح الله عليه وعلمه، فالعلم نور السماء، أما الذي في مسجد الرحمة فهو إنسان مهرج يجمع الأمة على الغثاء والبدع والضلالات.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 830
شرح كتاب الإبانة - ذكر ما أخبرنا به الله أنه ختم على قلوب من شاء من خلقه
لقد أخبرنا الله تعالى في كتابه العزيز بأن خلقاً من خلقه لا يهتدون للحق ولا يسمعونه ولا يبصرونه، بل يختارون الكفر على الإيمان، والضلال على الهدى، وهذا داخل في إرادة الله الكونية، فهو قد كتب قبل أن يخلق خلقه أن من عباده من هو من أهل الإيمان والسعادة، ومنهم من هو من أهل الكفر والشقاوة.
стр. 831
ذكر ما أخبرنا الله تعالى به في كتابه أنه ختم على قلوب من أراد من عباده
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فالباب الأول من كتاب القدر في ذكر ما أخبرنا الله تعالى في كتابه أنه ختم على قلوب من أراد من عباده.
إذاً: الختم بإرادة الله ، فهم لا يهتدون للحق ولا يسمعونه ولا يبصرونه، فقد طبع على قلوبهم؛ لأن هناك ختماً، وقفلاً، وإغلاقاً، وطبعاً، وكل ذلك بإرادة الله .
وهنا إن أراد الله تعالى أن يطبع على قلب العبد، ويختم على سمعه وغير ذلك فعل ، إذ إن الله تعالى يعلم أن عبده فلاناً لن يسمع كلام الله، بل لن يطيع الله تعالى، ولن يكون متبعاً لأنبيائه ورسله، فختم الله ﵎ على قلبه وسمعه بناءً على علمه الأزلي السابق ، وأن هذا العبد إذا بلغه العلم فإنه لا يقبله، وهذا من عدل الله .
стр. 832
ذكر بعض الآيات الدالة على ختم الله على قلوب من أراد من عباده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٦]، الله تعالى يتكلم عن الكافرين، وسواء عليك يا محمد! أأنذرتهم أم لم تنذرهم، لكن النبي ﷺ أنذرهم؛ لأن البلاغ واجب: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، لماذا؟ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧].
فالله هو الذي ختم على قلوبهم، وطبع على أعينهم حتى إنهم لا يسمعون الحق: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] فالناظر إليهم يجد أنهم بكامل حواسهم، لكن هذه الحواس في حقيقة الأمر غير عاملة، وغير منقادة لله .
وقال الله : ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:١٥٥]، الباء هنا سببية، أي: بل طبع الله على قلوبهم بسبب كفرهم.
إذاً: هم اختاروا الكفر أولاً، وذلك أن الله قد علم أزلاً أنهم سيختارون الكفر على الإيمان، وأنهم سيختارون عصيان الرسل على الانقياد والإذعان والتسليم لهم، فطبع الله تعالى على قلوبهم فهم لا يؤمنون إلا قليلاً.
وقال : ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة:٤١]، فهذه إرادة كونية قدرية، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٤١].
وقال : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الأنعام:٢٥]، والأكنة جمع كنان وهو الغطاء، ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام:٢٥]، يعني: هم لا يفقهونه، ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام:٢٥].
وقال : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، هذه إرادة شرعية دينية؛ لأن الإرادة الشرعية الدينية مبنية على المحبة والرضا، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، وهذه الأخرى إرادة كونية قدرية.
وقال : ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٩٣].
وقال أيضاً: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨٧].
وقال : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [النحل:١٠٨].
وقال : ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء:٤٥].
أي: ساتراً، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤٦].
وقال : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٥٧].
وقال : ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [الشعراء:١٩٨ - ٢٠١].
وقال : ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُم
стр. 833
هل الإنسان مخير أم مسير ؟
قال: [فهذا ونحوه من كتاب الله مما يستدل به العقلاء من عباد الله المؤمنين على أن الله خلق خلقاً من عباده أراد بهم الشقاء].
قوله: (أراد بهم الشقاء)، الإرادة هنا إرادة كونية قدرية، لكن قد يتوجه سؤال وهو: إذا كان الله تعالى قبل أن يخلق العبد كتبه من أهل الشقاء، وأراد به الشقاء، ولأجله خلق النار، فلم يعذبه على ذلك؟! على أية حال الإرادة إرادة شرعية دينية مبناها على المحبة والرضا، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبر الوالدين والإحسان إلى الجيران وغير ذلك، ومع هذا فإنها إرادة كونية، بمعنى: أنها تقع في الكون، وعليه فكل إرادة شرعية دينية هي كذلك قدرية كونية، وليس العكس.
وكأن السؤال المطلوب على ألسنة العامة: هل الإنسان مسير أم مخير؟ هو في حقيقة الأمر مخير بعد البلاغ، فلما علم الله تعالى أزلاً أن عبده بعد البلاغ سيختار الضلال كتبه مع الأشقياء، وهذا منتهى العدل، فالله تعالى قبل أن يخلقك وهو العليم الخبير يعلم كل شيء في الأزل، بلا أول ولا آخر؛ لأن علمه يختلف عن كل مخلوق من المخلوقين.
فالله تعالى علم أن عبده فلاناً بعد بعثة النبي محمد ﵊ لا يختار طريق النبي محمد ﷺ ، وإنما يختار طريق الضلالة والغواية والكفر، مع أن الشرع قد بلغه، لكنه اختار غيره، كأن اختار طريق النصرانية أو اليهودية أو البوذية أو غيرها من الديانات، فلما علم الله تعالى أزلاً أن عبده فلاناً لا يكون منصاعاً ومنقاداً للنبي ﵊ كتبه من الكافرين الأشقياء، ولأجله خلق النار .
والله تعالى لما عذبه بإرادته لم يظلمه، وإنما ذلك قمة ومنتهى العدل؛ لأنه سبحانه علم أزلاً أن هذا العبد لا يؤمن فكتبه أنه من الكفار، كتبه من أول ذنب شقياً، إذ إن الله علم ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون، فلا إشكال حينئذ، لكن قد يقول قائل: أنا أعمل هذه المعصية، ثم أنا ذاهب إلى النار! ما أدراك أنك ذاهب إلى النار؟ من الذي قال لك هذا؟ إذ إن الأعمال بالخواتيم، وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، والعكس بالعكس، فالعبد لا يدري بماذا يختم له، فكيف يقطع لنفسه بالجنة أو بالنار؟ إذاً: كل ميسر لما خلق له، وكل إنسان يجتهد في طاعة الله ، ولا يقول: أنا من الأشقياء! قد قضي الأمر.
لا، بل لابد أن يسلك طريق الخير والفلاح.
فلو أن طريقاً معبداً وطريقاً غير معبد، يعني: طريق سهل والآخر عسير جداً، وقلنا: كلا الطريقين يؤدي إلى الهدف الذي تريد أن تصل إليه، فحيئذ أي الطريقين ستختار؟ بلا شك المعبد، وهذا موقف العقلاء.
أما الطريق المكسر والمليء بالشوك والحجارة وغير ذلك فإنها لا يختارها أحد.
فكذلك طريق النار وطريق الجنة، فطريق الجنة محفوف بالمكاره، وطريق النار محفوف بالشهوات، والله ﵎ بين لك هذا في كتابه، وبينه لك رسوله ﵊ في سنته.
فقال: لا تدخل الجنة إلا إذا صليت وصمت وزكيت وحججت وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأتيت بسائر الطاعات، ونهاك عن المعاصي، فإن وقعت فيها فأنت من أهل النار، فالذي يزني أو الذي يعصي وهو يعلم أن غاية المعصية تؤدي به إلى النار ثم هو لا يتوب فهو على خطر عظيم، وإن كانت المعصية شركاً بالله أو كفراً فهو مخلد في النار.
وإن كانت معصية كبيرة أو صغيرة وهو قائم على الإسلام وتوحيده، أو يقصر بالأوامر، فإنه بمشيئة الله ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
стр. 834
نفوذ علم الله السابق الأزلي
قال الإمام: [فهذه الآيات ونحوها من القرآن الكريم مما يستدل به العقلاء من عباد الله المؤمنين على أن الله خلق خلقاً من عباده أراد بهم الشقاء، فكتب ذلك عليهم في أم الكتاب].
وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ، فعلم الله تعالى أن عبده فلاناً بعد بعثة النبي ﷺ لا يؤمن به، بل يبقى على اليهودية، فكتبه في الأشقياء في اللوح المحفوظ الذي لا يقبل النفي ولا الإثبات إلا ما أثبته هو سبحانه، فقال ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩]، أي: في الكتب التي بأيدي الملائكة والحفظة الكرام، أما اللوح المحفوظ فإنه لا يمحى منه شيء كما لا يثبت فيه شيء.
فلما علم الله تعالى أن عبده فلاناً يكفر ويموت كافراً كتبه في اللوح المحفوظ، وهذه مرتبة من مراتب القدر وهي الكتاب، والمرتبة الأولى: مرتبة العلم الأزلي لله ، وأن الله تعالى كتب هذا العلم في اللوح المحفوظ، فهو لا يتبدل ولا يتغير، والعبد لا يدري ماذا كتب له، إذاً فماذا عليه؟ عليه أن يجتهد في طاعة الله ، ثم يتقرب إلى ربه بجناحي الخوف والرجاء، الخوف من الله تعالى ومن عذابه وناره، والرجاء في رحمته وجنته، وأن يقبض العبد على الإيمان والإسلام.
قال: [فختم على قلوبهم، فحال بينهم وبين الحق أن يقبلوه، وغشى أبصارهم عنه فلم يبصروه، وجعل في آذانهم الوقر فلم يسمعوه، وجعل قلوبهم ضيقة حرجة، وجعل عليها أكنة ومنعها الطهارة، فصارت نجسة؛ لأنه خلقهم للنار، فحال بينهم وبين قبول ما ينجيهم منها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩].
وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]]، أي: نفذ علم ربك السابق الأزلي، ففي فلان أنه مسلم، وفي فلان أنه كافر.
وانظر لحديث ابن مسعود الطويل في الصحيحين: (إن أحدكم يخلق في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك -ملك الأرحام- ويؤمر بكتب أربع: رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد)، كيف يكتب عليه الشقاء وهو لم يفعل ما يستوجب هذا الشقاء؟ الله تعالى علم أن هذا العبد إذا ولد وعاش فإنه لا يكون طائعاً ولا منقاداً، وإنما يكون شارداً عنيداً زنديقاً ملحداً كافراً، فلما علم الله تعالى ذلك أزلاً كتب هذا، بمعنى: سجله عليه بأن عبده سيفعل ذلك، وفي نهاية الأمر سيكون مآله إلى جهنم.
والله تعالى ليس بظالم لعبده مع هذا؛ لأن الله تعالى أفرغ عذره بإرسال الأنبياء، وإنزال الكتب التي فيها هدى ونور، ثم جعله محلاً للتكليف؛ لأن الصبي ليس محلاً للتكليف، والمجنون ليس محلاً للتكليف، والناسي ليس محلاً للتكليف.
لكن على أية حال هذه الموانع تجعل الله تعالى لا يحاسب العبد، فتصور طفلاً نشأ نصرانياً ومات، أو طفلاً مات قبل أن يبلغ، فأين هو في الآخرة؟ في الجنة، لذلك فأطفال المشركين قد اختلف فيهم أهل العلم، و (النبي ﵊ لما سئل عن أطفال المشركين قال: الله أعلم بما كانوا عاملين)، ولما سئل بعد ذلك قال: (هم في الجنة)؛ لأنه لم يبلغ سن التكليف حتى يعاقب ويحاسب.
وكذلك لو أن طفلاً نصرانياً مصاب بالجنون، ومات في سن الخمسين، فهل يحاسبه الله ؟ لا يحاسبه؛ لأن مناط التكليف قد ذهب عنه وهو العقل، فإذا كان الله تعالى أرسل الرسل وأنزل معهم الكتب وجعلك عاقلاً بالغاً مميزاً مكلفاً فلا بد أن يحاسبك حينئذ، وهذا من تمام عدل الله ورحمته بعباده.
стр. 835
الشر المحض ليس في أفعال الله تعالى
قال: [فهذا وما أشبهه فرض على المؤمنين الإيمان به -أي: هذا الذي قلناه وذكرناه فرض على أهل الإيمان أن يؤمنوا به- وأن يردوا علم ذلك ومراد الله تعالى فيه إلى الله، ولا ينبغي للمخلوقين أن يتفكروا فيه ولا يقولوا: لم فعل الله ذلك؟ ولا كيف صنع ذلك؟ وفرض على المؤمن أن يعلم أن ذلك عدل من فعل الله].
لأنك لو لم تثبت العدل في أفعال الله تعالى فلا بد أن تثبت الجور والظلم، والله تعالى منزه عن كل صفات النقص ومنها الظلم والجور.
قال: [لأن الخلق كله لله ، والملك ملكه والعبيد عبيده، يفعل بهم ما يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويشقي من يشاء، ويذمه على الشقاء]، أي: أن الله تعالى يشقي من يشاء، ومع هذا يذمه على الشقاء، فيريد الله تعالى به الشقاء إرادة كونية قدرية، الله تعالى يكره الكفر، ومع هذا خلقه، فالله تعالى يكره إبليس ويلعنه ومع هذا خلقه، فلا نقول: لم خلق الله إبليس؟ وكيف خلق الله إبليس؟ وما الحكمة من خلق الله لإبليس؟ الحكمة عظيمة جداً من خلق هذه الأشياء التي تضر ولا تنفع في نظر العبد، لكن نفعها كامن في حكمة الله ؛ ولذلك ليس من أفعاله ﵎ خلق الشر المحض، بل الشر الذي معه الخير.
كما قال النبي ﵊: (والخير في يديك، والشر ليس إليك)، أي: والشر المحض ليس من أفعال الله ، لكن الشر الذي معه الخير من أفعاله سبحانه، فلو أن قاتلاً قتل، ثم أقمنا الحد على القاتل بالقصاص، فأزهقنا روح الرجل، فكان في ذلك العبرة العظمى لكل من سولت له نفسه أن يقتل، فإنه سيفكر مليون مرة أنه سيقتل في مقابل قتلته.
إذاً: لو رفعت هذه الحدود من حياة الناس فإن الجرائم سترتكب بصورة فظيعة جداً؛ لأن القاتل يعلم أنه لا يقتل، والزاني يعلم أنه لا يرجم، والسارق يعلم أنه لا يقطع، ولو كان ذلك قائماً في الأمة لفكر كل إنسان في جريمته قبل أن يرتكبها، وبالتالي تراجع عنها قبل الإقدام عليها.
فهذا في حد ذاته خير عام للأمة كلها، وإن كان شراً بالنسبة للفرد.
ولو قلنا: إن أولياء القتيل قد تنازلوا عن القصاص، فالذي يتنازل عن القصاص يرجع إلى الدية، والدية مائة ناقة، ولو قلنا الآن أن الناقة بثلاثة آلاف جنيه، إذاً تكون دية هذا المقتول ثلاثمائة ألف جنيه.
فلو أن أهل القتيل فقراء، فإن ثلاثمائة ألف جنيه تغنيهم، وهذا في حد ذاته خير، وكان من العرب من يختار الدية في القتل العمد؛ لأن المسلم مخير بين ثلاث: القصاص أو الدية أو العفو، ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة:٢٣٧]، يعني: العفو أفضل، والقصاص والدية كلام الله ، والدية هذه يسميها العامة: العوض، إذاً هذا الشر الذي قدره الله تعالى في الكون فيه جانب من جوانب الخير، حتى بالنسبة للقاتل، فهو دفع ثلاثمائة ألف جنيه، وهذا يعتبر خراب بيوت، لكن فيه أنه سيرتدع ولا يفكر فيها ألبتة؛ لأنه ربما قتل في المرة القادمة.
المهم هناك فوائد كثيرة جداً، وأنه ليس في أفعال الله ﵎ الشر المحض، بل فيه الخير، ومن أعظم الخير للقاتل إذا دفع الدية أن يمشي آمناً على الأرض، مع أنه قد ارتكب كبيرة من الكبائر، فهذه فائدة عظيمة جداً، وخير عظيم جداً، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]، والقصاص دم مقابل دم، ونفس مقابل نفس، ورقبة مقابل رقبة، بينما لو ترك القاتل دون قصاص فانظر ما يحدث، يقول لك: فلان قتل من بني فلان أو من أسرة فلان، ونحن والله لا نرضى أن نقتل منهم فلاناً، بل لا بد أن نقتل منهم عشرة، والعشرة هؤلاء هم فلان وفلان وفلان، ويعدون أشراف العائلة التي منها القاتل، ويقولون: هذا الذي قتل ليس إنساناً معروفاً، ولا قيمة له، وإنما نختار زينة العائلة، وأكثر من هذا من يقول لك: والله لن ندع رجلاً ولا امرأة ولا طفلاً في العائلة إلا قتلناه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]! نعم النفس بالنفس لا النفس بالأنفس، أو الأنفس بالنفس، فهي نفس واحدة وهي القاتلة، فلو أن القاتل قتل لانتهت القضية، وطهرت ساحة أهل القتيل، فيمشون على الأرض مطمئنين آمنين، إذاً فما قيمة الاعتداء بعد ذلك على الآخرين الأبرياء؟ هذا مما حرمه الله ، وحرمه الرسول الكريم ﵊، فليس من أفعال الله تعالى الشر المحض، بل فيه خير وفيه شر.
أما الشر فإن الله تعالى قدره تقديراً كونياً قدرياً، ولم يرض عنه شرعاً ولا ديناً، وإن كان الله تعالى أذن في وجوده من جهة الخلق، أما من جهة الكسب فإن المكتسب لذلك هو العبد.
стр. 836
اختصاص الله برحمته من يشاء من عباده
قال: [واختص برحمته من يشاء من عباده، فشرح صدورهم للإيمان به، وحببه إليهم، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وسماهم راشدين، وأثنى عليهم بإحسانه إليهم].
يعني: هو الذي أحسن إليهم، ومع هذا أثنى عليهم بعد ذلك، كما أن الله تعالى كتب الشقاء على الأشقياء كتابة قدرية كونية، وذمهم على ذلك؛ لأن الله تعالى علم أنهم سيختارون طريق الغواية والضلال.
ثم الطريق المقابل -نسأل الله أن يجعلنا منهم- أهل الإيمان الذين حبب الله تعالى إليهم الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وأحسن إليهم، ثم مدحهم وأثنى عليهم، مع أن ذلك من فضل الله ، ولو أراد الله تعالى أن يضيق صدورنا لفعل، ولكن الله تعالى رحمة منه وفضلاً جعلنا مؤمنين.
قال: [لأنه خصهم بالنعمة قبل أن يعرفوه، وبدأهم بالهداية قبل أن يسألوه، ودلهم بنفسه من نفسه على نفسه رحمة منه لهم، وعناية بهم من غير أن يستحقوه، وصنع بهم ما وجب عليهم شكره، فشكرهم هو على إحسانه إليهم قبل أن يشكروه، وابتاع منهم ملكه الذي هو له وهم لا يملكونه، وجعل ثمن ذلك ما لا يحسنون أن يطلبوه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]].
مع أنه في حقيقة الأمر هم لا يقدرون على أن يدفعوا ثمن الجنة، فربنا جعل الجنة دار نعيم يجزي بها أولياءه، وأنا لو عملت كيت وكيت وكيت فلن أستحق أدنى نعيم في الجنة، يعني: ليس على قدر ما تأخذ على قدر ما تعطي، فإن الجنة أحسن من ذلك بكثير، ويكفي فيها النظر إلى وجه الله الكريم، ولو أعطى ربنا أحدنا مليون سنة فعبد الله تعالى فيها بالليل والنهار، فهل يبلغ في المكافأة رؤية المولى ؟ أبداً، بل لا يزال المهر بسيطاً، بل والله إن الواحد منا لا يستحق الحور العين التي هي مخلوقة من المخلوقات، الحور العين التي ترى مخ ساقها من تحت سبعين ثوباً، وإذا نظرت في خدها رأيت صورتك فيها، فضلاً عن الجنة وما فيها، إذ فيها غرف يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها، (أقل أهل الجنة نعيماً: رجل أخرجه الله تعالى من النار، وجعله يسلك الطريق المؤدي إلى الجنة، فلما رأى شجرة من بعيد قال: رب أدنني من هذه الشجرة، قال: لعلك لو دنوت منها سألتني شيئاً غيرها، قال: لا وعزتك وجلالك لا أسألك غير ذلك، فلما أدناه منها رأى شجرة أخرى على باب الجنة فقال: يا رب! أدنني من هذه الشجرة التي عند باب الجنة، قال: ما أغدرك يا ابن آدم! ألم أقل كذا وقلت: كذا؟ فقال: يا رب! إن أدنيتني منها لا أسألك شيئاً بعدها، فلما أدناه من الشجرة التي على باب الجنة نظر إلى الجنة ونعيمها فقال: رب! أسألك برحمتك أن تدخلني الجنة؟ قال: ما أغدرك يا ابن آدم!)، وفي نهاية الحديث: فأدخله الله الجنة فقال له: (تمن)، فتمنى العبد كيت وكيت وكيت وكيت، (فإذا خلصت أمنياته ذكره الله تعالى، قال: تمن كذا وتمن كذا وتمن كذا وتمن كذا)، والله تعالى يذكره أن يتمنى، فلما تمنى كل شيء من عند نفسه ومما ذكره الله تعالى به قال النبي ﵊: قال الله تعالى: (فلك مثل الدنيا وعشرة أمثالها)، وفي رواية: (لك مثل الدنيا ومثلها ومثلها ومثلها ومثلها) حتى عد عشرة أمثالها، ليس مصر ولا القاهرة ولا الجيزة ولا الإسكندرية، بل الدنيا بأسرها، وهذا نعيم آخر رجل يدخل الجنة، فكيف بأعلى نعيم لأهل الجنة؟! أولئك الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون وحسن أولئك رفيقاً، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
قال: [وأثنى عليهم بإحسانه إليهم؛ لأنه خصهم بالنعمة قبل أن يعرفوه، وبدأهم بالهداية قبل أن يسألوه، ودلهم بنفسه من نفسه على نفسه رحمة منه لهم وعناية بهم من غير أن يستحقوه، وصنع بهم ما وجب عليهم شكره، فشكرهم هو على إحسانه إليهم قبل أن يشكروه، وابتاع منهم ملكه الذي هو له وهم لا يملكونه، وجعل ثمن ذلك ما لا يحسنون أن يطلبوه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، ثم قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]، فقالوا حين قبضوا ثمن ابتياعه منهم ووصلوا إلى ربح تجارتهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٤٣].
فيسأل الجاهل الملحد المعترض على الله تعالى في أمره والمنازع له في ملكه، الذي يقول: كيف قضى الله علي المعصية؟].
أي: لماذا كتب الله علي المعصية؟! إذا قلنا: إن العبرة بالخواتيم، ساعتها يا إخواني! الواحد منا دائماً بعد الذنب وبعد التوبة منه يكون أحسن حالاً من قبل الذنب؛ ولذلك العلماء يقولون: رب معصية أدخلت صاح
стр. 837
الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة
لكن السؤال هنا: هل يجوز لأحد أن يحتج بالقدر على المعصية؟ فلو أن واحداً زنا، ثم سئل: لماذا زنيت يا فلان؟ يقول: كان ذلك مقدر علي! فهو يحتج بالقدر على المعصية، مع أنه لا يكون شيء في الكون إلا وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ففعل الزنا مكتوب في اللوح المحفوظ، وإقامة الحد كذلك من تقدير الله ومكتوب في اللوح المحفوظ.
ولذلك عمر ﵁ لما أراد أن يدخل الشام وكان قد بلغه أن بها طاعوناً جلس يستشير أصحابه: ماذا نعمل؟ فقال بعضهم: لا ندخل، وبعضهم قال: ندخل، فرجع عمر ﵁ ولم يدخل القرية، فقال له أحدهم: يا أمير المؤمنين أتفر من قدر الله؟ يعني: توكل على الله وادخل القرية، فقال: أفر من قدر الله إلى قدر الله، يعني: هذا الذي نحن فيه كذلك مكتوب علينا.
وسئل علي بن أبي طالب عن القدر فقال: هو سر الله تعالى المكنون، أي: المكتوب فلا يسأل عنه أحد، كما سئل ﵁ عن القدر والكتابة في اللوح المحفوظ فبل إبهامه وطبع به في باطن كفه الأخرى وقال: هذا والله مكتوب في اللوح المحفوظ، أن علي بن أبي طالب سيفعل هذا في المكان الفلاني، في اللحظة الفلانية، بالطريقة الفلانية.
فإيمان علي بن أبي طالب إيمان الأثبات الأولياء، يعلم أنه ما من شيء في الكون إلا ويكون في قدرة الله ، لكن هل يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية؟
الجواب
لا، وبعض الناس يظن أن الاحتجاج بالقدر على المعصية أمر لا حرج فيه.
ويحتج بما ورد عن آدم أبي البشر الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وأدخله الجنة، إذ قال ﵇ لموسى: أنت موسى بن عمران الذي كلمك الله تكليماً، وكتب لك التوراة بيده، أترى أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ؟ أي: المعصية التي عملتها -الأكل من ورق الشجر- كانت مكتوبة علي في اللوح المحفوظ، فحج آدم موسى، أي: انتصر آدم على موسى.
فآدم ﵇ لم يحتج بالقدر قبل أكل الشجرة، وإنما احتج بالقدر بعد أكله من الشجرة، وهذا نهج أهل السنة والجماعة، فإنهم لا يحتجون بالقدر على المعصية إلا بعد التوبة، أما قبلها فهذا مسلك أهل البدع، فالواحد إذا وقع في زلة أو معصية أو حتى في كبيرة من الكبائر فإن الواجب عليه أن يتوب إلى الله ، وأن يمتلئ قلبه من الهم والغم والبكاء والحزن، وإذا كان هناك حد بادر إلى إقامة الحد عليه، ويقدم الاستغفار والتسبيح والتهليل والذكر والصدقة وغير ذلك مما يمحو هذا الذنب، ثم هو لا يتمادى في التأثر بهذا الذنب حتى يكون هذا التأثر سبباً في هلاكه، لأن هذا ليس مطلوباً منه، وإنما المطلوب منه التوبة والرجوع إلى الله، لا أنه يجلس في غم وهم ونكد طيلة حياته الباقية مما يعجزه عن القيام بأدنى مهامه التي خلق لها، أو أنه يمتنع عن الطعام والشراب، أو يمتنع عن الجهاد إذا نودي إلى الجهاد، وإنما يجب عليه أن يتوب إلى الله ، وأن يستغفر من ذنبه الله تعالى وغير ذلك.
ويقدم من الطاعات والأعمال ما يكون سبباً لكفارة ذنبه الذي ارتكبه.
وعلى أي حال ما وقع ذنب إلا بقدر، وإذا كان الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة فهو أمر مشروع، أما إذا كان قبل التوبة فهي طريقة أهل البدع.
قال: [قال الله : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٧]]، من الذي يهدي؟ من الذي يضل؟ يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، يهدي من يشاء مشيئة وإرادة شرعية دينية، ويذل من يشاء إرادة ومشيئة كونية قدرية.
قال: [قال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧].
وقال أهل النار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦]، فهذه طريقة من أحب الله تعالى هدايته إن شاء الله، ومن استنقذه من حبائل الشياطين، وخلصه من فخوخ الأئمة المضلين].
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 838
الأسئلة
стр. 839
التوفيق بين كفر من ألقى المصحف إلى الأرض استهزاءً وبين إلقاء موسى للألواح
السؤال
ذكرت إجماع أهل العلم على كفر من ألقى المصحف في النجاسة أو وطئه بقدميه، فكيف نرد على من حكى نفس القصة التي ذكرت فيها عالم الأزهر، لكنه قال: إنه قطع المصحف ووضعه في دورة المياه، ثم عندما لاحظه المراقب ألقى به ووطئه بقدميه، وقال هذا الشيخ: إنه لا يكفر، واستدل بإلقاء موسى للألواح، فكيف نرد على هذا؟
الجواب
هذا الذي فعله الطالب إنما فعله من باب الخوف على مستقبله، وما كان ينبغي قط أن يفعل ذلك.
أما هل هناك وجه للمقارنة بين هذا الفعل وبين فعل موسى ﵇؟
الجواب
لا؛ لأن موسى ألقى الألواح من شدة الغضب، وفي نسختها هدىً ونور، فموسى ﵇ غضب غضباً أخرجه في هذه اللحظة عن إدراك ما يفعله، فألقى الألواح وهو غضبان.
ثم لما هدأ ورجع إلى رشده أخذ الألواح بيده، فموسى ﵇ معذور لفرط غضبه، والمرء لو بلغ درجة الإغماء من الغضب لا يترتب على أفعاله وأقواله أحكاماً، فلو أنه ألقى ولده من أعلى، أو ألقى أحداً من الناس من أعلى، فإنه لا يحاسب على ذلك، أي: لا يقتص منه، ولو أنه أغلق إغلاقاً وقال لامرأته في الإغلاق: أنت طالق، فإن الطلاق لا يقع منه، وغير ذلك من الأحداث.
стр. 840
الإمساك عن الكلام في القدر أمر واجب
السؤال
بما أن المولى يعلم الغيب، وكله مكتوب في اللوح المحفوظ، فلماذا يغضب الله من ذنب أو معصية يفعلها عبد من عباده، على الرغم من علمه المسبق لوقوع هذا الذنب أو المعصية، أيكون غضب الله تعالى عند اقتراف العبد لهذا الذنب وما يعقبه من عذاب هو أيضاً قدر مكتوب؟
الجواب
إذا ذكر القدر فأمسكوا، والإمساك عن الكلام في القدر هو من مثل هذه الأسئلة، فلا يحل لمسلم أن يسأل هذا السؤال.
стр. 841
من السنة تصويب النظر إلى محل السجود في الصلاة
السؤال
أرى كثيراً من الإخوة الفاضلين يتهاونون في أمور كثيرة في الصلاة وبالأخص تصويب النظر، فما نصيحتكم لهم؟
الجواب
على أية حال النبي ﵊ في سنته العملية بين أن موضع السجود هو محل النظر، وهذا مذهب جماهير العلماء.
وبعض العلماء قال: لا مانع أبداً أن ينظر المصلي أمامه، واحتجوا بظاهر قول الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، أي: اتجاه أو مقابل.
стр. 842
تفسير قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين)
السؤال
قرأ الإمام قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]، فهل هذه الآية من المتشابهات أم المحكمات؟
الجواب
هذه الآية من المحكمات، والذي نريد أن نصححه إجمالاً أن آيات الصفات ليس فيها متشابهات، والذي يقول بذلك هو في الحقيقة معتقد أهل البدع.
أما معنى الآية: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] أي: أن عيسى ﵇ يقول: إذا كنتم تزعمون أني ولد الله وأني ابن لله فأنا أبرأ إلى الله من هذه التهمة وهذه الفرية، وعلى فرض ثبوت كلامكم فأنا أول العابدين لله، وليس في الآية إثبات الولد لله، بل هي من أقوال المشركين الكفار، وعيسى ﵇ الذي هو نبي الله تعالى في ذلك الزمن تبرأ من هذه المقولة، وقال: إذا كنتم تزعمون أن لله ولداً، فأنا أبرأ إلى الله تعالى من ذلك، بل أنا أقر بأني أول العابدين، ولست ولداً كما تزعمون.
стр. 843
حكم إتيان الزوجة في حال حيضها
السؤال
ما حكم من أتى زوجته وهي حائض وهو يعلم وهي تعلم؟
الجواب
كلاهما آثم، ويجب في حقهما التوبة والكفارة، والكفارة أن يتصدق كل منهما بنصف دينار، ونصف الدينار حوالي ثمانين جنيهاً تقريباً.
стр. 844
كيفية التوفيق بين ما كتب في أم الكتاب وبين أن الدعاء يرد القدر
السؤال
كيف نوفق بين ما كتب في أم الكتاب وبين أن الدعاء يرد القدر؟
الجواب
على أية حال أنا قلت: ما كتب في اللوح المحفوظ لا يقبل المحو ولا الإثبات.
والإمام ابن القيم في الداء والدواء يقول: الدعاء مع البلاء على ثلاثة أنواع: فإذا كان الدعاء أقوى من البلاء رفعه، وإذا كان البلاء أقوى من الدعاء نزل البلاء على العبد، وإذا كان الدعاء والبلاء في قوة واحدة فهما يعتلجان في السماء، هذا كلام ابن القيم عليه رحمة الله.
وكون الله تعالى قدر البلاء ثم رفعه الدعاء، يعني: كان الدعاء أقوى من البلاء، وقرب العبد لمولاه كان قريباً، فهذا قد علمه الله تعالى أزلاً فكتب في اللوح المحفوظ أن هذا البلاء لا يصيب العبد، فإنه أحياناً تأتي الأوامر الشرعية ولا يكون المراد منها حقيقة الابتلاء والاختبار فقط، أي: لما أمر الله ﵎ إبراهيم أن يذبح ولده، هل أراد الله لهذا الأمر أن ينفذ أم هو للابتلاء والاختبار؟ لو أراد إنفاذه فكان لا بد أن ينفذ، حتى ولو أن الله تعالى أنزل ألف كبش فداء، فلا بد أن ينفذ؛ لأن الله تعالى أراد إنفاذه، ولو أراد الله تعالى إنفاذه لما أنزل كبشاً.
إذاً: أمر الله تعالى أمراً مفاده الابتلاء والاختبار، مع أن الله يعلم أن هذا موقف إبراهيم، والله يختبر إبراهيم ﵇، وموقف إبراهيم ﵇ معلوم لله منذ الأزل، وإبراهيم عمل ذلك حتى يكون سنة للأمة إلى قيام الساعة، فيقال: هذا سيد الأنبياء قد فعل به كيت وكيت وصبر، وقدم ولده فداء.
стр. 845
استئناف ثلاث طلقات لرجل طلق امرأته ثم تزوجها بعد زوج آخر
السؤال
إذا تزوجت المطلقة ثلاثاً زوجاً آخر، فهل يكون بذلك قد هدمت الطلقات الثلاث، بحيث لو طلقها الثاني أو مات عنها وتزوجها الأول كان له ثلاث طلقات؟
الجواب
لو أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً فتزوجت من بعده رجلاً آخر ثم طلقها فتزوجها الأول، فإن له عليها ثلاث طلقات، وهذا إجماع، وكذلك لو أن رجلاً طلق امرأته طلقة واحدة وتزوجها الثاني، ثم طلقها طلقة واحدة فتزوجها الأول، فكذلك له عليها ثلاث طلقات، وهذه أيضاً من مسائل الإجماع.
следующие страницы →