← Акыда

Акыда · id 37437

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

درجة حديث: (سلمان منا آل البيت) السؤال ما صحة حديث: (سلمان منا آل البيت)؟ الجواب لم يصح من قول النبي ﵊، ولكنه صحيح من قول علي بن أبي طالب وموقوف عليه.

стр. 107

الحكم على مقولة: (رحم الله امرأً عرف قدر نفسه) السؤال ما صحة حديث: (رحم الله امرأً عرف قدر نفسه)؟ الجواب هذا ليس حديثاً، وإنما هو كلام درج على ألسنة الناس.

стр. 108

درجة حديث الكساء السؤال ما درجة حديث: (أن النبي ﵊ ألقى عباءته على فاطمة وعلي والحسن والحسين ﵃ وقال: هؤلاء هم أهل بيتي) هل هو صحيح؟ الجواب نعم صحيح، أخرجه الترمذي وغيره بسند صحيح.

стр. 109

حكم تغطية المرأة لشعرها عند قراءة القرآن السؤال هل يجب على المرأة تغطية رأسها عند قراءة القرآن؟ الجواب لا يجب أبداً، بل يستحب لها ذلك، تأدباً مع كلام الله.

стр. 110

أحكام السترة للمنفرد السؤال هل يجب على المصلي المنفرد اتخاذ سترة؟ وإن لم يتخذها هل يجوز المرور أمامه دون إذن؟ الجواب اختلف أهل العلم في مدى وجوب سترة المصلي من عدمه، فبعض أهل العلم ذهب إلى الوجوب كـ الشوكاني ومن بعده الألباني. وأما جمهور أهل العلم فعلى أن سترة المصلي مستحبة وليست واجبة، ولمن قال بالوجوب أدلة، ولمن قال بالإستحباب أدلة أخرى صرفت هذا الوجوب إلى الاستحباب، وليس هذا مقام التفصيلات. ثم يقول: وإن لم يتخذ؟ طبعاً بلا شك لو أن المصلي اتخذ سترة يحرم المرور بين يديه؛ لقول النبي ﵊: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لوقف أربعين) قال الراوي: لا أدري أربعين سنة أو شهراً أو أسبوعاً أو يوماً. فلا شك أن هذا التحذير شديد، إذا صليت إلى سترة فهذا صارف للوجوب، (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة) أمر، وقول النبي ﵊: (إذا صلى أحدكم إلى سترة) يصرف الوجوب. وحديث: (إذا صلى أحدكم إلى سترة فأراد أحد أن يمر بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان). هذا يصرف الوجوب، كما أنه يثبت تحريم المرور بين يدي المصلي. لكن فرضاً لو أن شخصاً صلى بنا إلى غير سترة، هل يجوز لي أن أمر من أمامه مباشرة؟ الجواب لا، ولكنك تقدر له ثلاثة أذرع ثم تمر من بعد هذه الثلاثة أذرع؛ لأن النبي ﵊ سئل: (كم بين الرجل وبين سترته؟ قال: ثلاثة أذرع) والذراع قدره من المرفق إلى الرسغ، فالمرء يسجد بقدميه ذراع، وببطنه أو ظهره ذراع، ويبقى بينه وبين موطن السترة مقدار مرور شاة، وهذا هو الذراع الثالث، فأنت تقدر الثلاثة أذرع ثم تمر من بعده ولا حرج عليك. وبعض أهل العلم قالوا: يحرم المرور بين يدي المصلي، وإن لم يتخذ سترة، ولو كان هو في مؤخرة المسجد والمار في مقدم المسجد.

стр. 111

حكم الصلاة خلف من ينقر الصلاة السؤال أصلي في مسجد الأوقاف بحكم تواجدي في عملي، ولا أستطيع أن أقرأ بتدبر أو أطمئن في الركوع والسجود، وعندما أخرج من الصلاة أشعر أني لم أصل. الجواب أنت لست محتاجاً لأن تدافع عن نفسك، والذين يصلون في مسجد الأوقاف هل كفروا؟ صل في مسجد الأوقاف. وإذا كان هذا شعورك من الأوقاف بلغ إلى هذا الحد فالأمر متعلق بشخصك أنت، وإذا كان لأجل نقر الإمام الصلاة نقراً لا تصح معه الصلاة فصل مع الإمام ثم صل وحدك مرة أخرى؛ لأن النبي ﵊ دخل المسجد فوجد رجلاً ينقر صلاته فأمره أن يعيد الصلاة، وهذا الحديث معروف عند الناس بحديث المسيء في صلاته. لما فرغ منها أتى إلى النبي ﵊ وقال: (السلام عليك يا رسول الله! قال: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل). فلو لم تكن صلاته باطلة لهذا النقر لما أمره بإعادة الصلاة. وقوله: (فإنك لم تصل) لا يحمل على التمام والكمال، وإنما يحمل على أصل الصحة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 112

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - ما جاء عن النبي في الحث على الاتباع لقد حث الإسلام على اتباع الكتاب والسنة والاستمساك بهما، وبين أن المتبعين للكتاب والسنة هم الجماعة التي حث النبي ﷺ على ملازمتها وعدم الخروج عنها، وبين ﷺ صفات هذه الجماعة وأنها الطائفة المنصورة، وأنها السواد الأعظم من بين الفرق الأخرى، ومن تركها فهو على شفير الهلكة، وإنما يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فبئست البضاعة بضاعته.

стр. 113

سياق ما روي عن النبي ﷺ في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد: فمع باب جديد من أبواب أصول الاعتقاد: وهو فيما يخص ما روي عن النبي ﵊ في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم، وذم تكلف الرأي والرغبة عن السنة، والوعيد في مفارقة الجماعة. وهو باب عظيم جداً يحث على اتباع الجماعة، وأثبت أنهم هم السواد الأعظم، ولعلنا قد تطرقنا إلى بيان ذلك في دروس قد مضت، وهو إثبات أن المسلمين قد تفرقوا إلى شيع وأحزاب وفرق وجماعات، وقلنا في شرح حديث افتراق الأمة: أن أهل السنة والجماعة هم أعظم فرقة، وإلا فمن فرق المسلمين: الخوارج، فلو أردنا الآن أن نقول: أي الفرقتين أعظم وأكثر سواداً: أهل السنة أو الخوارج في مصر؟ لقلنا: أهل السنة. ولو أردنا أن نطبق هذا على كل بلد من بلدان المسلمين لكان أهل السنة والجماعة أكثر وأعظم من غيرهم في أي بلد من البلدان. فأهل السنة والجماعة بفضل من الله تعالى ورحمة هم السواد الأعظم في كل بقعة من بقاع الأرض التي نطقت بتوحيد الله . فالنبي ﵊ يحث على اتباع الجماعة والتمسك بها، والاعتصام بحبلها المتين، وهم السواد الأعظم. وقد وردت أحاديث، بل قد وردت آيات فيها الوعيد الشديد والتهديد الأكيد لمن ترك السواد الأعظم وترك الجماعة، وأثبتت هذه الأدلة: أن من ترك الجماعة قيد شبر فمات مات ميتة جاهلية، وإليك هذه النصوص:

стр. 114

النهي عن التبتل والاختصاء والغلو في الدين قال: [أخبرنا حميد أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: إن النبي ﵊ قال: (والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم لله، فمن رغب عن سنتي فليس مني)]، فهذه سمة من سمات السواد الأعظم وهم أهل السنة والجماعة، أنهم معتدلون في التمسك بالسنة فلا يغالون فيها ولا يجافون عنها. وهذا الحديث له مناسبة: لما ذهب ثلاثة نفر إلى بيت من بيوت النبي ﵊ فسألوا عن عبادته، فلما أخبرتهم عائشة ﵂ بعبادة النبي ﵊ كأنهم تقالوها، قالوا: هذه عبادة قليلة، والنبي ﵊ ليس مثلنا، فهو رجل قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيعبد أو لا يعبد، قد أخذ الوعد من الله ألا يعذبه بل يدخله الجنة، وأما نحن فإننا نحتاج إلى عبادة بل وإلى مشقة في العبادة حتى نحظى بشيء مما حظي به النبي ﵊، قالوا: لابد أن نكلف أنفسنا أعظم من ذلك من الأعمال والعبادة والصلاح والتقوى والطاعة وغير ذلك، فأما أحدهما فقال: (إني لا أتزوج النساء قط. وأما الثاني فقال: فإني لا أنام على فراش قط. والثالث قال: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر) وظل كل واحد منهم يتزهد زهداً لم يؤمر به، حتى ذهب بعضهم واستأذن من النبي ﵊ وهو عثمان بن مظعون ﵁ في الاختصاء، حتى لا يكون له رغبة في النساء، وينقطع للتبتل؛ أي: ينقطع للعبادة. قال: [قال: أنس ﵁: (استأذن عثمان بن مظعون النبي ﵊ في الاختصاء ولو أذن له لاختصينا)]، ولكنه ﵊ لم يأذن. لماذا طلب عثمان بن مظعون هذا؟ لأجل أن ينقطع للعبادة فلا يكون له رغبة في النساء، فالمرأة التي تسل مبايضها لا ترغب في الرجال، والرجل الذي يختصي لا يرغب في النساء قط، وإنما حمل عثمان بن مظعون على مثل هذا الطلب أنه أراد أن ينقطع للتبتل، والتبتل هو الانقطاع للعبادة، ولكن النبي ﵊ لم يأذن له بذلك؛ لأن الدين الإسلامي وسط بين الروحانية وبين المادية، فلابد للبدن من حاجة ولابد للروح والقلب من حاجة، ولذلك رد النبي ﵊ على عثمان بن مظعون هذا الطلب. فهؤلاء القوم لما أتوا إلى بيت من بيوت النبي ﵊ وطلبوا منه ذلك الطلب أو سألوا عن عبادته فتقالوها، خرج عليهم النبي ﵊. قال: (ألستم القوم الذين قلتم: كيت وكيت. قالوا: بلى يا رسول الله! قال: أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له). ومن الذي يشك أن أفضل الخلق على الإطلاق هو النبي ﵊؟ وما حاز على هذه الأفضلية إلا بتقواه وطاعته لله . (أما إني أخشاكم لله وأتقاكم لله وأعلمكم بالله). وفي رواية البخاري، ومسلم: (أما إني أتقاكم لله وأعلمكم بالله) أي: من جهة العلم والعمل، فهو من حيث العلم بالله فهو أعلم الخلق، ومن حيث التقوى هو أتقى الناس علماً وعملاً. قال: (ولكني أصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وأنام وأصلي؛ فمن رغب عن سنتي) أي: زهداً فيها حباً في غيرها (فليس مني). أي: قد اتخذ سنة غير سنتي، واهتدى بهدي غير هدي، ولاشك أن هذا ضلال وانحراف. فلابد من التمسك بسنة النبي ﵊ على المراد الذي أراده النبي ﵊، ولابد من التمسك بكتاب الله على مراد الله ، وليس على مراد أحد، وليس على مراد عالم من العلماء فضلاً عن عامي من عامة الناس، فلابد من التمسك بكتاب الله على مراد الله، ومن التمسك بالسنة على مراد صاحبها ﵊، فلا يجتهد أحد اجتهاداً مخلاً بالآداب والأخلاق والسلوكيات التي أمرنا بها النبي ﵊، وهذا الحديث أيضاً ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما.

стр. 115

النهي عن الخروج على ولي الأمر وشق عصا الطاعة قال: [عن أبي هريرة ﵁ عنه قال: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية)]. ولاشك أن هذا الحديث له قصة طويلة جداً، خاصة لمن قرأ كتاب إمام الحرمين الإمام الجويني، (غياث الأمم) فسيجد أن هذا الحديث في هذا الزمان له مشكلة عظيمة جداً. الحديث يقول: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة) أي جماعة هي؟ المقصود بها: جماعة المسلمين التي تقع تحت راية الخليفة والسلطان. والخليفة الشرعي أين هو؟ لابد من خلافة راشدة على منهاج النبوة حتى نقول: إن من خرج عن هذا فمات مات ميتة جاهلية. بعض الجماعات الموجودة على الساحة كل يدعي أن هذا الحديث يخصها، وأحياناً يعلنون ذلك، وأحياناً بطرف خفي على استحياء، وأحياناً يتبجحون به، ولا شك أن هذا التصريح تصريح خاطئ، فكل جماعة من الجماعات العاملة على الساحة ما هي إلا وحدة من وحدات المسلمين التي تهتم بجانب أو بجانبين أو بمسألة أو بمسألتين من المسائل التي أمر الله تعالى بها ورسوله، ومنهم من يخطئ ومنهم من يصيب، ومنهم من يطرأ إليه الخطأ ومنهم من يطرأ إليه الصواب، لكن هل هي الجماعة التي يجب على كل واحد منا أن يتبعها وإلا لو مات من غير بيعة لفلان أو علان مات ميتة جاهلية؟ الجواب لا. أنت لا يلزمك قط أن تبايع، وإني أعتقد أن من بايع أي إمام أو أي عالم أو أي جماعة في هذا العصر من هذه الجماعات فإن بيعته بدعية وليست شرعية. لماذا؟ أولاً: البيعة لا تكون إلا للخليفة العام الذي اجتمع المسلمون عليه، متمثلاً في مجلس الحل والعقد الشرعي الذي حكم البلاد شرقاً وغرباً بأن يعينوا أميراً للمسلمين عامة كما حدث في سقيفة بني ساعدة في تولية أبي بكر الصديق ﵁، فكان هو الخليفة المعتمد والخليفة الشرعي الرسمي الذي بعد ذلك ولى الولاة، ونصب الأمراء، ثم أطلقهم في الأمصار والولايات، وكل واحد من هؤلاء تحت إمرته هو ﵁، فإن البيعة لا تكون إلا على هذا النحو. أما هذه البيعات فإنها كلها بيعات لا يقرها الله تعالى ولا يقرها الرسول ولا أحد من أهل العلم الذين لهم بصر نافذ وحافظة قوية، فإن الحديث من خرج من طاعة الخليفة أو طاعة الوالي والأمير والسلطان الذي ولاه وأمره وسلطه الخليفة الأعظم وهو خليفة المسلمين، فلو كان الأمر كذلك وحدث خروج على هذا الرجل فإن من مات على هذا النحو فميتته جاهلية، وأما من خالف ذلك فليس موته بجاهلية قط، فقوله: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة) التي يترأسها الخليفة الشرعي كما قلنا فميتته جاهلية. قال: [قال: (ومن خرج على أمتي -وهي الجماعة أيضاً- يضرب برها وفاجرها -يقتل فيها البر والفاجر- لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس مني)]. أي: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠]، إذا رفع المؤمن لواء الإيمان والتوحيد قاتله لأجل إيمانه كرهاً في الإيمان وحباً في النفاق والكفر. فإنه لو كان كذلك لكان جاهلياً خارجاً عن ملة الإسلام. ثم يقول: [(ولا يفي لذي عهدها)]. انظر إلى عظمة الإيمان، فإن الله ﵎ يلزمنا أن نفي بالعهود حتى وإن كانت مع غير المسلمين، ولا يلزم الوفاء بالعهد إذا نكث وخان أصحاب العهد عهدهم، فالنبي ﵊ قد أمهل اليهود في المدينة وأقرهم في سكن المدينة على شروط: ألا يؤذوا مؤمناً وألا يخونوا وألا يغدروا وغير ذلك من الشروط. ولكنهم سرعان ما خانوا وتكشفوا على عورات نساء المؤمنين، فما كان من النبي ﵊ إلا أن أخرجهم وأجلاهم عنها؛ لأن الذي خان أولاً هم اليهود، فإنهم إذا خانوا العهد فلا عهد لهم، وهنا قال النبي ﵊: [(ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى مؤمنها -أي: لا يرقب فيه إلاً ولا ذمة- ولا يفي بعهدها فليس مني، ومن مات تحت راية عمية يغضب للعصبية أو يقاتل للعصبية فميتته جاهلية)]. ولذلك سئل النبي ﵊: (الرجل منا يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل) كيت وكيت وكيت وصاروا يعددون له أمور العصبية الجاهلية. قالوا: أي ذلك في سبيل الله يا رسول الله؟! فلم يذكر أن واحدة من هذه في سبيل الله، وإنما قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). هذه الوحيدة التي تجعلك على الجادة والاستقامة، أما إذا قاتلت لأجل أبيك أو لأجل أمك عصبية أو حمية جاهلية، أو قاتلت لأجل عشيرتك، أو لشيء غير مأذون فيه من جهة الشرع أو غير ذلك فإن هذا ليس أبداً من دين الله ، ومن مات في قتال على هذا النحو فميتته جاهلية. وقد صح أن النبي ﵊ أنه قال: (من جاء إلى أمتي وهم جميع -أي: وهم مجتمعون- يريد أن يفرق بينهم فاقتلوه كائناً من كان). يعني: إذا كان للمسلمين خليفة وإماماً يقتدى به محل رضا، وظهر خليفة آخر وطلب البيع

стр. 116

حكم قتل المسلم السؤال الثاني: هل يجوز قتل المسلم؟ نعم. يجوز إذا أتى من الأعمال ما يستوجب قتله؛ ولذلك النبي ﵊ يقول: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه). فالأصل في دم المسلم أنه حرام، والنبي ﵊ يقول كما في البخاري: (لا يزال الرجل في فسحة من دينه -يعني: في سعة من دينه- ما لم يصب دماً حراماً). أي: ما لم يقتل نفساً بغير حقها. وهذا يدل على أن المسلم إذا قتل نفساً بغير حقها ضاقت عليه الحلقة جداً، فلعله لا تقبل له توبة، ومذهب ابن عباس: أن من قتل مؤمناً متعمداً لا تقبل توبته قط. هذا قول الله تعالى، ولكن قد ورد في الحديث أن: (دم المسلم لا يحل إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة). فلو أن شخصاً خرج على الإمام بالشروط المذكورة آنفاً يقول: والله إمامتك هذه لا تعجبني وأنا خارج من طاعتك، ولن أتبعك. فلا شك أن هذا الرجل لو قال هذه الكلمة له أحكام عظيمة جداً، فإن كان كلامه هذا لا صدى له عند عامة الأمة ولا خطورة في ذلك على كلمة المسلمين؛ وجلس هذا الخارج في بيته؛ فإنه لا شيء عليه، ولكن لو مات على هذا النحو فميتته جاهلية. أما لو قال للإمام: والله أنا خارج عليك وما لي علاقة بك، وأنت إمامتك غير شرعية، وتبعه في ذلك أقوام وتحيزوا وتميزوا، وصاروا في مكان والأمة في مكان، وجب على الإمام أن يقاتلهم قتال من خرج عن الجماعة. وأنت إذا نظرت إلى علي بن أبي طالب ﵁ في قتاله لمن خرج عليه لعرفت ذلك، فإنه لما تميزوا وصاروا في مكان وعلي في مكان قاتلهم؛ لأنهم خرجوا عن الإمرة الشرعية لـ علي بن أبي طالب، فوجب عليه قتالهم؛ فقاتلهم، وفي الوقت نفسه لما سئل عنهم: هل هم كفار؟ قال: لا. إنما هم من الكفر قد فروا، فقالوا له: فماذا هم إذاً؟ قال: هم إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم. فسماهم بغاة ولم يسميهم كفاراً، ومع هذا قاتلهم فقتل منهم وقتلوا منه، والله ﵎ يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ [الحجرات:٩]. أي: هناك بغي وظلم وعدوان، ومع هذا لم يسلب المولى عنها اسم الإيمان أو صفة الإيمان، فالطائفة قد تخرج على الإمام فتكون باغية مع إيمانها، ويجوز للإمام أن يقاتلهم وأن يريق دماءهم مع أنهم مؤمنون، فليس بلازم أن يقاتل الرجل لخروجه عن الملة، بل يقاتل وهو في داخل الملة إذا استوجب ذلك.

стр. 117

الأمر بلزوم الجماعة وبيان خطر الشذوذ عنها قال: [عن أسامة بن شريك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يد الله على الجماعة، فإذا شذ الشاذ منهم اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاة من الغنم)]. وفي الحديث: (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية). يعني: البعيدة، والغنم مجتمعة عادة وراعيها معها لا يمكن للذئب أبداً أن يخترق هذا القطيع، أما إذا كانت الشاة شاردة شاذة وابتعدت عن أخواتها من الغنم فلابد أن يهجم عليها الذئب، فكذلك الرجل إذا كان مع الجماعة فإنه محفوظ بحفظ الله ﵎ لهذه الجماعة؛ لأن هذه الجماعة ما اجتمعت إلا اجتماعاً شرعياً حقيقياً على كتاب الله وعلى سنة رسوله؛ لأن معنى أهل السنة والجماعة: أنهم متمسكون بالأثر، وقد اجتمعوا على ذلك، فلا تطلق الجماعة إلا الجماعة الشرعية، على قوم اجتمعوا على كتاب الله وعلى سنة رسوله، والنبي ﵊ قد وعد وعداً أكيداً أنه قد ترك فينا ما إن تمسكنا به لن نضل أبداً: كتاب الله وسنة الرسول ﵊. فإذا كان الأمر كذلك وتمسك المسلمون بكتاب ربهم وسنة نبيهم واجتمعوا على ذلك فأنى للشيطان أن يخترق هذه الجماعة فضلاً عن غير الشيطان من شياطين الإنس؟ فقوله هنا ﵊: (يد الله على الجماعة). بعض الناس وللأسف الشديد في هذا الزمان من أهل السنة ومن الداعين إلى التمسك بالأثر زلت قدمه في هذا الحديث، وقال: اليد هنا بمعنى: القوة. وقال: أنا لا أستطيع أبداً في هذه الصفة على جهة الخصوص أن أعقل أن اليد يراد بها اليد، ثم ذكر نفس التأويل ونفس التفكير في قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فقال: أنا لا أعتبر أبداً اليد هنا بمعنى اليد الحقيقية الثابتة لله ، وإنما اليد هنا بمعنى: القوة، فلما حدثناه في ذلك -لأنه إمام من أئمة السنة- قال: كيف لي بأن أفهم أن اليد هنا بمعنى اليد الثابتة لله ؟ وكيف تكون يد الله على الجماعة، وإذا كانت هي اليد الثابتة لله فكيف تكون يد الله فوق أيديهم؟ قال: إن ذلك يلزم منه المماسة ولله المثل الأعلى، فقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، يعني: هكذا. فوضع اليسرى على اليمنى أو العكس. قال: واللغة تخص بالفوقية أن تستلزم المماسة. قلت: لا. يد الله فوق أيديهم ويد الله على الجماعة لا تستلزم المماسة. ثم سألته أين السماء؟ قال: فوق. أين الأرض؟ قال: نحن عليها. قلت: ألست تقول: إن السماء فوق الأرض؟ قال: بلى. قلت: هل يلزم من ذلك أن تمس السماء الأرض؟ قال: لا. قلت: إذاً: هكذا. السماء فوق الأرض لا يلزم منها مماسة السماء للأرض. فكذلك يد الله ﵎ فوق أيدينا، وهذا يدل على علو المولى ﵎ وفوقيته، فعلى أية حال هو وعد أن ينظر في الأمر وأظن أن عنده الوقت الكافي؛ لأن هذا الأمر مر عليه عامان وزيادة. وقوله: (يد الله على الجماعة) هي إثبات ليد الله ﵎ الحقيقية، ولا ينفي ذلك: أن نفهم منها ما يلزم من ذلك وهو حفظ الله ﵎ لهذه الجماعة وعنايته بها ونصره وتأييده وغير ذلك، ومع ذلك لا ننفي المعنى الأصلي وهو أن يد الله ﵎ فوق الجماعة. قال: (فإذا شذ الشاذ) أي: فإذا انحرف عن هذه الجماعة وتركها ونحا نحواً غير نحوها وذهب مذهباً غير مذهبها اختطفته الشياطين كما يختطف الذئب الشاة من الغنم.

стр. 118

التحذير من اتباع سنن اليهود والنصارى وفي حديث عبد الله بن عمر وغيره: [(ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى لو كان فيهم من يأتي أمه علانية لكان في أمتي من يفعل ذلك)]. ولاشك أن بني إسرائيل كان فيهم ذلك، كان الرجل يأتي أمه ويأتي ابنته، وإن هذه الأمة قد ظهر فيها ذلك حقيقة، ففي هذه البلاد وغيرها من الناس من يأتي أمه ويأتي ابنته ويأتي جميع المحارم من باب أولى. إن الذي يجرؤ على أن يأتي أمه يجرؤ على أن يأتي عمته وخالته وبقية المحارم، فإن هذه الأمة قد تبعت بني إسرائيل حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل؛ ولذلك النبي ﵊ يقول: [(لتتبعن سنن من كان قبلكم -أي: هديهم- حذو القذة بالقذة، حتى إذا دخلوا جحر ضب دخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟! قال: فمن؟)] يعني: إن لم أكن أعني وأقصد هؤلاء فمن أعني؟ يعني: أنتم تتبعون اليهود والنصارى في كل شيء في أخلاقهم وسلوكياتهم، بل وفي بعض عقائدهم. ولا شك أن هذا قد حدث في الأمة ووقع فيها أيضاً، أنا أقول: إن الأمة الآن على غير المنهاج الصحيح، وربما أنا أبالغ -لأنه لا نبي بعد النبي ﵊ إن قلت: إن الأمة تحتاج إلى أنبياء يبعثون من جديد؛ حتى ترد إلى دينها الأصلي وإلى ما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه، إن الأمة الآن تحتاج في كل حي إلى عشرات ومئات من الدعاة في الوقت الذي تكمم فيه أفواه الدعاة، وكأن الأمة أريد بها أن تنسلخ من دينها انسلاخاً كلياً؛ فتكون كاليهود والنصارى، في الوقت الذي نرى فيه القساوسة والرهبان يمرحون ويلعبون ويسرحون ويقولون ما يشاءون، أليس هذا الوضع جدير بأن يقف كل منا وقفة مع نفسه ويتقي الله ﵎ ربه، ويرجع إلى دينه، ويرد نفسه إليه رداً جميلاً، ويدعو إلى الله ﵎ بالليل والنهار، وإذا كان صاحب درس أو صاحب خطبة لا يكتفي أبداً بهذا، فإن الكلام كثير، والوعظ منتشر في هذه الأيام، ولكنه لا يثمر ثمرته المستمرة، فإنه بعد أن يخرج الموعوظ من المسجد كأنه لم يسمع وعظاً ولم ينتفع به قط، وكأنه أراد أن يقول للواعظ: هذه بضاعتكم ردت إليكم، لا حاجة لنا فيها لا نحن منكم ولا أنتم منا. إن الأمة بينها وبين دعاتها هوة عظيمة؛ لأن الأمة قد رضيت بغير أخلاق النبي ﵊ فكيف ترجع؟!

стр. 119

إخبار النبي ﷺ بافتراق الأمة إلى فرق وأحزاب قال: [(إن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة ويزيدون عليها ملة)]. وفي حديث آخر: (وأمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة. فقالوا: يا رسول الله! وما هي؟ قال: الذي أنا عليه وأصحابي). بعض الناس يتصور أن هذه الفرق كافرة، وأن هذه الفرق مخلدة في النار، وهذا فهم خاطئ؛ لأن النبي ﵊ لم يحكم عليها بالكفر والخروج من الملة، ولذلك أثبت في أول الحديث أن هذه الفرق من الأمة، فقال ﵊: (كل أمتي). وقال: (وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار). فكيف تكون هذه الفرقة من الأمة وهي في النار؟ الجواب صاحب المعصية وصاحب الكبيرة يدخل النار، ومع هذا لا يخلد فيها، وإنما إذا استحق جزاءه عذب في النار ثم خرج منها فدخل الجنة. ولا سبيل إلى ضبط نصوص الوعد والوعيد إلا على هذا؛ لأن النبي ﵊ قال: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وصام وصلى وزكى وحج وأمر بالمعروف ونهى عن منكر ليس كمن يشهد أن لا إله إلا الله ولكنه لا يعرف المعروف ولا يعرف المنكر فيقع في المنكر وينهى عن المعروف. بل من الفرق الإسلامية أو من الفرق التي انتمت وانتسبت إلى الإسلام فرق كثيرة جداً تفرعت عن الفرق الأصلية، ذكرها ابن الجوزي في كتاب (فرق الأمة)، وذكرها ابن تيمية في كتاب (الفتاوى) وغيرها من الكتب التي تكلمت عن الفرق، قال: ومن الفرق الإسلامية فرق تفرعت عن الفرق الرئيسية. هي ثلاث وسبعون، تفرقت عنها فرق خارجة عن ملة الإسلام لم تسلم قط، فهذه الفرق لا تعد من الفرق الإسلامية؛ لأن الفرق الإسلامية لم يحكم عليها النبي ﵊ بالكفر، وإنما حكم عليها بالضلال والانحراف الذي استحق الوعيد، فكلها في النار، ولم يقل ﵊: كلها في النار خالدة مخلدة فيها أبداً، وإنما قال: (كلها في النار إلا واحدة)، فلا يلزم من دخول المرء النار الخلود فيها أبداً، وإنما دخول النار والخلود فيها بمعنى: المكث الطويل لا الأبدية. ولذلك أنت لو راجعت نصوص القرآن الكريم ونصوص السنة المطهرة لوجدت أن لفظ: (خالداً مخلداً فيها أبداً) لم يرد إلا في حق الكفار الأصليين، أما المسلم المنحرف العاصي الذي أتى الكبائر وانحرف عن المنهج فلا تجد إلا خالداً مخلداً، ومعنى (خالد) أي: ماكث مكثاً طويلاً، لكنه في نهاية الأمر لابد أن يخرج من النار ويدخل الجنة؛ لأنه قال في يوم: لا إله إلا الله. ولابد من هذا التأويل حتى تستقيم النصوص ولا يحصل فيها تعارض ولا تناقض. قال: [قال أنس: قال النبي ﷺ : (إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. فقيل: يا رسول الله وما هذه الواحدة؟ -ما هذه الفرقة؟ - فقبض يده وقال: الجماعة. فاعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)]. قال: [عن عوف بن مالك قال: قال النبي ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وسبعون في النار)] يعني: واحدة في الجنة: وهم الذين تبعوا موسى ﵇ وعملوا بشرعه واهتدوا بهديه واستنوا بسنته قبل مجيء عيسى ﵊. قال: [(وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وإحدى وسبعون في النار، والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار. قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: الجماعة)]. قال: [عن أبي عامر عبد الله بن لحي قال: حججنا مع معاوية فلما قدمنا مكة صلينا صلاة الظهر في مكة، قام فقال: (إن رسول الله ﷺ قال: إن أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق ثلاثاً وسبعين ملة -يعني: الأهواء والنحل- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة)]، ثم قال: [(إنه سيخرج في أمتي قوم يتجارى بهم كما يتجارى الكلب بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)]. قوله: (وإن هذه الأمة يتجارى بها) أي: يتمادى بها كما يتمادى الكلب بصاحبه، والكلِب بكسر اللام: داء يصيب الكلب، نقول: هذا الكلب مسعور. أو نقول: هذا الكلب غير مسعور. يعني: كلب طبيعي يألف ويؤلف. وهناك كلب لا يستطيع حتى صاحبه أن يقترب منه؛ لأن كل من اقترب منه عضه. ومعنى (الكلب المسعور): أنه أصيب بداء في بدنه هذا الداء يسمى الكِلب؛ ولذلك من الأخطاء الشائعة أن يقال: مستشفى الكلب، يعني: يستشفى فيها من عض الكلاب. والصحيح: مستشفى الكلِب. أي: المستشفى الذي يعالج به مرض الكلِب، وليس مستشفى الكلْب. فالكلِب داء يصيب الكلب، هذا الداء إذا أصاب الكلب في أي مكان يسري في بدنه سريان الشيطا

стр. 120

بيان أن الأمة لا تجتمع على ضلالة والحث على ملازمة السواد الأعظم قال: [قال أنس بن مالك: قال النبي ﵊: (إن أمتي لا تجتمع على الضلالة)]، والأمة هنا المقصود بها: الجماعة. قال: [(فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم)]. هذا الحديث قد صح من حديث عبد الله بن عمر قال: قال النبي ﵊: (لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة أبداً. قال: يد الله على الجماعة، واتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار).

стр. 121

بيان استمرار طائفة من الأمة على الحق نحن نسمع كثيراً من الشباب يقول: أين الحق؟ نحن لا ندري من نتبع، ولا نعرف الحق أين هو. فنقول: هذا لتفريطك أنت وتقصيرك، فإن النبي ﷺ يقول: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك). انظروا إلى هذا الحديث العظيم جداً. قال النبي ﵊ فيه: (لا تزال) فاللفظ مضارع يفيد الاستمرار في الحاضر والمستقبل؛ ولذلك من أعظم سمات أهل السنة والجماعة أنها أصيلة وحاضرة ومستمرة. أي: أنهم أصحاب جذور أصيلة، وفي كل واقع هم السواد الأعظم، كما أن الله قد ضمن لهم البقاء إلى قيام الساعة. وجماعة أهل السنة جماعة صاحبة أصول ثابتة، وكم جماعات لم تدم إلا سنوات، فقد تسأل عن جماعة: متى أنشئت؟ فيقال لك: قبل عشرين سنة أو ثلاثين سنة، ثم ما تلبث هذه الجماعة حتى تنتهي، وهذا يدل على أنها كانت خاوية وخربة، ولا قيمة لمنهجها؛ لأن قيمة المنهج أن يبدأ قبل الهجرة النبوية، فهذا منهج جذوره ثابتة نزلت من السماء، لم تكن هذه الجذور استنتاجاً عقلياً لواحد من أصحاب القرن الماضي. إذاً: منهج أهل السنة والجماعة هو المنهج الأصيل الذي أرسى قواعده النبي ﷺ ، وأي منهج بعده لا عبرة له ولا قيمة. إن هذا المنهج الرباني في كل عصر وزمن ومصر له رجال، وهو السواد الأعظم، ولابد أن يكون كذلك، ومن قال بغير ذلك فقد اعتقد بغير ما أمره النبي ﵊؛ لقوله ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله -أي: الساعة- وهم على ذلك). و (ذلك) اسم إشارة للظهور. يعني: هم ظاهرون في كل عصر ومصر على نفس النهج الأول الذي أرسى قواعده النبي ﵊ حتى قيام الساعة. أعطوني منهجاً من المناهج الموجودة الآن أو قبل الآن ستستمر في الأيام المقبلة، ويشهد لها واحد من أهل السنة والجماعة. من خلال ذلك نعلم أن كل هذه المناهج هي نتائج عقلية واجتهادات، منها المقبول ومنها المردود، لكن المقبول الذي يجب قبوله ويحرم رده هو المنهج الأول الذي أسسه النبي ﵊، فقال النبي ﷺ : (لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة أبداً -فالأمة المقصود بها: الجماعة- فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم).

стр. 122

تجديد دين أمة محمد على رأس كل مائة عام وتكليف هذه الأمة بالدعوة إلى الله إن أبا الحسن الأشعري عليه رحمة الله لما تاب من أشعريته ورجع عنها وصعد المنبر قال: إني أختلع من معتقدي كما يختلع هذا السيف من غمده وأنا على مذهب أحمد بن حنبل. فلماذا لم يقل: على مذهب النبي ﷺ ؟ الجواب لأن مذهب أحمد بن حنبل كان أظهر المذاهب في ذلك الوقت، ومذهب أحمد بن حنبل من الألف إلى الياء مستقى من سنة النبي ﵊، فلما وقعت الفتنة العظيمة لـ أحمد بن حنبل وثبته الله فيها كتب الله له الظهور والذيوع والنصر والتأييد، فقال كل من يريد أن يظهر دينه وعقيدته: أنا مع أحمد بن حنبل ﵀ ورضي عنه، فهنا الأمة لا تجتمع على ضلالة قط في العقيدة، إذ لابد أن تكون الحجة ظاهرة لله ، فخفاء حجة الله ﵎ في وقت أو في بلد من البلدان مشكلة كبيرة، وبلية عظيمة جداً، ومصادم لجميع النصوص. فلابد أن تعتقد أن حجة الله ﵎ ظاهرة، وما من وقت وما من مكان إلا ويسخر المولى عبداً من عباده لإظهار السنة وإحياء الدين ولو على رأس كل مائة عام، فهذا وعد من النبي ﵊: (إن الله ﵎ يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها) فالأمة لن تستمر في الضلالة، ولن تبقى في الجهل يغيب عنها الدين ويغيب عنها العقيدة والسلوك والأخلاق ومنهج النبي ﵊. فعلى رأس كل مائة عام يبعث الله ﵎ رجلاً يحيي هذا الدين بجميع أوصافه وأركانه وشمائله ومناقبه في قلوب العامة والخاصة، فإذا كادت الأمة تنسى بعث الله ﵎ على رأس كل مائة عام من يذكرها ومن يعيدها، بالإضافة إلى أن الله ﵎ كلف هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على خلاف الأمم السابقة، فكان كل نبي يبعث لقومه خاصة ولا يكلف واحداً من أمته بالدعوة إلى دينه وشريعته، لكن ذلك واجب في حق النبي ﷺ ، فإن الله ﵎ كلفنا بأن نحمل دعوة نبينا ﵊ حملاً صحيحاً، فقال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]. يعني: أنت أيضاً مخرج للناس مبعوث، ومهمتك مثل مهمة النبي ﵊، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وليس هناك أي أمة سبقت في هذا سواء يهودية أو نصرانية، ولم يكلف واحد من أمة من الأمم السابقة بأن يدعو بدعوة نبيها، وأما نحن فإننا مكلفون جميعاً بأن ندعو الناس إلى الله ﵎، وأن نخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والعماية والجهالة والعصبية وغير ذلك إلى الله ﵎ إلى النور، لكن لابد أن يكون ذلك بعلم، أما بغير علم فلا فإن من دعا بغير علم كان ضرره أكثر من نفعه، وكان فساده أكثر من صلاحه، ولذلك يقول المولى ﵎ على لسان نبيه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] على علم وعلى فقه وورع وعمل بما تعلمت.

стр. 123

حرص الصحابة ﵃ على التمسك بالجماعة ونبذ الفرقة والاختلاف

стр. 124

وصية عبد الله بن مسعود للناس بالطاعة والجماعة قال: [قال ابن مسعود ﵁ وهو يخطب: يا أيها الناس! عليكم بالطاعة والجماعة -أي: تمسكوا بالطاعة وتمسكوا بالجماعة- فإنهما السبيل الأصيل إلى حبل الله الذي أمر به، وأن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة، وأن ما تكرهون في اجتماعكم أحب إلى الله تعالى من تفرقكم]. هؤلاء أناس رباهم النبي ﵊، فكانوا يفهمون الأمر كله؛ ولذلك نحن نتعبد بهذا الكلام الله ﵎ إلى أن نموت، فهذا دين رغم أنه من كلام عبد الله بن مسعود. يقول: يا أيها الناس! عليكم بالطاعة. يحث على طاعة الله وطاعة رسوله. ثم يقول: وعليكم بالجماعة -أي: تمسكوا بها. قال: فإنهما السبيل- يعني: هما الطريق وكل طريق غير هذا فإنه ليس بطريق- فإنهما السبيل الأصيل إلى حبل الله الذي أمر به. قال: وأن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة. يعني: أحياناً الواحد مع إخوانه الدعاة يخالفهم في الرأي، فإذا كان هذا الاختلاف عن دليل واضح ظاهر فلا ينبغي مخالفته، فإنه على الحق المبين، والآخرين على غير ذلك؛ لأنه معه الدليل، أما إذا كان الاختلاف في الاجتهاد والفهم فيكون الحق مع الجماعة. وأنتم تعلمون أن قصر الصلاة في منى وفي مكة في موسم الحج مسنون لكل من كان حاجاً سواء كان من أهل مكة أو من غيرها، ولا تزال الأمة سلفاً وخلفاً يقصرون الصلاة في موسم الحج، ولما جاء عثمان بن عفان ﵁ أتم الصلاة في منى وخالفه عبد الله بن مسعود، وكان عبد الله بن مسعود في ذلك الوقت إمام الكوفة، فأتى حاجاً في زمن عثمان، فصلى خلفه في مسجد الخيف الظهر أربعاً والعصر أربعاً، فلما استفتي في ذلك: يا أبا عبد الرحمن. أليس من السنة أن نصلي قصراً؟ قال: بلى. السنة أنك تصلي قصراً. فقيل له: فلم صليت خلف عثمان أربعاً؟ قال: الاختلاف شر. فلو كنت أنا مكان عبد الله بن مسعود سأقف في زاوية من زوايا مسجد الخيف وأحضر كرسياً وأجلس عليه وأقول: أيها الناس! هلموا إلي أنتم تعملون أن الأمر كيت وكيت وكيت، والنبي ﷺ قصر، وأبو بكر قصر، وعمر قصر، وإن الرجل الذي قصرتم وراءه مبتدع، وأرجو ألا يصلي أحد خلفه! فلو كان عبد الله بن مسعود عمل ذلك، فإنها ستكون فتنة عظيمة جداً في موسم الحج، وربما انشغل الناس بها وتركوا الفريضة. فانظروا إلى حكمة ابن مسعود ﵁. إن عبد الله بن مسعود ترك النصوص الصريحة الصحيحة وتابع عثمان بن عفان؛ وذلك لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ومن أعظم أغراض الشريعة أنها أتت للحفاظ على المال والحفاظ على العرض والحفاظ على البدن، فلو أننا لم نأخذ برأي عثمان بن عفان في هذا الظرف فإنه سيحصل إهلاك وإفساد لكل ما أتت به الشريعة من المال والعيال والدماء والأرواح. وبينما كان ابن مسعود في المدينة مع عثمان بن عفان؛ رجع عثمان إلى رأيه وسارت الأمور على ما يرام. إذا كان النبي ﵊ سن لنا أربع ركعات أو سن لنا ركعتين فما المشكلة في ذلك؟ خاصة أن مذهب جماهير أهل العلم أن قصر الصلاة ليس بواجب بل هو مسنون إلا ما كان من أبي حنيفة فإنه قال: القصر واجب، فلما نأخذ بمذهب الجمهور فإنه والله العصمة والنجاة، فوالله ما رأينا في مذهب الجمهور قط إلا العصمة حتى في الفروع، والحمد لله ﵎. جميع أئمة الدين مجمعون على العقيدة إلا ما كان من البعض في بعض مسائل الخلاف، وهي مسائل معلومة معدودة نتعرض لها بإذن الله ﵎، والخلاف فيها لا يبدع به المخالف. مثال ذلك: رؤية النبي ﵊ لله في ليلة الإسراء والمعراج، فالسلف أنفسهم اختلفوا فيها، فمنهم من قال: رأى محمد ربه، ومنهم من قال: إنه رأى نوره . فلو قلت: إن محمداً رأى ربه، أو قلت: إنه لم ير ربه فإن لك فيها سلفاً من الصحابة ﵃ كـ ابن عباس ﵄، وعائشة وغيرهم من الصحابة ﵃، فلو اعتقدت أنه قد رآه أو اعتقدت أنه لم يره فإنك لا تبدع بذلك. إذاً: المسألة التي اختلف فيها أهل العلم لا يبدع فيها المخالف، ولكن تنجو يا أخي المسلم! باتباع السواد الأعظم، باتباع جماهير علماء الأمة في الاعتقاد وفي الفروع؛ فإن اتباعهم عصمة ونجاة.

стр. 125

وصية حذيفة وأبي مسعود البدري بلزوم الجماعة قال: [عن سعد بن حذيفة قال: سمعت أبا عبد الله -أباه حذيفة بن اليمان - يقول: والله ما فارق رجل الجماعة شبراً وكان يشير بإصبعيه عند فخذه إلا فارق الجماعة]. أي: إلا فارق الأمة وخالفها. قال: [قال المسيب بن رافع: سمعت أبا مسعود حين خرج فنزل في طريق القادسية فقلنا: اعهد إلينا. فإن الناس قد وقعوا في الفتنة فإنا لا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا؟ -أي: لعلك تموت في هذه الواقعة- فقال: اتقوا الله واصبروا]. والله يقول: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ [آل عمران:١٢٠]. فهذا هو السلاح الذي يقهر العدو. إن أعظم ما يريح العدو أن ترد عليه، وإن أكثر ما يجعله يستشيط غضباً وحنقاً وبغضاً ألا ترد عليه، فأعظم إهانة لعدوك ألا ترد عليه، وهو من الصبر الذي تعبد به الله ﵎. [قالوا: اعهد إلينا! فإن الناس قد وقعوا في الفتنة، فإنا لا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا؟ فقال: اتقوا الله واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر]. ولذلك قال النبي ﵊: (مستريح ومستراح منه. قالوا: يا رسول الله! ما مستريح وما مستراح منه؟ قال: إن العبد المؤمن إذا مات استراح من الدنيا وتعبها ونصبها، وإن العبد الفاجر إذا مات استراح منه البلاد والعباد والشجر والدواب) حتى الأرض التي يمشي عليها تستريح منه. إن الناس لما يتعرضون للفتنة من الفتن لا يصبرون، فتراهم يشكون وكأنهم يتسخطون على الله وعلى أقداره، ويتمنون أن لو يتمكنون فينتقمون ممن أساء إليهم، ألا تعلم يا عبد الله! أن ما عند الله خير وأبقى، وأن عذاب الله ﵎ أعظم من عذابك؟ فسلط لسانك في الثلث الأخير من الليل، اجعل بينك وبين عدوك الثلث الأخير من الليل، وكِّل ربك في هذه الحرب الضروس أن ينتقم لأهل الإيمان ولأهل التوحيد، أما أن تجعل الانتقام إليك أنت فإنك قد أوكلت الأمر إلى نفسك، وأنت ضعيف وهزيل لا تملك نفعاً ولا ضراً. قال: [(اتقوا الله واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، وعليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمته على الضلالة)]. إن العبد ينسلخ من دينه واحدة بواحدة ويظن أن الذي ينسلخ منه هو شيء يسير -وقد يكون كذلك في أول الأمر- ولكن مآله إلى أن ينسلخ من أصل اعتقاده، فتراه يتعرض لضرر أو لمكروه فيبدأ يحلق لحيته، فيجره حلق اللحية إلى معاص كثيرة، ثم يبدأ ينسلخ من الجماعة، وربما -قبل هذا- ينتقل من مسجد السنة إلى مسجد البدعة؛ فيفقد طعم الصلاة وحلاوتها ومذاقها ويفقد فيها الخشوع، ثم يشعر بالضجر والضيق ويقول: صلاتي في بيتي خير من صلاتي في هذا المكان، فيصلي في بيته عند كل أذان، ثم يبدأ يتأخر قليلاً قليلاً حتى يصلي الظهر مع العصر، والعصر مع المغرب، ثم ينام عن الفرض فيصلي الفرضين والثلاثة فروض والأربعة فروض بعد نومه واحدة تلو واحدة، ثم يترك السنن، ثم يترك قيام الليل، وهكذا يبدأ ينسلخ واحدة فواحدة؛ لأنه سلم زمام أمره إلى الشيطان من أول الأمر، فإنه لا يدل على خير وإنما يدل على كل شر. ولكن الأفضل لو اتقى الله وصبر ووضع يده في يد إخوانه فإن الله ﵎ يثبته؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فإن رأى من المرء صدقاً وإخلاصاً وصبراً ثبته وأيده، وإن رأى منه إعراضاً أوكله إلى نفسه، ومن أوكل إلى نفسه هلك. قال: [قال أبو وائل: عن أبي مسعود البدري قال: خرج معه أصحابه يشيعونه حتى بلغ القادسية، فلما ذهبوا يفارقونه قالوا: رحمك الله! إنك قد رأيت خيراً وشهدت خيراً -يعني: أنت أدركت الخير كله مع النبي ﵊ وأصحابه الكرام الكبار- حدثنا بحديث عسى الله أن ينفعنا به. قال: أجل]. يعني: سأحدثكم وأنتم قد طلبتم مطلباً عظيماً. [قال: رأيت خيراً وشهدت خيراً، وقد خشيت أن أكون أخرت لهذا الزمان لشر يراد بي، فاتقوا الله وعليكم بالجماعة فإن الله لن يجمع أمة محمد على ضلالة، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر]. قال: [قال حذيفة عند الموت: رب أيام أتاني فيها الموت وأنا كاره له، فأما اليوم فقد خالطت أشياء لا أدري على ما أنا منها. قال: وأوصى أبا مسعود فقال: عليك بما تعرف ولا تتلون في دين الله ]. أي: لا تتقلب كل يوم تكون في مكان، كل يوم تكون في معصية؛ لأن من شأن الطاعة أنها تسلم إلى طاعة أخرى، ومن شأن المعصية أنها تفضي إلى معصية أخرى، وكلما تفرط في شيء صغير يجرك هذا التفريط إلى شيء آخر، فإذا كنت في صلاة سلمتك هذه الصلاة إلى صيام، والصيام إلى زكاة، والزكاة إلى أمر بالمعروف، والأمر بالمعروف إلى العمل به، والعمل به إلى النهي عن المنكر، والنهي إلى الانتهاء عنه، فأنت في صراع مع نفسك، فكلما كنت في طاعة فكرت في غيرها فأسلمتك إليها، وإذا كنت في معصية أسلمتك إلى ما بعدها، فكما

стр. 126

ذكر بعض صفات الطائفة المنصورة قال: [عن عمير بن هانىء: أن معاوية بن أبي سفيان خطبهم فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تزال من أمتي أمة قائمة)]. و (من) تفيد التبعيض. يعني: لا يزال بعض هذه الأمة. (قائمة بأمر الله، لا يضرهم خلاف من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله فهم على ذلك). وإذا كنت على حق فلا بد أن يكون في اعتقادك أن المخالف لك لا يضرك ولا يؤثر فيك، فكونك تعتقد أن الحق معك ولكن هذا الحق متأثر بالمناوئين والمخالفين فهذه بلية عظيمة، إذ إن الله ﵎ جعل لك ألف سبيل لتبليغ دينه. إن الدعوة إلى الله لا تكون في المسجد فقط، فمن الممكن أن هذه الدروس التي تلقى أمام المئات لا يستفيد واحد بكلمة منها، ومن الممكن بحديث واحد لرجل في بيته ينتفع به انتفاعاً عظيماً، وهناك من يأتي إلى المسجد مائة عام ولا ينفعه هذا المسجد. أي: لا يتعلم منه، فإن الدعوة الفردية أحياناً تكون أبلغ وأكثر تأثيراً وأعمق في قلب المدعو من الدعوة الجماعية، وشخص منا يكون جالساً في وسط الناس أول شيء يضعه في ذهنه أن هذا الرجل الذي يتكلم يكلم هؤلاء الناس، وينسى أنه يكلمه هو، لكن لما أكون أنا وأنت في بيت ما يصير الكلام مباشراً لك أنت، وأنا لا أعني به أحداً غيرك؛ والله ﵎ ينفع بالدعوة في كل زمان ومكان، في الشارع في المقاهي في الأسواق في الخمارات والحانات، ينفع الله ﵎ بها أقواماً. قال: [قال المغيرة: قال النبي ﵊: (لا يزال ناس من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) هذا الحديث عن البخاري ومسلم]. وكذلك ورد من حديث عمران بن الحصين: (لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال). وفي حديث يزيد: (ظاهرين على من ناوأهم). يعني: من حاربهم وخالفهم، (حتى يأتي أمر الله وينزل عيسى بن مريم). يعني: هذه الجماعة جماعة مباركة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال: [عن سعد بن أبي وقاص قال: قال النبي ﵊: (لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الدين عزيزة إلى يوم القيامة)]. وهذه زيادة تدل على أن أهل السنة هم الذين في عزة؛ لأنهم قد استمدوا عزتهم من العزيز ﵎. فبتمسكك بالكتاب والسنة تستمد عزتك من عزة العزيز ﵎، وغيرك الذي ناوأك وخالفك لا عزة له، فإنه ذليل وإن كان في الظاهر أنه عزيز، فهو في الحقيقة من أذل القوم وأحقرهم، ولا خلاق له ولا نصيب لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه لا عزيز له يستمد منه العزة، وأما أنت فإنك تستمد عزتك من عزة الله، وقوتك من قوة الله، ونصرك بتأييد الله، أما هو فإنه لا ناصر له ولا مؤيد له ولا عز له. قال: [عن معاوية بن قرة قال: سمعت أبي يحدث عن النبي ﷺ قال: (لا يزال ناس من أمتي منصورين)] وهذه أيضاً إحدى السمات أنهم المنصورون حتى وإن كانوا يداسون بالأقدام والنعال، حتى وإن كانت بيوتهم اصطبلات، فهم المنصورون وهم الأعزة. قال: [(لا يزال ناس من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة)]. وجابر بن عبد الله يقول: قال النبي ﵊: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) هذا الحديث ثبت من غير طريق جاء في رواية أبي هريرة وغيره (فطوبى للغرباء) قيل: هي شجرة في الجنة عظيمة لا يأكل منها إلا الغرباء. وهذا الحديث له فقه طويل وقصة عظيمة جداً ينبغي طرحها في محاضرة خاصة ولعل ذلك يكون في درس الجمعة القادم بإذن الله ﵎. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 127

الأسئلة

стр. 128

بيان أن المعاصي والكبائر لا تخرج أصحابها عن اعتقاد أهل السنة السؤال يسأل البعض عن العصاة من أهل الفسق والفجور، هل هم من عصاة أهل السنة؛ لأنهم لا يختلفون معهم في العقيدة، أم هم خارجون عن هذه الفرقة؟ الجواب إن أصحاب الكبائر إذا لم يخالفوا أهل السنة في أصول معتقدهم فإنهم من أهل السنة مع ارتكابهم لهذه الكبائر والمعاصي؛ لأن الكبائر لا تخرج الرجل عن حد اعتقاده إلا إذا صرح بأنه يعتقد بغير معتقد أهل السنة والجماعة. فلو أن رجلاً من أهل السنة والجماعة وقع في كبيرة من الكبائر هل يخرج من الفرقة الناجية؟ الجواب لا. فالنبي ﵊ أقام الحد على أناس قد زنوا وسرقوا ومع هذا لم يحكم عليهم بأنهم قد خرجوا من هذه الفرقة، بل صلى عليهم لما ماتوا ودفنهم ودعا لهم، وقال عن ماعز الأسلمي: (إني لأراه الآن يسبح في أنهار الجنة) مع أنه زان. وقال عن الغامدية: (قد تابت توبة لو تابها سبعون من أهل المدينة لوسعتهم) أو (لو تابها صاحب مكس لتاب الله عليه). فإن أصحاب الكبائر لا يكفرون بها ولا يخرجون بكبائرهم عن معتقد أهل السنة والجماعة.

стр. 129

حكم صلاة الجمعة على المسافر السؤال ما الدليل على أن المسافر ليس عليه جمعة؟ الجواب يقول النبي ﵊: (ليس على المسافر جمعة).

стр. 130

حكم الغسل على المرأة إذا أرادت أن تصلي الجمعة السؤال هل يسن للمرأة الغسل إذا ذهبت إلى الجمعة؟ الجواب نعم. يسن للمرأة إذا ذهبت إلى الجمعة أن تغتسل إلا ما كان من ابن حزم رحمه الله تعالى، إذ إنه حمل أحاديث غسل الجمعة على من أدرك اليوم لا من أدرك الصلاة، وقد انفرد الإمام بهذا الفهم دون بقية فهم الأمة، فقهاء الملة قالوا بحديث النبي ﵊: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) يعني: على كل من بلغ سن الحلم. قالوا: هذا الغسل يسن في حق من وجبت في حقه صلاة الجمعة وأتى إلى المسجد. ابن حزم قال: الحديث لا يقصد به إتيان المسجد والصلاة، ولكن كل من أتى عليه يوم الجمعة وهو حي وجب في حقه الغسل؛ لأن الغسل عنده واجب وليس مسنوناً، ولاشك أنه قد خالف في ذلك جماهير العلماء: أن المقصود بالغسل: إتيان الصلاة، وأنه مسنون وليس واجباً؛ لأن النبي ﵊ قال: (من اغتسل يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن لم يغتسل فلا حرج عليه)، وفي رواية: (ومن لم يغتسل فيجزئه الوضوء) يعني: يكفيه الوضوء.

стр. 131

حكم أخذ مصحف موقوف على المسجد إلى البيت للقراءة فيه السؤال هل يجوز لي أن آخذ مصحفاً من المسجد وهو وقف لله تعالى إلى البيت لأقرأ فيه؟ الجواب لا يجوز؛ لأن الوقف على شرط الواقف، فتصور لو أن كل واحد أجاز لنفسه أن يأخذ مصحفاً من المسجد إلى البيت ليقرأ فيه لما بقي في المسجد مصحف واحد، ولما وجد الذي يدخل المسجد مصحفاً يقرأ فيه؛ فلا يجوز صرف الوقف لغير الباب الذي أوقفه عليه صاحبه إلا بشرطين: الشرط الأول: إذن الواقف الأصلي. والشرط الثاني: إذا استغني عن هذا الوقف تحت أي ظرف من ظروف الاستغناء. مثال ذلك: مسجد كل ما فيه موقوف عليه: إذاعة وفرش وكتب ومصاحف وغيرها، لكن المسجد هذا نحن نريد أن نهدمه، فالأشياء الموقوفة عليه لا يحق لنا أن نبيعها ونضع نقودها في جيوبنا؛ لأنها ليست من حقنا؛ لأن هذا المال وقف لله . إذاً: ينتقل إلى مسجد آخر، فإنه ليس هناك مانع عند الواقف أن ينتقل هذا الشيء إلى مسجد آخر، إذ إن هذا الشيء الموقوف على هذا المسجد لا حاجة للمسجد فيه في الوقت الذي يحتاج إليه المسجد المجاور، فيجوز نقله إليه.

стр. 132

الحكم على بعض الأحاديث المشهورة عند الناس حديث: (سلمان منا أهل البيت) موقوف على علي بن أبي طالب، ضعيف مرفوع. وحديث: (رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه)، هو كلام الناس وليس حديثاً. وحديث: (ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، حديث صحيح. وحديث (أن النبي ﵊ ألقى عباءته على فاطمة وعلي والحسن والحسين ﵃ وقال: هؤلاء هم أهل بيتي) حديث صحيح. والأمر يحتاج إلى ضبط وليس هذا وقته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 133

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - ذم الفرقة والاختلاف لقد حرصت الشريعة الإسلامية من أول أيام التشريع على الوحدة والأخوة، ونبذ التفرق والاختلاف، ولهذا فقد نفرت من التفرق، وأخبرت أنه سبب الفشل والضعف والهوان.

стр. 134

باب ذكر افتراق الأمم في دينهم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ذكرنا في الدرس الماضي ما يدل على افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة من كتاب الله ، ثم من سنة النبي ﵊، وآثار الصحابة، ووقفنا على قول علي بن أبي طالب ﵁: لا تقوم الساعة حتى تكون هذه الأمة على بضع وسبعين ملة كلها في الهاوية -أي: في النار- وواحدة في الجنة.

стр. 135

أثر علي ﵁ في تفرق الأمة وأن شرها الداعية إليه وفي رواية عنه عن عبد الله بن قيس قال: [اجتمع عند علي ﵁ جاثليتو النصارى ورأس الجالوت، فقال الرأس: أتجادلون؟ -أي: هل أنتم مستعدون للمجادلة؟ - على كم افترقت اليهود؟ قال: على إحدى وسبعين فرقة. فقال علي ﵁: لتفترقن هذه الأمة على مثل ذلك، وأضلها فرقة وشرها الداعية إلينا]. وهذه شهادة من علي بن أبي طالب ﵁ يبين أن شر الفرق الشيعة. قال: شرها الداعية إلينا أهل البيت، وآية ذلك -أي: وعلامة شرهم وأنهم أسوأ الخلق وأضلهم- أنهم يشتمون أبا بكر وعمر ﵄. وهذه غصة في حلوق الشيعة عليهم من الله ما يستحقون، والشيعة يحملون هذه النصوص التي يثني فيها علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر وعثمان على التقية، حتى حملوا نكاح عمر ﵁ من ابنة علي ﵁ على التقية كذلك، والتقية باختصار شديد هي الكذب؛ لأن الشيعة اعتقدت الكذب ديناً لها، بخلاف الخوارج فقد كانوا يكفرون بالمعصية؛ ولذلك احتمل النقاد رواية علماء الخوارج؛ لأنهم يعلمون أنهم لا يكذبون؛ لأن من كذب عندهم فقد ارتكب كبيرة وأصبح كافراً عندهم. فالتقية هي: الكذب والحيلة والخداع والغش والتزوير والتمويه، وهذا هو دين الشيعة، فقد ورد في الصحيحين وغيرهما عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه كان يقدم أبا بكر وعمر على نفسه، بل ويقدم عثمان ﵃ أجمعين على نفسه. وقال: من أتاني قد سب أبا بكر وعمر أقمت عليه حد المفتري، أو: من أتاني قد سب أبا بكر وعمر جلدته حد المفتري. وهذه النصوص يقول عنها الشيعة: إن علياً ما قال ذلك إلا تقية، أي: مداراة ومماراة حتى يفلت من عقاب الطرف الآخر ومن عقاب الخصوم، يعني: يقولون: إن علياً قال ذلك نفاقاً، وهذا النفاق محمود وممدوح عندهم، وهو الخروج من الموقف بلباقة إذا أردنا أن نعبر بأسلوب العصر. وعلي ﵁ كان أفضل وأجل من ذلك بكثير، فقد كان ﵁ يعلم قدر أبي بكر وعمر وعثمان وأنه بعدهم، ولذلك لما قيل لـ علي بن أبي طالب ﵁: أي الصحابة أفضل؟ قال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، قيل له: ثم من؟ قال: لا أدري، قيل له: ثم علي؟ فتبسم وقال: وما علي إلا رجل من المسلمين. وهذا أدب عظيم جداً من علي بن أبي طالب. ومعتقد أهل السنة والجماعة أن الأفضلية في الخلفاء الراشدين على نسقهم وترتيبهم في الخلافة، فـ أبو بكر ﵁ هو أول الخلفاء الراشدين خلافة وفضلاً، ثم من بعده عمر، ثم من بعده عثمان، ثم من بعده علي ﵁، هذا معتقدنا في الخلفاء الراشدين من جهة الفضل والخلافة. قال ابن بطة: [فقد ذكرت من الرواية عن رسول الله ﷺ وما أخبر به من تفرق هذه الأمة ومضاهاتها في تفرقها اليهود والنصارى -يعني: أن هذه الأمة في تفرقها تشابه ما وقع من التفرق والاختلاف في أمة اليهود والنصارى- والأمم السالفة ما في بعضه كفاية لأهل الحق والرعاية]، يعني: أن الذي ذكرته يكفي في قيام الحجة وثبات المحجة لأهل الحق والرعاية. قال: [فإن قال قائل: قد صح عندنا من كتاب ربنا ومن قول نبينا ﷺ : إن الأمم الماضية من أهل الكتاب تفرقوا واختلفوا وكفر بعضهم بعضاً، ومثل ذلك قد حل بهذه الأمة حتى قد كثرت فيهم الأهواء -يعني: البدع- وأصحاب الآراء والمذاهب، وكل ذلك قد رأيناه وشاهدناه، فنريد أن نعرف هذه الفرقة المذمومة لنجتنبها، ونسأل مولانا الكريم أن يعصمنا منها، ويعيذنا مما حل بأهلها الذين استهوتهم الشياطين، فأصبحوا حيارى عن طريق الحق صادفين. [قلت: فاعلم -رحمك الله- أن لهذه الفرق والمذاهب كلها أصولاً أربعة]، يعني: أنه يجيب على السؤال ويبين هذه الفرق الضالة؛ حتى نحذرها ولا نقع في براثينها، ويقول: لن أعرف لك كل فرقة بفروعها وأصولها، وإنما أذكر لك أصول البدع، وأن هذه البدع الأصلية تتفرع وتتشعب، فأينما وقفت على بدعة أصلية أو فرعية فاحذرها. قال: [فاعلم رحمك الله أن لهذه الفرق -أي: الثنتين والسبعين فرقة والمذاهب كلها- أصولاً أربعة، فكلها عن الحق حائدة، والإسلام وأهله معاندة، وعن أربعة أصول يتفرقون، ومنها يتشعبون، وإليها يرجعون، ثم تتشعب بهم الطرق، فتأخذهم الأهواء وقبيح الآراء حتى يكونوا في التفرق إلى ما لا يحصى].

стр. 136

أصول البدع قال: [فأما الأربعة الأصول التي بها يعرفون وإليها يرجعون فهو ما حدثنا المسيب بن واضح قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: أصل البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة]. هذه هي أصول البدع، ثم كل فرقة من هذه الفرق تشعبت إلى عشرين فرقة أو أقل أو أكثر، حتى أصبح في نهاية الأمر مجموع هذه الأصول والفروع اثنين وسبعين. وهذا العدد ليس متفقاً عليه، فمنهم من يجعل أصل الفرق أربع فرق، وهم جماهير السلف، وربما يكون اختلاف العد نظراً لاختلاف العصر، فهذه الفرق التي أخبر النبي ﵊ عن تفرقها عن أمة الإسلام إنما أخبر بها في زمن النبوة، ولم تكن في زمن النبوة مفترقة، ولكن ظهرت أصول بعض البدع في زمن النبوة، ثم ازدادت هذه الأصول بعد ذلك، ثم في كل قرن تزداد ظهوراً ووضوحاً وتفرقاً، فربما يكون سبب اختلاف العد في الأصول والفروع هو بسبب اختلاف الظهور من عدمه في كل عصر من العصور. قال: [ثم تتشعب كل فرقة ثمانية عشرة طائفة، فتلك اثنتان وسبعون فرقة، والثالث والسبعون هم الجماعة التي قال رسول الله ﷺ : إنها الناجية]. قال: [قال المسيب: أتيت يوسف بن أسباط فسلمت عليه وانتسبت إليه -يعني: قلت له: أنا قريب منك- وقلت له: يا أبا محمد! إنك بقية أسلاف العلم الماضين -يعني: أنت من بقية السلف الصالحين- وإنك إمام سنة، وأنت على من لقيك حجة -يعني: أنت حجة على من لقيك- ولم آتك لأسمع الأحاديث، ولكن لأسألك عن تفسيرها، وقد جاء هذا الحديث عن النبي ﷺ : (إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة)، فأخبرني من هذه الفرق حتى أتوقاها؟ فقال لي: أصلها أربعة، يعني: لم يخبره بالاثنين والسبعين فرقة، وإنما أخبره عن أصول هذه الفرق، قال: القدرية والمرجئة والشيعة -وهم الروافض- والخوارج، فثماني عشرة فرقة في القدرية، وثماني عشرة في المرجئة، وثماني عشرة في الخوارج، وثماني عشرة في الشيعة، ثم قال: ألا أحدثك بحديث لعل الله أن ينفعك به؟ قلت: بلى يرحمك الله، قال: أسلم رجل على عهد عمرو بن مرة فدخل مسجد الكوفة، فجعلت أجلس إلى قوم أصحاب أهواء، فكل يدعو إلى هواه، وقد اختلفوا علي، فما أدري بأيها أتمسك، فقال له عمرو بن مرة: اختلفوا عليك في الله أنه ربهم؟] يعني: هذا الذي أسلم في زمن عمرو بن مرة ودخل المسجد، كان كلما جلس إلى قوم وجدهم يدعون إلى أهواء، ولا يدعون إلى كتاب وسنة، فرجع مرة ثانية إلى عمرو بن مرة يسأله: [إني جلست إلى أناس أصحاب أهواء، يدعون إلى أهوائهم، فقال له: اختلفوا عليك في الله أنه ربهم؟ يعني: هل يشككونك في أن الله تعالى ربهم؟ قال: لا، قال: اختلفوا عليك في محمد ﷺ أنه نبيهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الكعبة أنها قبلتهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في شهر رمضان أنه صومهم؟ قال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الصلوات الخمس والزكاة والغسل من الجنابة؟ قال: لا، قال: فانظر هذا الذي اجتمعوا عليه فهو دينك ودينهم فتمسك به]. ومعنى هذا الكلام: أن الخلاف في الفروع جائز، وأن هذه الفرق قد اختلفت في أصول الدين. وقد ذكرنا كيفية معرفة ما إذا كانت هذه فرقه أو لا، وذلك إذا خالفت في أصل عام من أصول الشرع أو قاعدة كلية من قواعده لا يسع أحداً أن يعذر به، يعني: لو قلنا الآن لأجهل الجاهلين: هل الصلاة إلى القبلة أم إلى غيرها؟ فإنه يقول: إلى القبلة، لكنه لو قال: ولكني لا أدري أهي القبلة التي في مكة أو غيرها؟ فإنه لا يقبل منه هذا ولا يعذر به؛ لأنه لا يوجد أحد لا يعرف مكان القبلة، ولو قال: أنا مؤمن أن الله تعالى افترض علي خمس صلوات في اليوم والليلة، ولكني لا أدري كيفية هذه الصلوات ولا كيفية أدائها ولا أوقاتها لم يقبل هذا منه كذلك. ولو قال: إن الله ﵎ افترض علي صيام رمضان، ولكني لا أدري متى يكون رمضان، هل هو قبل ربيع أو بعده؟ أو قبل رجب أو بعده؟ أو قبل شعبان أو بعده؟ لم يقبل منه هذا؛ لأن هذه أصول الديانة. فهو هنا يقول له: اختلفوا عليك في الله أنه ربهم؟ قال له: لا لم يختلفوا في هذه القضية، يعني: أنهم متمسكون بأصل التوحيد، قال: اختلفوا عليك في محمد ﷺ أنه نبيهم وأن الله أرسله إليهم؟ قال: لا، يعني: لم يختلفوا في هذه القضية، فمسألة الرسالة والنبوة من مسائل الأصول لا الفروع، ولا يوجد شخص يقول: أنا أعلم أن الله أرسل الأنبياء والرسل، ولا أدري من آخرهم رسالة، أو يقول: أنا أعلم أن الله تعالى أرسل إلى خلقه الأنبياء والمرسلين، ولكني لا أدري أمحمد رسول أم غير رسول؟ والقائل بهذا يكفر فوراً. فسأله: هل اختلفوا عليك في الصلوات؟ قال: لا، قال: في الصيام؟ قال: لا، قال: في الزكاة؟ قال: لا. وهذا يدل على أن الفرقة لا تكون فرقة إلا إذا خالفت في

стр. 137

أثر ابن عباس في تفرق الأمة قال: [عن ابن عباس قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين، والنصارى على اثنتين وسبعين، وأنتم على ثلاث وسبعين، وإن من أضلها وشرها وأخبثها: الشيعة الذين يشتمون أبا بكر وعمر ﵄]. ونص ابن عباس هذا صحيح عنه، وهو يشهد لنص علي بن أبي طالب، وابن عباس وعلي بن أبي طالب من آل البيت ﵄.

стр. 138

أصول الفرق عند ابن المبارك قال: [قال: حفص بن حميد: قلت لـ عبد الله بن المبارك: على كم افترقت هذه الأمة -أي: الأمة المحمدية؟ - قال: الأصل أربع فرق. يعني: ستفترق إلى ثلاث وسبعين، ولكن مرد هذا الاختلاف إلى أربع فرق. قال: هم الشيعة والحرورية -والحرورية هم الخوارج، وسموا بالحرورية لنزولهم مكان يسمى حروراء، وفيه تكتلوا وتحيزوا وتميزوا- والقدرية والمرجئة، فافترقت الشيعة على ثنتين وعشرين فرقة، وافترقت الحرورية على إحدى وعشرين فرقة، وافترقت القدرية على ست عشرة فرقة، وافترقت المرجئة على ثلاث عشرة فرقة. قلت: يا أبا عبد الرحمن! لم أسمعك تذكر الجهمية -يعني: لم تذكر إلا الشيعة والقدرية والخوارج والمرجئة، ولكنك ما ذكرت الجهمية- فقال عبد الله بن المبارك: إنما سألتني عن فرق المسلمين -يعني: أن هؤلاء عند عبد الله بن المبارك غير معدودين في فرق المسلمين- ولم تسألني عن الكفار].

стр. 139

أصول الفرق عند أبي حاتم قال: [قال أبو حاتم: وأخبرت عن بعض أهل العلم: أول ما افترق من هذه الأمة الزنادقة، وهم: القدرية والمرجئة والرافضة والحرورية، فهذا جماع الفرق وأصولها، ثم تشعبت كل فرقة من هذه الفرق على فرق، وكان جماعها الأصل، واختلفوا في الفروع، فكفر بعضهم بعضاً، وهذا شأن أهل البدع دائماً، إذا اختلفوا في شيء يكفر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً. وأما أهل السنة فإن اختلفوا خطأ بعضهم بعضاً]. ولم يكفر أو يلعن بعضهم بعضاً، فإصدار الأحكام القاسية الشديدة التي في غير محلها إنما هو من شأن أهل البدع، والتخطئة والنصح سراً وعلناً هو سبيل ونهج أهل السنة والجماعة. ولذلك قال ابن تيمية عليه رحمة الله: أهل السنة أرحم بأهل البدع من بعضهم ببعض؛ لأن أهل السنة يتحرجون جداً من إطلاق ألفاظ التكفير إلا إذا اقتضى الأمر ذلك، وأما أهل البدع فإنهم يبادرون ويسارعون بتكفير بعضهم بعضاً، وبلعن وسب بعضهم بعضاً. قال: وجهل بعضهم بعضاً، فافترقت الزنادقة على إحدى عشرة فرقة، وكان منها المعطلة، ومنها المنانية، وإنما سموا المنانية برجل كان يقال له: ماني، كان يدعو إلى الاثنين -أي: إله الظلمة وإله النور- فزعموا أنه نبيهم في زمن الأكاسرة، فقتله بعضهم. ومنهم المزدكية؛ لأن رجلاً ظهر في زمن الأكاسرة يقال له: مزدك. ومنهم العبدكية، وإنما سموا العبدكية؛ لأن عبدك هو الذي أحدث لهم هذا الرأي، ودعاهم إليه. ومنهم الروحانية، وسموا الفكرية. ومنهم الجهمية، وهم صنف من المعطلة، وهم أصناف -يعني: المعطلة أصناف- وإنما سموا الجهمية لأن جهم بن صفوان كان أول من اشتق هذا الكلام من كلام السمنية، وهم صنف من العجم كانوا بناحية خراسان، وكانوا قد شككوه في دينه وفي ربه حتى ترك الصلاة أربعين يوماً لا يصلي، فقال: لا أصلي لمن لا أعرف، ثم اشتق هذا الكلام. ومنهم السبئية، وهم صنف من العجم يكونون بناحية خراسان، وذكر فرقاً أخر بصفات مقالاتهم. ومنهم الحرورية، وافترقوا على ثماني عشرة فرقة، وإنما سموا الحرورية لأنهم خرجوا بحروراء أول ما خرجوا. وصنف منهم يقال لهم: الأزارقة، وإنما سموا الأزارقة بـ نافع بن الأزرق، ومنهم النجدية، وإنما سموا النجدية بـ نجدة، ومنهم الأباضية، وإنما سموا الأباضية بـ عبد الله بن إباض، ومنهم الصفرية، وإنما سموا الصفرية بـ عبيدة الأصفر، ومنهم الشمراخية وإنما سموا الشمراخية بـ أبي شمراخ رأسهم، ومنهم السرية، وذكر منهم، ومنهم ومنهم، حتى عد اثنتين وسبعين فرقة.

стр. 140

مخالفة الفرق لمذهب أهل السنة في الأصول إن من الفائدة: ذكر هذه الفرق الثنتين والسبعين ولو بشيء من الإيجاز؛ حتى نعلم أنهم ما استحقوا اسم الفرقة إلا لمخالفتهم في أصل من الأصول، وعندما تأتي وتذكر هذه الفرق ببعض علاماتها لابد أن تجد في هذه العلامات ولو علامة واحدة من القواعد الكلية والأصول العامة في الشريعة الإسلامية، فلما كان هذا ديدنهم ونهجهم ودينهم استحقوا بمخالفتهم لهذه القاعدة الكلية والأصل العام أن يكونوا فرقة من الفرق، والكتاب لم يذكر هذا بشيء من التفصيل إلا على نحو مما ذكره عبد الله بن المبارك الإمام المبجل المعظم. وهناك كتاب مختصر جداً ابن الجوزي اسمه: (كيد الشيطان لنفسه قبل خلق آدم ﵇ ذكر فيه الفرق الضالة، ونحن سنقرأ منه الجزء المتعلق بالفرق الضالة حتى نعلم أصول المخالفات عند كل فرقة من الفرق؛ لنتبين أن المخالفة كانت في أصول. قال الشيخ ابن بطة: [فهذا يا أخي! رحمك الله ما ذكره هذا العالم ﵀ عبد الله بن المبارك من أسماء أهل الأهواء وافتراق مذاهبهم وعداد فرقتهم، وإنما ذكر من ذلك ما بلغه ووسعه ما انتهى إليه علمه، لا من طريق الاستقصاء والاستيفاء؛ وذلك لأن الإحاطة بهم لا يقدر عليها أحد، والتقصي للعلم بهم لا يدرك، وذلك أن كل من خالف الجادة وعدل عن المحجة واعتمد من دينه على ما يستحسنه فيراه، ومن مذهبه على ما يختاره ويهواه عدم الاتفاق والائتلاف، وكثر عليه أهلها لمباينة الاختلاف؛ لأن الذي خالف بين الناس في مناظرهم وهيئاتهم وأجسامهم وألوانهم ولغاتهم وأصواتهم وحظوظهم كذلك خالف بينهم في عقولهم وآرائهم وأهوائهم وإراداتهم واختياراتهم وشهواتهم، فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين اجتمعا جميعاً في الاختيار والإرادة حتى يختار أحدهما ما يختاره الآخر ويرذل ما يرذله إلا من كان على طريق الاتباع، واقتفى الأثر والانقياد للأحكام الشرعية والطاعة الديانية]. يعني: يريد أن يقول: لا يمكن أن تجد اثنين متفقين على شيء إلا إذا كان طريقهما الاتباع والانقياد، فمثلاً عندما أصلي المغرب أنت تصلي كما أصلي تماماً؛ لأن طريقنا واحد، ومصدر علمنا واحد. وأما أهل الأهواء فلا يمكن أن تصلي القدرية كالشيعة، ولا الشيعة كالمرجئة، ولا المرجئة كالخوارج. قال: [فإن أولئك من عين واحدة شربوا -الذي هم أهل السنة- فعليها يردون وعنها يصدرون، قد وافق الخلف الغابر للسلف الصالح]. وقال الشيخ: [أعاذنا الله وإياكم من الآراء المخترعة والأهواء المتبعة، والمذاهب المبتدعة، فإن أهلها خرجوا عن اجتماع إلى شتات، وعن نظام إلى تفرق، وعن أُنس إلى وحشة، وعن ائتلاف إلى اختلاف، وعن محبة إلى بغضة، وعن نصيحة وموالاة إلى غش ومعاداة، وعصمنا وإياكم من الانتماء إلى كل اسم خالف الإسلام والسنة]. وعن ابن عباس قال: من أقر باسم من هذه الأسماء المحدثة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. وقال ميمون بن مهران: إياكم وكل هوى مسمى بغير الإسلام. قال الشيخ: [ورحم الله عبداًَ اتهم نفسه وهواه وانتصح كتاب الله بدينه ودنياه]. وكان الحسن يقول: اتهموا أهواءكم وآراءكم على دين الله، وانتصحوا كتاب الله على أنفسكم.

стр. 141

كلام ابن الجوزي حول الفرق

стр. 142

كلام ابن الجوزي عن افتراق اليهود ذكر ابن الجوزي عليه رحمة الله اختلاف فرقة اليهود، فذكر أن الناس كانوا على التوحيد، ثم استمر الأمر في عهد نبوة موسى ﵇ -يعني: على التوحيد- أي: في وجود موسى ﵇ بين أمة اليهود، وإثبات الصفات الكمالية لله ، إلى أن توفي موسى ﵇ ودخل الدغل على بني إسرائيل -أي: دخلت عليهم الأهواء والابتداع- ورفع التعطيل رأسه بينهم -أي: عطلوا الباري ﵎ عن صفاته- وأقبلوا على علوم المعطلة، وهم أعداء موسى ﵇، وقدموها على نصوص التوراة، واعلم أن سنة الله في الخلق واحدة، فالابتداع والشر ما دخل في دين الله بخيله ورجله إلا لما ترجمت كتب اليونان في زمن الدولة العباسية، واتخذ الناس كلام الفلاسفة والمتكلمين ديناً لهم، وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم ظهرياً. ولذلك لما مات موسى ﵇ اتخذ الناس الذين أتوا بعده كلام المعطلة والمتكلمين ديناً، وتركوا نصوص التوراة، وقدموها على التوراة، فسلط الله عليهم من أزال ملكهم وشردهم من أوطانهم، وسبى ذراريهم، كما هي عادته ﵎ وسنته في عباده إذا أعرضوا عن الوحي وتعوضوا عنه بكلام الملاحدة المعطلة من الفلاسفة وغيرهم. والحاصل: أن هذا الداء لما دخل في بني إسرائيل كان سبب دمارهم وزال ملكهم.

стр. 143

كلام ابن الجوزي عن افتراق النصارى قال: أما أمة النصارى فإن الله تعالى بعث عبده ورسوله المسيح ابن مريم ﵇ فجدد لهم الدين -أي: دين بني إسرائيل الذي كانوا عليه في زمن موسى ﵇ وبين لهم معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وإلى التبري من تلك الأحداث والآراء الباطلة، فعادوه وكذبوه. وما من نبي أرسله ربه إلا وكُذب، وراموا قتله -أي: قصدوا إلى قتل عيسى ﵇ فطهره الله تعالى منهم، ورفعه إليه، ولم يصلوا إليه بسوء ولا شر، وأقاموا له أنصاراً دعوا إلى دينه وشريعته حتى صار دينه قائماً على من خالفهم، فدخل فيه الملوك، وانتشرت دعوته، أي: دعوة عيسى ﵇، واستقام الأمر على السلام بعده نحو ثلاثمائة سنة، يعني: أن الناس كانوا على دين عيسى ﵇ ثلاثمائة سنة، ثم دخل بعد ذلك الفساد والانحراف والأهواء والابتداع، ثم أخذ دينه في التبدل والتغيير حتى تناسخ واضمحل، أي: لم يبق منه شيء، ولم يبق في أيدي النصارى منه شيء، بل ركبوا ديناً بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام، يعني: أي كتاب كان يعجبهم كانوا يكتبونه بأيديهم، ثم ينسبون هذا إلى عيسى ﵇، وأن هذا دينه الذي أتى به، وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوا في دين النصرانية، وهذه مصيبة، فـ (من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس)، يعني: أنهم أحبوا أن يدخلوا الوجهاء وأصحاب الملك وغير ذلك في دين عيسى، فأخذوا معتقدات هؤلاء الملوك وكتبهم ونسبوها لعيسى ﵇؛ ليدخلوا السرور على هؤلاء الملوك بأنهم موافقون لدين عيسى ﵇ حتى يدخلوا في دين عيسى. قال: فنقلوهم من عبادة الأصنام المجمدة إلى الصور التي لا ظل لها، ونقلوهم من السجود للشمس إلى السجود إلى جهة المشرق، ومع ذلك فيهم بقايا من دين المسيح كالختان والاغتسال من الجنابة وتعظيم الميت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحل لهم الإنجيل من ذلك. يعني: أن الختان كان من دين عيسى ﵇، وهو بقية من دين عيسى، وهذا بعد مرور ثلاثمائة سنة من رفع عيسى ﵇، فظل الناس ثلاثمائة سنة على شريعة عيسى ﵇، ثم دخل التغيير، وبعد دخول التغيير وتحريف نصوص الإنجيل بقيت عندهم بقية مما أمرهم به عيسى ﵇، وهذه البقية: الختان والاغتسال من الجنابة، وتعظيم الميت، وتحريم الخنزير، والخنزير الآن علامة على النصرانية، والصليب علامة على النصرانية، وهذا الصليب لا يعرف عنه عيسى ﵇ شيئاً؛ لأن الصليب ما اتخذ إلهاً إلا بعد رفع عيسى، ولو كان النصارى أذكياء لكان الصليب بالنسبة لهم معرة؛ لأنه هو الذي صلب عليه عيسى كما يزعمون، فهم يزعمون أن عيسى صلب على الصليب وقتل، وأنا لو عرفت أن نبياً صلب على هذا الجدار فسأهد الجدار؛ من أجل أن أمسح هذا العار، لا أنني أتخذه إلهاً، إذ كيف أتخذ هذا الجدار إلهاً وقد صلب عليه نبي؟ فعيسى ﵇ لا يعرف عن الصليب شيئاً؛ لأنه اتخذ بعد رفعه ﵇. وأما الخنزير فإن عيسى ﵇ حرم الخنزير على أمة النصارى، وهم اتخذوه طعاماً لهم. قال: وتحريم ما حرمته التوراة؛ لأنكم تعلمون أن الإنجيل ودين عيسى ﵇ متمم لدين موسى ﵇. ثم تناسخ شرعه -أي: ثم تناسخ شرع عيسى- حتى استحلوا الخنزير وأحلوا السبت وعوضوا عنه يوم الأحد، وتركوا الختان والاغتسال من الجنابة، وكان المسيح يصلي إلى بيت المقدس وهم صلوا إلى المشرق، ولم يعرف المسيح الصليب قط، وهم عظموا الصليب، بل عبدوه ولم يصم المسيح صومهم هذا أبداً، ولم يشرعه لهم، ولم يأخذ به البتة، بل هم وضعوه على هذا العدد، ونقلوه إلى زمن الربيع، وجعلوا ما زادوا فيه من العدد عوضاً عن نقله من الشهور الهلالية إلى الشهور الرومانية أو الرومية، وكان المسيح في غاية الطهارة ونهاية النظافة، وأبعد الخلق عن النجاسة، وهم تعبدوا بالنجاسة. وتصور أن النصارى يتخذون النجاسة قربة تقربهم إلى الله، والله لم يأمرهم بهذا، ولا أمرهم أحد من الأنبياء بهذا، فهم لا يغتسلون من الجنابة، مثل الفنانين والفنانات وأصحاب الفكر المنحرف، يقول الواحد منهم: أنا أغتسل في كل شهر مرة، وأما المسلمين فحتى الذي ليست له زوجة، أو التي ليس لها زوج إذا بلغت لا يحل لها أن يمر عليها سبعة أيام دون أن تغتسل مرة. يعني: أقل الغسل أن يكون مرة في كل أسبوع لمن لم يكن به جنابة وهذا أقل شيء، وأما هؤلاء الذين يبدون في غاية الجمال والرونق من الممثلين والممثلات فحظهم من الجمال الصور فقط، وإذا جلست مع الواحد أو الواحدة منهم فلا بد أن تشم منه رائحة النتن والعفن، فهم في صورهم ومناظرهم يبدو منهم الجمال، وهم في حقيقة أمرهم في غاية النتن، ويكفي أن الواحد منهم أو الواحدة منهن لا تعرف أو لا يعرف عن دينه شيئاً لا من قريب ولا من بعيد، وهذا نتن في الفكر والاعتقاد. وهم يحيون في بيوتهم حياة دون حياة الحيوان في جميع ضروبها، وقد تجد أحداً ينظر إلى امرأة جميلة منهم فإذا سألت

стр. 144

كلام ابن الجوزي عن افتراق أمة الإسلام قال: أما أمة الإسلام أمة محمد ﵊ فقد كانوا عند وفاة النبي ﷺ على عقيدة واحدة، كما كان أتباع موسى على عقيدة واحدة ثم أتى بعد ذلك تفرق، وفي زمن عيسى على ذلك، ثم أتى بعد تفرق، فكذلك أمة محمد ﵊ كانوا على التوحيد الخالص حتى مات محمد ﵊، فقد كانوا على عقيدة وطريقة واحدة إلا من كان يبطن النفاق ويظهر الوفاق، ثم نشأ الخلاف فيما بينهم في أمور جارية لا توجب كفراً ولا إيماناً. وهذا كلام جميل فهو يقول: إن الفرقة لا تستحق أن تكون فرقة إلا إذا خالفت في أصل أو قاعدة بينة. قال: والصحابة ﵃ اختلفوا في مسائل اعتقادية كرؤية النبي ﵊ لربه في ليلة المعراج، وقد أتت نصوص تبين أنه لم يره، وهذه النصوص صحيحة وصريحة، مثل قوله ﷺ : (نور أنى أراه)، كما في حديث أبي ذر، وقالت عائشة ﵂: (من حدثكم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية). وجاء أيضاً عن ابن عباس وابن مسعود ما يدل على أن النبي ﷺ قد رأى ربه، ولكن لم يثبت في رواية من رواياتهم أنه رأى ربه بعيني رأسه، ووقع التصريح في روايتهما أنه رآه بفؤاده، وهذا لا يمنع إطلاق الرؤية المعنوية كما في الرواية التي تنكر أنه رآه بعيني رأسه. وإذا اعتبرنا صحة الخلاف في هذه القضية فإن هذا الخلاف خلاف فرعي. قال: ثم نشأ الخلاف فيما بينهم في أمور اجتهادية لا توجب كفراً ولا إيماناً. يعني: لا يبدع فيها المخالف. فلا تقل: أنا قرأت المسألة بأدلتها واطلعت على أقوال العلماء فيها وترجح لدي أن النبي ﷺ لم ير ربه، فمن قال بأنه رأى ربه فهو مبتدع وفاسق وضال؛ لأن القاعدة تقول: إن البدع لا تكون إلا في مخالفة الأصول، والقاعدة الأخرى: ما وسع السلف من خلاف يسع من جاء بعدهم، ونحن لم نسمع أن ابن عباس وابن مسعود بدعا وضللا عائشة وأبو بكر، أو العكس، وهذا يدل على أن هذه المسألة ليست من مسائل الأصول، وإنما من مسائل الفروع، فلما لم يبدع أحدهما الآخر دل على أنها من مسائل الاجتهاد لا من مسائل الأصول المجمع عليها. قال: وكان غرضه من ذلك إقامة مراسم الدين وإدامة مناهج الشرع القويم، وكان هذا الخلاف يتدرج ويترقى شيئاً فشيئاً إلى آخر أيام الصحابة. ثم ظهر بعد ذلك معبد الجهني، وبئس المعبد هو. وهو معبد بن عبد الله بن عكيم الجهني نزيل البصرة، وهو أول من تكلم في القدر في أواخر زمن الصحابة ﵃. قال الأوزاعي: أول من نطق في القدر هو سوسن النصراني، ثم أخذ الكلام في القدر عن سوسن معبد الجهني، ثم عن معبد الجهم بن صفوان. واعلم أن أصول البدع عندنا أخذت عن أهل الكتاب، وقد قال السلف: ما من بدعة ظهرت في الإسلام إلا ولها شبه في الأمم السابقة. وقال الحسن البصري: إياكم ومعبد فإنه ضال مضل. وقال الذهبي: كان من علماء الوقت على بدعته، هلك قبل التسعين. ثم في نفس الوقت الذي ظهر فيه معبد الجهني ظهر غيلان بن أبي غيلان الدمشقي، وقد تكلم كذلك في القدر، وقتل بسبب كلامه في القدر، وهو ضال مسكين، وكان من بلغاء الكتاب. وفي نفس التوقيت يونس الأسواري، وقد خالف هؤلاء الثلاثة في القدر وإسناد جميع الأشياء إلى تقدير الله تعالى، ولم يزل هذا الخلاف يتشعب والآراء تتفرق حتى تفرق أهل الإسلام إلى ثلاث وسبعين فرقة، كما روي عنه ﵊.

стр. 145

أصول الفرق عند ابن الجوزي قال: إذا عرفت هذا فاعلم أن كبار الفرق الإسلامية على ما ذكر في الكتب الكلامية ثمانية. فـ ابن الجوزي يقول: إن الفرق أصولها ثمانية، وتجد عند أبي الحسن الأشعري من المتكلمين أن أصولهم خمسة عشر، وعند غيره ثمانية عشر، وعند غيره أربعة أصول كما ذكرنا بعض هذا، وهذا أمر يرجع إلى اجتهاد كل عالم بما وصل إليه التفرق والاختلاف في زمنه، فالأوائل على أن أصول البدع أربعة أصول، ومن أتى بعدهم لما ظهرت بدع أخرى عدوها خمسة، ثم سبعة، ثم عشرة، ثم اثنا عشر، ثم خمسة عشر، ثم أكثر من ذلك. وليست العبرة في تحديد العدد وأي هذه الأعداد أصح، فكلها صحيحة، وإنما كان بعضهم يعد ما تشعب من فرقة فرعاً، والبعض يعدها أصلاً، فمثلاً: القدرية تشعبت من الجهمية أو العكس، فبعضهم يعد القدرية نوعاً من الجهمية، والبعض يقول: لا، بل هم فرقة مستقلة، ولذلك اختلف العدد. وتعداد هذه الفرق بأصولها وفروعها لم يكن محل خلاف بين أهل العلم، سواء منهم من عدها أصلاً أو فرعاً. وابن الجوزي عليه رحمة الله ذكر أن أصول الفرق ثمانية، مع أنه ذكر هذا إجمالاً، وفي حين التعداد لم يذكر إلا سبع، والفرقة الثامنة وهي الناجية هم أهل السنة والجماعة.
следующие страницы →