← Акыда

Акыда · id 37436

شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 366 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الإيمان بأن كل مولود يولد على الفطرة وذراري المشركين قال: [الباب السادس: باب الإيمان بأن كل مولود يولد على الفطرة، وذراري المشركين]، أي: ما من مولود من بني آدم إلا ويولد على الفطرة كما جاء في الصحيحين أنه ﵊ قال: (كل مولود يولد على الفطرة -وفي رواية: على فطرة الإسلام، أي: ما من مولود إلا ويولد مسلماً- فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه أو يشركانه)، أي: يجعلانه يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو مشركاً، مع أنه ما من مولود إلا يولد على فطرة الإسلام، وهذا الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم لما استخرجهم من ظهور آبائهم؛ يوم أن أخرجهم ووضعهم في كفه وقال: هؤلاء للنار وهؤلاء للجنة، أو العكس. وكذلك ذراري المشركين، أي: أن كل الكفار إذا أنجبوا أولاداً صغاراً فإنهم يولدون على الإسلام وعلى الإيمان والتوحيد؛ للميثاق الأول الذي أخذ عليهم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]، أي: شهدوا بربوبية الله ، والشهادة بالربوبية عند الإطلاق تعني توحيد الربوبية والإلهية، وإذا ذكر التوحيدان كان لكل منهما مضمون ومراد يختلف عن الآخر، وقد اختلف العلماء في أبناء المشركين إذا ماتوا قبل البلوغ هل هم كفار؟ فقال أقوام من أهل العلم: إنهم كفار تبعاً لآبائهم، وقال بعض أهل العلم: هم مؤمنون، وهم من أهل الجنة مع أطفال المسلمين الذين ماتوا قبل البلوغ؛ لأن أطفال المسلمين الذين ماتوا قبل البلوغ يدخلون الجنة ولا أعلم في ذلك خلافاً؛ لأنه لم يجر عليه القلم، ولم يبلغ الحلم، فلا ذنب اقترفه ولا إثم فعله، وحينئذ هو من أهل الجنة، ولذلك جعل النبي ﷺ هذا باباً من أبواب الشفاعة فقال: (من مات له ثلاثة من الولد قبل أن يبلغوا الحنث فاحتسبهم دخل الجنة، قالوا: يا رسول الله! واثنان؟ قال: واثنان). صلى الله على نبينا محمد، وقد جاء في الحديث: (سئل النبي ﵊ عن أطفال المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)، حتى تعلم منشأ الخلاف عند أهل العلم؛ لأن أهل العلم اختلفوا على مذاهب شتى، فمنهم من قال: هم كفار، ومنهم من قال: هم مؤمنون، ومنهم من توقف، ومنهم من قال: يبتلون يوم القيامة باختبار وامتحان، فإن نجحوا وفازوا دخلوا الجنة، وإن رفضوا دخلوا النار، وهذا الامتحان في التوحيد، إذاً منشأ الخلاف قوله ﵊: لما سئل عن أطفال المشركين: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، أي: لا أعرف ماذا كانوا سيعملون؟ فلما توقف النبي توقف الناس فيهم، أو اختلف الناس فيهم، لكن النبي ﵊ (سئل في آخر حياته عن أطفال المشركين فقال: هم في الجنة مع إبراهيم ﵇، ولا شك أن هذا القول ينسخ القول الأول، وهذا الذي استقر عليه مذهب جماهير العلماء من أهل السنة والجماعة، أن أطفال المشركين إذا ماتوا قبل بلوغ الحلم وقبل أن يجري عليهم القلم فهم مع أطفال المسلمين في الجنة، وهذا هو القول الراجح، وهو الذي نرجو ونود أن يكون موافقاً لرحمة الله ؛ لأن هؤلاء لا يحاسبون.

стр. 982

ما روي في المكذبين بالقدر وما روي عن الصحابة في ذلك قال: [الباب السابع باب: ما روي في المكذبين بالقدر. الباب الثامن: باب ما روي في ذلك عن الصحابة ومذهبهم في القدر ﵏] وذكر أبا بكر الصديق ثم عمر ثم علي بن أبي طالب.

стр. 983

باب الإيمان بأن الله كتب على آدم المعصية قبل أن يخلقه قال: [باب: الإيمان بأن الله كتب على آدم المعصية قبل أن يخلقه، فمن رد ذلك فهو من الفرق الهالكة]. والباب فيه عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وغير واحد من الصحابة ﵃، وكدت أقول: إن الطرق التي ورد بها هذا الحديث تكاد تكون متواترة، لكن ليست متواترة على الحقيقة، لكنها بلغت مبلغاً من الشهرة والذيوع بالمكان العالي.

стр. 984

شرح حديث عمر: (إن موسى قال: يا رب! أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة) قال: [عن عمر ﵁ قال: قال النبي ﵊: (إن موسى قال: يا رب! أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة)]، أي: أرني آدم الذي أخرجنا نحن الذرية وأخرج نفسه من الجنة، فهذه مصيبة حلت بآدم قبل أن تحل بالذرية. قال: [(فأراه الله آدم)]، كلمة (فأراه) تصدق على رؤية المنام كما تصدق على رؤية العين، ولذلك تقول: رأيت فيما يرى النائم وتسميها رؤية، مع أنها في الحقيقة ليست رؤية بمعنى الكلمة، فلما احتملت هذه الكلمة وغيرها من الكلمات المنصوصة في هذا الحديث اختلف أهل العلم في لقاء موسى بآدم، فمنهم من قال: كان لقاء موسى بآدم لقاء أرواح، ومنهم من قال: أحيا الله لموسى آدم فلقيه وكلمه، ومنهم من قال: إن الله إنما أرى موسى آدم في قبره، أو أرى آدم موسى في قبره عند الكثيب الأحمر في فلسطين، وغير ذلك من الأقوال، والذي يترجح لدي ما رجحه الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله فقال: وهذا من أبواب الابتلاء في الإيمان. فالنبي ﵊ رأى الأنبياء في ليلة الإسراء وصلى بهم، ولا يجوز أن نتنازع كيف صلى بهم ولا كيف رآهم؟ لكننا نقول: إن هذا باب من أبواب الابتلاء في الإيمان، فإذا عجزنا عن البلوغ والوصول إلى الحكمة من النصوص فلا أقل من أن نسلم في ذلك، ولذلك قال الحافظ ابن حجر قولاً ممتعاً جداً في الفتح في شرح هذا الحديث: وهذا مما يجب الإيمان به لثبوته عن خبر الصادق وإن لم يطلع على كيفية الحال، فينبغي الإيمان بذلك، وليس هو بأول ما يجب علينا الإيمان به، وإن لم نقف على حقيقة معناه كعذاب القبر. لكن ممكن أن يقول شخص: أنا مؤمن بعذاب القبر، لكني أريد أن أعرف كيف يقع عذاب القبر؟ وكيف يجلس الميت في قبره وهو ضيق جداً؟ لا تنظروا إلى هذه الغرف الكبيرة، وإنما أصل القبر لحد كما قال ﵊: (اللحد لنا والشق لغيرنا)، فاللحد ضيق جداً لا يكاد الإنسان يتقلب فيه حركة واحدة، فما بالك أن يأتي ملكان ويجلسانه ويسألانه وهو يجيبهم؟! ثم إذا تلعثم في الجواب ضرب بمرزبة فغاص في الأرض سبعين ذراعاً، كيف يتم ذلك كله في هذا القبر الضيق الصغير؟ كل ذلك نؤمن به، وأنه على الحقيقة، وأن الله على كل شيء قدير، فإذا كنت أؤمن أن الله على كل شيء قدير، إذاً: أنا أؤمن بأن الله قادر على أن يجمع هذا الكون في بيضة صغيرة، بل يجمع هذا الكون ويدخله سم الخياط، أي: خرم الإبرة؛ لأنه قادر على كل شيء ، ولا أقيس قدرة الخالق بقدرتي، إذ إن قدرتي محدودة ضعيفة، ولها قوانين أرضية سفلية تحكمها، أما الله ففوق كل القوانين، وأفعاله لا منتهى لها ولا مثيل لها. ولذلك نحن نقول: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية يعني أن الله هو الرب الخالق المدبر لشئون خلقه القيوم على شئون عباده، ومعنى توحيد الأفعال، أي: يفعله الله ولا يفعله أحد، كيف ذلك؟ الله تعالى يسمع، فهل يسمع العالم كله منذ أن خلق الله السماوات والأرض إلى قيام الساعة كسمع الله؟ لا يسمعون، وإن اجتمعت أسماعهم، فالله ﵎ هو الذي يخلق ولا خالق غيره ولا رب سواه، ولو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا رجلاً أو امرأة أو طفلاً رضيعاً؛ فهل يستطيعون أن يخلقوا طفلاً رضيعاً كما يخلق الله؟ لا، إذاً: هو واحد في أفعاله، ولو قلت لي: هل بإمكانك أن تدخل هذا السلك في خرم الإبرة؟ أقول لك: أنا أعجز عن ذلك، لكن الله يجمع الدنيا كلها إذا أراد ويدخلها من سم الخياط؛ لأنه على كل شيء قدير. قال: وليس هو -أي: لقاء آدم لموسى- أول ما يجب علينا الإيمان به، وإن لم نقف على حقيقة معناه كعذاب القبر ونعيمه. واعلم أن هذا الكلام بمثابة الأصول القوية المتينة لأهل السنة والجماعة. قال: ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات، أي: في بيان الحكمة من الأمر أو النهي إذا ضاقت علينا، مثل: لماذا أمرنا الله بصلاة أربع ركعات في الظهر والعصر والعشاء؟ لماذا أمرنا الله بصلاة ركعتين في الصبح والمغرب ثلاثاً؟ وما الحكمة من هذا العدد؟ ولم لمْ يجعل الظهر خمساً أو ثلاثاً؟ خفيت علينا الحكمة ولم يبق لنا إلا وجوب التسليم لله . قال: ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات لم يبق إلا التسليم، أي: التسليم والإذعان لله . وقال ابن عبد البر: مثل هذا عندي -أي: مثل لقاء آدم بموسى- يجب فيه التسليم ولا يوقف فيه على التحقيق؛ لأنا لم نؤت من جنس هذا العلم إلا قليلاً، أي: لأنا لم نؤت في بيان المشكلات وحل الغامض من هذا إلا شيئاً نادراً جداً، إذ إن معظم أمور الغيب يجب فيها التسليم ويمتنع السؤال عن الحكمة، وليس هذا في مسائل الغيب فقط، بل من المسائل العملية التي يعملها الناس بالليل والنهار لا يعلمون لها حكمة، ولذلك المني في مذهب جماهير العلماء طاهر ويوجب الغسل، والبول بالإجماع نجس ولا يوجب الغسل، لكن قد يقول قائل: لماذا؟ أنا لا أستطيع أن أقول لك السبب، لكن الذي أس

стр. 985

شرح حديث أبي هريرة: (احتج آدم وموسى) من عدة طرق قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (احتج آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت الذي أدخلت ذريتك النار؟ قال آدم لموسى: أصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأنزل عليك التوراة، فهل وجدت أني أهبط؟ -أي: هل وجدت هذا في الكتاب؟ - قال: نعم، فحجه آدم)]، أي: غلبه بالحجة. [وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (تحاج آدم وموسى)]، أي: كانت بينهما مناظرة، والمناظرة أيها الإخوة! تجوز حتى بين الابن وأبيه؛ لأن موسى ابن وآدم أب، ومع هذا فموسى هو الذي طلب آدم للحجاج والمناظرة، والمناظرة بين الولد ووالده ليست من سوء الأدب؛ لأن بعض الناس يظن أن الولد إذا أراد تبيين الحق لأبيه قالوا: كيف يتكلم مع أبيه بهذه الطريقة؟ إن إبراهيم ﵇ ناقش والده، ونوح ﵇ ناقش ولده. فالمناظرة بين الوالد وولده جائزة إذا كان المراد منها الوصول إلى الحق، وإنما يعاب على من يناقش والده التعدي في الأدب، واختيار الألفاظ غير اللائقة بمقام الأبوة، أما المناظرة لأجل الوصول إلى الحق ومرضاة الرب فهذا أمر محمود في الشرع، والطريقة نفسها التي تكون أحياناً مذمومة وأحياناً محمودة حسب أدب الولد. وكذلك المناظرة بين العبد والسيد، وبين الزوجة وزوجها، وبالتالي فلا بأس أن تذكر المرأة زوجها بالله، وأن تشير عليه بأمر ربما خفي عليه، كما أشارت أم سلمة ﵂ على النبي ﷺ في صلح الحديبية، وذلك لما خرج عليهم النبي ﵊ وقال: (اذبحوا الهدي وحلوا من إحرامكم، فلم يفعلوا، فدخل مغموماً خيمته، فلما علمت أم سلمة بذلك قالت: يا رسول الله! اخرج فاذبح الهدي واحلق، وإذا رأوك قد فعلت ذلك فعلوا، فلما خرج وفعل فعلوا ﵃، فهذه من باب المشورة. لكن لا يأتي شخص الآن على خط مستقيم ويقول لامرأته: إن رأيك عندي استشاري، وأنت ليس لك قيمة عندي، أنت امرأة، أنت أنثى، حتى ولو وافق رأيك القرآن والسنة فكذلك أنت امرأة! ماذا يعني بهذا الكلام؟ إن الحق يا أخي! يقبل من كل من جاء به وإن كان يهودياً، والسلف يقولون: الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التمسها وأخذها، وهذه ليست هي القضية، وإنما القضية في هذا الكلام الذي نسمعه أحق أم باطل؟ موافق أم مخالف؟ مردود أم مقبول؟ فهذه هي القضية وهي الفيصل، أما أن تقول: ما دام أنك نصراني فلن آخذ منك شيئاً، فلا؛ لأن النبي ﵊ قال لـ أبي هريرة: (صدقك وهو كذوب)، أي: أن كلامه صدق، فهل يرد الكلام الصدق؟ ولو كان يرد الصدق -وإن أتى من إبليس- لما أقر النبي ﵊ إبليس على أن نصح أبا هريرة أن يقرأ آية الكرسي عند نومه، فإذا قرأها فلا يزال عليه من الله حافظ حتى يصبح، وإنما أقر النبي إبليس في هذا لأنه صدق، وليس له مصلحة في أن يكذب في هذا الموطن، فقال: (يا أبا هريرة! صدقك وهو كذوب، أتدري من يخاطبك منذ ثلاث؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ذاك شيطان). فالحق يؤخذ من كل من أتى به، أما أن تقف مع امرأتك على خط مستقيم فلا تقبل لها قولاً وتنهرها وتسفه أحلامها وغير ذلك، فليس هذا ديناً، وبعض الناس يتصور أن هذا باب من أبواب الشهامة والرجولة؛ أنه دائماً يضربها ويرد أقوالها، ويقول لها: وإن وافقك الكتاب والسنة. يا أخي! إنك جبار عنيد، والحق يؤخذ منها إذا نطقت به.

стр. 986

معنى قول آدم لموسى: (أنت الذي أعطاك الله علم كل شيء) قال: [وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (تحاج آدم وموسى، فقال موسى: أنت الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة إلى الأرض؟ -أغويت: من الغواية وهي الضلال- فقال له آدم: أنت الذي أعطاك الله علم كل شيء)]، وهل الله بالفعل أعطى لموسى علم كل شيء؟ لا، إذاً: هذا يسمى عند الأصوليين من العام المخصوص، وكلمة (كل) من ألفاظ العموم، أي: علم كل شيء قد ورد في الكتاب الذي أنزله عليه، بدليل أنه ما أحاط بشر قط بالعلم كله، وأعلم العلماء في الخلق نبينا ﵊، ومع هذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]. إذاً: قوله: (وأعطاك الله علم كل شيء)، أي: علم كل شيء قد جاء في التوراة، ومصداق ذلك: أن موسى ﵇ لما سئل: أتدري أحداً أعلم منك؟ قال: لا، فعاتبه الله على ذلك لأنه تعجل الجواب، فقال: يوجد عبد من عبادي هو أعلم منك، اذهب إليه في مكان كذا، والقصة طويلة وقد شرحناها من قبل، والشاهد منها: أن موسى ﵇ لما التقى بـ الخضر قال له الخضر: أنت على علم علمكه الله لم يعلمنيه، وأنا على علم علمنيه الله لم يعلمك. إذاً: موسى ﵇ لم يحط بالعلم، وإنما أحاط بالعلم الذي نزل إليه، فهذا يسمى في الأصول من العام المخصوص، أي: وإن كان اللفظ عاماً، لكن المراد من النص ليس العموم المطلق، وإنما العموم الخاص بالكتاب المنزل عليك يا موسى! قال: [(أنت الذي أعطاك الله علم كل شيء واصطفاك على الناس -أي: اختارك- برسالته؟ قال موسى: نعم، قال: أفتلومني على أمر قد كتب علي قبل أن أفعله، أو قال: قبل أن أخلق؟ قال: فحج آدم موسى)].

стр. 987

اختيار الألفاظ المناسبة من محاسن اللغة العربية [وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (التقى آدم وموسى)]، وفي كلمة (التقى) مغزى لغوي مفاده: أنه لا يصح استعمال لفظ آخر مكانه يربط بين آدم وموسى، ولذلك أنا لا أستطيع أن أقول: الشمس خرجت، وإنما: الشمس طلعت. وكذلك لما قال عمر ﵁: (كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل)، فقوله: (إذ طلع)، هذا اللفظ لا يصلح أن يكون لحقيقة الآدميين، وإنما الذي يصلح للآدمي: خرج أو دخل علينا رجل، أما (طلع) فلا هو قمر ولا هو شمس، ولذلك قال: (هو جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، فربطنا قوله: (هو جبريل) بالقول الأول (طلع)، فـ عمر ما قال: طلع علينا رجل إلا لما علم أنه جبريل، فاختار لفظاً يتناسب مع جبريل ولا يتناسب مع حقيقة الآدمي، فقال: طلع، ولم يقل: خرج أو دخل، فكذلك قوله هنا: (التقى آدم وموسى).

стр. 988

معنى قول موسى لآدم: (أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة) قال: [(التقى آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت الذي أشقيت الناس -من الشقاء والتعاسة، وهو ضد السعادة- وأخرجتهم من الجنة؟ قال: فقال آدم لموسى)] وفي الحقيقة يذكر الأمر باعتبار ما سيكون؛ لأن الذي خرج من الجنة هو آدم وحواء دون الذرية، إذ إن الذرية ما كانت إلا على الأرض، أي: لم يكن لآدم نسل في الجنة، وإنما لما نفخ الله فيه الروح وأمره بهذه الأوامر وقعت المخالفة بعدها فوراً من شدة إغواء الشيطان وإبليس له، فكان الخروج فوراً من الجنة إلى الأرض، فلم يحصل لآدم تناسل في الجنة، وإنما أول التناسل حصل بعد أن نزل إلى الأرض، فقوله هنا: (أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة)، هو في الحقيقة يريد أن يقول: أنت الذي خرجت من الجنة، وبالتالي كانت ذريتك حاصلة على الأرض وليس في الجنة، بدليل أن الإجماع منعقد على أن آدم لم ينجب في الجنة، وإنما أنجب في الأرض، فقوله: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة، هو في الحقيقة ما أخرجهم، وإنما أخرج نفسه، وهو أس النسل ﵇. قال: [(فقال آدم لموسى: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته، واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فهل وجدته كتب علي قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، قال رسول الله ﷺ : فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى)]، أي: غلبه بالحجة. [وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (تحاج آدم وموسى ﵉، فقال آدم لموسى: أنت يا موسى! الذي بعثك الله برسالته، واصطفاك على خلقه، ثم صنعت الذي صنعت؟)]، في كل مرة موسى هو الذي يقول لآدم، وهذه المرة بدأ آدم، قال: (أنت يا موسى! الذي بعثك الله برسالته، واصطفاك على خلقه، ثم صنعت الذي صنعت؟)، وأنتم تعلمون أن موسى ﵇ قتل نفساً، وكان ربما وقع في النفس الثانية، لولا أنه استرجع ما كان منه بالأمس: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾ [القصص:١٩]، أي فما الخبر يا موسى؟ أو كلما تلقى شخصاً تريد قتله أم كلما يصرخ عليك شخص من قومك تقوم مباشرة بقتله؟ قال: [(فقال موسى: أنت آدم أبو الناس الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، فلولا ما صنعت دخلت ذريتك الجنة؟ قال آدم لموسى: أتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق؟ فقال رسول الله ﷺ : فحج آدم موسى). ومن طريق أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (لقي آدم موسى ﵉، فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، ثم فعلت ما فعلت، فأخرجت ذريتك من الجنة؟ قال آدم: يا موسى! أنت الذي اصطفاك الله برسالته، وكلمك وقربك نجياً؟ قال: نعم، قال: فأنا أقدم أم الذكر؟)]، انظروا إلى الحجة، يقول له: أيهما خلق أولاً أنا أم اللوح المحفوظ؟ [قال: بل الذكر] الذي هو اللوح المحفوظ. [قال رسول الله ﷺ : (فحج آدم موسى، فحج آدم موسى)]، وكأن آدم أراد أن يقول لموسى: أنا أقدم أم الذكر؟ قال موسى: الذكر، والذكر مكتوب فيه كل شيء إلى قيام الساعة، وبالتالي مكتوب فيه أن آدم سيأكل من الشجرة.

стр. 989

أثر ابن عباس: (قد أخرج الله آدم من الجنة) قال: [وعن ابن عباس قال: (قد أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يسكنه إياها)]، أي: قد قضى عليه بالهبوط منها قبل أن يدخلها، لا أنه ما دخل الجنة ابتداء، فهو قد دخلها، ولكن الله تعالى علم أنه سيخالف الأمر ويرتكب النهي فيهبط بسبب ذلك إلى الأرض، ثم يتوب فيتوب الله عليه. قال: [(ثم قرأ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠])]، وكلمة (خليفة) تعني: أنه يخلف قوم قوماً، لا أن الله تعالى يُخلِف عنه أحداً من خلقه؛ لأن بعض أهل العلم فهموا ذلك، فقالوا: (إني جاعل في الأرض خليفة) أي: خليفة عن الله ، قالوا: ومفاد ذلك أن الله تعالى هو العدل، وهو الحكم الذي يحكم بين عباده بالعدل، لكن الله لا يحكم بينه وبين عباده مباشرة، وإنما بواسطة رسله، فآدم أول نبي بعثه الله ، وأول رسول أرسله الله هو نوح ﵇، وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً كما تعلمون. فقالوا: فناسب أن يكون لله تعالى خليفة في الأرض ليحكم بين الذرية بالعدل نيابة عن الله ، وهذا الكلام بعيد، والصحيح أن معنى (خليفة) أي: يخلف بعضهم بعضاً، ويكون بعد كل قرن قرن، لا أنه أراد آدم على جهة الخصوص.

стр. 990

أثر عبيد بن عمير: (قال آدم: يا رب! أرأيت ما أتيت) [وعن عبيد بن عمير قال: (قال آدم: يا رب! أرأيت ما أتيت، أشيء ابتدعته من تلقاء نفسي أم شيء قدرته علي قبل أن تخلقني؟ قال: لا، بل شيء قدرته عليك قبل أن أخلقك، قال: أي رب! فكما قدرته علي فاغفره لي، قال: فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧]]، أي: هذه هي الكلمات التي كانت بين آدم وبين الله .

стр. 991

أثر خالد بن مهران: (قلت للحسن: يا أبا سعيد! آدم خلق للأرض أم للسماء) [وقال خالد بن مهران الحذاء: قلت للحسن -أي: الحسن البصري أبو سعيد -: يا أبا سعيد! آدم خلق للأرض أم للسماء؟ -أي: هل الأصل في خلق الله لآدم أنه للأرض أم للسماء؟ - فقال: ما هذا يا أبا المبارك]! أي: ما هذه الأسئلة الغريبة التي تسألها، الأصل أن هذه المسائل مستقرة عندك. [قال: فقال: خلق للأرض] أي: خلق للأرض ولم يخلق للجنة، وإن دخلها وخرج منها، فهذا المخلوق الوحيد الذي دخل الجنة وخرج منها، ولا يدخل بعده أحد قط الجنة بعد البعث ويخرج منها، بل من دخلها فإنه يخلد فيها أبداً، وهذا خلافاً للنار، فإنه من دخلها من الكفار والمنافقين خلد فيها أبداً، أما من دخلها من عصاة الموحدين فيخرج منها بشفاعة الشافعين أو بشفاعة أرحم الراحمين ، إذاً النار تختلف عن الجنة، وبين الجنة والنار فروق كثيرة جداً. منها: أن للجنة ثمانية أبواب، والنار لها سبعة أبواب، ولا تظن أن الباب شيء سهل، فباب الجنة بين مصراعيه كما بين المشرق والمغرب، والقائمون على عتبتي الباب أحدهم في المشرق والآخر في المغرب، ومع هذا يتزاحم فيه الناس حتى يكادوا يختنقون، اللهم اجعلنا منهم، ولكن لا نخنق، فيكفي الزحام الذي نحن فيه. وقوله: قلت للحسن: يا أبا سعيد! آدم خلق للأرض أم للسماء؟ هذا إشارة إلى أن الجنة التي كان فيها آدم كانت في السماء لا في الأرض. قال: [فقال: ما هذا يا أبا المبارك! قال: فقال: خلق للأرض، قال: فقلت: أرأيت لو استعصم فلم يأكل من الشجرة؟] أي: ألست تقول لي: إنه خلق للأرض، إذاً فما رأيك لو أن آدم لم يأكل من الشجرة، أيكون للأرض أم للسماء؟ وهذا فرض جدلي، والمطلوب طرحه ورده وعدم الجواب عليه. [قال: فقلت: أرأيت لو استعصم -أي: استعصم بالله واستعاذ به- فلم يأكل من الشجرة؟ قال: لم يكن له بد من أن يأكل منها؛ لأنه للأرض خلق]. انظر إلى جواب الحسن البصري، يقول له: انس هذا الأمر. وتذكرون قبل حوالي سبع أو ثمان سنوات عندما قالوا في مجلة العلمانيين المجرمة: إن إبليس ذهب إلى الشيخ علي جاد الحق في مشيخة الأزهر، وقال له: يا مولانا! أنا أريد أن أتوب، وأريد أن أسلم لله، ولا أدري ماذا أعمل؟! أي: أن إبليس ذهب إلى الأزهر من أجل أن يشهر إسلامه! لأن هذا شرط، والآن الأزهر عمل شرطاً جديداً للنصراني الذي يريد أن يسلم، وهو أنه لابد أن يحفظ خمسة أجزاء من القرآن من أجل أن يعطيه الشهادة، يعني: أنتم تكفروه حتى يحفظ خمسة أجزاء؟ فيظل على كفره حتى يحفظ القرآن؟ فأنت إذا قلت اليوم: لابد من خمسة أجزاء، فيمكن أن يأتي غيرك ويقول: عشرة أجزاء، ولو أن نصرانياً طلع من هذا الباب، أو من عند هذا المنبر فيجب علينا أن يدخل في الإسلام أولاً، ثم يذهب فيغتسل، والمسافة قريبة، ويحرم علينا أن نقول له: اغتسل أولاً ثم تعال وانطق بالشهادتين؛ لأنه لو مات في الطريق فمن الذي يتحمل إثمه؟ أيضاً افرض يا أخي! أن ذاكرته ضعيفة، يحفظ كل سنة جزءاً، فهل يظل خمس سنوات كافراً؟ هذا شيء عجيب جداً. فالمجرمة روز اليوسف قالت: إن إبليس ذهب إلى سيدنا جاد الحق وقال له: يا مولانا! أنا أريد أن أشهر إسلامي وأتوب إلى الله، فقال له سيدنا جاد الحق: اذهب حتى نرى حلاً لمشكلتك! انظروا إلى هذا الكلام الفارغ، إنه استهزاء بالدين. والجواب على هذه الشبهة: أنه مستحيل أن يطلب إبليس هذا الطلب، ولو من باب إحراج القرآن والسنة؛ فمستحيل أن يخطر ببال إبليس هذا، أو أن يخطر بباله الدخول في الإسلام؛ لأن الله قد قضى عليه في الأزل الكفر حتى نهاية العالم، فإذا كان الله تعالى قال في حياة أبي لهب: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ﴾ [المسد:١ - ٤]، أي: أم جميل بنت حرب كذلك في نفس المصير، فلو كان أبو لهب يريد أن يحرج النبي، أو أن يظهر أن هذا القرآن كذب، وأن الأمر لا يجري على مراد الله وعلمه السابق الأزلي فقال: مادام أن القرآن يقول ذلك، إذاً فأنا أسلمت، لكن حتى ما قالها نفاقاً، فكيف يقولها إبليس؟! إذاً: هذا الذي يحدث على صفحات هذه المجلة الشيطانية ما هو إلا استهزاء بالإسلام، ولذلك نحن لا نتوقف مطلقاً في تكفير قائل هذه المقالات، والمستهزئ بالدين في أحكام أهل العلم كافر بالإجماع. [قال: فقلت له: أكان له أن يستعصم؟ قال: لا] أي: هل كان ممكن أن يقع منه الاعتصام بالله أم لا؟ قال: مستحيل أن يقع منه ولا يخطر على باله؛ لأن الله كتب ذلك في علمه الأزلي السابق في اللوح المحفوظ فلا يمكن.

стр. 992

تعليق ابن بطة على أحاديث وآثار احتجاج آدم وموسى وتعلقها بالقدر [قال الشيخ ابن بطة] يشرح هذه الأحاديث الطويلة بكلمتين في منتهى الاختصار، وهذا هو وضع السلف أنهم كانوا قليلي الكلام كثيري العمل، أما نحن فعلى العكس تماماً، كلام كثير جداً والعمل صفر. [قال الشيخ: فقد علم الله المعصية من آدم قبل أن يخلقه]، وانتبه إلى قوله: قد علم، فهذا فيه إثبات مرتبة العلم. ونحن قد قلنا: إن مراتب القدر أربع: مرتبة العلم، ومرتبة الكتابة، ومرتبة الإرادة والمشيئة، ومرتبة الخلق. فانتبه إلى هذه المراتب، إن لم تحفظها وتلم بها وبأحكامها وبأدلتها ستضيع في باب القدر. ومرتبة العلم، إي: إثبات العلم الأزلي لله ، وأنه علم كل شيء كان ويكون إلى قيام الساعة، فعلم ذلك من خلقه فكتبه في اللوح المحفوظ، فهو عنده تحت العرش، وفي الحديث: (أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء كان ويكون إلى قيام الساعة، فجرى القلم بما هو كائن إلى قيام الساعة) وهذا قلم القدرة، فهذه هي المرتبة الثانية من مراتب القدر، وهي مرتبة الكتابة، التي كتبت على مقتضى علم الله . إذاً: المرتبة الأولى: العلم الأزلي، ولا نقول كما قالت القدرية: إن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها وبعد حدوثها، بل علمها في الأزل، فلما علمها الله كتبها، ولا أقصد بقولي: (فلما) أنه لم يكن يعلم فعلم، إنما قصد الكلام الدارج. ثم إن الله جعل للعبد مشيئة وإرادة، والله سبحانه مشيئة وإرادة، وما تشاءون إلا أن يشاء الله، فجعل للعبد مشيئة ولله مشيئة: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال:٦٧]، فأثبت للعبد إرادة ولله تعالى إرادة، لكن العبد لا يريد إلا ما أراده الله، ولا يشاء إلا ما يشاؤه الله، بمعنى: أنه لا يقع من العبد عمل أو قول أو فعل أو حركة أو سكون إلا أن يأذن في خلقها وإيجادها الله ، وهذه هي المرتبة الرابعة التي تسمى: مرتبة الخلق والإيجاد، فلا يكون في ملك الله إلا ما أراد وقدر وشاء، لكن الأعمال التي تتم في الكون منها ما هو خير وطاعة موافق للشرع وموافق لمحبة الله ورضاه وأمره، ومنها ما وقع وهو شر ومعصية، والله تعالى هو الذي أذن فيه وفي وقوعه؛ لأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد، فإما أن تكون إرادة شرعية مبناها على المحبة والرضا، فأنا الآن أصلي، فهل يمكن أن أصلي على غير مشيئة الله وإرادته؟ أي: هل للعبد أن يقول: أنا أصلي أربع ركعات شاء الله أم أبى؟ هل يقع منه ذلك؟ لا يقع منه ذلك، ولو أراد الله تعالى أن يميته في مكانه وقبل أن يتم كلامه لفعل . فلا يضمن العبد أن يدخل في عمل أو أن يتكلم بقول أو أن يضمن حياته، ولا أن يضمن أيتم ذلك منه أم يخرص ويصم قبل أن يتم؟ ولذلك الإرادة الشرعية هي الموافقة للشرع، سواء كانت من الله في أوامره التي أمر الله بها العباد، أو من العبد الذي تقرب إلى الله بفعل هذه الطاعات. فنقول: هذا العبد يصلي، فهو قد أراد ما أراده الله شرعاً وقدراً، والقدر هو القدر الكوني أو القدر الشرعي، فالله تعالى أراد أن يقع منه في الكون ما أراد شرعاً، وهو تحقيق الصلاة. ونقول: إن الإرادة الكونية القدرية دون الشرعية تكون من العبد إرادة واكتساباً، وتكون من الرب ﵎ إيجاداً وخلقاً، فالله تعالى هو الذي أذن في وقوع الكفر في الكون، ولو أراد الله تعالى أزلاً ألا يقع في الكون كفر لما وقع، وما استطاع أحد أن يكفر، حتى وإن أراد الناس الكفر لا يكفرون إلا بإرادة الله؛ لأنه لا يكون في ملك الله إلا ما أراد، لكن بعض الناس يخلط بين الإرادة الشرعية التي مبناها على المحبة والرضا الموافقة للشرع، وبين الإرادة الكونية القدرية، فالله تعالى أذن في هذا وأذن في ذاك، أذن في الشرعية لأنه أحبها ورضيها وأمر بها، وأذن في القدرية ومنها الموافق للشرع ومنها المخالف؛ والمخالف أذن فيه الله تعالى ابتلاء للعبد، حتى إذا تاب تاب الله عليه، وإذا لم يتب فهو في مشيئة الله إن كان موحداً، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، وإذا كان كافراً اختار الكفر اختياراً بإرادته، وهذا هو الذي يجاب به عن السؤال هل الإنسان مسير أم مخير؟ فأنت تختار الطريق بإرادتك، ومن قبل قلنا: لو أن إنساناً أمامه هدف، والموصل إلى الهدف طريقان: أحدهما: معبد، والآخر غير معبد، وقلنا له: اسلك أحد الطريقين فوراً، فإنه سيسلك الطريق المعبد الممهد بعيداً عن الشوك والحجارة والطوب وغير ذلك، والذي سيوصله إلى الهدف بسرعة، وهذا هو اختيار العقل، إذاً فلم تختار طريق المعصية في حياتك وأنت تعلم أنها معصية، وأنها تؤدي إلى النار؟ ثم تقول: الله تعالى هو الذي قدر علي ذلك؟ لم لمْ تسلك هذا الطريق الممتلئ بالشوك وتقول: هو الذي قدر علي ذلك؟ إذاً أنت مختار مريد للمعصية، ووقعت منك بإذن من الله تعالى؛ لأنه لا يكون في ملك الله من خير أو شر إلا بإرادته وإذنه وخلقه وإيجاده، فالمعصية في باب الخلق والإيجاد لله ، وفي با

стр. 993

معنى قول المؤلف: (فقد علم الله المعصية من آدم قبل أن يخلقه) قال: [فقد علم الله المعصية من آدم قبل أن يخلقه، ونهاه عن أكل الشجرة، وقد علم أنه سيأكلها]، أي: أن الله علم علماً أزلياً قبل أن يخلق آدم أن آدم سيأكل من الشجرة، وبعد علم الله خلق آدم، وبعد خلقه نهاه أن يأكل من الشجرة، والله تعالى يعلم أزلاً أنه سيأكل منها بغواية الشيطان له. قال: [وخلق إبليس لمعصيته -أي: أن الله خلق إبليس من أجل أن يعصيه- ولمخالفته فيما أمره به من السجود لآدم]، ومعنى ذلك: أن الله تعالى خلق إبليس وهو يعلم أنه إذا أمره بالسجود لآدم فإنه لن يسجد، كما علم أن آدم لن يمتثل الأمر بل سيقع في النهي، قال: [وقد علم أنه لا يسجد، فكان ما علم ولم يكن ما أمر]، أي: فكان من الله ما علم ولم يكن منه ما أمر، فهو أمر بالسجود لآدم ونهى عن الأكل من الشجرة، فخالف إبليس الأمر، وخالف آدم النهي، والله تعالى يعلم هذه المخالفة، ومع هذا أمر، فالذي كان من الله الأمر والنهي، والذي وقع على آدم هو النهي، والذي وقع على إبليس هو الأمر، فخالف إبليس في الأمر وارتكب آدم النهي. وهذا النهي الذي وقع فيه آدم والأمر الذي خالفه إبليس كان في علم الله تعالى الأزلي أنهما لا يمتثلان. قال: [فكان ما علم ولم يكن ما أمر، وكذلك خلق فرعون وهو يعلم أنه يدعي الربوبية ويفسد في البلاد ويهلك العباد، وأرسل إليه موسى يأمره بالتوحيد لله والإقرار له بالعبودية، وهو يعلم أنه لا يقبل]. وهذا في ميزان البشر، فإذا كان هو يعلم أنه لن يقبل فلماذا يبعثه؟ من أجل أن يقيم عليه الحجة، فلا تظن أن الله يظلم عباده أبداً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس:٤٤]، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فالله تعالى أرسل إليك الرسول، وأنزل معه الكتاب، ومنحك العقل الذي هو مناط التكليف، فماذا تريد بعد ذلك؟ الآن -ولله المثل الأعلى- عندما يقول لك أبوك: أنا أأكلك وأشربك وأصرف عليك وأعطيك دروساً خصوصية، لكن لابد أن تكون النتيجة آخر السنة مرضية، فأنت على مدار السنة تكون مرعوباً إن لم تأت بالنتيجة المرضية، وتعمل جاهداً على أن تحقق أعلى نسبة نجاح ترضي الوالد، والله تعالى أحق بالرضى، فهو الذي ربى جميع الخلائق وقام على شئونهم، وهو الذي خلقهم وسواهم وعدلهم، أفلا يستحق بأن يُرضى؟! وغير ذلك فوق الطعام والشراب والمسكن والمأوى مما لا يملكه إلا الله، فقد أرسل إليك الرسل من أجل أن يبين لك طريق الهداية من الغواية، وأنزل معهم الكتب التي فيها هدى ونور أو كلها هدى ونور، ومنحك العقل لتميز بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الجنة والنار، بين الطاعة والمعصية؛ وتعلم ذلك يقيناً من نفسك.

стр. 994

العمل سبب لدخول الجنة إذاً: لو خالفت الأمر أو ارتكبت النهي تستحق دخول النار، والأكثر من ذلك أيها الإخوة! أننا مهما عبدنا الله لا نستحق الجنة، إذ إن دخول الجنة بفضل الله تعالى ورحمته، إلا أنه سبحانه جعل العمل سبباً لدخول الجنة، أما أن العمل يكافئ الجنة ويوازيها ويساويها فلا والله، ولذلك أخرج الحاكم في المستدرك من حديث أنس: (أن رجلاً عبد الله ستمائة عام)، تصور شخصاً قائماً صائماً لله تعالى ستمائة سنة، قال: (فقال الله تعالى لملائكته: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، قال: يا رب! بعملي، قال: زنوا عمل عبدي ونعمي عليه)، انظروا إلى الاختبار والابتلاء، أي: ضعوا عمله في كفة، وضعوا نعمي عليه في كفة أخرى، واعلم أن هذا الكلام ليس له علاقة بالجنة والنار، فالآن نحن سنضع النعم في كفة والعمل في كفة، فإذا غلبت النعم فعملك ليس بنافع، وإذا غلب العمل -ومحال أن يغلب العمل- فلا أقل من أننا نقول لك: شكراً لك، لكن أنعمنا عليك وأنت عملت، ليس لك لا جنة ولا نار، فيكون مثلك مثل الأعراف، أليس كذلك؟ لأنه لن يكون إلا ذلك. قال: (فوضعت الملائكة نعمة واحدة؛ نعمة البصر في كفة، ووضعوا عمل ستمائة سنة في كفة، فطاش العمل -أي: ثقلت به كفة النعمة الواحدة- فقال الله تعالى: أدخلوا عبدي النار)؛ لأن عمله لم ينقذه، وهذه نعمة واحدة: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فكيف إذا كانت نعماً كثيرة؟! قال: (فقال الله: أدخلوا عبدي النار، قال: يا رب! أدخلني الجنة برحمتك)، لماذا لم يكن هذا الكلام أولاً؟

стр. 995

المؤمن بين الخوف والرجاء إذاً: فلا يغتر أحدنا بطاعته، ولا يقنط أحد من معصيته؛ لأنكم تعلمون أن جناحي المؤمن في السير إلى الله: الخوف والرجاء، الخوف الذي يزيده عملاً، والرجاء الذي لا يقنطه من رحمة الله، فهل هناك طائر يمكن أن يطير بجناح واحد؟ لا، بل لو انكسر أحد جناحيه لسقط، وكذلك المؤمن لو فقد الخوف من الله ارتكب المعاصي، ولو فقد الرجاء في الله قنط من رحمة الله وأيس، ولا يقنط من رحمة الله إلا القوم الكافرون، ولذلك العلماء يقولون: من عبد الله بالخوف فقط كفر، ومن عبده بالرجاء فقط كفر، إذ إنه لا يمكن أن يستقيم العبد إلا إذا مشى الاثنان سوياً، فلا يغلب الخوف على الرجاء، ولا الرجاء على الخوف، ولذا قالوا: إذا كان المرء في شبابه فلا بأس أن يزيد عنده الخوف الذي يؤدي إلى مزيد العمل، وعند الموت أو كبر السن فلا بأس أن يغلب الرجاء عليه حتى يلقى الله تعالى وهو حسن الظن به، أما أن يغتر الإنسان بعمله فهذه مصيبة عظيمة، ولذا من الكبائر أن ترى لنفسك عملاً مع نعم الله ، فمهما عبدت الله فليست بشيء ولا تؤهلك لأي شيء، فإياك أن تغتر وتقول: أنا رجل سني وملتحي وألبس جلبية بيضاء قصيرة إلى غير ذلك من التزكية للنفس، فإياك أن تغتر بهذا والله لا ينفعك، ولذلك العلماء يقولون: رب طاعة أدخلت صاحبها النار، ورب معصية أدخلت صاحبها الجنة؛ فالأول لأنه اغتر وتعالى وافتخر بها على الناس، كأن يقول: أنا أصلي الخمس، وأصوم رمضان، وأحج كل سنة وأعتمر كذا وكذا، ويظل يفاخر بأنه يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويتصدق، وأنه حل قضايا فلان ومشاكل فلان وغير ذلك، مع أن الذي وفقه لهذا العمل هو الله تعالى، ولو أن الله تعالى تخلى عنه لحظة ما فعل شيئاً من ذلك. إذاً: مرد العمل كله لله ، ولو أنه سبحانه أوكلك إلى نفسك طرفة عين لهلكت، فأنت في كنف الله ورعايته فلا تغتر، ولا تنسب شيئاً من ذلك لنفسك، فإذا فعلت طاعة فاحمد الله عليها، ولا تحمد نفسك، وإذا فعلت معصية فاستغفر الله منها، ورب معصية أورثت صاحبها ذلاً وانكساراً وتوبة، فكان بسببها أن دخل الجنة. شخص التقى بأناس كثيرين وقال: أنا أبو المعاصي، والله تعالى يسترني ويستركم جميعاً، لكن أحياناً يأتي إنسان ويقول: يا شيخ! أنا قتلت وزنيت وشربت الخمر وأكلت الخنزير، وهو يتقطع ويتمزق ألماً، ثم منهم من يهيم على وجهه بسبب هذه المعصية، وينقطع للعبادة، ولا يرى أنه يعبد الله تعالى ويكافئه بأي شيء من نعمه، فهذا بلا شك معصية أورثت صاحبها خيراً.

стр. 996

نزول المصائب والبلايا بالعبد منحة لا محنة ولذلك أيها الإخوة! كثير من البلايا تنزل بالعبد فيراها محنة، وهي في حقيقتها منحة من الله ، فتكون في هذه البلايا إفاقة ورجوع وإنابة إلى الله . والمصائب كما قال النبي ﵊: (الخير في يديك، والشر ليس إليك)، أي: أن الشر المحض الذي لا مصلحة فيه ليس من أفعال الله ، وإنما الشر الذي يراه الناس شراً وهو فيه خير، فهذا من أفعال الله ، أي: من أفعال الله التي أذن في خلقها وإيجادها، فلو أن إنساناً قتل آخر، فهذا القتل يراه جميع الناس شراً محضاً، لكن لو أن القاتل أقيم عليه الحد على الهواء مباشرة، ورآه العالم، وقيل: فلان هذا قتل فلاناً، وأولياء القتيل يطالبون بالقصاص، وهذا هو القصاص، ويضرب عنقه ويقتل كما قتل، لفكر كل سفاح أو مصاص للدماء أو قاتل مليون مرة في العالم كله قبل أن يقتل أنه ممكن في يوم من الأيام أن يعرض هذا المعرض ويشهده الناس في هذا المشهد، وبالتالي تقل الجريمة أو تنعدم. ولذا لو أردنا أن نعد الحدود التي وقعت في زمن النبوة فلن نستطيع أن نعدها على أصابع اليد الواحدة، فكم امرأة أقيم عليها الحد؟ أو كم شخص أقيم عليه الحد بالزنا؟ قلة قليلة جداً، اثنان أو ثلاثة؛ المرأة الغامدية، وماعز الأسلمي، والمرأة التي وقع عليها العسيف الأجير، وقال النبي ﵊: (يا عبد الله بن أنيس! اذهب إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)، فهؤلاء ثلاثة قتلوا أو رجموا في الزنا، وهذا الأجير العسيف أقيم عليه حد الجلد؛ لأنه لم يكن محصناً، وقد وردت السنة بهذا. أما القتل فقلة قليلة جداً، بل أقل من ذلك، وكذلك شرب الخمر قلة قليلة، مع أن الصحابة ﵃ ما أتى إليهم النبي إلا وهم يرزحون تحت نير الخمر، لكن لما نزلت آيات التحريم الصريحة سالت أودية المدينة بقدور الخمر، لكن قد يقول قائل: أنا أشرب سجائر ولا أستطيع تركها، أشربها وعمري سبع سنوات، وأنا الآن في ثلاث وخمسين سنة، وماذا يعني ذلك؟ ألا توجد عزيمة وإرادة؟! ألا تخاف من الله يا أخي؟! ثم أيها أعظم: الخمر أم السجائر؟ إن الصحابة ﵃ كان شرابهم الخمر، لكن عند أن نزل التحريم استجابوا لله ﵎، وانتهى الكل عن شرب الخمر، مع أن كل واحد منهم كان عنده قدور من الخمر، ومع ذلك أخذها وصبها في سكك المدينة، حتى أصحبت الشوارع كلها مبتلة هنا وهناك؛ لأنهم يعلمون قدر الله ، وعظم الأمر الموجه إليهم من السماء، ويعلمون من الإله الحق الذي يعبدونه؟ إنه صاحب الأمر والنهي، ولو أمر الله تعالى الصحابة أن يخرجوا من آبائهم وأمهاتهم وأزواجهم وأولادهم والله لخرجوا وما توقفوا، بل وقد خرجوا، فهناك حالات خروج، وأنتم تعلمون أن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن اسلول خرج من أبيه، وهو الذي طلب من النبي ﵊ أن يقتل أباه المنافق الذي قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]، فوقف عبد الله لأبيه على مشارف المدينة، وقال: أأنت الذي قلت: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؟ ثم قال له: والله إنك الذليل ورسول الله هو العزيز، ولد يكلم أباه بهذا الخطاب؛ لأنه قد خرج منه وباعه لله : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)، هذا هو الإيمان الحق. [قال الشيخ: فقد علم الله المعصية من آدم قبل أن يخلقه، ونهاه عن أكل الشجرة، وقد علم أنه سيأكلها، وخلق إبليس لمعصيته ولمخالفته فيما أمره به من السجود لآدم وأمره بالسجود، وقد علم أنه لا يسجد، فكان ما علم ولم يكن ما أمر، وكذلك خلق فرعون وهو يعلم أنه يدعي الربوبية ويفسد في البلاد ويهلك العباد، وأرسل إليه موسى يأمره بالتوحيد لله والإقرار له بالعبودية، وهو يعلم أنه لا يقبل، فحال علمه فيه دون أمره]. أي: فنفذ في فرعون علم الله ولم ينفذ فيه أمره. قال: [وعن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠] قال: علم من إبليس المعصية، وخلقه لها، وعلم من آدم الطاعة وخلقه لها]، أي: الطاعة بعد التوبة.

стр. 997

كلام الإمام النووي في المراد بالتقدير في قوله ﵇: (أتلومني على أمر قدره الله علي) لما ذكر الإمام النووي عليه رحمة الله هذه الأحاديث التي ذكرناها قال: المراد بالتقدير في قوله ﵊: (أتلومني على أمر قدره الله علي)، لا يفهم منه أنه مجبور على ذلك، إذ إن الجبرية من الفرق الضالة الهالكة. وإنما معنى التقدير في قوله: (أتلومني على أمر قدره الله علي) أي: كتبه الله علي، إذاً: التقدير هنا بمعنى: الكتابة، بدليل أنه قال: أأنا أقدم أم الذكر؟ قال: الذكر، إذاً أنت قرأت في الذكر أنني سأفعل هذا قبل أن أخلق بأربعين عاماً. قال: وفي صحف التوراة وألواحها، أي: كتبه علي قبل خلقي بأربعين سنة، وقد صرح بهذا في الرواية التي بعد هذه، فقال: (بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين سنة)، أي: أنه في التوراة التي نزلت على موسى أن آدم ﵇ سيرتكب ما ارتكب قبل ذلك بأربعين سنة. قال: (قال: أتلومني على أن عملت عملاً كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟)، فهذه الرواية مصرحة ببيان المراد بالتقدير، وأنه الكتابة. والكتابة مرتبة من مراتب القدر، وهي متعلقة بالمرتبة الأولى من جهة علم الله، أي: أن الله تعالى علم أزلاً ما يكون من العباد من خير وشر وصالح وطالح، فلما كان ذلك كتبه في اللوح المحفوظ. ولا يجوز أن يراد به حقيقة القدر، فإن علم الله تعالى وما قدره على عباده وأراد من خلقه أزلي لا أول له؛ لأنه لا يصح أن نقول: إن علم الله تعالى متعلق بخلقه قبل أن يخلقهم بأربعين سنة؛ لأن هذا القول يستلزم أن الله كان جاهلاً فعلم، وهذا كفر. ولم يزل سبحانه مريداً لما أراده من خلقه من طاعة ومعصية وخير وشر. قال: (فحج آدم موسى)، أي: غلبه بالحجة وظهر عليه بها، ومعنى كلام آدم: أنك يا موسى! تعلم أن هذا قد كتب وقدر علي قبل أن أخلق، فلابد من وقوعه، ولو حرصت أنا والخلائق أجمعون على رد مثقال ذرة منه لم نقدر، فلم تلومني على ذلك؟ ولأن اللوم على الذنب شرعي لا عقلي، وإذا تاب الله تعالى على آدم وغفر له زال عنه اللوم، فمن لامه كان محجوجاً بالشرع لا بالعقل. فإن قيل: فالعاصي منا لو قال: هذه المعصية قدرها الله علي، لم يسقط عنه اللوم والعقوبة بذلك، كأن تجد شخصاً يشرب الخمر فتقول له: يا فلان! لماذا تعمل ذلك؟ فيقول: هذا مقدر علي! فيحتج بالقدر على المعصية، والمتفق عليه بين أهل السنة والجماعة أن القدر يحتج به في باب المصائب لا في باب المعائب، كأن يمرض شخص فيقول له آخر: لماذا يا أخي! مرضت؟ فيقول له: هذا قدر، واحتج له بالقدر؛ لأن هذا المرض لا يملكه وليس سبباً فيه.

стр. 998

شرح كتاب الإبانة - السعيد والشقي من سعد أو شقي في بطن أمه كتب الله السعادة أو الشقاء لعبده وهو في بطن أمه، وقدر له رزقه وأجله وخَلقه وخُلقه كذلك وهو في بطن أمه، فيجب الإيمان بذلك، ومن رد ذلك فهو من الفرق الهالكة، والكتاب والسنة وأقوال الصحابة ومن تبعهم بإحسان أوضح من الشمس في رابعة النهار في ذلك.

стр. 999

باب الإيمان بأن السعيد والشقي من سعد أو شقي في بطن أمه، ومن رد ذلك فهو من الفرق الهالكة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [الباب الثاني: باب الإيمان بأن السعيد والشقي من سعد أو شقي في بطن أمه]، أي: من كان مكتوباً له السعادة والشقاء وهو في بطن أمه [ومن رد ذلك فهو من الفرق الهالكة].

стр. 1000

رواية عبد الله بن مسعود أن السعيد والشقي من سعد أو شقي في بطن أمه اعتمد الإمام في صحة هذا التبويب على حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين قال: [(حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك بأربع كلمات: رزقه، وعمله، وأجله، وشقي أو سعيد، قال النبي ﵊: فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب -أي: في اللوح المحفوظ- فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له في الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)]. وفي رواية: [(إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة) -ففي الرواية الأولى: (أربعين يوماً)، وفي الرواية الثانية: (أربعين ليلة) - (ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً؛ فيؤمر بأربع كلمات فيقول: اكتب عمله، وأجله ورزقه وشقياً أو سعيداً، فإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع -يعني: في آخر أيام حياته-، فيغلب عليه الكتاب الذي سبق، فيختم له بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيغلب عليه الكتاب الذي سبق، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة). ومن طريق أبي داود صاحب السنن قال: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا حسين بن محمد عن فطر بن خليفة عن سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق. قال أبو داود: قلت لـ أحمد: حديث: (يجمع المرء في بطن أمه)؟ قال: نعم]. كأن الإمام أحمد قال في طريقه: قال ابن مسعود: حدثنا الصادق المصدوق وسكت، فسأله أبو داود: أتقصد حديث: يجمع المرء في بطن أمه أربعين يوماً نطفة؟ قال: نعم. قال: [قال أحمد: قص حسين -أي: حسين بن محمد - نحو حديث الأعمش]. وبعض الناس يتصور أن حديث ابن مسعود ليس له إلا طريق واحدة، وهي طريق سليمان بن مهران الأعمش الكوفي، وفي الحقيقة أنه قد تابعه كثرة من الرواة. [وفي رواية: (إن خلق ابن آدم يجمع في بطن أمه لأربعين، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً فيكتب أربعاً: أجله وعمله ورزقه وشقياً أو سعيداً، قال عبد الله -أي: ابن مسعود -: فوالذي نفس محمد بيده! إن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبين النار إلا ذراع، فيسبق عليه عمل أهل السعادة فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه عمل أهل الشقوة فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها). وعن أبي داود السجستاني قال: حدثنا محمد بن يزيد الأعور -وهو الإمام الزاهد- قال: (رأيت النبي ﷺ في المنام جالساً مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄، فقلت: يا رسول الله! حديث عبد الله بن مسعود الصادق المصدوق، وأريد حديث القدر؟ قال النبي ﵊: أنا -والله الذي لا إله إلا هو- حدثته به)]. وهذه رؤيا منامية. [قال: (فأعادها ثلاثاً -أي: أعاد الأعور نفس السؤال ثلاث مرات على النبي ﵊ وهو يقول: أنا -والله الذي لا إله إلا هو- حدثته به). قال: [(غفر الله للأعمش كما حدث به، وغفر الله لمن حدث به قبل الأعمش، وغفر الله لمن حدث به بعد الأعمش)]. وهذه رؤيا منامية، ولا شك أننا لا نتكل عليها؛ لأن الرؤى مبشرات فقط، ولا يعتمد عليها في إثبات حكم أو رد حكم، فضلاً عن مسائل الاعتقاد.

стр. 1001

رواية حذيفة بن أسيد أن السعيد والشقي من سعد أو شقي في بطن أمه قال: [وعن حذيفة بن أسيد الغفاري -بعض الناس يقول: أُسَيد وهو أَسِيد مكبر- قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا استقرت النطفة في الرحم بعث الله إليها ملكاً موكلاً بالأرحام، فيقول: يا رب! ما أكتب؟! أذكر أو أنثى؟ قال: فيقضي الرب ويكتب الملك، ثم يقول: رب! أشقي أم سعيد؟ قال: فيقضي الرب ويكتب الملك، ثم يكتب مصائبه ورزقه وأجله، ثم قال رسول الله ﷺ : هؤلاء خمس يكن في الرحم -يعني: يكتبن على ابن آدم وهو في رحم أمه- لا يزاد فيهن ولا ينقص منهن). وعن أبي الزبير أن عامر بن واثلة أبا الطفيل حدثه أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره -يعني: اعتبر بما نزل على غيره-. قال: فأتى رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له: حذيفة بن أسيد الغفاري فحدثته بذلك من قول ابن مسعود، فقلت: كيف شقي بغير عمل؟! -شقي وسعيد وهو لا يزال في بطن أمه! فكيف يكتب عليه الشقاء بغير عمل؟ - قال: فقال: تعجب من ذلك؟ إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها)]. وكل ذلك بعد اثنين وأربعين، وهذا يؤيد من ذهب إلى أن نفخ الروح عند الأربعين، وبعضهم قال: نفخ الروح يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وهذه المسألة فيها نزاع عظيم جداً، والطب الحديث -وإن كنا لا نعتمد عليه- لما كان هذا ميدانه معظم التقارير الطبية في هذا الزمان تثبت أن نفخ الروح يكون بعد الأربعين، ويصورون الأجنة عن طريق تلك المكينات الحديثة وهو يتحرك بعد الأربعين؛ مما يقوي هذا الرأي. وقد سمعت الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله وقد سألته امرأة حملت -وتعدى حملها أربعين يوماً- فقالت: أنا حامل وعندي عذر في إسقاط الجنين بالإجهاض، فهل يحل ذلك لي؟ قال: إذا كان حملك قبل الأربعين ودعتك الضرورة للإجهاض؛ فبها ونعمت، وإذا كان ذلك بعد الأربعين فلا يحل لك مع قيام العذر حتى وإن تسبب الحمل في موتك. فهذه المسألة محل نزاع، ولا نستطيع أن نقضي بأرجحية أحد الرأيين على الآخر: هل نفخ الروح بعد المائة والعشرين يوماً، أو بعد الأربعين، ولا شك أن الاحتياط لدين المرء اعتباره أن نفخ الروح يكون بعد الأربعين، هذا هو الاحتياط؛ لأنه سيترتب عليه أحكام شرعية لا يمكن الاحتياط لها إلا باعتبار هذا الرأي، وعدم رد الرأي الثاني. قال: [إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها، فقال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي الرب ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! أجله؟ فيقضي ربك ما شاء، ثم يقول: يا رب! رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على أمره ولا ينقص). وعن سفيان عن عمرو بن دينار أنه سمع أبا الطفيل - عامر بن واثلة الأسقع - يخبر عن حذيفة بن أسيد الغفاري: أن رسول الله ﷺ قال: (يدخل الملك على النطفة بعد ما استقرت في الرحم أربعين أو خمساً وأربعين -أي: أربعين يوماً أو خمسة وأربعين يوماً- فيقول: يا رب! أذكر أو أنثى؟ فيقول الله ؛ فيكتب، ثم يقول: يا رب! أشقي أو سعيد؟ فيقول الله؛ فيكتب، ثم يكتب مصيبته -أي: المصائب والبلايا التي تنزل بالعبد- وأثره ورزقه وعمله، ثم تطوى الصحف؛ فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص). قال حذيفة بن أسيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مضت على النطفة خمس وأربعون ليلة يقضي الله ويكتب الملك)]. جاء اثنان وأربعون، وثلاثة وأربعون، وخمسة وأربعون، ونيف وأربعون، فكل هذه اختلافات تحتمل، والأمر فيها سهل؛ ولذلك أتت رواية بضع وأربعين.

стр. 1002

رواية جابر بن عبد الله أن السعيد والشقي من سعد أو شقي في بطن أمه قال: [وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: (إذا وقعت النطفة في الرحم؛ مكثت فيها أربعين يوماً أو أربعين ليلة، فإذا أذن الله بخلقها -يعني: قدر لها الخلق أن تكون ولداً: بنتاً أو غلاماً- قال الملك: رب! أجله؟ قال: كذا وكذا، قال: رب! رزقه؟ قال: كذا وكذا، قال: رب! شقي أو سعيد؟ قال: كذا وكذا)]. يعني: إما أن يكتب الملك: شقي أو سعيد.

стр. 1003

رواية أنس بن مالك أن السعيد والشقي من سعد أو شقي في بطن أمه قال: [وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله وكَّل بالرحم ملكاً، فيقول: يا رب! نطفة، يا رب! علقة، يا رب! مضغة، فإذا أراد الله خلقه قال: أي رب! ذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب ذلك كله في بطن أمه)]. أي: فيكتب ذلك كله ولا يزال في بطن أمه.

стр. 1004

رواية عبد الله بن عمرو أن الله خلق خلقه في ظلمة قال: [وعن عبد الله بن الديلمي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل؛ فلذلك أقول: جف القلم على علم الله . وذلك لأن هذا موجود في الظلمة لا يعلمه أحد، وإنما يعلمه الله . [وعن عبد الله بن الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو في حائط له بالطائف يقال له: الوهط، فقلت: خصال بلغتنا عنك أردت مساءلتك عنها، وفي رواية: فقلت: خصال بلغتنا عنك تحدث بها عن رسول الله ﷺ -أي: أريد أن أستوثق منك فيها- أنه قال: (الشقي من شقي في بطن أمه؟! فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله خلق خلقه في الظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره؛ فمن أصابه من النور يومئذ شيء فقد اهتدى، ومن أخطأه ضل؛ فلذلك أقول: جف القلم على علم الله . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي ﷺ : (إذا أراد الله أن يخلق النسمة قال ملك الأرحام معرضاً -أي: متوجهاً للسؤال إلى الله، يقال: اعترض فلان فلاناً، أي: اعترضه بالسؤال، وقام إليه بالاستفسار، فاعتراض الملك إنما هو في السؤال- يا رب! أذكر أم أنثى؟! فيقضي الله إليه أمره، ثم يقول: يا رب! أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله إليه أمره، ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها)]، يعني: حتى المصيبة والبلاء الصغير يكتبه الملك.

стр. 1005

رواية أبو هريرة أن السعيد والشقي من سعد أو شقي في بطن أمه قال: [وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه)]. أي: السعيد من كتبت له السعادة ولا يزال في بطن أمه، والشقي من كتبت عليه الشقوة وهو لا يزال في بطن أمه بغير عمل؛ لأن الله تعالى علم قبل أن يخلق هذا العبد أنه سيختار طريق الشقاوة؛ فكتبه شقياً، وعلم الله تعالى قبل خلق هذا العبد أنه سيختار طريق السعادة ويهتدي فكتبه سعيداً، وهذا راجع إلى علم الله الأزلي، وأنتم تعلمون أنه لا يصح للعبد أن يقول: لم كتبني شقياً؟ لأنه على المقابل إذا جوزنا للشقي أن يسأل؛ فلابد أن نجوز للسعيد أن يسأل، فلما لم يكن هذا من السعيد فكذلك يمتنع أن يكون من الشقي. وقد أفرغ الله تعالى حجة الشقي في اعتماده واتكاله على القدر، وأن شقاوته بقدر؛ بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، والتمييز المتعلق بالتكليف، فلما كان هذا كله بين يدي العبد فلا يحل له بعد ذلك أن يعترض على الله .

стр. 1006

رواية ابن مسعود أن الله كتب السعادة ليحيى بن زكريا والشقاء لفرعون قال: [وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خلق الله يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمناً، وخلق فرعون في بطن أمه كافراً)]. يعني: كلاهما مكتوب عنه: هذا من أهل السعادة، وذاك من أهل الشقاوة، علم الله ذلك من فرعون، ومن يحيى بن زكريا، أي: علم الله تعالى أن من عباده يحيى بن زكريا، وأنه سيكون مؤمناً؛ فكتبه مؤمناً، وعلم الله تعالى أن من عباده فرعون، وأنه سيختار طريق الشقاء؛ فكتبه شقياً كافراً قبل أن يخلقه، فلما علم الله ذلك كتبه وقدره على يحيى وعلى فرعون.

стр. 1007

قول عبد الله بن عمرو في أن الله يكتب على الإنسان وهو في بطن أمه أنه شقي أو سعيد قال: [وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين يوماً جاءها ملك فاختلجها، ثم عرج بها إلى الرحمن ، فقال: اخلق يا أحسن الخالقين! فيقضي الله فيها ما شاء من أمره، ثم تدفع إلى الملك، فيسأل الملك عند ذلك: أسقط أم تم؟ -يعني: هل هذا سيكتب له التمام ويولد أم أنه سينزل سقطاً؟ -فيبين له، ثم يقول: يا رب! أواحد أم توأم؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب! أناقص الأجل أم تام الأجل؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب! أشقي أم سعيد؟ فيبين له، ثم يقول: يا رب! اقطع برزقه مع خلقه، فيهبط بهما جميعاً. فوالذي نفسي بيده! ما ينال من الدنيا إلا ما قسم له، فإذا أكل رزقه قبض]. يعني: إذا أكل كل ما كتبه الله تعالى له من رزق؛ قبضه الله إليه. وهذا الأثر وغيره مما يدور في فلكه لا أدري ما صحتها.

стр. 1008

أقوال عبد الله بن مسعود في أن الشقي من شقي في بطن أمه وكذلك ثبت [عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن الشقي من شقي في بطن أمه، وإن السعيد من وعظ بغيره. وعنه قال: إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، فاتبعوا ولا تبتدعوا -أي: فاتبعوا الكتاب والسنة، ولا تبتدعوا في دينكم- فإن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. وقال أيضاً: يا أيها الناس! إنكم لمجموعون في صعيد -أي: في ناحية واحدة- يسمعكم الداعي، وينفذكم البصر، ألا إن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. وعن عبد الله بن ربيعة قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود فذكر القوم رجلاً، فذكروا من خلقه، فقال عبد الله: أرأيتم لو قطعتم رأسه أكنتم تستطيعون أن تعيدوه؟! قالوا: لا، قال: فيده؟ قالوا: لا، قال: فرجله؟ قالوا: لا، قال: فإنكم لا تستطيعون أن تغيروا خُلُقَه حتى تغيروا خَلْقَه، إن النطفة لتستقر في الرحم أربعين ليلة، ثم تنحدر دماً، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم يبعث الله إليه ملكاً؛ فيكتب رزقه وخَلْقه وخُلُقه وشقياً أو سعيداً. وقال عبد الله: عجب للنساء اللاتي يعلقن التمائم تخوف السقط]. فـ عبد الله بن مسعود يتعجب من المرأة التي تضع التمائم الشركية على صدرها؛ حتى يتم لجنينها الخلق وينزل ولادة لا سقطاً حسب زعمها. قال: [والذي لا إله غيره لو بطحت -يعني: لو أن أحداً أخذها وبطحها في الأرض وهي حامل- ثم وطئت عرضاً وطولاً ما أسقطت؛ حتى يكون الله هو الذي يقدر ذلك لها. ثم قال: إن النطفة إذا وقعت في الرحم التي يكون منها الولد طارت تحت كل شعرة وظفر، فتمكث أربعين ليلة، ثم تنحدر فتكون مثل ذلك دماً، ثم تكون مثل ذلك علقة، ثم تكون مثل ذلك مضغة].

стр. 1009

ما رواه أبو بكر بن عبد الرحمن عن رسول الله أنه يكتب الشقاء أو السعادة للجنين وهو في بطن أمه [وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أراد الله أن يخلق النسمة أتاها ملك الأرحام معرضاً فقال: أي رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله أمره، ثم يقول: أي رب! أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله أمره، ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق؛ حتى النكبة ينكبها)]. [وقال عبد الله بن عمر: مكتوب بين عيني كل إنسان ما هو لاق حتى النكبة ينكبها].

стр. 1010

سبب نزول قول الله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ فخاصموه في القدر -يعني: جادلوه في القدر-، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩])].

стр. 1011

حجة القائلين بأن الروح تنفخ بعد الأربعين يوماً ساق الإمام مسلم عليه رحمة الله جملة عظيمة جداً من أحاديث هذا الباب، وأظن أن معظم ما في مسلم قد أورده ابن بطة في هذا الكتاب. وهناك روايات عند الإمام مسلم مختلفة في السياق والتمام والنقصان عما في هذا الكتاب، وأعظم نكتة في الحديث يعتمد عليها من قال بأن الروح تنفخ بعد الأربعين قوله: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك)، فتوقفوا عند قوله: (ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك)، فيقولون: تنفخ الروح قبل هذه الأطوار، ويقولون: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ويعتمدون على هذا النص الزائد: (ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك)، يعتمدون على الاختلاف في هذه الرواية في إثبات أن الروح تنفخ بعد الأربعين، والإمام النووي عليه رحمة الله يرد ذلك. قال: (ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة) إلى آخر الحديث. فلما اختلفت الروايات بين الثلاثة أشهر أو هذه الأطوار، ورواية الأربعين يوماً أو نيف وأربعين؛ قال العلماء: طريق الجمع بين هذه الروايات: أن للملك ملازمة ومراعاة لحال النطفة، وأنه يقول: يا رب! هذه علقة هذه مضغة في أوقاتها، ولا يعني ذلك: أن الروح تنفخ بعد مائة وعشرين يوماً، وهذا ظاهر النص، فالملك فقط يقول ذلك من باب الإخبار، والله تعالى أعلم بحال خلقه، فإذا كان نطفة قال الملك: يا رب! هذه نطفة، لا من باب أنه يخبر الله تعالى، وإنما هو يخبر عن حالها: هذه نطفة هذه علقة هذه مضغة، فهذا لمجرد الخبر، فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى؛ وهو أعلم سبحانه.

стр. 1012

حجة القائلين بأن الروح تنفخ بعد المائة والعشرين يوماً ولكلام الملك وتصرفه أوقات: أحدها: حين يخلقها الله تعالى نطفة، ثم ينقلها علقة، وهو أول علم الملك بأنه ولد؛ لأنه ليس كل نطفة تصير ولداً، فمنها ما يكون سقطاً، وذلك عقب الأربعين الأولى، وحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته، ثم للملك فيه تصرف آخر، وفي وقت آخر، وهو تصويره وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظمه، وكونه ذكراً أم أنثى، وذلك إنما يكون في الأربعين الثالثة، وهي مدة المضغة، وقبل انقضاء هذه الأربعين، وقبل نفخ الروح فيه؛ لأن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام صورته، هذا ما ترجح لدى الإمام النووي، وأن الروح لا تنفخ إلا بعد أربعة أشهر، أو يقل قليلاً أو يزيد قليلاً، ويعتمد في ذلك على قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤]، ثم يكون للملك فيه تصوير آخر، وهو وقت نفخ الروح عقب الأربعين الثالثة، حين يكمل له أربعة أشهر. ثم يزعم الإمام النووي اتفاق أهل العلم على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر، وفي الحقيقة نقل اتفاق أهل العلم على ذلك ليس سديداً، فهناك من العلماء من خالف ذلك. ووقع في رواية البخاري: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين، ثم يكون علقة مثله، ثم يكون مضغة مثله، ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه)، فاعتمد على قوله: (ثم ثم ثم) التي تفيد الترتيب والتراخي.

стр. 1013

سبيل معرفة باب القدر التوقيف على ما ورد في الشرع يقول النووي: وفي هذه الأحاديث كلها دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنة في إثبات القدر -أي: وعدم رده وإنكاره- وأن جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره: خيرها وشرها، ونفعها وضرها، وقد سبق في أول كتاب الإيمان قطعة صالحة من هذا، في قول الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فهو ملك لله تعالى يفعل ما يشاء. يعني: هذا الخلق جميعاً والكون جميعاً ملك لله يفعل فيه ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل؛ لأنه هو المالك الحقيقي لهذا الكون. قال: ولا اعتراض على المالك في ملكه؛ ولأن الله تعالى لا علة لأفعاله. هكذا قال الإمام النووي، فإذا كان يقصد من ذلك: أن أفعال الله تعالى لا تعتمد على الحكمة؛ فهذا بعيد جداً، وإذا كان يقصد أنه لا يجوز لأحد أن يسأل عن علة القدر، وأن القدر كله معلوم لله تعالى، وقد قدره قبل أن يخلق الخلق، ولكنه أخفى العلة عن الخلق؛ فهذا المعنى صحيح. قال الإمام أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب -أي: باب القدر- التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس، ومجرد العقول. فاحفظ هذا؛ لأنه أقوى كلام في القدر، وهو مذهب سلف الأمة. قال: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة. يعني: لا تتعدى قال الله وقال رسوله، وقد قال رسوله ﵊: (ثم يرسل الملك فيؤمر بكتب أربع: رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)، آمنَّا بأن الشقاوة والسعادة في بطن الأم؛ وذلك لأننا اعتمدنا على النص، والنص توقيف؛ فلا يجوز لنا بعد ذلك أن نقحم عقولنا في هذا الباب؛ لأن القدر سر من أسرار الله . قال: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس، ومجرد العقول، فمن عدل عن التوقيف فيه -أي: من انحرف عن الكتاب والسنة- فقد ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار الله تعالى التي ضربت من دونها الأستار -يعني: ستر الله تعالى عنَّا سره في القدر- واختص الله به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم؛ لما علمه من الحكمة. إذاً: كل أفعال العباد إنما صدرت لحكمة علمها الله . قال: وواجبنا أن نقف حيث حد لنا. أي: حيث جعل الله لنا حداً نقف عنده، ولا نخوض بعد ذلك لا بالقياس ولا بالعقل خاصة في باب القدر، فيجب الإيمان والتسليم بغير سؤال عن الحكمة. قال: ولا نتجاوزه، وقد طوى الله تعالى علم القدر على العالم -أي: عالم الإنس والجن- فلم يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب. أي: لا الأنبياء ولا الملائكة يعلمون سر الله في القدر؛ لأن هذا مما اختص الله تعالى به نفسه. قال: وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها، والله أعلم.

стр. 1014

العمل مطلوب، ولا يجوز الاتكال على القدر وفي هذه الأحاديث النهي عن ترك العمل والاتكال، كما في الحديث: (يا رسول الله! ندع العمل ونعتمد على القدر المكتوب؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له). قال: ففيها النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر، بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها، وكل ميسر لما خلق له -فأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة- لا يقدر على غيره، ومن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة يسره الله لعملهم، كما قال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٧]، وكما قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:١٠]، وكما صرحت بذلك الأحاديث. وفي روايات: (جفت الأقلام، وطويت الصحف)، ومعنى (جفت الأقلام) أي: مضت المقادير، وذهبت وانتهى أمرها. قال: وسبق علم الله تعالى به، وتمت كتابته في اللوح المحفوظ، وجف القلم -أي: قلم القدرة- الذي كتب به، وامتنعت فيه الزيادة والنقصان. يعني: هذا المكتوب يمتنع فيه الزيادة والنقصان. قال: قال العلماء: وكتاب الله تعالى، ولوحه، وقلمه، والصحف المذكورة في الأحاديث؛ كل ذلك مما يجب الإيمان به. وأما كيفية ذلك وصفته فعلمها إلى الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥].

стр. 1015

الأسئلة

стр. 1016

حكم من صلى الوتر بعد العشاء وأراد قيام الليل السؤال شخص خاف ألا يستيقظ ليصلي الوتر، فصلى الوتر ثم نام، ثم استيقظ، فهل يجوز له أن يصلي بعد الوتر صلاة قيام الليل؟ الجواب هذه المسألة محل نزاع بين أهل العلم، والنبي ﷺ يقول: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)، ولم يثبت عنه ﵊ أنه كان يصلي بعد الوتر شيئاً إلا أنه كان يصلي ركعتين وهو جالس ﷺ ، فالسنة فيهما الجلوس حتى في القادر على القيام، ومن شاء المزيد فليرجع إلى فقه السنة، أو صفة صلاة النبي ﵊ في باب قيام الليل. وبعض أهل العلم أجاز الصلاة بعد الوتر، وأنه لا يوتر في آخر صلاته، وإنما يكتفي بالوتر الذي أوتر به في أول الليل؛ لأنه لابد أن يتم في الليلة وتر واحد، فمن صلى ركعة أو ثلاث ركعات في أول الليل ثم نام واستيقظ فأتى بركعتين؛ فيكون مجموع الصلاة ثلاث ركعات، أو أتى بأربع فيكون مجموع الصلاة خمساً، أو أتى بست فيكون مجموع الصلاة سبعاً، وهكذا حتى يكون في آخر الليل قد صلى وتراً، بمعنى: أنه صلى سبعاً أو تسعاً أو إحدى عشرة، أو زاد على ذلك، المهم ألا يتجاوز العدد الفردي. قالوا: وهذا هو المقصود من قوله ﵊: (لا وتران في ليلة)، وهذا قد أوتر، وصلاته كلها وتر، بمعنى: أنها عدد فردي، هكذا فهموا الحديث على أن الصلاة لا تتجاوز الوتر، بمعنى: ألا تكون شفعاً: عشراً أو اثنتي عشرة أو أربع عشرة بل تكون وتراً: ثلاثاً، خمساً، سبعاً، تسعاً، إحدى عشرة، ثلاث عشرة، خمس عشرة وهكذا، فهذه الصلاة يطلق عليها الوتر. لكن جمهور أهل العلم على أن قوله: (واجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً). أي: ركعة واحدة، أو ثلاث ركعات مجموعات، ويفسره قوله الصريح ﵊: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الفجر فأوتر بواحدة)، وهذا هو الرأي الذي يترجح لدي.

стр. 1017

حكم من قال لزوجته: إذا فعلت كذا كان هذا فاصلاً بيني وبينك السؤال قلت لزوجتي: إذا أخذت هذه الحقنة فإن هذا سوف يكون فاصلاً بيني وبينك، وكنت أقصد الطلاق، فهل إذا أخذت زوجتي هذه الحقنة تكون طالقاً؟ الجواب الحقيقة أن الأخ دخل في باب لا يحسنه، وقوله هذا يحتاج إلى النية، فهو يقول لامرأته: لو أخذت الحقنة فإن هذا سيكون فاصلاً بيني وبينك، فهل كلمة (فاصل) من ألفاظ الطلاق الصريحة؟ لا، ألفاظ الطلاق الصريحة مثل: أنت طالق. فقوله: (هذا فاصل بيني وبينك) أرجح الأقوال فيه: أنه طلاق ضمني يحتاج إلى نية الحالف، كأن يقول الرجل لامرأته: اخرجي من بيتي، فقوله هذا إعلام وإخبار بأن هذا البيت بيته هو وليس بيتها، فربما يقصد هذا، وربما يقصد الطلاق، فلا يعرف المعنى إلا بالنية؛ ولذلك يسأل الذي قال هذا الكلام عن نيته فيه. ورد في السنة أن ابنة الجون قالت لها عائشة وحفصة: (إذا دخل عليك النبي ﵊ فقولي: أعوذ بالله منك؛ فإنه يحب ذلك، فلما دخل عليها النبي ﵊ قالت: أعوذ بالله منك، قال: لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك)، وكان هذا منه طلاقاً ﵊. فكلمة: (الحقي بأهلك) على مقصود القائل، فالنبي ﷺ أراد طلاقها فطلقت، لكنه إذا قصد شيئاً آخر فلا يعد طلاقاً، فالألفاظ الضمنية تحتمل وقوع الطلاق وتحتمل وقوع غير الطلاق، فإذا كان اللفظ يدور بين احتمالين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة فلا بد أن يحدد الغرض والقصد من هذا اللفظ، ولا يكون ذلك إلا عن طريق المتكلم، فيسأل هذا الرجل: إن كنت تقصد بهذه الكلمة الطلاق -حيث قال: إنه يقصد الطلاق- فإنه إذا أخذت زوجتك هذه الحقنة تكون طالقاً؛ لأنك قصدت الطلاق، فالطلاق المعلق على شرط يقع بوقوع الشرط، وهذا الطلاق لا كفارة له، وهو الشيء الوحيد الذي لا كفارة له، فلو فعل الرجل بامرأته أي شيء من ضرب أو شتم أو غير ذلك كل ذلك له علاج، إلا لفظة الطلاق، لو أراد المطلق أن يكفر عن ذنبه لا يمكن، ولو قدم مائة ألف شاة، فالطلاق قائم ومعلق على شرط، وأما إذا قال: إنه لم يقصد الطلاق فنقول له: لا يجوز التلاعب بألفاظ الشرع.

стр. 1018

كيفية صلاة من كان يعمل مندوباً ويسافر باستمرار السؤال أعمل مندوباً، وأسافر باستمرار، ويؤذن المؤذن أثناء السير في الطريق، فهل ننزل ونصلي مع الجماعة أم ننتظر أنا والسائق ونُصلي قصراً؟ وهل في صلاة المغرب والصبح صلاة سنة وأنا على سفر؟ وهل يجوز أن أجمع الظهر مع العصر حتى وإن أذن علينا هنا في القاهرة في وطننا الأصلي؟ الجواب النبي ﷺ كان إذا أذن لصلاة الظهر قبل السفر صلى الظهر وأخر العصر إلى أن يؤذن، فينزل في منزله ويصلي العصر، لكنه كان يصلي الظهر في وقته صلاة تامة في بلد الإقامة، وكان يؤخر العصر ويصليه قصراً في طريق السفر، أو في البلد الذي وصل إليه. وإذا أردت أن تؤخر الظهر إلى العصر فإنما يكون ذلك في حال السفر قبل أذان الظهر، فإذا انطلقت في السفر قبل أذان الظهر وأذن المؤذن للظهر فلك أن تؤخره حتى تجمعه مع العصر. وأما السنة في السفر عموماً لا تصلى إلا سنة الفجر والوتر وقيام الليل، ومن صلاها فلا إثم عليه ولا حرج. وإذا كان لا يمكنه صلاة العصر في وقتها بسبب طول السفر فلا بأس أن يجمع في الحضر ويصلي أربعاً، يصلي الظهر أربعاً والعصر أربعاً، ونعتمد لذلك على حديث ابن عباس، وشيخنا الشيخ محمد عبد المقصود يذهب إلى أن الجمع في حديث ابن عباس جمع صوري، ولكن مذهب كثير من أهل العلم أنه جمع حقيقي، أنه ﵊ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر، وسئل ابن عباس عن ذلك فقال: حتى لا يحرج أمته، يعني: حتى يرفع عنها الحرج.

стр. 1019

الحكمة من تكليف الله للملائكة بمراقبة أعمال العباد السؤال إذا قدر أن العبد سعيد أو شقي حتى النكبة كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄، فلم كلف الله الملائكة بمراقبة أعمال العبد بعد ولادته؟ الجواب حتى تقام عليه الحجة من صحيفته، فهو يأخذ صحيفته بيده يوم القيامة مكتوباً فيها أعماله جميعاً وأقواله، فيقرؤها ولا يستطيع أن ينكر شيئاً منها، فإن هم بالإنكار؛ ختم على فيه ونطقت جوارحه. وقد قلنا سابقاً: إن الأصل ألا يسأل أحد في القدر.

стр. 1020

الحكم المترتب على من حلف أيماناً متعددة على شيء واحد السؤال شخص حلف يمينين متتاليين على شيء واحد في وقت واحد، فهل يكفر عن يمين واحدة أم عن ثنتين؟ الجواب الواجب عليه أن يكفر عن كل يمين حلفها، فلو حلف على شيء واحد عشرة أيمان يكفر عن عشرة أيمان إذا حنث، وهذا الذي استظهره ابن قدامة في المغني.
следующие страницы →