← Акыда

Акыда · id 37437

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - مقدمة الكتاب [١] يعتبر كتاب الإمام اللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من أهم الكتب المصنفة في العقيدة؛ لما حوى من المسائل المهمة، وقلَّ أن تجد مصنفاً بعده لا يستفيد منه، وقد كان سبب تأليفه كما يقول مؤلفه هو طلب بعض أهل العلم له أن يؤلف كتاباً في شرح اعتقاد أهل السنة، وكذلك انصراف علماء زمانه عن مذهب أهل السنة وانشغالهم عنه بما أحدثوه من العلوم الأخرى.

стр. 2

التعريف بكتاب أصول الاعتقاد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد: فمع كتاب (أصول الاعتقاد) للإمام أبي القاسم اللالكائي، وقد تناولنا في الدرس الماضي حياة الإمام من حيث اسمه ونسبه وطلبه للعلم ورحلته وثناء العلماء عليه وغير ذلك. وسنتكلم عن الكتاب -وهو محل الدراسة- فنقول: التعريف للكتاب يشتمل على عدة موضوعات: اسم الكتاب، موضوع الكتاب، سبب التأليف، أجزاء الكتاب، تاريخ تأليفه، توثيق الكتاب، منهج المؤلف في هذا الكتاب، قيمة الكتاب العلمية، المآخذ التي أخذها أهل العلم على الكتاب.

стр. 3

اسم الكتاب أولاً: اختلف أهل العلم في اسم الكتاب، فمنهم من قال: هو (السنة)، ومنهم من قال: هو (شرح السنة)، ومنهم من قال: (شرح اعتقاد أهل السنة)، ومنهم من قال: (أصول السنة)، ومنهم من قال: (شرح حجج أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، ومنهم من قال: (حجج أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، أي: بغير كلمة (شرح)، ومنهم من قال: (السنن)، ومنهم من قال: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، وهذا هو الموجود على غلاف الكتاب الذي بين أيدينا، وهو الموجود كذلك في النسختين المخطوطتين اللتي اعتمد عليهما محقق الكتاب. وهو الاسم الذي ترجح لنا أنه اسم الكتاب؛ لوجوده على غلاف النسختين الموجودتين: الظاهرية والهندية. وأما بقية الأسماء الأخرى التي اختلف فيها أهل العلم فإنها تصلح أن تكون أسماء لكتب المعتقد، وهي مذكورة في الفهارس أو في كلام العلماء، وهذا الخلاف إنما نشأ لأن المؤلف صنف كتاباً في العقيدة على منهج أهل الحديث، ولم يختر لكتابه اسماً، فاختلف أهل العلم في تسمية الكتاب على النحو الذي ذكرناه. يقول هنا: وأما مؤلف الكتاب فلم يجعل له عنواناً، وإنما ذكر في المقدمة موضوع الكتاب فقال: [وقد كان تكررت مسألة أهل العلم إياي عوداً وبدءاً في شرح اعتقاد مذاهب أهل الحديث]. أي: أنه يريد أن يقول: إنهم طلبوا مني أن أصنف كتاباً في العقيدة على مذهب أهل الحديث ففعلت، وهذا هو الكتاب. أما هو فلم يضع عنواناً بعينه لهذا الكتاب، وإنما ذكر أنه صنفه على سبيل أهل السنة والجماعة. أي: على طريق ومنهج أهل السنة والجماعة.

стр. 4

موضوع الكتاب أما موضوع الكتاب فهو يبحث في المسائل الاعتقادية على منهج أهل الحديث ومذهبهم، وهو ما عرف (بأهل السنة والجماعة). يقول المؤلف في مقدمة الكتاب: [ولم آل جهداً في تصنيف هذا الكتاب ونظمه على سبيل أهل السنة والجماعة]، فمرة يسميه: (سبيل أهل الحديث) ومرة يسميه: (طريق أهل السنة والجماعة) وكلاهما واحد. وقد جعل المؤلف لكتابه مقدمة اشتملت على عدة أمور منها: أولاً: بيان ما كان عليه السلف من اتباع للأثر واجتناب للبدع والنهي عن مناظرة أهلها. أي: أن أول مسألة تكلم فيها الإمام في مقدمة الكتاب هي: بيان ما كان عليه السلف من اتباعهم للأثر، وهذا بلا شك يختلف مع أهل البدع والضلال، فإنهم ليسوا متبعين للأثر، وإنما هم يقدمون العقل على النقل كما ذكرنا ذلك في الدرس الماضي، ولذلك تجد أن من أعظم الفروق بين أهل السنة والجماعة وبين أصحاب الاعتقاد الفاسد أو الفكر المنحرف: أن هؤلاء يقدمون العقل على النقل. ثانياً: التعريض بالمنهج العقلي -أي: ذمة ولو من طرف خفي- وذم رواده من المعتزلة، وذكر جهلهم بحديث النبي ﷺ ؛ لأن الذي يتكلم عن فضل التمسك بالأثر واتباع منهج السلف في ذلك لابد وأنه ولو لم يتكلم عن المواقف فإنه يشتمل ذلك ضمناً على ذم ما خالف ذلك. أي: من خالف ذلك من المعتزلة، ومن أتى بعدهم في تقديمهم العقل على النقل. ثالثاً: الإشارة إلى بداية ظهور البدع وموقف العلماء والحكام من المبتدعة. رابعاً: ذكر فضل أهل الحديث ووجه تسميتهم بهذا الاسم. خامساً: ذكر سبب تأليفه لهذا الكتاب. سادساً: بيان منهجه وشرطه في تصنيف هذا الكتاب. وهذا ما يتعلق بموضوعات المقدمة، إذ إن كل موضوع منها، وكل جزئية منها تصلح أن تكون موضوعاً طويلاً عظيماً؛ لأنها تعد معالم في أصول أهل السنة والجماعة، وفي منهج أهل السنة والجماعة. بل إن كل مسألة من هذه المسائل التي معنا جديرة بالدراسة والتوسع فيها، ولذلك لو لم يكن في الكتاب إلا هذه المسائل لكفى، فضلاً عن أنه جعل ذلك مقدمات لأصل الكتاب. أما أصل وموضوعات الكتاب فقد جعلها المؤلف في مجلدين: المجلد الأول: تكلم فيه على موضوعات معينة. الأول: ذكر أسماء علماء أهل السنة والجماعة. أي: الذين تكلموا في مسائل الاعتقاد. الثاني: الحث على التمسك بالسنة واجتناب البدعة؛ لأن هذا أصل من الأصول، ولذلك كرره المؤلف، فمرة يذكره في المقدمة، ومرة يذكره في آخر كتابه. فيسوق نصوصاً في آخر الكتاب للدلالة على ذلك تختلف عن النصوص التي ساقها في مقدمة الكتاب. الثالث: التوحيد وأسماء الله وصفاته. الرابع: ذكر اعتقاد أهل السنة والجماعة في القرآن. الخامس: النهي عن التفكير في ذات الله . السادس: مبحث القدر. السابع: البعثة النبوية والمعجزات. الثامن: جزء من مبحث الإيمان. وأما المجلد الثاني: فإنه يحتوي على الموضوعات الآتية: الأول: تكملة لمبحث الإيمان. الثاني: المرجئة. الثالث: أبواب في المعاصي والتوبة. الرابع: القبر وما فيه. الخامس: الأمور الواقعة يوم القيامة. السادس: المخلوقات غير المرئية كالملائكة والجن. السابع: علامات الساعة الكبرى والصغرى. الثامن: الفضائل، وهو ما سماه بكتاب: (الكرامات)، وبين معتقد أهل السنة والجماعة في الكرامات.

стр. 5

سبب التأليف أما سبب تأليفه لهذا الكتاب فيقول: ما دفعنا إلى تأليف هذا الكتاب إلا سؤال بعض أهل العلم له أن يؤلف كتاباً في: (شرح اعتقاد أهل الحديث)، وهذا هو السبب الأول. الثاني: انصراف علماء زمانه عن مذهب أهل السنة والانشغال عنه بما أحدثوه من العلوم الأخرى مما أدى إلى ضياع الأصول القديمة التي أسست عليها الشريعة. أي: عندما رأى أن معالم الشريعة كادت أن تطمس في زمانه، ورأى انصراف أهل السنة عن بيان ذلك والتأليف والتصنيف فيه، تصدى لذلك بناء على طلب بعض أهل العلم له أن يؤلف في هذا الموضوع.

стр. 6

أجزاء الكتاب وأما أجزاء الكتاب فقد جعله في مقدمة وجزأين، وقد ذكرنا النقاط والموضوعات التي تكلم فيها في المقدمة وفي الجزأين.

стр. 7

تاريخ التأليف أما تاريخ تأليف هذا الكتاب فإنه كان قبل موته ببضع سنوات. ونحن قلنا: إن الرجل قد درس المذهب الشافعي ببغداد، وكان من أكابر الفقهاء والمحدثين، ولم يظهر ذلك إلا في آخر أيام حياته. وقد أورد في هذا الكتاب جملة مستكثرة من الأحاديث والآثار والموقوفات والمقطوعات على التابعين وغيرهم، مما يدل على أن هذا الجهد العظيم لابد وأن يسبقه رحلة طويلة وزمن بعيد جداً في تحصيل هذه الأقوال. فهذه علامات وقرائن تدل على أن هذا الرجل قد صنف هذا الكتاب في آخر حياته، فضلاً أن بعض النقول تدل على ذلك، ولذلك يقول ﵀ وهو يذكر كتاب القدر الذي أمر بقراءته على المنابر: [وجرى ذلك على يدي الحاجب أبي الحسن علي بن عبد الصمد ﵀ في جمادي الآخرة سنة ٤١٣هـ]، والرجل مات سنة ٤١٨. ثم يقول: الطريثيثي في سند رواية الكتاب: (حدثكم الشيخ أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الحافظ في ربيع الأول سنة ٤١٦) والرجل مات سنة (٤١٨)، وغيرها من النقول التي تدل على أن هذا الكتاب ألف في آخر حياة الإمام.

стр. 8

توثيق الكتاب في الحقيقة هناك نقولات كثيرة جداً عن الإمام الكبير ابن الجوزي -وهو تلميذ الإمام- وعبد الغني المقدسي ﵀، وعن أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بـ أبي شامة صاحب كتاب البدع، وعن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وعن ابن أبي العز الحنفي، وعن الإمام الذهبي، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، وغيرهم من أهل العلم الذين وثقوا نسبة الكتاب إلى المؤلف.

стр. 9

منهج المؤلف ذكر المؤلف ﵀ منهجه في مقدمته، وبين الطريقة التي سيتبعها في التأليف وهي: أولاً: أنه لم يبدأ في تأليف هذا الكتاب حتى تصفح عامة كتب الأئمة الماضين، وعرف مذاهبهم ومناهجهم، ولم يأل جهداً في تصنيفه. لذا فمن أراد أن يصنف وأن يكتب وأن يضع السواد على البياض فينبغي إن كان سلفياً حقاً، ومتبعاً لا مبتدعاً، ومتأنياً لا متسرعاً، أن يعلم أن مذهب أهل العلم أنهم ما وضعوا السواد في البياض -أي: ما وضعوا قلماً في ورقة- إلا على هذا النحو. فهو رحمه الله تعالى لم يبدأ في تأليف هذا الكتاب حتى قرأ في هذا الباب كتب من سبقه، وعرف مذاهبهم ومناهجهم، ولم يأل جهداً في تصنيفه. أي: لم يتعجل في تصنيف هذا الكتاب، وإنما بذل فيه جهداً مشكوراً، والمتصفح لهذا الكتاب يعلم ذلك جيداً. ثانياً: أنه فصل المسائل الخلافية. ومعلوم أنه تكلم في المسائل الخلافية بكلام مفصل، وبين المحدث لكل مسألة. أي: المبتدع لكل مسألة ثلاثية. ومعلوم أنه لا يتكلم عن الخلافيات في الفقه، وإنما يتكلم عن خلاف أهل العلم في مسائل الاعتقاد، فهو يذكر المسألة التي خالف فيها الخلف مذهب السلف، ويبين من أحدث هذه البدعة أولاً، ثم من تبعه إلى زمانه. وكذلك تكلم عن الفترة الزمنية التي أحدثت فيها تلك البدعة. ثالثاً: الاستدلال على صحة مذهب أهل السنة والجماعة بالقرآن الكريم. رابعاً: فإن لم يجد فمن السنة. خامساً: فإن لم يجد فيهما ولا في أحدهما استشهد بقول الصحابة ﵃ أجمعين. وهذا يدل على حجية كلام الصحابة ﵃، ولذلك يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله تعالى: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول سفيه سادساً: فإن لم يجد عنهم فعن التابعين لهم بإحسان. سابعاً: ثم أخبر أنه لم يسلك فيه طريق التعصب على أحد من الناس. فهذه كلها مناهج سلفية، وكلها مذاهب لأهل السنة والجماعة، ولذلك لأهل السنة والجماعة معالم إذا توفرت في المرء عد منهم، وإذا لم يتصف بها المرء لم يكن منهم، أو كان بعيداً منهم على قدر بعده من منهجهم ومعالمهم. قال: [هذا هو المنهج المكتوب]. وهناك جانب آخر منه اتبعه المؤلف ولم يذكره وهو: أولاً: أن المؤلف اهتم بالجمع فقط من غير تمحيص للأحاديث والآثار التي أوردها، وإن كان قد أوردها بأسانيدها فإنه لابد من ذكر درجتها من الصحة أو الضعف، وخاصة وهو محدث حافظ؛ لأنها تمس أهم جوانب الدين، وهو جانب الاعتقاد. وكان هذا مأخذاً أخذه المحقق على المؤلف، وهو في الحقيقة عند عرض هذا الكلام على أصول أهل السنة لا يكون انتقاصاً، فهو يريد أن يقول: إن المؤلف هنا اهتم بقاعدة التقميش التي يقول بها المحدثون، وقاعدة التقميش إذا كنت في موطن أو في محل الكتابة فينبغي أن تأخذ عن كل أحد، وأن تكتب عن كل من هب ودب، وأما إذا كنت في موطن التصنيف، وفي موطن التعليم لغيرك فإنه ينبغي أن تفتش في هذه المجموعات، ولا تحدث إلا بأحسنها وأفضلها. والمؤلف رحمه الله تعالى كتب في كتابه كل ما وقع إليه في الباب أو في المسألة، سواء كان صحيحاً أو ضعيفاً. وفي الحقيقة هذا لا يعد كبير عيب؛ لأن قاعدة أهل الحديث أن من أسند نصاً فقد برئ من عهدته، فهو يروي هذه النصوص مسندة، وإذا كان هذا الصنيع في هذا الكتاب فما الحرج عليه بعد ذلك؟ وكأنه أحالك إلى البحث في أحوال الرواة الذين رووا مثل هذا الحديث أو هذا الأثر، وهذا صنيع كثير من الأئمة قبل هذا الإمام وبعده، ولم يعب عليهم ذلك أحد. ثانياً: أن المؤلف يعرض الاعتقاد ثم يذكر أدلته سرداً من غير تعليق أو شرح. أي: أنه يتكلم في أصل المسألة التي يريد أن يتكلم فيها، ثم يتكلم بعد ذلك في الأدلة، فيسرد أدلة هذه المسألة، مثل الإمام الطبري في تفسيره، حيث يأتي على الآية ويقول: هذه الآية اختلف في تأويلها على نحو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أقوال. ثم يقول: والقول الأول كذا، والثاني كذا، والثالث كذا، وأدلة القول الأول كذا وكذا، وهكذا ويذكر بعد ذلك أقوال الصحابة والتابعين وأتباع التابعين مسندة إلى زمانه، منها الضعيف ومنها الصحيح، بل ومنها الموضوع، ولا يعد هذا عيباً في الكتاب، ولعل المؤلف ﵀ معذور في ذلك لكثرة النصوص الواردة، إذ لو اتبع هذا المنهج لتضخم الكتاب جداً. وعلى أي حال لا يعد هذا عذراً للمؤلف إذا ألزمناه بالشرح والبيان، فكم من كتاب ضخم لم يمل منه أهل العلم. ثالثاً: أن المؤلف لم يذكر المذاهب المخالفة في المسألة التي يوردها إلا في أماكن قليلة جداً كما في مسألة: (الاسم والمسمى). أي: الاسم والمسمى لله ، هل هو واحد أو أن الاسم هو المسمى؟ ستأتي هذه المسألة بالتفصيل إن شاء الله تعالى. والمؤلف رحمه الله تعالى إذا أراد أن يتكلم في المسألة لا يذكر المناهج المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، وهذا أيضاً لا يلزمه، وقد تكلم أهل العلم في حديث افتراق الأمة: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافت

стр. 10

قيمة الكتاب العلمية يعتبر هذا الكتاب من أهم الكتب المصنفة في العقيدة عند أهل السنة والجماعة، وخاصة في مذهب أهل الحديث أو أهل السنة والجماعة، وقل أن نجد مصنفاً بعده لا يستفيد منه أو يشير إليه، كما رأينا ذلك من قبل في توثيق الكتاب ونسبته إلى مؤلفه. ومن المميزات التي اشتمل عليها المجلد الأول من هذا الكتاب: أولاً: أنه أورد وسرد كثيراً من الآثار على ما يقارب (١٣٠٠) نص ما بين حديث وأثر كلها تتحدث عن مسائل اعتقادية. ثانياً: أن هذا المجلد يعد موسوعة لأسماء علماء أهل السنة، حيث يشتمل على ما يقارب (٦٠٠) من أسماء علماء أهل السنة والجماعة، وهذا يؤكد لنا إجماع الأمة على عقيدة أهل السنة قبل وبعد ظهور الانحرافات في الاعتقاد. ثالثاً: أن هذا المجلد حفظ لنا عقيدة أحد عشر إماماً من علماء أهل السنة ذكر في أكثرها مواقفهم من المسائل العقدية التي اختلف فيها أهل العلم. رابعاً: يعتبر الكتاب من المستخرجات، حيث أن المؤلف ﵀ سلك في إيراده للآثار مسلك المحدثين، إذ يورد الحديث أو الأثر بسنده إلى قائله، أي: أنه يريد أن يقول: إن هذا الكتاب فيه فائدة حديثية عظيمة جداً، وهو أنه سلك في إيراده للآثار طريقة المحدثين، وهو ما يسمى في مصطلح الحديث بـ (المستخرج)، والمستخرج هو: أن يعمد المستخرج -بكسر الراء- إلى نص بعينه، كأن يكون في سنن أبي داود، فيورد هذا النص بسنده هو من غير طريق أبي داود. وهذا بخلاف المستدرك، فإنه بعكس ذلك، ولذلك معظم المستخرجات فيها زيادات، وهذه الزيادات تأتي في الغالب بزيادة المعنى، فإذا أورد النص الموجود عند أبي داود من غير طريق أبي داود فلا يخلو هذا من فائدة في مزيد الأسانيد أو في مزيد النصوص. قال: فإذا كان الحديث مخرجاً في أحد الكتب الستة فإنه لا يورده من طريقه، بل من طريق آخر، ولا يكاد يوجد ضمن هذا الكتاب ما يخالف هذه القاعدة. أي: كأن هذا الكتاب في باب العقيدة مستخرج على كل النصوص الموجودة في كتب السنة. قال: ولا شك أن وروده من تلك الطريق سيؤدي إلى زيادة أو موافقة لها فائدتها الحديثية. هذه هي بعض المميزات التي يتميز بها هذا الكتاب عن ما سبقه من مؤلفات أهل السنة في العقيدة إلى جانب مميزات أخرى لم تذكر.

стр. 11

المآخذ على الكتاب لا يخلو كتاب من الكتب البشرية من صفات النقص والخطأ إذ العصمة لم يجعلها الله تعالى إلا لأنبيائه ورسله، وهذا الكتاب قد أخذ عليه بعض المآخذ منها: أولاً: ركاكة خاصة في المقدمة، إذ إنه بعد المقدمة أورد نصوصاً محكمة، بينما المقدمة يغلب عليها السجع المتكلف الذي لا يتضح معه المعنى في بعض الأحيان. ثانياً: عدم تنظيم وترتيب الأبواب؛ فإن المسألة تفهم بترتيب مباحثها ومسائلها، وأن تبنى الثانية على الأولى والثالثة على الثانية، والمؤلف لم يهتم بهذا الترتيب، فربما قدم ما حقه التأخير أو أخر ما حقه التقديم، ولا شك أن هذا عيب كذلك. يقول: ولم يهتم المؤلف بالعناوين التي تنظم الأبواب والنصوص، فربما يتكلم في عدة مسائل تحت مسمى واحد أو تحت كلمة واحدة، مع أن كل مسألة من هذه المسائل ينبغي أن تفرد بعنوان أو بباب أو فصل أو مبحث؛ لأنه قد يرغب القارئ في قراءة مبحث في القدر، فتجده يتكلم فيه على القرآن، أو تجده يتكلم فيه عن الإيمان بالملائكة، وربما يكون هناك فوائد تظهر لنا عند دراسة الكتاب، لكن على أي حال يعد هذا عيباً في الكتاب من جهة التأليف. ثالثاً: عدم صحة بعض الأحاديث والآثار الواردة فيه.

стр. 12

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - مقدمة الكتاب [٢] أعظم الأدلة والبراهين التي يجب على كل مسلم تعلم عقيدته من خلالها كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، وأقوال الصحابة، ثم إجماع السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، ومن كان معه هذا المنهج فإنه لا يحتاج إلى أن يبتدع في دين الله ؛ لأن عنده الأصل الأصيل في التشريع، أما من كان شاكاً في أمره، فإنه يترك اليقين للشك، ويذر الهداية للعمى، وهذا هو حال أهل البدع في كل وقت وحين.

стр. 13

مقدمة المصنف رحمه الله تعالى لكتابه شرح أصول الاعتقاد إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: ففي الدرس الماضي انتهينا من الكلام عن الكتاب وعن المؤلف كذلك، ووعدنا بأن ندخل في الموضوع مباشرة، والمقدمة التي كتبها الإمام مقدمة طويلة جداً، وفيها فوائد عظيمة، خاصة أنه بين فيها بعض معالم أهل السنة والجماعة، وبعض معالم أهل البدعة والضلالة، وهذه المسألة في غاية الأهمية، إذ إن العلم بها لابد وأن يحفظ صاحبه في مسيره إلى الله . قال الكاتب في المقدمة بعد أن ذكر راوي هذه النسخة وسند الكتاب: قال هبة الله أبو القاسم: [الحمد لله الذي أظهر الحق وأوضحه، وكشف عن سبيله وبينه، وهدى من شاء من خلقه إلى طريقه، وشرح به صدره، وأنجاه من الضلالة حين أشفا عليها -أي: حين أقدم عليها وكاد أن يهلك- فحفظه وعصمه من الفتنة في دينه، فأنقذه من مهاوي الهلكة، وأقامه على سنن الهدى وثبته، وآتاه اليقين في اتباع رسوله وصحابته ووفقه، وحرس قلبه من وساوس البدعة وأيده، وأضل من أراد منهم وأبعده، وجعل على قلبه غشاوة وأهمله، في غمرته ساهياًَ، وفي ضلالته لاهياً، ونزع من صدره الإيمان، وابتز منه الإسلام، وتيهه في أودية الحيرة، وختم على سمعه وبصره، ليبلغ الكتاب فيه أجله، ويتحقق القول عليه بما سبق من علمه فيه من قبل خلقه له وتكوينه إياه، ليعلم عباده أنه إليه الدفع والمنع، وبيده الضر والنفع، من غير غرض له ولا حاجة به إليه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، إذ لم يطلع على غيبه أحداً، ولا جعل السبيل إلى علمه في خلقه أبداً، لا المحسن استحق الجزاء منه بوسيلة سبقت منه إليه، ولا الكافر كان له جرم أو جريرة حين قضى وقدر النار عليه]. هذا كلام جميل جداً في القدر، فهو يريد أن يقول: إن المحسن لما استحق الجنة لم يستحقها بإحسانه، وإنما بفضل الله ، وكذلك الكافر استحق عذاب الله بعدله. قال: [فمن أراد أن يجعله لإحدى المنزلتين -الجنة أو النار- ألهمه إياها، وجعل موارده ومصادره نحوها -أي: يسره لما خلق له، إما الجنة وإما النار- ومتقلبه ومنقلبه ومتصرفاته فيها، وكده وجهده ونصبه عليها؛ ليتحقق وعده المحتوم، وكتابه المختوم، وغيبه المكتوم -كما قال تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى:١٨]، -وقال-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده الذي لا شريك له، يحيي ويميت وينشئ ويقيت، ويبدئ ويعيد، شهادة مقر بعبوديته، ومذعن بألوهيته، ومتبرئ عن الحول والقوة إلا به. ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه إلى الخلق كافة، وأمره أن يدعو الناس عامة؛ لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين].

стр. 14

بيان أن أول واجب على المرء هو معرفة الله وتوحيده قال: [أما بعد: فإن أوجب ما على المرء: معرفة اعتقاد الدين، وما كلف الله به عباده من فهم توحيده وصفاته وتصديق رسله بالدلائل واليقين، والتوصل إلى طرقها والاستدلال عليها بالحجج والبراهين]. أي: أن أول واجب يجب على المسلم أن يتعلمه هو: أن يتعلم عقيدته، وهذا هو منهج الصحابة كما ثبت عن جرير البجلي ﵁ أنه قال: كنا نتعلم الإيمان أولاً، فإذا نزل القرآن ازددنا به إيماناً. وقول عبد الله بن عمر ﵄: كنا نؤتى الإيمان أولاً، ثم نؤتى القرآن، فإذا قرأناه علمنا حلاله وحرامه، وزواجره وأوامره ونواهيه، ووقفنا عند ما يجب علينا أن نقف عنده منه، ولقد أدركنا أقواماً قد أوتوا القرآن قبل الإيمان، فإذا قرءوه فإنهم لا يعلمون حلاله ولا حرامه، ولا يعلمون زواجره ولا أوامره ولا نواهيه، ينثرونه نثر الدقل. أي: يقرءونه دون أن يخرجوا منه بفائدة إيمانية. لذا فإن المرء لو تعلم الإيمان أولاً فلا بد وأن يقف عند كل نص في دين الله ، سواء كان هذا النص من كتاب أو من سنة أو إجماع أو قياس صحيح سليم. ولذلك ترى الرجل الذي تربى على الإيمان سرعان ما يبادر إذا وصل إلى سمعه أمر من أوامر الله، أو نهي من نواهي الله ، فيسارع ويبادر إلى اعتقاد هذا الأمر وتعظيمه؛ لأنه من حرمات الله ، ويبادر إلى تنفيذه إن كان أمراً، أو ينتهي عنه إن كان نهياً، بخلاف الذي أوتي العلم قبل الإيمان. أي: أن هناك أناساً عندهم علم كثير جداً، لكن ليس عندهم إيمان، فهذا يجعلهم في حيرة وتردد وشك باستمرار كلما ألقي على أسماعهم وقلوبهم أمر من أوامر الله أو نهي من نواهي الله ، ولذلك إذا لم تؤت الإيمان أولاً فاعلم أنك تحتاج مع كل أمر ونهي إلى من يذكرك بتعظيم أمر الله وحرماته وشعائره، حتى تتهيئ نفسيتك لقبول هذا الأمر والانتهاء عن هذا النهي، أما لو أن هذه القواعد الإيمانية موجودة من الأصل فأنت لا تحتاج مع كل أمر لمن يذكرك بوجوب تعظيم حرمة الله عليك؛ لأن وجوب تعظيم حرمة الله من أعظم شعب الإيمان، فأنت إذا كنت تعلمت القرآن، وقد أوتيت الإيمان أولاً، فلا تلبث أن تسمع بالأمر أو النهي فتبادر إلى التنفيذ دون الحاجة إلى من يذكرك. أي: تشعر أن عندك خشية لله ، فإذا سمعت أنه أمر بأمر تقول: سمعاً وطاعة لله، ولا تجادل ولا تناظر ولا تلاجج ولا تجادل ولا تحاجج؛ لأن الأصول عندك ثابتة، وهي: السمع والطاعة لله ، وهما ثمرتا الإيمان بالله وبرسوله الكريم ﷺ ، ولذلك هناك فرق كبير جداً بين رجل عالم يشار إليه بالبنان لا إيمان عنده؛ فإنه يحتاج مع كل نص إلى مقدمة ومؤخرة، ومن يروضه على قبول هذا الأمر، ثم هو في النهاية يصرف هذا النص عن ظاهره ليهرب من العمل، ليهرب من مقتضيات هذا النص. وأخ صغير يبلغ من العمر عشرين سنة أو أقل من ذلك، لكنه تربى على الإيمان، فسرعان ما يسمع بالآية أو سرعان ما يسمع بالحديث فيقول: والله دون هذا النص دمي، ولابد من تطبيقه والعمل به. فما الذي دفع الشيخ أن يرد هذا الأمر؟ وما الذي دفع هذا الشاب الصغير لقبول هذا الأمر والقتال دون تنفيذه؟ إنه إيمان هذا الشاب بالله الذي نتج عنه تعظيم شعائر الله وحرماته، وضعف إيمان ذلك العالم النحرير.

стр. 15

مصادر الاستدلال عند أهل السنة والجماعة قال: [وكان من أعظم مقول -أي: من أعظم الأدلة والنصوص- وأوضح حجة ومعقول: كتاب الله الحق المبين، ثم قول رسول الله ﷺ وصحابته الأخيار المتقين]. فتأمل هذا المنهج لأهل السنة في الاستدلال، بينما منهج المبتدعة غير منهج أهل السنة، فهو يريد أن يقول: إن من أعظم الأدلة والبراهين التي يجب على المسلم أن يتعلم عقيدته من خلالها هي: كتاب الله، سنة الرسول، أقوال الصحابة. لكن لا يوجد أحد أو جماعة أو فرقة أو طائفة من أهل البدع من تعتمد على أقوال الصحابة، وإنما هم يقولون: يكفي كتاب الله وسنة الرسول ﵊، ومع هذا يقولون: الأصل عندنا في الاستدلال: العقل، ثم القرآن من بعده والسنة، وما وافق العقل من القرآن والسنة أخذناه، وما لم يوافق العقل من القرآن والسنة أولناه وأخرجناه عن ظاهره حتى يوافق العقل، فجعلوا العقل هو الميزان الأعظم الذي تقاس عليه الأمور، والذي يجب أن تنضبط عليه نصوص الكتاب والسنة. ونحن نقول: إذا خالف العقل النقل أخذنا بالنقل، والعيب والقصور في العقل، بينما أهل البدع يقولون -خاصة المعتزلة-: الأصل في الاستدلال العقل. فإذا خالفه النقل فيكون العيب في النقل! لكنهم لا يستطيعون أن يقولوا هذه الكلمة؛ لأنهم يعرفون أنها مكفرة، لكنهم يقولون: إذا تعارض النقل مع العقل فلابد من تأويل النقل حتى يوافق العقل. إذاً: الميزان الأعظم عندهم: العقل. والميزان الأعظم عند أهل السنة: هو النقل. وهذه أول فائدة. الفائدة الثانية: أنهم لا يحتجون بأقوال الصحابة قط، بل قاموا على الصحابة وكفروهم وبدعوهم، وشهروا السيوف في وجوههم، وقد حصل هذا من الشيعة والخوارج وغيرهم، بينما موقف أهل السنة والجماعة معلوم من أصحاب النبي ﵊، وما جرى بينهم من فتنة. فهذه لا ينبغي أبداً ذكرها على سبيل التنقص بأصحاب النبي ﵊، وهو الذي قال: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفس محمد بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). فهذا النص بظاهره وبغير شرح يلجم المرء إلجاماً، فلا يتكلم في أصحاب النبي ﷺ كلمة سوء واحدة، والذي يتكلم في أصحاب النبي ﷺ كلمة واحدة على سبيل التنقص، إنما يدل على مرض ونفاق ودخن في قلبه أبداه الله على فلتات لسانه. وهنا نقول: إن منهج الاستدلال عند أهل السنة: كتاب الله المبين، ثم قول الرسول ﵊، ثم قول الصحابة الأخيار المتقين. قال: [ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون]. سواء كان إجماع الصحابة، أو إجماع من أتى بعدهم. [ثم التمسك بمجموعها]. أي: التمسك بهذه الأدلة التي هي الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، وما أجمع عليه السلف الصالحون. [والمقام عليها إلى يوم الدين]. أي: لا يبرح المرء ولا ينفك أن يحتج وأن يلجأ إلى هذه الأدلة. قال: [ثم الاجتناب عن البدع]. أي: أن الذي معه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس الصحيح لا يحتاج إلى أن يبتدع في دين الله ، فهذه الأدلة كلها قد شملت أمور المسلم الحياتية والمعادية، فلماذا يبتدع في دين الله ؟ ولذلك البدعة مناقضة ومناهضة ومجهضة للسنة، فما أحدثت بدعة إلا وأميتت وطمست سنة، ولذلك أحسن الإمام هنا عندما قال: أدلة احتجاج أهل السنة هي كذا وكذا وكذا. ثم قال: [والاستماع إليها مما أحدثها المضلون] أي: اجتناب الاستماع إلى ما أحدثه المبتدعة؛ لأن كل بدعة ضلالة، وكل مبتدع ضال. أي: منحرف عن الطريق السوي. قال: [فهذه الوصايا الموروثة المتبوعة، والآثار المحفوظة المنقولة، وطرائق الحق المسلوكة، والدلائل اللائحة المشهورة، والحجج الباهرة المنصورة التي عملت عليها الصحابة والتابعون]. لم نسمع قط أن هناك صحابياً عقلانياً، وهم الذين خوطبوا بهذا الكتاب العظيم! فلم يقل منهم أحد: عقلي مقدم على كلام الله . قال: [ومن بعدهم من خاصة الناس وعامتهم من المسلمين، واعتقدوها حجة فيما بينهم وبين الله رب العالمين، ثم من اقتدى بهم من أئمة المهتدين، واقتفى آثارهم من المتبعين]. أي: أن هناك أئمة كثيرين جداً خاصة في أبواب الاعتقاد، فنحن عندما نحتج لمنهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال نقول كلام مالك خاصة في الأسماء والصفات، فقد سئل مالك عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنده بدعة. فهذا القول كلنا نحفظه أنه من قول مالك، في حين أنه ليس من قول مالك أصلاً، وإنما هو قول شيخه ربيعة الرأي. أي: أن ربيعة الرأي هو الذي علم مالكاً هذا الأصل وهذا المنهج وهذا الإجمال في الاعتقاد. وكذلك لم يكن هذا من كلام ربيعة، وإنما هو كلام أم سلمة ﵂ زوج النبي ﵊. إذاً: معناه: أن مالكاً قد أخذ هذا العلم عن الصحابة ﵃ أجمعين. قال: [ثم من اقتدى بهم من

стр. 16

نتائج تحكيم العقل في أمور الشريعة قال: [ومن أعرض عنها وابتغى في غيرها مما يهواه -أي: يحب أن يميل إليه بهواه- أو يروم سواها مما تعداه؛ أخطأ في اختيار بغيته وأغواه -أي: وقع في الغواية والضلال- فسلكه سبيل الضلالة، وأرداه في مهاوي الهلكة فيما يعترض على كتاب الله وسنة رسوله بضرب الأمثال، ودفعهما بأنواع المحال، والحيدة عنهما بالقيل القال مما لم ينزل الله به من سلطان، ولا عرفه أهل التفسير واللسان، ولا خطر على قلب عاقل بما يقتضيه من برهان، ولا انشرح له صدر موحد عن فكر أو عيان، فقد استحوذ عليه الشيطان، وأحاط به الخذلان، وأغواه بعصيان الرحمن حتى كابر نفسه بالزور والبهتان. فهو دائب الفكر في تدبير مملكة الله بعقله المغلوب]. أي: أن أحدنا لو تفكر في الكون، فمرد ذلك كله إلى قدرة الله وعظمة الله وقوة الله، لكن هذا المسكين إنما يفكر في ذلك بعقله هو، فهو إذا سلك هذا المسلك فهو في النهاية لابد وأن يقبح القبيح؛ لأنه يعتمد على عقله، فيجعل الحسن والقبح مداره على العقل، فما كان عنده قبيحاً قبحه، وما كان عنده حسناً حسنه، وإن كان القبيح عنده عند الله حسن، وإن كان الحسن عنده عند الله قبيح. قال: [فهو دائب الفكر في تدبير مملكة الله بعقله المغلوب وفهمه المقلوب بتقبيح القبيح من حيث وهمه، أو بتحسين الحسن بظنه، أو بانتساب الظلم والسفه من غير بصيرة إليه، أو بتعديله تارة]، فهو يقول: هذا سفه، ولا يمكن أن يكون الله قد فعل هذا. واعلم أن قوله: (ولا يمكن أن يكون الله فعل هذا به). هذا ذر للرماد في العيون، وإلا فهو يريد أن ينكر وأن يعترض على الله في مملكته وفي تدبيره وخلقه، ولذلك هو يعترض ثم يقول: لا يمكن أن يفعل الله هذا. لكن ماذا تقول أنت؟ أنت أولاً استبعدت قدرة الله ، ثم تريد بهذا الاستبعاد -بزعمك- أن تنزه الله عنه، وفي الحقيقة أن الله هو الذي خلق ذلك. كما قالت المعتزلة: القرآن مخلوق؛ لأن القرآن شيء. فلما قام أهل السنة ونزهوا الله ﵎ ونزهوا صفاته أن تكون مخلوقة، قام عليهم المبتدعة من باب الذب عن الله وعن خلقه؛ لأن القرآن عندهم مخلوق. فلما قال أهل السنة بغير مقالة المعتزلة حرشوا بأهل السنة عند السلاطين. وهذا معلم ثان من معالم أهل البدع، فضلاً عن بعدهم وتحكيمهم لعقولهم في دين الله وفي شرع الله، فإنهم كذلك يحرشون بأهل السنة والجماعة عند السلاطين. أما المعلم الثالث فهو: عداؤهم المستمر وبغضهم الدفين لأهل السنة والجماعة، وتحريشهم بأهل السنة عند السلاطين، وانحرافهم عن المنهج القويم. قال: [وفهمه المقلوب: بتقبيح القبيح من حيث وهمه، أو بتحسين الحسن يظنه، أو بانتساب الظلم والسفه -إليه سبحانه- من غير بصيرة أو بتعديله تارة]، كلمة (أو بتعديله) هي قولهم: (من العدل كذا). وأنتم تعرفون أن العدل هو أحد أصول المعتزلة، والمعتزلة لهم خمسة أصول منها: العدل، والتوحيد، -انظروا هذا الكلام الجميل- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهذه من أصول المعتزلة، فأنت لما تسمع هذا تقول: هؤلاء المعتزلة أهل توحيد! وأهل عدل! وأهل أمر بمعروف ونهي عن منكر! فلماذا هم مختلفون مع أهل السنة والجماعة؟ الجواب لا. العدل عندهم غير العدل عند أهل السنة، والتوحيد عندهم غير التوحيد عند أهل السنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ضوابط عندهم غير ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند أهل السنة، وسنتعرض لهذا كله عند الكلام عن طائفة المعتزلة. ومن أصولهم أيضاً: قولهم بالمنزلة بين المنزلتين في شأن مرتكب الكبيرة. قال: [أو بتعديله تارة كما يخطر بباله، أو بتجويره كما يوسوسه شيطانه، أو بتعجيزه عن خلق أفعال عباده فهو راكض ليله ونهاره -أي: المبتدع- في الرد على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والطعن عليهما].

стр. 17

تأويل المبتدعة للنصوص وصرفها عن ظاهرها لتوافق بدعتهم إذاً: المعلم الرابع لأهل البدع: تأويل النصوص. بمعنى: صرفها عن ظاهرها لتوافق بدعتهم، بينما أهل السنة والجماعة يأخذون النص على ظاهره وعلى مراد الله ، ويأخذون أقوال النبي ﵊ على مراد النبي ﵊، لكن أهل البدع يقولون: لابد من تأويل هذه النصوص حتى توافق أصولهم! فمثلاً: المعتزلة جعلوا لهم أصولاً تميزوا بها عن الحسن البصري وغيره، وجعلوا كل الأدلة الشرعية تعرض على هذه الأصول، فإذا وافقت هذه الأصول سمي عندهم ديناً, وما خالف هذه الأصول وجب ليه وتطويعه ليوافق عقولهم.

стр. 18

مجادلة أهل البدع بالباطل قال: [فهو راكض ليله ونهاره في الرد على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والطعن عليهما، أو مخاصماً -لهذه الأدلة- بالتأويلات البعيدة فيهما]، أي: الذي هو صرف النص عن ظاهره. قال: [أو مسلطاً رأيه على ما لا يوافق مذهبه بالشبهات المخترعة الركيكة؛ حتى يتفق الكتاب والسنة على مذهبه، وهيهات أن يتفق]. لأن هذا كلام اللطيف الخبير، وهذا كلام المخبول الضال، فكيف نطوع كلام الله بكلام عبد قصير النظر وقصير العقل؟! قال: [ولو أخذ سبيل المؤمنين وسلك مسلك المتبعين لبنى مذهبه عليهما واقتدى بهما، ولكنه مصدود عن الخير مصروف]. أي: لما علم الله ﵎ سلفاً وأزلاً أن هذا العبد بعينه سيختار الضلال على الهدى، وسيعمى بعد بصيرة، هيأه ويسره لما خلق له. قال: [فهذه حالته إذا نشط للمحاورة في الكتاب والسنة]. أي: أنه يخاصم ويجادل، ولن يحتج أبداً بأقوال أهل السنة، ولذلك عندما تناقش شخصاً من المبتدعة سيقول لك: قال الله وقال الرسول، لكن عندما تقول له: ما قول ابن كثير في هذه الآية؟ يقول لك: من ابن كثير هذا؟! وهذا منهج أهل البدع، لكن نحن لو ناقشناهم وحاورناهم فسنقول: هذه الآية قال فيها ابن كثير كذا، والطبري قال فيها كذا، والقرطبي قال فيها كذا، وابن تيمية قال كذا. إذاً: نحن متبعون، وهؤلاء سلفنا، فنحن نحتج بأقوال الله بفهم سلفنا ﵃، أما هم فيأخذون فقط من الكتاب والسنة، فإذا وافق الكتاب عقولهم ابتداءً أخذوا به، أما لو خالف الكتاب عقولهم ردوه، وفي الغالب يخالف؛ لأنه لا يتفق كلام الله مع كلام شخص مجنون مهبول؟! إذاً: فنحن نريد أن نقول: إن أقوال المبتدعة هي التي تخالف أصولهم. وهم يقولون: كلام الله مخالف لأصولنا. فهم جعلوا أصولهم هي الأصل، وكلام الله هو الذي يجب أن يقاس لا أن يقاس عليه، فلما استصعبوا موافقتهم للكتاب والسنة لجئوا إلى التأويل والتحريف لكلام الله وكلام رسوله حتى يوافق أصول مذهبهم. قال: [فأما إذا رجع إلى أصله وما بنى بدعته عليه اعترض عليهما بالجحود والإنكار]. ومعلوم أن هؤلاء المعتزلة ردوا نصف السنة وزيادة؛ لأنها ضعيفة، ولأنها لا تثبت من جهة أنهم زادوا شرطاً في قبولهم للسنة لا يعرفه أهل السنة، ألا وهو: موافقة السنة للعقل إما تصريحاً أو تأويلاً، فإذا لم توافق السنة عقولهم لا تصريحاً ولا تأويلاً -أي: بعد ليها- فهي مردودة عندئذ، ولذلك هم يقولون دائماً: ليس معقولاً أن النبي قال كذا. لكنهم اجتهدوا على الكتاب فأولوه. أي: أولوا فيه كل ما خالفهم أو خالف أصولهم. أي: ليس معقولاً أن يقولوا لنا: ليس معقولاً قال ربنا كذا؛ لأن الله قد قال، وهذا المصحف بين أيدينا، فهم على استحياء شديد، فلا يستطيعون أن يردوا القرآن الكريم، لكن السنة عليها مطاعن كثيرة جداً، وقد جعلوا أصلاً لا يعرفه أهل السنة وهو موافقة السنة للعقل، فلما خالفت السنة عقولهم الحقيرة ردوا معظمها، ولذلك يقول: [فأما إذا رجع إلى أصله وما بنى بدعته عليه اعترض عليهما -أي: على الكتاب والسنة- بالجحود والإنكار، وضرب بعضها ببعض من غير استبصار]. يأتون بالأحاديث التي ظاهرها التعارض فيضربوا بعضها ببعض، ومعلوم أن من أصول أهل السنة والجماعة في تأويل هذه النصوص التي ظاهرها التعارض: الصيرورة إلى النسخ إذا لم يكن الجمع ممكناً، بينما هذا المبتدع يأتي لك بحديث يأمر بشيء، وحديث ينهى عن نفس الشيء، فيقول: أيعقل -ودائماً تسمع بهذه الكلمة من أهل البدع- أن النبي قال في الأمر الواحد بالأمر والنهي، أو في الشيء الواحد بالأمر والنهي؟! لا. ليس معقولاً. إذاً: النبي ﷺ لم يقل هذا ولا قال ذاك. وإن كان أحدهما يوافق العقل قالوا به ويبطلون الثاني. قال: [واستقبل أصلهما ببهت الجدل والنظر من غير افتكار، وأخذ في الهزو -أي: في الاستهزاء- والتعجب من غير اعتبار، استهزاءً بآيات الله وحكمته]. وهذه قصة تبين ذلك: فقد ركبت مع شخص أعرفه منذ زمن، ثم قال لي: أتذكر تلك القضية القديمة التي كانت في سنة تسعة وثمانين أو في سنة تسعين؟ فقلت: نعم، أذكرها، وهي قضية أختك عندما قال لها زوجها: لا يحل لكِ أن تتصرفي في مالكِ إلا بإذني. ثم قال: أتذكر الموضوع؟ فقلت له: أذكره. وقلت له: وأذكر يومها أنني أحلتك على سنن ابن ماجه وشرح السنة للبغوي، فقال لي: حصل ذلك. ثم قال لي: تصور أن فلاناً قال كذا وكذا. فقلت له: وأنا أقول بهذا القول الآن كما قلت به سلفاً، أن المرأة لا يحل لها أن تتصرف في مالها بغير إذن زوجها وإن كان الإسلام حفظ الذمة المالية لكلا الزوجين -أي: أن هذا المال مال المرأة، وهذا المال مال الزوج- لكن للقوامة التي هي للرجل على المرأة، ولضعف المرأة في عقلها وسفهها، واكتمال الرجل في ذلك، وجب على المرأة دواماً للعشرة أن تلجأ إلى زوجها، وألا تنفق من مالها -لا أقول: من ماله، وإنما من مالها-

стр. 19

تقديم المبتدعة لأقوال الرجال على النصوص الشرعية قال: [وضرب بعضها ببعض من غير استبصار، واستقبل أصلهما ببهت الجدل والنظر من غير افتكار، وأخذ في الهزو والتعجب من غير اعتبار بآيات الله وحكمته، واجتراء على دين رسول الله ﷺ وسنته، وقابلها برأي النظام والعلاف والجبائي وابنه الذين هم قلدة دينه]. أي: أساتذة المذهب العقلي. فيرد على النصوص بأقوال الفلاسفة، بأن يقول: كيف يقول ربنا ذلك؟! إن النظام قال كذا! وعلي الجبائي قال كذا. ويرد على الأصول الأصيلة عندنا بأقوال الرجال، ومعلوم أن الأصل عند أهل السنة هو أننا لا نعرف الحق بالرجال، وإنما نعرف الرجال بالحق. وهذا منهج أصيل، بينما أهل البدع يقولون: يعرف الحق من خلال الرجال، فإذا وافق الحق أقوال الرجال فهو حق، وإذا خالف فأقوال الرجال هي الحق، وهذا منهج الفلاسفة. وما جهل المعتزلة بالكتاب والسنة وغيرهم من أهل البدع والانحراف والضلال جميعاً، وانحرافهم وفساد قلوبهم إلا لأنهم تنكبوا طريق السلف في منهج الاستدلال. قال: [قوم لم يتدينوا بمعرفة آية من كتاب الله في تلاوة أو دراية، ولم يتفكروا في معنى آية ففسروها أو تأولوها على معنى اتباع من سلف من صالح علماء الأمة إلا على ما أحدثوا من آرائهم الحديثة، ولا اغبرت أقدامهم في طلب سنة أو عرفوا من شرائع الإسلام مسألة، فيعد رأي هؤلاء حكمة وعلماً وحججاً وبراهين]. أي: أن رأي الرجال عندهم هو الحكمة وهو الدليل وهو البرهان. قال: [ويعد كتاب الله وسنة رسوله حشواً وتقليداً وحملتها -أي: حملة الكتاب والسنة- جهالاً وبلهاً، ذلك ظلماً وعدواناً وتحكماً وطغياناً].

стр. 20

موقف المبتدعة من أهل السنة خصوصاً وأهل الإسلام عموماً

стр. 21

تكفير المبتدعة لجملة أهل الإسلام قال: [ثم تكفيرهم للمسلمين بقول هؤلاء إذ لا حجة عندهم بتكفير الأمة إلا مخالفتهم قولهم من غير أن يتبين لهم خطأهم في كتاب أو سنة]. أي: أنهم يكفرون بالجملة، ويقولون: المجتمع كله كافر، بينما أهل السنة والجماعة لا يكفرون الناس ولا الطوائف ولا الفئات ولا الجماعات ولا غيرهم، بل إنهم يتحرزون كل التحرز من تكفير الفرق التي أخبر عنها النبي ﷺ ، لذا عندما تقرأ كتاب: (الفرقان بين الحق والباطل) لشيخ الإسلام ابن تيمية يدخل في نفسك أن شيخ الإسلام ابن تيمية متسامح جداً، ومبالغ مع هؤلاء الناس؛ لأننا لم نترب تربيته، ولو تربينا تربية فستكون أصولنا هي أصوله، لكن عندما يسأله رجل في هذا الكتاب فيقول: كافر دخل الإسلام على مذهب الخوارج، فما حكم ذلك؟ فيجيب شيخ الإسلام قائلاً: الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على رسوله الذي اصطفى. وبعد: فإن بعض الشر أهون من بعضه. فإن هذه الكلمة منهج عند ابن تيمية. والآن الشيعة انتشروا انتشاراً رهيباً في بلاد أوروبا وأمريكا، ولهم تأثير ملحوظ هناك من خلال نشاطهم وعملهم هناك، فإن هم أتوا بشخص كافر كفراً أصلياً وقالوا له: لابد أن تسلم من أجل دخول الجنة والنجاة من النار، ومن أجل كيت وكيت، فأسلم الرجل، وهو لا يعرف سنة ولا بدعة ولا دليلاً ولا شيئاً من هذا القبيل بالمرة، وإنما أقنعوه بحب النبي، وحب آل البيت، وحب القرآن وحب ربنا، ومن أجل أن يدخل الجنة، ومن أجل كيت وكيت، وقالوا له: لا يطلب منك أكثر من ذلك، فتصلي وتصوم رمضان وتتبع الإمام وتنتظر المهدي المنتظر، وتتزوج بما شئت من النساء، فيقول: والله إن هذا الإسلام جميل جداً، وسهل وحلو، وعلى الأقل الواحد يعيش بالهناء، وفي النهاية سيكون شيئاً ينتظره اسمها: الجنة. فـ ابن تيمية سئل عن مثل هذا فقال: خير للمرء أن يموت على بدعة من أن يموت على الكفر البواح. فبالله عليك لو سئلت هذا السؤال أيكون جوابك نفس جواب ابن تيمية؟! أبداً، وإنما ستقول: الاثنين سواء، فدعه يبقى على كفره أحسن. بل لو سئلت أنه على مذهب التصوف الذي هو الزهادة، وليس التصوف الذي هو التأويل وصرف النصوص عن ظاهرها، لقلت مثل ذلك. إذاً: من معالم أهل البدع: أنهم يقومون قومة رجل واحد على المجتمع المسلم فيكفرونه، وأنتم تعرفون جماعة التكفير والهجرة عندما ظهرت سنة (١٩٧٤م)، وقبل ذلك بقليل لما ظهرت هذه الجماعة كان أعظم شعار لها هو تكفير المجتمعات كلها، وفي سنة (١٩٨٣م) جاء شخص منهم إلى الأردن، وقد كنت في مصر سنة (١٩٨٤م)، جئت من أجل أن أستقر، ولم أجلس عشرين يوماً حتى علمت أن الاستقرار مستحيل، فعدت مرة أخرى، فدخل علي البيت يوم أن كنت في الأردن، وكان عندي أخي، وهو شديد جداً. والمهم أنه قال له: هذا بيت أبي الأشبال، فقال له: نعم. ودخل ولم يلق السلام بالمرة. ثم قال له: أأنت أبو الأشبال؟ قال له: لا. أبو الأشبال في مصر ولعله يأتي بعد عدة أيام. ثم قال له: إذاً أنت أخوه؟ قال له: نعم. قال له: نسمع أنك سفيه ولا يمكن التفاهم معك، فأنا سأنصرف حتى يأتي أبو الأشبال من مصر. والمهم أنه قال له: كنت أريد معرفة رأيك في المجتمع الأردني، فقال له: مجتمع مسلم ونظيف ومحترم جداً. فقال له: لكن أنا على غير ذلك. فقال له: أنت على ماذا؟ قال: على تكفيره. قال: ومن أنت حتى يكون لك رأي؟ فقال: وأنت من؟ قال: على الأقل من أهل السنة. قال له: لا. فنحن أهل السنة. ثم قال له: وإن عندي أدلة تثبت أن هذا المجتمع كافر. أي: أن النبي تكلم عن الأردنيين، وأتى له بحديث مكذوب، فقال له أخي: أين هذا الحديث؟ فقال له: في مسلم. قال له: صحيح مسلم لم يطبع في الدنيا إلا أربع طبعات وهن عندي، فأخرج لي الحديث منهن، وأخي شديد وعنيف، فقد أحضر سكينة وغرزها في الطاولة وقال له: رأسك أو الحديث، وظل يبحث ويقلب في صحيح مسلم، ويمسك هذه الطبعة ويترك هذه، ولم يحصل على الحديث حتى أذن الظهر، ثم قال له أخي: اخرج وصل، ثم عد مرة أخرى لتبحث عن الحديث، وكان باب المسجد أمام باب البيت، ولم يكن بينهما إلا الشارع، فقال الرجل: أنا لا أصلي مع الكفار. فقال له: ومن الكفار؟ فنظر وقال له: هؤلاء الناس الراكعون! إنها جرأة وأي جرأة، ومنهج خرب لأهل البدع. ثم قال له: اجعلني أبحث على الحديث حتى تأتي من الصلاة، فقال له أخي: لا، فأنت لا تؤتمن على دينك، ولا آمنك على هذه المجموعة من الكتب، اخرج إلى الخارج مثل الكلب إلى أن أذهب وأصلي ثم آتي. هكذا قال له. ولما خرجوا من الصلاة لا أعرف ما الذي حصل بالضبط، المهم أنه حصل ضرب شديد، فاجتمعوا عليه وأمسكوا به إخوة المسجد أصحاب السنة، ومسحوا به الأرض، وأنا جئت من مصر بعد هذا الحادث بحوالي أسبوع، فنزلت على أحد أصدقائي في الميدان العام في عمان؛ لأنه كان يسكن معي، فأردت أ

стр. 22

طعن المبتدعة في منهج أهل السنة والجماعة وأدلتهم قال: [ثم ما قذفوا به المسلمين من التقليد والحشو] المعتزلة سموا أدلتنا حشواً وتقليداً، وسموا أهل السنة بالحشوية والمقلدة، وعليه فعندما تحتج بآية أو حديث فأنت قد أتيت بكلام ليس له أي داع، وإنما تحشو فقط، وتجمع الكلام الذي لا قيمة له ولا فائدة ولا طائل من ورائه، ومهما قلت: قال الله قال رسوله، فأنت تحشو الكلام حشواً دون فائدة؛ لأن الفائدة كل الفائدة عندهم -أي: المعتزلة- في الاتباع لأدلتهم. قال: [ولو كشف لهم -أي: السني- عن حقيقة مذاهبهم، كانت أصولهم المظلمة، وآراؤهم المحدثة، وأقاويلهم المنكرة، كانت بالتقليد أليق، وبما انتحلوها من الحشو أخلق، إذ لا إسناد له في تمذهبه إلى شرع سابق، ولا استناد لما يزعمه إلى قول سلف الأمة باتفاق موافق أو مخالف، إذ فخره على مخالفيه بحذقه، واستخراج مذاهبه بعقله وفكره من الدقائق، وأنه لم يسبقه إلى بدعته إلا منافق مارق، أو معاند للشريعة مشاقق؛ فليس بحقيق من هذه أصوله أن يعيب على من تقلد كتاب الله وسنة رسوله واقتدى بهما، وأذعن لهما، واستسلم لأحكامهما، ولم يعترض عليهما بظن أو تخرص واستحالة أن يطعن عليه؛ لأن بإجماع المسلمين أنه على طريق الحق أقوم، وإلى سبل الرشاد أهدى وأعلم، وبنور الاتباع أسعد، ومن ظلمة الابتداع وتكلف الاختراع أبعد، وأسلم من الذي لا يمكنه التمسك بكتاب الله إلا متأولاً، ولا الاعتصام بسنة رسوله إلا منكراً أو متعجباً، ولا الانتساب إلى الصحابة والتابعين والسلف الصالحين إلا متمسخراً مستهزئاً] فهذا هو الفرق بيننا وبين أهل البدع. قال: [لا شيء عنده إلا مضغ الباطل، والتكذب على الله ورسوله والصالحين من عباده]. ولذلك لما سئل أيوب بن أبي تميمة السختياني عن أن ينظر في شيء من الرأي -والرأي ظلمة والحديث نهار- قال: لا أنظر فيه قط؟ قيل: ولم؟ قال: لأنني أكره أن أجتر كالحمار. أي: أكره أن أكون كالحمير، فأتشدق بكلام لا قيمة له. وفي رواية أخرى قال: لأنني أكره مضغ الباطل؛ لأن الرأي بخلاف الدليل، فالدليل نص والرأي رأي. قال: [وإنما دينه -أي: صاحب البدعة- الضجاج والنفاق، والصياح واللقلاق، قد نبذ قناع الحياء وراءه]. أي: يخلع قناع الأدب والحياء، ولذلك لا تجد واحداً من أهل البدع يناقش أهل السنة في كل زمن وفي كل مكان إلا ويجهل عليهم، ويسب ويشتم ويصيح ويجادل ويخاصم ويضجر، ويقول كلاماً يحرم قوله؛ لأن هذا من مبادئهم. أما أهل السنة فإن مبدأهم: قال الله وقال رسوله. هذه الكلمة عندما يسمعها المبتدع يتمنى أن تذبحه بسكين ولا تقول له: قال الله وقال رسوله. لأنه بعيد جداً عن هذا المنهج. لذا ما إن يسمع قال الله حتى يأتي بالغث وبالسمين، ولا يوجد عنده سمين حتى يأتي به، بل يأتي بكل الغث والنفاق والصياح وقلة الأدب. وهؤلاء المبتدعة لهم منهج في النقاش والجدل الذي لا ينتبه له يخذل دين الله ، ولذلك أهل البدع يحب أن يناقش في الظلام، وهذه أيضاً علامة من علاماتهم، فلا يحب أن يناقش على ملأ أبداً، فتقول له: أتريد مناقشتي؟ فيقول: نعم، وذلك في مكان لا يرانا فيه أحد، فتقول الذي عندك وأقول الذي عندي، فيحب أن يعرف ما الذي عندك حتى يرد عليك بعد ذلك، وحتى يرتب أموره ويخرج البلاء المتراكم الذي في قلبه وفي عقله، ويسجلها على أشرطة، وبعد ذلك يرد بها عليك، أو يأخذ حجتك من غير سماع أهل الحق لها، ثم يبطلها ويأتي بأدلته العقلية والنقلية الملوية ويلفقها وينمقها، ثم يدفع بها، ولذلك فإنه يحب أن يبدأ هو بالكلام وبعد ذلك لا يسمح لك بالكلام، فيظل يتكلم لمدة ساعتين حتى يمل المستمعون، ولا تبقى معه ذاكرة تستوعب كلام أهل الحق، وفي الأخير يختم كلامه فيقول: بعد الذي سمعته مني أتريد الكلام يا أخي؟ اذهب الله يسهل لك. فيقوم من ذلك المجلس ويمشي، فيكون المهزوم في هذه الجولة السني، لذا على السني أن يكون ذكياً، فيحدد وقتاً للسؤال والجواب، ومثال ذلك: مناظرات رجل اسمه أحمد ديدات، فقد كان المناظر نفسه يقطع الإجابة من النصف؛ لأن الوقت قد انتهى، ثم يحول الدفة إلى الثاني، أما أنك تترك الشخص يتكلم بالساعتين والثلاث ويخرج كل أصوله ويحشد بها القلوب والأذهان والأسماع، ثم في الأخير يضحك عليك ويتركك ويمشي، ويكون المستمع بعد ذلك ليس عنده أدنى استعداد أن يسمع. بذلك يكون قد غلبك!!

стр. 23

اتهام المبتدعة لأهل السنة بالجهل وعدم فقه الواقع قال: [وإنما دينه الضجاج والنفاق والصياح واللقلاق، قد نبذ قناع الحيا وراءه، وادرع سربال السفه -أي: لبس درع السفه- فاجتابه، وكشف بالخلاعة رأسه، وتحمل أوزاره وأوزار من أضله بغير علم ألا ساء ما يزرون، فهو كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٢ - ١٣]. فهو في كيد الإسلام وصد أهله عن سبيله، ونبز أهل الحق بالألقاب: أنهم مجبرة، ورمي أولي الفضل من أهل السنة بقلة بصيرة، والتشنيع عند الجهال بالباطل، والتعدي على القوام بحقوق الله والذابين عن سنته ودينه. فهم كلما أوقدوا ناراً للحرب -أي: لحرب أوليائه- أطفأها الله، ويسعون في الأرض فساداً، والله لا يحب المفسدين]. أيضاً: من علامات ومعالم أهل البدع: أنهم يتهمون أهل السنة والجماعة بالجهل والغياب عن الواقع، فأنت عندما تناقش شخصاً ممن سلك مسلكاً مغايراً لما عليه سلف الأمة وخاصة في الخروج على الإمام، والمسألة بينة وواضحة، وإن كانوا معنا على عقيدتنا، ولا خلاف بيننا وبينهم إلا في مسألة الخروج، ولذا لابد أن نميز ونفرق بين مسألة مبدأ التكفير ومبدأ الخروج، فالتكفير لا يستلزم الخروج، لكنهم ربطوا بين التكفير وبين الخروج، وقالوا: إذا كان فلان كافراً وجب الخروج عليه. وإننا نسأل الآن: ماذا جر الخروج على الأمة هنا وهناك؟ إنه لم يجر عليها إلا شراً، ولذلك نقول: إن الخروج ليس مذهبنا ولا مسلكنا ولا من أخلاقنا أبداً، وإن كانت مسألة التكفير تختلف فيها الأنظار، لكن الخروج لا يجوز قولاً واحداً؛ وذلك درءاً للمفسدة، وجلباً للمصلحة، وحقناً لدماء المسلمين، فضلاً عن تكافؤ القوى، وهو كلام قلناه ونقوله في كل مناسبة. لذا عندما تناقش أحد هؤلاء، وتقول له: الشيخ الفلاني أو العلامة الفلاني أو المحدث الفلاني يقول بعدم الخروج. سيقول لك: هذا رجل لا يعرف عن الواقع شيئاً! مع أنه رجل قضى حياته في واقع الأمة، وعلم تاريخ الأمة سلفاً وخلفاً، ومع ذلك يرمى من قبل أناس لم يبلغوا سن التكليف، ويقولون مثلاً: الشيخ ابن باز أو الشيخ ابن عثيمين أو الشيخ الألباني هؤلاء علماء دفاتر، وعلماء أقلام، وعلماء تحقيق، وليس عندهم معرفة بالواقع! وهذا بلا شك انحراف عن المنهج القويم لأهل السنة والجماعة. إن عقيدة أهل السنة والجماعة عقيدة واحدة وليست عقائد متعددة، وهذه العقيدة ثابتة وليست متغيرة، وبالتالي فكل متغير إلى زوال، ويبقى هذا الأصل الثابت ثابت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ثم إن كل العقائد التي أحدثت واخترعت وابتدعت قد فشلت في مواجهة عقيدة أهل السنة والجماعة، بدليل قول النبي ﵇: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك). أي: أنهم ثابتون مستقرون على عقيدتهم التي تركهم عليها النبي ﵊ وصحابته الكرام؛ لأنه قال ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة -وهؤلاء هم أصحاب العقيدة الأولى- قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، ﵃ أجمعين.

стр. 24

فشل العقائد المبتدعة أمام عقيدة أهل السنة والجماعة قال: [ثم إنه من حين حدثت هذه الآراء المختلفة في الإسلام، وظهرت هذه البدع من قديم الأيام، وفشت في خاصة الناس والعوام، وأشربت قلوبهم حبها، حتى خاصموا فيها بزعمهم تديناً أو تحرجاً من الآثار، لم تر دعوتهم انتشرت في عشرة من منابر الإسلام متوالية]. أي: أن هؤلاء الشيعة جماعة مبتدعة ليسوا على الحق، ولم نر لدعوتهم انتشاراً في مصر وغيرها، بينما أهل السنة لهم انتشار في كل مكان وزمان؛ لأن هذا دين ربنا ، فهو الذي ينشره وينصره ويؤازره بعباده الصالحين، فأنت عندما تنظر إلى أهل الحق في كل زمان ومكان تجدهم كثير، وأما أهل البدع فقلة لا يكتب لهم ولمنهجهم الانتشار والذيوع، ونحن في بعض الأحيان نهول الأمر جداً مخافة الانتشار، ولذا ليس هناك ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة خاطفة للجهال، والجهال في مصر كثير جداً، فقد يأتي إليك شخص ويجلس معك ويقول لك كلمتين فتقتنع بها، ثم بعد ذلك في المجلس الثاني يكلفك بأن تدعو بهذا الكلام غيرك، وهكذا البدعة تنتشر، لذا أول ما تظهر البدعة لابد أن تأخذ على رأسها بالنعال من أجل أن تردها إلى أصلها، ولذلك نحن في المنصورة أحد المحافظات فيها قرية أو قريتين انتشر فيها التشيع، والمنصورة هذه بلدي، وفيها الكثير من أصحابي أيام الجامعة، وقد ذهبت إليهم ووجدتهم متشيعين، فقالوا لي: والله يا أبا الأشبال! لقد خالفتنا. فقلت لهم: أنا لم أخالفكم، فأنتم الذين خالفتموني، فقد كنا معاً في المعتقد والمنهج. ثم قالوا لي: مع هذا نحن نحبك وأنت غير الناس. فقلت لهم: لا بأس، فهم يريدون أن يثبتوا أنه ليس هناك فرق بيننا وبينهم، وأنهم أناس مؤدبون ويحترمون المخالف، فقلت لهم: سأخطب الجمعة في المسجد الفلاني، وأريد أن أراكم هناك، فهم أحبوا أن يدللوا أنهم أحسن مني، وأنني لا أصلي وراءهم، لكنهم يصلون ورائي، فأتوا، فذكرت الشيعة من أجل الكلام الذي قلناه قبل سنتين، واختصرناه وأجملناه ووقفنا ساعتين إلا ثلث في الخطبة، وهم جلوس، فوجدت أن الناس لم يعجبهم الكلام على التشيع، بينما هؤلاء يعرفون القضية كاملة، بل عامة الناس الفلاحين الجالسين يقولون: كيف تقول يا رجل! على الخميني هذا الكلام؟ إن الخميني هو المخلص، وانظر ماذا عمل مع سلمان رشدي؟ ليس هناك أحد من بني آدم تكلم بكلمة واحدة، ولا وضع مليوني دولار لمن يأتي برأس سلمان رشدي إلا الخميني! وهذا ابن عباس ﵁ عندما سأله الخوارج فقالوا له: هل رأيت أعبد منا يا ابن عباس؟ قال: نعم. النصارى أعبد منكم، فقد جلسوا في صوامعهم وانقطعوا للعبادة وتركوا الدنيا، ومع هذا كانوا كفاراً، فهل الأمر صحة وضعفاً، قبولاً ورداً يقاس بالعبادة أو يقاس بالعلم؟ الكلام في هذا كثير جداً. قال: [لم تر دعوتهم انتشرت في عشرة من منابر الإسلام متوالية، ولا أمكن أن تكون كلمتهم بين المسلمين عالية، أو مقالتهم في الإسلام ظاهرة، بل كانت داحضة وضيعة مهجورة، وكلمة أهل السنة ظاهرة، ومذاهبهم كالشمس نائرة، ونصب الحق زاهرة، وأعلامها بالنصر مشهورة، وأعداؤها بالقمع مقهورة، ينطق بمفاخرها على أعواد المنابر، وتدون مناقبها في الكتب والدفاتر، وتستفتح بها الخطب وتختم، ويفصل بها بين الحق والباطل ويحكم، وتعقد عليها المجالس وتبرم، وتظهر على الكراسي وتدرس وتعلم، ومقالة أهل البدع لم تظهر إلا بسلطان قاهر]. لذا فإن من أعظم معالم أهل البدع: التقرب من الوالي حتى يصلوا إلى البلاط الملكي، وبالتالي تكون البلد كلها معهم، ولذلك أهل البدع دائماً متصفون بالنفاق، إذ البدعة والنفاق عندهم متلازمان، فتجد أهل البدع في أول النهار يقبل يد ورأس الوالي، ويقولون: أنت المخلص وأنت الزعيم وأنت كذا وكذا، ثم بعد ذلك يجلس بجوار الوالي أو السلطان، ويضع الحاكم نعله على رأسه، ويرفعه على كل من خالفه من أهل السنة؛ لأن الغالب في الطرفين الفجور وترك السنن، وأهل السنة يقفون في وجه السلاطين والحكام والملوك والأمراء الذين ابتعدوا عن كتاب الله وعن سنة رسوله. ثم يقول لك: إن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بأهل السنة أعدائي، بينما هؤلاء أحبائي، ولسان حال السلطان: أتريد أن تجعل الرجل الذي يشتمني على المنبر مثل رجل كل يوم يقبل رأسي ويقبل حذائي؟ لابد أن يكون رجلاً محترماً مثل هذا الذي يقبل الرأس. ويقول: وهذا السني لم يعرف قيمتي، مع أنه لا يعمل ذلك حباً في الحاكم، وإنما يعمل ذلك حباً في نفع بدعته. فيأتي إليه ويقول: يا سعادة الباشا! والله نحن عندنا مسألة ونريد من حضرتك أن تتبناها؛ لأنك خير من يتبناها. فيقول الحاكم: وما هذه المسألة؟ فيقولون: القول بخلق القرآن، فالقرآن شيء، وربنا خالق كل شيء، فيقول الحاكم: ومن يخالفك في ذلك؟ فيقولون: المبتدع فلان وفلان، مثل: أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. فيقول الحاكم: ائتوا به. فيسأله الحاكم: ماذا تقول في القرآن؟ فيقول الإمام: أنا أقول: إن

стр. 25

الأسئلة

стр. 26

الحكم على حديث (اللهم إني لا أسألك رد القضاء) السؤال ( اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه) هل هذا حديث أم لا؟ الجواب ليس حديثاً وليس من دعاء السلف، والنبي ﵊ كان يدعو بغير ذلك، فقد كان يطلب من الله أن يرفع عنه البلاء، والبلاء من قدر الله ، ولما كان يدعو برفعه فهو يدعو الله أن يرفعه وأن يمن عليه برفع قضائه الذي قدره عليه.

стр. 27

بيان أن إلقاء السلام على المدخنين لا يعتبر إقراراً لهم على المنكر السؤال هل إلقاء السلام على المدخنين يعتبر إقراراً للمنكر؟ الجواب لا يعتبر إقراراً للمنكر. لكن ما الذي يمنعك أن تلقي ﵇ وأن تنصحه في الله ؟

стр. 28

حكم أذان الفرد إذا كان قد تخلف عن أداء الصلاة في وقتها السؤال هل يجوز أذان الفرد إذا كان قد تخلف عن أداء الصلاة في وقتها أم يقيم فقط؟ الجواب لا شك أن أرجح المذاهب في ذلك مذهب الشافعي، وهو وجوب الأذان والإقامة لمن تخلف عن جماعة الإمام.

стр. 29

رأي الشيخ في قراءة كتب الداعية (أحمد ديدات) السؤال ما رأيك في قراءة كتب الشيخ أحمد ديدات؟ الجواب أنا أذهب مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه القضية، والشيخ أحمد ديدات في وسط هذه البلاد يعتبر من فضل الله ورحمته بهذه الأمة، فقد قام بإظهار حجة الله في هذه البلاد، ومع ذلك فعنده بعض الأخطاء، فأحياناً يوافق الكفار أو يوافق الرهبان على بعض المسائل المخالفة للعقيدة، وهو لو يعرف أن هذه مخالفة للعقيدة وللنبي ﵊ ما قالها، وهذا ظننا فيه، مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، فيثبت أنه ليس لله ولد من خلال التوحيد، ثم يهدم ذلك كله فيقول: وأما إذا كان من باب أننا من خلقه، وأننا من فضله ورحمته، وأننا نتنعم بنعمه، فحينئذ لا بأس أن نقول: نحن أبناء الله وأحباؤه! وإذا كان الأمر كذلك فنحن أولى بأن نكون أبناء الله وأحباؤه، وبذلك هدم السابق كله، وهدم التوحيد الذي قاله بأكمله، وعلى أية حال ربما هو تجوز في هذه المقولة، لكن ليست هذه هي المقولة الوحيدة التي تنكر على الشيخ، بل له مقولات كثيرة جداً تنكر عليه في الاعتقاد، ومنها أيضاً في الأحكام الشرعية. وظننا به أنه يجهل هذا كله، خاصة وأن الشيخ قد قضى حياته في بحث مسألة معينة، فهو ليس رجلاً عالماً كبيراً من علماء المسلمين مثل الأئمة الذين ضربوا بسهم في كل واد، وإنما ضرب بسهم عظيم في باب الاعتقاد، والرد على الملاحدة، والرد على اليهود والنصارى؛ ليبطل زعمهم ويرد على مفترياتهم، فهو يخطئ من حيث لا يدري، والرجل نحبه في الله، ونتمنى أن يسدد، وأن يتقبل الله ﵎ منه هذا الجهد الجهيد. أما أخطاؤه فبلا شك أنه لو تكلم في بلاد مسلمين بهذه الكلمة لوجد في المجلس الواحد ألف واحد يرد عليه، فإذا قال مثلاً في هذا المسجد: نحن أبناء الله وأحباؤه، فستجد من يرد عليه ذلك.

стр. 30

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - بداية ظهور البدع البدعة في الدين أمر عظيم، يجر على الأمة من المفاسد والبلايا ما الله به عليم، وحيثما يكون اتباع الكتاب والسنة يحفظ للأمة دينها وشريعتها، وحيثما تظهر الأهواء والأغراض البشرية تنتشر البدعة ويتفشى الانحراف، ولم تزل الكلمة مجتمعة والقلوب مؤتلفة في الأمة حتى نبتت نابتة القدر والخوارج، وهكذا تتابعت فرق البدعة والضلالة في الظهور، وإفساد عقائد العباد، ومع ذلك فإن الله يقيض من عباده الصالحين في كل مكان وزمان من يدفع عن العقيدة، ويذود عن الملة.

стр. 31

ظهور البدع إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. توقفنا في الدرس الماضي عند بداية ظهور البدع، وإذا كان للبدع بداية ظهرت فيها فإن الأصل كان على السلامة والأمانة والصدق، وهذا يعني أن الحقبة الزمنية الأولى من عمر الرسالة لم يكن فيها هذه البدع، خاصة زمن حياة النبي ﵊، وإن كان بعض أصحابه قد مال إلى مخالفة النبي ﵊، لكن لا أقول: هم الأصحاب، وإنما هم أصحاب الأهواء والضلال والنفاق، ولذلك: (لما دخل رجل على النبي ﵊ وهو يقسم الغنائم فقال: اعدل يا محمد! فإن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله. فقال ﵊: ويحك، من يعدل إذا لم أعدل؟ فلما ولى الرجل مدبراً قال النبي ﵊: سيخرج من ضئضئي هذا من تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية). يعني: أن هذا الرجل كان هو رأس الخروج على النبي ﵊ فلما قال هذه المقولة، وحكم عليه النبي ﵊ بهذا الحكم، كان هذا الرجل هو أصل الخروج على النبي ﵊، ولذلك الخوارج ينتسبون إليه، وكلهم يقولون بمقالته. وأناس آخرون هم من أصحاب النبي ﵊ ومن المحبين المخلصين له، لكن دخل عليهم الشيطان من باب المتشابهات في القرآن الكريم، وقد سمعهم النبي ﵊ يحتجون على بعضهم البعض بهذه الآيات المتشابهات، فخرج عليهم النبي ﵊ وقال: (أبهذا أمرتم؟ ألهذا وكلتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض، وغضب غضباً شديداً، كأنما فقئ في وجهه حب الرمان). فانطلق الصحابة راشدين ولم يعودوا لمثلها قط، وكانت هذه الحادثة في الاحتجاج بالقدر، لكن ما إن تظهر نار الفتنة في زمانه ﵊ إلا وسرعان ما تنطفئ وتخبو تماماً، وعليه فلم تكن للبدع ظهور في زمانه ﵊. وفي عهد أبي بكر الصديق ﵁ ظهرت بدعة من يفرق بين الصلاة والزكاة، وهذه أعظم بدعة، وأعظم فتنة تعرض لها الإسلام بعد موت النبي ﵊، وقد تصدى لها رجل واحد من الأمة وخالفته الأمة بأسرها، وقد نور الله تعالى بصيرته ليدل الأمة على الحق والصواب، هذا الرجل هو أبو بكر الصديق ﵁، كيف لا وقد قال فيه النبي ﵊: (لو وزن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر). إنه العلم النوراني الذي قذفه الله في قلب وفي صدر وعقل أبي بكر، الذي ميز به أن هذا الذي فعله المرتدون أمر يخالف دين الله . وهذه الشبهة دخلت على عمر بن الخطاب ﵁ حتى راجع في ذلك أبا بكر، فلما وجد من إصرار أبي بكر على مقاتلة هؤلاء وقتلهم. قال: فعلمت أنه الحق. أي: لإصرار أبي بكر على ذلك، وما كان ليصر إلا على أمر هو دين الله ، فتبعه على ذلك وتبعته الأمة، وحاربوا هؤلاء الذين فرقوا بين الصلاة وبين الزكاة. وفي عهد عمر بن الخطاب لم يكن هناك فتن قط؛ لأن عمر شديد الشكيمة، والكل يهابه، بينما أبو بكر كان يتصف بالحلم، لكنه كان عند المخالفة أقوى من عمر كما كان ذلك في حروب الردة، وعمر كان بطبيعته وسجيته شديداً، والعرب يعرفونه قبل الإسلام وبعده، فكانوا يهابونه جداً، وما يجرؤ واحد منهم أن يتكلم بما عنده من نفاق أو زندقة أو إلحاد إلا في جحره، وإلا بين امرأته وأولاده وخاصته، ومع هذا هو يخاف أن يتسرب الخبر إلى عمر. ولما تكلم صبيغ بن عسل بما عنده من متشابه القرآن علم بذلك عمر بن الخطاب ﵁، فدعا هذا الرجل إلى بيته، وكان قد أحضر له العصا والجريد والنعال ليضربه، فقال: يا صبيغ! بلغنا أنك تتكلم في متشابه القرآن، وهذا أمر لم يكن عليه أصحاب النبي ﵊، أفهذا خير سبقت إليه -أي: سبقت النبي وأصحابه إليه- أم هو أمر جديد من عندك؟ فإن كان جديداً ليس عليه سلف الأمة فلابد وأن تنتهي، وإن كان هذا أمراً قد فتح به عليك، وأغلق دون غيرك، فهذا شر الابتداع في دين الله، فتناول الجريد وظل يضربه على رأسه حتى سال الدم على وجهه، فقال صبيغ: يا أمير المؤمنين! قد ذهب الذي كنت أجد في رأ

стр. 32

ظهور بدعة القدر قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلم تزل الكلمة مجتمعة والجماعة متوافرة على عهد الصحابة الأول ومن بعدهم من السلف الصالحين، حتى نبغت نابغة بصوت غير معروف، وكلام غير مألوف في أول إمارة المروانية -أي: في عهد عبد الملك بن مروان - تنازع في القدر وتتكلم فيه، حتى سئل -أي: عنهم- عنهم عبد الله بن عمر ﵄]. وذلك لما أتاه يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن من البصرة، فأتوه وهو يطوف حول الكعبة، فقالوا: لعلنا نوفق إلى أحد من أصحاب النبي ﵊ فنسأله عما ظهر عندنا بالبصرة. والذي ظهر عندهم هو: أن معبداً الجهني تلميذ سوسن النصراني الذي أسلم ثم ارتد، ثم أسلم ثم ارتد. هذا سوسن الذي هو رأس الفتنة في البصرة، ولك أن تتصور تلميذ هذا الرجل: معبد الجهني فهل ينتظر منه خير؟ الجواب لا. فـ معبد ظهر ببدعة لم يكن لأصحاب النبي ﵊ ولا للتابعين بها عهد منذ حياة النبي ﵊ وإلى يومنا هذا. هذه البدعة: أنه ينكر أصل القدر ويقول: لا قدر وأن الأمر أنف. أي: مستأنف. بمعنى: أن الله تعالى لا يعلم حقيقة الأشياء إلا بعد وقوعها، فهو بذلك قد سوى الخالق بالمخلوق، فأنت كمخلوق لا تدري ما الذي سيكون بعد لحظة، فسوى بك الخالق ، وقال: وكذلك الخالق لا يعلم وقوع الأشياء إلا بعد وقوعها، وقال بأن الله تعالى ليس هو الخالق لأفعالنا وإنما أفعالنا بإرادتنا ونحن الذين نخلقها ولا دخل لله فيها. ولا شك أن هذا كفر بواح؛ لأنه نفى العلم السابق لله تعالى، مع أن الله تعالى علم كل شيء، علم ما كان وما سيكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، ولم يخف عليه شيء في الأرض ولا في السماء. فهذا الرجل إنما أتى ليضرب المسلمين في صميم عقيدتهم بنفي علم الله الثابت له في الكتاب والسنة. ولذلك لما دخل يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن قالا: لعلنا نوفق إلى واحد من أصحاب النبي ﵊ فنسأله عما ظهر عندنا بالبصرة. قال -أي: يحيى بن يعمر -: فوفق لنا عبد الله بن عمر، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره. قال: فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي -أي: سيدعني أتكلم معه- فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا أناس بالبصرة يتقفرون العلم -وفي رواية: يتفقرون، أي: يتتبعون دقائق وعويص المسائل- ويقرءون القرآن، يقولون: لا قدر وأن الأمر أنف. فقال عبد الله بن عمر ﵁: فإذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم مني براء. أي: لا هم مني ولا أنا منهم. والإمام النووي وغيره ينقلون هذا اللفظ من قول عبد الله بن عمر. يعني تكفيرهم وإخراجهم من ملة الإسلام؛ لأنهم أنكروا معلوماً من دين الله بالضرورة، فأنكروا صفات الله وأسمائه، ولذا فالذي ينفي عن الله صفات أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله، أو ينفي عن الله اسماً أثبته لنفسه، أو أثبته له الرسول الكريم ﵊ لابد وأنه يستحق هذا الحكم، خاصة وإن كان من أهل العلم؛ لأنه قال: (يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم). يعني: أنه ليس بجاهل، فهو لم يقل هذا عن جهل، وإنما قاله عن خبث طوية وسوء نية مع توفر العلم لديه. فمن ذا الذي يقيم الحجة على معبد الجهني؟ لا أحد؛ لأنه من أكابر أهل العلم، لكنه تلقى علمه من مشكاة غير مشكاة النبي ﵊، تلقى العلم من مشكاة سوسن، مشكاة أهل الكتاب، فكان جديراً وخليقاً بأن يستحق الطرد من رحمة الله، ولذا طرده عبد الله بن عمر فقال: فإذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم مني براء. وهذا يعني الكفر والخروج من ملة الإسلام. عند هذه الحادثة لا أقول: كانت بداية ظهور البدع على جهة العموم، وإنما أقول: هي أول نقطة في ظهور بدعة القدر.

стр. 33

ظهور الخوارج قبل بدعة القدر هناك بدع أخرى في زمن علي بن أبي طالب، وعلى جهة الخصوص سنة (٣٧هـ)، وذلك لما وقع الخلاف بين علي ومعاوية ﵄، فانبرى لـ علي أناس، وانبرى لـ معاوية أناس آخرون، فتمزق شمل المسلمين إلى فريقين: فريق مع علي بن أبي طالب، وفريق مع معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية كان مجتهداً متأولاً له الأجر من الله ، وعلي كان مجتهداً وافق اجتهاده منهاج النبوة، فهو مأجور أجرين من الله ، لكن كان لابد من وقوع هذه الفتنة؛ لأن لها جذوراً وأصولاً. ولذا لما قبل علي بن أبي طالب ﵁ بالتحكيم تحت ضغط شيعته -أي: تحت ضغط أتباعه- وهو يعلم أن هذا التحكيم ما هو إلا لعبة فقط، قالوا له: يا علي! ما بالك لا تقبل التحكيم إلى كتاب الله؟ وقالوا: إما أن تقبل وإما أن ننصرف عنك، فقبل التحكيم تحت ضغط شيعته، ورفعوا المصاحف على أسنة الرماح، وعلي بن أبي طالب يعلم أن هذا حق أريد به باطل، لكن أشياعه لم يقبلوا ذلك منه حتى رضخ إلى رأيهم، فلما كانت النكبة والنكاية بعد ذلك أنكروا على علي بن أبي طالب قبوله للتحكيم، رغم أنهم هم الذين ضغطوا عليه، فقالوا: كيف تقبل حكم الرجال؟ وخرجوا عليه، وقالوا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، فأنت لم تحكم بما أنزل الله، ولم تحتكم إلى ما أنزل الله، وإنما احتكمت إلى الرجال، فخرجوا على علي بن أبي طالب وانشقوا عنه بعد أن كانوا معه، فسموا حينئذ بالخوارج. ولذا فبدعة الشيعة وبدعة الخوارج كانت في الترتيب الزمني أسبق من بدعة القدر، والشاهد من هذا: أنه كلما كانت شوكة الإسلام قوية، وكان ذو منعة، كلما انطمست وخمدت الفتن، خاصة إذا كان السلطان صاحب دين، وصاحب شوكة وقوة ومنعة يستطيع بها أن يضرب المبتدع على أم رأسه، عند ذلك يكون الإسلام حينئذ في عافية وستر، وأمان وسلامة. أما إذا كان السلطان في واد والإسلام في واد آخر، ولا علاقة بينهما، وإنما هو يدور مع نفسه حيث دار -أي: حيث دار هو- خلافاً لقول النبي ﵊: (إن القرآن والسلطان سيفترقان، فدوروا مع القرآن حيث دار). فإذا كان السلطان يدور مع نفسه، والقرآن في واد آخر، فلابد وأن يأتي الضعف؛ لأن الناس لا يصلحهم إلا أمير يتأمر عليهم، ووال يترأس عليهم ويوجههم ويرشدهم حتى وإن كان فاجراً، ولم يكن هناك أفجر من الحجاج بن يوسف الثقفي، حتى قال عنه عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وغيرهم: لو أتت كل أمة بخبيثها وأتينا بـ الحجاج لغلبناهم. وهذا يدل على أنه كان أخبث الخلق ممن انتسب إلى أهل القبلة، ومع هذا فإن الأمر الآن لا يصلح إلا بمثل الحجاج يا ليت! يوماً من أيام الحجاج رغم تجاوزاته، إلا أنه كان من أهل القرآن، ومن أهل البلاغة والفصاحة والبيان، وكان محباً للقرآن والسنة، لكنه كان في العقاب يتجاوز إلى أقصى حد، وقد أنكرت عليه أمه ذات يوم صنيعه، فأخذها إلى السوق وحمل معه سيفه ودخل، فكان يدخل على البقال، وعلى صاحب القماش، وعلى الجزار، وعلى فلان وعلان، فيقلب البضاعة إذا رآها معيبة من الداخل جميلة من الظاهر، وينظر إلى أمه فيقول: أهذا دين محمد؟! فتقول: لا، فيخرج سيفه ويضرب رقبته، فيقول لها: هذا الذي دعاني إلى تأديب الناس، وإن كان ذلك بالقتل. ولا شك بأن الذي يغش المسلمين لا يستحق القتل، بل يستحق التأديب والتعزير والتوبيخ، لكنه تجاوز في العقاب ولم يكن فقيهاً، وإنما كان محباً للفقه وأهل العلم خاصة حملة القرآن الكريم، ومع هذا لم ينج منه لا حملة القرآن ولا حملة السنة، وهذا ليس دفاعاً عن الحجاج، فإنني أبغضه ولا أحبه، وأبعده ولا أقربه، لكن كما ورد في ترجمته حتى من الشانئين المبغضين له أنه ما كان يفعل ذلك إلا حرصاً على دين الله . ولذا فهذه الأمة لا يصلحها إلا مثل عمر ليردها مرة أخرى، وليثبت لها العز في هذا الزمان بعد أن باتت في الذل وفي وحل الهوان تحت أقدام اليهود والنصارى.

стр. 34

ما تعرضت له القدرية من العلماء والحكام قال: [وأن ابن عمر ممن تكلم بهذا أو اعتقده بريء منهم وهم براء منه. وكذلك عرض -أي: أمر القدرية- على ابن عباس وأبي سعيد الخدري وغيرهما فقالا مثل مقالته -أي: عبد الله بن عمر - وسنذكر هذه الأقاويل بأسانيدها وألفاظها في المواضع التي تقتضيه إن شاء الله]. قال: [ثم انطمرت هذه المقالة، وانجحر من أظهرها في جحره -يعني: انطمست هذه المقالة، ولم يكن لها أتباع ولا دعاة- وصار من اعتقدها جليس منزله، وخبأ نفسه في السرداب كالميت في قبره خوفاً من القتل والصلب والنكال والسلب من طلب الأئمة لهم لإقامة حدود الله فيهم، وقد أقاموا في كثير منهم، ونذكر في مواضعه أساميهم، وحث العلماء على طلبهم، وأمروا المسلمين بمجانبتهم، ونهوهم عن مكالمتهم، والاستماع إليهم، والاختلاط بهم لسلامة أديانهم]. ولذلك أهل العلم في كل زمان هم أحرص الناس وأشفق الناس على الأمة، فهم من باب النصيحة يوجهون الكلام إلى عامة المسلمين ويقولون لهم: لا تجالسوا أهل البدع، ولا تحدثوهم، ولا تأخذوا عنهم، فإن ذلك هو الذي يسبب السلامة لدينكم. أما إذا جلستم معهم، وخالطتموهم وتحدثتم إليهم، وأخذتم عنهم، وتحملتم العلم عنهم، فإنه لا يؤمن عليكم أن تقعوا في فتنتهم، ولكثر أتباع أهل البدع. يعني: عندما يظهر شخص مثل معبد الجهني في البصرة، ويكون له أتباع عظام جداً، لم لم يتبعه أهل العلم في ذلك الزمان؟ بل أنكروا عليه بدعته، وحذروا العامة منه. لكن لما تنكب العامة نصيحة أهل العلم لهم بألا يقتربوا من هؤلاء وقعوا في شراكهم وحبالهم؛ لأنه ليس عندهم من العلم والعقيدة السليمة ما يؤهلهم لبيان هذه المفتريات والرد عليها، ولكنهم لما اقتربوا منهم وقعوا في بدعتهم؛ لأن كلام أهل البدع في الغالب حلو جميل خاصة إذا لم يفضح أمرهم على الملأ. وفي هذا الزمان كثير جداً من أهل البدع، فعندما نأتي وننهى الناس عن الاقتراب منهم والجلوس إليهم والأخذ عنهم يقول لك: لا. فهذا كلامه منطقي ومعقول جداً، ولو لم يعجبك ممكن أنسق لك معه لقاء تناقشه. أنت يا صعلوك! الذي ستنسق لقاء؟! ما علاقتك بهذا اللقاء؟ ثم بعد ذلك هو الذي يدير اللقاء! واحد جاهل لا يستطيع أن يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته هو الذي يدبر ويسير الأمور بين أهل العلم. يعني: هو المتحكم في أهل العلم، وعندما تأتي تكلمه تقول: أنا خائف عليك. يقول لك: لا. لا تخف عليَّ، أنا منتبه. منتبه من ماذا؟! أنت جاهل، أنت لا تعرف شيئاً. يقول لك: النقاب حرام، فتقول له: من الذي قال ذلك؟ يقول لك: إسماعيل منصور. مع أن هذا قول مخترع جديد لم يقل به أحد من أهل العلم قاطبة، لا قديماً ولا حديثاً، حتى المخالفين للنقاب يقولون: النقاب فضيلة، النقاب مستحب. والذين لا يقولون بوجوبه يقولون باستحبابه وبفضله. أما القول بحرمته فلم يقل به أحد، حتى الأبالسة لم يقولوا بهذا، لكن قد يقول لك: هذا عنده حجة قوية! أأنت أيها الجاهل! الذي ستحكم عن الحجة بأنها قوية أو ليست بقوية؟! فيقول لك: لو لم يعجبك ممكن أنسق لك لقاء تتناقش معه، وبعد ذلك هو الذي يرتب ويدير المجلس! ومن هنا يدخل الشيطان على عامة الناس، والمطلوب هنا ألا نقترب من أهل البدع قط. وهذا منهج السلف إن قبلته كنت على الهدي والصراط المستقيم، وإن رددته كنت على طريق أهل البدع. لكن لماذا العلماء يناقشون أهل الابتداع؟ لأنهم لا خوف عليهم، وهذا دورهم الذي كلفهم الله تعالى به، ولذلك نحن نرى أن أهل العلم في كل زمان ومكان يحذرون من الاقتراب من أهل البدع وهم يقتربون؛ لأن دورهم مزدوج، يأمرك أنت ألا تذهب إليه ويذهب هو إليهم ليدحض حجتهم، ويبين فسادها ويكشف عوارها لعامة الناس حتى يحذروهم. والخلاصة: أن أهل العلم إنما حثوا على عدم الاختلاط بالمبتدعة، وأمروا المسلمين بمجانبتهم، ونهوهم عن مكالمتهم والاستماع إليهم حتى يستقيم لهم أمر دينهم. قال: [وشهروهم عندهم بما انتحلوا من آرائهم الحديثة]. لأن المبتدع إذا لم يجد له أعواناً فكيف سينشر بدعته؟ وكيف سيشتهر؟ ثم ائتوني ببدعة فيها علماء مشهود لهم بالاستقامة والصلاح. لا يمكن أن تجد هذا أبداً. والمبتدعة إنما هم رعاع الناس وسفلة القوم. فمثلاً بدعة التصوف هل فيهم أهل علم مشهود لهم بالصلاح والاستقامة على الكتاب والسنة؟ أبداً. بل إن أهل العلم هم الطبقة الكبيرة، وعندما تأتي وتنظر في رعاع الجماعة وعامة الجماعة تجد أن سفلة القوم لا عقول لهم من الأصل. قال ﵀: [وشهروهم عندهم بما انتحلوا من آرائهم الحديثة، ومذاهبهم الخبيثة، خوفاً من مكرهم أن يضلوا مسلماً عن دينه بشبهة وامتحان، أو بريق قول من لسان، وكانت حياتهم كوفاتهم]. أي: هم أحياء، لكن كأنهم ميتين؛ لأنهم لا قيمة لهم، ولا خير فيهم، ولا نفع من ورائهم. قال: [وأحياؤهم عند الناس كالأموات، المسلمون منهم في راحة، وأديانهم في سلامة، وقلوبهم ساكنة، وجوارحهم هادية، وهذا حين كان الإسلام في نضارة، وأمور المس

стр. 35

ظهور الاتجاه العقلي قال: [فمضت على هذه القرون سنون كثيرة ينصح فيها الأولون الآخرين، حتى ضرب الدهر ضرباته، وأبدى من نفسه حدثانه، وظهر قوم أجلاف زعموا أنهم لمن قبلهم أخلاف -هؤلاء أصحاب الاتجاه العقلي الذين يقولون: نحن خلف للسلف- وادعوا أنهم أكثر منهم في المحصول]. أي: أن التلاميذ الذين هم باختصار شديد: المعتزلة، لما أتوا بعد ظهور هذه البدع قالوا: صحيح أننا نتبنى الآراء التي قال بها أسلافنا، إلا أننا قد حصلنا من العلم ما لم يحصلوه، وإن كانوا هم قد خافوا أن يجادلوا الحكام، وأن يجادلوا أهل العلم، فنحن الآن على أتم الاستعداد لمجادلتهم؛ لأن عندنا من العقل والعلم والتحصيل والذكاء والفطنة ما ليس عندهم، وأيضاً عندنا الجرأة على النقاش. هذه الجرأة سببها ضعف الحكام، ولو كان مع الحاكم مجموعة من أهل العلم كمجلس الحل والعقد مثلاً، أو مجلس الشورى الذين يبتون في أقوال كل مبتدع، ثم يأمرون الحاكم بأن هذا مخالف، أو هذا موافق، أو هذا متأول ولكل جزاؤه، لاندحر كل مبتدع ودخل في جحره. قال: [وادعوا أنهم أكبر منهم في المحصول، وفي حقائق المعقول، وأهدى إلى التحقيق -أي: أنهم أكثر وصولاً وتحصيلاً لدقائق المسائل من أسلافهم- وأحسن نظراً منهم في التدقيق، وأن المتقدمين تفادوا من النظر لعجزهم]. أي: أن المتقدمين لم يكن لهم بصيرة نافذة؛ لأنهم كانوا أعجز من أن يفكروا في كل أمر، وينظروا في كل مسألة. قال: [ورغبوا عن مكالمتهم لقلة فهمهم]. أي: أنهم يسبون أسلافهم، وهذا للعلم أنه معلم من معالم أهل البدع، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أهل السنة أرحم بأهل البدع من بعضهم لبعض، وأعدل لأهل البدع من بعضهم لبعض؛ لأن أهل البدع يقومون بعضهم بعضاً بالتكفير والتفسيق والتبديع والسباب والشتائم. وهو الآن يقول: [وأن المتقدمين تفادوا من النظر لعجزهم]. أي: لم يكونوا يستطيعون النظر في دقائق المسائل مثلهم. كما رغبوا عن مكالمتهم، أي: أن أسلافهم لم يستطيعوا مواجهة أهل السنة لقلة فهمهم، فيقال لمن يتبعهم: أنت متأكد أن سلفك في هذه القضية لم يكن عنده فهم ولا عقل ولا بصيرة ولا شيء؟ سيرد عليك قائلاً: نعم. إذاً: هو لا يصلح، وأنت قد حصلت ما لم يحصل. قال: [وأن نصرة مذهبهم في الجدال معهم حتى أبدلوا من الطيب خبيثاً، ومن القديم حديثاً، وعدلوا عما كان عليه رسول الله ﷺ وبعثه الله عليه، وأوجب عليه دعوة الخلق إليه، وامتن على عباده إتمام نعمته عليهم بالهداية إلى سبيله، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٣١]، فوعظ الله عباده بكتابه، وحثهم على اتباع سنة رسوله] الكريم ﷺ . عجز المبتدعة أن يتخذوا من هذه الآية وأمثالها منهجاً ونبراساً يقتدون به. قال: [وقال في آية أخرى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، لا بالجدال والخصومة، فرغبوا عنهما -أي: فرغب أهل البدع عن هذين- وعولوا على غيرهما، وسلكوا بأنفسهم مسلك المضلين، وخاضوا مع الخائضين، ودخلوا في ميدان المتحيرين، وابتدعوا من الأدلة ما هو خلاف الكتاب والسنة]. أي: جعلوا لهم أصولاً تخالف الكتاب والسنة، فبعد أن كان الأمر أننا نعرض كل شيء على الكتاب والسنة، صار الآن عند أهل البدع أن الكتاب والسنة مطلوب أن يعرضا على أصولهم التي اخترعوها وابتدعوها. قال: [رغبة للغلبة، وقهر المخالفين للمقالة. ثم اتخذوها -أي: هذه الأصول التي ابتدعوها- ديناً واعتقاداً بعدما كانت دلايل الخصومات والمعارضات]. أي: أنه منهج اتخذوه من أجل أن يغلبوا به الخصم، وهذا المنهج سرعان ما صار أصلاً ودليلاً، ثم اعتقاداً، ثم ديناً. قال: [وضللوا من لا يعتقد ذلك من المسلمين] أي: أنهم حكموا على غيرهم ممن يخالفهم في هذه الأصول من أهل السنة بأنهم من أهل الضلال. قال: [وتسموا بالسنة والجماعة]. أي: أن أصولهم لا علاقة لها بالكتاب والسنة، ومع ذلك يضللون المخالف لهم ويسمون أنفسهم بأهل السنة والجماعة. قال: [وضللوا من لا يعتقد ذلك من المسلمين، وتسموا بالسنة والجماعة، ومن خالفهم وسموه بالجهل والغباوة -أي: وصفوه بأنه من أجهل الناس وأغبى الناس- فأجابهم إلى ذلك من لم يكن له قدم في معرفة السنة -أي: من الجهلة- ولم يسع في طلبها -أي: لم يسع في طلب السنة- لما يلحقه فيها من المشقة، وطلب لنفسه الدعة والراحة] ولذلك معظم أتباع أهل البدع جهال؛ لأنهم لم يطلبوا العلم، ولم يعهد عليهم قط طلب للعلم. قال: [واقتصر على اسمه دون رسمه لاستعجال الرياسة] أي: أنه يتزيا بزي أهل العلم، لكنه في حقيقة الأمر لم يطلب العلم استعجالاً للرياسة. قال: [ومحبة اشتهار الذكر عند العامة، والتقلب بإمامة أهل السنة، وجعل دأبه الاستخفاف بنقلة الأخبار]. كما حدث لـ أبي علي الأبار عندما ذهب إلى الأهواز، قال: فدخلت مسجد

стр. 36

نتائج مناظرة المبتدعة قال: [فما جنى على المسلمين جناية أعظم من مناظرة المبتدعة]. أي: أن أسوأ شيء يضر بدينك أن يناظر أهل العلم مبتدعاً في حضورك؛ لأن كلامه جميل ولسانه حلو، لكن السم الذي يحمله هذا الكلام الحلو لا يعرفه إلا أهل العلم، ولذلك يقول القائل: إن هذه الجماعة الفلانية أو الطائفة الفلانية أو الفرقة الفلانية تقول: كيت وكيت، وهذا الكلام جميل ومعقول. لا يا مسلم! لا يوجد شيء اسمه معقول، إما أن يكون هذا الكلام موافق لكتاب الله وسنة رسوله، أو لا، وإما أن يكون هذا الكلام له أصل عند أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أو لا، لذا فأنت لا تعرف هذه المعاني، إنما الذي يعرفها هم أهل العلم، فلا تغتر بحلاوة كلام أهل البدع، فربما يكون كلامهم أحلى من كلام أهل السنة؛ لأن الباطل له بريق، وإلا فلم وقع فيه الناس؟ أما في الداخل فالسم الزعاف، لكن هذا الداخل لا يعرفه حتى قبل الدخول فيه إلا أهل العلم، ولذلك ما ابتلي المسلمون قط بلاءً أعظم من ظهور هذه البدع على عامة الناس، ومناظرة أهل البدع. قال: [ولم يكن لهم قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك]. أي: أن أكثر شيء تغيظ به المبتدع أنك تهمله وتتركه، لكن هذا مشروط بأن تكون بدعته في طي الكتمان، أما لو ظهر ببدعته وصار له أتباع وشوكة، وصولة وجولة فلا، بل لابد من فضحه حتى يرجع إلى الحق، أو حتى يتضح أمره عند عامة الناس. أما لو كانت بدعته غير معروفة ولا منشورة فاتركه ولا ترد عليه؛ لأنك بذلك تكون قد قتلته قتلاً، يقول المتنبي: أرى كل يوم تحت ضبني شويعر قصير يطاولني ضعيف يقاويني لساني بنطقي صامت منه عاذل وقلبي بصمتي ضاحك منه هازل فأتعب من ناداك من لا تجيبه وأغيظ من عاداك من لا تشاكل أي: عندما يناديك شخص وأنت لا ترد عليه فإنك تغيظه غيظاً لا غيظ بعده. ومثل ذلك: شخص يريد التحرش بك، فيظل يشد في ثيابك وذراعك، وربما يناديك بأقبح شيء، ومع هذا فأنت تهمله، فيكون بذلك قد قتلته وأغظته غيظاً مابعده غيظ، أما إذا كان الأمر يستوجب الضرب على الرأس، فهذا أمر لابد منه. قال: [ولم يكن لهم قهر ولا ذل أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة يموتون من الغيظ كمداً، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلاً]. لأنه أحياناً تجد شخصاً من أهل البدع يأتي إليك ويراك بأنك رجل سني بلحية تلبس طاقية أو عمامة بيضاء صغيرة، فيقول لك أمام الناس: ألست من أهل السنة والجماعة؟ فتقول له: نعم. فيقول لك: وأنا مبتدع، فتعال وناقشني. فيحضر حاشيته بالكامل، والذي يهمه أن هؤلاء الناس يعتقدون فيه هو، فيقول لك: تعال، أنا أقول كيت وكيت، فهل ممكن أن ترد هذا الكلام؟ أنت لست طالب علم، ولم تكن تحضر المجالس، ولا تحفظ شيئاً من العلم، وإنما كنت تكتفي بسماع الخير فقط، فكيف سترد عليه؟ هل تقول له: والله أنا لا أعرف كيف أرد عليك؟! أو تقوله له: اذهب إلى الشيخ فلان، أو يا فلان اذهب إلى الشيخ فلان وائت به، فيأتي الشيخ فلان، ثم يقول المبتدع: أنا أقول كيت وكيت، وهي في الحقيقة شبهة جديدة غير الأولى التي طرحها؛ لأن هذا الشيء هو ديدنه، فلن يطرح على الشيخ المبجل ما يطرحه على الجاهل قبله. وما إن يأتي فإن الشيخ يجهز رده على الشبهة التي ألقاها فلما يحضر الشيخ يقول المبتدع: اترك هذه المسألة، فقد علمت خطئي فيها. وأنا أقول كيت وكيت، فيلقي شبهة جديدة لا يعرف الشيخ الرد عليها، ويظل يصرخ ويشتم فيه؛ لأن هذه هي حجة الضعيف. وهذا ينزل من قدر الشيخ عند المستمع ويرفع من قدر المبتدع. أما هو فيدعي الوقار وسمت أهل العلم، وفي هذه الحالة سيرتفع هذا المبتدع في أعين ونظر أتباعه ويسقط الشيخ، وكل ذلك لقلة العلم. قال: [حتى جاء المغرورون ففتحوا لهم إليها طريقاً، وصاروا لهم إلى هلاك الإسلام دليلاً، حتى كثرت بينهم المشاجرة، وظهرت دعوتهم بالمناظرة -أي: ظهرت دعوة أهل البدع بالمناظرة- وطرقت أسماع من لم يكن عرفها من الخاصة والعامة، حتى تقابلت الشبه بالحجج- فباتت الشبهة حجة والحجة شبهة- وبلغوا من التدقيق في اللجج فصاروا أقراناً وأخداناً، وعلى المداهنة خلاناً وإخواناً بعد أن كانوا في الله أعداء وأضداداً، وفي الهجرة في الله أعواناً، يكفرونهم في وجوههم عياناً، ويلعنونهم جهاراً، وشتان ما بين المنزلتين، وهيهات ما بين المقامين. نسأل الله أن يحفظنا من الفتنة في أدياننا وأن يمسكنا بالإسلام والسنة، ويعصمنا بهما بفضله ورحمته].

стр. 37

منهج السلف الصالح في التعامل مع أهل البدع قال: [فهلم الآن إلى تدين المتبعين وسيرة المتمسكين وسبيل المتقدمين بكتاب الله وسنة رسوله، والمنادين بشرائعه وحكمته، الذين قالوا: ﴿آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٥٣]]. أي: يا رب! آمنا بكتابك وصدقناه، واتبعنا في ذلك الرسول الكريم ﵊، فاكتبنا ممن شهد ذلك. قال: [وتنكبوا سبيل المكذبين -أي: خالفوا سبيل أهل البدع- بصفات الله وتوحيد رب العالمين، فاتخذوا كتاب الله إماماً، وآياته فرقاناً، ونصبوا الحق بين أعينهم عياناً، وسنن رسول الله ﵊ جنة وسلاحاً، واتخذوها طريقاً ومنهاجاً، وجعلوها برهاناً فلقوا الحكمة، ووقوا من شر الهوى والبدعة، لامتثالهم أمر الله في اتباع الرسول، وتركهم الجدال بالباطل ليدحضوا به الحق].

стр. 38

الحث على الاتباع والاقتداء قال: [يقول الله فيما يحث به على اتباع دينه، والاعتصام بحبله، والاقتداء برسوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣]]. فانظر إلى قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾! ولذلك تجد أهل السنة طائفة واحدة، وأهل البدع طوائف متعددة؛ لأنهم اتخذوا دينهم فرقاناً، واتخذوا شرعهم أشتاتاً وأشلاءً، ولذلك تجد في حديث افتراق الأمة أن هذه الأمة ستتمزق، وستبتعد كل الابتعاد عن كتاب الله وعن سنة رسوله، إلا طائفة واحدة تتمسك بما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه الكرام، فقال: (وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي). أي: أن أهل السنة والجماعة هم الذين يتمسكون بالأمر العتيق. ولذلك يقول عبد الله بن مسعود: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. وكأن المبتدع يقول لله : أنت لم تكمل شرعك، وأنت لم تتم النعمة علينا، ورسولك لم يبلغ هذا الدين إلينا، فهو يتهم الله ﵎ في أنه قصر في هذا الدين، وفي إتمامه وكماله، ويتهم الرسول كذلك فيما بلغ عن رب العزة ﵎. مع أن الله ﵎ قد أتم لنا هذا الدين، وأكمله ورضيه لنا، فقال آمراً إياناً: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ)). ولا شك أن حبل الله هو كتابه، وسنة رسوله الكريم ﵊. قوله: ((وَلا تَفَرَّقُوا)). هذا نهي عن التفرق والتشرذم والابتعاد عن الاعتصام بالكتاب والسنة. قال: [وقال ﵎: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣]]. فجعل طريقه واحداً، فقال: ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي)) ولم يقل: صرطي وطرقي، وإنما هو طريق واحد، وصراط واحد، وسبيل واحد. قال: [وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]. وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١]-أي: أن اتباع النبي ﵊ يؤدي إلى- ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] أي: على علم. ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. ثم أوجب الله طاعته وطاعة رسوله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢٠]. وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]. وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١]. وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢]. وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، قيل في تفسيرها: إلى الكتاب والسنة -فردوه إلى كتاب الله وإلى رسول الله في حياته، وبعد مماته إلى سنته- ثم حذر من خلافه والاعتراض عليه. فقال سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥]-أي: نفى عنهم الإيمان- ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥]-يا محمد- ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]-أي: يرضوا بهذا الحكم كامل الرضا- وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِ

стр. 39

أصحاب الحديث أولى الناس بالاتباع قال: [فلم نجد في كتاب الله وسنة رسوله وآثار صحابته إلا الحث على الاتباع، وذم التكلف والاختراع، فمن اقتصر على هذه الآثار كان من المتبعين، وكان أولاهم بهذا الاسم، وأحقهم بهذا الوسم، وأخصهم بهذا الرسم -وهم أصحاب الحديث- لاختصاصهم برسول الله ﵊، واتباعهم لقوله وطول ملازمتهم له، وتحملهم علمه، وحفظهم أنفاسه وأفعاله، فأخذوا الإسلام عنه مباشرة، وشرائعه مشاهدة، وأحكامه معاينة من غير واسطة ولا سفير بينهم وبينه، وحفظوا عنه شفاهاً، وتلقفوه من فيه رطباً، وتلقنوه من لسانه عذباً، واعتقدوا جميع ذلك حقاً، وأخلصوا بذلك من قلوبهم يقيناً، فهذا دين أخذ أوله عن رسول الله ﵊ مشافهة لم يشبه لبس ولا شبهة، ثم نقلها العدول عن العدول من غير تحامل ولا ميل، ثم الكافة عن الكافة، والصافة عن الصافة، والجماعة عن الجماعة، أخذ كف بكف، وتمسك خلف بسلف كالحروف يتلو بعضها بعضاً، ويتسق أخراها على أولاها رصفاً ونظماً].

стр. 40

فضل أصحاب الحديث على الأمة وانتسابهم إلى رسول الله قال: [فهؤلاء الذين تعهدت بنقلهم الشريعة، وانحفظت بهم أصول السنة، فوجبت لهم بذلك المنة على جميع الأمة، والدعوة لهم من الله بالمغفرة، فهم حملة علمه، ونقلة دينه، وسفرته بينه وبين أمته، وأمناؤه في تبليغ الوحي عنه، فحري أن يكونوا أولى الناس به ﷺ في حياته ووفاته. وكل طائفة من الأمم مرجعها إليهم في صحة حديثه وسقيمه، ومعولها عليهم فيما يختلف فيه من أموره]. قال: [ثم كل من اعتقد مذهباً فإلى صاحب مقالته التي أحدثها ينتسب، وإلى رأيه يستند، إلا أصحاب الحديث] أي: أن كل صاحب بدعة ينتسب إلى بدعته، وكل صاحب بدعة ينتسب إلى مؤسس هذه البدعة، إلا أصحاب الحديث فإنهم ينتسبون إلى النبي ﵊. قال: [فإن صاحب مقالتهم رسول الله ﷺ ، فهم إليه ينتسبون، وإلى علمه يستندون، وبه يستدلون، وإليه يفزعون، وبرأيه يقتدون، وبذلك يفتخرون، وعلى أعداء سنته بقربهم منه يصولون، فمن يوازيهم في شرف الذكر؟! ويباهيهم في ساحة الفخر وعلو الاسم؟!].
следующие страницы →