Полный текст (1 284 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - عقيدة الإمام ابن المديني
أصحاب محمد ﷺ هم خير الناس بعد الأنبياء، وقرنهم هو خير القرون، وأدناهم صحبة أفضل من الذين لم يروه، ثم يليهم في الفضل التابعون الذين حملوا لواء الدفاع عن الكتاب والسنة، ووقفوا أمام البدع والشبهات، وعلى هذا سار من بعدهم من أئمة الدين وحفاظ الحديث، يثبتون لله ما أثبته لنفسه في كتابه وفي سنة رسوله ﵊، ويؤمنون بالغيب.
стр. 212
اعتقاد علي بن المديني
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وعليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فلا زال الكلام موصولاً عن مجمل اعتقاد السلف رضي الله تعالى عنهم، وقد ذكرنا في اعتقادهم عدة مسائل، ووعدنا ألا نعيد هذه المسائل في عقيدة كل من نذكر، وسردنا عقيدة سفيان الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وابن عيينة وغيرهم.
وهنا سنذكر عقيدة الإمام الكبير العلم الجبل إمام النقد علي بن عبد الله بن جعفر المديني، وهو من أئمة الجرح والتعديل العظام، بل هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو شيخ الإمام البخاري، وقرين أحمد بن حنبل.
стр. 213
عقيدة علي بن المديني في الصحابة الكرام
سئل علي بن المديني عن عقيدته، فقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن بسطام: [سمعت سهل بن محمد قرأها على علي بن المديني -أي هذه العقيدة- فقال له: قلت: أعزك الله: السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يأخذها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها].
ثم ذكر أشياء كثيرة قد ذكرناها ولكنه زادها هنا إيضاحاً.
ومن هذه الخصال: الإيمان بأن النبي ﵊ سيشفع عند ربه يوم القيامة لعصاة هذه الأمة الذين استحقوا دخول النار، أو دخلوا النار بالفعل.
ثم ذكر بعد ذلك موقف هذه الأمة من الصحابة ﵃ من حيث تبجيلهم وتوقيرهم واحترامهم وحبهم، وبغض من أبغضهم، والذب عنهم بكل سبيل.
ثم قال: [وأفضل الناس بعد أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذي بعث فيهم كلهم].
يعني: أصحاب النبي ﵊، فقد كانوا في القرن الذي بعث فيه النبي ﵊.
قد اختلف أهل العلم في معنى (القرن): هل هو مائة عام أو خمسون عاماً أو أقل من ذلك أو أكثر أو طبقة من الطبقات؟ ففي علم المصطلح: الطبقة هم قوم تقاربوا في السن وتشابهوا في الصفات.
يعني: لا يمكن أبداً أن آتي برجل من كبار علماء الأمة وطالب علم، ثم أقول: إنهما من طبقة واحدة؛ لأن ذاك الرجل الكبير العالم أدرك من أهل العلم ما لم يدركه ذلك الصغير، وهذا الصغير لم يشترك مع ذاك الكبير في شيوخه، ولم يعاصر أحداث الدولة الإسلامية كما عاصرها الكبير، فلا يمكن أبداً أن أضع ذلك الصغير مع هذا الكبير في مرتبة واحدة، ولا في منزلة واحدة، وإنما يصح هذا إذا كان أحدهما يبلغ من العمر ستين عاماً، والآخر سبعون عاماً، وهذا الأخير طلب العلم مع الأول، فكلاهما أدركا طبقة معينة من الشيوخ، وحينها أقول: إن هذين قد اجتمعا في طبقة واحدة.
فهنا قوله ﵊: (خير الناس قرني).
(القرن) إن كان الطبقة فلاشك أن أصغر الصحابة طبقة، والصحابة (١٢) طبقة وليسوا طبقة واحدة، فليس البدري كمن شهد أحداً، وأصحاب البيعة يأتون بعد من شهد بدراً، ويتقدمون على من شهد أحداً.
ثم كبار الصحابة والذين لازموه ﷺ ليسوا كمن أتى من البادية فرآه مرة ثم انصرف، وليس هذا الذي أتى من البادية فسأل فسمع جواب مسألته فعقل عن النبي ﵊ ذلك فأخذه وانصرف، كمن ولد فجيء به إلى النبي ﵊، فهذا الطفل المولود حديثاً جيء به ونظر إلى النبي ﵊ فثبتت له بذلك الصحبة، حتى وإن كان أعمى العين لم يره، المهم أنه وضع في حجر النبي ﵊ ودعا له بخير وسماه، فلا يعد كبير الأعراب وصاحب البادية كذلك الطفل الرضيع الذي أتي به إلى النبي ﵊.
فالصحابة أنفسهم وإن اشتركوا في وصف الصحبة إلا أنهم يتفاوتون في المرتبة، ويتفاوتون في الطبقة، ولذلك قوله ﵊: (خير الناس قرني).
هذا القرن إن كان المقصود به مائة عام، فلا شك أن هذه المائة عام قد ولد فيها من التابعين الكثير.
وعند إطلاق هذا الكلام أنت تتصور أن هذا المقطع من الحديث المقصود به الصحابة على جهة الخصوص.
يعني: لا يشاركهم فيه غيرهم، وهذا خطأ، لأنه إذا كان المقصود من القرن مائة عام فلا شك في دخول بعض التابعين بل جل التابعين، فيكونوا ضمن أخير القرون.
وإن كان المقصود بالقرن الأول: الطبقة.
فإذاً يطلق هذا على طبقة الصحابة، ثم طبقة التابعين، ثم طبقة أتباع التابعين وإن كان كل واحد منهم يتفرق إلى طبقات متعددة، ولكنه كلام على سبيل الجملة دون التفصيل.
فقال النبي ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
وفي رواية أنه قال: (ثم الذين يلونهم لا أدري أهي الثالثة أم الرابعة؟).
فقول علي بن المديني: [أفضل الناس بعد أصحاب رسول ﵊ القرن الذي بعث فيهم كلهم، من صحبه سنة أو شهراً أو ساعة أو رآه أو وفد إليه فهو من أصحابه له من الصحبة على قدر ما صحبه، فأدناهم صحبة هو أفضل من الذين لم يروه، ولو لقوا الله بجميع الأعمال].
يعني: أن أدنى صحابي رؤية وصحبة للنبي ﵊ هو من جهة الفضل والبر أولى من كل التابعين، حتى وإن لم يبق من أعمال الخير شيء إلا وقد أتوه، فإن الصحابي أفضل من ذلك كله.
فإذا كان الصحابي الواحد أفضل من بقية الأمة إن كان عاملاً بالبر والطاعة -وهو كذلك- فكيف بمن يتجرأ على أصحاب النبي ﵊ ويسبهم ويشتمهم ويلعنهم، بل ويكفرهم؟ لا شك أن الذي يفعل ذلك قد خرج بكليته عن الهدي والاستقامة والجادة، بل والملة.
والنبي ﵊ قد بين لهذه الأمة أنها مهما عملت من خير فإنها لن توفي حق الصحابة ﵃، فما بالكم بحق النبي ﵊؟ فقال ﷺ : (لو أنفق أحدكم مثل أحد
стр. 214
عقيدة علي بن المديني في محبة أبي هريرة
ثم تكلم علي بن المديني عليه رحمة الله عن مسائل كثيرة قد تكلمنا عنها، ولكنه تكلم عن مسائل وفصل فيها تفصيلاً قال: [وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة ويدعو له، ويترحم عليه، فارجو خيره، واعلم أنه بريء من البدع].
ويكفي أن النبي ﵊ قال: (يا أبا هريرة! والله لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق).
انظروا إلى هذا الحديث! ففيه منقبةٌ عظيمة لـ أبي هريرة، فقد جعل النبي ﵊ محبته رمزاً وآية وعلامة على إيمان صاحب ذلك الحب، فإن أبا هريرة قد أبغضه الكثير، وتكلموا عليه قديماً وحديثاً، وإنما حملهم على ذلك بغضهم وحقدهم على الإسلام وأهله.
أبو هريرة أعظم راوية في الإسلام، وهو الذي روى عن النبي ﵊ جملة مستكثرة بلغت الآلاف المؤلفة، حتى قيل: إننا لو رددنا أحاديث أبي هريرة كان لزاماً علينا أن نرد نصف الدين أو ثلثاه.
واحد من الصحابة ﵃ يروي نصف الدين، فهل يتصور أن يطعن أحد في هذا الراوي؟ لأن الطعن لا يتوقف عند حد الطعن في شخص أبي هريرة، ولكن المقصود منه فقدان الثقة بـ أبي هريرة، فإن فقدنا الثقة فيه فلابد أن نفقد الثقة في روايته، وبالتالي: من طعن في أبي هريرة لابد وأن يكون منافقاً بشهادة النبي ﵊.
ثم الغرض من الطعن في أبي هريرة: رد دين الله ؛ لأنه لم يكن هناك عداوة شخصية بين الطاعن وبين أبي هريرة لأنه لم يره، ولم يعاصره ولم يجالسه، إنما أتى من بعده، وإنما الحقد على الدين، وهذا هو الذي حملهم على أن يطعنوا فيه بكل سبيل وطريق وحيلة، فما كان أمامهم إلا أن يطعنوا في أبي هريرة، وأنتم تعلمون أنه ما من ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة، فالذي طعن في أبي هريرة وجد له أنصاراً أخذوا عنه هذا الطعن، ومدرسة الاستشراق لما أتت إلى بلاد المسلمين وترجمت كتب العلم الشرعية علموا خطورة أبي هريرة، وعلموا أهمية أبي هريرة في دين الله ؛ لكثرة رواياته، ولتفرده برواية أحكام هي من الثبات واليقين عند المسلمين بمكان، فأرادوا أن يزعزوا الثقة في أبي هريرة، وتبعهم على ذلك كثير ممن انتسبوا إلى العلم، وانتسبوا إلى الأزهر كصاحب الحسين وأبي رية وغيرهم من المعاصرين الذين تبعوا أجيال المستشرقين ونهجوا نهجهم، وساروا خلفهم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع حتى دخلوا في جحر الضب وفي بؤرة النفاق والفساد والشك في دين الله تبعاً لأسيادهم ولعلمائهم ومشايخهم من أهل الكفر والإلحاد والزندقة.
فهنا قال: [وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة، ويدعو له، ويترحم عليه؛ فارجُ خيره، واعلم أنه بريء من البدع].
إذاً: لا يمكن أبداً لمحب أبي هريرة أن يكون من أهل البدع.
стр. 215
عقيدة علي بن المديني في حب عمر بن عبد العزيز
قال: [وإذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها، فاعلم أن وراء ذلك خيراً إن شاء الله].
وعمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله بلغ من الفضل والعلم مبلغاً عظيماً، وكان من جلة علماء المسلمين، ومن كبار المحدثين، ولكنه بعد أن تولى الولاية شغلته السلطة وشغله الحكم عن الحديث، وليس معنى ذلك أنه ترك الحديث وانصرف عنه كلية، وإنما كان يحدث ويتحرى الحديث، وينظر في أحوال الرجال بعد إمامته، ولكنه لم يكن بذاك القدر الذي كان عليه قبل الخلافة، فـ عمر بن عبد العزيز قبل أن يكون والياً وسلطاناً كان من أهل العلم الثقات الأثبات، فهو جبل من جبال الحفظ، وتزهد بعد أن تولى الرئاسة، على عكس ما كانت عليه الدولة الأموية من الغنى والثراء، بل كانوا يحملون عمر بن عبد العزيز على الكبر ويدربونه كيف يكون متكبراً.
وبعد أن تولى الخلافة تأسف على كل ذلك، وعاد إلى أصله الفطري، وقال سبحان الله: ما أسوأ قوماً يعلمون أبناءهم كيف يتكبرون! وعمر هو الذي حمل أهل بيته وحمل أولاده على أن يكونوا آخر الأمة تنعماً ورفاهية، وما أظن أنهم ترفهوا قط.
مع أن الأمة الإسلامية اتسعت أكثر في عهد عمر بن عبد العزيز، ولكنه قام على حراسة هذه الدولة خير حراسة رغم انشغاله بالسلطة والخلافة، ولكنه ما تشاغل عن متابعة أطراف الدولة شرقاً وغرباً، فكانت تبلغه الأخبار كل يوم، وكان يأتيه البريد في كل ساعة؛ لشدة حرصه على أحوال رعيته؛ لأنه يعلم أنه مسئول عنها بين يدي الله مسئول عن الدابة فكيف بالإنسان الذي صار دمه في هذا الزمان أرخص من دم الكلب؟!
стр. 216
عقيدة علي بن المديني في محبة التابعين والتأسي بهم
قال: [وإذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها فاعلم أن وراء ذلك خيراً إن شاء الله.
وإذا رأيت الرجل يعتمد من أهل البصرة على أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، ويونس، والتيمي ويحبهم ويكثر ذكرهم والاقتداء بهم فارجُ خيره].
لأن هؤلاء هم الذين نشروا السنة وحثوا عليها وذبوا عنها في البصرة.
قال: [ثم من بعد هؤلاء حماد بن سلمة ومعاذ بن معاذ، ووهب بن جرير، فإن هؤلاء محنة أهل البدع].
يعني: أهل البدع في بلاء وشدة وكرب بسبب هؤلاء الأحياء، فإذا ماتوا فرحوا فرحة عظيمة، كما حدث عندما مات كثير من أهل العلم في الأزمنة المتأخرة، فقد ضربت طبول الفرح في بلاد الكفر شرقاً وغرباً لقتلهم والتمثيل بهم والتنكيل بهم في بلاد المسلمين هنا وهناك؛ لأن هؤلاء غصة في حلوق الكافرين في الداخل والخارج، فلما ماتوا ولما حبسوا، وشردت أسرهم كان في ذلك قرة عين الكافرين، وهذه سنة الله ﵎ في أهل التوحيد منذ خلق الله تبارك تعالى آدم ﵊.
قال: [وإذا رأيت رجلاً من أهل الكوفة يعتمد على طلحة بن مطرف، وابن أبجر وابن حيان التيمي، ومالك بن مغول، وسفيان بن سعيد الثوري، وزائدة بن قدامة فارجه].
يعني: فارج خيره، واعلم أنه على خير عظيم؛ لأن هؤلاء هم أهل السنة.
قال: [ومن بعدهم عبد الله بن إدريس، ومحمد بن عبيد، وابن أبي عتبة، والمحاربي فارج] أي: فارج خيره كذلك.
قال: [وإذا رأيت الرجل يحب أبا حنيفة ورأيه والنظر فيه، فلا تطمئن إليه وإلى من يذهب مذهبه ممن يغلو في أمره ويتخذه إماماً].
الذي ينظر إلى هذا النص لأول وهلة ربما يفهم منه استحباب ذم أبي حنيفة، ولكن لابد أن تعلم أولاً أن علي بن المديني الذي نحن بصدد سرد عقيدته كانت بينه وبين أبي حنيفة مشاحنة ومباغضة؛ لأن علي بن المديني كان إمام مدرسة الأثر.
يعني: لا يلبس ثوبه إلا بدليل، ولا يخلعه إلا بدليل، بينما أبو حنيفة ﵀ كان يميل إلى الرأي كثيراً، ويعمل عقله في النص.
يعني: يجتهد في مقابل النص، والاجتهاد نوعان: اجتهاد مع النص، واجتهاد في النص، وبينهما فرق كما بين السماء والأرض، فلا يحل لواحد أن يجتهد بخلاف دليل قد ورد في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊، لا يحل لعالم أن يخالف دليلاً قد بلغه وصح عنده ولم يكن مؤولاً، وغير ذلك من أعذار أهل العلم في تخلفهم عن العمل بالدليل الذي بلغهم.
فهنا نقول: الدليل لا يمكن لأحد أن يخالفه.
أي: لا يحل له أن يخالفه إذا بلغ أو صح عنده.
ثم الاجتهاد في النص بمعنى: إعمال العقل في فهم النص على مراد الله إن كان آية، وعلى مراد رسول الله ﷺ إن كان حديثاً.
والاجتهاد مع النص.
أي: أن يأمرك النص بأمر وأنت تذهب إلى أمر آخر مع وجود الدليل وصراحته، فهذا اجتهاد غير سائغ، ولذلك أنتم تعلمون هذا القول المشهور: (لا قياس مع النص).
أو: (لا اجتهاد مع النص).
يعني: لا يحل لك أن تجتهد في مسألة النص فيها واضح، ولك أن تجتهد في فهم الدليل وفهم النص، فمثلاً: الحديث الفلاني أنا أسرد لك معناه والمراد منه على مراد النبي ﵊، وفهماً ومسايرة لفهم أهل العلم من السلف لهذا الدليل.
بخلاف قولي: (أنا لا أرى هذا الدليل).
لأن هذا الدليل غير معقول.
يعني: فوق حد عقلي لذا أنا لا أتصوره، ولذلك أنا سأرد هذا الدليل وأقول في المسألة المطروحة برأيي.
فهذا الرأي وهذا الاجتهاد والإعمال العقلي مردود؛ لأنه اجتهاد مع النص، أما اجتهادك أنت في فهم النص فهو مقيد بفهم السلف، وهذا هو العقل الممدوح الذي مدحه الله ﵎ في كتابه، ومدحه الرسول ﷺ في سنته وحث الله ﵎ عليه.
стр. 217
عقيدة علي بن المديني في الأخذ بالرأي
قال: [وإذا رأيت رجلاً يحب أبا حنيفة، ويحب رأيه وينظر فيه، فلا تطمئن إليه].
لأنه يميل أيضاً إلى إعمال الرأي في وجود النص، وأبو حنيفة ﵀ وقع في شيء من هذا، ولكن أبا حنيفة عليه رحمة الله لم يكن محدثاً بالقدر الكافي، ولم يبلغ في التحديث مبلغ أحمد، ولا مالك، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، ولا ابن المديني، ولا البخاري.
ولاشك أن البخاري متأخر عنه، ولكني ذكرته حتى أبين أن هؤلاء العلماء قد بلغوا مرتبة عظيمة في علم الأثر لم يبلغها أبو حنيفة، خاصة أن أبا حنيفة لم يرحل في طلب العلم، ولم يثبت له انتقال من الكوفة إلا إلى مكة والمدينة في موسم الحج.
وقيل: إنه رأى أنس بن مالك ولكنه لم يرو عنه.
ولا يعني ذلك أن أبا حنيفة رجل سوء، وينبغي طيه وإلقاؤه في الطرقات أو على المزابل؛ لأن بعض الناس إذا قرأ هذا يفهم ذلك، وهذا بلا شك خطأ، ولذلك أنا أحب عند ذكر أبي حنيفة أن ألفت الأنظار إلى قراءة رسالة في غاية الأهمية لشيخ الإسلام ابن تيمية اسمها: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام).
стр. 218
اعتقاد أبي ثور
يقول أبو الحسن إدريس بن عبد الكريم: [أرسل رجل من أهل خراسان إلى أبي ثور بكتاب يسأل عن الإيمان ما هو؟] تصور أن واحداً يبعث من آخر الدنيا برسالة يسأل فيها إماماً عن الإيمان ما هو؟ هذا يعني أن الأمر عظيم.
قال: [وهل هو يزيد وينقص؟ وهل هو قول أو قول وعمل، أو قول وتصديق وعمل؟].
فأجابه بأجوبة عظيمة جداً قد ذكرناها في عقائد من تقدموا، فلا داعي لنذكرها، ولكنه على سبيل الاختصار قال: [فأجابه: إنه التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، وعمل الجوارح.
وسأله عن القدرية من هم؟ فقال: إن القدرية من قال: إن الله لم يخلق أفاعيل العباد -يعني: أفعال العباد- وأن المعاصي لم يقدرها الله على العباد ولم يخلقها.
فهؤلاء قدرية لا يصلى خلفهم، ولا يعاد مريضهم، ولا يشهد جنائزهم، ويستتابون من هذه المقالة، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.
قال: وسألت عن الصلاة خلف من يقول: القرآن مخلوق؟ فهذا كافر بقوله -أي: بقول الذي يقول لا يصلى خلفه- وذلك أن القرآن كلام الله جل ثناؤه، ولا اختلاف فيه بين أهل العلم.
ومن قال: كلام الله مخلوق فقد كفر وزعم أن الله حدث فيه شيء لم يكن] يعني: خلق فيه شيء لم يكن.
قال: [وسألت: يخلد في النار أحد من أهل التوحيد؟ والذي عندنا أن نقول: لا يخلد موحد في النار].
هذا مجمل اعتقاد أبي ثور ﵀.
стр. 219
اعتقاد الإمام البخاري
أما اعتقاد الإمام البخاري عليه رحمة الله فإنه كثير جداً، ولذلك قال: [لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم من أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومضر، لقيتهم كرات قرناً بعد قرن، ثم قرناً بعد قرن]، وكرات يعني مرات أي: التقى بالواحد منهم مرات متعددة، وقد بلغ عدد شيوخ البخاري أكثر من ألف.
قال: [فلقيت بالشام] أي: فلان، ومضر فلان، ومكة فلان، والمدينة فلان وعدد أقواماً.
ثم قال: [واكتفينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصراً، وأن لا يطول ذلك، فما رأيت واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل].
فإذا نطق بالشهادتين ولم يعمل بمقتضى هاتين الشهادتين يكون في الغالب، أو في أرجح أقوال أهل العلم: كافراً بهذه الكلمة.
[أن الدين قول وعمل، وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]].
فبعد أن وحدوا الله ﵎ -أي: نطقوا بشهادة التوحيد- لابد وأن يأتوا بالأعمال، وذكر الله ﵎ من الأعمال عملان هما: الصلاة والزكاة لأهميتهما.
ولا يعني ذلك: أن من أراد أن يتخلف عن الحج أو يجحده فلا حرج عليه، بل إنما ذكر الله ﵎ أهم فرضين ليدل على الباقي.
قال: [وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف:٥٤].
قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل: قال ابن عيينة: فبين الله الخلق من الأمر]، يعني: فرق بين الخلق وبين الأمر.
[لقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]].
قال: [وما رأيت فيهم أحداً يتناول أصحاب محمد ﷺ ].
يعني: ما رأيت أحداً من هؤلاء العلماء الذين بلغوا ألفاً من أهل العلم ومن أئمة السلف يتعرض لأصحاب النبي ﵊.
[قالت عائشة: أمروا أن يستغفروا لهم، وذلك في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]].
أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم ولعنوهم، خاصة الخوارج والشيعة والمعتزلة فهم الذين نالوا من الصحابة كثيراً.
قال: [وكانوا ينهون عن البدع]، أي: هؤلاء الألف.
والبدع [هي ما لم يكن عليه النبي ﵊ وأصحابه، لقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
ولقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤].
ويحثون على ما كان عليه النبي ﵊ وأتباعه، لقول الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
وأن لا ننازع الأمر أهله -وأن لا ننازع أصحاب السلطان سلطانهم- لقول النبي ﵊: (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم)].
أي: ذلك المسلم صاحب القلب الطيب النظيف النقي إذا اتصف بهذه الصفات.
وهي: [إخلاص العمل لله ، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم.
فإن دعوتهم تحيط من وراءهم].
الذي يتصف بهذه الصفات، لا يكون في قلبه غل ولا حسد ولا حقد على أحد من المسلمين.
قال: [ثم أكد ذلك في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].
وأن لا يرى السيف على أمة محمد ﷺ ].
يعني: أن لا يرى جواز الخروج بالسيف على أمة النبي ﵊، كما خرجت الخوارج ومن بعدهم خرجوا الشيعة.
قال: [وقال الفضيل: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام؛ لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد.
قال ابن المبارك: يا معلم الخير من يجترئ على هذا غيرك!] يعني: من يفهم هذا الكلام غيرك؟!
стр. 220
اعتقاد أبي زرعة وأبي حاتم الرازي
وأما عقيدة أبي زرعة الرازي، وأبي حاتم الرازي فقد ورد عن ابن أبي حاتم أنه قال: [سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؟].
وأبو حاتم، وأبو زرعة كانا كفرسي رهان، كاد الناظر في علمهما أن يقول: إنهما نسخة واحدة أو شخص واحد، ولكن أبا زرعة يزيد قليلاً في التوثيق والإمامة عن أبي حاتم، وكلاهما ثقة.
قال: [فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأنصار حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق، والقدر خيره وشره من الله ، وخير هذه الأمة بعد نبيها ﵊: أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ﵈ وهم الخلفاء الراشدون المهديون.
وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وشهد لهم بالجنة على ما شهد به رسول الله ﷺ ، وقوله الحق.
والترحم على جميع أصحاب محمد والكف عما شجر بينهم].
أي: حق وعقيدة.
قال: [وأن الله على عرشه بائن من خلقه] ومعية الله تعالى لهم إنما هي معية سمع وبصر وإحاطة وعلم).
فالله ﵎ إذا كان معك فإن ذلك لا يتنافى قط مع العلو والفوقية، فإذا قرأت قول الله ﵎: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤]، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، فهذه المعية المذكورة في الآية إنما هي معية علم وسمع وبصر وإحاطة، فهذا لا يتنافى مع علو الله وارتفاعه وفوقيته، كما قال النبي ﵊: (إن الله خلق السموات والأرض، وجعل بين كل سماء وأخرى مسيرة خمسمائة عام، وجعل فوق السماء السابعة بحراً، وفوق البحر العرش، وفوق العرش الكرسي).
والله تعالى مستوٍ على الكرسي استواءً يليق بجلاله وعظمته.
واستواء الله ﵎ معلوم لدينا، فالاستواء في لغة العرب لا يعني الاستيلاء، وإنما يعني العلو والفوقية، فإذا قلت أنت: إن فلاناً استوى على سقف البيت، فهذا يعني أنه علا وارتفع على سقف البيت، ومع هذا أنت تقول: إن فلاناً معنا، كما أن القمر في السماء والشمس في السماء، ومع هذا فأنت تقول: الشمس معنا والقمر معنا باعتبار النظر إليه، فأنت لا تنظر إلى الله ﵎ في حياتك الدنيا، وإنما النظر هذا في الآخرة، والله ﵎ هو الذي يراك ويرى جميع خلقه، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم أبداً، فالغيب والشهادة شهادة لله .
قال: [وأن الله على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله بلا كيف].
يعني كيف استوى؟ لا ندري.
فإذا كنت أنت لا تدري عن ذات الله ﵎ شيئاً، فأنت لا تدري عن كيفية ذات الله ﵎، فكيف يتسنى لك أن تعلم صفاتها، فإذا كنت لا تعلم كيف الذات، فمن باب أولى أن تخفى عليك الصفات، ولا يتصور ذات بلا صفات.
تصور أنك تقول: إن هذا كأس، ولكن لا صفة له.
فهذا لا يتصور؛ لأن هذا الكأس أولاً له اسم وهو الكأس، ومن صفاته أنه برتقالي، وأنه مستدير، وأن له يداً يتحكم فيه من خلالها، فلا يتصور قط أن هناك ذات لا صفة لها، فإذا قلت: إن إبراهيم رجل كريم فكرم إبراهيم محدود، لأنه كرم بشري، وإبراهيم كريم في حدود طاقته واستطاعته.
ولذلك الكرم الذي وصف الله ﵎ به عباده كرم محدود، أما كرم المولى فغير محدود وغير مكيف؛ لأن كرم الله تعالى يتناسب مع ذاته العلية، فإن الله ﵎ موصوف بكمال الكرم، فليس هناك كرم يضاهيه أو يوازيه، ولذلك نحن لا نخوض في كيفية معرفة صفة الله ، وإنما نؤمن بها ونمرها كما أمرها السلف، وكما مروا عليها بلا تأويل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل بصفات المخلوقين؛ لأن ذات الخالق تختلف عن ذات المخلوق، فلابد أن صفات الخالق كذلك تختلف عن صفات المخلوق.
قال: [وأنه ﵎ يرى في الآخرة، يراه أهل الجنة بأبصارهم، ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء].
يعني: أنت عندما تقرأ في أوصاف الجنة تجد أنها من أعظم النعم، وأعظم ما فيها على الإطلاق: النظر إلى وجه الله في يوم المزيد الذي هو يوم الجمعة، يتجلى ربنا ﵎ لخلقه فيرونه.
فتقول: أنا أريد أتصور كيف يتجلى ربنا؟ وما هذه الحجب التي إذا كشفها الله رأيناه؟ وتدور بمخيلتك لتصل إلى صورة مرضية ومقنعة لك.
أنت غير مطالب بهذا، بل أنت منهي عن هذا؛ لأنك مهما تصورت فإن الحقيقة أعظم من ذلك، وهو نعيم ليس بعده نعيم.
إذا كان الله ﵎ والنبي ﵊ قد بينا أن في الجنة نعيم من ثمارها وطيبها ورائحتها ما لا يمكن أبداً لعين أن تكون قد رأ
стр. 221
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - كلام ابن تيمية في الأسماء والصفات
مذهب الإمام ابن تيمية في الأسماء والصفات هو مذهب السلف الصالح، فهو يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من أسماء وصفات من غير تعطيل ولا تحريف ولا تبديل ولا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل كما يليق بجلال الله تعالى.
وقد وضع قواعد عظيمة لإثبات الأسماء والصفات لله تعالى، ورد فيها على أهل البدع والأهواء كالمعطلة والمجسمة.
стр. 222
مذهب الإمام ابن تيمية في الأسماء والصفات
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في منهج أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بصفات الله ، وذلك في المجلد الخامس (صفحة ٤٥) من مجموع الفتاوى: [فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله ﷺ سميناه كما سماه].
أي: إذا وصف الله نفسه بوصف، أو وصف رسوله الكريم ربه ﵎ بوصف أو سماه باسم سميناه كما سماه من غير زيادة ولا نقصان، ومن غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل.
قال: [ولم نتكلف منه صفة ما سواه].
يعني: لا نتكلف من عند أنفسنا إثبات صفة لله لم يثبتها لنفسه ولم يثبتها له رسوله الكريم ﷺ .
قال: [لا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف].
والجحود أنواع: الجحود بالتأويل، والجحود بالتحريف، والجحود بالتعطيل، والجحود بالتمثيل.
فلا نجحد ما وصف الله به نفسه، كما أننا لا نتكلف وصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه، فإننا بين أمرين: أن نؤمن بما سمى الله تعالى به نفسه وما وصف به نفسه أو وصفه رسوله الكريم ﵊، ولا نجحد شيئاً مما ثبت في الكتاب والسنة، ولا نتكلف شيئاً من عند أنفسنا لم يكن له وجود في الكتاب والسنة.
قال: [اعلم رحمك الله أن العصمة في الدين أن تنتهي في الدين حيث انتهى بك].
يعني: أن تكون وقافاً عند حد الكتاب والسنة.
[ولا تجاوز ما قد حد لك].
أي: لا تجاوز حدك، إما في الإثبات وإما في النفي.
[فإن من قوام الدين: معرفة المعروف وإنكار المنكر، فما بسطت عليه المعرفة وسكنت إليه الأفئدة وذكر أصله في الكتاب والسنة وتوارثت علمه الأمة فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عيباً؛ ولا تتكلفن بما وصف لك من ذلك قدراً].
وهو نفس معنى الكلام السابق.
قال: [وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك].
يعني: شيء لا أصل له في الكتاب ولا في السنة، وضم إلى ذلك أن نفسك قد أنكرت هذا.
قال: [وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في حديث عن نبيك من ذكر صفة ربك فلا تكلفن علمه بعقلك].
يعني: لا تثبتن شيئاً من ذلك بالعقل؛ لأن باب الصفات هو تماماً كباب الذات، فكما أنه يستحيل على آدمي أن يصف ذات الله ﵎، يستحيل عليه كذلك أن يتكلم في باب الصفات؛ لأن أهل العلم يقولون: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، ولما كان الكل مجمعين على أن ذات الله ﵎ غيب لا يعلمها أحد فكذلك لابد وأن تكون الصفات تابعة لذلك، فلا يجوز لأحد أن يتكلم في صفة من صفات الله ، وفي كيفيتها.
لا أقصد معناها، كما أني لا أقصد العلم بها.
وقلنا من قبل: إن السلف إنما فوضوا الكيف ولم يفوضوا المعنى ولا العلم، فالصفة معلومة لله ، أثبت لنفسه العين، فلابد وأن يكون عندي علم بأن الله أثبت العين لنفسه، ومعنى العين معلوم لدي؛ لأن الله ﵎ يستحيل أن يخاطبني بشيء لا علم لي به، ثم يكلفني الإيمان به، ولذلك مخاطبة الخلق بالمحال محال.
أي: مخاطبة الخلق بشيء لا يعرفونه ثم لزوم الإيمان به أمر محال، والله ﵎ لم يتعبد خلقه بأمر محال، فإذا أثبت لنفسه العين علمت أنها عين حقيقة لله ﵎ كما أن لي عين، ولكن لما اختلفت ذات الله عن ذات المخلوق، لابد بالتالي أن تختلف صفات الخالق عن صفات المخلوقين.
ومعنى العين: أنها عين حقيقة كما يفهمها المستمع لها أولاً، والقائل بها أولاً، ولكنها عين تختلف عن أعين المخلوقين؛ لاختلاف الذات، فلابد بالتالي أن تختلف الصفات.
قال: [وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في حديث نبيك من ذكر صفة ربك فلا تكلفن علمه بعقلك].
يعني: إذا كان الله ﵎ نفى صفة عن نفسه، أو سكت عنها فلم يثبتها ولم ينفها فلا تتكلف إثبات ذلك أو نفيه بعقلك، ولكن الأمر كما قال أحمد بن حنبل: أصول الدين عندنا الالتزام بالكتاب والسنة.
أي: أصول الدين عندنا أن نلتزم بالكتاب والسنة.
ومعنى الالتزام بالكتاب والسنة: أن تقول بما قال الله إثباتاً ونفياً، وأن تقول بما قاله الرسول ﵊ إثباتاً ونفياً.
أي: ما كان مثبتاً في الكتاب والسنة أثبتناه، إذا كان هذا في حق الإله، فإنما نثبته على الوجه اللائق بالله ، وإذا كان في حقي فإن هذا أمر يحتمل الكمال البشري ويحتمل العين البشرية، كما أن الله خلقني وأثبت أن لي عينين، فإن كانتا سليمتين فيكون كمالاً بشرياً في الرؤية أو في وجود العينين، وإما أن أكون أعور العين أو أعمى كفيفاً فهذا
стр. 223
قواعد مهمة في إثبات الأسماء والصفات
ومن القواعد التي تخدم الأسماء والصفات، ما يلي:
стр. 224
التوسط في الألفاظ المجملة
القاعدة الأولى: التوسط في الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها.
أي: إذا كان اللفظ مجملاً أتوقف فيه؛ لأنني لو نظرت في هذا اللفظ لا أجده لا في الكتاب ولا في السنة، لأنه قد استحدث بعد ذلك، كلفظ الجهة والحد، أما الحد فلفظ منكر في غاية النكارة.
يقولون: إن الله تعالى إذا أثبتنا وجوده في السماء فإنما أثبتنا وجود الجهة، وهذا أمر يحتمل مدحاً ويحتمل ذماً؛ ويحتمل كمالاً ويحتمل نقصاً.
فإذا قال القائل: إن الله تعالى في جهة.
قلنا له: ماذا تقصد بالجهة؟ فإذا قال: أقصد جهة العلو والفوقية والاستواء قلنا: هذا كلام حسن.
وإذا قال: أقصد بالجهة أن السماء تحوطه.
وأنه قد استقر على العرش والعرش يحمله.
فنقول: إن هذا كلام سخيف بارد، وكلام ليس على بطلانه رد أفضل من السكوت عنه، وإن كان الأولى ترك هذه المصطلحات بخيرها وشرها؛ لأنها لم ترد على لسان السلف، وهذه الكلمات حمالة؛ يستخدمها المبتدعون لإثبات بدعتهم، فيدورون بها كما يدور الحمار برحاه، يثبتون فساد معتقدهم.
وأما أهل السنة والجماعة إنما دخلوا في هذا الباب رغماً عنهم للرد على المبتدعة، فنقل على ألسنتهم بعض هذه المصطلحات.
كما قالوا: إن الله تعالى في السماء بذاته، فكلمة بذاته اضطر السلف إليها وإلى ذكرها، وكما اضطروا كذلك إلى أن يقولوا: (القرآن كلام الله غير مخلوق)، فلفظ (غير مخلوق) ليس على لسان السلف، إلا ما ورد على لسان البعض منهم رداً على المبتدعة، وخاصة فيما يتعلق في صفات الله ، فهو أمر في غاية الحساسية.
قال: [فإذا أتاك لفظ مجمل فتوقف فيه، إذا لم يكن قد ورد إثباته أو نفيه في الكتاب والسنة، أما معنى هذه الألفاظ المجملة فيستفصل عنه].
أي: تقول له: ماذا تقصد بهذا اللفظ؟ إذا قال: أقصد بالجهة العلو والفوقية لله والاستواء على العرش، فهذا كلام جميل، لكن بدلاً من أن تقول: الجهة، قل: استوى على العرش، أو الله في السماء؛ لأن هذه هي الألفاظ التي وردت في الشرع، أما الجهة فلم يأت بهذا المصطلح النبي ﵊، ولا أبو بكر الصديق، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا الشافعي، ولا مالك، ولا أبو حنيفة، ولا أحمد بن حنبل، فينبغي ألا تتكلم بكلمة إلا إذا تكلم بها سلفك.
стр. 225
كل اسم ثبت لله فهو متضمن لصفة من غير عكس
القاعدة الثانية: كل اسم ثبت لله فهو متضمن لصفة من غير عكس، يعني: اشتقت الصفة من الاسم؛ لأن باب الصفات واسع جداً، وأوسع منه باب معاني الكمال اللائق بالله ، فإذا كان من أسماء الله: (الرحمن الرحيم الملك القدوس السميع البصير الرءوف)، فإنه تشتق من اسم الرحيم الرحمة، ومن الرءوف الرأفة، ومن السميع السمع، ومن القوي القوة، فباب الأسماء أدق وأقل من باب الصفات.
إذاً: أنا بإمكاني أن أشتق صفة لكل اسم؛ لأنه ليس هناك اسم إلا ويدل على صفة، وليس بلازم في الصفات أن تدل على الأسماء، فإنه قد ورد قول الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، وقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، فالمخادعة والمكر في الإنسان صفتا نقص، لكنهما في حق الله على سبيل المقابلة لأفعال العباد صفتي كمال، فمن كان من المخلوقين أشد مكراً وخداعاً فلا يستطيع أن يخادع الله ، أو أن يمكر على الله ؛ لأنه عالم الغيب والشهادة، فمهما يبطن المرء من شيء فإن الله يعلمه، بل ويكشف الله عن عباده بما قد نووه من مخادعة ومكر وحيل.
والله ﵎ قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فلا يصح أن نسمي الله ﵎ (المنتقم)، لأن هذا ليس من أسمائه، وكذا ليس من أسمائه المخادع الماكر.
إذاً: هذه الصفات التي تدل على النقص في حق البشر ذكرها الله ﵎ في القرآن على سبيل الكمال؛ لأنها في مقابلة صفات النقص عند المخلوقين، فما كان الله ليخادع إلا بعد أن خادع عبيده، وما كان الله ليمكر إلا بعد مكر عبيده، وما كان الله لينتقم إلا من المجرمين، وكلها صفات لله تدل على كماله وإحاطته بخلقه.
والذي يتعلق بهذه القاعدة: أنه لا يجوز أن أشتق أسماء من هذه الصفات؛ لأن الأسماء توقيفية، وكذلك الصفات توقيفية، فلا يصح أبداً أنني أصف الله ﵎ بوصف لم يصفه لنفسه، ولم يصفه به رسوله الكريم، فإذا كان الوصف قد ورد في الكتاب والسنة أثبتناه، ومن ذلك: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذا نفي يستلزم كمال الضد.
يعني: إذا كنت تنفي عن الله الظلم، فيلزمك أن تثبت ضد الظلم وهو كمال العدل، وهذه قاعدة قد شرحناها قبل ذلك: وهي أنه يلزم من نفي الصفة عن الله إثبات ضدها كمالاً، إذا كنت تقول: إن الله لا يظلم الناس شيئاً.
إذاً: الله ﵎ متصف بكمال العدل، وإذا كان الله تعالى قال: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذا يدل على كمال القيومية والحياة، كما في قوله ﵊: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام).
وإذا كان الله ﵎ موصوف بالجود والكرم والتفضل على عباده، فيلزم من ذلك أن ننفي عنه البخل والشح الذي يتصف به بعض خلقه.
قال: [كل اسم ثبت لله فهو متضمن لصفة من غير عكس] يعني: الصفات تشتق من الأسماء ولا تشتق الأسماء من الصفات؛ لأن باب الصفات أوسع من باب الأسماء، وكل من الاسم والصفة أمر توقيفي.
يعني: لا نثبته إلا إذا كان ثابتاً في الكتاب والسنة.
قال: [مثاله: اسم الله: الرحمن متضمن صفة الرحمة، والكريم يتضمن صفة الكرم، واللطيف يتضمن صفة اللطف وهكذا] كل الأسماء لها صفات، لكن من صفاته: الإرادة والمشيئة والاستواء، فالله ﵎ أثبت ذلك لنفسه في الكتاب، وأثبتها رسوله في السنة فلا يصح أنني آخذ من صفة الإرادة أو المشيئة أو الاستواء اسماً فأقول مثلاً: المشاء أو المريد أو المستوي، مع أن الله قد قال في الاستواء: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؛ فهي قد ثبتت في الكتاب.
стр. 226
دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة قد تكون صريحة أو متضمنة
القاعدة الثالثة: دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة: إما أن تأتي صريحة، أو تأتي متضمنة، أو تأتي صريحة بفعل أو وصف دال عليها.
يعني: ليس بلازم أن يصف الله ﵎ نفسه صراحة في الكتاب، بل ممكن تأتي صراحة وممكن تأتي متضمِنة أو متضمَنة، وممكن يأتي التصريح بها من باب الفعل أو الوصف.
المثال الأول: الرحمة والعزة والقوة والوجه واليدين والأصابع كلها قد وردت صريحة في القرآن والسنة.
ومثال التضمن: البصير، فإنه يتضمن صفة البصر لله ، وهذا كلام يرد به على المعتزلة الذين يقولون: بصير بلا بصر، سميع بلا سمع، رحيم بلا رحمة، قوي بلا قوة، قدير بلا قدرة.
ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الصفة متضمنة، فإذا كان رحيماً فلابد أن يكون برحمة، وإذا كان سميعاً لابد أن يكون بسمع، وإذا كان بصيراً لابد أن يكون ببصر، فالصفة تثبت ضمناً للاسم.
والمثال الثالث: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، هذه الصفة وردت للدلالة -دلالة الاستواء- أي: دلت على أن الله تعالى متصف بالاستواء، وهو العلو والفوقية.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فالآية دالة على الانتقام، فهي صفة لم ترد صراحة في الكتاب، وإنما دلت على هذه الصفة.
стр. 227
الكلام في الصفات كالكلام في الذات
والقاعدة الرابعة: الكلام في الصفات كالكلام في الذات، فكما أن ذاته حقيقية لا تشبه الذوات؛ فهو متصف بصفات حقيقية لا تشبه الصفات، سواء كانت هذه الصفات ذاتية أو خبرية أو فعلية.
فنثبت هذه الصفات لله ﵎ كما جاءت ولا نتأولها، ولا نقول فيها بأنها مجاز، لأن الذي يقول بالمجاز يصرف اللفظ عن حقيقته، فالذي يقول: اليد ليست يداً حقيقة إنما هي النعمة، أو هي القدرة، ففي النهاية يصف الله ﵎ بأنه ذات بلا صفات، ونحن قلنا باستحالة ذلك، فما من ذات إلا ولها صفات، حتى في الدنيا، وفي المخلوقات، فمثلاً: هذه السجادة خضراء طولها كذا عرضها كذا مستديرة مستطيلة مربعة مكعبة فيها ماء فيها هواء، وهذه كلها أوصاف، ولا يمكن قط بل يستحيل على أحد أن يثبت ذاتاً بلا صفات، فإذا كان المنكرون للصفات أو الذين صرفوها عن حقيقتها إلى المجاز لا يقولون بأن ذات الله ليست ذاتاً حقيقة أو أنها مجاز، فإذا قالوا ذلك فبالأولى أن يقولوا بالثانية.
قال: [فمن أقر بصفات الله كالسمع والبصر والإرادة، يلزمه أن يقر بمحبة الله ورضاه وغضبه وكراهيته].
يقول ابن تيمية عليه رحمة الله: [ومن فرق بين صفة وصفة مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز، كان متناقضاً في قوله، متهافتاً في مذهبه، مشابهاً لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض].
يعني: لا تقل: إن الله تعالى يغضب غضباً على الحقيقة، واليد ليست يداً حقيقة، فلا تحمل الغضب واليد على الحقيقة أو المجاز؛ فإن حملتهما على الحقيقة وأثبتهما على القدر اللائق لله فهذا مذهب السلف، وإذا قلت بالمجاز فهذا مذهب الخلف وهو فاسد باطل.
стр. 228
ما أضيف إلى الله تعالى مما هو غير بائن فهو صفة له غير مخلوقة
القاعدة الخامسة: [ما أضيف إلى الله تعالى مما هو غير بائن عنه فهو صفة له غير مخلوقة].
ومعنى (غير بائن) يعني: غير مغاير ولا مختلف ولا منفصل، وأريد أن أقرب المعنى، وإن كنت أكره هذا اللفظ.
فإذا قلنا: بإثبات اليد لله، فهل هذه اليد مباينة لله ، أم هي صفة ذات لازمة له؟ يعني: أنا ممكن أن أقول: يدك وإن كانت صفة لازمة لك إلا أنه يمكن مباينتها عنك بقطعها، عند أن يأتي شخص يقطع يدك، نقول: قد باين يده عن بدنه.
يعني: باعد اليد عن البدن.
فالمباينة في الأعمال والجوارح متصورة وواقعة وحادثة في المخلوقين، لكن هل يمكن أن أقول: إن يد الله ﵎ مباينة لله .
إذا قلنا: بأن صفات الله ليست مباينة له فهذا يعني: أنها غير مخلوقة، فإذا كان الكلام صفة لله فلا يتصور أن الله تعالى كان ساكتاً عاجزاً عن الكلام لا يعرف الكلام، ثم عرف فتكلم بعد ذلك؛ لأن من قال بهذا كفر بنص أهل السنة والجماعة، وعلى رأسهم أحمد بن حنبل.
وإذا قلنا بإثبات العين لله، لا نقول: بأنها عين زائدة عن ذات الإله، بل هي صفة ذاتية خبرية لازمة لذاته لا تنفك عنه.
ومعنى أنها ذاتية.
أي: أنها غير مخلوقة، فكما أن الله تعالى غير مخلوق وهو الخالق لكل شيء فكذلك صفاته غير مخلوقة، بخلاف نسبة الأشياء البائنة عن الله المنسوبة إليه فإنها مخلوقة، كما تقول: بيت الله وأمة الله وناقة الله، فالبيت مصنوع مخلوق، والناقة مخلوقة، ونسبتهما إلى الله نسبة تشريف، فإذا كانت الصفة بائنة عن الله منسوبة إليه فإنها مخلوقة، ونسبتها إلى الله نسبة تشريف، بخلاف صفات الله غير البائنة عنه، فإنها صفات غير مخلوقة؛ كصفة اليد وصفة الساق والقدم والأصابع والأنامل والكف والغضب والرضا والسخط والفرح والسرور والرفع والخفض وغير ذلك؛ كل هذه الصفات لله ﵎ غير مخلوقة.
стр. 229
صفات الله وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله ولو كان حديث آحاد
القاعدة السادسة: صفات الله وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله ﵊ وإن كان حديثاً واحداً آحاداً، من أجل أن تعرف أن منهج أهل السنة والجماعة يختلف عن منهج من أتى بعدهم، فأهل السنة والجماعة وعلى رأسهم النبي ﵊، بل وعلى رأسهم جميع الأنبياء والمرسلين أثبتوا لله ﵎ ما أثبته لنفسه، وأن الأمة ممن سلك منهج النبوة أثبتت لله ﵎ ما ورد في حديث النبي ﵊ من أسماء وصفات، وإن كان الحديث الذي يحمل هذا الاسم أو هذه الصفة حديث آحاد، سواء كان هذا الحديث من طريق الواحد أو الاثنين أو الثلاثة.
إذا علمت هذا لابد وأن تعلم أن قوم المعتزلة: (لا نحتج في باب الاعتقاد إلا بالخبر المتواتر) قول محدث، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة.
стр. 230
معاني صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة معلومة
القاعدة السابعة: معاني صفات الله الثابتة بالكتاب أو السنة معلومة، فلا يجوز مثلاً أن تقول: أنا لا أعلم معنى الاستواء، مع أن الاستواء معلوم، فهو الفوقية والارتفاع والعلو.
ولا يجوز أن تقول: أنا لا أعلم صفة المجيء؛ لأنك تعلم ماذا يعني قولك: جاء فلان.
أنا لو قلت لك: جاء زيد.
فإنك تفهم كلامي، فإذا قلنا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]، فإنك تعلم معنى المجيء، ولكنك تجهل كيفية المجيء.
إذاً: السلف لم يفوضوا علم الصفات ولا معاني الصفات، إنما فوضوا الكيف، وقد زلت بهذه المسألة أقدام كثير من أهل العلم.
ومن المسائل التي زلت بها أقدام كثيرٍ من أهل العلم: مسألة العلو، قال الله تعالى: ﴿اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
فمن قال: لا أعلم معنى الاستواء، نقول له: إذاً: الله خاطبك بكلام غير مفهوم.
وهذا محال، فإذا كنت تقوله في باب الاعتقاد فقله في باب الأحكام، فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، أنت لا تعلم معنى الصلاة، وبالتالي أنت لا تعلم ذات الصلاة، وبالتالي أنت لا تصلي؛ لأنك لا تفعل شيئاً أنت لا تعلمه ولا تعلم له معنى.
فهل يتصور أن الله ﵎ خاطبنا بشيء لا نعلمه ولا نفهمه؟
الجواب
لا.
فإذا قلت ذلك في الأحكام والمعاملات فكذلك في الاعتقاد، فالله تعالى قد خاطبنا في باب الأسماء والصفات بما علمناه وعلمنا معانيه، فإذا ثبتت لله ﵎ صفة الرحمة فلا بد من إثباتها لله ؛ لأنه قد أثبتها في كتابه، وأثبتها له رسوله.
ومن قال: لا أعلم معنى الرحمة! تقول له: هذا كلام سخيف وبارد، ومردود على قائله؛ ولذلك ورد عن بعض السلف أنه جادل رجلاً من أهل البدع، فجهل عليه بالعلم، فقام عليه ذلك العالم الرباني صفعاً وضرباً وركلاً، حتى قال له وهو يتضور تحت قدمه: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وهو كان ينازع في أنه لا يعلم معناها، فلما ضرب وديس بالأقدام علم معنى الرحمة، فاحتج بدليل الرحمة في موضوع الرحمة؛ لأنه يعلم معناها.
إذا قلت لك في رابعة النهار: أين الشمس؟ فأفضل جواب عليك السكوت، وإذا كان القمر في ليلة البدر ليس دونه سحاب وأنت تنظر إليه وتقول: أنا لا أرى القمر فأفضل جواب أن نسكت عنك؛ لأنك أعمى البصر والبصيرة، فكذلك الله خاطبنا بالصفات التي لها علم عندنا من الكتاب والسنة ولها معان يعلمها جميع العرب، فإذا كان المسلم غير عربي فيجب عليه أن يتعلم العربية كما تتعلم أنت الإنجليزية إذا أردت أن تترجم كلمات كثيرة جداً تمر عليك في صفحات الكتاب الأعجمي تريد قراءتها، لكن لا تعلم معناها، فأنت معذور في هذا، كما أن العجمي إذا استطاع أن يقرأ في كتاب الله فأتى عند صفة من صفات الله فيقول: أنا لا أعلم صفة السمع ولا أعرف معناها، قلنا له بالإنجليزية: معنى أن الله سميع، فبينت له بلسانه أنها تثبت صفة السمع لله، فإنه سيقر صفة السمع، فهذا يدل على أن الله ﵎ خاطب جميع المخلوقين بما هو في مقدورهم أن يفهموه، فلا يدعي واحد بعد ذلك أن الله ﵎ خاطبه بما لا يفهم.
إذاً: صفات الله وسائر أمور الاعتقاد تثبت في خبر واحد، ومعاني الصفات الثابتة في الكتاب والسنة معلومة، وتفسر على الحقيقة، فالله سميع بسمع على الحقيقة، والله قدير بقدرة على الحقيقة، و ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] على الحقيقة.
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] على الحقيقة.
فمن قال: العين مقصود منها الرؤية أو الرعاية أو الإحاطة أو كف الأذى، نقول له: المعنى هو إثبات العين الحقيقة لله ، لكن كيفية العين لا يعلمها إلا صاحب العين ، فلا مجاز في الصفات ولا استعارة فيها البتة، وأما الكيفية فمجهولة.
стр. 231
ما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن القول بموجبه والإيمان به وإن لم يفهم معناه
القاعدة الثامنة: ما جاء في الكتاب أو السنة وجب على كل مؤمن القول بموجبه والإيمان به، وإن لم يفهم معناه.
يعني: على فرض أنه خفي عليه معنى صفة، فلابد وأن يؤمن بها كما جاءت وكما قرأها، ويثبتها لله على الحقيقة وإن كان المعنى قد خفي عليه.
فمثلاً: عدم العلم بمعنى الأسماء الثابتة كالودود أو الحنان أو القيوم، أو الصبور لا ينفي عنك لزوم العلم والإيمان بها، فلابد وأن تؤمن بأسماء الله وصفاته، وإن خفي عليك بعضها أو كلها.
وصفات الله لا يقاس عليها، فلا يقاس مثلاً السخاء على الجود، إذا كانت صفة الجود ثابتة لله فلا أقول: الله تعالى سخي، وإن كان المعنى جميلاً، لأن باب الصفات توقيفي، فلا يصح في صفات الله الاجتهاد والقياس.
والقياس إلحاق فرع بأصل، والذي يلحق الفرع بالأصل هم أهل العلم، فإذا كان المقيس والمقيس عليه متساويين في الدليل ومتحدين في العلة ألحقوا الفرع بالأصل، فإذا كان الأصل حراماً فالفرع حرام، وإذا كان الأصل حلالاً فالفرع حلال، فمثلاً: الله حرم الخمر صراحة وهذا المقيس عليه، وهو الأصل والحشيش فرع، فهو حرام قياساً على الخمر؛ لأن أدلة الشرع في الأحكام وفضائل الأعمال: الكتاب، السنة، الإجماع، القياس.
فالحشيش حرام؛ لأنه متحد مع الخمر في العلة وهي ذهاب العقل والإسكار، وهذه العلة التي لأجلها حرم الله الخمر صراحة فألحقنا به الحشيش.
والله ﵎ قد ثبت في صفاته أنه جواد، فلا أستطيع أن أقول: إنه سخي، مع أن السخاء هو الجود؛ لأن صفات الله لا يصح فيها الاجتهاد ولا القياس؛ لأنها توقيفية.
وكذلك في بقية المعاني التي تدل على الجود إلا إذا كانت ثابتة، فالكرم كذلك من الجود، وباب من أبوابه، وشبيه ومثيل له، لكنه قد ورد في نصوص أخرى أنه كريم.
والله ﵎ هو القوي، فهو قوي بقوة؛ فالصفات تؤخذ وتشتق من الأسماء.
إذاً: لفظ القوة ثابت لله .
والجلد الذي هو تحمل المشاق والصعاب والقوة، لا يصح إثباته لله في مقام القوة، أو قياساً عليها؛ لأن باب الصفات لا يقاس عليه؛ لأن الصفات توقيفية.
ولفظ (القدير) ثابت لله، وهو قدير بقدرة.
إذاً: الله ﵎ متصف بالقدرة، فلا يمكن أن أثبت لله صفة الاستطاعة؛ لأنها لم تثبت في الكتاب ولم يثبتها له رسوله ﵊ في السنة، إنما الصفة التي وردت تغني عن هذه الصفة وهي صفة القدرة.
وصفة الرحمة ثابتة لله ، ومن معانيها: الرأفة والرقة، فممكن أن أثبت الرأفة؛ لأنها مشتقة من الرءوف، بخلاف الرقة وإن كانت مثل الرحمة، فلهذا يقال: فلان رقيق القلب.
يعني: رحيم.
وباب القياس في حق المخلوقين في الصفات حدث عنه ولا حرج، لكن في حق المولى ﵎ لا يجوز أن أقول: إن الله رقيق؛ مع أن الرقة بمعنى الرأفة والرحمة وغير ذلك.
وكذلك (العلم) فالله ﵎ عليم بعلم؛ فعليم اسم وبعلم صفة، والمعرفة من معاني العلم، فلا يجوز أن أثبت صفة المعرفة لله ؛ لأن صفات الله لا يتجاوز فيها التوقيف، فلا نذهب فيها أكثر مما ورد إلينا، كما مر في القواعد السابقة.
стр. 232
أسماء الله وصفاته لا حصر لها
القاعدة التاسعة: صفات الله لا حصر لها؛ لأن كل اسم يتضمن صفة، وأسماء الله لا حصر لها، أما حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسماً) فتقديره: إن من أسماء الله تسعة وتسعين اسماً، فباب الأسماء واسع لا ينتهي؛ لقول النبي ﵊ كما في حديث عبد الله بن مسعود: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلبي).
الشاهد: (أو استأثرت به).
فالضمير يعود على الله.
أي: أو استأثرت أنت بهذا الاسم الذي أخفيته عن جميع المخلوقين في علم وغيب لا يطلع عليه أحد، فوحدك أنت الذي تعلمه.
فباب الأسماء باب واسع جداً، وإذا قلنا: إن كل اسم يشتق منه صفة فلابد وأن يكون باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ لأن كل اسم يدل على صفة، وهناك صفات لا يشتق منها الأسماء.
стр. 233
إثبات صفة العين لله تعالى
نريد أن نثبت لله صفة العين، فصفة العين صفة ذاتية لله ﵎، غير مباينة عنه، فكما أثبتنا اليد لله وأن اليد غير مخلوقة، وأنها غير مباينة له سبحانه، بخلاف يد المخلوق فممكن مباينتها بقطعها.
إذاً: الصفات الذاتية هي اللازمة لذات الإله ﵎، كما أنها خبرية.
أي: قد ورد الخبر بها، ثابتة لله بالكتاب والسنة.
وأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله تعالى يبصر ببصر، كما أنه يسمع بسمع، ويعلم بعلم، كما يعتقدون أن لله عينين تليقان به لكنهما ليستا كعيون المخلوقين؛ لأن هذا يستلزم التمثيل، والتمثيل حرام، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فكل شيء في الوجود لا يشبه ولا يماثل ولا يكافئ ولا يعدل الله تعالى، فإذا كان كذلك فلا يجوز لي أن أقول: إن الله تعالى له عيناً كعيني أو عينان كعيني؛ لأن هذا يستلزم التمثيل والمشابهة، وهو محال.
كما أنني لا يجوز لي أن أقول: إن عين الله ليست على الحقيقة، بل هي مجاز والمقصود منها: الرعاية أو الرؤية أو غير ذلك؛ لأنني إذا قلت بالمجاز أو التأويل، لابد وأنني سأقع في التعطيل، وهو: نفي ما أثبته الله تعالى لنفسه وما أثبته له رسوله الكريم.
فالله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وهو نفي للماثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، إثبات للأسماء والصفات على الوجه الحقيقي اللائق بالله .
أما دليل إثبات العين من الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧]، أي: واصنع يا نوح السفينة ونحن ننظر إليك بأعيننا، ((وَوَحْيِنَا)) أي: وإلهامنا لك كيف تصنع السفينة، فالوحي هنا بمعنى الإلهام.
والمعنى: أن الله تعالى أمر نوحاً ﵇ أن يصنع السفينة من ألواح الخشب والمسامير والحبال يربط بها أطراف السفينة حتى يحمل فيها أهل الإيمان ويسير في البحر إلى أن يصل إلى بر الأمان والنجاة، فيغرق الله ﵎ من تخلف عنه.
إذاً: نقول بإثبات العين الحقيقية لله ، وأن الله كان ينظر إلى نوح على الحقيقة بعينيه الحقيقتين وهو يصنع الفلك، ويوحي إليه كيف يصنع السفينة.
وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩].
وهذا الخطاب موجه لموسى ﵇، فقد ألقى عليه محبة في قلوب الخلق، وكذا محبة الله لموسى كلاهما يمكن القول به، ولا تناف بينهما؛ لأنه قد ورد في الحديث: (أن الله تعالى إذا أحب عبداً ألقى محبته في قلوب العباد، بل أمر الملائكة أن يحبوه، ثم يوضع له القبول في الأرض) أي: المحبة.
قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] أي: ولتربى.
فالصناعة هنا بمعنى التربية، ولذلك تختلف بحسب الحال، تقول: صناعة بيت، وصناعة الأخشاب، وصناعة الدروع، وصناعة الملابس، فكل صنعة من هذه الصنعات تختلف عن غيرها، فصناعة البيت.
أي: بناؤه.
وصناعة الثوب.
أي: حياكته وخياطته.
وصناعة الآدمي.
أي: تربيته.
ومعنى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي: ولتربى على عين الله .
أي: الله ﵎ يرعاك ويحفظك ويكلؤك وينظر إليك بعينيه الحقيقيتين، ولا غرابة في ذلك.
ولذلك أهل البدع يقولون: إنكم تتأولون إذا أردتم أن تتأولون، وتنكرون على من يتأول إذا أردتم الإنكار عليه، فاثبتوا على قدم واحد؟ يوجهون هذا اللوم لأهل السنة.
فنقول: إننا نعتقد في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أن الله تعالى يرعاه ويكلؤه ويحفظه ويربيه وينظر إليه وغير ذلك.
فنحن نثبت الصفة ولازمها، فالفرق بيننا وبين أهل البدع أننا نثبت الصفة ولازمها بخلافهم؛ فإنهم يثبتون لزوم الصفة وينكرون الصفة، فمثلاً: قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، يقول أهل البدع: اليد بمعنى القدرة.
وأرادوا من هذا الكلام نفي اليد الحقيقية عن الله ، بظنهم أن إثباتها إثبات للتمثيل، وهذا كلام باطل، وأهل السنة يثبتون اليد ولازم اليد، فيثبتون الصفة ولازمها، فيلزم من إثبات العين الرعاية والإحاطة والكلأ والحفظ وغير ذلك من المعاني.
أما هم فإنهم يثبتون لوازم الصفة ولكنهم ينكرون الصفة، وبالتالي يقعون في التعطيل، أما نحن فلا نقع في التعطيل ولا في التمثيل؛ لأننا في جانب التمثيل نقول: إن لله يداً حقيقة ليست كأيدي المخلوقين، بل يداً تليق بجلاله.
فلا ننفي الصفة، وإنما نثبتها ونثبت معها اللازم، فقوله : ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، أي: إن الله تعالى ينظر إليك بعينيه ويحفظك ويرعاك ويكلؤك.
إذاً: بذلك نكون أثبتنا الصفة ولازمها، فأهل البدع يثبتون لازم الصفة فقط بخلاف الصفة، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطو
стр. 234
الأسئلة
стр. 235
حكم صيام أول رجب
السؤال
هل وردت نصوص في صيام أول رجب؟
الجواب
النصوص الواردة في صيام أول رجب كلها نصوص باطلة غير صحيحة، فمن خص فعليه الدليل.
стр. 236
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - وجوب معرفة الله بالسمع
معرفة الله واجبة، إذ لا يتصور أن عابداً لله يعبده وهو لا يعرفه، ومعرفة الله لا تثبت ابتداء إلا بالسمع لا بالعقل، والنبي ﷺ أعلم الناس بربه، ومع هذا لم يكلفه الله معرفته بعقله، وإنما خاطبه بالنقل والوحي ليعرفه به .
стр. 237
باب جماع توحيد الله وأسمائه وصفاته
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب جماع توحيد الله وصفاته وأسمائه، وأنه حي قادر عالم سميع بصير متكلم مريد باقٍ].
باب له تعلق بذات الله وأسمائه وصفاته، ووجوب معرفة الله .
стр. 238
معرفة الله تعالى ثبتت بالسمع والنقل
معرفة الرسل والأنبياء واجبة كذلك، ومعرفة الله تعالى ومعرفة رسله تثبت بالسمع لا بالعقل، وهو الذي نسميه أحياناً النقل، فالنقل والسمع والأثر والنصوص كلها بمعنى واحد.
فمعرفة الله واجبة، ولا يتصور أن عابداً لله يعبده وهو لا يعرفه، ولا يتصور أن عبداً يؤمن بالله وهو لا يعرفه، وكذلك لا يتصور أن عبداً يؤمن برسول الله وهو لا يعرف رسول الله ﷺ ، فمعرفة الله تعالى واجبة، وكذلك معرفة الرسول ﵊ واجبة، وذلك لا يثبت إلا بالسمع.
والمصطلح الذي اشتهر على ألسنة الناس: (أننا عرفنا ربنا بالعقل) وهذا يخالف ما كان عليه معتقد سلفنا ﵃ أجمعين من أن معرفة الله تعالى تثبت بالنقل لا بالعقل.
وهذه المسألة لها مدلول لدى العقلانيين والمعتزلة.
إن أهل السنة والجماعة يجري على ألسنة بعضهم أخطاء شائعة في الاعتقاد من حيث لا يدرون، فإذا سئل أحدهم: بماذا عرفنا الله؟ أجاب مباشرة بالعقل، وهذه إجابة خاطئة تمام الخطأ، فالله تعالى يعرف بالسمع لا بالعقل، أو بالنقل لا بالعقل، وكذلك النبي ﵊، وإذا كانت العبادة أو الشرع لا يعرفان إلا بالنقل فمشرع الشرع لا يعرف كذلك ومن باب أولى إلا بالنقل.
قال: [جماع توحيد الله وصفاته وأسمائه، وأنه حي قادر عالم سميع بصير متكلم مريد باق.
وسياق ما يدل من كتاب الله وما روي عن رسول الله ﷺ على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل].
стр. 239
الأدلة من القرآن على أن معرفة الله ثبتت بالسمع لا بالعقل
قال: [قال الله تعالى يخاطب نبيه ﷺ بلفظ خاص والمراد به العام]، يعني: إن هذا الخطاب وإن كان موجهاً إلى شخص النبي ﵊ إلا أن المراد به جميع الخلق.
قال: [﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]].
أي: فاعلم يا محمد! أنت وجميع الخلق أنه لا إله إلا الله.
فهذه الآية تدل على توحيد الله ، وأنه لا إله بحق إلا هو .
ولو كان يعرف ذلك بالعقل فإن أرجح العقول وأقواها وأهداها سبيلاً هو عقل نبينا محمد ﵊، وقد خاطبه الله بهذا النقل، والأمر ابتداءً لا يعرف إلا من قبل النقل.
والعرب كانوا من أرجح الناس عقلاً وذكاءً وفطنة، وغير ذلك، ومع هذا كانوا يعبدون الأصنام، ويعبدون غير الله ، وقالوا بعقولهم: ما نعبد هذه الآلهة إلا لتقربنا إلى الله زلفاً.
والذي هداهم إلى ذلك عقولهم الفاسدة التي كانت من الذكاء والحفظ والإتقان والتثبت بمكان، وربما لا تبلغ أعظم العقول في هذا الزمان أقل العقول في أيام الجاهلية من جهة الحفظ والإتقان، فقد كان الواحد منهم يحفظ القصيدة أو الألفية المكونة من ألف بيت أو ألفين من المرة الأولى، ومع هذا كان منحرفاً في جهة التوحيد وزائغاً ضالاً؛ لأنه ليس عنده نقل يثبت أن الله تعالى إله واحد.
وقد خاطب الله نبيه بهذا الخطاب ليثبت له سمعاً ونقلاً ووحياً أن الله تعالى هو المتفرد والمستحق للألوهية وحده، وأن هذه الآلهة التي تعبد من دون الله إنما هي آلهة مزعومة.
قال: [وقال الله ﵎: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]].
فهو المستحق للعبادة وحده دون سواه، وكان كل نبي يؤمر بهذا عند رسالته، ويكلف بتبليغ هذا الأمر إلى أمته، فأخبر الله نبيه في هذه الآية أنه بالسمع والوحي عرف الأنبياء من قبله التوحيد.
فالأنبياء أنفسهم لم يعرفوا التوحيد إلا من قبل الوحي، ولا شك أن النبي ﵊ كان قبل الرسالة على الحنيفية السمحاء.
وهذا التوحيد الذي جاء به النبي ﵊ بعد الرسالة وبعد التكليف لم يكن يعرفه ﵊ تفصيلاً قبل الوحي، فقد كان النبي ﵊ على الحنيفية السمحاء، والنبي ﵊ كان صاحب عبادة وتهجد واختلاء بالله وذكر له، ولكن ليس بهذه المنهجية والتأصيل الذي أرسله الله به، وإلا فما فائدة الوحي في حق النبي ﵊ حينئذ؟ قال: [فأخبر الله نبيه] أي: في هذه الآيات المتقدمة [أن بالسمع والوحي عرف الأنبياء قبله التوحيد.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ [سبأ:٥٠]-أي: قل يا محمد- ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠]]، يعني: أن الهداية بوحي، والإيمان بوحي، والتوحيد بوحي، والوحي سمع ونقل، ولا دخل للعقل فيه؛ لأنه كلام الله تعالى، قال: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ:٥٠].
стр. 240
استدلال إبراهيم ﵇ على وحدانية الله بالسمع لا بالعقل
قال: [قد استدل إبراهيم بأفعاله سبحانه المحكمة المتقنة على وحدانيته].
يعني: إبراهيم ﵇ إمام الحنيفية السمحاء، وأبو الأنبياء لم يعرف ذلك بعقله، وإنما عرف توحيد الله بالنقل والسمع، فقد استدل بأفعال الله المحكمة المتقنة على وحدانية.
قال: [بطلوع الشمس وغروبها، وظهور القمر وغيبته، وظهور الكواكب وأفولها، ثم قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧]].
لأنه كان كلما خرجت له آية يقول: هذا ربي.
ثم يرجع عن ذلك.
ثم في نهاية الأمر سلم لله بأنه صاحب الهداية، وأن الهدية لا تأتي إلا من قبله، وأن الدلالة على توحيد الله لا يمكن أن تكون إلا بالنقل عن الله .
[قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧].
فعلم أن الهداية وقعت بالسمع] لا بالعقل.
стр. 241
بيان أن وجوب معرفة الرسل بالسمع لا بالعقل
قال: [وكذلك وجوب معرفة الرسل -ثبت- بالسمع]، يعني: إذا كان الله تعالى لا يعرف إلا بالسمع والنقل فكذلك رسل الله لا يعرفون إلا بالسمع، ولذلك لما ادعى المدعون النبوة في زمن النبي ﵊ كان أتباعهم يعرفون أنهم كذبة؛ لأنه لا نقل ولا سمع ولا وحي ينزل عليهم، وكان أتباعهم متأكدين من ذلك وإن تابعوهم، ولكنهم كانوا في حقيقة أمرهم يعرفون أنه لا ينزل عليهم الوحي، وأنهم كذبة، فمعرفة الرسل لابد أن تكون بوحي من السماء.
قال: [قال الله ﵎: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]].
وهذه الآية تدل على أن معرفة الرسول لا تكون إلا بوحي من السماء.
стр. 242
بيان أن العذاب لا يكون إلا بعد الرسالة
قال: [وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]]، أي: أن الله ﵎ لا يعاقب ولا يعاتب إلا بعد بلوغ دعوة الرسل إلى الناس أجمعين.
قال: [وقال ﵎: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]].
فالرسل هم الذين يقيمون حجة الله على الخلق، وهم الواسطة بيننا وبين الله ، وهم المبلغون عن الله وحيه ومراده، والذين ينقلون تكاليف الله الشرعية إلى الخلق أجمعين.
والله تعالى لا يسأل الجاهل الذي جهل بعد أن بذل الوسع في التعلم وخفي عليه العلم، كما أنه لا يسأل الناسي ولا المجنون، ولا السفيه الذي قد عذره الله تعالى في كتابه وعذره نبيه في سنته.
وكذلك الله ﵎ ما أرسل رسله إلا ليفرغوا الوسع ويبذلوا الجهد في تعليم الخلق؛ حتى تنقطع حجتهم بين يدي الله حتى لا تكون لهم حجة يوم القيامة.
قال: [وقال ﵎: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [القصص:٤٤ - ٤٧]-يعني: يا رب! لو أنك أرسلت إلينا رسولاً ما وقعنا في هذه الجرائم- ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧].
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [طه:١٣٣]-يعني: لو يأتينا بآية ومعجزة من ربه- ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى * وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٣ - ١٣٤]].
قال: [فدل] أي: هذه الآيات [على أن معرفة الله والرسل بالسمع كما أخبر الله ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة].
فمعرفة الله ومعرفة الرسل إنما تكون بالسمع والنقل لا بالعقل.
هذا بعض الأدلة من كتاب الله على قولنا.
стр. 243
الأدلة من السنة على وجوب معرفة الله وصفاته بالسمع لا بالعقل
قال: [أما من السنة: حديث ضمام بن ثعلبة] ﵁ الذي أتى يسأل النبي ﵊ عما قد بلغه رسل رسول الله ﵊.
وفي حديث أنس قال: (نهينا أن نسأل النبي ﵊ عن شيء)، وهذا النهي هو المذكور في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١].
فخافوا بعد نزول هذه الآية أن يسألوا النبي ﵊ خاصة في قوله ﵊: (لعن الله من سأل عن مسألة فحرمت لأجل مسألته)، أو نحواً من هذا الكلام وهذا المعنى، وكانوا يرغبون عن سؤال النبي ﵊، حتى قال أنس بن مالك: (نهينا أن نسأل النبي ﵊ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية).
وأهل البادية فيهم جلافة وغلظة، وقد كان الواحد منهم يدخل على النبي ﵊ كما يدخل على أقرانه وأصدقائه من أهل البادية بجلافة وغلظة وحماقة وبداوة وجفاء، فيسأل النبي ﵊ بطريقة غير لائقة.
وقول أنس: (فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل).
يعني: المهذب المحترم الذي تأدب بأدب أهل المدينة، لا بأدب البادية.
وقد قال النبي ﵊: (من بدا جفا).
يعني: من سكن البادية كان فيه من الجفاء والغلظة ما فيه، وقال تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة:٩٧].
يعني: فيهم غلظة وجلافة وشدة.
وأهل البادية لا يستريحون مع أهل الحضر، فأهل البادية ينظرون إلى أهل الحضر على أنهم قليلوا العيال فارغين لا ينفعون، وأهل الحضر ينظرون إليهم على أنهم في منتهى الغلظة والجفاء، وعقولهم غير متفتحة.
قال أنس: (كان يعجبنا أن يأتي الرجل العاقل من أهل البادية فيسأل النبي ﵊ ونحن نسمع).
وهذا فعل جيد أيضاً؛ لأن أنس لو أراد أن يتفاهم مع هذا الرجل لو سمع وحده فلن يعرف أن ما يأخذه منه حق أو باطل؛ لأنه ربما يستكثر أن يقول له: أنا أرى أن أعمل كيت وكيت، أو ينقله إليه بجلافة وغلظة، ثم إن لسان أهل البادية يختلف عن لسان الحضر.
وقد رأينا أناس في الشام من سكان الجبال كأنهم يتكلون اللغة اللاتينية، وحتى أهل الأردن وأهل سوريا وأهل لبنان لا يعرفون هذه اللهجة.
وأخبرنا أئمة المساجد الذين كلفوا من قبل أوقاف الشام في سوريا والأردن بالذهاب لإمامة الناس في هذه المساجد التي في البادية أنهم لم يجلسوا معهم أسبوعاً واحداً، وأن البطل فيهم هو الذي جلس أسبوعاً، وكانوا يقولون لهم: نحن لا نفهمكم ولا أنتم تفهموننا، وهذه الكلمة فهمها بعد أسبوع، وكانوا يقولون لهم: اكتبوا ما تريدون منا ونحن نقرأ، فالتعامل صعب جداً بين أهل البادية وأهل الحضر.
فقال أنس: (نهينا أن نسأل النبي ﵊ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع).
قال: [عن أنس قال: كنا مع رسول الله ﷺ جلوساً فجاء رجل على جمل له فأناخه ثم عقله -أي: فأناخه على باب المسجد، ثم ربطه بالعقال- ثم قال: أيكم محمد؟)] وهذا من الجفاء والغلظة.
[(قال: قلنا هذا الرجل الأبيض المتكئ ﵊].
وهذا فيه وصف النبي ﵊ بالبياض وفيه: جواز الجلوس متكئاً، ولكن إن كان ذلك ولابد فعلى اليد اليمنى لا على اليسرى.
قال: [(ورسول الله ﷺ متكئ بين أظهر أصحابه، قال: فقال: يا محمد!)] ولم يقل: يا رسول الله، والله يقول: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣].
يعني تأدباً مع النبي ﵊، وأهل العلم لهم من الحرمة ما ليس لغيرهم، وحرمة النبي ﵊ أشد.
قال: [(قد جئتك يا ابن عبد المطلب! -وهذا أيضاً جفاء جديد- إني سائلك فمشدد مسألتي)].
يعني: أنا سأسألك أسئلة فيها غلظة وجفاء وحدة؛ لأن هذا طبعي، [(فلا تجد علي في نفسك)]، وهذا اعتذار لطيف في أول الكلام.
يعني: يقول للنبي ﵊: أنا جلف جاف، وسؤالي فيه غلظة وحدة، فلا تغضب مني، والوجد هو الحزن والغضب.
قال: [فقال له النبي ﵊: (سل عما بدا لك)].
وهذه ليست أخلاق المدينة، بل هي أخلاق النبوة ﵊.
قال: [(فقال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا)].
والزعم ليس بلازم أن يكون كذباً، بل هو مجرد القول، وأحياناً يكون الزعم والظن بمعنى الصدق في الحديث، وقوله: (أتانا
стр. 244
شرح حديث عمر بن الخطاب في بيان مراتب الدين
وفي حديث عبد الله بن عمر قال: [حدثني عمر بن الخطاب قال: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منا أحد)].
والمدينة بين جبلين، وبين لابتين، وهي منقطعة عن البلدان وعن العمران، فالذي يأتيها من غيرها لابد وأن يظهر عليه أثر السفر من الغبار والتراب واتساخ الملبس وتعفير الوجه وشعث الرأس، وغير ذلك، وهذا الرجل الذي دخل عليهم وطلع عليهم لم يكن فيه شيء من ذلك، بل كان رجلاً مرتباً ومنظماً ونظيف الملبس، وليس عليه تراب ولا شيء من هذا.
قال: (لا يعرفه منا أحد)، يعني: ليس من أهل المدينة.
[(ولا يرى عليه أثر السفر)].
وهذا عجب.
قال: [(حتى جلس إلى رسول الله ﵊ فأسند ركبتيه إلى ركبته -يعني: أسند ركبتي نفسه إلى ركبتي النبي ﵊ ووضع كفيه على فخذيه)].
أي: ووضع كفيه على فخذي نفسه، وليس على فخذي النبي ﵊؛ لأن هذا لا يتناسب مع أدب طلب العلم، فليس من الأدب أن تجلس إلى المعلم وتضع يديك على كتفه، أو على رجله، أو تأتيه من الخلف، فكل هذا من سوء الأدب مع المعلم والشيخ، وإنما من أراد أن يسأل مسألة فليأت من قبل وجه الشيخ، وليجلس إليه، ثم يسأله في أدب ووقار كما سأل هذا الرجل الذي جلس إلى النبي ﵊، فوضع ركبتيه إلى ركبتيه.
يعني: كان بحذاء النبي ﵊ مباشرة.
ولا يعني ذلك أنه لامس بركبتيه ركبة النبي ﵊، وإنما كانت بمحاذاة ركبة النبي ﵊ ومسندة إلى ركبته ﵊.
[(ثم قال له: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ -يعني: عن أركان وشرائع الإسلام- فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)].
وهذه الأركان الخمسة هي أركان الإسلام.
[(قال: صدقت، قال عمر -راوي الحديث- فعجبنا له وهو يسأله ويصدقه)]، يعني: أن هذا الرجل أمره غريب، ومن أول ما دخل وهو يشعر بالغرابة، فهو غريب في منظره وهيئته، وفي مجلسه نوع أدب شديد، وقد أعجب الصحابة منه حتى عمر، ولذلك نقل الهيئة والكيفية، ثم إنه يسأل وهو أيضاً مصدق، وهذا على خلاف عادة السائل، فالسائل يسأل من أجل أن يتعلم، وأما أن يسأل فإذا سمع الجواب قال: هذا حق، وقد صدقت، وهذا لا يكون إلا إذا كان السائل له علم سابق؛ لأنه من العيب أن تقول: أنت صادق أو محق؛ لأن من عادة السائل السؤال حتى يتعلم، ويأخذ الجواب وينصرف، لا أن يقول له: صدقت.
وفي المرة الأخرى يقول له: أخطأت.
وقد يسأل العالم بالجواب حتى تعم الفائدة، ودليل ذلك: هذا الحديث، كما أن النبي ﵊ كان يطرح على الناس المسألة لأجل أن يسمع جوابهم، كما قال النبي ﵊: (إن في الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم ما هي؟ فوقع الناس في شجر المدينة)، ووقع في قلب عبد الله بن عمر أن المسلم شبيه بالنخلة، والنخلة تعطينا التمر، وبقية الأشجار شجر، والنبي ﵊ لم يقل: إن مثل المسلم كمثل النخلة؛ لأن النخلة ليس هناك غيرها، فلو قال: ما هي؟ لعرفوها، ولكنه عم عليهم المسألة فقال: إن مثل المسلم كمثل شجرة ما هي؟ فكلمة شجرة هذه جعلتهم يستبعدوا النخلة، فلما قال النبي ﵊: (إنها النخلة، قال عبد الله بن عمر لأبيه عمر بن الخطاب: لقد وقع في قلبي أنها النخلة، وما منعني إلا الحياء)، يعني: استحيا من مشايخ قريش وزعماء الأنصار، فحزن عمر حزناً شديداً وقال: لو قلتها لكانت أحب إلي من الدنيا وما فيها.
وهذا من فرحة الأب بذكاء ولده وبتفوقه، وربما ظل عمر ندمان عليه حتى مات.
فـ عبد الله بن عمر عرف ذلك وهو طفل صغير، وقد كان عقله راجحاً من أول الأمر.
[قال: (قال: صدقت، فعجبنا له وهو يسأله ويصدقه.
قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)]، فأركان الإيمان ستة، وأركان الإسلام خمسة.
(قال: صدقت، ثم قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه).
وهذا منتهى المراقبة لله .
(فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، أي: فإنه سبحانه يراك حقيقة.
(قال: صدقت.
فأخبرني عن الساعة؟ قال: قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، أي: أني مثلك في هذه القضية، فيوم القيامة لا يعرفه أحد؛ لأن هذا من الغيب الذي أستأثر الله تعالى به لنفسه، وأنا لا أستطيع أن أجيبك عن هذا السؤال.
(قال: فأخبرني عن أماراتها وأش
стр. 245
معنى الإسلام وأهمية تعليمه
قال الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
فالإسلام هو الاستسلام والانقياد لله ، فمن أتى بدين غير دين الإسلام فإن الله ﵎ يرده عليه في وجهه ولا يقبله منه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
وقد جاء رجل إلى النبي ﵊ وهو يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: (يا محمد! علمني الإسلام) أو قال: (ما الإسلام؟) في رواية البخاري، (فنزل النبي ﵊ من على المنبر، وطلب كرسي فجيء به، فجلس عليه في المسجد أو في صحن المسجد، وعلم الرجل الإسلام، ثم صعد المنبر فأتم الخطبة ﵊.
فإذا سألك أحد أن تعلمه الإسلام فدع ما في يدك مهما كانت أهميته، وعلم ذلك الرجل كيف يدخل في الإسلام، ولذلك ترك النبي ﵊ عملاً عظيماً جداً، وهو خطبة الجمعة لأجل هذا، كما قطعها لأجل طفلين صغيرين الحسن والحسين -فلما رآهما النبي ﵊ نزل من على المنبر وقطع الخطبة، وحمل الحسن والحسين وصعد بهما إلى المنبر، وتلا قول الله : ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٨].
стр. 246
شرح حديث: (الولد مجبنة مبخلة)
قال ﵊: (الولد مبخلة مجبنة مجهلة).
ومعنى مبخلة يعني: أنك تقول مثلاً عند داعي الصدقة: أولادي أولى، فأنا لن أتصدق لأني أريد أن أعمل مستقبل لأولادي، فتبقى معك الأموال، ثم تقصر فيما فرضه الله عليك، وإذا نصحت بالذهاب إلى الحج مع الناس وتأدية فرض الله قلت: لا، أريد أن أربي الولد والبنت.
وهذه الأشياء لن تنتهي، فلو أنه زوج العيال كلهم وسترهم بستر الله فسيطمع بأن يكون لهم بيت، وإذا بنى لهم بيتاً ثم وقعت المشكلات فيما بينهم يقول: سأبني لكل واحد بيتاً.
فالقضية هذه لن تنتهي وليس لها نهاية.
وليس فرضاً عليك أنك تزوج أولادك، وتبني لهم البيوت قبل أن تؤدي فرض الله الذي فرضه عليك فرض عين.
قال الحسن البصري: جاء أعرابي إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين! علمني الدين.
فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله -وهذا يعرف بالسمع لا بالعقل- وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان.
قال: وعليك بالعلانية -أي: في كل ما يرضي الله وإياك والسر -أي: وإياك وما يستحيا منه- كما قال النبي ﵊ (لما وجد رجلاً من الأنصار يعظ أخاه في الحياء).
يعني: يعاتب أخاه في الحياء ويقول له: إن حياءك شديد ويكاد أن يهلكك.
فقال النبي ﵊: (دعه فإن الحياء من الإيمان).
وفي رواية: (فإن الحياء لا يأتي إلا بخير).
وفي رواية: (فإن الحياء كله خير).
وقال ﵊: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت).
وهذا الحديث له معنيان عند أهل العلم: أحدهما: إذا لم تستح من فعلك بين يدي الله فاصنعه، فإنه من طاعة الله وفي رضا الله.
يعني: إذا لم يكن فعلك هذا مما تستحي منه بين يدي الله إذا حاسبك عليه فافعله الآن؛ لأنه في مرضاته وفي طاعته.
وهذا المعنى هو الذي قال فيه عمر: وعليك بالعلانية وإياك بالسر.
أي: وإياك أن تعمل عملاً في السر يغضب الله .
وعليك بالعلانية، أي: وعليك بما لا يستحيا منه بين يدي الله في الآخرة، ولا بين الناس في الدنيا، وإن لقيت الله فقل: أمرني بهذا عمر.
والمعنى الثاني لقوله ﵊: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).
يعني: إذا كان الشخص ليس عنده حياء قط فليصنع ما شاء بعد ذلك، فإنه إذا نزع من المرء الحياء لم يعاتب ولم يلم على فعله القبيح الذي هو فيه؛ لأن الناس اعتادوا منه سوء الخلق، وسيحاسبه الله عليه يوم القيامة.
معنى كون الولد (مجهلة).
أي: أنه هو الذي يسبب الجهل لأبيه، فإذا خرج والده في طلب العلم منعه الولد لحاجته ومتطلباته، وغير ذلك مما يخص الولد.
يعني: أن الولد يشغل أباه عن طلبه للعلم، فيصير جاهلاً.
وقد تكون الزوجة أجهل من ولدها، والولد قد يحتمل، وأما الزوجة فلا تحتمل، فلا يخرج الزوج لدرس العلم إلا خفية من الزوجة، فيقول لها: سأذهب لآتي بكذا وكذا وكذا فتقول له: اذهب وفقك الله، ولو اشترى كتاباً لانتقدته أمه بأنهم ليس معهم مصاريف الأولاد وغير ذلك، حتى أنه يضطر في النهاية إلى شراء الكتاب بغير علمها.
فطالب العلم يحتاج إلى صبر عجيب جداً، صبر على شراء الكتاب، وصبر في المحافظة عليها، وصبر في الطلب، وصبر على الزوجة، وعلى الأولاد، وصبر من كل ناحية، وإن لم يكن صاحب حكمة وحنكة وفطنة وحسن تصرف في المواقف المتكررة كل ساعة وكل دقيقة فسيضيع مع أولاده ومع امرأته، فلا بد أن يجعل طالب العلم لقلبه ولوقته ولعلمه وقتاً مع كتاب الله ومع سنة رسوله، وحضور مجالس العلم وإلا سيضيع.
والشيخ ابن عثيمين وغيره يشرحون قوله ﷺ : (الولد مجبنة) فيما يتعلق بالجهاد.
أي: إذا نادى منادي الجهاد يقولون له: انتظر إلى أين ستذهب؟ إن لديك أولاداً صغاراً، فمن سيربيهم؟ مع أن هؤلاء الأولاد هم الذين سيدمرونه ويضيعونه، فهو لن يطلب العلم بسبب العيال، ولن يجاهد حتى يجاهد في العيال، فالولد هو سبب كل بلية، والذكي هو من يعطي لكل ذي حظ حظه، ثم يدع الأمر بعد ذلك لله .
وكم من شخص حرص كل الحرص على تربية أبنائه، ثم ما رباهم في النهاية؛ لأنه لم يتق الله ﵎ فيما تعين عليه هو أولاً، بل جعل كل همه في أولاده، وليست هذه دعوة لترك الأولاد والتفريط في حقهم، أبداً، بل هذا مما قد تعين عليك، ولكنه تعين بقدر، فينبغي ألا تزيد عليه ولا أن تنقص منه.
والأصل في ذلك: قوله ﵊: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول).
وفي رواية: (أن يضيع من يقوت).
فعليه أن يعولهم ويطعمهم ويسقيهم ويعلمهم ويربيهم، ويعلمهم الإيمان بالله وبالملائكة وبالكتب وبالرسل، وغير ذلك، فكل هذا داخل في عيالة الأولاد، وفي ا
стр. 247
كلام ابن عثيمين في الإيمان بالله
стр. 248
بيان ما يتضمنه الإيمان
الشيخ ابن عثيمين حفظه الله لما تكلم عن الإيمان بالله قال: (الإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده ، والإيمان بربوبيته).
أي: أنه متفرد بالربوبية، والإيمان بأسمائه وصفاته، والإيمان بألوهيته، وأن ذلك لا يتحقق إلا من قبل السمع، والعقل، والحس، والفطرة.
стр. 249
الأدلة على معرفة الله تعالى
قال: (ومعرفة الله تعالى تتحقق أولاً: بالسمع.
ثانياً: بالعقل.
ثالثاً: بالحس.
رابعاً: بالفطرة).
стр. 250
دلالة العقل على معرفة الله
قال: (فأما دلالة العقل فنقول: هل وجود هذه الكائنات بنفسها؟ يعني: هل وجد هذا الكون وما فيه من سماء وأرض وأجرام ومجرات وآيات عظيمة بنفسها، أو وجدت هكذا صدفة؟ قال: فإن قلت: وجدت بنفسها فمستحيل عقلاً يعني: أن العقل يحيل أن توجد هذه الكائنات بنفسها؛ إذ إنها في أصلها عدم ثم أنشئت، فكيف تكون موجودة وهي معدومة؟ والمعدوم ليس بشيء حتى يوجد فضلاً عن أن يوجد).
فهي لا يمكن أن توجد نفسها؛ لأنها في الأصل معدومة، والمعدوم لا يوجد نفسه، فكيف يوجد غيره؟ وإن قلت: وجدت صدفة فنقول: هذا يستحيل عقلاً أيضاً، فهل ما أنتج من الطائرات والصواريخ والسيارات والآلات بأنواعها وجد صدفة؟ فلابد أن يقول: لا يمكن أن يكون ذلك، وكذلك هذه الجبال والشمس والقمر والنجوم والشجر والرمال والبحار وغير ذلك لا يمكن أن توجد صدفة كذلك، ولا يتصور أن هذا التقدم الحضاري الذي يمر به العالم الآن وجد هكذا صدفة؟ وهل وجدت الطائرة أو الصاروخ أو أي آلة إلكترونية من قبل الصدفة، أم درس ذلك دراسة علمية منضبطة على المنهج التقني والحديث؟ لابد وأن ذلك كان مدروساً، فهذه الحضارة التي هي موجودة الآن التي عمرت الأرض شرقاً وغرباً لا يمكن أن يقول أحد أنها وجدت صدفة، وإذا كان الأمر كذلك فلابد وأن تكون مخلوقات الله لها مدبر.
ويقال: إن طائفة من السمنية -وهم فرقة من أهل الهند- جاءوا إلى أبي حنيفة ﵀، فناظروه في إثبات الخالق ، وهل الخالق لهذا الكون موجود أم غير موجود؟ وكان هذا في القرن الثاني الهجري، وكان أبو حنيفة من أذكى العلماء فوعدهم أن يجيبهم بعد يوم أو يومين، فذهبوا ثم عادوا بعد يوم أو يومين وقالوا: ماذا قلت؟ قال: أنا أفكر في سفينة مملوءة من البضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرست في الميناء ونزلت الحمولة وذهبت وليس فيها قائد ولا حمالون.
قالوا: تفكر بهذا يا أبا حنيفة؟! قال: نعم.
قالوا: إذاً ليس لك عقل، فهل يعقل أن سفينة تأتي بدون قائد وتنزل وتنصرف؟! هذا ليس معقول.
قال: كيف لا تعقلون هذا، وتعقلون أن هذه السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والناس كلها بدون صانع؟ فعرفوا أن الرجل خاطبهم بعقولهم، وعجزوا عن جوابه.
فهذا حجة عقلية في إثبات وجود الله ، ونحن متفقون أن الله تعالى إنما وجبت معرفته بالسمع، ولا بأس بمعرفته استئناساً بالعقل، والله ﵎ خاطب العقول الراجحة السليمة في القرآن في غير ما آية في عشرات ومئات الآيات، مثل قوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، وقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [محمد:٢٤]، وغير ذلك من الآيات التي تخاطب العقل وتأمره بالتدبر والتفكر في آيات الله وفي الخلق والكون وغير ذلك.
وقيل لأعرابي من البادية: بم عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير.
يعني: لو أن جملاً مشى في الصحراء لعرف أثر قدمه، والعرب كانوا يعرفون آثار الأقدام، ونحن في هذا الوقت لا نعرف ما يمشي إلا السيارة، وأما الأعراب فكانوا يعرفون أن الذي مشى من هنا معزة فلان، فكانوا يعرفون حتى لمن هي، فهذه حياتهم.
وكان أحدهم يضع أذنيه قريباً من الأرض، وقد يسمع أصواتاً من بعد فإذا نظر ولم ير أحداً وإنما سمع دبيب الأرجل على الأرض علم أن هناك أناساً جاءوا من الشمال أو من اليمين أو من الجنوب.
فهذه حياتهم، وهم أئمة في ذلك.
فهذا الأعرابي لما سئل: بم عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ بلى.
ولهذا قال الله : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥].
يعني: أهم خلقوا من غير شيء فأوجدوا أنفسهم بعد أن لم يكونوا؟ أم هم الخالقون للكون؟ أم أنهم كانوا في الأصل عدماً؟ فكيف أوجدوا أنفسهم فضلاً عن كيفية إيجادهم لغيرهم؟ فالعقل يدل دلالة قطعية على وجود الله ، ولا بأس بأن نقول: معرفة الله ﵎ واجبة بالسمع، ولا بأس أن نستأنس بالعقل السليم الراشد.
следующие страницы →