← Акыда

Акыда · id 37437

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

حكم من لم يقدر على إرجاع ما أخذه من الغير السؤال كنت أعمل في أحد الفنادق وألزمني المدير أن آخذ ملاحتين من الفندق، ثم تركت العمل لما علمت بخبثه، وأريد إرجاع ما أخذت، ولا سبيل إلى ذلك، فكيف أعمل؟ الجواب بإمكانك أن تتصدق بهما وتتخلص منهما.

стр. 1087

ما يباح للخاطب السؤال أنا خاطب، فهل يجوز للمخطوبة أن تجلس معي وهي كاشفة وجهها؟ الجواب لا تجلس لا وهي كاشفة ولا وهي مغطية، وأنا قد سألت هذا السؤال الشيخ الألباني ﵀ فقال: ولا أن يراسلها مراسلة، ولا أن يشافهها على الهاتف؛ لأن المخطوبة امرأة أجنبية، فإذا أردت أن تجلس معها فاعقد عليها، وأما قبل ذلك فإن الخطبة لا تثبت حقاً إلا حق الاحتجاز، يعني: أنها محجوزة لك، فلا يجوز لأحد أن يخطبها إلا أن تدع أنت، وبعضهم يقول: أجلس معها حتى أعلمها، فنقول: علم أبوها وأبوها سيعلمها، وتكون قد ضربت عصفورين بحجر.

стр. 1088

الإيمان بكرامات الأولياء والتحدث بها إلى الآخرين السؤال هل يجوز التحدث عن كرامات بعض الصالحين في هذا الزمن وأنا لم أرها، ولكني سمعتها من بعض الإخوة، فهل يجوز لي التحدث بها؟ الجواب الإيمان بكرامات الأولياء من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، فكيف نكتم أصلاً من أصول إيماننا. ولكن نخشى أن يلتبس هذا الكلام بخرافات الصوفية وغيرهم، وكرامات الأولياء والصالحين أمر ثابت مستقر في عقيدة الموحدين، والتحدث به من باب البشارة ومن باب الخير، وأرجو ألا يخلط بين هذا وذاك، ولذلك جعل شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله حداً فاصلاً بين هذه الخزعبلات والخرافات وبين الكرامات، كما نقل عنه غير واحد، فقد قال: لا تعجب من عمل العامل حتى لو طار في الهواء ومشى على الماء حتى تنظر إلى عمله، فإن كان عمله مستقيماً على كتاب الله وسنة رسوله فاعلم أن هذه كرامة، وإذا كان عمله غير ذلك فاعلم أن هذا استدراج من الشيطان.

стр. 1089

مدى صحة حديث (من أدخل سروراً على مسلم) السؤال يقول: (إن من أدخل سروراً على مسلم خلق الله من هذا السرور ملكاً يعبد الله إلى يوم القيامة)؟ الجواب لا أعرفه أبداً، ويبدو أنه من وضعك أنت، يعني حتى أنك لم تأت به من كتب الموضوعات.

стр. 1090

حكم تأخر من يصلح للإمامة إذا لم يوجد غيره السؤال من كان يعمل كبيرة توجب لعنة الله ثم تركها لأجل الله وتعلم القرآن وصار الناس يرونه أهلاً للإمامة وهو يخاف أن يتقدمهم، ويخاف أيضاً أن يتخلف عن إمامتهم فهو من أقرئهم للقرآن، حتى لا يدخل للإمامة من يفسد الصلاة، فكيف المخرج يرحمكم الله تعالى؟ الجواب ويرحمكم. لا بد أن تعلم أن الإمامة هي دين الله ، يعني: أن مسألة الإمامة والتصدي لإمامة الناس أو تدريسهم أو قضاء حوائجهم من التكليف الشرعي، فهذا الأمر ليس من باب التشريف بل هو تكليف شرعي، فإذا تعينت عليك الإمامة -بمعنى: أنه لا يوجد أحد في الناس يصلح أن يكون إماماً إلا أنت- فتأخرك معصية لله ، وهذا ورع كاذب، بل الورع هو الاستقامة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، فالاستقامة: أن تحافظ على صحة صلاتك وصحة صلاة الناس. ولو تورعت أن تصلي بالناس ثم دخلت في الصلاة الجهرية خلف شخص لا يحسن قراءة الفاتحة فإنك ستبقى في صراع نفسي أثناء الصلاة هل تعيد الصلاة أم لا؟ وإذا كنت خائفاً على صلاة الناس أيضاً فماذا ستقول لهم بعد الصلاة؟ وهل ستأمرهم بإعادة الصلاة؛ لأن هذه الصلاة باطلة. وقد قال النبي ﵊: (ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله في النار)؛ لأنه تعين عليهم العمل فتخلفوا عنه عمداً، فهذه معصية أخرى، فلا تتصور أن هذا ورع في وقت قد تجرأ فيه جل الناس على الإمامة، وكل واحد يرى أنه أولى بالإمامة وأنه أهل للإمامة، بل إن المؤذن الذي لا يحسن أن يؤذن إذا أذن وأقام الصلاة يجد شخصاً واقفاً جنبه أو اثنين أيضاً، بل إنه بعد أن يفرغ من الإقامة يطمع في الإمامة، وكل واحد يرى أنه أهل للإمامة، والورع أن تنظر بتقوى الله فلا ترى من هو أفضل منك للإمامة، وليس معنى ذلك أنك أفضل الناس على الإطلاق، ولكنك أفضل الموجودين في شروط الإمامة، مع أنه يمكن أن تكون فاسقاً عياذاً بالله، فقد يكون عندك كبيرة تفسق بها، وصاحب الكبيرة المحافظ عليها فاسق، وإمامة الفاسق جائزة، والفاسق لا يفسق إلا بكبيرة أو بالمحافظة على الصغيرة. وتسعون في المائة من الأئمة في التكبير حتى في الصلاة السرية يقول: الله أجبر بالجيم بدل الكاف، ومذهب جماهير الفقهاء أن تحويل الكاف إلى جيم يبطل الصلاة ويلزم الإعادة حتى في الصلاة السرية. فهذه مسائل فنية لا دراية لأحد بها إلا أحد تدرب عليها وعرف أحكام التجويد ومخارج الحروف، وعامة الناس لا علم لهم بذلك. وهذه من مسائل الدين.

стр. 1091

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - حكم مرتكب الكبيرة لقد رغبت الشريعة الإسلامية في التوبة من الذنوب، والعودة إلى الله ، بل جعلت التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأخبرت أن من مات مصراً على معصيته فهو تحت مشيئة الله ، وخالف بعض أهل البدع في حكم الكبائر، فمنهم من حكم بكفر مرتكبها، ومنهم من فسقه، ومنهم من حكم له بالخلود في النار.

стр. 1092

سياق ما روي فيمن تاب من الكبائر بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن المسلمين لا تضرهم الذنوب التي هي الكبائر إذا ماتوا عن توبة من غير إصرار، ولا يوجب التكفير، وإن ماتوا عن غير توبة فأمرهم إلى الله تعالى، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم]. هذا الباب متعلق بحكم مرتكب الكبيرة، وأن من وقع في كبيرة إن تاب منها تاب الله عليه قولاً واحداً، وإن أقيم عليه الحد فالحد كفارته، وإن مات من غير توبة فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. هذا مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بمرتكب الكبيرة. وأما المعتزلة فقالوا: مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً ولا كافراً في الدنيا، وأما في الآخرة فهو مخلد في النار أبد الآبدين. والمعلوم قطعاً عند أهل السنة أنه لا يخلد في النار إلا الكفار، والمعتزلة لم يجعلوه مؤمناً ولا كافراً، ثم جعلوه من المخلدين في النار. وأما الخوارج فقالوا: مرتكب الكبيرة كافر خارج عن الملة مخلد في النار إلا من تاب. ونصوص القرآن والسنة شاهدة على بطلان قول الخوارج وقول المعتزلة في آن واحد، ولا يسلم لنا إلا مذهب أهل السنة والجماعة، وهو أن مرتكب الكبيرة إن أُقيم عليه الحد فالحد كفارته، ولا يطالبه الله يوم القيامة، ولا يسأله عن هذا الذنب أبداً؛ لأنه تطهر منه في الدنيا بقيام الحد عليه، وإن تاب فيما بينه وبين الله تاب الله عليه، وأما إن بلغ أمره إلى السلطان فيجب على السلطان أن يقيم عليه الحد حتى وإن تاب، وليس للسلطان العفو عن صاحب الكبيرة إذا قال: لقد تبت إلى الله ؛ لأن السلطان حر فيما يتعلق بما هو دون الكبيرة، وأما الكبائر فلا بد من إقامة الحد على المذنب إذا بلغ الأمر إلى السلطان، وإذا مات صاحب الكبيرة وهو مصر عليها غير مستحل لها فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

стр. 1093

موقف الصحابة والتابعين من أهل الكبائر من المسلمين قال: [قال أبو سفيان: قلت لـ جابر: كنتم تقولون لأهل القبلة: إنكم كفار؟ قال: لا. وعن سليمان اليشكري: أكنتم تعدون الذنب شركاً -أي: مخرجاً عن الملة- قال: لا. وعن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود: أنهم كانوا يرجون لأهل الكبائر -أي: يرجون الله تعالى أن يغفر لأهل الكبائر-. وصلى علي ﵁ على قتلى معاوية. وعن أبي أمامة قال: شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريح -أي: لا يجهزون عليه إذا أدركوه جريحاً ولا يقتلونه، وإنما يعفون عنه- ولا يطلبون مولياً -أي: الذي يهرب منهم لا يطلبونه، ولا يعدون خلفه لقتله- ولا يسلبون قتيلاً]؛ لأنه لا يُسلب إلا كافر، والسلب هو: أخذ متاع الفارس أو المقاتل، مثل أخذ فرسه وماله وطعامه وشرابه، وكل هذا لا يحل إلا في قتال الكافرين، ولما لم يفعل علي ﵁ شيئاً من ذلك دل ذلك على أن مقاتليه لم يكونوا عنده كفاراً، ولذلك حينما سئل علي ﵁ عن الخوارج: أهم كفار؟ قال: بل هم من الكفر فروا، قيل: إذاً فمن هم؟ قال: هم إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم، فما سماهم أكثر من بغاة، والباغي لا يزال الإسلام ثابتاً له. قال: [وعن أبي الجوزاء قال: ليس فيما طلبت من العلم ورحلت فيه إلى العلماء وسألت عنه أصحاب النبي ﷺ فسمعت الله يقول لذنب: لا أغفر]. وكأنه يقول: ما سمعت أحداً قط ينقل عن الله ولا عن رسوله أن صاحب الذنب لا يغفر له، بل صاحب الذنب يغفر له إذا تاب من ذنبه. قال: [وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أنه سئل عن أصحاب الجمل؟ فقال: مؤمنون وليسوا بكفار. وعن ابن سيرين قال: لا نعلم أحداً من أصحاب محمد ﷺ ولا من غيرهم من التابعين تركوا الصلاة على أحد من أهل القبلة تأثماً]. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يصلون خلف كل بر وفاجر، وعلى كل بر وفاجر، ما لم يكفر وما لم يشرك، وأما الكافر فإنه إن مات على كفره فإنه لا يصلى عليه؛ لأنه ليس أهلاً للصلاة عليه. وهنا ينقل ابن سيرين عن جميع أصحاب النبي ﵊ وعمن أدركه من التابعين أنه لم يترك أحد منهم الصلاة على فاجر تأثماً، أي: مخافة الوقوع في الإثم؛ لأنه لا يزال من أهل القبلة. قال: [وعن النخعي قال: لم يكونوا يحجبون الصلاة عن أحد من أهل القبلة]، أي: لم يكونوا يمنعوا الصلاة على أحد من أهل القبلة. ومعلوم أنه عند إطلاق مصطلح أهل القبلة يدل على أنهم ليسوا على السنة ولا يعني أنهم كفار، فليس معنى أن الأشاعرة مثلاً أو الماتريدية أو المعتزلة أو المرجئة ليسوا من أهل السنة أنهم كفار، ولكن العلماء يفرقون بين قول: ليسوا من أهل السنة، وقول ليسوا من أهل القبلة، فإذا لم يكونوا من أهل القبلة فهذا يعني أنهم كفار، وأما كونهم ليسوا من أهل السنة فهذا يعني: أنهم من أهل القبلة.

стр. 1094

الصلاة على من مات من أهل الكبائر من المسلمين قال: [وعن عطاء قال: صل على من صلى إلى قبلتك. وعن الحسن قال: إذا قال: لا إله إلا الله صل عليه. وعن ربيعة الرأي قال: إذا عرف الله فالصلاة عليه حق]، أي: إذا كان موحداً فالصلاة عليه حق واجب له. قال: [وعن مالك قال: إن أفضل ذلك وأعدله عندي إذا قال: لا إله إلا الله ثم هلك -أي: ثم مات- أن يغسل وأن يصلى عليه. وعن أبي إسحاق الفزاري قال: سألت الأوزاعي والثوري: هل تترك الصلاة على أحد من أهل القبلة وإن عمل أي عمل؟ قال: لا. وعن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد مثله]. والنبي ﷺ حينما قُرب إليه أحد أصحابه ليصلي عليه قال: (أعليه دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: هل ترك ما يؤدي عنه؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم). وصلاة النبي ﷺ ليست كصلاة غيره، والله تعالى قال: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣]، أي: ادع لهم، وصلاة الجنازة دعاء، ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]. فصلاته مخصوصة بهذا، والرجاء معقود في أن تكون صلاة الشفعاء جميعاً رحمة وسكينة للميت، وهذا مقطوع به في حق النبي ﷺ دون غيره من أئمة الإسلام. والنبي ﵊ ما ترك الصلاة على هذا الرجل تكفيراً له، أو إخراجاً له عن الملة، أو لأنه ليس من أهل القبلة، والدليل على ذلك قوله لهم: (صلوا على صاحبكم). ولو كان كافراً بهذا الذنب لما أمرهم ﵊ أن يصلوا عليه. والذي دفع النبي ﵊ أن يقول ذلك هو أنه مشرع، وقوله دين يُتعبد به إلى قيام الساعة، فأراد النبي ﵊ أن يبين خطورة الدين، وأن يزجر الأحياء أن يقعوا في مثل ما وقع فيه الميت، وليس من باب أنه كافر أو أنه ليس من أهل القبلة، ولكن لزجر الأحياء أن يفعلوا مثله، وقد بين النبي ﵊ ذلك في صاحب دين عليه ديناران، فإنه لما قال: (صلوا على صاحبكم، قام إليه أبو قتادة وقال: يا رسول الله! صل عليه وعلي دينه، ثم لما قال النبي ﵊ لـ أبي قتادة: هل أديت عن صاحبك؟ قال: يا رسول الله! ما هو إلا اليوم -أي: أنك لم تأمرني إلا اليوم والرجل ما مات إلا اليوم- فقال: اذهب فأد عن صاحبك، فذهب فأدى عن صاحبه في الليل وأتى في الغداة -أي: في صلاة الفجر- فقال النبي ﷺ : أين أبو قتادة؟ فقال: ها أنا يا رسول الله! قال: هل أديت عن صاحبك؟ قال: نعم، قال: متى؟ قال: الآن، قال النبي ﷺ : الآن بردت عليه جلده). وقال ﵊: (الشهيد يُغفر له كل شيء إلا الدين). وقد قيل: إن هذه الأحاديث منسوخة بقوله ﵊: (من مات وله مال فلعياله، ومن مات وعليه دين فلي وعلي)، وفي رواية: (فإلي وعلي)، أي: يعطى من بيت مال المسلمين إذا لم يكن قادراً.

стр. 1095

فضل التوحيد وخطورة الشرك قال: [قال عبد الله بن مسعود: حينما أُسري بالنبي ﷺ فانتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يخرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما هُبط من فوقها فيقبض منها، ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٦] قال: فراش من ذهب، فأُعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيم سورة البقرة، وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته المقحمات]، أي: الكبائر، التي يُقحم صاحبها في النار بسببها، فتسمى المقحمات، وتسمى الكبائر، وفظائع الأعمال والأمور. والشاهد هنا قوله: وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته المقحمات، أي: الكبائر، وهذا محمول على أنه قد تاب منها، والحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي أسامة. قال: [وعن المعرور بن سويد قال: سمعت أبا ذر ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال: (أتاني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، رغم أنف أبي ذر)]. وقد أجمع العلماء على أن هذا الحديث محمول على من تاب من زناه ومن سرقته. قال: [وعن الزهري قال: قال لي عبد الملك بن مروان هذا الحديث الذي جاء فيه: (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة وإن زنى وإن سرق)، فقلت: أين تذهب يا أمير المؤمنين؟! هذا قبل الأمر والنهي وقبل الفرائض. وعن المعرور بن سويد عن أبي ذر: قال النبي ﵊: (يقول الله تعالى: من عمل حسنة فله عشر أمثالها، ومن عمل سيئة فجزاء مثلها وأغفر)]، والكبائر سيئة كما أن الصغائر سيئة. والشاهد من الحديث: (وأغفر)، فمن عمل سيئة فهو في مشيئة الله، إن شاء عاقبه بها وإن شاء غفرها له. قال: [(ومن عمل قراب الأرض خطيئة -أي: ما يوازي ويقارب ملء الأرض خطايا- ثم لقيني لا يُشرك بي شيئاً جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبراً اقتربت إليه ذراعاً، ومن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة). والحديث عند مسلم. وفي لفظ: (يقول ربكم : ابن آدم! إنك إن تأتني بقراب الأرض خطيئة بعد ألا تشرك بي شيئاً جعلت قرابها مغفرة لك ولا أبالي)]. وعن جابر قال: (أتى النبي ﷺ أعرابي فقال: ما الموجبتان؟ قال النبي ﵊: من مات لا يُشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يُشرك بالله شيئاً دخل النار). فالموجب لدخول الجنة هو التوحيد، والموجب لدخول النار هو الشرك، وما دون ذلك فهو في مشيئة الله ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ودليل ذلك في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. ومن الأمور القطعية أن الشرك لا يُغفر قط، والكفر لا يُغفر قط، وكل شيء غيرهما داخل في مشيئة الله ، وبعض الناس يقول: إن الله قادر على أن يغفر للمشرك، وهو قادر على كل شيء ، ومن قدرته وبقدرته قضى وأمر وأخبر أنه لا يغفر للمشرك، ولو أراد أن يغفر له لأخبرنا، ولكن الله أخبرنا خبراً يقينياً قطعياً أن المشرك أو الكافر لا يُغفر له قط، وأما ما دون الشرك من الكبائر والصغائر فإن الله ﵎ إذا شاء عذب بها وإذا شاء غفر؛ لأنه قال: ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)). فعلق مغفرة الذنوب التي هي دون الشرك بالله ابتداء على مشيئة الله، فإن شاء آخذ الناس بها وإن شاء عفا عنها.

стр. 1096

بيان أن من ستر في الدنيا من أصحاب الكبائر فهو في مشيئة الله تعالى يوم القيامة قال: [عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (قال لنا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس: بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف)]. فبايع الصحابة النبي ﵊ على هذا، فجمع بين الكبائر وبين الشرك في هذا، ثم قال النبي ﵊: (فمن وفى منكم فأجره على الله)]، أي: فمن وفى منكم بأصل البيعة فأجره على الله ، أي: أنه يثيبه على ما أطاع فيه ولم يعصه. قال: [(ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله في الدنيا فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له، قال: فبايعناه على ذلك)]. والشاهد من هذا الحديث قوله: (ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله في الدنيا). فلو أن رجلاً زنى أو سرق أو قتل فستره الله فإن تاب من هذا تاب الله عليه، وإن مات ولم يتب فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له. وعن علي ﵁ قال: قال النبي ﵊: (من أصاب في الدنيا ذنباً فعوقب به فالله أعدل من أن يثني عقوبته في الآخرة)، أي إذا أُقيم عليه الحد في الدنيا فإنه لا يطالب قط بهذا الذنب يوم القيامة، أي: لا يُعاقب على ذنب واحد مرتين، وإذا عوقب بإقامة الحد عليه فقد برئت ساحته من هذا الذنب، والله تعالى لا يذكره ولا يطلعه على هذا الذنب؛ لأنه محي تماماً. قال: (ومن أذنب ذنباً وعفا عنه فالله تعالى أعدل من أن يعود في شيء عفا عنه). أي: إذا تاب المذنب من ذنبه فالله يتوب عليه؛ لأنه وعد بذلك في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] بشرط أن يكون صادقاً في توبته كما ذكرنا آنفاً.

стр. 1097

إشكال حول حديث جعل ذنوب ناس من هذه الأمة على اليهود والنصارى والجواب عليه قال: [عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ : (ليجيئن ناس من أمتي بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى). قال أبو بردة: فحدثت به عمر بن عبد العزيز -وهذا يقوله لـ غيلان بن جرير - فقال: آلله سمعته من أبيك يحدث به عن النبي ﷺ ؟ قال: نعم. فـ عمر يستوثق من أبي بردة أنه سمعه من أبي موسى الأشعري، أي: من أبيه؟ قال: نعم. وقوله: (ليجيئن ناس من أمتي بذنوب أمثال الجبال، يغفرها الله ، أي: يغفرها بسبب توبتهم، أو لعل لهم من الأعمال الصالحة ما يكافئ مغفرة ذنوبهم، ولهم من الأعمال والرصيد في الطاعة الشيء الكثير الذي يؤدي إلى مغفرة هذه الذنوب، ويبدو أن هذه الذنوب كثيرة جداً؛ لأنها أمثال الجبال، ولكن الله تعالى يغفرها لهم ويضع هذه الذنوب على اليهود والنصارى. وهذا الحديث عند مسلم في صحيحه في كتاب التوبة. وربما يقول قائل: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، فما بال هذا اليهودي والنصراني يتحمل ذنوب المسلم، والأصل أن يتحمل كل إنسان ذنبه الذي اقترفه؟ وأقول: هذا حق، وليس هذا معنى الحديث، وإن كان هذا باد في ظاهره إلا أنه ليس مراداً على الحقيقة، والمراد هو أن الله جعل لكل مخلوق مكانه في النار ومكانه في الجنة، فإذا مات الكافر اطلع على مكانه في الجنة ثم قيل له: هذا مكانك لو أنك آمنت، ثم يطلع على مكانه في النار ويخلد فيها أبد الآبدين، فيبدل الله المسلم مكان الكافر في الجنة مع مكانه الأصلي، فهذا المسلم إنما دخل الجنة رغم ذنوبه لكن الله تعالى غفرها، وأدخل هذا اليهودي أو النصراني المكان الذي أُعد للمسلم في النار بسبب كفره ويهوديته ونصرانيته، لا بسبب ذنوب المسلم التي وضعت على هذا الكافر. فهو تبديل مكان في الجنة أو النار، فالمسلم يغفر الله تعالى له ويدخله الجنة، وأما الكافر فإن الله لا يغفر له ويدخله النار، وهذا معنى الحديث.

стр. 1098

فضل استمرار العبد في التوبة والاستغفار من الذنوب قال: [عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ : (أن رجلاً أذنب ذنباً فقال: رب! أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله تعالى: عبدي عمل ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي)]. أي: بمجرد أن رجع العبد بعد أن أذنب إلى الله تعالى وتاب، وطلب منه العفو والمغفرة، ففرح الله تعالى بتوبة عبده إليه وقال: (قد غفرت لعبدي). قال: [(ثم عاد هذا المذنب فعمل ذنباً آخر أو قال: أذنب ذنباً آخر فقال: رب! إني عملت ذنباً فاغفر لي، فقال: عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء)]، وهذا محمول على أنه إذا وقع في الذنب أحدث توبة، وإلا فالخطر كل الخطر أن يذنب العبد الذنب ولا يتوب منه ولا يستغفر الله تعالى عما بدر منه، فيكون في مشيئة الله تعالى. ولا بد من الاحتياط والحرص ألا يكون الشخص تحت المشيئة، فربما يئول الأمر به إلى العذاب وإلى دخول النار لأول وهلة، فالأمر ليس هيناً؛ لأن بعض الناس قد يقول: ما دمت في مشيئة الله فرحمته واسعة. وهذا صحيح، ولكن عذابه كذلك شديد أليم، والله ﵎ لم يعدك على الخصوص بالمغفرة، فأنت في مشيئة الله إن شاء عذبك وإن شاء غفر لك. قال: [عن عبد الله بن مسعود قال: (لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] فزع الصحابة واشتد ذلك عليهم وقالوا: أينا لم يتلبس بظلم؟ وفهموا هذه الآية على عموم الظلم الكبير منه والصغير، فقال النبي ﵊: ألم تسمعوا إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]؟)]، فبين لهم أن الظلم في هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] بمعنى الشرك، أي: ولم يشركوا بعد إيمانهم، فأولئك يغفر الله تعالى لهم، والحديث أخرجه الشيخان. قال: [وعن حذيفة عن النبي ﷺ قال: (إن رجلاً مات فدخل الجنة، فقيل له: ما كنت تعمل؟ فإما ذكر وإما ذكر فقال: كنت أبايع الناس -أي: أبيع وأبتاع- وكنت أنظر المعسر وأتجوز في السكة أو النقد فغُفر له. قال ابن مسعود: أنا سمعت من النبي ﵊. وعن حميد بن عبد الرحمن الحميري أن أبا هريرة ﵁ أخبره قال: سمعت رسول الله يقول: (أسرف رجل على نفسه، حتى إذا حضرته الوفاة قال لأهله: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في الرياح، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، قال: ففعل ذلك به -أي: حينما مات أحرقوه ثم سحقوه ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر- ثم قال الله لكل شيء أخذ منه شيئاً: رد ما أخذت منه -فأتى البحر بما عنده، وأتى البر بما عنده- فإذا هو قائم بين يدي الله ، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ -أي: ما الذي جعلك توصي بهذه الوصية الجائرة؟ -قال: خشيتك)]، أي: الذي حملني على هذا خشيتك، والمعلوم أن الكافر لا يخشى الله تعالى وإنما يخشاه المؤمن، ولكن هذا الرجل كان جاهلاً. والقدرة صفة من صفات الله تعالى، وأهل السنة مجمعون على أن من جهل صفة من صفات الله فإنه لا يكفر بذلك، والإمام ابن الجوزي عليه ﵀ تكلف تأويل هذا الحديث، فقال في قول هذا الرجل: (فوالله لئن قدر الله تعالى علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين): أي: لئن ضيق الله علي كما في قوله تعالى: ((وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ))، أي: ضيق عليه رزقه، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٦]. وليس الأمر كذلك، وأقوى الأقوال في هذا هو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله وهو: الأمر الأول: أن هذا الرجل كان جاهلاً، فقد كان من أهل الإيمان ولكنه جهل صفة من الصفات، والدليل على أنه مؤمن قوله: (يا رب! خشيتك)، أي: هي التي حملتني على هذا. والأمر الثاني: إيمان هذا الرجل بأن الله تعالى يبعث الخلائق، وتصور جهلاً منه أنه لو أُحرق وذُري هنا وهناك فإنه لن يُجمع ولن يُبعث بعد ذلك، وهذا لا ينفي أنه يؤمن بحقيقة البعث، ولكنه تصور أنه لو ذر في التراب والبحر فلن يبعث ولن يجمع، وهذا جهل.

стр. 1099

معنى الاستقامة في قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) قال: [عن أبي بكر الصديق في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] قال لهم أبو بكر: ما تقولون في هذه الآية؟ فقالوا: استقاموا فلم يذنبوا، فقال أبو بكر: حملتم الأمر على أشده، ثم قال: استقاموا فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان]. فلما قالوا: استقاموا فلم يذنبوا، قال: لقد شددتم على أنفسكم جداً، وأينا لا يذنب؟ وإنما تفسير هذه الآية وتأويلها: استقاموا فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان مرة أخرى، أي: لم يشركوا بالله. والذنب لا يخلو أحد منه إما كبيراً وإما صغيراً. فأما صغائر الذنوب فتغفرها الطاعات، وهذا أمر معلوم، فتغفرها الصلاة والصيام والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من الكفارات. وأما كبائر الذنوب فتحتاج إلى توبة أو إقامة حد أو عمل أعظم منها من الطاعات كالحج مثلاً، أو الجهاد في سبيل الله حتى يكفر كبائر الذنوب. وأما الأوثان وعبادتها فإنها أمر لا يُغفر قط إذا مات صاحبه على ذلك.

стр. 1100

آيات الرجاء في سورة النساء قال: [قال عبد الله بن مسعود: آيات في كتاب الله في سورة النساء خير للمسلمين من الدنيا وما فيها، وهي قول الله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١]] والآية محل نزاع في تأويلها عند أهل العلم. فقال بعض العلماء: شرط مغفرة الصغائر عدم الوقوع في الكبائر، فمثلاً قوله ﵊: (الوضوء إلى الوضوء، والجمعة إلى الجمعة، والصلاة إلى الصلاة)، وغير ذلك من المكفرات مثل (ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينها ما اجتنبت الكبائر)، أي: إذا اجتنبت الكبائر، فهذه الأعمال والطاعات وغيرها كفيلة بمغفرة الصغائر ومحوها إذا اجتنبت الكبائر، هذا تأويل. أي: هذه الأعمال لا تكفر الصغائر إلا إذا اجتنبت الكبائر. وبعضهم يقول وهو مذهب جماهير أهل العلم: هذه الأعمال -أي: الصغائر- تكفرها هذه الطاعات وقعت الكبائر أو لم تقع، أي: أنهم يقولون: هذه الطاعات تكفر الصغائر دون الكبائر. قال: [وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠]. قال الحسين: وأنا أقول آية خامسة خير للمسلمين من الدنيا وما فيها هي في سورة النساء كذلك، وهي قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء:١٤٧]. وعن ابن عمر قال: ما زلنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا ﷺ : (﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. قال النبي ﷺ : وإني ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة). وعن معبد الجهني قال: قلت لـ عبد الله بن عمر: رجل لم يدع شيئاً من الخير إلا عمله، إلا أنه كان شاكاً؟ قال: هلك ألبتة]. فلو أن رجلاً لم يعمل سوءاً قط، بل كانت كل أعماله خيراً وصلاحاً وبراً وتقوى؛ غير أنه كان يشك في الله فقد هلك ألبتة، أي: لا ينفعه عمله قط. قال: [قلت: رجل لم يدع من الشر شيئاً إلا عمله، غير أنه يشهد أن لا إله إلا الله، قال: عش ولا تغتر]. وهذا مثل سائر بين العرب: عش ولا تغتر. وهذا المثل قيل لبدوي كان يريد أن يسافر بإبله ليلاً في الصحراء ويقطع المسافات، فظن أن الصحراء لا تخلو من طعام وشراب ليطعم وتطعم دابته ويشرب وتشرب دابته، وظن أن هذا من باب التوكل على الله، فلما سأل الناس عن ذلك، قالوا: عش ولا تغتر، أي: لا تركن إلا إلى أمر يقيني موثوق منه، وأما ظنك أن الصحراء بها طعام وشراب فهذا مجرد ظن وليس يقيناً، ولكن اليقين أن طعام الدبة وشرابها بين يديك الآن، فعشها وأطعمها وأسقها، ولا تغتر، أي: لا تقع في أمر مظنون، فإن وجدت في الصحراء طعاماً وشراباً فيكون ما قد فعلته في حضرك زيادة في الخير، وإذا انقطع بك السبيل في الصحراء فتكون قد عشيت ولم تغتر. وهكذا قال عبد الله بن عمر وابن عباس وغير واحد لمن تكلم في هذه القضية، والمثل كان معلوم المعنى لدى السامع والمتكلم، أي: افعل الخير وتب من الذنب ولا تغتر برحمة الله تعالى، فإن رحمك كان بها، وكانت طاعتك زيادة في البر والتقوى، وإن حاسبك الله كان عندك من الطاعة ما يؤهل لمغفرة الذنب.

стр. 1101

عدم تكفير الصحابة لأصحاب الكبائر قال: [وعن أبي سفيان قال: قلت لـ جابر: كنتم تقولون لأهل القبلة أنتم كفار؟ قال: لا، قلت: فكنتم تقولون لأهل القبلة: أنتم مسلمون؟ قال: نعم]. وهذا بيان أنه لا يلزم من كون الرجل من أهل القبلة أن يكون من أهل السنة، فأهل السنة أهل الاستقامة وأهل الحسنى، وأهل القبلة كذلك، ومن خالف طريق السنة فلا يلزم منه أن يكون كافراً بل يكون من أهل القبلة فحسب. وأتى رجل ابن مسعود فقال: إني ألممت بذنب، فأعرض عنه ابن مسعود، فأقبل على القوم يحدثهم، فأقبل المذنب على ابن مسعود قد نزف الدمع من عينيه، فقال ابن مسعود: ما جئت تسأل عنه؟ إن للجنة ثمانية أبواب تفتح وتغلق، غير باب التوبة عليه ملك موكل، فاعمل ولا تيئس. والشاهد: لا تيئس، وأعظم منه قوله: اعمل؛ لأن بعض الناس يتكل تماماً على رحمة الله ، وكأن الله تعالى وعده أن يرحمه وأن يغفر له، فهو يترك العمل دائماً اتكالاً على رحمة الله، وأخشى أن يفاجأ يوم القيامة بأنه من أهل النار لأول وهلة، والمعلوم أنه إن دخل النار فإنه لا يخلد فيها، والله تعالى يفعل ما يشاء، ولا يخاف عاقبة الأمور، ولذلك قال: ﴿وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس:١٥]. فهو يعذب من يشاء بعدله ويغفر لمن يشاء بفضله . فإذا كنت في مشيئة الله فلا بد أن تقدم بين يديك وبين يدي الله عملاً صالحاً ترجو به ثواب الله تعالى ومغفرته، وأما اتكالك على مغفرته وأنت مستمر في المعاصي والذنوب فإن هذا ليس من عقيدة أهل السنة أبداً.

стр. 1102

الصلاة على أصحاب المعاصي قال: [قال أبو العالية: قلت: يا أبا أمامة! الرجل يكون فينا رجل سوء فيشرب الشراب فيموت أنصلي عليه؟ قال: فإلى من تكلون جنائزكم؟ أي: إذا لم تصلوا على أصحاب الذنوب والمعاصي والكبائر فمن يصلي عليهم؟ وما يدريك لعله استلقى على فراشه فقال: لا إله إلا الله فغفر الله له]. ونحن في الحقيقة نعامل أصحاب الصغائر معاملة فيها فظاظة وجلافة، مع أن الأصل أن نتلطف ونرحم أصحاب الكبائر، ونأخذ بنواصيهم إلى الله . قال: [وعن عقبة بن علقمة اليشكري قال: رأيت علياً وقد شهدت معه صفين، فأُتي بخمسة عشر أسيراً من أصحاب معاوية، فكان من مات منهم غسله وكفنه وصلى عليه]. واليوم لو كان هناك خمسة إخوة فقتل أحدهم وبينه وبينهم عداء فإن الجميع سيمتنع من الصلاة عليه وعن تغسيله والدعاء له، مع أنه مجرد خلاف لم يصل إلى حد ما حدث في صفين أو الجمل أو غيرها. قال: فأُتي بخمسة عشر أسيراً من أصحاب معاوية، فكان من مات منهم غسله وكفنه وصلى عليه، أي: علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. قال: [وعن محمد بن المنكدر قال: كان رجل بالمدينة يقال له: عمران بقرة، وكان مسرفاً على نفسه، فحينما مات أُتي بجنازته فتفرق الناس عنه، أي: ما صلوا عليه، قال: وثبت مكاني -أي: صليت عليه- فكرهت أن يعلم الله مني أني أيست له من رحمته]. وهذا موقف محمد بن المنكدر من أصحاب الكبائر. قال: [وقال محمد بن القاسم: سمعت أعرابياً خرج من خيمته فوقف على بابها، ثم رفع يديه فقال: إلهي إن استغفاري لك مع إصراري للؤم، وإن تركي الاستغفار مع سعة رحمتك لعجز، إلهي كم تحببت إلي وأنت عني غني! وكم تبغضت إليك وأنا إليك فقير! فسبحان من إذا وعد وفى، وإذا توعد عفا. قال: وخرج أعرابي فقال: اللهم إني أخافك لعدلك، وأرجوك لعفوك، خلصني ممن يخاصمني إليك، فإنه لا يخاصمني إليك إلا كل مظلوم، وأنت حكم عدل لا تجور، عوضهم بكرمك، وخلصني بعفوك يا كريم!].

стр. 1103

رحمة النبي ﷺ بأصحاب الكبائر والنبي ﵊ كان رحيماً جداً بأصحاب الكبائر إذا تابوا منها، ولو نظرنا إلى المرأة الغامدية مثلاً فالنبي ﵊ صلى عليها وهي زانية، ولكنها تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وفي رواية: لو تابها صاحب مكس لتاب الله عليه. وكذلك ماعز الأسلمي حينما أُقيم عليه الحد فمات سبه أحد ممن رجمه فقال النبي ﷺ : (لا تفعل، فإني أراه الآن يسبح في أنهار الجنة). وغير ذلك. بل كان الأعرابي البدوي الجلف يأتي إلى النبي ﵊ فيأخذه من ثوبه ويجبذه إليه حتى يؤثر ذلك في رقبته ويقول: (يا محمد! أعطني من مال الله، فإنه ليس مالك ولا مال أبيك). والمعلوم أن إيذاء النبي ﵊ بالقول أو الفعل من عظائم الذنوب، ومع هذا ما كان يزيد على أن يبتسم ثم يأمر له بالعطاء. فصاحب الكبيرة إما أن تقول هو كافر فلا تصلي عليه، وإما أن تقول هو من أهل القبلة فتصلي عليه، وهو من أهل القبلة، إلا أن يشرك بالله. وأما أن نذكر كلاماً عاماً فهذا ينبغي أن نتوقف فيه، إلا أن تُبحث كل حالة معروضة على ذلك، فلا يصح أن تقول: ما حكم من فعل كذا وكذا؟ ثم تأخذ مني الجواب فتطبقه على فلان بعينه، ثم تقول: فلان أفتاني أو فلان قال كذا. هذا كلام لا يصح.

стр. 1104

الأسئلة

стр. 1105

كفارة الكبيرة السؤال هل يكون السجن كفارة لمقترف الكبيرة؟ الجواب السجن ليس كفارة؛ لأن السجن والحبس ليس من العقوبات الشرعية ابتداء، وإنما الحدود كفارات لأهلها كما جاء عن عمر وغيره من صحابة النبي ﵊؛ وهذا الحديث مرفوع، وليس له سند يصح، والأمة مجمعة على أن من أُقيم عليه الحد فالحد كفارته، ويستندون إلى أقوال مأثورة عن الصحابة ﵃ بأن الحدود كفارات لأهلها.

стр. 1106

الدعاء للشخص باسمه في السجود السؤال هل يجوز الدعاء في السجود لأحد الإخوة بالاسم؟ الجواب نعم يجوز، بل وفي القنوت كذلك يجوز.

стр. 1107

حكم مرتكب الكبيرة السؤال الذي يأتي كبيرة وهو عالم بها وبقبحها ما حكمه؟ الجواب حكمه حكم مرتكب الكبيرة.

стр. 1108

حكم اختلاف العلماء، وحكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء السؤال هناك اختلافات في بعض الأمور الفقهية بين الأئمة الأربعة، فهل يجوز أن نأخذ برأي إمام واحد دون الأئمة الآخرين، وهل هذا الاختلاف رحمة؟ الجواب اختلاف العلماء اختلف فيه الناس إلى قسمين: قسم يرى أن الاختلاف منه خطأ وصواب. وقسم يرى أن الاختلاف رحمة، وأنه يجوز للعامي الذي ليس له نظر في الأدلة أن يقلد أي المذهبين. والأدلة التي جاءت في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊ تشهد لهذين الرأيين، فمثلاً الاختلاف في العقائد وفي أصول الدين وكليات الشريعة عبارة عن خطأ وصواب، وقول بعض فرق الإباضية مثلاً بإنكار الصلوات الخمس، وأنها صلاتان، صلاة في أول النهار وصلاة في آخر النهار هذا الخلاف في الأصول، والخلاف فيه خطأ وصواب. والشيعة ينكرون المسح على الخفين، وجماهير المسلمين يقولون بسنية وجواز المسح على الخفين. فخلاف الشيعة لجماهير علماء المسلمين خلاف غير معتبر، وهو خطأ. فالخلاف منه ما هو خطأ وصواب، ومنه ما هو رحمة وسعة. ومثال اختلاف الرحمة: قوله قال ﵊ لأصحابه: (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة)، فلما كادت الشمس أن تغرب قبل أن يصلوا العصر ولم يدخلوا بني قريظة انقسم الصحابة فريقين، فقال أحدهما: ما أراد النبي ﵊ ظاهر لفظه، ولكنه أراد أن يبشرنا بأننا سندخل في بني قريظة قبل غروب الشمس، فحملوا كلامه على أنه خبر بشارة بدخول بني قريظة قبل غروب الشمس، ولكن الواقع أننا لم ندخل، فلن نترك الصلاة وقد علمنا النبي ﵊ مواقيت الصلاة، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]. وهذا وقت العصر، فكيف نتركه متعمدين حتى تغرب الشمس؟ والله لنصلين، فصلوا. وقال الفريق الثاني: إنما أراد النبي ﵊ ظاهر نصه، وأننا لا نصلي العصر إلا في بني قريظة حتى وإن غربت الشمس. فهؤلاء قالوا: النبي ﵊ ما أراد منا ترك الصلاة، والفريق الثاني قالوا: نأخذ بظاهر كلامه ﵊ وعليه المسئولية ﷺ . والحجة ليست في فعل هذين الفريقين، وإنما الحجة في أنهم لما رجعوا إلى النبي ﵊ قصوا عليه الخبر فلم ينكر على أحد الفريقين، فلم يقل للذين صلوا: لِم صليتم وقد أمرتكم ألا تصلوا إلا في بني قريظة؟ ولا للذين لم يصلوا: أنا ما أردت ذلك، ولم لم تصلوا لما كادت الشمس أن تغرب وقد علمتكم مواقيت الصلاة؟ لم يثبت عنه ذلك. بل الثابت أنه أقر هؤلاء وهؤلاء، مع اختلافهم في الاجتهاد؛ لأن الأصل واحد. فأصل هؤلاء أنهم حرصوا على طاعة الرسول ﷺ ، وأصل هؤلاء كذلك أنهم حرصوا على طاعة الرسول ﷺ ، وهذا بخلاف من حرص على معصية الرسول ﷺ ، فهذا شيء آخر. وغسل الوجه في الوضوء لم يختلف أحد من أهل العلم أنه واجب؛ لأن الأصل واحد، ومرده إلى الكتاب والسنة. ولكن أهل العلم من أهل السنة اختلفوا في المضمضة والاستنشاق، فمنهم من قال بالوجوب، ومنهم من قال بالاستحباب، وترك الاستحباب لا يؤثر في صحة العمل، وخلافهم لم يقع عن هوى، والظن بعلمائنا أن مرد أمرهم كله إلى الله ورسوله. فقال الفريق الأول: إذا كان الله تعالى أمر بغسل الوجه فالفم والأنف من الوجه، فهما داخلان في الأمر، وقد بين ذلك بسنته العملية ﷺ ، فقد كان يحافظ على المضمضة والاستنشاق، فتكون المضمضة والاستنشاق واجبتان لعموم الأمر بغسل الوجه والسنة العملية للنبي ﵊، وهذا كلام وجيه. وقال الفريق الثاني: نحن متفقون مع الفريق الأول على وجوب غسل الوجه، وهذا أصل لا نختلف فيه، وإنما نختلف معهم أن الفم والأنف من الوجه، فظاهر الأنف وظاهر الفم من الوجه، وأما باطن الأنف الذي هو محل الاستنشاق وباطن الفم الذي هو محل المضمضة فليسا من الوجه. فلما سألهم الفريق الأول: لِم كان يتمضمض ويستنشق ﵊ وعمل بهذا الخلفاء من بعده، وعملهم حجة؟ قالوا: إن فعلهم ومواظبتهم محمولة على الاستحباب والندب لا على الوجوب، ونحن لا نختلف معكم في جواز ومشروعية المضمضة والاستنشاق، وإنما نختلف معكم في حكم المضمضة والاستنشاق، فأنتم تقولون: واجب، ونحن نقول: مستحب، والفرق بيننا وبينكم أن ترك الواجب يأثم به التارك، وأما ترك المستحب فلا يأثم به التارك. وهذا الخلاف مقبول ومعتبر. فإن كنت ممن لا نظر لهم ولا فقه في أدلة أهل العلم والترجيح بينها فإمامك هو مفتيك، وأما إذا كنت من أهل العلم أو من طلاب العلم الذين لهم نظر وبصر في الأدلة، وتستطيع أن ترجح بين أقوال العلماء من واقع الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع فإن التقليد لا يسعك، ولا يسعك إلا أن ترجح في كل مسألة من مسائل دينك فتلتزمها. والله تعالى أعلم.

стр. 1109

حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور السؤال هل الصلاة في المساجد التي فيها قبور صحيحة أم غير صحيحة؟ الجواب الذي يترجح لدي أن الصلاة في المساجد التي فيها قبور غير صحيحة.

стр. 1110

حكم تعليق الصور السؤال هل يجوز تعليق الصور في المنزل، وهل يوجد خلاف في هذه المسألة؟ الجواب لا أعلم بين أهل العلم خلافاً في حرمة تعليق التصاوير، وإنما الخلاف وقع في جواز التصوير، وأما التعليق فلم يختلف على حرمته أحد.

стр. 1111

حكم إقامة جماعتين في مسجد واحد في وقت واحد السؤال ما حكم إقامة جماعتين في مسجد واحد في آن واحد؟ الجواب الجماعة الثانية باطلة؛ لأنها انعقدت في غير وقت الجواز، وبطلانها متوقف على بلوغها العلم بإقامة جماعة أولى، والجماعة الثانية جماعة باطلة، ويلزم أصحابها الإعادة إما جماعة أو فرادى؛ لأنهم علموا بقيام الجماعة الأولى، حتى وإن كانت هذه الجماعة الأولى جماعة أفسق الخلق، وكان إمامها لا يحسن البسملة، فتنتظر الجماعة الثانية حتى تفرغ الأولى من صلاتها، وإلا يجب عليهم أن يدخلوا معهم في الصلاة. فلا تقام جماعتان مطلقاً سواء في فرض أو في فرضين أو أكثر في مسجد واحد، وإذا كان هناك جماعتان في آن واحد فالذي يدخل المسجد مع من يصلي وبمن يلتحق في الصلاة؟ فهذا لا يجوز، وهذه المسألة من مسائل الإجماع. ويمكن أن يكون هناك سعة في الأمر إذا جهلنا، كأن يكون المسجد كبيراً جداً، فتكون الجماعة الأولى مثلاً في أول المسجد، وهم وإن صلوا بميكرفون أيضاً فالناس الذين في آخر المسجد لا يسمعونهم ولا يعلمون بقيام الجماعة الأولى، فلا بأس بتعدد الجماعات على هذا النحو، بشرط ألا تعلم الجماعة الثانية بقيام الجماعة الأولى، وإذا علموا في أثناء الصلاة وجب عليهم الانصراف، وإذا علموا في أثناء الصلاة ولم تعرف الأولى منها وجب على الجماعتين حينئذ الانصراف وإنشاء جماعة واحدة. وإذا صلت الجماعتان ولا يعلم أحدهما بقيام الجماعة الأخرى، فصلاتهما صحيحة.

стр. 1112

حال طارق السويدان وأشرطته السؤال الأخ يسأل عن أشرطة طارق السويدان؟ الجواب طارق السويدان فتنة في هذا الزمان، وهو له ميول شيعية، وليس شيعياً صريحاً، وقد أساء غاية الإساءة فيما يتعلق بالنبي ﵊، وقد علق على الفتنة التي دارت بين علي ومعاوية ﵄ بكلام يخالف تماماً عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذه مسألة ليست هينة، وإنما هي مسألة من أصول اعتقاد المسلمين، والدكتور طارق السويدان في الحقيقة جريء جداً في انتقاد أهل السنة، وجبان جداً في انتقاد الشيعة، وقد قلت له في الكويت في شهر (٨) في العام الماضي: لقد أثنيت على الشيعة ولم نرك تثني على أهل السنة كما أثنيت على الشيعة، والشيعة في الكويت لهم نواب في مجلس الأمة وغير ذلك، فقال: وماذا أنقم على الشيعة، فلو جمعت أخطاء أهل السنة لفاقت أخطاء الشيعة؟ وهذا الكلام لا يقوله أحد قط عنده بصيرة ولا علم ونور في قلبه. قلت: وما هي أخطاء أهل السنة الظاهرة أو الأخطاء الأصلية الكلية في الاعتقادات، والشيعة يخالفوننا فيما يتعلق بأصول الاعتقاد، وفي النبي ﵊، وفي الإمامة، وفي اتخاذ التقية مذهباً لهم، وفي كلام الله في القرآن الكريم، وفي أصحاب النبي ﵊، فهم يتقربون إلى الله بزعمهم بسبهم وتكفيرهم، ونحن نتقرب إليه بحبهم والترضي عنهم. وهذه كلها أصول وغيرها كثير. قال: دعنا من هذا، فإن أهل السنة عندهم أكثر مما عند الشيعة مما يُنقم عليهم. والكلام هذا مسجل، وكنت أود ألا ينتشر أمره، فلما انتشر وجب التحذير منه، وخاصة الأشرطة قد انتشرت بين العامة، والعامة لا يعرفون أصول الاعتقاد ولا فروع الاعتقاد من باب أولى. وأنا لا أرى غضاضة قط بسماع أشرطته دون أشرطة التاريخ الإسلامي، فله عشرة أشرطة في التاريخ الإسلامي جمع فيها البلاء، وتكلم عن الصحابة بكلام ليس من عقيدة أهل السنة والجماعة، فإن شئت أن تسمع له غير هذه الأشرطة فبها ونعمت، وإن تركته كله فهو أحسن. والله تعالى أعلم.

стр. 1113

صيغة إرجاع الزوجة المطلقة طلاقاً رجعياً السؤال حدثت مشادة بيني وبين زوجتي وأخطأت فضربتها، ثم أخطأت مرة أخرى فقلت لها: أنتِ طالق، وهذه المرة الأولى، فما الحكم في ردها، مع العلم بأنها لم تكن في المنزل؟ الجواب إذا كانت الصيغة كما قلت تماماً: أنتِ طالق، فهذا لفظ صريح يقع به الطلاق، والطلاق يقع وإن كانت المرأة حائضاً مع الإثم، ويلزمك أن ترد هذه المرأة إذا أردت ردها بقولك أمام شاهدي عدل: أرجعت امرأتي فلانة إلى عصمتي. وتحسب هذه طلقة أولى، ويبقى لك طلقتان، وربما تتلفظ بهما هذه الليلة، فلا تقل مثلاً: إن لي عشر سنين لم أطلق إلا مرة، فربما تغضب غضبة شديدة فينتهي الزواج كله في هذه الليلة. وبإمكانك أن تعالج كل خطأ حتى إن أنت ضربتها، ومع أن هذا أمر بشع، إلا أنه يمكن علاجه بكلمة بسيطة جداً لها، أو هدية منك تقدمها لها، وبهذا ينتهي كل شيء. فالضرب له علاج، ولكن الطلاق ليس له علاج، (وهل يكب الناس على مناخيرهم يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم؟) فكما يقولون: لسانك حصانك، إن صنته صانك وإن هنته هانك. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1114

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - الشفاعة لأهل الكبائر يوم القيامة من ضرورات الإيمان: التصديق بالشفاعة الثابتة يوم القيامة للنبي ﷺ وغيره، واختصاص الشفاعة الكبرى لنبينا محمد ﷺ ، وذلك حين يبعثه الله المقام المحمود، والشفاعة أنواع منها شفاعة المؤمنين لإخوانهم، وشفاعة الأطفال لآبائهم، وشفاعة الملائكة، وشفاعة رب العالمين، التي يعتق بها أقواماً برحمته ويخرجهم من النار.

стр. 1115

باب الشفاعة لأهل الكبائر بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [(باب الشفاعة لأهل الكبائر)]. أي: باب إثبات أن الشفاعة ينتفع بها أصحاب الكبائر. هذا الباب معقود للرد على المعتزلة الذين يقولون بأن من دخل النار لا يخرج منها، ونحن نعلم أن صاحب الكبيرة في مشيئة الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وإن عذبه فمآله الخروج من النار ودخول الجنة. والخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة كما عرفنا مراراً، والمعتزلة يقولون: لو دخل النار لا يخرج منها قط، ثم يأتون بالآيات والأحاديث التي تدل على دخول النار والأبدية والخلود فيها الواردة في حق الكفار فيحملونها على من دخل النار عموماً أو مطلقاً، وأنتم تعلمون أن أصحاب الكبائر أو أصحاب الذنوب والمعاصي إذا أراد الله أن يعذبهم أدخلهم النار ثم يخرجون منها، والأدلة على ذلك كثيرة ومتواترة، وستأتي معنا بإذن الله تعالى. قال: [سياق ما روى عن النبي ﷺ في الشفاعة لأمته، وأن أهل الكبائر إذا ماتوا عن غير توبة يدخلهم الله إن شاء النار، ثم يخرجهم منها بفضل رحمته ويدخلهم الجنة، وقد مضى في حديث جابر وغيره في فضائل النبي ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي) وذكر منها الشفاعة]. قال: (وأوتيت الشفاعة).

стр. 1116

رواية أبي هريرة في الشفاعة قال: [عن أبي هريرة ﵁: أن رسول ﷺ قال: (إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني أحب أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ولفظ الحديث لـ عبد الرزاق أخرجه مسلم]. قال ابن حزم: اختلف الناس في الشفاعة، فأنكرها قوم وهم المعتزلة والخوارج. إذاً: الذي ينكر الشفاعة يركب مركب الخوارج ومركب المعتزلة، أما أهل السنة فيثبتون الشفاعة الواردة بقيودها، وشروطها في الكتاب والسنة، وذهب معهم الأشعرية والكرامية وبعض الرافضة. واحتج المانعون بقول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]. ولعلكم تذكرون أن هذه الآيات كانت حجة ذلك الغبي الذي أنكر الشفاعة منذ أشهر قلائل، احتج بقول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وبقوله : ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩]. قال الآجري: قال محمد بن الحسين ﵀ اعلموا رحمكم الله أن المنكر للشفاعة يزعم أن من دخل النار فليس بخارج منها. وهذا مذهب المعتزلة، يكذبون بها -أي: بالشفاعة- وبأشياء سنذكرها إن شاء الله مما لها أصل في كتاب الله ، وسنة رسوله ﵊، وسنن الصحابة ﵃، وقول فقهاء المسلمين. ويعتقد أهل السنة والجماعة بأن عصاة الموحدين الذين استحقوا دخول النار -بسبب معاصيهم وجزاء ذنوبهم التي ارتكبوها- أنهم يخرجون منها ولا يخلدون فيها، وأن نبينا ﷺ يشفع فيهم يوم القيامة، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]]. وقد تواترت الأحاديث بوقوع الشفاعة يوم القيامة، وسيذكر المؤلف معنا شيئاً منها، ومنها هذا الحديث [عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵊: (لكل نبي دعوة مستجابة)]. أي: لا محالة؛ لأن هذا وعد من الله ، ووعده سبحانه لا يتخلف بخلاف الوعيد [(فتعجل كل نبي دعوته)]. يعني: كل نبي تعجل دعوته العظمى. أنتم تعلمون أن النبي ﷺ كان يدعو دائماً في ليله ونهاره، ودعوته هذه ليست الدعوات المقصودة في هذه الروايات، فلكل نبي دعوة عظمى عامة تنفع الأمة بأسرها، أما نبينا ﵊ فإنه اختبأ دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة: [(وإني اختبأت دعوتي لأمتي يوم القيامة)]. [عن أبي هريرة ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت ألا يسألني عن ذلك أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث إن أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه)]. أي: من كان موحداً لله ، وذكر شرطاً من شروط (لا إله إلا الله) وهو الإخلاص. قال: (مخلصاً من قلبه)؛ لأن لا إله إلا الله مجردة بغير شروطها ومقتضياتها لا تنفع صاحبها، فقول الإنسان: (لا إله إلا الله) وهو يبغض هذه الكلمة ولا يعلم حقيقتها وغير ذلك من شروطها لا تنفعه، فقال: (إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه).

стр. 1117

رواية جابر بن عبد الله ﵁ في الشفاعة قال: [عن سفيان بن عيينة قال: قلت لـ عمرو بن دينار: سمعت جابر بن عبد الله يحدث عن النبي ﷺ : (إن الله يدخل قوماً النار ثم يخرجهم منها)]. يعني: هل سمعته يقول ذلك وينقله عن النبي ﵊؟ [قال -أي: عمرو - نعم] والحديث في الصحيحين. [عن حماد بن زيد قال: قلت لـ عمرو بن دينار: يا أبا محمد! سمعت جابر بن عبد الله يحدث عن النبي ﵊ أنه قال: (إن الله يخرج قوماً من النار بالشفاعة؟ فقال: نعم)]. (إن الله يخرج قوماً من النار) أي: بعد أن استحقوا دخول النار ودخلوها حقاً، فإنهم يخرجون بشفاعة النبي ﵊. والحديث في الصحيحين. [عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (يخرج الله قوماً من النار بعدما امتحشوا فيدخلون الجنة)] أي: بعدما احترقوا في النار، فالله تعالى يخرجهم ويدخلهم الجنة. [قال عمرو بن دينار: قال عبيد بن عمير. قال رسول الله ﷺ : (يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة). قال: فقال رجل: يا أبا عاصم! ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ فقال عبيد بن عمير: إليك عني يا علج -أي: يا قبيح- فلولا سمعه من يتبين من أصحاب رسول الله ﷺ لما حدثته. قال سفيان: وقدم علينا عمرو بن عبيد ومعه رجل تابع له على هواه فدخل عمرو بن عبيد الحجر فصلى فيه وخرج صاحبه، وقام على عمرو بن دينار وهو يحدث هذا عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ ]. يعني: هذا الذي أتى إلى مكة مع عمرو بن عبيد صاحب هوى من أهل الاعتزال، سمع عمرو بن دينار يحدث عن جابر عن النبي ﵊: (أن الله يخرج قوماً من النار بعد ما امتحشوا فيدخلهم الجنة)، فلما سمع هذا من عمرو بن دينار قال: ما هذا الذي تحدث به يا عمرو؟! قال: سمعت جابر بن عبد الله يرفعه إلى النبي ﷺ ، فلما كان السند قوياً ما استطاع هذا المبتدع أن يرد هذا الكلام، قال: إن لهذا الكلام معنى آخر؛ لأنه لم يستطع أن يرد أصل الكلام، فتكلم في معناه. قال: هذا الكلام ليس على ظاهره، بل له معنى آخر لا يعرفه كثير من الناس. قال: فقال الرجل لـ عمرو بن عبيد: وأي معنى لهذا الكلام، وفك ثوبه من يديه وفارقه. [عن يزيد الفقير قال: كان قد شغفني رأي الخوارج -ومعنى شغفني: شغلني- ودخلت فيه، وكنت أعتقد صحة ما عليه الخوارج أن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار. قال: فكنت رجلاً شاباً، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم عن رسول الله ﷺ جالساً إلى سارية وإذا هو يذكر الجهنميين]. قصة الجهنميين أنهم يدخلون جهنم ويخرجون منها بشفاعة الشفاعين، ويدخلون في نهر يقال له: نهر الحياة، ينبتهم الله فيه، ثم يسكنهم الجنة، فأهل الجنة يدعون هؤلاء بالجهنميين، أي: لمن استحقوا العذاب في جهنم، وقد خرجوا منها بشفاعة الشافعين. قال: [فلما سمعت جابراً يحدث عن الجهنميين فقلت له: يا صاحب رسول الله ﷺ ! ما هذا الذي تحدثون وقال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢]؟] يعني: أنت تقول يا جابر! أن من دخل النار يخرج منها من أصحاب الكبائر، والله تعالى قد حكم عليه بالخلود في قوله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢]. قال: [ولم يذكر بعد الخزي شيء آخر] أي: من النجاة. [قال: فقال جابر: أي بني! أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فهل سمعت بالمقام المحمود الذي يخرج الله به من يخرج. قال: ثم نعت وضع الصراط وممر الناس عليه. قال: فأخاف ألا أكون حفظت، غير أنه قد زعم أن قوماً يخرجون من النار بعد إذ كانوا فيها. قال: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم فيدخلون نهراً من أنهار الجنة، فيغتسلون فيه، ويخرجون كأنهم القراطيس البيض. قال: فرجعنا، وما خرج منا غير واحد]. أي: رجعنا كلنا عن رأي الخوارج، لم يبق مع الخوارج منا إلا واحد فقط. هذا هو الإشعاع النوراني الذي يصلح الله به العباد على يد رجل واحد من أهل العلم، كما وقع من جابر بن عبد الله ﵁، وهذا الحديث [أخرجه مسلم].

стр. 1118

الخلود نوعان في كتاب الله أبدي ومؤقت وقال طلق بن حبيب: [كنت أشد الناس تكذيباً بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله الأنصاري، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها فيها ذكر خلود أهل النار]. قال النبي ﵊: (من تحسى سماً فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها) حديث كهذا عند الخوارج يقولون: هاهو الحديث يقول: (خالداً مخلداً فيها)، ونحن نعلم أن من قتل نفسه ارتكب معصية، والمعصية ليست كفراً، فإن كان الذي قتل نفسه كافراً فإنه يحمل الخلود في هذا الحديث على الأبدية، وإن كان عاصياً صاحب كبيرة فلابد أن تصيبه الشفاعة، ويحمل الخلود هنا على المكث الطويل، وهذا معروف في كلام العرب، أن الخلود بمعنى: المكث الطويل. قال: [فقرأت عليه كل آية أقدر عليها فيها ذكر الخلود في النار، فقال لي: أتراك يا طلق بن حبيب! أقرأ لكتاب الله، وأعلم بسنة نبيه مني؟] يعني: أنت يا طلق بن حبيب! ترى أنك أقرأ لكتاب الله مني، وأعلم بسنة الرسول مني؟ قال: [قلت: لا. قال: فإن الذي قرأت إنما نزلت في المشركين]. وهذه بلية الخوارج في هذا الزمان التي يطلق عليها جماعة التكفير والهجرة، إذ يأتون بأحاديث الوعيد كلها التي وردت في حق الكفار والمشركين فينزلونها على أصحاب المعاصي من الموحدين، وهذا بلاء عظيم جداً. قال: [ولكن هؤلاء -أي أصحاب الكبائر- أصابوا ذنباً فعذبوا ثم أخرجوا من النار، وأومأ بيده إلى أذنيه -يعني: أشار بيده إلى أذنيه- فقال: صمتا إن لم أكن سمعته من رسول الله ﷺ ونحن نقرأ الذي تقرأ]. يعني: ونحن نقرأ القرآن على النبي ﵊ كان يفسر لنا بأن الخلود الوارد في هذه الآيات إنما ذلك في حق المشركين والكفار، أما في حق عصاة الموحدين فلا؛ لأنهم إن دخلوا النار ولم يعصوا الله ابتداء فمآلهم الخروج من النار ودخول الجنة.

стр. 1119

رواية أبي سعيد الخدري ﵁ في الشفاعة قال: [عن أبي سعيد قال: (تخرج ضبارة من النار حتى كانوا فحماً -يعني: بعد أن كانوا فحماً يخرجون من النار- فيقال: بثوهم في الجنة -أي: أدخلوهم الجنة- وصبوا عليهم من الماء -أي: من نهر الحياة- فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل -أي: فيما يحمله السيل وما يتجمع على سطح الماء، لو أنك ألقيت حبة فيها نبتت- قال: قال رجل من القوم: كأنما كنت من أهل البادية يا رسول الله!)]. أي: رجلاً تفهم كأهل البوادي. ثم قال ﵊: [(إن للنار أهلاً لا يموتون فيها ولا يحيون)] لا يموتون فيها؛ لأنهم يعذبون فيها أبد الآبدين، ولا يحيون فيها يعني: حياة كريمة. قال: [(فأما ناس يريد الله بهم الرحمة فإن النار تصيبهم، فتدخل عليهم الشفعاء، فتحمل الشفيع للشفعاء منهم الضبار، فيبثهم الله على نهر في الجنة، فينبتون نبات الحبة في حمالة السيل. قال: قال رسول الله ﷺ : ألا ترون إلى الشجرة تكون خضراء تكون حمراء؟ فقال بعض الناس: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية)]. ثم قال ﵊: [(ثم يدخلون الجنة فيمكثون فيها فيسمون الجهنميين، ثم يطلبون إلى الرحمن، فيذهب ذلك الاسم عنهم فيلحقون بأهل الجنة) أي: يسمون عتقاء الرحمن، فالله أعتقهم من النار بشفاعته. [عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: (إذا خلص المؤمنون من النار)] أي إذا خرج المؤمنون من النار. والمعاصي لا تنفي اسم الإيمان؛ وذلك لأن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ليس كافراً بكبيرته، ولا يحمل فسقه على نفي الإيمان عنه، بل يبقى فيه شعب إيمان كما عنده شعب فسق. [قال: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، حتى إذا نقوا وهذبوا أمر بهم إلى الجنة -نقوا وهذبوا، أي: أدخلوا نهراً على باب الجنة يسمى نهر الحياة- فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم بمنزله في الجنة أدل منه في الدنيا)]. يعني: هؤلاء إذا دخلوا الجنة كل واحد منهم ينطلق إلى مكانه في الجنة؛ لأنه أعرف به من منزله الذي كان يسكنه في الدنيا.

стр. 1120

رواية أنس بن مالك ﵁ في الشفاعة قال: [عن أنس عن النبي ﷺ قال: (يخرج قوم من النار بعد ما تصيبهم فيها -أي: بعدما تحرقهم النار- فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين)]. [عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (يجتمع المؤمنون يوم القيامة يلهمون لذلك)] أي: الله يلهم أهل الإيمان أن يتعرف كل منهم على صاحبه، فيجتمعون ويقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا. يعني: أن المؤمنين في هذا الموطن يعلمون أن لهم شفاعة عند الله . قال: [(فيأتون لآدم فيقولون: أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم -يعني: لست أهلاً لهذه الشفاعة- وذكر لهم خطيئته التي أصاب -أي: أكله من الشجرة- ولكن ائتوا نوحاً. فيقول: لست هناكم، وذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا خليل الرحمن إبراهيم. فيأتون فيقول: لست هناكم، ويذكر خطايا أصابها، ولكن ائتوا موسى عبداً آتاه الله التوراة وكلمه تكليماً، فيأتون موسى ﵇، فيقول لهم: لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا عيسى رسول الله وكلمته وروحه، فيأتون عيسى ﵇ فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمداً عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: فيأتوني، فأنطلق إلى ربي -يعني: المؤمنون لهم شفاعة، ورب العزة له شفاعة، والنبي ﵊ في هذا الحديث له شفاعة- فأستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني -يعني: يتركني ساجداً على هذه الحال، فألهم دعاء لم أدع به من قبل- ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. قال: فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة -الله يجعل له قسماً ممن دخل النار، ويقول: هؤلاء نصيب شفاعتك خذهم وأدخلهم الجنة- ثم أرجع، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً -للمرة الثالثة- قال ثم أرجع فإذا رأيت ربي -للمرة الرابعة- قال: ثم أشفع فيحد لي خمس مرات، قال: ثم أرجع فأقول: يا رب! ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن)]. أي: إلا من حكم عليه القرآن بالخلود الأبدي في النار. يعني: لم يبق في النار إلا الكفار. وهذا الحديث [أخرجه البخاري ومسلم من حديث هشام]. [عن أنس أن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله)]. انظر إلى هذا الترتيب الذي نستفيد منه كذلك أن الإيمان يزيد وينقص. قال: [(يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، ثم من كان في قلبه من الخير ما يزن برة -أي: من الإيمان والدين- ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ثم من كان في قلبه ما يزن ذرة)]. والمعلوم أن الذرة أقل من حبة القمح، فهذا يدل على أن الإيمان في القلب نفسه يتجزأ ويتبعض ويزيد وينقص. [عن أنس: قال: قال رسول الله ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)]. وقال أنس مرفوعاً: [(يقول الله : أخرجوا من النار من وحدني -أي: من كان موحداً، وأصحاب المعاصي موحدون- ومن خافني في مقامي)]. لأنه لا يخاف الله إلا المؤمن وإن وقع في المعاصي.

стр. 1121

رواية ابن مسعود ﵁ في الشفاعة قال: [عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار)] يحكي لنا عن رجل هو آخر أهل النار خروجاً منها، فيكون آخر واحد يدخل الجنة. قال: [(إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار، رجل يخرج منها زحفاً يقال له: انطلق. ادخل الجنة. فيذهب يدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل -يعني: كل واحد جلس في مكان في الجنة- فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت؟ فيقول: نعم)]. فالرجل لما رأى كل واحد من الناس قد جلس في مكانه أيس أن يكون له مكان. قال: كل واحد أخذ نصيبه، ولم يبق لي مكان في الجنة، فلما وجد الله منه ذلك قال له: (أتذكر الزمن الذي كنت؟ فيقول: نعم. فيقال له: تمن قال: فيتمنى. فيقال له: إن لك الذي تمنيت. وعشرة أضعاف الدنيا. فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟! -أي: لك ما تمنيت في الزمان الذي كنت تعيش فيه وعشرة أضعاف الدنيا، فيقول: يا رب أتسخر بي وأنت الملك- فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه)]. هذا الرجل أقل حظاً في الجنة، فالجنة بطولها وعرضها لا يمكن لأحد أن يتصورها. هذا الحديث [أخرجه مسلم من حديث الأعمش والبخاري من حديث منصور].

стр. 1122

رواية أبي ذر الغفاري في الشفاعة قال: [عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: (لقد علمت آخر الناس خروجاً من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة، رجل يؤتى فتعرض عليه سيئاته وتخبأ عنه كبائره فيقال: أتذكر يوم عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. وهو يشفق من الكبائر أن تعرض عليه -يعني: يخاف من أن تعرض الكبائر فيستوجب النار- فإذا فرغ من عرض السيئات قيل له: اذهب. فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: قد كانت لي ذنوباً لا أراها -سترها الله عليه في الدنيا وغفرها له في الآخرة- فكان رسول الله ﷺ إذا ذكر هذا الحديث ضحك حتى بدت نواجذه). أخرجه مسلم].

стр. 1123

رواية عبد الله بن عمر ﵁ في الشفاعة قال: [وعن ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : (خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة فاخترت الشفاعة. قال: لأنها أعم وأكفى)]. فالشفاعة مضمونة؛ لأنها دعوة مستجابة قد خبأها النبي ﵊ لأمته يوم القيامة. [(أترونها للمؤمنين المتقين؟)]، يقول لهم: أنا خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، ولما خيرت بين أن يدخل نصف الأمة الجنة والشفاعة اخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وسيدخل بها أكثر من نصف أهل الجنة، قال النبي ﵊: [(أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا. ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين)].

стр. 1124

رواية أبي موسى الأشعري في الشفاعة قال: [عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة فإنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين؟ لا ولكنها للمذنبين والخطائين والمتلوثين)].

стр. 1125

رواية عوف بن مالك في الشفاعة الحديث كذلك جاء من رواية عوف بن مالك ﵁. وفي رواية: أن عوف بن مالك سمع رسول الله ﷺ يقول بعدما ذكر ما أعطاه الله من الشفاعة يوم القيامة: [قلت له: (ناشدتك الله يا رسول الله! لما سألت الله أن يجعلني من أهلها فقال النبي ﷺ : يا عوف! إن شفاعتي يوم القيامة للكل)].
следующие страницы →