← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

من السنة تصويب النظر إلى محل السجود في الصلاة السؤال أرى كثيراً من الإخوة الفاضلين يتهاونون في أمور كثيرة في الصلاة وبالأخص تصويب النظر، فما نصيحتكم لهم؟ الجواب على أية حال النبي ﵊ في سنته العملية بين أن موضع السجود هو محل النظر، وهذا مذهب جماهير العلماء. وبعض العلماء قال: لا مانع أبداً أن ينظر المصلي أمامه، واحتجوا بظاهر قول الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، أي: اتجاه أو مقابل.

стр. 842

تفسير قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) السؤال قرأ الإمام قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]، فهل هذه الآية من المتشابهات أم المحكمات؟ الجواب هذه الآية من المحكمات، والذي نريد أن نصححه إجمالاً أن آيات الصفات ليس فيها متشابهات، والذي يقول بذلك هو في الحقيقة معتقد أهل البدع. أما معنى الآية: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] أي: أن عيسى ﵇ يقول: إذا كنتم تزعمون أني ولد الله وأني ابن لله فأنا أبرأ إلى الله من هذه التهمة وهذه الفرية، وعلى فرض ثبوت كلامكم فأنا أول العابدين لله، وليس في الآية إثبات الولد لله، بل هي من أقوال المشركين الكفار، وعيسى ﵇ الذي هو نبي الله تعالى في ذلك الزمن تبرأ من هذه المقولة، وقال: إذا كنتم تزعمون أن لله ولداً، فأنا أبرأ إلى الله تعالى من ذلك، بل أنا أقر بأني أول العابدين، ولست ولداً كما تزعمون.

стр. 843

حكم إتيان الزوجة في حال حيضها السؤال ما حكم من أتى زوجته وهي حائض وهو يعلم وهي تعلم؟ الجواب كلاهما آثم، ويجب في حقهما التوبة والكفارة، والكفارة أن يتصدق كل منهما بنصف دينار، ونصف الدينار حوالي ثمانين جنيهاً تقريباً.

стр. 844

كيفية التوفيق بين ما كتب في أم الكتاب وبين أن الدعاء يرد القدر السؤال كيف نوفق بين ما كتب في أم الكتاب وبين أن الدعاء يرد القدر؟ الجواب على أية حال أنا قلت: ما كتب في اللوح المحفوظ لا يقبل المحو ولا الإثبات. والإمام ابن القيم في الداء والدواء يقول: الدعاء مع البلاء على ثلاثة أنواع: فإذا كان الدعاء أقوى من البلاء رفعه، وإذا كان البلاء أقوى من الدعاء نزل البلاء على العبد، وإذا كان الدعاء والبلاء في قوة واحدة فهما يعتلجان في السماء، هذا كلام ابن القيم عليه رحمة الله. وكون الله تعالى قدر البلاء ثم رفعه الدعاء، يعني: كان الدعاء أقوى من البلاء، وقرب العبد لمولاه كان قريباً، فهذا قد علمه الله تعالى أزلاً فكتب في اللوح المحفوظ أن هذا البلاء لا يصيب العبد، فإنه أحياناً تأتي الأوامر الشرعية ولا يكون المراد منها حقيقة الابتلاء والاختبار فقط، أي: لما أمر الله ﵎ إبراهيم أن يذبح ولده، هل أراد الله لهذا الأمر أن ينفذ أم هو للابتلاء والاختبار؟ لو أراد إنفاذه فكان لا بد أن ينفذ، حتى ولو أن الله تعالى أنزل ألف كبش فداء، فلا بد أن ينفذ؛ لأن الله تعالى أراد إنفاذه، ولو أراد الله تعالى إنفاذه لما أنزل كبشاً. إذاً: أمر الله تعالى أمراً مفاده الابتلاء والاختبار، مع أن الله يعلم أن هذا موقف إبراهيم، والله يختبر إبراهيم ﵇، وموقف إبراهيم ﵇ معلوم لله منذ الأزل، وإبراهيم عمل ذلك حتى يكون سنة للأمة إلى قيام الساعة، فيقال: هذا سيد الأنبياء قد فعل به كيت وكيت وصبر، وقدم ولده فداء.

стр. 845

استئناف ثلاث طلقات لرجل طلق امرأته ثم تزوجها بعد زوج آخر السؤال إذا تزوجت المطلقة ثلاثاً زوجاً آخر، فهل يكون بذلك قد هدمت الطلقات الثلاث، بحيث لو طلقها الثاني أو مات عنها وتزوجها الأول كان له ثلاث طلقات؟ الجواب لو أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً فتزوجت من بعده رجلاً آخر ثم طلقها فتزوجها الأول، فإن له عليها ثلاث طلقات، وهذا إجماع، وكذلك لو أن رجلاً طلق امرأته طلقة واحدة وتزوجها الثاني، ثم طلقها طلقة واحدة فتزوجها الأول، فكذلك له عليها ثلاث طلقات، وهذه أيضاً من مسائل الإجماع.

стр. 846

حكم من قال: لا تجعلوني أكفر السؤال ما حكم امرأة قالت في حالة غضب: لا تجعلوني أكفر، تعني بذلك أن تشق ثيابها أو أن تلطم وجهها، وماذا تفعل كي تتوب؟ الجواب على أية حال إذا بلغ منها الغضب مبلغاً عظيماً جداً فلا حرج عليها، وهذا أمر لا تكفر به إذا كان في حالة الغضب، أما إذا لم تكن في حالة غضب فإن ذلك قد يكون حرجاً، لكنها لا تكفر به أيضاً؛ لأنها قالت: لا تجعلني أكفر؛ يعني: أنا لم أقل قولاً ولم أفعل فعلاً حتى أكفر به، فهي تنهاه أن يكون سبباً في كفرها مستقبلاً، كما لو قال رجل لامرأته: سأطلقك، فهل كلمة (سأطلقك) يقع بها الطلاق؟ لا يقع بها؛ لأنه يقول لها: سأطلقك، أي: في المستقبل. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 847

شرح كتاب الإبانة - ذكر ما أعلمنا به الله في كتابه أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء الله هو الهادي المضل، كتب لمن شاء من عباده الهداية والسعادة، وقدر على من شاء منهم الغواية والشقاوة، والرسل الذين يرسلهم الله بالتوحيد ليسوا مكلفين إلا بالبلاغ، أما الهداية فهي أمر اختص الله به، وجعل أمره إليه، وهذا من إحكام الله وعدله الذي لا يجوز لأحد أن يتفكر أو يخوض فيه بالجهل والهوى.

стр. 848

مراتب القدر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فلا يمكن لأحد أن يفهم سر القدر إلا بمعرفة مراتب القدر، ومراتب القدر: العلم، والكتابة، والإرادة، والخلق. فالمرتبة الأولى: العلم، وهو علم الله تعالى الأزلي السابق بما كان وبما سيكون. المرتبة الثانية: الكتابة، وأن الله كتب كل ما سيكون في اللوح المحفوظ. ومرتبة العلم أدلتها من الكتاب والسنة كثيرة جداً، ومنها اسم الله تعالى العليم. وأما الكتابة فمن الأدلة عليها قول الله : ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩]. والمحو والإثبات يكون في الصحف التي بأيدي الملائكة، وأما اللوح المحفوظ فلا يقبل المحو، كما قال تعالى: ((وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ))، أي: الذي لا يقبل بعد ذلك محواً ولا إثباتاً. وجاء في مسلم: (إن الله تعالى كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة). والمرتبة الثالثة: مرتبة الإرادة، والإرادة إرادتان، شرعية دينية، ومبناها على المحبة والرضا، مثل قول الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]. فمن صلى حقق محبة الله ووافق إرادة الله تعالى الشرعية. وإرادة كونية قدرية، وهي كل ما يقع في الكون من خير وشر، فإذا كان خيراً فقد وافق مراد الله كوناً وشرعاً، وإذا كان شراً فقد وافق مراد الله تعالى القدري الكوني، وخالف الإرادة الشرعية، فالزنا والسرقة والقتل وفعل المعاصي كل ذلك يقع بإرادة الله ومشيئته تعالى؛ لأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد الله تعالى وقدر، فلا يستطيع أحد أن يعمل شيئاً رغماًَ عن الله ، فكل ما يكون في الكون من خير وشر هو بإرادة الله تعالى ومشيئته، ولا يعني ذلك أن الله تعالى يحب هذا، بل إنه تعالى يحب الخير ويبغض الشر، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]. ومع هذا أذن الله تعالى في وجود الكفر والمعاصي، الكبائر منها والصغائر، ونهى عنها، فمن امتثل النهي فقد وافق الإرادة الشرعية، ومن خالف النهي ووقع في المحذور فقد خالف الإرادة الشرعية ووقع في الإرادة الكونية القدرية. المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]؟ فلا خالق إلا الله، فهو تعالى الذي خلق إبليس وهو رأس الشر، ولا يصح أن نقول: لم خلق الله إبليس؟ ومرتبة الخلق تعني: أن أفعال العباد من خلق الله ، وكتب الأفعال بأيدي الملائكة، فالسارق الذي ينطلق من مكانه إلى موضع السرقة ثم يكسر الحرز ويأخذ المال المسروق لو أن الله تعالى أراد ألا يسرق لما مكنه من ذلك، فنقول: الله تعالى مكن هذا السارق من إيقاع السرقة، ولكن الذي باشر السرقة هو العبد. فأفعال العباد مخلوقة لله ، بمعنى: أن الله تعالى أذن في وقوع السرقة من باب الخلق والإيجاد، وأما من باب الكسب والمباشرة فالذي اكتسب السرقة هو العبد. والله هو خالق الخير والشر، والهدى والضلال، وبعض الناس استشكل ذلك، وسأل: كيف خلق الله تعالى الشر؟ ونقول: الشر ليس شراً محضاً، فما من شر إلا ومعه خير، إما للعبد وإما لغير العبد، وهذا الخير الذي مع الشر إما أن ينتفع به الشرير أو ينتفع به المجتمع بأسره، فمثلاً الزنا والسرقة والقتل شرور، بل كبائر تتلو بعضها بعضاً، ولكن لو أن سارقاً سرق فأقيم عليه الحد بقطع اليد ورأى ذلك طائفة من الناس، فكل واحد ممن رأى أو سمع لابد أنه سيفكر مليون مرة إذا سولت له نفسه السرقة، وبالتالي يكف عن السرقة، ولذلك لما رفعت الحدود تجرأ القاصي والداني على السرقة وعلى القتل والزنا؛ لأنه يعلم أنه لن يقام عليه حد. وفي ظل هذه المدنية والتقنية العظيمة جداً نقول: إن الحدود خيرها ونفعها متعد إلى أقصى حد، فلو أقيم على الهواء حد على الزاني أو السارق لفكر العالم بأسره فيما لو أراد أن يسرق أو يزني أنه سيفعل به مثلما فعل بفلان من الناس في البلد الفلاني، فالأمر كما قال النبي ﵊: (والخير كله في يديك والشر ليس إليك)، أي: الشر المحض ليس من أفعال الله ، ولكن الشر الذي يبدو للناس أنه شر وفيه وجه من وجوه الخير فهذا مما أذن الله تعالى في وقوعه ووجوبه وخلقه، والذي باشر ذلك وكسبه هو العبد.

стр. 849

تابع ذكر ما أخبرنا الله تعالى في كتابه أنه ختم على قلوب من أراد من عباده قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الأول: ذكر ما أخبرنا الله تعالى في كتابه أنه ختم على قلوب من أراد من عباده] أي: أن الله تعالى أراد أن يختم على قلوب فريق من عباده ففعل. قال: [فهم لا يهتدون إلى الحق ولا يسمعونه ولا يبصرونه]، وأنه طبع على قلوبهم، أي: ختم عليها وطبع عليها، فهم لا يسمعون الحق، ولا يبصرونه ولا يهتدون إليه؛ لأن الله تعالى بعلمه السابق الأزلي علم أن هذا العبد الذي طبع على قلبه بعد ذلك عبد شقي وليس عبداً سعيداً، فعلم الله تعالى ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ، وطبع على قلب العبد حتى لا يسمع ولا يهتدي إليه، وهذا من أفعال الله ، ولذلك من المسائل المهمة جداً في باب القدر نفي القياس بين أفعال الله وأفعال الخلق؛ لأن أفعال المخلوقين فيها عدل وفيها ظلم، مثلما لو قلنا لشخص: لن نعقد الاختبار في الأسبوع القادم، ثم فاجأناه بالاختبار فهذا ظلم؛ لأننا وعدناه بعدم الاختبار، ثم فاجأناه بذلك وطالبناه به، وهو غير مستعد له، فهذا نوع ظلم وقع من الإنسان على بني جنسه. في حين أن الله قد أخبرنا أنه سيبتلي وسيختبر العباد في الدنيا والآخرة، فمن آب وتاب دخل الجنة وإلا فلا.

стр. 850

الأدلة من القرآن على أن الله يختم على قلب من أراد من عباده ويجعله من أهل الشقاء قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [البقرة:٦]. وهذا الخطاب موجه لنبينا محمد ﵊، فهو يقول: يا محمد! هؤلاء الكفار ((سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ))، أي: عندهم، ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، والسبب ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة:٧]. فإذاً: الختم على القلب والسمع، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧]. والشخص إذا كان أعمش فإنه لا يرى الشيء رؤية واضحة، فضلاً عن أن يكون أعمى فإنه لا يرى شيئاً أصلاً، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧]. والله هو الذي طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، ومع هذا أعد لهم يوم القيامة عذاباً أليماً؛ لأنهم اختاروا الكفر على الإيمان، فالآية في أولها تقول: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ))، يعني: عندهم ((أَأَنذَرْتَهُمْ)) يا محمد! ((أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ))، وذلك بسبب تمكن الكفر من قلوبهم، واختيارهم للكفر على الإيمان، وعلامة ذلك: ((خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ)). هذا في الدنيا، وفي الآخرة أعد لهم عذاباً أليماً. ولو أن هذا وقع من العبد على العبد لقلنا أن فيه نوع ظلم، بل هو الظلم بعينه، ولكن لا نقول: إن هذا فعل من أفعال الله مبني على ظلم العباد؛ لأن الظلم صفة نقص، والله ﵎ منزه عن صفات النقص ومتصف بصفات الكمال، فلا يجوز توجيه السؤال ابتداء؛ لأن هذا من أفعال الله، وأفعال الله ﵎ كلها مبنية على الحكمة والعدل والفضل، فالله ﵎ يجازي بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويضاعف بعد ذلك لمن يشاء، مع أن العقل يقول: الحسنة تقابل الحسنة، والسيئة تقابل السيئة، ولكن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء. وقال تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:١٥٥]. والباء للسببية، والضمير في عليها يعود على القلوب، ((بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ))، أي: بسبب كفرهم، ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٥٥]. وقال : ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة:٤١]. والإرادة هنا إرادة كونية قدرية؛ لأنها متعلقة بالفتنة، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٤١]. وقال : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الأنعام:٢٥]، أي: أغلفة وأغطية، ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام:٢٥]، أي: ثقلاً في آذانهم، ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام:٢٥]. وهذه إرادة كونية قدرية كذلك؛ لأنهم يسمعون، لكن ليس سماع المجيب، والسماع أنواع، فهناك من يسمع ولا يلقي بالاً لما يسمعه، وهناك من يسمع ويستجيب وينفذ فوراً، وأنت تقول في صلاتك: سمع الله لمن حمده، يعني: أجاب الله ﵎ حمد من حمده، فالثناء في قوله: سمع الله لمن حمده سماع إجابة، ولو أنك فتحت الراديو أو المذياع على أغنية وسمعتها بمحض إرادتك فإنك تأثم بذلك، ولو فتحها أحد بجوارك وليس في إمكانك أن تنهاه عن ذلك، أو نهيته فلم يستجب، وهو قريب منك أو جار لك، بحيث لا يمكنك أن تقول: أنا ما سمعت الأغاني أو الموسيقى؛ لأنك قد سمعتها بالفعل، فهذا سمع غير إرادي وقع على أذنك، والأول سمع إرادي أنت قد اقترفته. فأنت في الحالين قد سمعت، فمرة سمعت بإرادتك وأنت آثم، ومرة سمعت بغير إرادتك ولا تأثم بذلك. فهناك فرق بين سماع الإجابة وسماع الإعراض. وقال : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]. وهذه إرادة شرعية دينية؛ لأن مبناها على المحبة والرضا، فالله تعالى يحب الإسلام والإيمان، فمنهم من سمع واستجاب، ومنهم من سمع وأعرض، فأما من سمع واستجاب فهذا قد شرح الله تعالى صدره للإسلام. وهذا الشرح من إرادة الله تعالى الشرعية الدينية. قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام:١٢٥]. والناس هم الذين اختاروا طريق الضلال، ولا عذر لهم في ذلك؛ لأن الله تعالى أراد ابتداء هداية الخلق جميعاً، ولذلك جعلهم عقلاء، ولم يكلف المجنون ولا الصبي الصغير، ثم أرسل إليهم الأنبياء، وأنزل عليهم الكتب، وأقام عليهم الحجة، فمن أعرض عن دعوة الأنبياء والمرسل

стр. 851

علم الله مطلق وعلم الخلق محدود أنت الآن لا تعلم إلا بعض ما مضى عليك، وأما المستقبل فلا تعلمه، فربما تنزل علينا صاعقة من السماء فلا يقوم منا أحد، فلا تقل: بعد خمس دقائق سأقوم وأتوضأ أو أنطلق إلى المسجد، فهل ضمنت أن تحيا خمس دقائق؟ وما مضى من أحداث لا تذكر منها إلا اليسير. وأما علم الله فهو مطلق، وهو على الكمال التام في كل أسمائه تعالى وصفاته، فالله تعالى علم ما كان وما يكون وما سيكون، وما لو كان كيف يكون، ويعلم الفعل وكيف يكون الفعل، ويعلم القول وكيف يكون بالقول، فهو علم مطلق شامل لا يحده حد. وعلم العباد لا يتساوى مع علم الله ، وكذلك بقية الأسماء والصفات، فالله ﵎ مالك الملك، فهو المالك ، وهو المتصرف فيما يملك بكل أنواع التصرف، وهذا هو الأصل في الملك، والإنسان ليس مالكاً حقيقياً؛ لأن مالك الملك يملكك وما تملك، ولذلك أمرك أن تصنع في مالك المعروف، ونهاك أن تصنع فيه المنكر، فلا تقل: سأشرب بمالي الخمر؛ لأنك تأثم بذلك وهو محرم عليك، فلا تتصرف في مالك إلا على وفق الشرع الذي شرعه مالك الملوك ، وأما الله ﵎ فيتصرف في ملكه كيف شاء، فهو يهدي فلاناً ويضل فلاناً، ويسعد فلاناً ويشقي آخر. وإذا أسعد فلاناً فهذا فضل الله ، وإذا أشقى فلاناً فهذا عدل من الله ؛ لأن أفعال الله تعالى تدور بين الفضل والعدل، وكلها متصفة بالحكمة.

стр. 852

ختم الله على قلوب الكفار قال: [فختم على قلوبهم -أي: الأشقياء- فحال بينهم وبين الحق أن يقبلوه، وغشى أبصارهم عنه فلم يبصروه، وجعل في آذانهم الوقر فلم يسمعوه، وجعل قلوبهم ضيقة حرجة، وجعل عليها أكنة، ومنعهم الطهارة فصارت رجسة؛ لأنه خلقهم للنار، فحال بينهم وبين قبول ما ينجيهم منها، فإنه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]]، أي: أضل من الأنعام، والأنعام أشرف منهم. وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]. وهذا وما أشبهه فرض على المؤمنين الإيمان به]، أن يؤمنوا أن الهداية بيد الله ومن عنده، وأن الشقاء بيد الله ومن عنده، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، وكل ذلك داخل في مشيئته ، فهدايته للخلق محض فضل الله تعالى على من هداه، وإضلاله وإتعاسه وإشقاؤه لبعض خلقه عدل من الله . قال: [فهذا وما أشبهه فرض على المؤمنين الإيمان به، ويرد علم ذلك ومراد ذلك إلى الله تعالى، ولا ينبغي للمخلوقين أن يتفكروا فيه]. يعني: أنت لا يحق لك أن تقول: لماذا أضل الله فلاناً؟ والله قادر على أن يجعل شارون مسلماً؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، وهو قادر على ذلك، ولو أراد الله لقذف الإيمان في قلب شارون، وسيكون هذا حدث من الأحداث التي يتكلم عنها القاصي والداني، والتي ستغير وجه الأرض ووجه العالم، وهذا فيما يتعلق بنظري ونظرك، ولكن علم الله مقدم على ذلك، وقد علم أن الحكمة في بقاء شارون على الكفر، ومعلوم أن اليهود والنصارى كفار، وهذا معلوم بالضرورة، وقد نوقشت. رسالة في جامعة القاهرة منذ عدة أيام، ولما قال الطالب: وقد قال فلان من الكفار، قالوا له: إنه ليس من الكفار، فقال: أليس هذا كاتب إنجليزي؟ قالوا: نعم كاتب إنجليزي، وهو نصراني، فكيف يكون كافراً؟ فقال: الله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، فقال له المناقش: هؤلاء إخواننا في الإنسانية، ولا داعي لأن نسميهم كفاراً. والأمر بيننا وبين اليهود والنصارى إيمان وكفر، وليس هناك وسط بيننا وبينهم، وهو إما أن يكون مؤمناً أو كافراً، فلما نفى الله عنهم الإيمان وأثبت لهم الكفر بسبب إعراضهم عن دعوة محمد ﵊ كفروا قولاً واحداً، ومن قال غير ذلك فهو جاهل غبي أحمق، لا علم له بالكتاب ولا بالسنة كذلك.

стр. 853

حكم الزواج من اليهودية أو النصرانية لا يحل للمسلم أن يتزوج إلا امرأة مؤمنة أو امرأة نصرانية أو يهودية، والمرأة المؤمنة خير من ملء الأرض من اليهوديات والنصرانيات، والشرع أجاز لنا أن نتزوج الكتابية، ولا تقل: إن كتب اليهود والنصارى قد حرفت، فقد حرفت من قبل بعثة النبي ﵊، فالنصرانية إذا زعمت أن عيسى هو الله أو ابن الله لا يحل الزواج منها، وإنما النصرانية التي تؤمن أن عيسى رسول الله هي التي يحل الزواج منها، وأما التي تزعم أن عيسى ابن الله أو هو الله فهذه امرأة مشركة ولا يحل لنا أن نتزوج المشركات.

стр. 854

أفعال الله تعالى مبنية على الحكمة لا ينبغي للمخلوقين أن يسألوا: لم فعل الله ذلك؟ ولا كيف فعل الله ذلك؟ فالله يفعل هذا بعلم وحكمة، ولست مطالباً بالكيفية أبداً، بل إنك منهي عن الخوض فيها، وقد فرض الله تعالى على المؤمن أن يعلم أن ذلك الفعل عدل من الله، يعني: إذا فعل الله تعالى فعلاً ولم تعلم حكمته فعليك التسليم، سواء علمت الحكمة من ورائه أو لم تعلم، لأن عندك أصلاً أصيلاً، وهو أن أفعال الله تعالى كلها مبنية على الحكمة. فإذا جاء شخص معتزلي عقلاني من المدرسة العقلية يقول: إن ربنا أمرنا بالتفكر والتدبر والتعقل، فقال: ((أَفَلا تَعْقِلُونَ))، ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ))، ((أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ))، فنقول له: نعم أمرك بهذا، ولكنه جعل لعقلك حداً لا تتعداه، فإذا شرع الله ﵎ شرعاً وأعلمك وأطلعك على الحكمة منه فهذا خير وبركة، ولا يلزم من ذلك أن تعلم الحكمة من كل فعل من أفعال العباد، ولا من كل تشريع من تشريعات الله .

стр. 855

فضل الله سبحانه على عباده قال: [قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧]. فأخبر أنه حبب إليهم الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وسماهم راشدين، وأثنى عليهم بإحسانه إليهم]. يعني: أنه أحسن إليهم وهداهم وأرشدهم إلى الحق، ومع هذا يمدحهم؛ لأنه خصهم بالنعمة قبل أن يعرفوه، وبدأهم بالهداية قبل أن يسألوه، ودلهم بنفسه من نفسه على نفسه؛ رحمة منه لهم وعناية بهم من غير أن يستحقوه، وصنع بهم ما وجب عليهم شكره، فشكرهم هو على الإحسان إليهم قبل أن يشكروه، وابتاع منهم ملكه الذي هو له وهم لا يملكونه، وجعل ثمن ذلك ما لا يحسنون أن يطلبوه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]. والجنة: مخلوقة لله . ثم قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]. فثمن الجنة أن أبيع نفسي ومالي لله ، فالله هو الذي رزقك هذا المال، وهو الذي هدى نفسك للإيمان وحببه إليها، فهو ﵎ يمن عليك ثم يشكرك على ذلك، ويجزيك داراً عرضها السماوات والأرض . ولو أن العبد عمر مليون عام في عبادة الله فإنه لا يستحق الجنة على ذلك، لأن هذه العبادة الله هو الذي قواه عليها، وقد كان من الأول قادراً أن يسلبه القدرة عليها. ولو أن العباد عمروا ملايين الأعوام فقضوها في عبادة الله لما استحقوا جزاء أفعالهم وعبادتهم هذه الدار، ولكن الله ﵎ حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ثم جازاهم على إحسانه إليهم الجنة. فلا يمكن أبداً أن تساوي عبادتهم فضل الله ، ولكنه فضل الله تعالى، وهم لما قبضوا ثمن ابتياعه منهم ووصلوا إلى ربح تجارتهم لابد أن يشكروا الله حق الشكر، فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]. فالهداية بيد الله ، والذي يملك الهداية لابد أنه يملك الشقاء، لأنه لا يوجد إله يملك الهداية وإله آخر يملك الشقاء، وإنما الذي بيده الهداية هو الذي بيده الضلال، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو إله واحد، يملك هذا وذاك، ويملك العالمين .

стр. 856

بعض اعتراضات الملحدين على قدر الله والجواب عليها الجاهل الملحد المعترض على الله في أمره والمنازع له في ملكه يقول: كيف قضى الله علي بالمعصية ثم يعذبني عليها؟ وأحياناً يورد الواحد منا في ذهنه هذا السؤال لم لم يهد الله فلاناً وهو قادر على هدايته؟ وإذا كان ربنا هو الذي يملك الضلال وهو الذي أوجبه على هذا العبد فلم يعذبه مادام أنه هو الذي فرضه عليه؟ وهذا السؤال من أعظم أوجه الإلحاد، والذي يسأل هذا السؤال لا علم له بالإيمان بالقضاء والقدر أبداً؛ لأنه لو علم مراتب القدر أو بعضاً مما ذكرناه فلا يمكن أن يخطر بباله هذا السؤال. ويقول: وكيف حال بين قوم وبين الإيمان؟ وكيف يصليهم على ذلك في النيران؟ ثم يعترض عليه في هدايته لأنبيائه وأصفيائه وأوليائه، فيقول: لم خلق الله آدم بيده، وأسجد له الملائكة؟ ولم اتخذ إبراهيم خليلاً وآتاه رشده من قبل؟ ولم كلم الله موسى تكليماً؟ ولم خلق عيسى من غير أب وجعله آية للعالمين وخصه بإحياء الأموات، وجعل فيه الآيات والمعجزات؛ من إبراء الأكمه والأبرص وأن يخلق من الطين طيراً؟ تعالى الله عن اعتراض الملحدين علواً كبيراً. ونحن نقول: إن لله المنة والشكر فيما هدى وأعطى، وهو الحكم العدل فيما منع وأضل وأشقى، يعني: بحكمة الله وعدله أشقى فلاناً ولم يظلمه؛ لأن الله تعالى منزه عن الظلم، فله الحمد والمنة على من تفضل عليه وهداه، وله الحجة البالغة على من أضله وأشقاه. قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧]، فالهداية بيد الله . فقوله: ((يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا))، أي: الإسلام أنت لا تملكه، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]. فالذي شرح صدرك للإسلام هو الله، فهو الذي هداك إليه، فلا تمن على الله بأنك مسلم، بل هو الذي يمن عليك بهذا الإسلام والإيمان؛ لأنه هو الذي شرح صدرك إليه ووفقك لاتباع الإسلام وقبول الإيمان، فهو من عند الله، والله تعالى هو الذي وفقك إليه وإلى الإيمان. وقال أهل النار: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، فحتى أهل النار يوم القيامة سيعترفون أن هذا الشقاء بسبب أفعالهم هم، فلن يقولوا: ربنا غلبت علينا شقوتك لنا وإضلالك لنا؛ لأنهم نسبوا الشقاء إلى أنفسهم بسبب أفعالهم الكفرية واعتراضهم على الله ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦]، يعني: بسبب الضلال أوجب الله ﵎ عليهم في الآخرة الشقاء في النار. وكما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]. وهم قد سمعوا وعقلوا، ولكنهم سمعوا سماع إعراض، بل كانوا يجلسون ويسمعون القرآن والنبي يقرؤه في الكعبة ﵊، فيضحكون ويتمايلون ويتبخترون ويستهزئون بكلام الله وبدعوة النبي ﵊، فاستحقوا بذلك أن يكونوا في أصحاب السعير. والكفر له أئمة، كما قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢]. وكما أن للهداية أئمة فكذلك للضلال أئمة.

стр. 857

باب في ذكر ما أعلمنا الله تعالى في كتابه أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء قال: [الباب الثاني: في ذكر ما أعلمنا الله تعالى في كتابه أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء]، أي: يهدي من يشاء مشيئة دينية شرعية، ويضل من يشاء إرادة كونية قدرية، وأنه لا يهتدي بالمرسلين والكتب والآيات والبراهين إلا من سبق في علم الله أنه يهديه، ولذلك بين الله تعالى لنبيه أنه لا يهدي من يحب، ولكن الله يهدي من يشاء، ومهما حرص الناس على ذلك فإنه لا يكون إلا ما يريده الله، فالنبي ﵊ كان حريصاً على إيمان أبي لهب، وكان حريصاً كل الحرص أن يسلم جميع الخلق، وقد علمه ربه من فوق سبع سماوات أن الخلق جميعاً لن يكونوا مؤمنين، وإلا فلم خلق الله تعالى النار؟ والنبي ﵊ قال: (اطلعت في النار فرأيت فيها فلاناً وفلاناً وفلاناً، وذكر أشياء، وقال: ووجدت أكثر أهلها النساء، فقالت امرأة جزلة -عاقلة-: يا رسول الله! ولم؟ قال: لأنهن يكفرن، قالت: يكفرن بالله؟ قال: لا، يكفرن الإحسان ويكفرن العشير؛ يحسن الرجل إليهن الدهر كله، فإذا بدا منه شيء قالت: ما رأيت منك خيراً قط). وهذا شأن النساء.

стр. 858

بعض الآيات الدالة على هداية الله لمن يشاء من عباده وإضلاله لمن يشاء قال الله : ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء:٨٨]، أي: يا محمد! أتريد أن تهدي من كتب الله تعالى وقدر عليه الضلال؟ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:٨٨]. فلا يمكن أبداً أن تسلك إلى قلبه مسلكاً، فالقلوب لها أقفال ومفاتيح أعظم من أقفال ومفاتيح أي باب، فإذا كان الله تعالى طبع على قلب فلان فلا يمكن لجميع الأنبياء والمرسلين مجتمعين أن يفتحوا هذا القلب، ومهمة الأديان والأنبياء والمرسلين هي تبليغ دعوة الحق إلى الخلق فقط، أي: إرشادهم إلى الله، والذي يملك الهداية والضلال هو الله . وقال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ [النساء:١٤٣]، أي: المنافقين مترددين، ﴿بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣]، أي: لا هم مع أهل الإيمان قولاً واحداً، قلباً وقالباً، ولا مع الكافرين قولاً واحداً، وإنما هم مع الكافرين بقلوبهم ومع المؤمنين بأبدانهم، فهم يصومون ويصلون ويزكون ويحجون ويجاهدون ويقتلون في الحروب في معسكر الإيمان، ولكنهم ليسوا مؤمنين؛ لأن قلوبهم لم يدخلها الإيمان، بل الكفر لازال مستقراً فيها، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]. اللهم اجعلنا منهم. وقال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١١١]. وتصور شخصاً يخرج من تحت الأرض، إن هذا لشيء مرعب، وينزل إليك ملك من السماء، وكل شيء بجوارك يحشر إليك من الشجر والدواب والطير والحشرات والهوام وغير ذلك من آيات الله ، فإنك يقيناً لابد أن تقول: آمنت بالله، وإذا كان الواحد من الكفار إذا وقع في ساحة القتال بيد مجاهد من المجاهدين قال: أسلمت؛ بسبب خوفه من السيف، فكيف يكون الحال إذا حشر كل شيء في السماء والأرض، إنه أمر مرعب، فلابد أن يسلم في هذه الحالة، ويخرج من الكفر إلى الإيمان، وهو في هذه الحال لن يخرج من الكفر إلى الإيمان إلا بمشيئة الله. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ [الأنعام:٣٥]، أي: لا تغضب يا محمد! إن كانوا معرضين، فقد كتب الله تعالى عليهم الضلال، فاعلم هذا ولا تأخذ نفسك بشيء، ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨]. وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]. ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]. فهدايتهم بيد الله، وليس عليك يا محمد! إلا البلاغ المبين، هذه مهمة المرسلين. وقال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف:١٨٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد:٢٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧]، أي: أنت المنذر يا محمد! ولكن الهادي هو الله تعالى. وقال: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد:٣١]. وقال: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الرعد:٣٣]. فقال: ((وَصُدُّوا))، وليس وصَدّوا، وإنما ((وَصُدُّوا)) بالبناء للمجهول، والذي صدهم عن السبيل هو الله؛ لأن هذا نوع ضلال والله تعالى يملكه، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد:٣٣]. وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراه

стр. 859

الهداية والضلال بيد الله وحده قال الإمام ابن بطة: [ففي كل هذه الآيات التي مضت يعلم الله عباده المؤمنين أنه هو الهادي المضل الذي يملك الهداية والضلال، وأن الرسل لا يهتدي بهم إلا من هداه الله]، والنبي ﵊ لا يملك أن يهدي أحداً من الناس، وإنما الذي يملكه هو الله، والنبي ﵊ سبب موصل لهداية الله، فالرسل لا يهتدي بهم إلا من هداه الله، ولا يأبى الهداية إلا من أضله الله، ولو كان من اهتدى بالرسل والأنبياء مهتدياً بغير هدايته لكان كل من جاءهم المرسلون مهتدين؛ لأن العبرة بمجيء الرسول إليهم، والرسول جاء إلى أبي بكر وإلى أبي لهب، ونفس الذي بلغه رسول الله لـ أبي بكر بلغه لـ أبي لهب، فيقال حتى من جهة اللغة: جاء الرسول إلى أبي بكر وجاء الرسول إلى أبي لهب، فالنبي ﷺ بلغ الاثنين، لكن الله تعالى أراد الهداية لـ أبي بكر وأراد الضلال والشقاء لـ أبي لهب. إذاً: الهداية والشقاء بيد الله ، يريدها لعبد ويمنعها من عبد، ولو كان الرسل هم الهادون لكان كل من أرسل إليهم المرسلون مهتدين، سواء تبعوه أو لم يتبعوه. ولذلك قال: [ولو كان من اهتدى بالرسل والأنبياء مهتدياً بغير هداية الله لكان كل من جاءهم المرسلون مهتدين؛ لأن الرسل بعثوا رحمة للعالمين، ونصيحة لمن أطاعهم من الخليقة أجمعين، فلو كانت الهداية إليهم لما ضل أحد جاءوه]، يعني: لو كانت الهداية بيد الرسل لما أفلت من أيديهم أحد، لكن الهداية بيد الله. أما سمعت ما أخبرنا مولانا الكريم من نصيحة نبينا ﷺ وحرصه على إيماننا حين يقول: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨]، وفي قراءة: (من أنفَسكم)، يعني: من أحسنكم نسباً وأعظمكم شرفاً، ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة:١٢٨]، يعني: يعز عليه عنتكم ومشقتكم، ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. وبالذي أخبرنا به عن خطاب نوح ﵊ لقومه: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] يعني: يقول لهم: أنا ما علي إلا البلاغ، ((وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ)) قد سبق في علمه أنه يضلكم، وأنكم ضُلال، وكتب عليكم الشقاء، فإنكم لا تقبلون نصيحتي مطلقاً، يعني: أنه هو لا يملك الهداية للخلق ولا الشقاء، وإنما الذي يملكهما هو الله . وهذا من عدل الله الذي لا يجوز لأحد أن يتفكر فيه، ولا يظن في ربه غير العدل، فلا يحل لك أن تظن بربك غير العدل، والله يقول: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء). والله لا يقول هذا من باب التخيير، وإنما من باب التهديد، كما قال : ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]. فهذا صيغة أمر، والأمر يفيد الوجوب إلا أن يصرفه صارف، والأمر في اللغة على نحو اثنين وعشرين وجهاً، فقوله : ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] كلمة (فليؤمن) فعل أمر يدل على الوجوب، وهو على ظاهره؛ لأن المطلوب من العباد أن يؤمنوا بالله؛ لأن هذا أمر الله تعالى إليهم، وقوله: ((وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ))، يعني: الذي يريد أن يؤمن يؤمن، والذي يريد أن يكفر يكفر، فالآية ظاهرها التخيير، ولكنه غير مراد هنا، وإنما هو تخيير تهديد، وهذا كما تقول لابنك: إذا أردت أن تذاكر فذاكر، وإذا لم ترد أن تذاكر فلا تذاكر، وقد نويت ضربه إن لم يذاكر، فأنت هنا لا تخيره في هذا، وإنما تهدده، بدليل أنك ستضربه إن لم يذاكر. وكذلك قوله تعالى: ((وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ))، فللكفار نار لا تهدأ ولا تنطفئ أبداً. قال: [هذا من أحكام الله وعدله الذي لا يجوز لأحد أن يتفكر فيه، ولا يظن بربه غير العدل، وأن يحمل ما جهله من ذلك على نفسه، ولا يقول: كيف بعث الله نوحاً إلى قومه، وأمره بنصيحتهم ودلالتهم على عبادته، والإيمان به وبطاعته، والله يغويهم ويحول بينهم وبين قبول ما جاء به نوح إليهم عن ربه حتى كذبوه وردوا ما جاء به؟ ولقد حرص نوح على هداية الضال من ولده، ودعا الله أن ينجيه مع أهله، فما أجيب، وعاتبه الله في ذلك بأغلظ العتاب حين قال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود:٤٥]، قال الله : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦]، أي: إنه ليس من أهل الإيمان، وهو وإن كان من أهلك -أي: من ولدك ومن نسلك- إلا أنه ليس في معسكر الإيمان، فهؤلاء هم الأهل الحقيقيون، ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَ

стр. 860

شرح كتاب الإبانة - بيان أن الله أرسل المرسلين لدعوة الناس لعبادته وحده لقد أحصى الله كل ما هو كائن قبل أن يكون، وأرسل المرسلين إلى الناس يدعونهم إلى توحيد الله وطاعته، وينهونهم عن الشرك به ومعصيته، ثم أرسل الشياطين على الكافرين تحرضهم وتؤزهم على تكذيب المرسلين، والمقام على الكفر والمعاصي، وكل ذلك لا يكون منه شيء إلا بقدر الله تعالى وتحت مشيئته.

стр. 861

باب بيان أن الله أرسل المرسلين لدعوة الناس لعبادته وحده الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فلا يزال الكلام موصولاً عن القدر. قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الثالث: ذكر ما أخبرنا الله ﵎ أنه أرسل المرسلين إلى الناس يدعونهم إلى عبادة رب العالمين، ثم أرسل الشياطين على الكافرين تحرضهم وتؤزهم على تكذيب المرسلين]. إذاً: فالأمر أن الله تعالى أرسل الأنبياء والمرسلين وأرسل الشياطين، أرسل الأنبياء والمرسلين إلى الناس كافة يدعونهم إلى عبادة الله، وأرسل الله تعالى الشياطين على الكافرين ليمنعوهم من الدخول في شريعة المرسلين، كما أن مهمة الشياطين أنهم يدعون الكافرين إلى تكذيب المرسلين، وكل ذلك يتم بقدر الله ومشيئته، فمنه ما يتم بمشيئته الشرعية الدينية والكونية القدرية في آن واحد، ومنه ما يتم بمشيئته الكونية القدرية دون الشرعية، ومن أنكر ذلك فهو من الفرق الهالكة، أي: من أنكر أن الله تعالى خلق الخير والشر، وجعل لأهل الخير جنة عرضها السماوات والأرض، (وقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت)، وأن الله خلق النار وجعل لها قسماً ألقاهم فيها غير مبال بهم، وقال: (يا أهل النار خلود بلا موت)، من أنكر ذلك فهو من الفرق الهالكة، وأن كل ذلك إنما تم بعلم الله السابق الأزلي.

стр. 862

وجوب الإيمان والتصديق بأن علم الله قد سبق ونفذ في خلقه قبل أن يخلقهم قال: [وفرض على المسلمين أن يؤمنوا ويصدقوا بأن علم الله قد سبق ونفذ في خلقه قبل أن يخلقهم]. أي: قد سبق أن الله تعالى عليم بما كان وما سيكون، وكل شيء يكون إلى أبد الآبدين، فالله ﵎ قد علمه أزلاً وقبل أن يخلقه. قال: [كيف خلقهم، وماذا هم عاملون]، الله يعلم كيف يخلق عبده فلاناً، وماذا هو عامل، هل هو عامل بأسباب النجاة، أم بأسباب الهلكة، هل هو شقي أم سعيد، ذكر أم أنثى، من أهل الجنة أم من أهل النار، كل ذلك يعلمه الله تعالى في جميع خلقه قبل أن يخلقهم. قال: [وإلى ماذا هم صائرون، فكتب ذلك في اللوح المحفوظ وهو أم الكتاب]. إذاً المرحلة الأولى: مرحلة العلم الأزلي، المرحلة الثانية: مرحلة كتابة علم الله في اللوح المحفوظ وهو أم الكتاب. قال: [ويصدق ذلك قوله : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠]-أي: اللوح المحفوظ- ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]].

стр. 863

إحصاء الله تعالى لما هو كائن قبل أن يكون قال: [أحصى الله تعالى ما هو كائن قبل أن يكون -علم الله ما سيكون قبل أن يكون- فخلقهم على ذلك العلم الأزلي السابق فيهم -أي: على مقتضى علمه خلق الخلق- ثم أرسل بعد العلم بهم والكتاب الرسل -أرسل الرسل بعد العلم وبعد الكتاب- إلى بني آدم يدعونهم إلى توحيد الله وطاعته، وينهونهم عن الشرك بالله ومعصيته، يدلك على تصديق ذلك قول الله لنبيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. فهذه دعوة الرسل جميعاً: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، أي: فاعبدوني ولا تعبدوا أحداً سواي]، دعوة كل نبي إلى أمته: أن يعبدوا الله تعالى ولا يشركوا به شيئاً، أن يفردوه بالوحدانية ولا يشركوا معه إلهاً آخر.

стр. 864

إرسال الله للرسل لدعوة الناس إلى عبادته، وإرسال الشياطين على الكافرين تحرضهم على المعاصي قال: [فالرسل في الظاهر تدعوهم إلى الله وتأمرهم بعبادته وطاعته، ثم أرسل الشياطين على الكافرين يدعونهم إلى الشرك والمقام على الكفر والمعاصي -أي: البقاء والاستمرار على الكفر والمعاصي- كل ذلك ليتم ما علم، ولا يكون إلا ما أمر]. إذ إن الله تعالى لا يأمر بالشر، وإنما يأمر بالخير والطاعة، وهذا المقصود منه أمر التكوين وليس التفريق. قال: [ولا يكون إلا ما أمر -أي: أمراً كونياً قدرياًَ لا شرعياً دينياً- فسبحان من جعل هذا هكذا، وحجب قلوب الخلق ومنعهم على مرادهم في ذلك وجعله سره المخزون -أي: القدر هو سر الله تعالى المخزون- وعلمه المكتوم، ويصدق ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣]]. أي: أن الله هو الذي أرسل الشياطين على الكافرين تحرضهم على المعصية، وتأمرهم بأن يقيموا عليها ولا يتركوها. قال: [وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: أن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر، ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]-أي: أن الشياطين يعلمون أن هذا السحر كفر- ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]].

стр. 865

التعليق على قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) قال: [أما ترى كيف أعلمنا أن السحر كفر، وأنه أنزله على هاروت وماروت]؟ إذاً: من الذي أذن في وجود الكفر في الكون؟ الله ، وهل يكون في الكون شيء على غير مراد الله؟ أي: هل ممكن أن يكون هناك شيء في الكون رغماً عن الله ؟ لا يمكن حاشى لله . قال: [وجعلهما فتنة ليكفر من كتبه كافراً بفتنتهما، وأن السحر الذي يعلمانه الناس كفر، وأنه لا يضر أحداً إلا من قد أذن الله أن يضره السحر]. أي: ممكن أن يسحر ساحر امرأ فلا يضره ولا يأتي مفعوله؛ لأن العبد قد تحصن بالأذكار والأوراد والقرآن والذكر وغير ذلك، ويمكن أن يكون المرء من أذكر الناس لله ، ومع هذا يصاب بالسحر ويصاب بشتى أنواع البلاء؛ لأن السحر نوع من أنواع البلاء ينزل بالعبد، كيف لا وقد سحر النبي ﵊، وهو أذكر الخلق لله ، وأكثرهم تسبيحاً وتهليلاً وتحميداً صلوات ربي وسلامه عليه، ليرفع الله به درجاته، ثم ليجعله أسوة وقدوة للخلق. نعم قد سحر النبي ﵊، وقد أثر فيه السحر، حتى أنه كان يهيأ إليه أنه قد أتى امرأته ولم يأتها، وغير ذلك مما أصاب النبي ﵊، مما ينكره أتباع المدرسة العقلية في هذا الزمان، وهم أذناب العقلانيين أو المعتزلة في القديم، ولكن هذا الحديث ثابت في الصحيحين فلا نرده بالعقل، فالسحر لا يضر أحداً إلا إذا أذن الله في وقوع الضرر بالمسحور. قال: [وذلك عدل منه . وقال الله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦٣]]. أي: إلا من كتب عليه أن يدخل فيها، وأن يصلى بنارها، وأن يتقلب فيها، نسأل الله العافية لنا ولكم. قال: [قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ [الزخرف:٣٦]. والذي يقيض هو الله ، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٧].

стр. 866

إخبار الله في كتابه وعلى لسان رسوله أنه يرسل الشياطين فتنة للكافرين الذين حق عليهم القول قال: [فقد أخبرنا الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله أنه يرسل الشياطين فتنة للكافرين الذين حق عليهم القول، ومن سبقت عليه الشقوة]. أي: ومن سبق في علم الله أنه شقي، فلابد أن يهيئ له الأسباب، ومنها: إرسال الشياطين عليه حتى يؤزوهم أزاً، ويحرضوهم على الكفر تحريضاً، ويزينوا لهم سوء أعمالهم، وكذلك أخبرنا أنه تعالى فتن قوم موسى حتى عبدوا العجل وضلوا عن سواء السبيل. قال الله : ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٥]. والمتكلم هو الله ، إذاً الله تعالى هو الذي فتن بني إسرائيل؛ لأنه قد سبق في علمه الأزلي أنهم سيختارون الضلال فكتبه عليهم، رغم وضوح الحجة وقيام المحجة عليهم على لسان موسى ﵇، لكنه لما تخلف عنهم في طور سيناء عبدوا العجل من دون الله ، وكانت هذه أعظم فتنة لقيها موسى ﵇ مع بني إسرائيل. وقال : ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]. فالخير من المال والدنيا والولد والزوجة والصحة والعافية، كل ذلك فتن عظيمة جداً؛ لينظر الله أيصبر المرء فيشكر أم يكفر ويجزع. قال : ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٦٨]، أي: يتوبون إلى الله ، ((وَبَلَوْنَاهُمْ))، أي: ابتليناهم واختبرناهم بالحسنات والسيئات، فأحياناً يغتر المرء بطاعته، فإذا وقع منه ذلك كان الغرور سبباً إلى زوال النعمة عنه ودخوله النار، ولذلك نظر رجل من العباد في عمله فرأى أنه طائع لله ، ثم نظر إلى عمل رجل من أهل المعاصي فقال: والله لا يغفر الله تعالى لفلان -أي لصاحب المعصية- فقال الله : (من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان، قد غفرت له وأحبطت عملك)، كما تجد في بعض الكتب قول كثير من أهل العلم: رب طاعة أدخلت صاحبها النار، ورب معصية أدخلت صاحبها الجنة. فقولهم: (رب طاعة أدخلت صاحبها النار)، أي: بسبب أنه اغتر بذلك وركن إليها، ولعله قطع على الله حقاً أن يدخله الجنة بسبب هذه الطاعة، وأنتم تعلمون أن الطاعات كلها لا تساوي نعمة واحدة من نعم الله على العبد، فلا يغتر العبد بحسن عمله؛ لأن الأعمال بالخواتيم، فربما يعمل المرء عملاً طيلة حياته هو من عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، والعكس بالعكس. لذا فالمرء ينبغي أن يكون خائفاً من قدومه على الله ، ولا يأمن أن يلقيه في الجنة أم في النار، يكلمه أم يشقيه ويبعده، فإذا كانت هذه عقيدة المرء أو عقيدة المسلمين فينبغي ألا يغتر طائع بطاعته؛ لأن طاعته لله هي أيضاً من نعم الله ، فلا فضل له في هذه الطاعة قط، وإنما الله تعالى هو الذي وفقه، ولذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة: أننا نرجو الله تعالى لأهل الطاعة أن يدخلهم الجنة، ونحسن الظن بالله تعالى أن يلقى أهل طاعته بقبول حسن، وأما أهل المعاصي فإننا لا نقطع لهم بجنة ولا نار، كما لا نقطع كذلك بالجنة لأهل الطاعة وإنما نرجو الله، وكذلك أهل المعاصي لا نقطع لهم بالنار؛ لأنهم لا زالوا في دائرة الإسلام ما دامت هذه المعصية لا تخرجهم عن حد الإسلام، وإنما نرجو الله تعالى لأهل المعاصي أن يغفر لهم، وأن يستر عليهم في الدنيا والآخرة، وكلنا أصحاب معاص، من منا ليس ملوثاً ملطخاً بالكبائر والصغائر؟ كلنا أصحاب ذنوب، ولكنا ذلك الرجل الذي نرجو له جميعاً أن يعفو الله تعالى عنه في الدنيا والآخرة وأن يستره، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة. وقولهم: (ورب معصية أدخلت صاحبها الجنة)، أي: لانكساره وذله وندمه وتوبته بعد فعلها. قال: [وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر:٣٧]]، هذه بلية عظيمة جداً، إذ إن المرء يعمل عملاً سيئاً ويعلم أن هذا العمل سيئ وبلية، والأعظم منه أن تعمل السيئات ثم تزين وتجمل لك، وتلمع لك حتى تصدق أنك عملت عملاً حسناً لا سيئاً. إذاً: عمل السيئات بلاء عظيم، والأعظم منه بلاء أن يهيأ لك أن هذا العمل عمل حسن، إنه عمى يتلوه عمى، وضلال يعقبه ضلال.

стр. 867

إخبار الله عن فعله في خلقه قال: [فهذا كلام الله ، وإخباره عن فعله في خلقه، يعلمهم أن المفتون من فتنه -أي: أن المفتون في دينه ودنياه هو الذي فتنه الله والهادي من هداه، والضال من أضله وحال بينه وبين الهدى، وأن الشياطين هو خلقها وسلطها، والسحر هو الذي أنزله على السحرة، وأنه لا يضر أحداً إلا بإذنه، فتعس عبد وانتكس سمع هذا الكلام الفصيح الذي جاء به الرسول الصادق الأمين ﷺ من كتاب ربه الناطق فيتصامم عنه ويتغافل، ويتمحل لآرائه وأهوائه المقاييس بالكلام المزخرف والقول المحرف؛ ابتغاء الفتنة وحب الأتباع والأشياع، كما قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥]].

стр. 868

كلام بعض الصحابة والتابعين في قوله تعالى: (ما أنتم عليه بفاتنين) قال: [وعن إبراهيم النخعي في قول الله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات:١٦٢] قال: بمضلين، إلا من قدر له أن يصلى الجحيم]. أي: إلا من كتب الله له أزلاً أنه من أهل الشقوة، وأنه من أهل النار. قال: [وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات:١٦٢] قال: لا تفتنون إلا من قدر له أن يصلى الجحيم]. إذاً الهداية بيد الله ، والفتنة والضلال بيد الله ، وما عليك إلا أن تدعو الله تعالى بالهداية. قال: [وعن الحسن في نفس الآية قال: إلا من قدر له أن يصلى الجحيم. وقال عمر بن عبد العزيز: إن الله لو أراد ألا يعصى ما خلق إبليس]. أي: أن رأس المعصية، والذي يحض عليها، ويؤزك عليها أزاً، هو إبليس، والله أراد أن يعصى فخلق إبليس، وإرادة الله هنا إرادة كونية قدرية، لا شرعية دينية؛ لأن الله تعالى خلق الكفر ونهى الناس عن الوقوع فيه.

стр. 869

باب ذكر ما أعلمنا الله تعالى أن مشيئة الخلق تبع لمشيئته قال: [الباب الرابع: ذكر ما أعلمنا الله تعالى أن مشيئة الخلق تبع لمشيئته، وأن الخلق لا يشاءون إلا ما شاء الله ]. ومعنى ذلك: أن الله أذن أن يكون للعبد مشيئة، وله تعالى مشيئة، لكن شتان بين مشيئة العبد ومشيئة المعبود ، والشاهد: أن الله تعالى أثبت أن لعبده مشيئة، وأن لعبده إرادة: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال:٦٧]، فكلمة (تريدون) فيها إثبات الإرادة للعبد، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، أثبت الله للعبد مشيئة، لكن مشيئة العبد داخلة تحت مشيئة الله، بمعنى: أن العبد لا يشاء شيئاً إلا إذا قدره الله تعالى وشاءه للكون، فإذا كان خيراً فمشيئة شرعية، وإذا كان شراً فمشيئة كونية، على خلاف بين أهل العلم، هل المشيئة هي الإرادة، أم أنهما متباينان مختلفان؟ وأن الخلق لا يشاءون إلا ما شاء الله .

стр. 870

آيات من القرآن في بيان أن مشيئة الخلق تبع لمشيئة الله قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة:٢١٣] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]. وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، والقتل أو القتال قد نهى الله عنه، ومع هذا أذن الله تعالى في وقوعه، ومعنى: أذن الله في وقوعه. أي: خلقه وأوجده، وهذا في باب الإرادة الكونية القدرية. وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام:٣٥]، أي: ولو شاء الله لجمع الناس جميعاً على الهداية والإيمان، ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]، فقوله تعالى: (مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ)، أي: يجعله ضالاً، والضلال لا يكون إلا بقدر الله ومشيئته، وكذلك الهداية، فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فالهدية والضلال بيد الله . وقال تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٦ - ١٠٧]، أي: لو أراد الله أن يؤمن هؤلاء لآمنوا، ولكن الله تعالى أراد غير ذلك، فقد أراد لهؤلاء بالذات -لسابق علمه فيهم- الشرك، فهيأ أسباب الشرك، وأراد الله للفريق الآخر الإيمان، فهيأ أسباب الإيمان لهم، ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام:١٠٧]. وقال : ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١١١]، أي: لو أن هؤلاء اتخذوا جميع الأسباب للإيمان فإنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله لهم الإيمان، فإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يرى الله تعالى من عباده تضرعاً وذلاً وخشوعاً وإقبالاً وتوبة وإنابة، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١١١]. وقال : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨]، أي: أمة واحدة مؤمنة، ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، فقوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٩] جملة اعتراضية، ولكن الناس في أصل الخلق مختلفون في الإيمان والكفر، في الشقوة والسعادة، في الجنة النار، ولذلك وردت تفاسير أهل العلم على هذه الآية.

стр. 871

كلام أهل العلم في تفسير قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) قال: [وعن منصور بن عبد الرحمن قال: قلت للحسن البصري: قول الله : ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]؟ قال: من رحم ربك غير مختلف]. وانتبهوا، أتظنون أن خلاف الإخوان مع السلفيين، والسلفيين مع التبليغ هو المعني والمقصود في هذه الآية؟ لا، فكما أن الإخوة ينزلون أحاديث الفرق على الجماعات الموجودة على الساحة فكلام غير سليم، وفهم غير سليم، إنما ذلك في الفرق الضالة، أما هذه الآية فمتعلقة بالإيمان والكفر، بالمؤمنين والكافرين، بأهل الشقاء وأهل السعادة، بأهل الجنة وأهل النار، والله من رحمته لم يجعل في أهل الإيمان اختلاف، أما أهل الكفر فإنهم خالفوا أهل الإيمان، قلت: ولذلك خلقهم، أي: خلق هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار. إذاً: الكلام على المؤمنين والكافرين لا على الجماعات الإسلامية الموجودة في الساحة. قال: [وعن خالد الحذاء قال: قدم علينا رجل من الكوفة، فكان مجانباً للحسن لما كان يبلغه عنه في القدر]. أي: أن واحداً جاء من الكوفة إلى البصرة، وكان قد بلغه كلاماً على سبيل الوشاية: أن الحسن البصري إمام السنة في زمانه يتكلم في القدر! فلما أتى هذا الكوفي جانب الحسن، أي: تباعد عنه ولم يسمع منه شيئاً؛ لأنه بلغه أن الحسن يتكلم في القدر، قال: حتى لقيه وسأله الرجل أو سئل عن هذه الآية: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]؟ قال الحسن: خلق أهل الجنة للجنة، وأهل النار للنار، قال: فكان الرجل بعد ذلك يذب عن الحسن]، أي: بعد أن علم الكذب والافتراء على الحسن، وأن الحسن لو كان من القدرية لا يقول في تفسير هذه الآية أنه خلق هؤلاء للجنة، وخلق هؤلاء للنار؛ لأن القدرية يقولون في هذه الآية كلاماً في قمة القبح. قال: [وعن الحسن ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٩]، قال: للاختلاف]. أي: بين الإيمان والكفر، بين الشقوة والسعادة.

стр. 872

مشيئة الله تعالى غالبة في نصوص القرآن قال: [وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٤]]، فهذا هو الشاهد: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٤]، إذاً الهداية والضلال بيد الله، وبمشيئة الله العزيز الحكيم. قال: [وقال : ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣]]، لو شاء الله يا أخي الكريم! ألا يجلسك في هذا المجلس ما جلست، ولجعلك في أهل الشقوة والتعاسة، ولو شاء الله الآن أن يجعلنا جميعاً كفاراً لما قمنا من مقامنا إلا ونحن كفار عياذاً بالله، ولو شاء الله أن تعالى أن يأتي بالكفار الآن فيدخلهم علينا أفواجاً وجماعات لفعل ، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]. فهذه باختصار عقيدة السلف في الإيمان بالقدر كما قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر)، وهو سر الله تعالى المكتوم الذي يحرم على المسلم أن يماحل وأن يجادل فيه. قال: [قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]]، أي: يا محمد! لا يمكن أن يهتدي على يديك أحد مهما حاولت إلا أن يشاء الله ذلك، والنبي ﵊ كان أحب شيء له أن يهتدي أبوه، وعبد المطلب، وأبو طالب، أهله وأقرب الناس إليه، لكن الله تعالى أراد غير ذلك، فما تم لمحمد ﵊ ما أحب؛ لأن مشيئة الله تعالى أنهم من أهل الشقاء، ولذلك قال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]، أي: وقد سبق في علمه الأزلي من يهتدي. قال: [وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٢ - ٢٣]]، أي: يا محمد مهمتك: النذارة والبشارة، ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [الأعراف:١٨٨] فقط لا غير، نذير من النار، وبشير بالجنة. قال: [وقال : ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى:٨]. وقال : ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦]. وقال حين دعا إلى الجنة وشوق إليها، وحذر من النار وخوف منها: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل:١٩]]، (فمن شاء) أثبت لك مشيئة، وأثبت لك إرادة، لكن مشيئتك وإرادتك داخلة تحت مشيئة الله، بمعنى: ألا تشاء شيئاً إلا أن يشاءه الله، ولا تريد شيئاً إلا أن يريده الله ، ولذلك رد الله تعالى مشيئة الخلق إلى نفسه وإلى مشيئته فقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان:٣٠ - ٣١]]، أي: المرء لا يستطيع أن يدخل نفسه في رحمة الله إلا أن يشاء الله تعالى ذلك، ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان:٣١]، ثم قال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩].

стр. 873

قول ابن عباس وأبي العالية في تفسير قوله تعالى: (كما بدأكم تعودون فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة) قال: [وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٢٩ - ٣٠] ولذلك خلقهم حين خلقهم، فجعلهم مؤمناً وكافراً -أي: جعل الخلق مؤمناً وكافراً- وسعيداً وشقياً، وكذلك يعودون يوم القيامة مهتدياً وضالاً]. أي: كما كانوا في الدنيا بين مهتد وضال، وشقي وسعيد، فكذلك الله تعالى يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم، بدأهم أتقياء يعيدهم أتقياء، بدأهم سعداء يعيدهم يوم القيامة سعداء، وهكذا. قال: [وعن أبي العالية في قول الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٩] قال: عادوا إلى علمه فيهم]. أي: أنه علم أنهم أشقياء أو سعداء، فعادوا إلى علمه الأزلي السابق، ألم تسمع إلى قول الله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ [الأعراف:٣٠] و (حَقَّ): بمعنى: كتب وأوجب.

стр. 874

رد ابن عباس على من يزعم أن الشر ليس بقدر قال: [وعن ابن طاوس عبد الله عن أبيه طاوس بن كيسان اليماني أن رجلاً قال لـ ابن عباس: أن أناساً يقولون: إن الشر ليس بقدر]. أي: ما أراد الله تعالى وقوع الشر، إنما الشر هذا من عندنا، فلا علاقة له بقدرة الله، ولا بقدر الله. قال: [فقال ابن عباس: فبيننا وبين أهل القدر هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]]، حتى المشركين أنفسهم أنظف وأحسن عقيدة من القدرية؛ لأنهم يعتقدون أن الشرك وقع فيهم بمشيئة الله ، فقولوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]، أي: كل هذا الذي نعمله بمشيئة الله ، لكن هل المشركون معذورون بشركهم أم لا؟ وهل أقيمت عليهم الحجة أم لا؟ أقيمت عليهم الحجة، كما أنهم لا يحتجون بالقدر على المعصية، وإنما يحتج بالقدر بعد التوبة منها، كما في حديث: (احتج آدم وموسى) والحديث طويل.

стр. 875

تفسير أبي حازم لقوله تعالى: (فألهمها فجورها وتقواها) قال: [وقال أبو حازم في قول الله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ [الشمس:٨]]، أي: النفس، ﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨]]، إذاً الفجور والتقوى بقدر الله وبمشيئته، وهذه النفس إن كان سبق في علم الله أنها نفس تقية ألهمها تقوها، وإن كان سبق في علم الله أنها نفس فاجرة ألهمها فجورها. قال: [الفاجرة ألهمهما الفجور، والتقية ألهمها التقوى]، أي: رزقها التقوى.

стр. 876

تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (يحول بين المرء وقلبه) قال: [وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]، أي: يجعل حائلاً بين المرء وبين قلبه، وبين ما يشتهي ويهوى]، قال: يحول بين المؤمن والمعصية، وبين الكافر والطاعة، ولذلك في هذا الوقت أنت رجل مؤمن عندك تقوى، وعندك دين، فإذا خرجت من هذا المسجد الطيب المبارك ورأيت معصية في الشارع، ماذا تعمل؟ هل ستصوب نظرك إلى الأرض أم تأذن لنظرك بالانطلاق؟ بلا شك أن ضميرك والوازع الديني الذي في قلبك يقول لك: هذا عيب، فأنت قبل ساعتين وعظت، فلا يصح أن تنظر إلى الحرام، في الحقيقة قلبك يهوى النظر، لكن ما الذي حال بينك وبين النظر؟ ألهم الله نفسك تقواها، وإذا اخترت الفجور عياذاً بالله، فإن الله تعالى يهيئ أسبابه لك، فيبعث لك امرأة متبرجة، وأول ما تجاوز عينيك يبعث لك واحدة أخرى، وهكذا ثالثة ورابعة وخامسة حتى تدخل بيتك، فتبدأ في بيتك بغض بصرك عن امرأتك، فتمشي بالعكس ما دمت تمشي في الشارع وعينك شمال ويمين شمال ويمين وتقع في المعصية، وأول ما تدخل البيت فتنظر إلى امرأتك فتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وتنظر إلى الأرض، هذه التقوى التي عندك أن تغض بصرك عن الحلال وأن تطلقه في الحرام! وهذا شغل أهل الفجور.

стр. 877

تفسير الحسن لقوله تعالى: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) قال: [وعن الحسن في قول الله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] قال: حيل بينهم وبين الإيمان]، أي: جعل الله تعالى حائلاً بينهم وبين أن يكونوا في الإيمان؛ لأنه قد سبقت لهم من الله الشقوة والتعاسة والنار والعياذ بالله.

стр. 878

تفسير الحسن لبعض الآيات المتعلقة بمشيئة الله وغلبتها لكل مشيئة قال: [وعن حميد قال: قرأت القرآن كله على الحسن البصري في بيت أبي خليفة ففسره لي أجمع على الإثبات، فسألته عن قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء:٢٠٠]، قال: الشرك سلكه في قلوبهم]. أي: أن ربنا هو الذي دب الشرك في قلوب المشركين. قال: [وسألته عن قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون:٦٣]، قال: أعمال سيعملونها، وسألته عن قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦٢ - ١٦٣]، قال: ما أنتم عليه بمضلين إلا من هو صال الجحيم]. وتصور أن واحداً يسرد تفسير الكلمات هذه ربما يكون بنفس الكلمات، لكن أنا أعتبر أن هذا هو التفسير المبارك للقرآن الكريم، وفي هذا الوقت ممكن خطيب يصعد المنبر فيمكث يفسر هذه الآية ساعتين وثلاث وهو على المنبر، وكلام كثير ينسي بعضه بعضاً، والسلف كانوا أقل الناس تكلفاً، وأقل الناس كلاماً، وأكثرهم عملاً وعبادة.

стр. 879

تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه) قال: [وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] قال: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان بالله، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]]، في الحقيقة القلب لا يضيق ولا يتسع، إنما هذا ضيق الكفر واتساع الإيمان. قال: [يقول: شاكاً كأنما يصعد في السماء]، يقول: كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يقدر أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله في قلبه. إذاً الله بيده الإيمان والكفر.

стр. 880

كلام مالك وزيد بن أسلم في القدرية قال: [وقال مالك: ما أضل من كذب بالقدر]. أي: ليس هناك ضلال من التكذيب بقدرة الله ، ولذلك الإمام أحمد بن حنبل لما سئل: عن القدر ما هو؟ قال: القدر هو قدرة الله ، وكل شيء في قدرة الله حتى الإيمان والكفر. قال: [لو لم تكن عليهم فيه حجة إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]]. أي: جعل منكم مؤمناً وجعل منكم كافراً. قال: [وعن زيد بن أسلم قال: والله ما قالت القدرية كما قال الله ، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال النبيون، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس. إذ إن إبليس أخو القدرية]، والدليل على أنهم لم يقولوا كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، فما من إنسان يشاء إيماناً إلا لابد أن يكون الله ﵎ قد شاء له الإيمان، وما من إنسان يريد كفراً إلا قد سبق علم الله في إرادة الكفر لهذا الإنسان. وقالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢]، أي: ننزهك يا رب! عن كل نقص، ونصفك بكل كمال، ومنه العلم، فالله ﵎ عليم، وعلام الغيوب : ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢]، أي: نسبوا العلم إلى الله . بينما القدرية قالوا: لا قدر وأن الأمر أنف، وهناك حديث في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر، قال معبد الجهني: لا قدر وأن الأمر أنف، أي: لا يوجد شيء اسمه قدر؛ لأن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، أما قبل وقوعها فلا يعلم شيئاً، وهذا معنى قول القدرية: وأن الأمر أنف، أي: مستأنف، وهذا كفر بواح، ولذلك قال عبد الله بن عمر لـ حميد بن عبد الرحمن، ويحيى بن يعمر البصريان: فإذا لقيتموهم فأخبروهم أني بريء منهم، وهم برآء مني، قال النووي عليه رحمة الله: وكلام عبد الله بن عمر ظاهر في تكفيرهم، وأجمع أهل السنة والجماعة على أن منكر مرتبة العلم ومرتبة الكتابة كافر بلا نزاع. وقال شعيب ﵇، وهو قول الأنبياء: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا﴾ [الأعراف:٨٩]، أي: لا يمكن أن نرجع إلى ما كنا عليه قبل النبوة والرسالة من ضلال إلا أن يشاء الله ربنا. وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، فنسبوا الهداية لله . وقال أهل النار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦]. وقال أخوهم إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]، أي: اعترف بربوبية الله ، كما اعترف أن هذا الرب يملك القدر، والإغواء، والضلال، وأن الله تعالى أراد ذلك لإبليس، وأن إبليس مهما أراد الضلال فإنه لا يملكه إلا أن يأذن الله تعالى بوقوعه.
следующие страницы →