Полный текст (1 284 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
خطورة القول بخلق القرآن
ما هي خطورة القول بخلق صفة من صفات المولى ؟ ولم نشأت الفتنة في ذلك؟ الأمر الأول: خطورة هذا الكلام أنه يلزمك أن تقول: إن كل مخلوق حادث.
يعني: لم يكن ثم كان، فهل الله ﵎ لم يكن متكلماً ثم تكلم؟ هذه صفة عجز وصفة نقص.
أن يقال: إن الله لم يكن يتكلم، وبعد ذلك تكلم، فمن الذي علمه الكلام؟! أليست هذه صفة نقص؟ بلى.
إذاً: الصواب: أن هذه الصفة -وهي صفة الكلام- لازمة لله لم يخلقها أحد.
ولازمة بمعنى: أنها ملازمة لله لا تنفك عنه، لا أول لها ولا نهاية.
فإذا قلت: إنه مخلوق، إذاً: أثبت أولاً أن الله ﵎ كان عاجزاً ثم صار قادراً على الكلام، والعجز صفة نقص لا تجوز على الله ، بل صفات العجز لازمة للمخلوق وليس للخالق، هذا أمر.
الأمر الثاني: لو أني قلت: إن كلام الله مخلوق لابد وأن يفنى؛ لأن كل مخلوق حادث، وكل حادث إلى زوال، كما قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص:٨٨].
فهنا نقول: إن القول بخلق القرآن يستلزم القول بفناء هذا القرآن، وبانتهاء هذا القرآن، ولا قائل بذلك من أهل السنة.
إذاً: الذي يقول: إن القرآن كلام الله مخلوق، لابد وأنه مبتدع في أسماء الله وفي صفاته ما لم يكن عليه سلف هذه الأمة، كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وغيرهم من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين ﵃ أجمعين.
стр. 177
سبب زيادة (غير مخلوق) في وصف كلام الله
لم يقل أحد من السلف (إن القرآن كلام الله مخلوق).
بل ولم يقولوا: (غير مخلوق)؛ لأن السلف لما وقفوا عند ألفاظ معينة ومصطلحات محددة ما تجرأ من أتى بعدهم على أن يخترع لفظة لم يقل بها السلف خاصة في باب العقيدة، فما الداعي لقول مخلوق أو غير مخلوق؟ ولكن لما أتى من قال بخلق القرآن، قام أحمد بن حنبل ومن معه من أهل السنة وردوا عليهم فزادوا: غير مخلوق، وإلا فالأصل أن يقولوا: القرآن كلام الله، وهذه عقيدة السلف، لم يقل أبو بكر ولا عمر ولا غيرهم (غير مخلوق)، ولكن اضطر أحمد بن حنبل أن يرد على من قال: بأنه مخلوق أن يقول له: لا، هو غير مخلوق، ولذلك ينهى أهل العلم جميعاً عن تعلم الفلسفة والمنطق، ولكن لما ازدهر ذلك وانتشر بترجمة كتب اليونانيين في زمن الدولة العباسية قام الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله يرد عليهم، وهو ينهى الأمة عن تعلم الفلسفة والمنطق؛ فهو الذي قال: من تفلسف فقد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق.
ومع هذا نجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية إماماً في الفلسفة والمنطق، بل هو الذي رفع عن الأمة حد الواجب الكفائي في الرد على الفلاسفة والمنطقيين؛ لأن ابن تيمية عليه رحمة الله إمام علم متبحر في علوم السنة والهدي فلا خوف عليه ولا لوم عليه أن يسد الثغرة التي ربما يؤتى الإسلام من خلالها في تعلم الفلسفة في ذلك الزمان، مخافة أن يتكلم الفلاسفة مع عامة المسلمين فيضلونهم عن دينهم، فأيد الله دينه بهذا الإمام العلم المبجل، فرد عليهم تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ فسد هذه الثغرة على أهل الإسلام جميعاً؛ على علمائهم وعامتهم، ونصح لله أيما نصيحة.
ولذلك أهل السنة لما كانت تظهر مسألة من المسائل التي يخشى على العامة منها كانوا يتعرضون لها بأي سبيل مشروع؛ حتى يحققوا الواجب الكفائي لنصح هذه الأمة في كل زمان ومكان.
стр. 178
حكم من اعتقد خلق القرآن
قال: [اكتب: القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، ومن قال بغير هذا فهو كفر].
ولم يقل: (فهو كافر).
وهذه جزئية مهمة جداً في الاعتقاد، فالقائل يكفر إن كان عالماً بما يقول مصراً على قوله واعتقاده، ولكن في الغالب أن المرء ربما تكلم بكلام هو كفر، ولكنه لا يدري أنه كفر.
فنقول: إن قول الكفر لا يكفر به صاحبه إلا بعد قيام الحجة الرسالية عليه، تحضره أمامك وتقرره: أنت قلت: إن القرآن كلام الله مخلوق؟ أتعلم خطورة هذا القول؟ فيقول لك: والله لا أعرف.
فتقول: لا.
هذا القول خطورته كيت وكيت وكيت، وهو في الجملة مخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة؛ لأنهم يعتقدون غير ما تعتقد، والأدلة من كتاب الله كيت، ومن سنة الرسول كيت، ومن أقوال أهل العلم كيت.
والإمام والعالم والسلطان هو الذي يقيم الحجة على من خرج على النهج القويم، فإن أصر صاحب القول المخترع المبتدع على قوله حبس ثلاثاً يستتاب وإلا أقيم عليه الحد الشرعي.
стр. 179
عقيدة الثوري في الإيمان
قال أي سفيان: [والإيمان قول وعمل ونية].
الذي يدخل الإسلام لابد أن ينطق بالشهادتين: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله)، فمن شهد بالشهادتين ونطق بهما، ولكن قلبه مبغض لهاتين الشهادتين غير محب لهما وغير معتقد لصحة هذه الشهادة فيأخذ حكم المسلم في الدنيا، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، ولكنه عند الله منافق؛ لأن هذه الكلمة التي نطق بها لم تستقر في قلبه، بل الذي استقر في قلبه هو بغض هذه الشهادة، وبغض الرسالة وعدم اعتقادها.
ولذلك نقول: إن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان ومنها القلب؛ لأن القلب له أعمال فحبه وبغضه وصدقه وإخلاصه وإيمانه هي أعمال القلب، فعندما نقول: الإيمان قول وعمل.
أي: عمل الجوارح والأركان، وكذلك عمل القلب؛ لأن القلب له عمل، ومن أعظم أعمال القلب: أن يُعقد على حب الله ورسوله، وعلى اتباع كتاب الله واتباع سنة رسوله ﷺ .
كما أنك إذا نطقت بهذه الكلمة فلابد أن تنوي بها أن تؤدي ما ألزمك الله ﵎ من خلالها، فلا يصح أن ينطق شخص بالشهادتين ثم هو تارك للصلاة وللصيام وللزكاة وللحج مع القدرة وغير ذلك من فرائض وأركان ومستحبات الإسلام.
فالإيمان قول وعمل ونية، يزيد وينقص؛ لأنه لا يستوي الذي يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويقوم على طاعة الله في كل كبيرة وصغيرة، لا يستوي مع من فرط في ذلك كله، فلا شك أن من أتى طاعة الله، وائتمر بأوامره، وانتهى بنواهيه، لا شك أن هذا أعلى إيماناً من الذي فرط في ذلك أو في شيء منه.
قال: [والإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا يجوز القول إلا بالعمل، ولا يجوز القول والعمل إلا بالنية، ولا يجوز القول والعمل والنية إلا بموافقة السنة].
فانظر إلى هذا النصح، وهذا النصح ليس لـ شعيب بن حرب فقط، وإنما هو للأمة بأسرها.
الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا ينفع قول إلا بعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بمتابعة النبي ﵊، واعتقاد ما كان يعتقده ﵊، هو وأصحابه الكرام والأئمة المتبوعين.
стр. 180
عقيدة الثوري في أبي بكر وعمر
[قال شعيب: فقلت له: يا أبا عبد الله! وما موافقة السنة؟].
شعيب بن حرب مع أنه إمام علم من أئمة السنة إلا أنه أراد أن يستوثق ما معنى: (إلا بمتابعة السنة) أو (موافقة السنة).
فقال سفيان: [تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄].
هل هذا موافقة السنة فقط؟ لا.
ليست هذه فحسب، لكن سفيان الثوري أراد أن يعالج قضية مطروحة على الساحة خالفت فيها الأمة ما كان عليه سلفها، فاختار قضية واقعية تحتاج إلى إظهار عقيدة أهل السنة في مثلها، فـ شعيب قال له: ما معنى موافقة السنة؟ قال له: أن تقدم أبا بكر وعمر على غيرهما من الأمة.
لماذا؟ لأننا هنا في الكوفة، والكوفة تقدم علياً على أبي بكر وعمر، فإن وافقتهم يا شعيب فأنت على غير السنة، وإن خالفتهم فأنت سني.
نحن الآن عندما ندرس عقيدة أهل السنة والجماعة نذكر القضايا التي يموج بها المجتمع موجاً، وخالف فيها المجتمع اعتقاد سلفهم، ولذلك نحن سيمر بنا الآن قضايا فقهية ليست عقدية، مثل المسح على الخفين أهي من مسائل الفقه أو من مسائل الاعتقاد؟ من مسائل الفقه، ومع هذا نرى أن سلف الأمة الذين صنفوا في مسائل الاعتقاد ذكروا المسح على الخفين في كتب الاعتقاد؛ لأن الشيعة قالوا بغير ذلك، ولم يجيزوا المسح، حتى صار عدم جواز المسح على الخفين من أصل عقيدة الشيعة، أما نحن فاعتقادنا في المسح على الخفين الجواز، خالفت في ذلك فرقة من فرق المسلمين، فصارت من هذه الحيثية في ضمن ما يذكر من عقيدة أهل السنة.
ما معنى تقدمة الشيخين أبي بكر وعمر على غيرهما؟ يعني: أنا المطلوب مني أن أقدم أبا بكر ثم عمر على الأمة بأسرها في الفضل والخلافة؛ لأن النبي ﵊ نص على أن أبا بكر هو الخليفة من بعده، وهو أفضل الأمة، ولو وزن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرجح إيمان أبي بكر، والأمة التي ستوزن أعمالها ويوزن إيمانها الذي يغلب عليها إيمان أبي بكر فيها عمر، وعمر نفسه عجز عن أن يناهض أبا بكر في عمل الطاعة، فكلما أراد أن يسبقه كان السبق لـ أبي بكر الصديق ﵁ حتى اعترف بذلك عمر رضي الله ﵎ عنهم أجمعين.
فهنا نقول: إن أبا بكر مقدم في الفضل والخلافة على الأمة بأسرها بما فيها عمر، وعمر مقدم في الفضل والخلافة على الأمة بأسرها بما فيها عثمان وعلي.
ووقع خلاف بين أهل السنة أنفسهم في الفضل -لا في الخلافة- بين عثمان وبين علي.
فمنهم من قال: عثمان أفضل من علي.
وهؤلاء هم جمهور أهل السنة.
ومنهم من قال: بل علي أفضل من عثمان، بما فيهم سفيان بن سعيد الثوري الذي نحن بصدد سرد عقيدته.
قال: إن علياً أفضل من عثمان، وقيل إنه رجع عن هذا الاعتقاد إلى اعتقاد جمهور أهل السنة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: اختلاف أهل العلم في المفاضلة -أي: التفاضل بين علي وعثمان - مسألة قال بها بعض السلف، ولذلك لا يبدع فيها المخالف.
يعني: لا يصير مبتدعاً من قال: إن علياً أفضل من عثمان، ولكن يبدع من قال: إن علياً أولى بالخلافة من عثمان، كما قالت الشيعة: إن أبا بكر وعمر وعثمان اغتصبوا الخلافة من علي بن أبي طالب.
وهذا يخالف اعتقاد أهل السنة قاطبة؛ لأن هذا كلام في الخلافة، أما الأفضلية فهي مسألة لا يبدع فيها المخالف، ولكن الذي يرجح من اعتقاد أهل السنة وهو كلام جمهورهم: أن عثمان أفضل من علي بن أبي طالب، وهم في الخلافة على نفس الترتيب في الأفضلية.
إذاً: الترتيب في الخلافة والأفضلية: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
ولذلك انظر إلى سفيان الثوري عندما قال له شعيب: ما معنى متابعة السنة؟ قال: تقدمة أبي بكر وعمر.
وسكت؛ لأنه قائل بأفضلية علي على عثمان، فلم يرد الثوري أن يذكر هذه المسألة؛ لأنه يعلم أن الخلاف فيها لا يبدع به قائله، وذكر القول المجمع عليه وهو تقدمة أبي بكر وعم
стр. 181
عقيدة الثوري في القطع بالشهادة لأحد بأنه من أهل الجنة أو النار
قال: [(يا شعيب بن حرب! لا ينفعك ما كتبت لك حتى لا تشهد لأحد بجنة ولا نار إلا للعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ ، وكلهم من قريش)].
ومنهم الخلفاء الأربعة، وهذا شيء من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: أنهم لا يقطعون لأحد بجنة ولا نار، ولا يقطعون لأحد بأن الله سيرحمه، كما لا يقطعون لأحد بأن الله سيعذبه في النار وإن كان عاصياً، ولا يقطعون بالجنة لأحد حتى وإن كان طائعاً؛ لأن الأعمال بالخواتيم، والله ﵎ قد علم أهل الجنة وعلم أهل النار، ثم لم يطلع أحداً من خلقه على قسم أهل النار، وعلى قسم أهل الجنة.
أما القطع لأحد من الأمة من غير أن يقطع له رسول الله بأنه من أهل الجنة، فهذا تألٍ وافتراء على الله ، ولذلك قال رجل في مجلس النبي ﵊: (والله إن الله سيغفر لفلان ويعذب فلاناً، فغضب النبي ﵊ أيما غضب، وقال: من ذا الذي يتألى على الله؟).
لماذا تفترون على الله؟ أتعرفون أهل الجنة من أهل النار؟ (أشهدكم أن الله ﵎ غفر لفلان وآخذ فلاناً -أو وعذب فلاناً- الذي قال: إن الله غفر لفلان وعذب فلان).
فأنت إذا شهدت لأحد بأنه شهيد، فقلت: فلان الشهيد.
هذا قطع بالشهادة لواحد أنت لا تدري أهو شهيد حقاً أو لا؟ أنت عند أن تقول: محمد شهيد، إبراهيم شهيد، زيد شهيد، هذا قطع له بأنه من أهل الجنة؛ لأن الشهداء يقيناً في الجنة، وأنت تضمن له الجنة بطريق إثبات الشهادة، وهذا تأل على الله ، ولكنك تقول: أرجو أن يكون فلاناً عند الله شهيداً.
لذلك من اعتقاد أهل السنة: أنهم يرجون للطائع المغفرة والجنة، ويخافون على العاصي، ويتمنون ألا يؤاخذه الله، وأن يمنَّ عليه بالتوبة قبل الموت.
هذه عقيدة أهل السنة.
عقيدة أهل السنة: أنهم لا يقطعون لواحد بالشهادة، وبالتالي لا يقطعون له بالجنة، إلا ما جاء الشرع بالقطع لهم بأنهم من أهل الجنة، والذين شهد الشرع لهم بأنهم من أهل الجنة، وهم ليسوا عشرة فحسب، بل هم أكثر من ذلك، فالعشرة مذكورون في الحديث، وأنتم تعلمون أن عكاشة ليس من العشرة، كما في الحديث لما قام إلى النبي ﵊ وقال: (ادع الله يا رسول الله أن أكون من أهل الجنة؟ فقال: أنت من أهل الجنة.
فقام آخر وقال: ادع الله لي أن أكون من أهل الجنة.
قال: سبقك بها عكاشة).
أي: الأول الذي أسرع وبادر وقام فطلب هذا الطلب، ودعوة النبي ﷺ مستجابة، وغير ذلك ممن شهد لهم النبي ﵊ وهم كثرة.
الشاهد هنا: أننا لا نقول عن واحد بعينه: إنه شهيد، ولكن نرجو له أن يكون شهيداً، ولذلك جاء في الصحيح: أن رجلاً حارب مع النبي ﵊ في غزوة من الغزوات فبذل بذلاً عظيماً، وجاهد جهاداً عظيماً حتى افتتن به بعض الصحابة، فقالوا: يا رسول الله! والله إننا نرى أن فلاناً من أهل الجنة.
قال: والله إنه من أهل النار، فانزعج الصحابة أيما انزعاج، ولكنه الصادق المصدوق ﵊، وكان قد تبعه أحدهم حتى أصيب بسهم فلم يصبر على جرحه فوضع ذبابة سيفه في صدره، واتكأ عليها فخرج السيف من ظهره فمات، فلما رأى الرجل ذلك ذهب إلى النبي ﵊، وقال: يا رسول الله! أرأيت الذي قلنا عنه كذا، وقلت عنه: إنه من أهل النار، قد فعل بنفسه كيت وكيت، فقال النبي ﵊: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر)، فسماه فاجراً مع أنه مجاهد، بل عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين كان يجاهد مع النبي ﵊، فلو تصورنا أن عبد الله بن أبي قتل في غزوة هل يكون شهيداً؟
الجواب
لا.
لما سئل النبي ﵊: (الرجل يجاهد شجاعة، ويجاهد حمية، ويجاهد ليرى مكانه).
فكل هذه نيات، صحيح أنك تقف في صف الجهاد، تجاهد العدو تبتغي بذلك مرضاة الله وتبتغي بذلك رفع لواء راية التوحيد، والذي بجانبك من هذه الناحية يجاهد من أجل أهله، من أجل أن يقولوا: أرسلنا من قبلنا فلاناً يجاهد، ويقولوا: الشهيد فلان، ومسجد الشهيد فلان، وشارع الشهيد فلان، ويقول: لو أني قتلت سموا الشارع باسمي والمدرسة باسمي والمستشفى.
هذه وصيتي لكم.
والذي بجانبه يجاهد حمية، هو تارك للصلاة والصوم والزكاة، لكن يعز عليه أن اليهود ماكثين في سيناء، أليست هذه بلدنا؟ نعم.
المطلوب أن العدو يخرج منها، فأنا أجاهد اليهود حتى آخر نفس لأخرجهم من أرضي، ليس من أجل الإسلام، وليس من أجل راية التوحيد وليس من أجل الله، في اعتقاده أن هذه أرضنا ولابد أن يخرج اليهود منها.
إذاً: أليس هذا حمية؟ فالذي لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يعرف أي شيء عن دينه، فلو مات في المعركة أتقول عنه شهيداً؟ (الرجل يجاهد حمية، ويجاهد رياء، ويجاهد ليرى مكانه)، من أجل أن
стр. 182
عقيدة الثوري في مسائل من فقه الفروع
قال: [يا شعيب بن حرب لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين].
نحن قلنا قبل ذلك بأن هذه القضية من مسائل فقه الفروع، وليست من مسائل الاعتقاد، لكنها لما دخلت في عقيدة فرقة خالفت أهل السنة كان لابد للرد عليهم من إثبات أن هذا من اعتقاد أهل السنة والجماعة.
قال: [حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك].
قال: [يا شعيب بن حرب ولا ينفعك ما كتبت حتى يكون إخفاء (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة أفضل عندك من أن تجهر بهما].
وهذه كذلك من مسائل الفروع، واعلم أن هذه القضية عند أهل السنة والجماعة من مسائل الخلاف في الفروع لا في الاعتقاد، ولا ندري ما الذي حمل سفيان على أن تكون هذه المسألة عنده من مسائل الاعتقاد.
يعني: المالكية والأحناف وهو المذهب الظاهر في العراق في ذلك الوقت على يد أبي حنيفة: أن الجهر بالبسملة في الصلاة سنة، وقراءتها واجبة في الفرض والنفل في كل ركعة، في الصلاة السرية والصلاة الجهرية، ولكن الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية محل خلاف بين أهل العلم، وقال باستحباب الجهر الأحناف، وقال: بوجوب الجهر بالبسملة المالكية، وجمهور أهل العلم يقولون: باستحباب الإسرار بها.
وهذه من مسائل الفقه وهي محل خلاف حتى عند أهل السنة والجماعة، وأنا لا أدري ولم أسمع جواباً مرضياً في بيان سبب إدراج هذه المسألة ضمن مسائل الاعتقاد عند سفيان يرحمه الله.
стр. 183
عقيدة الثوري في القدر
قال: يا [شعيب بن حرب لا ينفعك الذي كتبت حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، كل من عند الله ].
إبليس الذي هو رأس الشر على الإطلاق خلقه الله ، فلو أنك قلت: إن الخير خلقه الله ولم يخلق الشر مع وجود الشر؛ فلابد أن تقول بخالق ثان غير الله ، ولكن الخير والشر مخلوق لله .
بمعنى: أن الله تعالى خلق الخير وخلق الشر، ولكن الله خلق الخير وأراده إرادة شرعية وكونية، وخلق الشر وأراده كوناً ولم يرده شرعاً.
مثلاً: نهى الله ﵎ عن القتل في كتابه، ونهى عنه رسوله في سنته، ولكن هل يمكن للقاتل أن يتحرك من بيته، وأن يسل سيفه، وأن يرفع يده، وأن يضرب بها المقتول حتى يقتله بغير إذن الله، وبغير إرادة الله؟ لا.
إذاً! نقول: إن كل ما يقع في الكون بإرادة الله ، ولكن منه ما يريده الله شرعاً، ومنه ما يريده الله كوناً ونهى عنه شرعاً وهو الشر، فالخير والشر مخلوق لله، بمعنى: أن الله تعالى هو الخالق للخير والخالق للشر، فأنت لابد وأن تؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن ذلك كله من عند الله .
أيضاً ليس لك حجة في أن تحتج بالقدر على معصية الله.
يعني: لا تقل: أنا قتلت فلاناً بقدر الله.
المعلوم أن كل ما يقع في الكون هو بقدر الله ومنه القتل، ولكن الذي قدر عليك القتل قدر عليك الحد، ولذلك أتى رجل قد سرق إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: لم سرقت؟ قال: أتحاسبني يا أمير المؤمنين على أمر قدره الله علي؟ قال: نعم.
إن الذي قدر عليك السرقة هو الذي قدر عليك الحد.
وأقام عليه الحد، فلا يجوز لأحد أن يحتج بقدر الله على معصية الله.
قال: [يا شعيب بن حرب والله ما قالت القدرية ما قال الله ولا قال الرسول، ولا قالت الملائكة، ولا قال أهل الجنة، ولا قال أهل النار، ولا قال أخوهم إبليس عليه لعنة الله].
يعني: القدرية قالوا شيئاً لم يقل به كل هؤلاء! وتصور أن فرقة من الفرق تخترع قولاً لم يقل به إبليس فضلاً أن الله لم يقله ولا قاله الرسل والأنبياء، ولا الملائكة ولا أهل الجنة ولا أهل النار، كذلك إبليس عليه لعنة الله لم يقل هذا القول؛ لأن إبليس لا يجرؤ على ذلك؛ أما القدرية فقد قالوا: إن الله لا يعلم أي شيء عن أي عمل أو فعل إلا إذا وقع الفعل على الحقيقة.
يعني: نحن الآن بعد خمس دقائق بالضبط ماذا سيكون وضعنا وحالنا؟ أنعرف هذا الشيء؟ لا.
ولا نستطيع معرفة أننا سنغمض أعيننا أو نفتحها، وإذا تنفسنا هل نخرج النفس؟ وإذا أخرجناه هل نستنشقه مرة أخرى؟ نحن لا نعلم ذلك؟ لكن القدرية يقولون: إن الله لا يعلم أي شيء عن أي عمل ولا قول إلا إذا قيل وعمل! وهم بهذا ينفون علم الله السابق له ﵎، إن الله ﵎ علم ما كان وما يكون وما سيكون، وعلم كل شيء، فينفون صفة من ألزم الصفات الإلهية.
إذاً: الزعم بأن الله لا يعلم شيئاً بلوى عظيمة جداً لم يقل بها إبليس.
قال: [قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣]].
يعني: بعد أن أوتي العلم ضل به ولم يعمل بهذا العلم، واستخدمه في معصية الله؛ لأنه ليس بلازم أن يكون صاحب العلم صاحب هداية، فالهداية شيء والعلم شيء.
نعم.
العلم يدل على الهداية وهو الطريق إليها، لكن من كان يريد ألا يهتدي، ولا يريد أن يسلك طريق الهداية فلا ينفعه علمه، ولذلك يقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧].
يعني: الذين اختاروا لأنفسهم طريق الهداية، فالله ﵎ وفقهم لطريق الهداية والتقوى وزادهم تقوى وهدى: ((وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ))، يعني: الإنسان منا لابد وأن يختار طريق الهداية، ثم يوفقه الله للثبات والهداية والنور والاستقامة على الطريق المستقيم .
قال: [قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣]].
من ممكن أنه يهديه؟ لا أحد؛ لأن الهداية بيد الله، والضلال بيد الله .
يعني: الله أثبت لنفسه أنه بيده الهداية وبيده الإضلال.
[وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
وقالت الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢]].
يعني: صاحب العلم، والعليم الخبير هو الله ، وهو الذي علم الملائكة، ولا شك أن الذي يعلم غيره هو العالم وهو العليم ﵎، فإذا كان الله ﵎ علم خلقه العل
стр. 184
عقيدة الثوري في الصلاة خلف أمراء الجور
قال: [يا شعيب! لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر] أي: ترى جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر.
يعني: لو أن هناك صاحب بدعة، وآخر ظالم وطاغية، ولكن ظلمه وطغيانه وفجوره لم يؤد به إلى الكفر فتجوز الصلاة خلفه.
ولكن هل الصلاة تجوز خلف الكافر؟ لا تصح، فإذا فعل ما فعل، ولكن فعله لا يؤدي به إلى الكفر، فإن الصلاة تجوز خلفه، واعلم أنني أقول: تجوز، ولم أقل واجبة، ولا مستحبة، وإنما أقول: جائزة، هذا في عموم الصلوات، أما في صلاة الجمعة والعيدين والاستسقاء الذي لا يكون إلا بالإمام، فإذا كان الإمام ظالماً وطاغية، ولكن ظلم هذا الإمام وطغيانه لم يبلغ به حد الكفر، وأتى وصلى بنا العيد، فإننا نصلي خلفه.
السؤال
هذه الأفعال هل يكفر بها الساب والشاتم والظالم والباغي؟ أنت نفسك ستقول: لا.
ولو قلت: يكفر وكنت من أهل الاجتهاد سأقول لك: لا يلزمك الصلاة خلقه، ولا تصح صلاتك؛ لأن الصلاة لا تصح خلف الكافر؛ لأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، والكافر لا تصح صلاته لنفسه، وبالتالي لا تصح لغيره، أما الفاجر الذي لم يبلغ فجوره حد الكفر، فإن الصلاة خلفه في الجمعة والعيدين وفي محافل الناس ومجامعهم لابد وأنها واجبة درءاً للفتنة.
الحجاج بن يوسف الثقفي تعلمون أنه كان ظالماً، ولكن ظلمه في مذهب جماهير أهل العلم لا يكفر به، بل لا أعلم أن أحداً من أهل العلم كفره إلا الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام.
أليس كان الأولى أن يصدر الحكم بكفره من عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس؟ لأن هؤلاء كانوا يجلسون في المسجد الذي يخطب فيه الحجاج، وكان الحجاج من أفصح الناس وأكثرهم بياناً، وكان يصعد المنبر فيخطب الجمعة حتى يدخل وقت العصر، ولم يكن أحد من الصحابة ولا من غيرهم يجرؤ أنه يقول للحجاج: إن وقت العصر دخل؛ لأنه كان سينزل ويقطع رقبته.
إن الحجاج بلغ من فجوره أنه صعد المنبر في يوم الجمعة والصحابة في المسجد، ثم يقول: ما لي أرى رءوساً قد أينعت وحان قطافها! أرأيتم مثل هذا الإجرام؟! يعني: رءوساً استوت مثل الثمرة عندما تنضج وتغري الناظر ويحين قطافها، وكان عنده ختم حديد يضعه في النار حتى يحمر ويختم به الصحابة بين أكتافهم.
لماذا تعمل ذلك يا حجاج؟ قال: من أجل أن أميزكم عن بقية الناس.
أرأيت ماذا كان يعمل بالصحابة؟ ولذلك أنس بن مالك عندما جاء عليه الدور في الختم، قال: والله إن النصارى ليفعلون هذا برهبانهم، وأنت تفعله بأصحاب النبي ﵊، ولذلك قال النبي ﵊: (سيظهر في ثقيف -أي: في قبيلة ثقيف- كذاب ومبير) مبير يعني ظالم، فلما لقيت أسماء بنت أبي بكر الحجاج بن يوسف الثقفي وكلمها بغلظة، قالت: لقد بشرنا بك النبي ﵊ قال: (إنه سيظهر في ثقيف كذاب ومبير).
وأما الكذاب فهو المختار بن عبيد الثقفي الذي ادعى النبوة، وأما المبير فأنت يا حجاج، أنت الظالم الذي خرج في قبيلة ثقيف.
والصحابة ﵃ كانوا يصلون خلفه مع هذا الفجور والظلم؛ لأنهم يرون أن ظلمه لم يبلغ به حد الكفر، أما لو بلغ فلا ينبغي أبداً أن يتولى عليهم؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١].
فلا أحد من الكفار يتولى إمرة المؤمنين ولا حكم بلاد المسلمين؛ لأنه ليس للكافر ولاية على المسلم.
قال: [(يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى ترى أن الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر، وأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة مع كل بر وفاجر، وأن الصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل)].
جار.
يعني: ظلم وطغى وبغى أم عدل، فالصبر على إيذائهم أمر واجب.
[قال شعيب: (فقلت لـ سفيان: يا أبا عبد الله: الصلاة كلها؟)] يعني: نصلي خلف كل بر وفاجر جميع الصلوات؟ قال: [لا.
ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت].
وهنا لم يقل صلاة العيدين والجمعة على سبيل التنصيص والتحديد، بل مراده كل الصلوات التي يحتفل بها الناس ويجتمعون لها، وصلاة الاستسقاء كذلك، والخسوف أو الكسوف، فإن إمام البلد يصعد ويدعو جميع أهل القرية إلى مكان يسع أهل القرية ويصلي بهم ركعتين ويدعو.
إذاً: مادام السلطان فجوره وظلمه لم يبلغ حد الكفر وجب الصبر عليه، ولذلك قال: [وأن ترى الصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل ما لم يبلغ الكفر.
قال شعيب: (قلت لـ سفيان: يا أبا عبد الله: الصلاة كلها؟ قال: صلاة الجمعة والعيدين خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير، لا تصل إلا خلف من تثق به، وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة].
لأن الأمة بأسرها -أي: أهل الس
стр. 185
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - عقيدة الإمام الأوزاعي وابن عيينة وابن حنبل
تناول الإمام اللالكائي رحمه الله تعالى في كتابه العظيم: (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اعتقاد عدد من أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ومن هؤلاء الأئمة: الإمام الأوزاعي، والإمام ابن عيينة، والإمام أحمد بن حنبل، فبين اعتقادهم في كثير من مسائل العقيدة، خاصة المسائل التي لا يسع المسلم الجهل بها.
стр. 186
اعتقاد الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: ففي الدرس الماضي تكلمنا عن عقيدة الإمام العظيم سفيان الثوري، وتكلمنا عن ذلك في سبع مسائل: القرآن كلام الله غير مخلوق، تكلمنا عن الإيمان، قول وعمل ونية، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ثم تكلمنا عن اتباع السنن، ومعنى السنن في مسائل العقيدة: هدي النبي ﵊، ثم تكلمنا عن عدم القطع لأحد بالشهادة، وبينا أن هذا يستلزم القطع له بدخول الجنة، وهذا لا يجوز لأحد إلا ما ورد بالنصوص، ثم تكلمنا عن جواز المسح على الخفين مخالفة للشيعة، وتكلمنا عن الإيمان بالقدر، وتكلمنا عن جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر، وعلى كل بر وفاجر، فهذه هي النقاط الأساسية التي وردت في عقيدة الإمام العظيم سفيان الثوري.
وسنشرع الآن في عقيدة الإمام أبي عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الشامي، وهو إمام أهل الشام بلا منازع.
قال أبو إسحاق: [سألت الأوزاعي فقال: اصبر نفسك على السنة].
أي: وطن نفسك على التزام السنة، وإن وجدت في ذلك المشاق.
قال: [وقف حيث وقف القوم].
أي: كل ما وقف فيه السلف ينبغي علينا أن نقف عنده، وكل ما تكلموا فيه لنا أن نتكلم فيه، وما تورعوا عنه فإن الورع يلزمنا أكثر مما يلزمهم.
[وقل بما قالوا].
وخاصة في باب العقائد، وفي أسماء الله وصفاته، فإنهم آمنوا بها كما جاءت، وأمروها من غير خوض فيها.
[وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم].
قال: [وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة].
أي: بدعة خلق القرآن.
هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ وهذا الكلام إنما نشأ في العراق كما قلنا، وقوله: (وقد كان أهل الشام) باعتباره إماماً لهم.
قال: [حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق]، كما أخذ عمرو بن لحي الأصنام من الشام وأدخلها مكة وقال: اعبدوها؛ لأنه ما من ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة، وكذلك ما من بدعة -وإن كانت كفراً- إلا ولها رواد وأنصار وأتباع.
قال: [حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة بعدما ردها عليهم فقهاؤهم وعلماؤهم].
أي: بعد ما رد فقهاء وعلماء العراق هذه البدعة، ولم يكن لها رواج، وفضح أمر المعتزلة في بلاد العراق، ولما فضحوا وظهر عوارهم، وفساد منهجهم وفكرهم في أسماء الله وصفاته أخذ بعض شياطين الإنس هذه البدعة المفتراة الضالة من العراق وأدخلوها إلى بلاد الشام، فلا بد وأن تجد لها في بلاد الشام أنصاراً وأعواناً.
قال: [فأشربها قلوب طوائف من أهل الشام، واستحلتها ألسنتهم، وأصابهم ما أصاب غيرهم من الاختلاف فيه].
أي: أن نفس الفتنة التي وجدت في العراق قد انتقلت إلى الشام، ونفس الضلال الذي وقع فيه عامة أهل العراق هو نفس الضلال الذي انتقل إلى بلاد الشام.
قال الإمام الأوزاعي: [ولست بايس أن يرفع الله شر هذه البدعة حتى يصيروا إخواناً] متوادين كما كانوا قبل أن تدخل عليهم تلك البدعة.
قال: [ولو كان هذا خيراً -كأنه ينصح أهل الشام- ما خصصتهم به دون أسلافكم].
أي: ليس معقولاً أن هذا الخير العظيم يخزنه الله عن نبيه وعن صحابة رسوله ثم أنا أطلعكم عليه! إن هذا لا يعقل.
قال: [فإنه لم يدخر عنهم خيراً خبئ لكم دونهم لفضل عندكم -أي: أنتم لستم بأفضل منهم حتى يخصكم بنعمه حرمهم منها وهم أصحاب نبيه ﷺ الذين اختارهم وبعثه فيهم، ووصفه بما وصفهم به فقال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح:٢٩]].
فهذا ملخص عقيدة الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى، وقد تكلم في قضايا معينة، ولذا ليس بلازم إذا سئل الإمام عن عقيدته أن يسرد جميع مسائل العقيدة، بل يذكر المسائل التي ينبني عليها العمل، أو التي تموج بها البلاد، أو التي ظهرت بها الفتنة، كالمسائل التي كانت غائبة عن أهل الشام ودخلت إليهم من قبل أهل العراق، فبين لهم الأوزاعي أنهم على الجادة في كل شيء، إلا في هذه المسألة، فإنهم قد خرجوا عن الهدى وعن الصراط المستقيم.
стр. 187
اعتقاد الإمام ابن عيينة رحمه الله تعالى
سفيان بن عيينة الإمام الكبير، مولده كوفي، لكنه تحول بعد ذلك واستقر في مكة، وهو وسفيان الثوري فرسي رهان، وعليهما مدار السنة، وهما من شيوخ الإسلام والأئمة العظام، فإذا كان في إسناد أحد السفيانين والإسناد إليه ثقة أو ثقات فدونك هو.
قال: [قال بكر بن الفرج أبو العلاء: سمعت سفيان بن عيينة يقول: السنة عشر مراتب فمن كن فيه فقد استكمل السنة، ومن ترك شيئاً منها فقد ترك السنة: إثبات القدر].
وأنتم تعلمون أن فرقة بأسرها خرجت عن حد الاعتدال والسنة بسبب قولها في القدر، فأنكرت القدر، وأنكرت علم الله ﵎، وأنكرت الكتابة.
قال: [وتقديم أبي بكر وعمر].
أي: على سائر الأمة بمن فيهم عثمان وعلي ﵄، بينما الشيعة قدموا علياً على أبي بكر وعمر، وقالوا: بأنه أولى بالخلافة منهما، ولذلك فالشيعة ليسوا من أهل السنة، فمنهم من هو من أهل القبلة، ومنهم من هو خارج لا له في القبلة ولا في غيرها.
وقد قلنا في الدرس الماضي: إن الخلاف وقع بين بعض علماء السنة في التفاضل بين عثمان وعلي.
وأقول: في التفاضل لا في الخلافة؛ لأن أهل السنة قاطبة مجمعون على أن الخلافة على الترتيب المعهود لدينا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، لكن وقع التفاضل بين الإمامين عثمان وعلي، فمنهم من قال: علي أفضل من عثمان، وجمهور أهل السنة: على أن عثمان أفضل من علي، كما استقر رأي جمهور أهل السنة على أن المفاضلة بين الأئمة الأربعة هي على نفس ترتيب الخلافة.
قال: [والحوض]، وللنبي ﵊ حوضاً طوله كعرضه، ومسيرته مسيرة شهر، وكأن ابن عيينة رحمه الله تعالى أراد أن يؤكد على مسائل الغيب.
ثم قال: [والشفاعة].
أي الشفاعة بجميع أنواعها؛ لأن الله ﵎ يأمر بإخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من خير من النار.
وقيل: من إيمان.
فيأمر الله ﵎ بهم أن يخرجوا من النار بعد أن امتحشوا فيها.
أي: بعد أن حرقوا فيها بالنار فصاروا حمماً وفحماً، فيؤمر بهم فيلقون في نهر الحياة على باب الجنة، فينبتون في هذا النهر كما تنبت الحبة في حميل السيل، وذلك كما إذا ألقى شخص حبة في ذلك الزبد الذي يطوف على سطح الماء، لكن بجوار الشط، فإنها تنبت صفراء ملتوية، وهؤلاء من أهل المعاصي، أما الكافر فإنه مخلد في النار أبد الآبدين، ولا يخرج منها قط، والنار لا تفنى ولا تبيد.
وهناك شفاعات أخرى غير شفاعة النبي ﵊، ومنها: شفاعة أهل الإيمان، وشفاعة الملائكة، وشفاعة الولدان الذين لم يبلغوا الحلم ولم يجر عليهم القلم، وغير ذلك من أنواع الشفاعات، فـ سفيان بن عيينة جعل الإيمان بإثبات الشفاعة، وأنها حاصلة يوم القيامة، وهي من علامات استقامتك على السنة.
قال: [والميزان، والصراط، وأن الإيمان قول وعمل، والقرآن كلام الله، وعذاب القبر، والبعث يوم القيامة، ولا تقطعوا بالشهادة لأحد من المسلمين].
стр. 188
اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى
стр. 189
أصول السنة عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى
أصول اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل طويلة وعظيمة، ولا تخرج عن أصول من ذكرنا، لكنها تطول، فقد سأل عبدوس بن مالك العطار -وهو من تلاميذ أحمد المقربين- الإمام أحمد عن السنة فقال كلاماً عظيماً جداً، ألا وهو: [أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ]، فهو رحمه الله تعالى لم يذكر فرعيات العقيدة، وإنما ذكر كليات وأصول في العقيدة.
قال: [أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب النبي ﷺ ، والاقتداء بهم -لأنهم الأسوة والقدوة- وترك البدع وكل بدعة ضلالة، وترك الخصومات].
أي: ترك الخصومات والجدال في الدين؛ لأن هذا ليس من علامات أهل السنة، وإنما هو من خصال ومزايا وصفات أهل البدع.
قال: (والجلوس -أي: وترك الجلوس- مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال، والخصومات في الدين)].
стр. 190
عقيدة أحمد بن حنبل في السنة
قال: [والسنة عندنا: آثار رسول الله ﷺ ]، أي: إذا كانت أصول السنة عند الإمام أحمد هي التمسك بما كان عليه النبي وأصحابه، فما هو الذي كان عليه النبي وأصحابه؟ إنها الآثار التي وردت إلينا بالأسانيد الصحيحة.
стр. 191
عقيدة ابن حنبل في تفسير القرآن
قال: [والسنة تفسر القرآن، وهي دلائل القرآن].
ولذلك أعظم التفاسير: أن يفسر القرآن بالقرآن والسنة، ومن الأخطاء الشائعة: أن يقول بعض الناس: أعظم التفسير: أن يفسر القرآن بالقرآن، ثم يقول: أو يفسر القرآن بالسنة، فيجعل السنة في مرتبة متأخرة عن القرآن، وهذا خطأ، ولذلك حكم أهل العلم من المحدثين كـ البخاري ﵀ على حديث معاذ بن جبل لما أرسله النبي ﷺ إلى اليمن بأنه حديث منكر من جهة المتن، أما سنده فإنه ضعيف؛ لأن أصحاب معاذ الذين رووا عنه هذا الحديث ضعفاء، ونكارته من جهة أنه جعل ترتيبة للاجتهاد: القرآن، فإن لم يجد الحكم في القرآن انتقل إلى السنة، وكأنه يريد أن يقول: إنه لا حاجة لنا إلى السنة ما دامت بغيتنا موجودة في القرآن، وهذا كلام خطأ بلا شك.
والصحيح: أن تعتقد أن السنة لزيمة للقرآن، وقرينة له في الاحتجاج والإيمان، فلا يجوز أبداً أن نؤخر السنة عن القرآن.
نعم يجوز لنا أن نؤخر الرأي، بل يجب علينا أن نؤخر الرأي إذا كان مع السنة، ولذلك المقطع الثاني من الحديث ربما يكون منضبطاً، قال: (فإن لم تجد في السنة؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو).
فالسنة مقدمة على الرأي بلا شك، لكن هل القرآن يقدم عليها؟
الجواب
لا.
لأنهما متلازمان، فلا يجوز تقديم أحدهما على الآخر، وإلا لو قدم القرآن لزم أن نرد السنة، ولو قدمنا السنة لزمنا أن نرد القرآن.
إذاً: أعظم التفسير وأحسنه: أن يفسر القرآن بالقرآن والسنة في وقت واحد.
стр. 192
عقيدة ابن حنبل في ضرب الأمثال بالسنة
قال: [وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال].
أي: إذا أخبرتك بحديث فلا تقل لي: لكن المثل يقول كذا! طيب ما هو رأيك لو عملنا كذا! طيب العقل يقول كذا! والكتاب يقول كذا! أبداً هذا كلام لا يجوز أبداً لمسلم أن يتفوه به في مقابل السنة الصحيحة، وهي لا تدرك بالعقول ولا الأهواء، ولكن بالاتباع وترك الهوى.
فلو أننا -مثلاً- نظرنا إلى قول النبي ﵊: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر).
وعرضنا هذا النص على العقل فإنه لا يقبله.
والحوض الذي طوله مثل عرضه، ومسيرته مسيرة شهر، لا يقبله العقل كذلك، ومسائل كثيرة جداً من أمور الغيب، لو عرضناها على العقل فإنه لا يقبلها، كعذاب القبر، ومشاهد يوم القيامة، والجنة والنار، وغيرها من المغيبات، ولذلك لو كان الدين بالعقل لرددناها، والعرض على العقول ليس منهجاً لأهل السنة، وإنما هو منهج المعتزلة، ولذلك جعلوا العقل هو الميزان الأعظم الذي توزن به الأعمال، بل أقول: الذي توزن به النصوص، فإذا وافق النص بعد عرضه على العقل العقل أخذوا به وقالوا به؛ لأنه يدخل في حد عقولهم، وإذا خالف النص العقل ردوه، أو أولوه تأويلاً يتناسب مع العقل، أما أهل السنة فإن ظهرت لهم الحكمة من كلام الله ومن كلام رسوله فخير ونعمة، وإن لم تظهر لهم آمنوا به وسلموا دون نزاع وجدال وخصومات.
стр. 193
عقيدة ابن حنبل في الإيمان بالقدر
قال: [ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه]، أي: التصديق بالأحاديث التي وردت إلينا بالسند الصحيح في إثبات القدر لله ، قال: [والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؟] أي: لم قال الله كذا؟ وكيف قال الله كذا؟ ولذا لابد أن تؤمن بالقدر، وأن تسلم لله بأقداره المؤلمة وغيرها دون أن تقول: لم كذا؟ وكيف كذا؟ قال: [إنما هو التصديق بها والإيمان بها].
قال: [ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كفي ذلك وأحكم له، فعليه الإيمان به، والتسليم له، مثل حديث الصادق المصدوق]، وهو حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثني النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق؛ لأن الأمر أكبر من عقل ابن مسعود، فأراد أن يقول لك ابن مسعود: أنا صدقت النبي ﵊ في هذا وإن كان فوق حد عقلي، فقدم أنه مصدق بهذا الكلام؛ لأنه صادر عن الصادق ﷺ ، أنه ﵊ قال: (إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفه)، إلى آخر الحديث.
ثم قال: [وما كان مثله في القدر].
стр. 194
عقيدة ابن حنبل في الرؤية
قال: [ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع، واستوحش منها المستمع].
أي: أنه حين يعرض هذه المسائل على العقل فيقول: أنا أنظر إلى الله! كيف ذلك؟! وأين ربنا؟ وما أوصافه؟ فإنه ربما قد ينحرف ويضل، لذا يجب أن يؤمن بأنه سوف يرى الله بعيني رأسه، أما كيفية الرؤيا فلا يعلمها إلا الله ؛ لأنك لو رأيت الله ﵎ وأنت على حالتك البشرية الآن لخررت ميتاً، لذا فالله ﵎ يعطيك يوم القيامة مؤهلات معينة تؤذن وتسمح لك بالنظر إلى وجه الله الكريم، وهذه المؤهلات لا نعرفها أبداً، لكننا نؤمن بها ونسلم بها، وعليه فالمسألة إذا أتت في كتاب الله أو في سنة النبي ﵊ أكبر من العقل فليس للمسلم غير التسليم والتصديق، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١]، وهذا شعار ومبدأ ينبغي أن يكون منهجنا ومسلكنا في ديننا على جهة الخصوص.
قال: [ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع، واستوحش منها المستمع -أي: استنكرها واستغربها- فإنما عليه الإيمان بها، وألا يرد منها جزءاً واحداً ولا حرفاً واحداً، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات].
стр. 195
عقيدة ابن حنبل في الجدل والخصومة
قال: [لا يخاصم أحداً ولا يناظره، ولا يتعلم الجدل، فإن الكلام في القدر والقرآن وغيرها من السنن مكروه منهي عنه، ولا يكون صاحبه -وإن أصاب بكلامه السنة- من أهل السنة حتى يدع الجدل ويسلم].
قد قلنا سابقاً: إن من الخطورة بمكان أن تخاصم وأن تجادل في دين الله ، وخاصة إذا لم تكن من أهل العلم، وأن أصحاب الخصومات هم أصحاب الأهواء، وكلما أتى واحد بهوى هو أعظم من هواهم تركوا هواهم لهواه، وكلما أتى بحجة هي أعظم من حجتهم تركوا ما كانوا عليه لحجته القوية، فهم كل يوم في تقلب، وكل يوم في بدعة جديدة، وكل يوم في هوى جديد؛ لأنهم لا يسيرون على الأصول الثابتة التي جاءت من عند الله ، ومن عند رسوله الكريم ﷺ ، وقد أتى رجل من الخوارج وقال لـ ابن عباس: الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم.
وكأنه يريد أن يوقع بـ ابن عباس، لكن هذا الحبر والبحر قال: كل هوى ضلالة.
أي: أن المسألة ليست بالهوى، بل بالاتباع والاقتداء.
стр. 196
عقيدة ابن حنبل في القرآن الكريم
قال: [ويؤمن بالآثار، والقرآن، وأنه كلام الله وليس بمخلوق، ولا تضعف أن تقول: ليس بمخلوق]؛ لأن الوقوع فيها كفر، وذلك إذا وقعت فيها عالماً بخطورتها، غير مكره ولا مجبر عليها، أما إذا كان الأمر غير ذلك فإنك إن شاء الله تعالى معذور.
ومن العجيب أن مسألة خلق القرآن هذه لا يوجد له ظل، والأمراء والسلاطين والحكام في وادي آخر ليس لهم علاقة بالقرآن ولا بالسنة، والقضية لا تعنيهم، بل لا يعرفها كثير من أهل العلم والدعاة والمشايخ، فلا يعرفون ما معنى القرآن كلام الله غير مخلوق، ولو سألت أحدهم فقلت له: القرآن مخلوق أو غير مخلوق؟ لقال لك: القرآن مخلوق؛ لأنه إذا لم يكن مخلوقاً فماذا سيكون؟ على الرغم أنه شيخ كبير جداً.
ونحن نرى بعض الناس إذا حلف على شيء وضع يده على القرآن وقال: ورب هذا القرآن -ثلاث مرات- فإذا كان الله ﵎ هو رب هذا القرآن فيلزم من ذلك أن يكون القرآن مربوباً -أي: مخلوقاً- ومن هنا فكأنه يقول: إن القرآن مخلوق؛ لأنه لا يعرف شيئاً، فهو حلف على المصحف ولم يدر ما تبعة ذلك.
قال: [ولا تضعف أن تقول: ليس بمخلوق، فإن كلام الله منه -أي: منه بدأ- وليس منه شيء مخلوق، وإياك ومناظرة من أحدث فيه].
أي: من قال: بأنه مخلوق، فلا تجادله ولا تخاصمه، والعجيب أنك قد تجد نصرانياً في الشارع فتسأله: هل عيسى ابن الله؟ فيرد عليك مغضباً: يا شيخ! إن أردت أن تسأل عن شيء في الدين فاذهب إلى الكنيسة واسأل الأسقف، أما أنا فلا تسألني عن شيء من الدين، ويهرب منك، بينما الواحد منا لا يعرف أي شيء، بل لا يعرف أن يتوضأ وأن يصلي، ويقول: أعرضوا علي ما عندكم، فو الله ما تسألوني عن شيء من أمر الدنيا والدين إلى قيام الساعة إلا وسأفتيكم فيه قبل أن أقوم من مقامي هذا! قال: [وإياك ومناظرة من أحدث في القرآن، ومن قال باللفظ وغيره].
هذه مسألة فرعية، وقد ظهرت في العراق كما ظهر أصل الاعتزال في بلاد العراق، وذلك لما تعرضوا لمسألة القرآن: أهو مخلوق أم غير مخلوق؟ فماجت البلاد بهذه الفتنة، واختبر بها العباد وخاصة أهل العلم، كالإمام البخاري عليه رحمة الله تعالى، وذلك لما خرج من بخارى ودخل العراق، فقال أهلها: سوف نختبر البخاري: هل القرآن مخلوق أم لا؟ فسألوه ذلك بدل أن يستفيدوا منه، ولو أجاب عليهم: بأن القرآن مخلوق، فإنه سيكون له أتباع وأعداء، ولو قال: إنه غير مخلوق، فإنه سيكون له أيضاً أتباع وأعداء، ففي كل الأحوال لا بد وأن تقوم الفتنة، فأجاب فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، ثم أتوا مرة أخرى للبخاري بعد أن سلموا له في الأولى، وقالوا له: ماذا تقول يا إمام في اللفظ؟ هذه بلوى جديدة، وما دام أنه نجح في الأولى فلا بد أن يقع في الثانية.
فقال ﵀: لفظي بالقرآن مخلوق.
فأحدثوا ضجة عظيمة، وانصرفوا في الشعاب والأودية يقولون: يقول البخاري: القرآن مخلوق، مع أنهم سألوه عن اللفظ ولم يسألوه عن القرآن، حتى طردوه من العراق، ثم دخل نيسابور، وكان أول ما دخل نيسابور قال محمد بن يحيى الذهلي: عليكم بهذا الرجل، فإنه لن يدخل في بلدكم أفضل منه، وليس هناك أعلى منه إسناداً، فخرجت نيسابور عن بكرة أبيها تستقبل البخاري حتى أدخلوه المدينة، ثم أخذ الناس في حضور مجلسه وترك مجلس إمامهم محمد بن يحيى الذهلي، وقد كان من أعظم تلاميذ محمد بن يحيى الذهلي الإمام مسلم، فقد أخذ يحضر عند الإمام البخاري، وترك مجلس شيخه الذهلي، ثم بعد مرور فترة من الزمن جاء الحسد والغيرة عند الذهلي، فأخذ يفكر في إخراج البخاري من نيسابور، فكتب الذهلي رسالة وأرسلها إلى السلطان قال فيها: إن فلاناً قد فتن القوم، وإنه يقول: إن القرآن كلام الله ليس مخلوقاً؛ لأن الاعتزال كان ظاهراً، وكان هو دين السلطة في ذلك الوقت، فلما وشى به عند السلطان أمر البخاري أن يترك البلاد، فجهز متاعه وأدلج ليلاً، وفي اليوم الثاني حضر مسلم مجلس الذهلي، وامتلأ المجلس إلى آخره، لكن الإمام الذهلي أراد أنه يصفي حساباته مع البلد كلها خاصة الإمام مسلم، فقال: من قال بقول البخاري في القرآن فليعتزل مجلسنا.
فعرف الإمام مسلم أنه هو المقصود، والإمام مسلم في الحقيقة كان سريع الغضب حاد المزاج، فكان أول ما سمع هذه الكلمة من الذهلي وقف قائماً في وسط الطلاب، ووضع عمامته على كتفه وخرج من المجلس، ولما رجع إلى البيت برك بعيراً وحمله وقره مما كتبه عن الذهلي.
ولك أن تتصور أن الإمام مسلم قد أخذ عن الذهلي ما يملي دفاتر تبلغ حمل بعير، وأمر الجمال أن يدفع هذه الكتب إلى الذهلي
стр. 197
عقيدة ابن حنبل في رؤية النبي ﵊ لربه ليلة المعراج
قال: [ومن وقف فيه فقال: لا أدري أمخلوق أو ليس بمخلوق؟ فإنما هو كلام الله وليس بمخلوق].
قال: [والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي ﵊ من الأحاديث الصحاح وأن النبي ﷺ قد رأى ربه، وأنه مأثور عن رسول الله ﵊ صحيح].
لا شك أن رؤية الله ﵎ محالة في الدنيا على العموم والإطلاق، أما رؤية النبي خاصة لربه فالمقطوع به: أنه ﵊ رأى ربه في المنام، وقد روي ذلك في مسند أحمد من حديث اختصام الملأ الأعلى، أما رؤيته لربه في الدنيا بعيني رأسه فهي محل خلاف بين الصحابة ﵃، وهذا الخلاف لا يبدع به المخالف؛ لأننا لم ندر من المخالف، فمنهم من يقول: إنه رآه بفؤاده.
ومنهم من يقول: إنه رآه بعيني رأسه، وعائشة ﵂ تقول: من حدثكم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.
والنبي ﵊ لما سئل هل رأيت ربك؟ قال: (نور أنى أراه؟).
أي: نوراً كيف أراه؟ كما وردت آثار بإثبات رؤية النبي ﷺ -في حديث ابن عباس - لربه في ليلة المعراج، فمن الصحابة من أجرى هذا النص على ظاهره وقال: إن النبي قد رأى ربه عياناً.
أي: رآه بعيني رأسه.
وجمهور أهل السنة ينفون هذه الرؤية بعين الرأس، ويثبتونها بالفؤاد والقلب، ويؤولون رؤيته ﵊ لربه في ليلة المعراج بأنها رؤية الفؤاد لا رؤية العين.
وأما الرؤية لله يوم القيامة وفي الجنة فإنها تكون بعين الرأس، وذلك لكل من دخل الجنة، ولأهل الإيمان في الموقف وفي المحشر، ويحجب عن ذلك الكفار، فلا يرون الله .
قال: [رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس.
ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس.
والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي ﵊، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا تناظر فيه أحداً].
стр. 198
عقيدة ابن حنبل في الميزان
قال: [والإيمان بالميزان، كما جاء: (يوزن العبد يوم القيامة)].
والرواية الصحيحة: (يزن الله ﵎ العبد يوم القيامة فلا يوزن عنده جناح بعوضة).
ولا شك أن هذه الأعمال التي توزن من الأمور المعنوية، مع أن الأمور المعنوية لا وزن لها في الأصل، بل الذي يوزن الأمور المحسوسة؛ لأنه لا يتصور أن تأتي بهواء وتضعه في كفة الميزان! فالأعمال هذه شيء معنوي ليس محسوساً، لكن كيف توزن؟! سلمها لله ؛ لأن الله ﵎ قادر على ذلك، فهو قادر على أن يجعل للأعمال وزناً، فيكون لها ثقلاً وخفة، ولا نعرف كيفية ذلك، بل لا يلزمنا ذلك؛ لأن من أصول السنة عندنا: التسليم والتصديق، وكما أخبرنا الله تعالى بأنه يزن الأعمال فأيضاً يزن العبد بعمله، هذا العبد بلحمه ودمه وعظمه شيء محسوس يوضع في الميزان، فيزن أو يطيش، وهذه بالنسبة لنا ليس فيها إشكال، لكن العبد طاش أول ما وضع في الميزان؛ لأنه لا يزن عند الله جناح بعوضة، لأن الرجل يوزن بعمله وإيمانه، أو بإيمانه وعمله؛ لأن العمل يأتي بعد الإيمان، أليس كذلك؟ بلى.
أولاً: أن الله ﵎ قادر على أن يزن الأعمال وإن كانت شيئاً غير مادي؛ لأن هذا له، وهو سبحانه إذا أراد شيئاً إنما يقول له كن فيكون.
ثانياً: أن العبد يأتي يوم القيامة - طول وعرض - لا يزن عند الله جناح بعوضة، فلو وضعت جناح بعوضة في كفة ووضعت هذا العبد البغل في كفة أخرى، لرجحت كفه جناح البعوضة، والله ﵎ يزن العبد ومعه العمل.
ثالثاً: أن الله ﵎ يأمر الأعمال أن تتجسد -أي: تأتي في صورة محسوسة- فتوضع في الميزان فيكون لها وزناً, لكن المسألة الإيمانية التي نريد أن نؤكد عليها في وزن الأعمال: أن الله ﵎ إذا أراد أن يزن هذه الأعمال فإنه قادر على ذلك، وعلى النحو التي كانت عليه، سواء كانت محسوسة أو غير محسوسة.
стр. 199
اعتقاد ابن حنبل بتكليم الله لعباده يوم القيامة دون ترجمان
قال: [والإيمان به، والتصديق به، والإعراض عمن رد ذلك وترك مجادلته].
قال: [وأن الله ﵎ يكلم العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان، والإيمان به، والتصديق به]، وهذا الأمر إن عرضته على العقل فإنه لا يتصوره، لكنه إخبار الذي لا ينطق عن الهوى، فقد جاء في حديث ابن عمر في الصحيحين أنه قال: (وإن العبد المؤمن يؤتى به يوم القيامة بين يدي ربه، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، يا عبدي! فعلت كذا يوم كذا وكذا، فيقول: نعم يا رب! ويسأله مرة ثانية وثالثة، والعبد يقول: نعم يا رب! حتى يظن العبد أنه قد هلك؛ لأن صحيفته كلها منشورة، ولا يستطيع أن ينكر منها شيئاً، وإلا ختم الله على فيه فتتكلم أعضاؤه وجوارحه، ثم يقول المولى : قد سترتها عليك في الدنيا واليوم أغفرها لك).
فهذا كلام مباشر بين العبد وربه؛ لأنه قال ﵊: (ليس بينهما ترجمان).
أي: ليس هناك أحد يترجم بين العبد وربه، وكل الناس إما أن يتكلموا بلغة واحدة لغة القرآن، وإما أن يخاطب الله ﵎ كل شخص كل على قدر فهمه وعقله.
стр. 200
عقيدة ابن حنبل في الحوض
قال: [والإيمان بالحوض، وأن لرسول الله ﷺ حوضاً يوم القيامة ترد عليه أمته، عرضه مثل طوله مسيرة شهر]، قوله: (مسيرة شهر) هل هو للراكب المسرع، أو البطيء، أو الذي يمشي على رجليه، أو الذي يركب دابة، أو غير ذلك؟ الله أعلم، وإنما نؤمن بأن هذا الحوض طوله مثل عرضه.
قال: [آنيته عدد نجوم السماء].
أي: أن أوانيه عدد نجوم السماء، وماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منه شربة واحدة لا يظمأ بعدها أبداً.
أي: لا يحتاج أن يشرب بعدها أبداً حتى في الجنة.
стр. 201
عقيدة ابن حنبل في عذاب القبر وفتنته
قال: [والإيمان بعذاب القبر -أي: الإيمان بإثبات عذاب القبر- وأن هذه الأمة تفتن في قبورها، وتسأل عن الإيمان، وعن الإسلام، ومن ربه؟ ومن نبيه؟ ويأتيه منكر ونكير، كيف شاء الله وكيف أراد.
والإيمان به والتصديق به].
وهذا الأمر أيضاً لو عرضته على العقل فإنه لا يتصوره، ولربما حار في ذلك، لذا يلزم العبد المسلم الإيمان والتسليم، وإلا ضل والعياذ بالله، والمعتزلة ما وقعوا في هذا الضلال إلا بسبب أنهم قالوا: لم؟ وكيف؟ وكذلك عندما نعرف قول النبي ﵊: (اللحد لنا والشق لغيرنا).
أي: أن الأصل أنك لا تدفن في قصر وغيرك أيضاً في العالية الواسعة، ووقتها ممكن نقول: إن منكراً ونكيراً سيأتون؛ لأن المكان سيسعهم، بينما اللحد صغير لا يمكن أن يسعهم! ثم لو أتى منكر ونكير فأين سيجلسون؟ وكيف سيكلمونه؟ وكيف يجلسون هذا الميت حتى يسألوه؟ إن كلمة (كيف) لا بد وأن تؤدي بك إلى الشك والاعتراض على كتاب الله وعلى سنة النبي ﵊، لذا يجب على المسلم تجاه هذه الأمور وأمثالها أن يؤمن ويسلم، فهذا جبريل ﵇ له ستمائة جناح، والجناح الواحد يسد الأفق ما بين السماء والأرض، فلو أنه ظهر على حالته هذه وأخذت تنظر في السماء فلن ترى شمساً ولا قمراً ولا نجوماً ولا أي شيء؛ لأنه قد سد الأفق، وحجب الرؤية عن السماء، فهل أيضاً ستقول: كيف ذلك؟ وكيف أن جبريل يأتي في صورة رجل؟ فيسأله النبي الكريم عن الإيمان والإحسان، والصحابة ينظرون إليه.
إذاً: كلمة (كيف) تصدر من جاهل ضارب في أعماق الجهل وأطناب الجهل، وإما من إنسان شاك ومعترض على كل شيء، مثل: طه حسين، يقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) فيشك فيها، ويقول: لماذا بسم الله؟ لماذا لا تكون: باسمك اللهم؟ ومع ذلك لو كانت: باسمك اللهم يشك فيها أيضاً، ولقال: لماذا لم يكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم؟ ولذلك لم يثبت أن أحداً ممن ينسب للدين والعلم أهان كتاب الله وشك فيه كما شك فيه طه حسين، وقد كتبوا في جريدة الشعب قبل سبع أو ثمان سنوات أنه لما هلك هذا الأديب أخذت زوجته الفرنسية أولادها منه وانصرفت إلى بلدها، وبعد ذلك أتوا بخبر أن ابن طه حسين ذهب إلى الكنيسة وأعلن نصرانيته وارتد عن دين الإسلام، وغضبت الناس! مع أن أباه كان نفس الشيء، والولد أخذ ذلك من أبيه وأمه.
стр. 202
عقيدة ابن حنبل في خروج الدجال وقتل عيسى ﵇ له
قال: [والإيمان أن المسيح الدجال خارج ومكتوب بين عينيه: كافر].
أو (ك ف ر)، والمسيح الدجال أعظم فتنة منذ أن بعث الله تعالى نبيه إلى قيام الساعة، إن لم يكن هناك أعظم منها.
قال: [والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن -أي: لا بد وأن يكون- وأن عيسى بن مريم ﵇ ينزل فيقتله بباب لد].
فيكون التزامن والتعاصر حاصل بين خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵇.
стр. 203
عقيدة ابن حنبل في الإيمان
قال: [والإيمان قول وعمل يزيد وينقص كما جاء في الخبر (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)]، فمن كان خلقه حسناً فإيمانه أعلى من إيمان رجل ليس بحسن الخلق.
стр. 204
عقيدة ابن حنبل في حكم تارك الصلاة
قال: [من ترك الصلاة فقد كفر].
ولا شك أنه كافر، وقد اختلف أهل العلم في نوع كفره، والجميع -أي: الأمة بأسرها- أثبتوا أن تارك الصلاة كافر؛ لقوله ﵊: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).
وقال ﵊ في حديث جرير: (من ترك الصلاة فقد كفر وأشرك).
واختلافهم واقع في نوع الكفر: هل هو كفر عمل أو كفر اعتقاد؟ كفر يخرج به صاحبه من الملة أم لا يخرج؟ فقال الحنابلة وبعض أهل العلم: بأنه كافر خارج عن ملة الإسلام.
وقال جمهور علماء الأمة: أن كفره كفر عملي لا يخرج به صاحبه، وأنا أقول: يكفي تارك الصلاة عاراً أن أهل العلم اختلفوا فيه: هل هو مسلم أو كافر؟ قال: [ومن ترك الصلاة فقد كفر، وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة، من تركها فهو كافر وقد أحل الله قتله].
стр. 205
خير هذه الأمة بعد نبيها ﵊
قال: [وخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان] كما ورد ذلك عند البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر: كنا نخير بين أصحاب النبي ﵊ فنختار أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم يأتي من بعدهم علي بن أبي طالب.
قال: [نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا في ذلك.
ثم من بعد هؤلاء الثلاثة: أصحاب الشورى الخمسة: علي بن أبي طالب وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص كلهم يصلح للخلافة، وكلهم إمام.
ونذهب إلى حديث ابن عمر -في التفاضل-: كنا نعد -ورسول الله ﷺ حي وأصحابه متوافرون- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت.
ثم من بعد أصحاب الشورى: أهل بدر من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار من أصحاب النبي ﷺ ، على قدر الهجرة والسابقة، أولاً فأولا.
ثم أفضل الناس بعد هؤلاء: أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذي بعث فيهم.
كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه، ونظر إليه نظرة.
فأدنهم صحبة -أي: أدنى الصحابة، ولو بمجرد النظر فقط إلى وجه النبي ﵊ تثبت به الصحبة- هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال].
لأن صحابياً واحداً أفضل من القرن الذي يأتي من بعده، مع أن هناك فرقاً بين الأفضلية وبين العلم، فالصحابة أفضل من غيرهم من سائر الأمة، وهذا بالاتفاق، لكن فيهم من لم يطلب العلم، وغير الصحابة بلغوا ذروة العلم.
إذاً هناك في الأمة من هو أعلم من كثير من الصحابة، لكن من ثبتت له الصحبة فهو أفضل من هذا العالم وغيره ممن لم تثبت له الصحبة، ولا أقول: أعلم من كل الصحابة؛ لأن الصحابة كان فيهم أوتاد في العلم، إذ الواحد فيهم يربي أمة بأسرها، ولو كان ذلك بلحظه دون لفظه، وخير مثال على ذلك: القضايا العظيمة التي كانت تطرح على أبي بكر وعمر، فكان يحلها أحدهم بكلمتين أو ثلاث كلمات، بينما نحن قد نجلس نأخذ ونعطي فيها إلى يوم القيامة ولا نجد لها حلاً، فمثلاً: لو كانت قضية فلسطين هذه موجودة في زمن أبي بكر أو في زمن عمر لكانت حلت في وقتها، ولم يكن لها ظل، ونحن نعرف كيف فتحها عمر، لا سلام ولا أمان، ولا صحبة، ولا صداقة، ولا ديمقراطية، كل هذا الكلام كذب وخداع لهذه الأمم والشعوب الإسلامية، وهذا الكلام لن ينطوي أبداً على أبي بكر وعمر؛ لأن القرآن أخبره أن اليهود والنصارى لن ترضى عنه وعن المسلمين، فقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
أي: لا بد أن تكون يهودياً مثلهم، ولا بد أن تكون نصرانياً مثلهم، حتى يرضوا عنك.
стр. 206
عقيدة ابن حنبل في السمع والطاعة لكل أمير بر أو فاجر
قال: [والسمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين البر والفاجر].
أما البر فلبره وطاعته لربه، وأنه لا يأمر إلا بطاعة الله ورسوله، وإلا فلماذا وصف بالبر؟ لأنه ما من عمل يبر به كتاب الله وسنة رسوله إلا وهو مقبل عليه، فيأمر أمته وينصح لهم، وأما الفاجر فالطاعة له لازمة، والفجور هنا متوقف عند حد الفسق، أما الكفر فلا بد وأن تجتمع الأمة على خلعه، وتعيين إمام آخر وإن كان فاجراً، وتأثم الأمة بأسرها إذا لم تجتمع على خلعه؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١]، فلا يجوز لأحد من الكفار أن يتولى إمرة أهل الإيمان قط، فإن كان الإمام براً طائعاً عاملاً بالكتاب والسنة، آمر بهما، ناهياً عن غير ذلك، فإن الطاعة له واجبة، والطاعة واجبة للإمام الفاجر ما لم يبلغ فجوره حد الكفر؛ وذلك حقناً لدماء المسلمين، وجلباً للمصالح ودرءاً للمفاسد.
قال: [والسمع والطاعة للأئمة، وأمير المؤمنين البر منهم والفاجر، ومن ولي الخلافة فاجتمع الناس عليه ورضوا به.
ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين].
أي: أن الأصل أن مجلس الشورى يجتمع فيختار الخليفة، لكن في واقعنا اليوم: أن الرجل يدفع الرشاوى، ويسرق من هنا، ويؤلب من هناك، من أجل أن ينجح في الانتخابات، وهو شخص صعلوك، أو شخص هلفوت، لذا فالأصل أن يحمل الخليفة حملاً على تولي هذه المهمة والرسالة، ومن طلبها لا بد وأن يحرمها؛ لقول النبي الكريم: (إنا لا نولي هذا الأمر من طلبه).
لكن: شخص خرج بشلة وعصابة، وبين يوم وليلة جلس على الكرسي، وأصبحت السلطة بين يديه، والعدة والعتاد، ومن تكلم فيه بكلمة واحدة دمر البلد كله فوق رأسه، لذا نحن نسمع ونطيع حقناً لدماء الأمة كلها.
وتولية الخليفة إما عن طريق الاختيار والبيعة، وإما أن عن طريق القهر والغلبة، وفي الحالتين يجب السمع والطاعة، في الأولى؛ لأنه طائع، وفي الثانية؛ لأنه يملك إراقة دماء المسلمين.
قال: [والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر، لا يترك.
وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة]، أي: لا يصح إقامة الحدود من قبل عامة الناس، فلو أنك دخلت على زوجتك ووجدت عندها رجلاً، فأنت مباشرة سوف تقيم عليه حد الزنا، لكن هو لم يزن، وكذلك حد القذف، هو لم يقذف، وحد السرقة، وهو لم يسرق ولم تتوفر شروط السرقة في هذا الحادث، وحد القتل، هو لم يقتل، لكنه ساعد أو أشار بالقتل، لذا فلكل حد ظروفه وأركانه وشروطه، لا بد من توفرها، وأدنى شبة تدرأ هذا الحد، ولو أن هذا الأمر أوكل إلى عامة الناس لاجتهدوا جميعاً في إثبات الحد وإقامته، وخاصة مسائل التكفير ومسائل الردة، فلو أن شخصاً قال كلمة هي في نظرك ردة، وعليه فيقتل، لكن لو هو في نظرك مرتد فأنت أيضاً في نظره مرتد، وتصبح نصف الأمة في نظرها أن النصف الثاني مرتد، والنصف الثاني في نظرها أن الأول أيضاً مرتد، فهل يتصور أن الأمة تقوم كلها على بعضها، فتدمر نفسها ويحطم بعضها بعضاً؟ نعم يتصور ذلك إذا أسند إقامة الحد إلى عامة الناس، لكن إن أسند إقامة الحد إلى الوالي أو السلطان فلا، بينما التعزير قد يقوم به السلطان أو غير السلطان، ومن الخطورة بمكان أن ترى رجلاً يقيم الحد على ولده أو امرأته أو غيرهما.
قال: [وقسمة الفيء -أي: توزيع الغنائم- وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم.
ودفع الصدقات إليهم جائزة ونافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه، براً كان أو فاجراً.
وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولى جائزة تامة ركعتين من أعادهما فهو مبتدع].
وقد ذكرنا صلاة أنس والبراء وعبد الله بن عباس خلف الطاغية الكبير: الحجاج الثقفي.
стр. 207
عقيدة ابن حنبل في الخروج على السلطان
قال: [ومن خرج على إمام المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ ، فإن مات الخارج مات ميتة جاهلية.
ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه].
وتأمل هذا الكلام للإمام أحمد بن حنبل وهو الذي تعرض لفتنة كانت أعظم فتنة بعد فتنة المرتدين في عهد أبي بكر، إذ لم يكن الضرر له أو لبعض الناس، بل كانت فتنة ماجت بها البلاد والعباد، وتوقف عليها استقامة عقيدة الأمة أو فسادها وانحرافها، ومع هذا فالذي يقول هذا الكلام هو الذي تعرض لهذه الفتنة هذا التعرض العظيم، فهذا الخليفة المعتصم أركب أحمد حماراً بالمخلوف.
أي: كان وجه أحمد في دبر الحمار، ومشى به في شوارع بغداد كلها، لكن ثبت الله ﵎ هذا الإمام العظيم، وكان يقول: أنا من أنا؟ من عرفني فقد عرفني، ومن لا يعرفني فأنا أحمد بن حنبل، القرآن كلام الله غير مخلوق، فانظر إلى أين وصل به الإصرار على الحق مع الإهانة والتعذيب؟ لأنه ليس شخصاً من عامة الناس، بل هو إمام يشار إليه بالبنان، وقوله دين إلى يوم القيامة.
قال: [ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق]، ولا بد أن تفرق بين حبك للإسلام وغيرتك عليه وعلى ما نزل بالمسلمين، وبين الخروج على السلطان، إذ إن حبك للسنة وشفقتك على ما وصلت إليه الأمة لا يحل لك أن تخرج، ونحن أيضاً نعرف نتيجة الخروج وما جلب للأمة من متاعب ومشكلات.
стр. 208
عقيدة ابن حنبل في دفع الصائل
قال: [وقتال اللصوص والخوارج جائز إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله، فله أن يقاتل عن نفسه وماله، ويدفع عنها بكل ما يقدر عليه.
وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم، ولا يتبع آثارهم، ليس لأحد إلا للإمام، أو ولاة المسلمين، إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك وينوي بجهده ألا يقتل أحداً، فإن أتى عليه في دفعه عن نفسه في المعركة، فأبعد الله المقتول، وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث].
هذا الكلام يعبر عنه الفقهاء بـ (دفع الصائل).
أي: الظالم الباغي الذي هجم على بيتك ليسرقه ظناً منه أنه ليس هناك أحد في البيت، أو أنه رتب أموره وأخذ في حسبانه أنه يحتاج إلى العدة معه، فهو عمل حسابه أنه سوف يسرق، لكن لو كان هذا الرجل يدفع بالتخويف، كأن حس أن هناك أحداً في البيت، أو أن صاحب البيت مستيقظ، ولم يتخذ صاحب البيت أقل جهد، وأنه سوف يخاف ويخرج، فأنا أقول: هل يجوز لك أن تجري خلفه؟
الجواب
لا.
لأنه إذا دفع بوسيلة خفيفة فلا يجوز لك أن تستخدم الوسيلة الأعلى معه، فإذا كان يدفع بالخوف فلا يحل لك بعد أن خاف وولى مدبراً أن تولي خلفه، وأن تسرع وتهرول لتضربه وتقتله، وإن كان الصائل لا يدفع إلا بالضرب فلا يجوز لك أن تضربه بالسكين، وإن كان لا يدفع إلا بالسكين فلك ضربه بالسكين، وإن كان لا يدفع إلا بالقتل جاز لك أن تقتله، وعليه فلا تنتقل إلى الوسيلة الأعلى إلا بعد فشل الوسيلة الدون؛ لأن المقصود: ألا يقع عليك منه ضرر.
стр. 209
عقيدة ابن حنبل في الشهادة بالجنة أو النار لأحد من أهل القبلة
قال: [ولا يشهد على أهل القبلة بعمله يعمله بجنة ولا نار، وإنما يرجو للصالح ويخاف عليه، ويخاف على المسيء المذنب ويرجو له الرحمة].
وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة.
стр. 210
عقيدة ابن حنبل في مرتكب الكبيرة
قال: [ومن لقي الله بذنب يجب له به النار تائباً غير مصر عليه، فإن الله يتوب عليه، ويقبل التوبة من عباده، ويعفو عن السيئات].
عقيدة أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة: أن مرتكب الكبيرة قد خالفت فيه فرقتان عظيمتان: الخوارج والمعتزلة، بينما أهل السنة يعتقدون أن صاحب الكبيرة لا يكفر بكبيرته، وإنما هو مسلم فاسق عاص بكبيرته، ففيه جانب إيمان وجانب فسوق، فإن تاب فيما بينه وبين الله تاب الله عليه، وإن أقيم عليه الحد فالحد كفارته، ولا يسأله الله ﵎ عن هذا الذنب يوم القيامة، بل يقيله من صحيفته تماماً، وإن مات مصراً على هذه الكبيرة وهو معتقد حرمتها فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وإن مات مصراً عليها غير معتقد لحرمتها بعد قيام الحجة الرسالية عليه، وأن الله ورسوله قد حرما ذلك، لكنه عاند وجحد وأصر، فقد خرج من الملة؛ لأنه في هذه الحالة قد أنكر ما علم من الدين بالضرورة، وقد أحل ما حرم الله .
قال: [ومن لقيه كافراً عذبه ولم يغفر له].
واليهود والنصارى كفار قولاً واحداً، لكن ربما عامة الناس يقولون: هم أتباع نبي ونحن أتباع نبي، وعلى ذلك فهم على الإسلام! لا إن اليهود والنصارى كفار قولاً واحداً، ومآلهم إلى النار خالدين فيها.
стр. 211
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - عقيدة الإمام ابن المديني
أصحاب محمد ﷺ هم خير الناس بعد الأنبياء، وقرنهم هو خير القرون، وأدناهم صحبة أفضل من الذين لم يروه، ثم يليهم في الفضل التابعون الذين حملوا لواء الدفاع عن الكتاب والسنة، ووقفوا أمام البدع والشبهات، وعلى هذا سار من بعدهم من أئمة الدين وحفاظ الحديث، يثبتون لله ما أثبته لنفسه في كتابه وفي سنة رسوله ﵊، ويؤمنون بالغيب.
стр. 212
اعتقاد علي بن المديني
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وعليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فلا زال الكلام موصولاً عن مجمل اعتقاد السلف رضي الله تعالى عنهم، وقد ذكرنا في اعتقادهم عدة مسائل، ووعدنا ألا نعيد هذه المسائل في عقيدة كل من نذكر، وسردنا عقيدة سفيان الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وابن عيينة وغيرهم.
وهنا سنذكر عقيدة الإمام الكبير العلم الجبل إمام النقد علي بن عبد الله بن جعفر المديني، وهو من أئمة الجرح والتعديل العظام، بل هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو شيخ الإمام البخاري، وقرين أحمد بن حنبل.
стр. 213
عقيدة علي بن المديني في الصحابة الكرام
سئل علي بن المديني عن عقيدته، فقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن بسطام: [سمعت سهل بن محمد قرأها على علي بن المديني -أي هذه العقيدة- فقال له: قلت: أعزك الله: السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يأخذها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها].
ثم ذكر أشياء كثيرة قد ذكرناها ولكنه زادها هنا إيضاحاً.
ومن هذه الخصال: الإيمان بأن النبي ﵊ سيشفع عند ربه يوم القيامة لعصاة هذه الأمة الذين استحقوا دخول النار، أو دخلوا النار بالفعل.
ثم ذكر بعد ذلك موقف هذه الأمة من الصحابة ﵃ من حيث تبجيلهم وتوقيرهم واحترامهم وحبهم، وبغض من أبغضهم، والذب عنهم بكل سبيل.
ثم قال: [وأفضل الناس بعد أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذي بعث فيهم كلهم].
يعني: أصحاب النبي ﵊، فقد كانوا في القرن الذي بعث فيه النبي ﵊.
قد اختلف أهل العلم في معنى (القرن): هل هو مائة عام أو خمسون عاماً أو أقل من ذلك أو أكثر أو طبقة من الطبقات؟ ففي علم المصطلح: الطبقة هم قوم تقاربوا في السن وتشابهوا في الصفات.
يعني: لا يمكن أبداً أن آتي برجل من كبار علماء الأمة وطالب علم، ثم أقول: إنهما من طبقة واحدة؛ لأن ذاك الرجل الكبير العالم أدرك من أهل العلم ما لم يدركه ذلك الصغير، وهذا الصغير لم يشترك مع ذاك الكبير في شيوخه، ولم يعاصر أحداث الدولة الإسلامية كما عاصرها الكبير، فلا يمكن أبداً أن أضع ذلك الصغير مع هذا الكبير في مرتبة واحدة، ولا في منزلة واحدة، وإنما يصح هذا إذا كان أحدهما يبلغ من العمر ستين عاماً، والآخر سبعون عاماً، وهذا الأخير طلب العلم مع الأول، فكلاهما أدركا طبقة معينة من الشيوخ، وحينها أقول: إن هذين قد اجتمعا في طبقة واحدة.
فهنا قوله ﵊: (خير الناس قرني).
(القرن) إن كان الطبقة فلاشك أن أصغر الصحابة طبقة، والصحابة (١٢) طبقة وليسوا طبقة واحدة، فليس البدري كمن شهد أحداً، وأصحاب البيعة يأتون بعد من شهد بدراً، ويتقدمون على من شهد أحداً.
ثم كبار الصحابة والذين لازموه ﷺ ليسوا كمن أتى من البادية فرآه مرة ثم انصرف، وليس هذا الذي أتى من البادية فسأل فسمع جواب مسألته فعقل عن النبي ﵊ ذلك فأخذه وانصرف، كمن ولد فجيء به إلى النبي ﵊، فهذا الطفل المولود حديثاً جيء به ونظر إلى النبي ﵊ فثبتت له بذلك الصحبة، حتى وإن كان أعمى العين لم يره، المهم أنه وضع في حجر النبي ﵊ ودعا له بخير وسماه، فلا يعد كبير الأعراب وصاحب البادية كذلك الطفل الرضيع الذي أتي به إلى النبي ﵊.
فالصحابة أنفسهم وإن اشتركوا في وصف الصحبة إلا أنهم يتفاوتون في المرتبة، ويتفاوتون في الطبقة، ولذلك قوله ﵊: (خير الناس قرني).
هذا القرن إن كان المقصود به مائة عام، فلا شك أن هذه المائة عام قد ولد فيها من التابعين الكثير.
وعند إطلاق هذا الكلام أنت تتصور أن هذا المقطع من الحديث المقصود به الصحابة على جهة الخصوص.
يعني: لا يشاركهم فيه غيرهم، وهذا خطأ، لأنه إذا كان المقصود من القرن مائة عام فلا شك في دخول بعض التابعين بل جل التابعين، فيكونوا ضمن أخير القرون.
وإن كان المقصود بالقرن الأول: الطبقة.
فإذاً يطلق هذا على طبقة الصحابة، ثم طبقة التابعين، ثم طبقة أتباع التابعين وإن كان كل واحد منهم يتفرق إلى طبقات متعددة، ولكنه كلام على سبيل الجملة دون التفصيل.
فقال النبي ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
وفي رواية أنه قال: (ثم الذين يلونهم لا أدري أهي الثالثة أم الرابعة؟).
فقول علي بن المديني: [أفضل الناس بعد أصحاب رسول ﵊ القرن الذي بعث فيهم كلهم، من صحبه سنة أو شهراً أو ساعة أو رآه أو وفد إليه فهو من أصحابه له من الصحبة على قدر ما صحبه، فأدناهم صحبة هو أفضل من الذين لم يروه، ولو لقوا الله بجميع الأعمال].
يعني: أن أدنى صحابي رؤية وصحبة للنبي ﵊ هو من جهة الفضل والبر أولى من كل التابعين، حتى وإن لم يبق من أعمال الخير شيء إلا وقد أتوه، فإن الصحابي أفضل من ذلك كله.
فإذا كان الصحابي الواحد أفضل من بقية الأمة إن كان عاملاً بالبر والطاعة -وهو كذلك- فكيف بمن يتجرأ على أصحاب النبي ﵊ ويسبهم ويشتمهم ويلعنهم، بل ويكفرهم؟ لا شك أن الذي يفعل ذلك قد خرج بكليته عن الهدي والاستقامة والجادة، بل والملة.
والنبي ﵊ قد بين لهذه الأمة أنها مهما عملت من خير فإنها لن توفي حق الصحابة ﵃، فما بالكم بحق النبي ﵊؟ فقال ﷺ : (لو أنفق أحدكم مثل أحد
стр. 214
عقيدة علي بن المديني في محبة أبي هريرة
ثم تكلم علي بن المديني عليه رحمة الله عن مسائل كثيرة قد تكلمنا عنها، ولكنه تكلم عن مسائل وفصل فيها تفصيلاً قال: [وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة ويدعو له، ويترحم عليه، فارجو خيره، واعلم أنه بريء من البدع].
ويكفي أن النبي ﵊ قال: (يا أبا هريرة! والله لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق).
انظروا إلى هذا الحديث! ففيه منقبةٌ عظيمة لـ أبي هريرة، فقد جعل النبي ﵊ محبته رمزاً وآية وعلامة على إيمان صاحب ذلك الحب، فإن أبا هريرة قد أبغضه الكثير، وتكلموا عليه قديماً وحديثاً، وإنما حملهم على ذلك بغضهم وحقدهم على الإسلام وأهله.
أبو هريرة أعظم راوية في الإسلام، وهو الذي روى عن النبي ﵊ جملة مستكثرة بلغت الآلاف المؤلفة، حتى قيل: إننا لو رددنا أحاديث أبي هريرة كان لزاماً علينا أن نرد نصف الدين أو ثلثاه.
واحد من الصحابة ﵃ يروي نصف الدين، فهل يتصور أن يطعن أحد في هذا الراوي؟ لأن الطعن لا يتوقف عند حد الطعن في شخص أبي هريرة، ولكن المقصود منه فقدان الثقة بـ أبي هريرة، فإن فقدنا الثقة فيه فلابد أن نفقد الثقة في روايته، وبالتالي: من طعن في أبي هريرة لابد وأن يكون منافقاً بشهادة النبي ﵊.
ثم الغرض من الطعن في أبي هريرة: رد دين الله ؛ لأنه لم يكن هناك عداوة شخصية بين الطاعن وبين أبي هريرة لأنه لم يره، ولم يعاصره ولم يجالسه، إنما أتى من بعده، وإنما الحقد على الدين، وهذا هو الذي حملهم على أن يطعنوا فيه بكل سبيل وطريق وحيلة، فما كان أمامهم إلا أن يطعنوا في أبي هريرة، وأنتم تعلمون أنه ما من ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة، فالذي طعن في أبي هريرة وجد له أنصاراً أخذوا عنه هذا الطعن، ومدرسة الاستشراق لما أتت إلى بلاد المسلمين وترجمت كتب العلم الشرعية علموا خطورة أبي هريرة، وعلموا أهمية أبي هريرة في دين الله ؛ لكثرة رواياته، ولتفرده برواية أحكام هي من الثبات واليقين عند المسلمين بمكان، فأرادوا أن يزعزوا الثقة في أبي هريرة، وتبعهم على ذلك كثير ممن انتسبوا إلى العلم، وانتسبوا إلى الأزهر كصاحب الحسين وأبي رية وغيرهم من المعاصرين الذين تبعوا أجيال المستشرقين ونهجوا نهجهم، وساروا خلفهم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع حتى دخلوا في جحر الضب وفي بؤرة النفاق والفساد والشك في دين الله تبعاً لأسيادهم ولعلمائهم ومشايخهم من أهل الكفر والإلحاد والزندقة.
فهنا قال: [وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة، ويدعو له، ويترحم عليه؛ فارجُ خيره، واعلم أنه بريء من البدع].
إذاً: لا يمكن أبداً لمحب أبي هريرة أن يكون من أهل البدع.
стр. 215
عقيدة علي بن المديني في حب عمر بن عبد العزيز
قال: [وإذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها، فاعلم أن وراء ذلك خيراً إن شاء الله].
وعمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله بلغ من الفضل والعلم مبلغاً عظيماً، وكان من جلة علماء المسلمين، ومن كبار المحدثين، ولكنه بعد أن تولى الولاية شغلته السلطة وشغله الحكم عن الحديث، وليس معنى ذلك أنه ترك الحديث وانصرف عنه كلية، وإنما كان يحدث ويتحرى الحديث، وينظر في أحوال الرجال بعد إمامته، ولكنه لم يكن بذاك القدر الذي كان عليه قبل الخلافة، فـ عمر بن عبد العزيز قبل أن يكون والياً وسلطاناً كان من أهل العلم الثقات الأثبات، فهو جبل من جبال الحفظ، وتزهد بعد أن تولى الرئاسة، على عكس ما كانت عليه الدولة الأموية من الغنى والثراء، بل كانوا يحملون عمر بن عبد العزيز على الكبر ويدربونه كيف يكون متكبراً.
وبعد أن تولى الخلافة تأسف على كل ذلك، وعاد إلى أصله الفطري، وقال سبحان الله: ما أسوأ قوماً يعلمون أبناءهم كيف يتكبرون! وعمر هو الذي حمل أهل بيته وحمل أولاده على أن يكونوا آخر الأمة تنعماً ورفاهية، وما أظن أنهم ترفهوا قط.
مع أن الأمة الإسلامية اتسعت أكثر في عهد عمر بن عبد العزيز، ولكنه قام على حراسة هذه الدولة خير حراسة رغم انشغاله بالسلطة والخلافة، ولكنه ما تشاغل عن متابعة أطراف الدولة شرقاً وغرباً، فكانت تبلغه الأخبار كل يوم، وكان يأتيه البريد في كل ساعة؛ لشدة حرصه على أحوال رعيته؛ لأنه يعلم أنه مسئول عنها بين يدي الله مسئول عن الدابة فكيف بالإنسان الذي صار دمه في هذا الزمان أرخص من دم الكلب؟!
следующие страницы →