← Акыда

Акыда · id 37437

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

رواية ابن مسعود ﵁ في الشفاعة قال: [عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار)] يحكي لنا عن رجل هو آخر أهل النار خروجاً منها، فيكون آخر واحد يدخل الجنة. قال: [(إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار، رجل يخرج منها زحفاً يقال له: انطلق. ادخل الجنة. فيذهب يدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل -يعني: كل واحد جلس في مكان في الجنة- فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت؟ فيقول: نعم)]. فالرجل لما رأى كل واحد من الناس قد جلس في مكانه أيس أن يكون له مكان. قال: كل واحد أخذ نصيبه، ولم يبق لي مكان في الجنة، فلما وجد الله منه ذلك قال له: (أتذكر الزمن الذي كنت؟ فيقول: نعم. فيقال له: تمن قال: فيتمنى. فيقال له: إن لك الذي تمنيت. وعشرة أضعاف الدنيا. فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟! -أي: لك ما تمنيت في الزمان الذي كنت تعيش فيه وعشرة أضعاف الدنيا، فيقول: يا رب أتسخر بي وأنت الملك- فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه)]. هذا الرجل أقل حظاً في الجنة، فالجنة بطولها وعرضها لا يمكن لأحد أن يتصورها. هذا الحديث [أخرجه مسلم من حديث الأعمش والبخاري من حديث منصور].

стр. 1122

رواية أبي ذر الغفاري في الشفاعة قال: [عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: (لقد علمت آخر الناس خروجاً من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة، رجل يؤتى فتعرض عليه سيئاته وتخبأ عنه كبائره فيقال: أتذكر يوم عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. وهو يشفق من الكبائر أن تعرض عليه -يعني: يخاف من أن تعرض الكبائر فيستوجب النار- فإذا فرغ من عرض السيئات قيل له: اذهب. فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: قد كانت لي ذنوباً لا أراها -سترها الله عليه في الدنيا وغفرها له في الآخرة- فكان رسول الله ﷺ إذا ذكر هذا الحديث ضحك حتى بدت نواجذه). أخرجه مسلم].

стр. 1123

رواية عبد الله بن عمر ﵁ في الشفاعة قال: [وعن ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : (خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة فاخترت الشفاعة. قال: لأنها أعم وأكفى)]. فالشفاعة مضمونة؛ لأنها دعوة مستجابة قد خبأها النبي ﵊ لأمته يوم القيامة. [(أترونها للمؤمنين المتقين؟)]، يقول لهم: أنا خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، ولما خيرت بين أن يدخل نصف الأمة الجنة والشفاعة اخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وسيدخل بها أكثر من نصف أهل الجنة، قال النبي ﵊: [(أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا. ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين)].

стр. 1124

رواية أبي موسى الأشعري في الشفاعة قال: [عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة فإنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين؟ لا ولكنها للمذنبين والخطائين والمتلوثين)].

стр. 1125

رواية عوف بن مالك في الشفاعة الحديث كذلك جاء من رواية عوف بن مالك ﵁. وفي رواية: أن عوف بن مالك سمع رسول الله ﷺ يقول بعدما ذكر ما أعطاه الله من الشفاعة يوم القيامة: [قلت له: (ناشدتك الله يا رسول الله! لما سألت الله أن يجعلني من أهلها فقال النبي ﷺ : يا عوف! إن شفاعتي يوم القيامة للكل)].

стр. 1126

رواية حذيفة بن اليمان في الشفاعة [عن حذيفة بن اليمان قال: سمع رجلاً يقول: اللهم اجعلني ممن تصيبه شفاعة محمد]. وقال حذيفة: [(إذا كان يوم القيامة جمع الناس في صعيد واحد، فيقال: يا محمد! فيقول: لبيك وسعديك، والخير بين يديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، والمهدي من هديت، منك وإليك، ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحان رب البيت. قال: عند ذلك يشفعني)]. أي: يشفعه بهذه الدعوات والمحامد التي يفتح عليه بها في ذلك الوقت. قوله: (والشر ليس إليك). أي: والشر المحض ليس من أفعال الله .

стр. 1127

حكم المكذب بالشفاعة عن أيوب قال: [(من كذب بالشفاعة فلا نصيب له فيها)]. وكذلك من قول أيوب بن أبي تميمة السختياني: [(من كذب الشفاعة فلا ينالها)]. أي: لا تصيبه، ولا يدخل تحتها.

стр. 1128

وجوب الإيمان بأحاديث الشفاعة وإمرارها كما جاءت قال: [قال حنبل: قلت لـ أبي عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل -: ما يروى عن النبي ﵊ في الشفاعة؟ قال أحمد بن حنبل: هذه أحاديث صحاح، نؤمن بها ونقر -لأنه إذا صح الحديث لابد من الإيمان به والعمل- قال: وكل ما روي عن النبي ﵊ بأسانيد جيدة -يعني: حسنة- نؤمن بها ونقر -أي: ليس الشفاعة فحسب، بل كل ما ثبت في سنة النبي ﵊ قال حنبل: قلت له: وقوم يخرجون من النار؟ -يعني: حتى من دخل النار يخرج منها؟ - قال: نعم. إذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه -أي: ورددناه- رددنا على الله أمره، والله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. قلت: والشفاعة؟ قال: كم حديث يروى عن النبي ﷺ في الشفاعة والحوض -يريد أن يقول له: هذه أحاديث كثيرة ليست واردة في أسانيد جيدة فحسب، بل صحيحة قد بلغت حد التواتر والزيادة في الشفاعة والحوض- فهؤلاء يكذبون بها ويتكلون -أي: على رحمة الله وهي قول صنف من الخوارج، وإن الله تعالى لا يخرج أحداً من النار بعد إذ أدخله، والحمد لله الذي عدل عنا ما ابتلاهم به]. يعني: قول الخوارج: أن من دخل النار لا يخرج منها، أما قولنا نحن فإننا نقول: بأن من دخل النار من عصاة الموحدين لا محالة سيخرج منها، إما بتوحيده، وإما بإيمانه، وإما بشفاعة الملائكة، أو بشفاعة النبيين، أو بشفاعة المؤمنين أو بشفاعة الأطفال البرآء قبل البلوغ، وقبل أن يجري عليهم القلم ويبلغوا الحلم، فإذا انتهى هؤلاء من شفاعتهم لم يبق إلا شفاعة أرحم الراحمين، وهؤلاء الذين يسمون بعتقاء الرحمن أو بالجهنميين. وشفاعة الله تفضل على عباده الموحدين العصاة بأن يخرجهم من النار. والشفاعة تستلزم مشفوعاً ومشفوعاً عنده ومشفوعاً فيه. هذه أركان الشفاعة، فأما شفاعة الملائكة فالشافع هو الملك، والمشفوع عنده هو الله ، والمشفوع فيه هو المذنب. أما شفاعة رب العالمين فهي من أفعال الله ، وليس لأفعال الله مثيل ولا شبيه، فهذا الذي تعودناه وعرفناه يقيناً من خلال توحيد الله في أسمائه وصفاته وأفعاله، فالله تعالى يشفع عند نفسه بأن يخرج من بقي من عباده الموحدين بشفاعته . أي: يتمنن على عباده الموحدين بأنه يخرجهم من النار، فيقال: هؤلاء عتقاء الرحمن. وقال علي بن المديني: [الإيمان والتصديق بالشفاعة وبأقوام يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحماً نقول به كما جاء الأثر والتصديق به والتسليم].

стр. 1129

سياق ما روي في أن المقام المحمود هو الشفاعة قال: قال ابن عمر: [إن الناس يوم القيامة يصيرون جُثىً، كل أمة تتبع نبيها]. (جثىً) أي: يجثون على ركبهم، كل أمة تأتي إلى نبيها، فيخرون على أقدامهم وأيديهم، يجلسون كما يجلس الطفل الرضيع ويلهث خلف أمه، فهؤلاء يلهثون خلف أنبيائهم. قال: [(يقولون: يا فلان! اشفع لنا حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود)]. إذاً: المقام المحمود: هو مقام الشفاعة، والحديث عند البخاري. [عن كعب بن مالك: أن الرسول ﷺ قال: (يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل -أي: على مكان مرتفع- ويكسوني ربي حلة خضراء، ثم يؤذن -أي: يؤذن لي- فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود)]. [عن حذيفة: أن رسول الله ﷺ قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي فيقول: يا محمد! يا محمد! فأقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، تباركت وتعاليت. قال: فهذا هو المقام المحمود)]. وقد ورد موقوفاً عن حذيفة: [يجمع الله الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر حفاة عراة سكوتاً كما خلقهم، لا تكلم نفس إلا بإذنه -أي: لا يشفع أحد إلا بإذن الله تعالى- قال: فينادى: يا محمد! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والمهدي من هديت، عبدك بين يديك، ولك وإليك، لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت. وذلك المقام المحمود الذي ذكر الله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]]. و [عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]. قال: هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي)] والحديث ضعيف، لكن يشهد له ما قبله. وعند البخاري وكذا مسلم من حديث عبد الله بن عمر: أن النبي ﵊ قال: [(لا يزال الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة من لحم)] لا يزال العبد يتسول ويسأل الناس في الشوارع والطرقات حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم. أي: قطعة لحم. وقال: [(إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن)]. وفي رواية: (قدر ميل). قيل: هو ميل المسافة. وقيل: هو المرود التي تكتحل به المرأة. يسمى ميلاً. قال: [(وإن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما كذلك -أي: بينما الناس كذلك- استغاثوا: يا نوح! فيقول: لست صاحب ذلك، ثم موسى فيقول كذلك، ثم بمحمد ﵊ فيشفع، يقفز بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقاماً محموداً)]. وعند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص [: (أن النبي ﷺ تلا قوله تعالى في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم:٣٦]، وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة:١١٨]، فرفع يديه فقال: اللهم! أمتي، أمتي، أمتي وبكى ﵊، وقال الله تعالى: يا جبريل! اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فاسأله ما يبكيك، فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله ﷺ . قال -وهو أعلم- فقال الله : يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)]. فمقام الشفاعة مقام عظيم جداً، وهذا الحديث [أخرجه مسلم]. وبعد أن عرفنا أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة، نتوقف عند الحوض؛ لأن الحوض فيه كلام كثير واختلاف لأهل العلم، فيفضل أن يكون له بإذن الله تعالى درس خاص.

стр. 1130

الأسئلة

стр. 1131

حكم صيام التسعة الأيام الأول من ذي الحجة السؤال هل صيام التسعة الأيام الأول من ذي الحجة سنة عن النبي ﵊؟ الجواب في الحقيقة هناك حديث في سنن أبي داود من طريق هنيدة بن خالد محل نزاع بين أهل العلم، والراجح أنه حديث ضعيف. هذا الحديث يقضي باستحباب الصيام، لكن على أية حال لو صام المرء من باب مطلق الطاعة والعمل الصالح فلا ينكر عليه، وأفضل ألا يصوم التسع كلها، بل يصوم بعضها ويترك بعضها، ويترك صوم يوم السبت، وأفتى شيخنا الألباني عليه رحمة الله فيما يتعلق بحرمة يوم السبت إلا الفريضة وهو رمضان، وهذا المذهب خالف إجماع الأمة؛ لأن الحديث محمول على كراهة الإفراد كما أنه ﵊ نهى عن إفراد الجمعة، وأمرنا ألا نصومه إلا أن نصوم يوماً قبله أو يوماً بعده. فأقول: لسنا مخيرين في رمضان أن نصوم الجمعة ونصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، ولم يرد في تخصيص هذه التسع بالصيام شيء صحيح، لكن إن صامها المرء من باب مطلق العمل الصالح فلا بأس، فالذي ورد في حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء) فإذا كنت تصوم من باب مطلق العمل الصالح في هذه الأيام فهو حسن، والذي أتحرج منه أن يداوم المرء على صيامها أو يصومها كلها، فلا بأس أن تصوم بعضها وتترك البعض الآخر، أو أن تصوم عاماً وتترك آخر؛ حتى لا يتصور الناظر أو من سمع هذا أن ذلك أمر مسنون على جهة الخصوص، ثم ليست الطاعة الوحيدة التي يتقرب بها المرء في هذه الأيام هي الصيام بل مطلق العمل الصالح، وتكثر من الذكر والاستغفار وقراءة القرآن وغير ذلك.

стр. 1132

كيفية صلاة الفجر لمن نام عنها السؤال شخص نام عن صلاة الفجر، فهل عندما يصليها ينوي صلاتها قضاء أم أداء، وهل يصلي لها سنة؟ الجواب النية بالأداء والقضاء ليست مطلوبة منك، إنما أنت تصليها، فإذا كانت أداءً وقعت أداء، وإذا كانت قضاء وقعت قضاء، أما أنك تقول: نويت أصلي الصبح ركعتين خلف الإمام الفلاني جماعة في الساعة الفلانية في المسجد الفلاني يوم كذا قضاءً وأداءً على طهر مني مثلاً. هذا كله ليس من السنة، بل هذا من البدع، والمطلوب قوله ﵊: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، فذلك وقتها سواء كان أداء أو قضاء.

стр. 1133

منزلة الخوارج والمعتزلة في الدين واعتقادهم في عصاة الموحدين السؤال الخوارج والمعتزلة مسلمون، فما قولهم في كل هذه الأحاديث الصحيحة التي تثبت الشفاعة؟ وهل يفسرونها بطريقة أخرى؟ الجواب هم في الحقيقة يفسرونها بطريقة أخرى، والآيات التي وردت في الخلود أو في الأبدية حملوها على عصاة المسلمين وليس هذا بصواب، أما قولك: الخوارج والمعتزلة مسلمون فهذا السؤال يحتاج إلى تفصيل طويل جداً، والراجح: أن غلاة الفرق كفار، بخلاف عامة الفرق جميعاً.

стр. 1134

معنى قوله ﵊: (البيعان بالخيار) السؤال قال ﵊: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا). هل معنى هذا الحديث: أنه إذا باع البائع سلعة ما فإن المشتري لا يردها، وإذا ردها المشتري ولم يأخذها البائع هل في ذلك شيء، نريد تبيين ذلك الحديث والمقصود منه؟ الجواب قول ﵊: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا). والحديث في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر وغيره، وهذا الكلام يجرنا إلى عدة خيارات عند الفقهاء، فهناك شيء يسمى: خيار المجلس، وخيار المجلس هو أني دخلت عليك في متجرك، فاشتريت منك سلعة ما، وأعطيتك ثمنها، ولا زلت أصوب بصري إلى بقية أنواع السلع، ثم قبل أن أغادر المكان - أي: المتجر- رجعت عن هذه البيعة، فليس من حق البائع أن يمتنع عن أخذ هذه السلعة ورد الثمن إليه مرة أخرى؛ وذلك لتمام الحديث: (فإذا تفرقا فقد وجب البيع). وجب بمعنى: تم. وكان عبد الله بن عمر ﵄ -وأنتم تعلمون أنه من أفقه الصحابة- إذا اشترى شيئاً انصرف بعيداً ثم رجع، وانصرافه هذا لإتمام البيع، فإذا أراد البائع أن يرجع في بيعه اعتذر عبد الله بن عمر. وهناك خيار الشرط: كأن أكون اشتريت منك كتاباً، وأنا رجل ليس لي خبرة في الكتب، ولا أعرف أن هذا الكتاب جيد أم لا، وهل هو كتاب سليم من جهة المعتقد أم غير سليم، فاشترطت أن آخذ هذا الكتاب وأعرضه على أهل الخبرة وفي خلال ثلاثة أيام أعطيك الخبر، فأنا سأحتفظ بهذا الكتاب، وإذا لم أرد الكتاب بعد ثلاثة أيام أعتبر البيع قد تم، ولو خرجت بالكتاب ووقفت بالشارع أنتظر سيارة مواصلات فإن البيع لم يتم، ولا يتم البيع إلا بتمام الشرط. هذا اسمه خيار الشرط. واختلفوا في الشرط، والراجح: أن ذلك راجع إلى البائع والمشتري حسبما اتفقا. وهناك خيار العيب. والعيب نوعان: عيب ظاهر، وعيب خفي، فلو أن واحداً ذهب يشتري طماطم من السوق، وهذه الطماطم يراها أمامه رديئة لا تخفى على أحد، لكنه ذهب بها إلى البيت، فطلبت منه زوجته إرجاعها، فعاد بها إلى السوق، ففي هذه الحالة ليس واجباً على البائع أن يرد البيعة؛ وذلك لأنه كان يرى العيب، وعيبها ظاهر للناس. مثال آخر: شخص ذهب ليشتري سيارة منمقة وجميلة، فيها عيب خفي، وهذا العيب ربما يخفى في أول وهلة على أصحاب الفن، فاشتراها هذا الشخص، وبعد أن بدأ باستخدامها حصل لها أعطال داخلية، ولا يعرف الأعطال الداخلية إلا صاحب الميزان الذي يكشف بالكمبيوتر فيعرف عطلها الداخلي، فالبائع سكت وهذا اشترى، ولم يظهر البائع عيبها الخفي فمن حق المشتري بعد ما ركب السيارة ستة شهور أن يرجعها؛ لأن فيها عيباً يخفى على المشتري، ولو أنه عرف العيب لكن لم يذهب لمراجعة البائع واستمرت معه السيارة شهرين فليس من حقه أن يرجعها. والعلماء حددوا ثلاثة أيام للرجوع؛ قياساً على حديث المصراة. والمصراة: بقرة أو جاموس أو شاة أو أنثى الجمل، يجوعها صاحبها عدة أيام ويعطشها، وفي اليوم الذي يريد أن يبيعها فيه يطعمها، فيكون ضرع البقرة كبيراً، وبطنها منتفخ جداً، فالذي سيشتري هذه البقرة لابد أنه سيقع في نوع عظيم من أنواع الغرر، حيث يظن أنها سمينة بانتفاخ بطنها، فالنبي ﵊ يقول: (من اشترى مصراة فليمسكها ثلاثاً فإن رضي وإلا ردها ومعها صاع من تمر). يعني: يجعلها عنده ثلاثة أيام ويحلبها، وينتفع بلبنها ويطعمها، فإن رضيها ولم يسخطها كانت له، وإن كرهها ردها ومعها صاع من تمر مقابل اللبن الذي أخذه. فالعلماء قالوا: إن خيار العيب بعد معرفة العيب قياساً على المصراة تكون ثلاثة أيام، فلو رضي المشتري بهذا العيب، ومر على ذلك ثلاثة أيام فليس من حقه إرجاع الشيء المعيب.

стр. 1135

وجوب ستر المذنب على نفسه مع التوبة إلى الله السؤال شخص يريد أن يخبر عن نفسه أنه أذنب ذنوباً عظيمة، ويريد أن يتوب إلى الله ؟ الجواب باب التوبة مفتوح، أما كونك تريد مقابلتي فنصيحتي لك أن تستر على نفسك وتتوب إلى الله .

стр. 1136

حكم صلاة السنة القبلية للظهر أربعاً مجتمعة السؤال هل صلاة السنة القبلية في الظهر تصلى أربعاً مجتمعة؟ الجواب هذا أو ذاك، تصلى اثنتين اثنتين أو تصلي أربعاً، ولا بأس في ذلك، والتشهد الأوسط يكون كاملاً إلى قوله: إنك حميد مجيد.

стр. 1137

حكم الإفرازات الخارجة من قبل المرأة السؤال هل الإفرازات التي تنزل من المرأة بصورة مستمرة توجب الوضوء لكل صلاة، أم أن هذا مستحب؟ الجواب لا توجب الوضوء لكل صلاة.

стр. 1138

حكم صلاة التسبيح السؤال هل صلاة التسبيح سنة وما صحة حديث العباس الوارد فيها؟ الجواب صلاة التسبيح سنة، والذي أعتقده أن هذا الحديث حديث حسن.

стр. 1139

حكم ذبح المعز مكان الخروف في الأضحية السؤال هل يجوز في العقيقة والأضحية ذبح المعز مكان الخروف؟ الجواب نعم؛ لأن لفظ الشاة يطلق على المعز ويطلق على البقر كذلك.

стр. 1140

معنى (شرع من قبلنا هو شرع لنا) السؤال ما معنى (شرع من قبلنا هو شرع لنا)، وقد نال شرع من قبلنا التبديل والتحريف؟ الجواب يقصد به الذي لم يبدل ولم يحرف، أو الذي يوافق في شرعهم ما عندنا، فهذا دليل على أنه غير محرف. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1141

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - الإيمان بعذاب القبر ونعيمه عذاب القبر ونعيمه حق، وإثباته أصل أصيل في معتقد أهل السنة والجماعة، كما أنه معتقد أكثر أهل الإسلام حتى من المبتدعة، ولم ينكره غير الخوارج والمعتزلة، والإيمان بعذاب القبر ونعيمه يلزم منه الإيمان بأن العذاب شامل للروح والجسد، وكذلك النعيم، وسواء كان الجسد في بطون السباع أو أعماق البحر فإنه يلحقه ما قدر عليه من عذاب وما كتب له من نعيم.

стр. 1142

سياق ما روي في أن المسلمين إذا دلوا في القبر سألهم منكر ونكير وأن عذاب القبر حق إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن المسلمين إذا دلوا في حفرتهم -أي: إذا أنزلوا في المقابر- يسألهم منكر ونكير، وأن عذاب القبر حق، والإيمان به واجب]. قوله: (سياق ما روي عن النبي ﷺ . معنى ذلك: أنه يتناول عذاب القبر فيما ثبت في سنة النبي ﵊ بسنده. قوله: (في أن المسلمين إذا دلوا في حفرتهم يسألهم منكر ونكير). في الحقيقة أن منكراً ونكيراً إنما يسألان كل من أدخل القبر سواء كان مسلماً أو كافراً، وكأن المصنف ﵀ قاس هنا قياساً أولوياً مع وجود النص أن المسلم إذا نزل في قبره يسأل سواء كان من أهل الطاعة أو من أهل المعصية، فإذا كان قد تقرر في الأذهان أنه سيسأل في قبره عن عمله وعن إيمانه بالله وبالرسول وبالشريعة وغيرها، فمن باب أولى أن يسأل الكافر. قوله: (وأن عذاب القبر حق، وأن الإيمان به واجب). يعني: عذاب القبر حق بل هو أصل أصيل من معتقد أهل السنة والجماعة، ونقول: من معتقد أهل السنة والجماعة؛ لأن الخوارج والمعتزلة نازعوا في ذلك، كما قال أبو الحسن الأشعري: اختلفوا في عذاب القبر، فمنهم من نفاه وهم المعتزلة والخوارج. أي: قالوا: ليس هناك شيء اسمه عذاب القبر. ومنهم من أثبته، وهم أكثر أهل الإسلام. أي: أهل السنة قاطبة يثبتون عذاب القبر، وبعض أهل البدع أثبت عذاب القبر، ومنهم من زعم أن عذاب القبر وإن كان حقاً إلا أنه ينزل على الروح دون البدن، كما قالت طائفة: إن المعراج إلى السماوات السبع كان بالروح دون الجسد، وهذا كلام في غاية البطلان والسقوط سواء من جهة النص الشرعي أو من جهة النص اللغوي، فالآيات والأحاديث التي وردت والوقائع والأحداث التي تمت في أثناء رحلته ﵊ إلى بيت المقدس ومنها إلى السماء السابعة ثم العودة، كل هذه لا يمكن أبداً أن تدل على أن المعراج كان رؤية منامية، أو كان بالروح فقط دون الجسد، فكما اختلفوا في هذه المسألة كذلك اختلفوا في عذاب القبر. أما أهل السنة والجماعة فعلى مذهب واحد دون خلاف فيه: أن عذاب القبر حق، وأن الإيمان به واجب، وأن عذاب القبر إنما يكون على الروح والجسد. وظن هؤلاء الذين يقولون بأن العذاب إنما هو على الروح فقط دون الجسد بما عندهم من شبه أنهم قادرون على أن يردوا على أهل السنة والجماعة قولهم، فقالوا: إذا كان العذاب يلحق الجسد فما بال المرء لو أنه غرق في بحر فأكله السمك؟ أو أن سيارة دهسته فمسح بالأرض تماماً وانتهت آثار بدنه؟ وما بالكم بمن يموت حرقاً؟ فكيف تقولون: إن العذاب يقع على جسده مع أن السمك أكله ومع أن النار أحرقته؟ الجواب إن الله على كل شيء قدير، هذا لمن آمن بالله ؛ فالله تعالى قادر على أن يجري العذاب على البدن حتى وإن لم يوجد البدن. والسبب في هذا الانحراف العقدي الذي جعل الخوارج والمعتزلة ينكرون عذاب القبر سواء الذين أنكروه منهم على الروح أو البدن، أو من قال بإثبات عذاب القبر على الروح فقط، فسبب هذا الانحراف أنهم حكموا عقولهم في الأمور الغيبية؛ لأن ما بعد حياة الإنسان غيب، كما أن ما قبل حياة الإنسان غيب، فحياة الجنين في بطن أمه لها قوانين تحكمها حيث لا طعام ولا شراب ولا نفس ولا هواء ولا غذاء ولا شيء من هذا، إلا ما قدره الله والذي لا يعلمه إلا هو ، فإذا كان القانون الذي يحكم حياة الجنين غيباً عن المرحلة التي تأتي بعد ذلك -أي: بعد الولادة- فكذلك الحياة التي تكون بعد الموت غيب، وتحكيم العقل في الغيب لابد أن يذهب بصاحبه إلى التيه والحيرة والضلال؛ لأن الإنسان لا يعرف من علمه ومن حياته إلا ما يعلمه من نفسه وممن يعيش معه على هذا الكون، ولا يمكن قياس الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة، وإذا كان الله إنما جعل الأمر أمران: غيب وشهادة؛ فالله تعالى يعلم الغيب كما يعلم الشهادة، فإنما سمى الغيب غيباً لأنه غيب عنا، أما الله فهو عالم الغيب والشهادة، فإذا أخبر الله تعالى أنه يعذب بعد الموت في القبر وقبل الحساب وقبل البعث آمنا بذلك وسلمنا، ولو أن الله تعالى أخبرنا أنه يعذب الجنين في بطن أمه لصدقنا وآمنا؛ لأننا لا نعلم عن هذا الغيب شيء، فيجب أن نسلم وأن نؤمن بهذه النصوص ولا نرد شيئاً من ذلك. قال شارح الطحاوية: قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته؛ لكونه لا عهد

стр. 1143

حديث البراء في معنى قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا) قال: [عن البراء أن رسول الله ﷺ قال: (إن المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧])]. فثبات المرء حين يسأله الملكان في القبر عن شهادته بالله: أن الله إله واحد، وأن محمداً هو رسول الله. وهذا أول سؤال يوجه للمرء في قبره أأنت مسلم أم لا؟ فإذا كان جوابه مصيباً وموافقاً للسؤال فهذا هو التثبيت الذي قص الله تعالى علينا في كتابه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم:٢٧]، وهذا يعني أن الكفار لا يثبتون عند السؤال. وهذا كذلك يشير إلى أن عذاب القبر وسؤال القبر يوجه للمسلم والكافر، وكل ما في الأمر: أن السؤال إذا وجه للمؤمن ثبته الله تعالى بالجواب الثابت حين توجيه السؤال إليه، وأن الكافر لا يثبت حين يوجه السؤال إليه، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: بشهادة التوحيد والإقرار بها. وهذا الحديث في الصحيحين.

стр. 1144

حديث عثمان: (ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل) وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: [(كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه)] أي: وقف على القبر. وفي هذا إشارة إلى استحباب الجلوس عند القبر، وقد وردت نصوص كثيرة جداً بأن من شيع جنازة جلس عندها قدر ما ينحر جزوراً ويوزع لحمه حتى لا ينصرف الناس بسرعة، وإنما هذا الوقت حق لهذا المقبور على من شيعه؛ أن يقفوا عنده مدة من الزمان تقرب ساعة يدعون له بالتثبيت، كما قال ﵊: (ادعوا الله لأخيكم الآن فإنه الآن يسأل). [(كان النبي ﵊ إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه -أي: وقف إليه. أي: بقبالة قبره- وقال: استغفروا لأخيكم وسلوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل). فقوله: (استغفروا لأخيكم) يعني: قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تجاوز عنه وغير ذلك مما يفتح الله به على الواقف عليه. قوله: (ثم سلوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل). أي: بمجرد مواراته وإهالة التراب عليه يبدأ الملكان يسألانه. نسأل الله السلامة لنا ولكم! أما الموعظة على القبر فإنها أمر مشروع، فقد وعظ النبي ﵊ أصحابه على القبر وقال: (لمثل هذا فليعمل) يعني: فليعمل العاملون، من أراد أن يعمل وأن يستعد فلابد أن يستعد لمثل هذا اليوم فإنه لابد وارد، وهو آت إلى هذا المكان، وربما ذهبت تشيع ميتاً فلا ترجع بل تدفن بجواره في مقبرة واحدة، فالموت ليس منك ببعيد؛ سواء كنت شاباً أو هرماً أو عجوزاً أو حتى طفلاً رضيعاً فالموت يلحق الجميع ولا سن له، فليس هناك وعد بأن لا يموت المرء إلا في شيخوخته أو في كبره.

стр. 1145

حديث ابن عمر: (إن أحدكم يعرض على مقعده بالغداة والعشي) قال: [عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : (إن أحدكم يعرض على مقعده بالغداة والعشي -يعني: في الصباح وفي المساء- إن كان من أهل الجنة أو من أهل النار يقال له: هذا مكانك إلى يوم القيامة)] وهذا الحديث مراده: أن الميت إنما يعرض في قبره على مقعده من الجنة ومقعده من النار، فإذا كان من أهل الجنة فتح له باب في قبره ينظر إلى مقعده في الجنة، أي: بعد مبعثه وحسابه وجزائه فإنه يدخل هذا المكان الذي يتنعم به في قبره. وهذا الحديث فيه: إثبات العذاب والنعيم للمقبور، والله تعالى علم أن هذا العبد من أهل الجنة فقد أعد له مكاناً في الجنة، فيفتح له في كل يوم صباحاً ومساءً، وصاحب القبر لا يعرف الصباح والمساء، إنما الذي يعرفه هو الله ، (فيفتح له في كل غداة وعشي) أي: في كل صباح ومساء، باباً وهو في مقبرته ينظر منه إذا كان من أهل الجنة إلى مكانه في الجنة، وإذا كان من أهل النار ينظر وهو في قبره إلى النار، (ويقال: هذا مقعدك إلى قيام الساعة). أي: هذا مقعدك إلى يوم القيامة.

стр. 1146

حديث ابن عمر: (ما من عبد يموت إلا وعرضت عليه روحه) [عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من عبد يموت إلا وعرضت روحه، إن كان من أهل الجنة على الجنة، وإن كان من أهل النار على النار)] وهو بمعنى الحديث السابق.

стр. 1147

حديث ابن عباس: (ما من ميت يموت حتى يعرض عليه أهل مجلسه) [عن مجاهد -تلميذ ابن عباس - قال: ما من ميت يموت حتى يعرض عليه أهل مجلسه -أي: أخلاؤه وأحبابه وأصحابه وغير ذلك- إن كانوا من أهل لهو فأهل لهو، وإن كانوا أهل ذكر فأهل ذكر]. يعني: المرء يعذب بأصحابه، لكن هذا الخبر غير صحيح عن مجاهد، وإن صح ففي النفس منه شيء، على اعتبار أن مجاهداً إنما أخبر بشيء من أمور الغيب، وهل يعذب المرء بصحبته في قبره؟ أمر يحتاج إلى نص مرفوع لا إلى نص موقوف أو مقطوع كمثل نص مجاهد.

стр. 1148

حديث أبي أيوب: (هذه يهود يعذبون في قبورهم) [عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: (سمع رسول الله ﷺ أصوات يهود حين غربت الشمس، قال: هذه يهود يعذبون في قبورهم)] واليهود كفار كما أن النصارى كفار، فهذا الحديث أثبت أن عذاب القبر على غير المسلمين، وهذا ما يمكن أن يضاف إلى تصنيف هذا الباب في قوله: وأن المسلمين إذا دلوا في حفرتهم يسألهم منكر ونكير، بل كذلك يسألهم منكر ونكير إذا كانوا غير مسلمين.

стр. 1149

شرح حديث زيد: (إن هذه الآمة لتبتلى في قبورها) وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: [(بينا رسول الله ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له -الحائط هو البستان أو المزرعة أو الجنينة- فحادت به فكادت تقلبه)] حادت أي: ماجت به وأسرعت تعدو هنا وهناك بغير هدف كأنها نفرت نفرة عظيمة جداً كادت أن تقلب النبي ﷺ من على ظهرها. [(وإذا قبر ستة أو خمسة أو أربعة -يعني: كان في هذا البستان أو في هذا الحائط قبر فيه أربعة أو خمسة أو ستة- فقال النبي ﵊: إن هذه الأمة -أي: الأمة الإسلامية- لتبتلى في قبورها -والابتلاء هو الاختبار والامتحان. يعني: هذه الأمة تبتلى وتختبر في قبرها- فلولا ألا تدافنوا دعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه)]. يعني: يريد أن يقول: هذه القبور التي تنظرون إليها ملئت نعيماً وعذاباً، أما من تنعم فيها فإنه لا يصيح أو يبكي أو غير ذلك، وأما من يعذب فشأنه أن يصيح وأن يبكي وأن يندم ويتحسر على ذلك، فالنبي ﵊ يسمع هذه الأصوات بدليل: أنه سمع أصوات اليهود وهم يعذبون في قبورهم. وقال ﵊ في حديث آخر في الصحيحين: (لما مر على قبرين قال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) وسيأتي الحديث معنا بإذن الله. فالنبي ﵊ أعطاه الله تعالى من القدرة والثبات ما يمكن أن يسمع به العذاب في القبر، والنبي أخبر أن الخلق لا يقدرون على سماع هذا العذاب، ولو أنهم سمعوا العذاب لا يتدافنون قط، لو أن واحداً منهم مات ألقوه على المزابل لا يدفنونه، فلما كان الدفن حق واجب على الأحياء -وهو فرض كفاية وكذلك الصلاة على الميت وغير ذلك من أعمال الميت -حجب الله عنهم عذاب المعذبين؛ لأنك لو دخلت قبراً أو مقبرة فسمعت العذاب والبكاء والصياح والعويل والصراخ فلا يمكن قط أن تذهب إلى المقابر ولو أن أباك هو الذي مات أو أمك أو ولدك؛ لأن الهول شديد والعذاب أليم، ولا يمكن للمرء أن يتحمل سماع هذا العذاب، ولذلك قال ﵊: [(فلولا ألا تدافنوا دعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمعه منه)] يعني: لولا مخافة النبي ﵊ أننا نهمل في دفن الأموات مخافة أن نسمع أصوات المعذبين لدعا الله تعالى أن يسمعنا أصوات المعذبين. [ثم قال: (تعوذوا بالله من عذاب القبر. قلنا: نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: تعوذوا بالله من الفتن. قلنا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: تعوذوا بالله من الدجال. قلنا: نعوذ بالله من الدجال) أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة]. فحينئذ يجب على المرء أن يتعوذ بالله من كل شر خاصة عذاب القبر والفتن ما ظهر منها وما بطن، والمسيح الدجال، بل كان النبي ﵊ يستعيذ من هذه في دبر كل صلاة قبل أن يسلم، فإذا فرغ من التشهد قال: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) أو قال: (ومن شر فتنة المسيح الدجال). وقال ﵊: (ما من نبي إلا حذر أمته الدجال)، ثم قال ﵊: (وما بين يدي الساعة فتنة شر من فتنة الدجال)، والدجال تكلمنا عنه مراراً.

стр. 1150

حديث أنس: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر) [عن أنس ﵁ قال: (أن رسول الله ﷺ سمع صوتاً من قبر من حيطان بني النجار -أي: من بساتين بني النجار- فسأل عنه، فقيل له: دفن في الجاهلية، فأعجبه)]. لما سمع صوتاً يخرج من قبر في بعض حوائط بني النجار سأل عن المقبور من هو؟ قالوا: يا رسول الله! هذا دفن في الجاهلية، فأعجبه وإعجاب النبي بذلك أن المعذب لم يكن من أمته، بل كان من أهل الجاهلية الذين يستحقون كل عذاب. وهذا يدل على مزيد شفقته على أمته ﵊. ثم قال: [(لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر)].

стр. 1151

حديث أنس في سماع الميت خفق النعال وسؤال منكر ونكير له [عن أنس أن النبي ﵊ قال: [(إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه -يعني: ذهبوا عنه- حتى إنه ليسمع خفق نعالهم)] يعني: أصوات نعالهم وهم يمشون، فالميت في هذه اللحظة يسمع حركات وكلام الأحياء حتى يسمع خفق النعال الذي بمثابة الهمس، فإن الميت حينئذ يسمع، ولذلك لما وضعت الحرب في غزوة بدر أوزارها ذهب النبي ﵊ إلى قليب بدر -أي: الحفرة التي وضع فيها المشركون وهم قتلى- فوقف على رءوسهم وقال: (يا أهل القليب -وفي رواية- يا أهل بدر) أي: يا من قتلتم في بدر من صناديد الشرك والكفر: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فقام إليه عمر وقال: يا رسول الله! أتخاطب قوماً قد ماتوا؟ فقال: والله ما أنتم بأسمع لما أقوله منهم)، يعني: هم يسمعونني كما أنكم تسمعونني تماماً بتمام وسواء بسواء. والجمع بين حديث: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع خفق نعالهم) والحديث الآخر: (رأى النبي ﵊ رجلاً يلبس نعلين سبتيتين ويمشي بين القبور، فقال ﵊: يا صاحب السبتيتين ألق عنك سبتيتيك) قال العلماء: السنة ألا يدخل المسلم المقابر وهو منتعل. وبعضهم قال: بل هذا خاص بصاحب النعلين. ومنهم من قال: بل هذا خاص بالنعال السبتية دون غيرها. والصواب: أن المرء يستحب له أن يدخل المقابر وهو حاف غير منتعل؛ لأن النبي ﵊ قال له: (ألق عنك سبتيتيك). وألق فعل أمر، والأمر للوجوب، لكننا لا نقول: إن الأمر هنا للوجوب، وإنما هو للاستحباب؛ لأن الحديث الثاني قال: (وإن الميت ليسمع خفق نعالهم) والمعلوم أن هذا كان في المقابر. فنقول: هذا الحديث الذي جوز المشي بين المقابر بالنعال ينسخ الوجوب الوارد في قوله: (ألق عنك سبتيتيك)، والمعلوم أن نفي الوجوب لا ينفي الاستحباب. هذه قاعدة أصولية، فإذا نفينا الوجوب في قوله: (ألق عنك سبتيتيك) يبقى استحباب ألا ينتعل الذي يمر بين المقابر. قال: [(أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له)]. أول شيء يصنعونه: أنهما يقعدانه، مع أننا ندفن الميت ونهيل عليه التراب حتى نقول: ليس هناك مكان يجلس فيه؛ لأن التراب يحيط به من كل مكان، خاصة لو أننا التزمنا السنة في الدفن، قال ﵊: (اللحد لنا والشق لغيرنا). واللحد هو أن تشق شقاً في الأرض رأسياً ثم تشق جانبه الأيمن باتجاه القبلة شقاً يسيراً بحيث يسمح بأن ينام الميت على جنبه الأيمن متوجهاً إلى القبلة، ولا يلزم من ذلك أن يكون هذا الشق الثاني أو هذا اللحد عالياً بحيث يتمكن الملكان من إجلاس هذا الميت؛ لأننا نعتقد أن الله ﵎ إنما يهيئ لهذين الملكين مكاناً عظيماً جداً يجلسان فيه الميت، هذا أمر لا يعجز الله تعالى، ولذلك -يا إخواني- النصوص الشرعية ينبغي أن نتعامل معها بقلوب مؤمنة. شخص يقول مثلاً: إذا كانت السنة أثبتت أن الأرض بالليل تطوى، وقال ﵊: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل) فالذي يخاف على نفسه إنما يبدأ السير من أول الليل. ثم قال ﵊: (فإن الأرض تطوى) فكيف تطوى مع أن المسافة من القاهرة إلى المنصورة مائة وعشرين كيلو متر، هل ستصير مائة كيلو مثلاً؟ أو ثمانين؟ فالله أعلم، يمكن تكون أقل من ذلك، يمكن يكون الطي في البركة. أنت الآن إذا نظرت إلى يومك هذا ويوم ابن تيمية أو الذهبي أو ابن حجر أو غيرهم من أهل العلم هو نفس اليوم، فالشمس تشرق في الصباح وتغرب في المساء، يدخل الليل فإذا انتهى الليل بدأ النهار وهكذا، لكن هل يومك كيوم ابن حجر أو ابن تيمية؟ الجواب أن يومك ليس كيومهما أبداً ولا يمكن، وهذه مسألة ينبغي أن تقرر. إذا نظرت إلى تراث ابن تيمية أو الحافظ ابن حجر تجده مذهلاً جداً، ومن حكم عقله لا يكاد يصدق أن هؤلاء الناس مع صغر سنهم قد ألفوا هذه المؤلفات الكثيرة، فالإمام الشافعي مات عن أربع وخمسين سنة، وعلمه أطبق الأرض شرقاً وغرباً، فمتى تعلم ثم متى صنف ومتى انتشر علمه؟ أمر عجيب جداً. نحن الآن نبلغ من العمر خمسين سنة ولا نعرف ماذا كتب الشافعي فضلاً أن نكون قد تعلمنا علمه وصنفنا فوق علمه علماً آخر. فإذا أخبر الله تعالى أو أخبر رسوله بأمر يتعلق بالغيب فإنه لا مجال للعقل فيه ألبتة، ويجب على العقل أن يقول: سلمنا وآمنا، سمعنا وأطعنا أما غير ذلك فلابد أن يئول أمره إلى الحيرة والتيه والضلال. قال: [(أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له)] أول شيء: يرد إليه الروح التي نزعت منه وقت الغرغرة، فإنها ترد إليه مرة أخرى. ثم يقعد فيقولان له: [(ما كنت تقول

стр. 1152

حديث: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) قال: [عن ابن عباس قال: (مر رسول الله ﷺ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان -واللام هنا للتوكيد وليست للنفي- ما يعذبان في كبير) يعني: المسائل التي يعذب بسببها أصحاب هذه القبور ليس أمراً عسيراً ولا شاقاً، كان بإمكانهما أن يتحرزا منها وأن يجتنبا سبب هذا العذاب. [(أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول) وفي رواية: (كان لا يستتر من البول). أما قوله: (لا يستنزه من البول) أي: يتبول ولا يتطهر ثم ينطلق. وآلاف من الناس تتنجس ملابسهم وأبدانهم بالبول، فكم من شخص يبول ثم ينصرف، وأعجب من ذلك -والله- أني رأيت منذ شهرين تقريباً أن واحداً بال واقفاً -وكنت في زيارة للإسكندرية- والبول قائماً مخالفة، ثم لم يستنج من بوله، وإنما مسح ذكره بكفه اليمنى -وهذه مخالفة أخرى- ثم مسح كفيه مع بعضهما البعض وأجراهما على وجهه. فلم أدر من أين أبدأ معه. ولابد أن تعلم أن الشرع لم يترك لأحد قط أن يتصرف في نفسه أدنى تصرف دون هداية وإرشاد حتى في البول كما في قول اليهود: (لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة). أي علمنا كل شيء حتى علمنا إذا دخل الواحد منا الحمام ماذا يصنع وكيف يتطهر وبأي شيء يتطهر، فلم يترك شاردة ولا واردة إلا وبين لنا فيها أحسن بيان، فأي دين أعظم من هذا الدين؟ وأي رسول أعظم من هذا الرسول؟ لا أحد ولا شيء قط، فهذا دين الله تعالى الذي ارتضاه لعباده. وبعض الناس يقول لك: يا أخي! أنا رجل مثلي مثل هذا، فلم أستر نفسي عنه؟ ولعلكم تذكرون أني قلت لكم مرة أني كنت في المدينة المنورة، فرآني أحد الناس في المسجد فألح علي أن أفطر عنده فذهبت تلبية للدعوة، فلما ذهبت لأغسل يدي وجدت أن الحوض خارج الحمام في الصالة، وقد سبقني إلى الحمام والحمام مفتوح على مصراعيه وهو جالس فيه يقضي حاجته، فلما وقع نظري على عورته قلت: أعوذ بالله، ما هذا يا أخي؟ وغضبت غضباً شديداً جداً، فخرج من الحمام وهو غضبان. قال: ولم نغضب؟ قلت له: غضبان! وهل أنت محتاج أن أقول أنك مخطئ أو ماذا؟ فقال لي: هذا ليس خطأ. قلت: بل إنك مخطئ. فقال: ألست أنت رجل؟ قلت: أنا رجل ونصف. قال: وأنا كذلك رجل فلم تضغب؟ فذهبت إلى الذي سينصرني فقلت له: انظر يا حاج فلان أو يا دكتور فلان، أرأيت فلاناً ماذا قال؟ وهو جالس ينظر إلي باستغراب ويقول: ومم تغضب؟! قلت له: سبحان الله! أهذه المسألة إجماع وأنا المخالف فيها أم ماذا؟! قلت: أهذا صحيح؟ قال: يا أخي! المعذرة وهل بيننا امرأة؟ قلت له: نعم هو امرأة، إنما أنا لا، ألم يكن من المفترض عليها أنها لا تكشف عورتها بهذا الشكل؟ فغضب مني جداً، كيف أنني أقول على الدكتور في الجامعة أنه امرأة! تصور إلى هذا الحد! فانظر إلى قوله ﵊: (أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله) يعني: عند أن يأتي للبول يبول أمام الماشي والآتي. قال: [(وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة)] والمعلوم أن النميمة إنما هي النم والنقل على وجه الإفساد، وهي من الكبائر، فمن علامات الكبائر الوعيد الشديد؛ لأن الناس يتصورون أن الكبيرة معناها أنه لابد أن يقام عليها الحد، وهذا ليس بلازم، كما أن بعض الناس أن علامات الساعة كطلوع الشمس من مغربها من الأمور المحرمة، وهذه أمور كونية ليس لها علاقة بهذا، بل هذه علامات وأمارات للساعة لا يلزم أن تكون حراماً. فهنا قال: (وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة)، يأتي ويقول لك: إن فلاناً قال عليك كذا، ويذهب إلى فلان ويقول: إن فلاناً قال عليك كذا، فتقع الشحناء والبغضاء بين المسلمين، ولا شك أن هذا باب عظيم جداً من أبواب الكبائر. قال: [(ثم أخرج جريدة فشقها بنصفين فغرز في كل قبر واحدة. فقيل: يا رسول الله ﷺ لم فعلت هذا؟ قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا)]. السؤال الذي أريد أن أطرحه: لو أن شخصاً وضع جريدة الآن أمام القبر أيخفف عن صاحب القبر من عذاب القبر؟ الجواب لا. لأنه ابتداء لا يدري أهو يعذب أم لا يعذب؟ ولكن الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه علم أن هذان يعذبان، بل علم سبب التعذيب، ثم أطلعه الله تعالى على بعض النجاة لمدة محدودة وهو إشفاق على أصحاب القبور أنه أخذ جريدة وشقها نصفين ثم وضع كل نصف في قبر وهي خضراء. قال: (لعله أن يخفف عنهما -أي: من عذاب القبر بهذا السبب- ما لم ييبسا) أي: ما لم تيبس هاتان الجريدتان. فهل لأحد الناس أن يضع جريدة نخل رطبة على القبر؟ لا. ولكن للأسف نحن نراه اليوم على القبور، فعند أن تدخل القبور تجدها بساتين وعمارات وقصور وفلل! وهذا بلاء عظيم جداً.

стр. 1153

حديث عائشة في تصديق النبي ﷺ للعجوز اليهودية في إثبات عذاب القبر [عن عائشة ﵂ قالت: (دخلت علي عجوز من عجائز يهود المدينة)] يعني: امرأة يهودية كبيرة في السن دخلت على عائشة في المدينة. [فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم)] هذا قول العجوز اليهودية، والعجيب أن اليهودية معتقدها في عذاب القبر أحسن من معتقد الخوارج والمعتزلة! فعقائد المعتزلة والخوارج أفسد من عقائد اليهود في هذا الباب [فقالت عائشة: كذبت، ولم أنعم أن أصدقها)] p=١٠٠٠٠٤٣> عائشة تقول لها: أنتِ كذابة، الذي يموت لا يعذب، ولكن عائشة كان عمرها صغيراً، فكان عمرها: تسع سنين، أو عشر سنين، أما بعد ذلك فهي من كبار المحدثات ومن المكثرات في الرواية، وعاشت حتى احتاجت الأمة إلى علمها وفقهها. [قالت: (فخرجت -أي: خرجت هذه اليهودية من عندها- فلما خرجت دخل النبي ﵊ على عائشة، فقالت له: يا رسول الله إن عجوزاً من عجائز اليهود دخلت علي فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم؟ فقال: صدقت)]. فلم يقل لها: هذه يهودية بنت كلب، إياك أن تصدقيها! فلم يقل لها ذلك، انظر إلى الحق! وأعظم من هذه اليهودية: الشيطان، فإنه أعظم منها ضلالاً وشيطنة، قال ﵊ لـ أبي هريرة: (صدقك وهو كذوب) أرأيت إلى العدل! وقال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥]، مع أنهم الكفار، لكن منهم الأمناء، ولا يصح أن يلف الكافر بخرقة ويلقى ولا ينتفع به، بل ينتفع به فيما يمكن الانتفاع به. وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥]، أي: إذا كنت واقفاً على رأسه: هات الدينار الذي عندك، وترفعه إلى المحاكم، ومن أهل الكتاب من لو وضعت عنده قنطار ذهب يؤده إليك. والنبي ﵊ صدَّق هذه اليهودية، وعائشة معذورة في تكذيبها لها، لأنها طفلة صغيرة في ذاك الوقت. قالت: [(فقال لي: صدقت. إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم كلها. قالت: فما رأيته في صلاة قط إلا يتعوذ من عذاب القبر)]. يقول: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر) والحديث في الصحيحين.

стр. 1154

حديث عائشة في تعوذه ﷺ من عذاب القبر [عن عائشة: (أن النبي ﷺ كان يتعوذ في دعائه، فيقول: اللهم أعوذ بك من فتنة النار، ومن فتنة القبر، ومن عذاب القبر، ومن شر فتنة الغنى والفقر، ومن شر فتنة المسيح الدجال، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم -الهرم: كبر السن- والمأثم)] والمأثم أي: الإثم. والحديث كذلك في الصحيحين.

стр. 1155

حديث: (إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة) [عن البراء بن عازب قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار -يعني: مسلم وهو من الأنصار- فانتهينا إلى القبر ولم يلحد له -يعني: ذهبنا به إلى المقبرة، ولم يوضع هذا الأنصاري في قبره بعد- فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير)] يعني: تشبيه بالحجارة أو بالشيء الثابت الذي لا يتحرك حتى ظن الطير أنهم ليسوا بشراً! أما اليوم تنظر وتجد الناس يمشون في الجنازة يغمز بعضهم البعض، ويضحكون مع بعض، ويحكون حكايات وروايات وقصصاً، ومنهم الذي يبكي من الضحك جبراً لخاطر أهل الميت فهذه مناظر مخزية كلها، لا يفكر صاحبها أنه يمكن أن يكون في آخر النهار في هذا النعش. وسئل بعض الناس ممن يمشي مع الجنازة: هل الذي يمشي أمام الجنازة أفضل أم الذي يمشي وراءها؟ قال: يمشي وراءها أو يمشي أمامها لا مشكلة، المهم ألا يكون في النعش! ويمشي وهو يضحك وكأن الأمر يستحق الضحك! [(فجلس رسول الله وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير، في يده عود ينكت به في الأرض)]، وهذا تصرف الإنسان الذي امتلأ فكراً وعبرة، الذي يفكر في أمر عظيم وخطير [(فرفع رأسه ﵊ فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً. ثم قال: إن العبد المؤمن)] هو يعقد مقارنة بين مصير المؤمنين ومصير الكافرين، وماذا يقدم كل منهما؟ وكيف يقدم العبد على ربه؟ فبدأ بالمؤمن. قال: [(إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا)] يعني: إذا انتهت حياته وبدأ حياة أخرى، والقبر هو أول منازل الآخرة، وآخر منازل الدنيا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: في القبر، كما مر بنا آنفاً. قال: [(نزلت إليه ملائكة بيض الوجوه)] فهو أمر يناسب العبد المؤمن، فالملائكة عند ذلك يأتونه في صورة حسنة بهية، في ثياب بيض. [(كأن وجوههم الشمس -من البياض- معهم كفن من كفن الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه)] وهذا في لحظة الاحتضار، كما قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وإدبار من الدنيا) يعني: لحظة الاحتضار، التي يكره المرء فيها لقاء الله أو يحب لقاءه، إذا نظر إلى مكانه من النار كره لقاء الله، وإذا نظر إلى مكانه من الجنة أحب لقاء الله، فتأتي الملائكة بيض الوجوه يجلسون منه مد البصر. أي: بعيداً عنه قليلاً. [(ثم يأتي ملك الموت ويقف عند رأسه فينزع منه الروح نزعاً رفيقاً ليناً)] هذا النزع ربما يكون فيه بعض الإيلام، لكنه إذا قورن بنزع روح الكافر كان في منتهى اليسر والسهولة، وشيء هين لين. قال: [(ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين)] قوله: لم يدعوها، الضمير عائد على الملائكة الذين جلسوا منه مد البصر، فالذي يتولى نزع الروح هو ملك الموت، ثم الذي يصعد بها: الملائكة الآخرون، والذي يتوفى الأنفس هو الله . إذاً: المميت على الحقيقة هو ، والذي يتولى إخراج الروح هو ملك الموت، والذي يتولى الصعود بهذه الروح ملائكة آخرون. قال: [(لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلونها في ذلك الكفن وذلك الحنوط -الذي هو من أكفان الجنة ومن حنوط الجنة- فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على ظهر الأرض -أي: لها رائحة طيبة جداً، وهي رائحة الإيمان والعمل الصالح- فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا -أي: هؤلاء الملائكة- ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان ابن فلان بأحسن أسمائه الذي كان يدعى بها في الدنيا -أي: في أثناء حياته- حتى ينتهون بها إلى سماء الدنيا -أي: السماء الأولى- فيستغفرون له -وفي رواية-: فيستفتحون له)] يعني: يستغفر للمؤمن أهل السماوات الدنيا، أو يستفتح الملائكة الذين معهم هذه الروح أهل السماء الدنيا من الملائكة فيفتحون لها ولهم. قال: [(فيشيعه من كل سماء مقربوها -أي: الملائكة المقربون في كل سماء هم الذين يشيعون هذه الروح الطيبة- إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض)] أي: تذهب الروح إلى جسد صاحبها. قال: [(فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فتعاد روحه في جسده)]. إذاً: عند أن قلنا: تعاد إلى الأرض في جسده لم يكن هذا اجتهاداً وإنما هو نص، كما في قوله: [(فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسل

стр. 1156

إثبات الصحابة والتابعين لعذاب القبر وإيمانهم بذلك [عن ميمون بن أبي ميسرة قال: كان لـ أبي هريرة ﵁ صيحتان في كل يوم، أول النهار فيقول: ذهب الليل وجاء النهار، وعرض آل فرعون على النار]. فيصيح أبو هريرة لهذا ويفزع. [وإذا كان العشي قال: ذهب النهار وجاء الليل وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار]. يعني: كان يستعيذ بالله من النار في كل صباح وعشي؛ لأنه يعلم ويوقن أن العذاب قائم وكائن لآل فرعون في هذا التوقيت، كما في قول الله تعالى: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]. قد يقول قائل: هذا العذاب في حق الكافر؛ لأن فرعون وقومه كفار، وعذاب القبر لا يثبت إلا للكفار، ف الجواب أين حديث الجريد؟ وأين حديث صاحب الغيبة وصاحب البول والذي غل من الغنيمة وغير ذلك؟ وهناك من يقول: لا يوجد عذاب قبر بالمرة ولا حتى آل فرعون، فإن آل فرعون سيعذبون يوم القيامة. و الجواب أن يوم القيامة شيء، وعذاب القبر شيء آخر، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦]. يعني: بعد الموت. قول الله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] معناه: أن هناك عذاباً بعد البعث، وعذاباً قبل البعث، وهو أنهم يعرضون على النار وهم في قبورهم في الصباح وفي المساء، وأما يوم القيامة فشيء آخر، فعذابهم في الآخرة أشد من عذابهم في القبور، مع أنهم كانوا في قبورهم يعرضون صباحاً وعشياً على النار، لكن النار التي أعدت لهم في الآخرة أعظم، بل لا يقاس عليها عذاب القبر ولا عذاب الدنيا من باب أولى. وقال عبد الله الداناج: [شهدت أنس بن مالك وقال له رجل: إن قوماً يكذبون بالشفاعة، قال: لا تجالسوهم، فسأله آخر فقال: إن قوماً يكذبون بعذاب القبر، قال: لا تجالسوهم] وهذا كلام عظيم لأهل العلم، فهم ينهون عامة الأمة عن مجالسة أهل البدع والزيغ والضلال. [عن مجاهد قال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات:١٣] قال: يحرقون عليها ويعذبون]. وعن حوثرة بن محمد المنقري البصري قال: [رأيت يزيد بن هارون الواسطي في المنام بعد موته بأربع ليال، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: تقبل مني الحسنات، وتجاوز عن السيئات، ووهب لي التبعل، قلت: وما كان بعد ذلك؟ قال: وهل يكون من الكريم إلا الكرم؟ غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة، قلت له: بم نلت الذي نلت -يعني: كيف أخذت هذا؟ - قال: بمجالس الذكر -أي: مجالس العلم- وتولي الحق، وصدقي في الحديث، وطول قيامي في الصلاة، وصبري على الفقر، قلت: ومنكر ونكير حق؟ -بمعنى: أنت فعلاً رأيت منكراً ونكيراً؟ - قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، لقد أقعداني وقالا لي: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحيتي البيضاء من التراب، فقلت: مثلي يسأل؟ أنا يزيد بن هارون الواسطي، وكنت في دار الدنيا ستين سنة أعلم الناس. فقال أحدهما لصاحبه: صدق، هو يزيد بن هارون نم نومة العروس: فلا روعة عليك بعد اليوم]، يعني: لا حزن ولا هم عليك بعد اليوم، نم إلى نعيم ورغد لا منتهى له سواء كان في قبرك أو بعد مبعثك ودخولك الجنة. وهذا المنام وغيره من المنامات إنما هي من البشارات لأهل الإيمان، وإن كان لا يتوقف عليها حسن اعتقاد ولا سوء اعتقاد ولا تحليل ولا تحريم ولا شيء من هذا، إنما هو عاجل بشرى المؤمن في الدنيا.

стр. 1157

سياق ما روي بما أرى الله أو أسمع من عذاب القبر في الصحابة والتابعين ومن بعدهم قال حنبل: [سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: إذا صير العبد إلى لحده، وانصرف عنه أهله أعيد إليه روحه في جسده]. ولذلك فإن عقيدة أهل السنة سهلة، وأنا سأقول لك: هات أي كتاب من كتب المعتزلة أو الشيعة أو الخوارج أو أي فرقة من الفرق الضالة في المعتقد واقرأه أو اقرأ باباً منه ثم اقرأ ما يواجه هذا الباب في كتب أهل السنة والجماعة، فلن تحتاج أبداً إلى شخص يشرح لك، فعندما نقرأ في عقيدة أهل السنة فيما يتعلق بالقبر ستجد الكلام سلساً، وعند أن نأتي ونقرأ العقيدة الطحاوية مثلاً أو في كتاب السفاريني أو في كتاب اللالكائي أو ابن أبي عاصم أو أحمد بن حنبل أو غيرهم من أهل العلم الذين صنفوا في المعتقد والسنة تجد أن الكلام سهلاً وحلواً ومقبولاً وجميلاً، ولا تحتاج أبداً أن أبا الأشبال يقول لك: هذه معناها كذا، وهذه معناها كذا، أو أن المحشي سيضع لك تحت هذه الكلمة الصعبة أن معناها كذا، فبمفردك ستفهم هذا الموضوع وتقول: سهل جداً، لكن عند أن تأتي إلى كتب المبتدعة؛ تجدها فلسفة وكلاماً معقداً ومنطقيات ومقدمات ومؤخرات ونتائج، شيء صعب إلى أقصى حد، وربما قرأت الموضوع وخرجت منه وأنت لم تفهم ما هو الموضوع الذي يتكلم فيه؛ لأنه طلاسم، والذي يترك كلام أهل السنة لابد أنه يقع في الحيرة والتيه والضلال، ويكون كلامه كله عبارة عن فلسفات كلامية ومقدمات ومؤخرات منطقية لا يمكن أبداً أن يستقيم في الأمور الغيبية مع كلام أهل السنة والجماعة أبداً، ولذلك النبي ﵊ لما قال: (وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) لم يقل الصحابة: من هؤلاء الفرق يا رسول الله؟ وإنما قالوا له: من هذه الفرقة الواحدة؟ قال: (هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي). فهذه إشارة إلى وجوب تعلم عقيدة أهل السنة والجماعة، ثم اعلم أن ما عدا هذه العقيدة عقائد فاسدة وباطلة، وأصحابها من أهل النار، أما أن يأتي شخص ويتفلسف ويقول لك: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه فيقول: أنا قبل أن أدرس عقيدة أهل السنة لابد أن أدرس عقائد الفرق الثلاثة والسبعين أو الاثنتين والسبعين لا أعرف الفرق الباطلة؛ من أجل أن تحلو لي عقيدة أهل السنة والجماعة! إذا كنت تظل تدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة سنوات وسنوات فكيف يتسنى لك أن تدرس عقيدة هذه الفرق كلها؟ أتضمن الحياة؟ وبعد ذلك أأنت مكلف بمعرفة هذه العقائد؟ هل سيقول الله لك يوم القيامة: ماذا قالت المعتزلة في رؤية الله ؟ أم أنه سيسألك عن معتقدك أنت، فيما يتعلق بجواز أو استحالة رؤية المولى ، سيسألك عن عقيدتك، عقيدة أهل السنة، بل هو سيسأل هؤلاء الضلال الحيارى عن سر وسبب انحرافهم عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وعملهم يأتي يوم القيامة كله هباء منثوراً؛ لأنه لا يستند إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما استند إلى فلسفات غربية، ولذلك فإنه كلما ازدادت رقعة الإسلام في الأرض ازداد الفساد في الأمة. فـ عمر بن الخطاب ﵁ عند أن كان تفتح عليه البلدان كان يظل يبكي؛ لأنه عمر ﵁ الرجل الثالث في الأمة بعد النبي ﵊ وبعد أبي بكر فليس هذا من فراغ أيها الإخوة! ولذلك قيل: إن أبا بكر لم يسبق الأمة بكثير صلاة ولا صيام، وإنما بإيمان استقر في قلبه، فنور الوحي استقر في قلبه فصارت الأمور بالنسبة له كما لو كان يشاهدها عياناً، وهذا نور الإيمان جزاءً وفاقاً للعمل الصالح، وهو فضل الله أولاً وآخراً، بعث عمر الجيش، فلما سمع أن مصر فتحت وأن الأمر استقر لـ عمرو بن العاص بكى عمر بن الخطاب لأنه يذكر قوله ﵊: (ما أخشى عليكم الفقر، ولكني أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم)، ونحن ننظر إلى الوجه الآخر للفتح، الفتح جيد، وشيء جميل، ودخول الناس في دين الله أجمل ما يمكن، لكن الوجه الآخر لهذا الفتح هو الأمر العصيب جداً الذي كان يعصر قلب عمر، وأن كل زيادة في الأرض زيادة في فساد أبناء الأرض. ولا شك أن عالم الترجمة أمر يسعد كل مسلم، فلما أمرت الدولة العباسية بترجمة كتب الفلاسفة والمتكلمين، كان هذا مبدأ وأساس الشر في الأمة، بأن تُرجمت كتب فلاسفة اليونان وأثينا للغة العربية، فدخل الشر منها. وأنت عندما تجلس مع أستاذ أو طالب في كلية الآداب أو التربية قسم الفلسفة لا يمكن أن تقول: هذا الإنسان مسلم، أو هذا قلبه أو عقله يفكر في الإسلام، لأنه لا يتكلم أبداً بقال الله ولا قال الرسول، فكلامه كله ظلمة إلا من رحم الله ؛ لأن بضاعته هي قال أرسطو طاليس قال

стр. 1158

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - أرواح المؤمنين أين تكون بعد الموت مما يجب الإيمان به إيماناً جازماً أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر معلقة تأكل من ثمار الجنة حتى يردها الله إلى أجسادهم، كما يجب الإيمان بأن أرواح الكفار في النار، وأرواح المؤمنين في الجنة تتفاوت مراتبها ودرجاتها بتفاوت مراتبهم ودرجاتهم في الإيمان.

стр. 1159

سياق ما روي في أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر تعلق في شجر الجنة، حتى يردها الله إلى أجسادهم]. كأن الإمام اللالكائي ﵀ يقطع أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر في الجنة، وأن الله تعالى يردها إلى أجسادهم حين بعثهم، كأنه بهذا قد رجح هذا الرأي؛ لأن مسألة أين تكون الأرواح إذا ماتت الأجساد مسألة محل نزاع عظيم جداً بين أهل العلم، فاختياره لهذا التبويب إنما هو بمثابة الترجيح لهذا الرأي. وحقيقة هو الرأي الراجح، فالمؤمن إذا مات كانت روحه في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وأشجارها، حتى يردها الله إلى أجساد أصحابها. والإمام هنا قد ذكر بعض النصوص التي تشهد لصحة قوله، وفاته كذلك أن يورد نصوصاً صحيحة بل هي أصح مما أورده في هذا الباب، وأظن أن النصوص الأخرى لم تقع إليه بسنده؛ ولذلك ما استطاع أن يوردها هنا. قال: [عن عبد الرحمن بن كعب -وهو ابن كعب بن مالك - عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: (إنما نسمة المؤمن -أي: روح المؤمن- طير)، وفي حديث مالك: (طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يُرجعه الله في جسده يوم يبعثه)، وفي حديث مالك: (إلى جسده). قوله: (إنما نسمة المؤمن) أي: روح المؤمن كالطائر، أو هي نفسها الطائر، على خلاف بين أهل العلم في تأويل هذا الحديث. قال: (طائر يعلق في شجر الجنة) ومعنى يعلق: يأكل، فقال: (طائر أو كالطائر) فإما أن تكون روح المؤمن هي الطائر أو أنها كالطائر الذي يحلق في السماء، ولكنها تحلق في الجنة، فتأكل من أشجارها حتى يردها الله في جسد صاحبها يوم يبعثه. ومن نفس الطريق قال كعب بن مالك: [لما حضرت كعباً الوفاة أتته أم مبشر بنت البراء بن معرور فقالت: يا أبا عبد الرحمن! إن لقيت ابني فلاناً فأقرئه مني السلام]. وهذا تفريع عن الأصل الذي نحن بصدده وهو: هل تتلاقى أرواح المؤمنين إذا ماتت أجسادهم؟ يعني: إذا مات المؤمن ثم مات المؤمن هل تلتقي أرواحهما؟ بلا شك أن كلام أم مبشر هنا يوحي بذلك. [فقالت: يا أبا عبد الرحمن! إن لقيت ابني فلاناً فأقرئه مني السلام، فقال: غفر الله لك يا أم مبشر! نحن أشغل من ذلك]. أي: أنا في شغل عظيم وكرب كبير، لا يفيق أحدنا لصاحبه حتى يبلغه السلام من فلان أو فلانة. [فقالت: يا أبا عبد الرحمن! أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أرواح المؤمنين في طير خضر تعلق في شجر الجنة)؟ قال: بلى. قالت: فهو ذاك]. أي: التقاء أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر في الجنة. [عن أبي موسى قال: (تخرج روح المؤمن وهي أطيب من المسك، فتعرج به الملائكة الذين يتوفونه، فتلقاهم ملائكة دون السماء -قبل السماء الأولى- فيقولون: من هذا الذي جئتم به؟ فتقول الملائكة: توجوه هذا فلان ابن فلان، كان يعمل كيت وكيت لأحسن عمل له. قال: فيقولون: حياكم الله وحيا ما جئتم به. فتقول الملائكة الذي يصعد فيه قوله وعمله، فيصعد به إلى ربه حتى يأتي ربه وله برهان مثل الشمس)]. وهذه روح المؤمن. [(وروح الكافر أنتن من الجيفة، وهو بوادي حضرموت)]، وهذا أحد الأقوال. أين توجد أرواح الكفار؟ إذا اتفقنا أن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر في الجنة تأكل من ثمارها وأشجارها حتى يبعث الله أجسادها، فأين أرواح الكافرين؟ أحد الآراء أنها بواد في حضرموت، [(ثم أسفل الثرى من سبع أرضين)]، وهذا رأي ثان. أي: أن بعضهم قال: إن أرواح الكافرين في واد بحضرموت -أي: باليمن- والرأي الثاني يقول: أنها في أسفل سافلين، ويستشهد على ذلك بآيات وأحاديث ضعيفة. وعن ابن عباس قال: [(إن أرواح الشهداء تجول في أجواف طير تعلق في ثمار الجنة)]، لكن بعض أهل العلم ينازع في أرواح الشهداء وفي أرواح عامة المؤمنين، فيقول: الشهداء لهم خاصية تزيد على خواص عامة المسلمين. وعن ابن مسعود ﵁ قال: [(أرواح آل فرعون -أي: أرواح الكافرين- في أجواف طير سود يُعرضون على النار كل يوم مرتين، يقال لهم: هذه داركم. وهذا قول الله : ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا

стр. 1160

أقوال العلماء في مسائل الروح شيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله صنف رسالة اسمها (الروح)، والكتاب مشهور جداً، ولكن هذا الكتاب فيه أغلاط وأخلاط كثيرة جداً؛ ولذلك يشكك كثير من أهل العلم في نسبة هذا الكتاب إلى شيخ الإسلام ابن القيم ويقولون: ليس من كلامه ولا بقلمه، ولا يتناسب مع علم المدقق المحقق شيخ الإسلام ابن القيم. وبعضهم اعتذر اعتذاراً لطيفاً فقال: هو من كلامه وهو كتابه، وصحح نسبته إليه، لكن شيخ الإسلام إنما صنف هذا الكتاب في مقتبل عمره العلمي -أي: أيام كان صغيراً في السن- ولما كانت هذه المسألة من المسائل الدقيقة جداً التي يصعب على أهل العلم المبتدئين تحقيق مسائلها أخطأ فيها شيخ الإسلام ابن القيم. لكن على أية حال هذا الكتاب وهو كتاب (الروح) نحن لا نحبه قط، ولا ننصح أن يقرأه طالب العلم المبتدئ، وإنما يقرأه أهل العلم الذين لهم دراية بمسائل الخلاف حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها، وهناك كتاب (الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات) للإمام الآلوسي، وحققه شيخنا العلامة الألباني رحم الله الجميع. قال الإمام الآلوسي في الخاتمة: (الخاتمة -ونسأل الله تعالى حسنها إذا بلغت الروح المنتهى- في بيان الخلاف في مستقر الأرواح بعد مفارقتها البدن إلى يوم القيامة والبعث)، فأين تكون الروح إذا خرجت من المؤمن ومات البدن؟ قال ابن القيم في كتاب الروح: (هذه مسألة عظيمة تكلم فيها الناس، واختلفوا فيها، وهي إنما تتلقى من السمع فقط). أي: هذه المسألة لا يحل فيها الاجتهاد، وإنما الذي يجب فيها الوقوف عند حد السمع. ويعني: بالسمع: القرآن والسنة، ولذلك لا يمكن أن تجد قولاً لأهل العمل يأمر بالوقوف عند حد السمع فحسب إلا إذا كانت المسألة من مسائل الغيب، ومسائل الغيب يجب وجوباً حتمياً ضرورياً أن يتوقف المسلم عند حد قال الله قال رسوله أبداً، ولا يحل له أن يتجاوز النص. قال ابن القيم: (وإنما تتلقى من السمع -أي: لا يحل لأحد أن يخوض فيها- واختلف في ذلك). فحينما أرادوا الخوض فيها قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] أي: لا علاقة لكم بها.
следующие страницы →