← Акыда

Акыда · id 37437

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي ﵊ وأما الأحاديث عن النبي ﵊ فقد بلغت حد التواتر، ورواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، منها [حديث أبي هريرة ﵁: (أن ناساً قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)]، وتأمل الدليل عندما يكون صحيحاً وصريحاً فإنه يطمئن، ويبطل النزاع، ومع ذلك فهذه الأدلة لم تنفع المعتزلة والجهمية، فإنهم لما كانوا أصحاب هوى وانحراف أضلهم الله ؛ لأنهم استحبوا العمى على الهدى، فأعماهم الله في الدنيا والآخرة. [قال: (إن ناساً قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)]، وهذا سؤال واضح؛ لأنهم يعرفون أنهم لن يروه في الدنيا، والصحابة كانوا مجمعين على أن رؤية الله مستحيلة في الدنيا. وعند ذلك سألوا عن شيء آخر وجديد، (هل نرى ربنا يوم القيامة؟)، والمقصود بيوم القيامة: يوم المحشر، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] المراد بقوله سبحانه: (يومئذ) أي: يوم المحشر، فإن أهل الإيمان هم الذين ينظرون إلى الله ، لكن هل ينظر إليه الكفار والمنافقون في المحشر؟ هذه الجزئية والفرعية سنتكلم عنها بإذن الله. فقوله: (قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)، وكان بإمكانه أن يقول: نعم، لكنه أراد أن يضرب لنا مثلاً ليكون أبلغ في إيصال هذا العلم، [فقال: (هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟)]، أي: عندما يكتمل القمر لا يكون بينكم وبينه ضير ولا ضيم، ولا يحجبكم عن رؤيته شيء. قال: [(قالوا: لا يا رسول الله! قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟)]، أي: عندما تطلع الشمس وتكون صحواً، هل تعلمون علماً يقيناً حين النظر إليها أن هذه الشمس هي التي خلقها الله أم لا؟ [قال: (فإنكم ترونه كذلك)] أي: لا يمنعكم ضيم ولا شك ولا ريب من رؤية الله كما ترون الشمس والقمر. وهنا شبهة عظيمة جداً وقعت فيها المعتزلة والجهمية، فقالوا: إن هذا النص يفيد التشبيه، أي: تشبيه المولى ﵎ بخلقه، إذ أنكم لو أثبتم هذا للزمكم أن تقولوا بالتشبيه بين الله ﵎ وبين خلقه من الشمس والقمر. والجواب عن هذه الشبهة: أنه قد ورد في نفس الحديث أنه ﵊ قال: (فإنكم ترونه كذلك)، فالضمير يعود إلى الله ، أي: كما ترون الشمس والقمر، إذاً ليس هنا تشبيه. والمقصود من الحديث تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، فالنبي ﵊ شبه رؤيتك في الوضوح لله برؤيتك للشمس والقمر في الوضوح، بحيث لا يمنعك شيء؛ لأن الذي يمنعك عن الله هو الحجاب، فإذا كشف الله ﵎ الحجاب هل يمنعك من رؤية الله شيء؟ لا. فالشمس إذا كان بينك وبينها سحاب تحجب، وإذا رفع هذا الحجاب، ولم يكن هناك سحاب فإنك ترى الشمس صحواً، وإذا نظرت إلى القمر ليلة البدر في تمامه ليس هناك غيم ولا ضوء عليك؛ فإنك ستراه على صورته الحقيقية. لذا فالنبي ﵊ قال: (فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس)، فشبه الرؤية بالرؤية من جهة الوضوح، ولم يشبه المرئي -وهو الله بالمرئي -وهو الشمس والقمر-. وحديث أبي سعيد الخدري بنفس سياق حديث أبي هريرة.

стр. 597

رواية جرير بن عبد الله البجلي [عن جرير بن عبد الله البجلي قال: (كنا جلوساً مع النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم عياناً)]، أي: سترون ربكم بأعين رءوسكم، لكن لماذا موسى لم يره؟ لأن الله سيركب فينا يوم القيامة بصراً شديداً حديداً نتمكن به من رؤيته، وأما الآن في الدنيا فلا؛ لأن نظرنا لا يحتمل. [قال: (كما ترون هذا -وأشار إلى القمر- لا تضامون في رؤيته)].

стр. 598

رواية أبي موسى الأشعري وحديث صهيب الذي ذكرناه، [وحديث أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين أن ينظروا إلى ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء)]، أي: أن الحجاب الذي بيننا وبين رؤية الله هو رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن، فإذا كشف هذا الرداء رأيت الله .

стр. 599

رواية عدي بن حاتم ﵁ [وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: (وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه)]، واللقاء ثابت، فإذا كنت تلقى الله لقاءً -واللقاء يقتضي المعاينة- فمعنى ذلك أنك ستراه بعينك، [قال: (ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان، فليقولن: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب!) -ولو أنكر فإنه سيختم على فيه فتتكلم جوارحه- قال: (فيقول: بلى يا رب! فيقول: ألم أعطك مالاً، وأتفضل عليك؟ فيقول: بلى يا رب!)]. والشاهد في الحديث: أن اللقاء يوم القيامة سيكون وجهاً لوجه بين الخالق والمخلوق، وهذا يقتضي النظر إليه بالعين، وقد روى أحاديث الرؤية نحو من ثلاثين صحابياً، فهي قد بلغت حد التواتر، ومن أراد الوقوف عليها فليواظب على سماع الأحاديث النبوية، فإن فيها مع إثبات الرؤية أنه يكلم من شاء إذا شاء، وأنه يأت الخلق يوم القيامة لفصل القضاء، وأنه فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأنه يتجلى لعباده، وأنه يضحك إليهم، إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية والمعتزلة بمنزلة الصواعق، بل أكره شيء على كل الفرق الضالة أن تسمعهم آيات وأحاديث الصفات؛ لأنهم مؤولون ومخالفون لها. قال: [وكيف يعلم وصول دين الإسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله؟]، وهذا كلام جميل وقوي، ومعناه: من أين ستتعلم هذه الأصول من قول فلان وعلان؟! كما يقول ابن القيم: العلم قال الله وقال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول سفيه يعني: إذا ثبت الكلام في كتاب الله أو في سنة النبي ﷺ فليس لفقيه قول، وإذا تكلم الناس بخلاف ما في الكتاب والسنة فأقوالهم مردودة ومطروحة؛ ولذلك يقول هنا: وكيف نتعلم أصول ديننا الإسلامي من غير كتاب الله وسنة رسوله؟ وكيف يفسر كتاب الله بغير ما فسر به رسوله وأصحاب رسوله الذي نزل القرآن بلغتهم؟ والورع كل الورع ألا يتكلم امرؤ في دين الله إلا بعلم، ولذلك يقول أبو بكر الصديق ﵁ عندما سئل عن معنى (الأب) في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١]: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن قلت في دين الله تعالى ما ليس لي به علم. أي: اسألوا واحداً آخر غيري عن معنى الأب، فأنا لا أعرف معناها. فتأمل كلام الصديق ﵁، والظن به أن يعلم ذلك، لكن لما كان المراد مرعى الإبل والماشية ربما يكون أهل البدو أعرف بهذا التأويل من أبي بكر الحضري، فقال: اسألوا عنه غيري، فأنا لا أستطيع أن أتكلم في دين الله برأيي؛ لأني أخشى ألا تظلني السماء، ولا تقلني الأرض إن قلت في دين الله ما ليس لي به علم. قال: [وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر، تشبيهاً لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي]. ويقول: وفي هذا الحديث دليل آخر على علو الله على خلقه؛ لأنه قال لهم: (هل ترون القمر؟ هل ترون الشمس؟)، إذاً فأنتم سترون ربكم في جهة العلو؛ لأنه ضرب لك مثلاً بشيئين موجودين في السماء، فإذا كنت ترى الشمس أو القمر في العلو فلا بد وأن ترفع وجهك إلى السماء حتى ترى الله . قال: [فيه دليل على علو الله على خلقه، وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟]، وأما الأشعرية فقالوا بأن الرؤية ستتم، لكن بشرطين: الأول: رؤية بلا مقابلة! وهذا كلام غير منطقي ولا يعقل. الثاني: رؤية الفؤاد وليست رؤية العين. ومنهم من قال: يرى لا في جهة، ولفظ (جهة) من الألفاظ المحدثة التي لم تكن معلومة في حياة السلف، ومنهج السلف أن الله سيُرى، لكن قولهم: ليس في جهة، مصطلح محدث، وأي مصطلح محدث وجديد لا يقول به السلف، وإنما يتوقفون عنده، ومن قال به ناقشوه: ماذا تريد بهذا اللفظ؟ لأن الكلام في الاعتقاد من أخطر ما يمكن، فكلمة فيه تأخذك إلى جهنم، وكلمة تدخلك الجنة. فمن قال: إن الله يرى لا في جهة، سنقول له: هل لفظ (الجهة) قاله النبي ﵊؟ فسيقول: لا، فنقول: قاله أبو بكر؟ فسيقول: لا، فنقول: قاله عمر، أو عثمان، أو الصحابة والتابعون؟ فسيقول: لا، فنقول: إذن لماذا قلته؟ فسيقول: إنما قصدت به معنى عندي، فنقول له: ما هو هذا المعنى؟ قال: أنا أردت أن الله تعالى ليس محدود بحد؛ لأن وجوده في ناحية أو في جهة يدل على أنه محدود، أو على أنه جسم من الأجسام، فنقول له: أليس عندك في ذلك شيء قط من اعتقاد السلف؟ فإن قال: ما أردت بكلمة (الجهة) إلا العلو والفوقية لله ، فنقول له: نعم، لكن الأولى أن تلتزم في هذا الباب وفي هذه المسألة بما ورد من مصطلحات في الشرع. فعندما تقول: إن الله تعالى في السماء، فسنقول لك: ليس هناك أي خلاف معك، وكونه في السماء لا يدل على أنه محدود بجهة، فقولك: إن الله في السماء خير من قولك: في جهة

стр. 600

أقوال أهل العلم في رؤية الكفار والمنافقين لله في المحشر والرؤية حق لأهل الجنة، وهي تخصيص لأهل الجنة، فإن تخصيص أهل الجنة بالذكر يفهم منه نفي الرؤية عن غيرهم، ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة؛ لأن رؤية الله ﵎ تتم مرتين: مرة في المحشر أمام جميع الخلائق، وليس فقط للمؤمنين، فيكشف الحجاب سبحانه ويراه أهل الموقف في المحشر، بل ويكلمهم ويحاسبهم ويزن أعمالهم، ثم إما إلى الجنة وإما إلى النار، فهل يثبت من هذا رؤية أهل الكفر والنفاق لله في المحشر؟ إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة مسلمة، ورؤية المؤمنين لربهم في الجنة ثابتة لا يزاحمهم فيها غيرهم؛ لأنه ليس هناك غير المؤمنين في الجنة، لكن القضية هنا محصورة في المحشر، فهل يرى الكافرون ربهم؟ وهل يخاطب الله ﵎ الكافرين والعصاة والمنافقين أم لا؟ قال: [(ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن النبي ﷺ ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ [الأحزاب:٤٤])]، أي: يوم يلقونه في المحشر. قال: (واختلف في رؤية أهل المحشر على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يراه في المحشر إلا المؤمنون. والقول الثاني: يراه أهل الموقف -يعني: جميع من يقف في الحساب والعرض يراه- المؤمن والكافر والمنافق، ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه بعد ذلك)، يعني: يرون الله في وقت الحساب والعرض، ثم يحتجب عنهم بعد ذلك كما احتجب عنهم قبل ذلك. (القول الثالث: يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار)، وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف. والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى رجح الرأي الأول، أي: أن المؤمنين فقط هم الذي يرون ربهم يوم القيامة في المحشر، كما يخصون برؤية المولى في الجنة، واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعيني رأسه. وأما قوله: (بغير إحاطة ولا كيفية) أي: لا تدركه الأبصار، فلا تحيط به علماً ولا كيفية؛ لأن الله تعالى لا يكيف من قبل خلقه، بل ولا يعلم كيفيته إلا هو ، وكما خفيت علينا كيفية الذات فلا بد وأن تخفى علينا كيفية الصفات، ومن صفاته الفعلية: الرؤية، والكلام مع خلقه من غير ترجمان، والإذن لخلقه بالنظر إليه ورؤيته. فهذه من صفات أفعاله ، وإن كانت الرؤية من فعل العبد، إلا أن الله ﵎ مكن منها عباده المؤمنين. وأما تفسير قول النبي ﵊: (ما منكم) أي: ما منكم يا معشر الأمة، قال: (من أحد إلا سيكلمه ربه)، ولما تكون هناك مسألة تحتاج إلى أدلة، وهذا الدليل يفهم منه عدة أوجه؛ فإن الترجيح فيها يكون بناءً على شيء ينقدح في نفس العالم، ويأتي عالم آخر فينقدح في ذهنه وعقله ترجيح مذهب آخر، وبناءً عليه يصعب جداً أن تقطع فيه بقول فصل وتقول: وما عدا هذا القول باطل، لكن تقول: هذا أرجح من ذاك؛ لأنه عندما تقرأ الأقوال وتطلع عليها وأنت طالب علم فكيف ترجح القول هذا؟! ولو سألناك عن الدليل، فهل يكفي أنه شيء انقدح في نفس الجاهل؟ لا. وأختم بأبيات جميلة في إثبات الرؤية للإمام ابن القيم عليه رحمة الله تعالى: فبينا هم في عيشهم وسرورهم وأرزاقهم تجري عليهم وتقسمُ تجلى لهم رب السموات جهرة فيضحك فوق العرش ثم يكلم سلام عليكم يسمعون جميعهم بآذانهم تسليمه إذ يسلم يقول: سلوني ما اشتهيتم فكل ما تريدون عندي أنني أنا أرحم فقالوا جميعاً نحن نسألك الرضا فأنت الذي تولي الجميل وترحم ولله أفراح المحبين عندما يخاطبهم من فوقهم ويسلم ولله أبصار ترى الله جهرة فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة أمن بعدها يسلو المحب المتيم فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم ولله واديها الذي هو موعد المزيد لوفد الحب لو كنت منهم وحي على يوم المزيد الذي به زيارة رب العرش واليوم موسم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 601

الأسئلة

стр. 602

حكم التوفير في البنك الربوي السؤال دفتر التوفير في البنك يحدد آخر كل سنة مقدار الأرباح، وتختلف من سنة لأخرى، فهل يكون هذا ربا؟ الجواب يا أخي! لا تذهب إلى البنك؛ لأن المسألة فيها لبس، والذي فهمته وأنا بعيد عن البنك، ألا يستطيع أن يفهمه المتخصصون في البنك، لو أعطاك كل سنة (١٠%) فستبقى النسبة معروفة ومحددة سلفاً، لكن لو أعطاك هذه السنة نسبة والسنة الآتية نسبة تختلف عنها، والسنة التي بعدها تختلف على الاثنتين، فهم ضابطون لحساباتهم جيداً، وحاسبون الربح جيداً، لكن على أية حال نقول: إذا أردت أن تضع أموالك فضعها في بنك فيصل، أو في المصرف الإسلامي الدولي.

стр. 603

حكم تفضيل الأنبياء على بعضهم السؤال يقول البعض: إنه لا يجوز تفضيل نبي على نبي؛ كأن نقول: إن سيدنا محمد أفضل من سيدنا إبراهيم قولاً باللسان، وإن كان ذلك من المعلوم في النصوص، فهل هذا صحيح؟ الجواب سؤال وجيه صراحة، والنبي ﵊ يقول: (لا تقولوا: أنا خير من يونس بن متى) مع أنه هو القائل ﵊: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فالله أعطى نبيه السيادة والسؤدد والعلو والرفعة على ولد آدم ومنهم الأنبياء، ومعلوم قطعاً عند كل مسلم أن أفضل الخلق على الإطلاق منذ أن خلق الله الخلق إلى يوم القيامة هو محمد ﷺ ، فكيف يجمع بين ذلك؟ و الجواب أن معنى ذلك: أنه لا تفضيل بين نبي ونبي في الإيمان بنبوته، بل أنت ملزم بأن تؤمن بجميع الأنبياء كما آمنت بمحمد ﵊. أما اعتقادك أنه خير الخلق، وأفضل الأنبياء؛ فهذا اعتقاد واجب ولازم؛ لأن النبي ﵊ أشار إليه بقوله: (أنا سيد ولد آدم). وقوله هنا ﵊: (لا تقولوا: أنا خير من يونس بن متى) أي: لا تفضلوني عليه من جهة اعتقادكم أنه نبي وأنا نبي.

стр. 604

حكم إعطاء الوالد لبعض أولاده شيئاً دون الآخرين السؤال كتب رجل لاثنين من أولاده الذكور قطعة أرض اشتراها؛ بحجة أنهما بذلوا مجهوداً شاقاً في شراء الأرض، مع العلم بأنه ذو خمس بنات، فما حكم ذلك؟ الجواب لا يجوز ذلك، وقد أتى بشير إلى النبي ﵊ ليشهد على أن ينحل أحد أولاده نحلة، فقال النبي ﵊: (أنحلت كل ولدك مثلما نحلت هذا؟ -أي: هل أعطيت كل واحد من أولادك مثل ما أعطيت هذا؟ - قال: لا، قال: اذهب إلى غيري فأشهدهم على ذلك، فإني لا أشهد على زور)، وهذا من باب التغليظ والتوبيخ على سوء فعله، لا من باب أنه أجاز له ذلك الفعل، فيذهب يستشهد واحداً آخر. ودائماً تبقى حقوق البنات مهضومة وكأنها سنة متفق عليها، وقد كنت في قضية في مدينة السلام منذ أيام، حيث قابلت رجلاً يملك أرضاً شاسعة جداً، وهو مليونير، وأولاده من الذكور والإناث كلهم ملتزمون، وقد أراد أن يقسم الميراث قبل موته، وبالفعل قسمه على أولاده الذكور، وأعطى لكل بنت ما تقوم به الحياة من أموال. فولد من أولاده سألني عن حكم ذلك التقسيم؟ فقلت له: إنه غير جائز، ثم ذهبت أتكلم مع هذا الرجل فقال لي: يا شيخ! كلمة واحدة، ما فيه شيء اسمه بنت تأخذ أرض، فقلت له: ما فيه حاجة اسمها تقسيم الميراث في حياتك، اسمه ميراث؛ لأنه يوزع بعد موتك، والتوزيع هذا باطل، وأولاده كلهم جالسون، فقلت لهم: كل واحد تستهويه نفسه أن يأخذ عقد البيع والشراء الذي كتبه له أبوه هذا، ووالله العظيم إنه حطب جهنم وبئس المصير، فإذا أردتم أن تأخذوا هذه الأوراق فخذوها، فقالوا: كلهم: لا نريدها، فقال لهم أبوهم: سأحرمكم وأتزوج أخرى، وأكتب لها كل الأرض. لذا دائماً في كل أسرة وبعد كل وفاة تطرح قضية الظلم في توزيع الميراث، وخاصة في الفلاحين، فحدث ولا حرج، فالبنت ليس لها عندهم أي شيء مطلقاً، فيقول لك: خسارة أن يرجع الميراث لزوج ابنتي! مع أن هذا شرع ربنا، ثم هل ربنا لما فرضه كان ينسى أن هذا سيئول إلى زوجها؟ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢] فالله ﵎ كما قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، فلما شرع الشرع هذا ختمه بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩] أي: أي إنسان يتعدى ما حدده له الميراث فهو معتدي. وهذا العدوان لا ينفعه في قبره، ولو أراد أن يقسم الميراث قبل الموت فجائز، بل أحياناً المصلحة تستدعي ذلك. فلو أن رجلاً عنده ولد طيب وموحد ومتسامح، ولا يريد المشاكل، وعنده ولد هو شيطان، فلو أنه ترك الأرض والبيت والسيارات للأولاد يقسموها بينهم بشرع الله، فإن هذا الولد لن يمكنهم من شرع ربنا، ولا حتى من شريعة نابليون، بل سيأخذ المال كله، والذي لا يريد يضرب رأسه في الرصيف، ففي هذه الحالة توزيع الميراث ربما يكون جائزاً مشروعاً؛ رفعاً للضرر، لكن لا بد أن يتم بشرع الله ﵎، ويبقى الرجل صاحب حق في البيع والشراء؛ لأن هذا ماله، ولا بأس أن يكتب أوراقاً تضمن له الحق؛ لأننا نسمع بالليل والنهار أن الرجل ربما يريد أن أولاده لا يختلفون من بعده، فيكتب لهم كل شيء له، فأول ما كتب استلم كل واحد منهم الورقة في يده وطردوه من البيت، وصار شريداً يتكفف الناس حتى يأكل ويشرب، وهذا حاصل، فهذا الشعب المجرم انتشر الظلم فيه من كل وجه، حتى مع الآباء والأمهات.

стр. 605

حكم المذي عند المرأة السؤال ما حكم المذي عند المرأة إذا كانت كثيرة المذي؟ الجواب إذا خرج من الفرج وأصاب الثياب ببلل؛ وجب عليها أن تغسل الموضع، وأن تتوضأ.

стр. 606

الرؤية يوم المحشر السؤال جاء في حديث النبي ﵊ بعد قراءته الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] قال: (لما دخل أهل الجنة الجنة والنار النار) إلى آخر الحديث، قال: ففي الحديث أن أهل الجنة يقولون: (ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة). إذاً فالرؤية زيادة لم تحدث من قبل، وهذه الزيادة هي النظر إلى وجه الله؛ ولذلك جاءت بعد دخولهم الجنة، وكانت أفضل النعيم، فكيف الرؤية يوم المحشر؟ الجواب لقوله ﵎: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وفي قوله ﵊: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)، و (ما منكم من أحد إلا يلقى ربه فيحاسبه) وهذا في المحشر؛ لأن الجنة ليس فيها حساب، واللقاء لا يكون إلا برؤية.

стр. 607

كيفية دفن النبي ﵊ السؤال هل دفن النبي ﵊ في شق أو في لحد؟ الجواب دفن في لحد، وهو القائل: (اللحد لنا، والشق لغيرنا)، فكيف يخالف الأمة في قبره ﵊؟!

стр. 608

موقف الإمام عند الصلاة على الجنازة السؤال أين يقف الإمام عند الصلاة على الجنازة؟ الجواب يقف من المرأة عند وسطها، ويقف من الرجل عند رأسه.

стр. 609

حكم من يسب الله أو دينه السؤال ما حكم الدين في معاملة الوالد الذي يسب دين الله، بل يسب الله تعالى، كما أنه كثير الكذب، وأنا لا آكل معه، ولا ألقي ﵇، كما أن نفسي لا تستريح إلى معاملته ومخالطته؟ الجواب إن الذي يسب الله كافر كفراً مخرجاً من الملة، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، ولا يوجد أحد يجهل أن سب الله كفر، إذ إن ذلك مما فطر عليه الخلق، فلا يحتاج إلى علم؛ لأن العلم به قرن بالقلوب منذ أن خلق الله تعالى الخلق، وإذا ثبت كفره على هذا النحو فإنه يأخذ حكم الكافر في كل شيء.

стр. 610

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - رؤية النبي لله عزوجل رؤية النبي ﷺ لربه في الدنيا بعينيه غير ثابتة، لكنه رآه بقلبه ورآه مناماً، هذا هو الراجح من كلام المحققين من العلماء، كما أن المؤمنين لن يروا ربهم في الدنيا حتى يموتوا، ورؤيتهم له في يوم القيامة وفي الجنة حق، ويحجب الكفار عن رؤيته في ذلك اليوم؛ عقوبة لهم من الله، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافاً لما يعتقده أهل الفرق الضالة والمنحرفة.

стр. 611

مباحث في رؤية النبي والمؤمنين لربهم في الدنيا والآخرة إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. سنتكلم الآن عن موضوع له علاقة بهذه الأيام وبهذا الشهر الجاري وهو شهر رجب، فالناس قد انطبع في أذهانهم أن الإسراء والمعراج كان في شهر رجب، مع أن هذه المسألة غير ثابتة وغير موثقة، وتحديد ليلة الإسراء بالنبي ﵊ والعروج به إلى السماء السابعة غير دقيق، وهو محل نزاع واختلاف بين أهل العلم، ولكن شاع وفشا وانتشر أن ذلك كان في رجب، حتى ظن العامة أن الإسراء والمعراج كانا في السابع والعشرين من شهر رجب، ثم انطبع في أذهانهم أن النبي ﵇ قد رأى ربه بعيني رأسه في هذه الليلة. وهذه المسألة محل نزاع كبير بين أهل العلم، وهذا الكلام قد نشأ في زمن الصحابة ﵃، ففي الوقت الذي يؤيد فيه ابن عباس الرؤية تنفي فيه عائشة وعبد الله بن مسعود وأبو ذر ﵃ أجمعين الرؤية كذلك. فهذه المسألة لا يضلل فيها المخالف ولا يبدع؛ لأن الخلاف قد وسع الصحابة ﵃ في هذه القضية، مع أننا لو دققنا النظر لما وجدنا أي خلاف بين مذهب ابن عباس ومذهب عائشة وابن مسعود ﵃ أجمعين، ولكن الخلاف وقع بعد ذلك بين أهل العلم، وعلى وجه التحديد وقع في القرن الثاني، وفي بداية القرن الثالث. وهنا عدة أسئلة وهي: الأول: هل رأى النبي ﵊ ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء أم لا؟ السؤال الثاني: هل رآه بفؤاده وبقلبه أم لا؟ السؤال الثالث: هل رؤية الله للمؤمنين -أي: من غير الأنبياء- بأعين رءوسهم ممكنة في الحياة الدنيا أم لا؟ السؤال الرابع: هل رأى النبي ﵊ ربه في المنام أم لا؟ السؤال الخامس والخاتم لهذه الأسئلة في مسألة الرؤية: هل الكافرون والمنافقون يرون ربهم ﵎؟ فهذه أسئلة أساسية في قضية الرؤية، ينبغي الإجابة عن كل سؤال بالتفصيل.

стр. 612

رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج ونبدأ بخلاف أهل العلم في مدى تمكن النبي ﵊ من رؤية ربه في ليلة الإسراء من عدمها، فهل رآه حقاً بعيني رأسه أم رآه بفؤاده؟ ذكر الإمام النووي في شرح حديث أبي ذر ﵁ أنه قال: (سألت النبي ﵊: هل رأيت ربك؟ قال النبي ﵊: نور أنى أراه؟)، وأنى بمعنى: كيف، أي: نور كيف أراه؟ فقد حجب النور رؤيتي لله ، فلو لم يكن هذا النور لرأيته. وهذا يدل على أنه لم ير الله ، لكن سئل ابن عباس ﵁: (هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج؟ فقال: نعم). ولا شك أن الإسناد إلى ابن عباس صحيح، ولكن وقع نزاع في إجابة ابن عباس المترتبة على السؤال، فقوله: (نعم)، ماذا يقصد به، هل قصد ابن عباس أنه رآه بعيني رأسه، أو أنه رآه بفؤاده وقلبه؟ فبعضهم مال إلى أن إجابة ابن عباس مفادها أنه رآه بعيني رأسه، وليس هناك تصريح في شيء من كتب السنة أن ابن عباس قال: رآه بعيني رأسه، ولكنهم حملوا إجابته على رؤية العين. وأما جمهور أهل العلم فحملوا إجابة ابن عباس على رؤية الفؤاد، خاصة وأن عائشة ﵂ حدثت بالسند الصحيح إليها فقالت: (ومن حدثكم أن محمداً ﵊ قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية)، وفي رواية: (فقد كذب). أي: من حدثكم أنه رآه بعيني رأسه فقد كذب، ولم توجه هذا الكذب لـ ابن عباس؛ لأنها حملت كلام ابن عباس على رؤية الفؤاد ورؤية القلب، ولم تحمله على رؤية العين. فتبين عند التدقيق أن كلام السلف جميعه محمول على رؤية النبي ﵊ لله تعالى بعين قلبه وفؤاده لا بعين رأسه. وهنا نحمل كلام من أثبت الرؤية على رؤية الفؤاد والقلب، ومن نفى الرؤية على نفي الرؤية بعيني رأسه، فنخرج من هذا أن الرؤية ثبتت للنبي ﵊ بعين قلبه لا بعيني رأسه.

стр. 613

إثبات النووي رؤية النبي ﷺ لربه بعيني رأسه والرد عليه ولكن الإمام النووي عليه رحمة الله مال إلى إثبات رؤية النبي ﵊ لربه بعيني رأسه، فقال عليه رحمة الله بعد أن ذكر خلاف أهل العلم في هذه القضية: فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء؛ لحديث ابن عباس، والإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله ﵊. أي: ليس معقولاً أن ابن عباس يجيب السائل: هل رأى النبي ﵊ ربه؟ فيقول: نعم؛ من غير أن يكون عند ابن عباس دليل، لكن ابن عباس لم يسق هذا الدليل. وهذا غير صحيح، ولو ساق الدليل لحملناه على أنها رؤية فؤاد وقلب. قال: وهذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه. أي: أن الصحابة إذا أخبروا في هذه القضية بخبر فلا بد أن يكون لهم فيها نص عن النبي ﵊. ثم قال: ثم إن عائشة ﵂ لم تنف الرؤية بحديث عن النبي ﵊، ولو كان معها منه حديث لذكرته. يقصد أن عائشة لما قالت: (من حدثكم أن محمداً قد رأى ربه فقط أعظم على الله الفرية). فهذا كلام من عندها هي، وهي لم تنف الرؤية بحديث عن النبي ﵊، بمعنى أنها لم تسأله فأجابها بالنفي. فنقول: إذا كانت عائشة ﵂ لم تنف بحديث مرفوع فقد نفى بحديث مرفوع أبو ذر ﵁، وذلك لما قال: سألت النبي ﵊: (هل رأيت ربك؟ قال: رأيت نوراً)، وفي رواية: (نور أنى أراه؟) أي: حجبني النور، أو أن الله تعالى نور، فمن أسمائه النور، وهذا النور مخلوق لله بنور الله الذي هو اسم من أسمائه، ولا يجوز أن نشبه النور الذي نعرفه بالنور الموصوف به الله ﵎ والمسمى به؛ لأن النور جسم من الأجسام، وهذا لا ينبغي ولا يجوز لله . وقال النووي في تأويل حديث أبي ذر: (نور أنى أراه؟): حجابه نور فكيف أراه؟ أي: والحالة هذه فكيف أرى الله وقد حجبني عن الرؤية النور الذي اتخذه الله ، أو النور الذي هو من أسماء الله تعالى وصفاته. فإذا كان الإمام النووي يؤكد هذا المعنى، ويميل إلى هذا التأويل فما باله يذهب مرة أخرى إلى أن النبي ﵊ رأى ربه؟! فهذا يؤكد صحة ما ذهبت إليه عائشة ﵂ من أن النبي ﵊ لم ير ربه في تلك الليلة. فإن قيل: إن هذا حدث وعائشة لم تزل صغيرة، فلعلها أخطأت، فنقول: لم لم ترجع عائشة عن هذا القول؟ نعم أن الإسراء والمعراج كان والنبي ﷺ في مكة، ولكن عائشة استمرت حياتها بعد ذلك لمدة أعوام، وماتت في سنة (٥٠) هجرية أو بعدها، فإذا كانت عائشة قد أخطأت قبل أن تبلغ الحلم فما الذي منعها أن تصحح هذا الخطأ بعد بلوغها، وفي تقدمها في السن؟ وخاصة أن هذه مسألة اعتقادية خطيرة لا بد وأن تراجع فيها عائشة مرة أخرى وثانية وثالثة، فلم لم ترجع عن هذا المذهب؟ ثم إن عائشة لم تنفرد هنا وحدها بالنفي، فهناك معها أبو ذر، ومعها عبد الله بن مسعود، وسكوت الصحابة ﵃ عن مثل هذا يدل على أنهم موافقون لـ عائشة، وتأويلهم لحديث ابن عباس أنها رؤية قلب يدل على أن المسألة عند الصحابة على جهة الخصوص لم يكن فيها خلاف؛ لتأويل كلام ابن عباس بما يتفق مع مذهب جمهور الصحابة ﵃. وابن تيمية عليه رحمة الله يتكلم بكلام جميل جداً على قوله ﵊: (نور أنى أراه؟) فيقول: معناه: كان ثَم نور، يعني: كان هناك نور فحجبني عن الرؤية، وحال دون رؤيته، ويدل عليه أن في بعض ألفاظ الصحيح: (هل رأيت ربك؟ فقال: رأيت نوراً) ولم يقل: نعم، وإنما قال: (رأيت نوراً)، وقد أعضل أمر هذا الحديث، وأشكل على كثير من الناس، حتى صحفه بعضهم فقال: نوراً إني أراه، وهذا لا يتفق مع اللغة العربية، وتصحف كذلك بما هو أقبح من ذلك على بعض المحدثين فقال: (نوراني أراه) بدل (نور أنى أراه؟) فجعلها كلمة واحدة فقال: نوراني أراه، وهذا شر من سابقه. وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي -وهو من جبال السنة- في كتابه الرد على بشر المريسي إجماع الصحابة على أنه ﷺ لم ير ربه ليلة المعراج. إذاً: فهذا إجماع الصحابة -وهو محل احترام واعتبار- على أنه ﵊ لم ير ربه ليلة المعراج، وبعض من صنف في هذا الباب يستثني ابن عباس من ذلك، وشيخنا يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة؛ فإن

стр. 614

القول الراجح في رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء والمعراج وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: (رأى محمد ربه بفؤاده مرتين). وهذا تخصيص من ابن عباس أن الرؤية كانت بالفؤاد والقلب، فلم يصرح بل ولم يجسر أحد أن يروي عن ابن عباس تصريحه بأنه رأى ربه بعيني رأسه، في الوقت الذي نجد التصريح الصحيح عن ابن عباس أن هذه الرؤية كانت بالفؤاد مرتين. وعائشة أنكرت الرؤية، فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد، فهل بعد هذا التوفيق يكون هناك تعارض بين قول ابن عباس وقول عائشة؟! فلابد أن نصدق عثمان بن سعيد الدارمي في أن الصحابة أجمعوا على أن النبي ﷺ لم ير ربه بعيني رأسه. فالرؤية في معتقد ابن عباس كانت بالفؤاد وليست بعيني الرأس، وهذا المذهب لـ ابن عباس يوافق مذهب جماهير الصحابة في إثبات الرؤية بالفؤاد لا بالعين. وتارة يقول: رأى محمد ربه، وتارة يقول: رآه محمد ﵊، ولم يثبت عن ابن عباس ﵄ لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الإمام أحمد تابع لـ ابن عباس في ذلك، والإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله مذهبه أثري حديثي يلتزم بالنص الوارد، وأنت تجد أن أهل العلم يفتون على قواعد أصولية، ويفتون على استنباطات اجتهادية، وكذلك أحمد بن حنبل، ولكن أحمد قال: إذا بلغك الأثر فاعمل به ولو مرة؛ تكن من أهله. ولذلك لو نظرنا إلى كلام أهل العلم في صلاة الضحى مثلاً لوجدنا لهم قولاً واحداً، ولـ أحمد أقوال: ركعتان، وأربع ركعات، وست، وثمان، واثنتا عشرة ركعة، لماذا؟ لأن كل عدد من هذه الأعداد جاء به نص، فتارة يفتي بهذا الحديث، وتارة يفتي بغيره، وتارة يفتي بالثالث حتى يستوعب ما ورد في المسألة من أقوال وآثار عن السلف. فـ أحمد بن حنبل قال مرة: رأى محمد ربه، فحمل بعض الناس هذا الإطلاق في كلام أحمد كما حملوه في إطلاق ابن عباس، فقالوا: قصد أحمد أنه رآه بعيني رأسه، وليس الأمر كذلك، بل ورد كلامه مقيداً. فالإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده كما قال ابن عباس، والذي قلناه في تأويل كلام ابن عباس نقوله في تأويل كلام أحمد بن حنبل، ولم يقل أحد من الحنابلة أو من غيرهم: إنه سمع أحمد يقول: رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهموا منه رؤية العين، وهذا الفهم لا عبرة به، وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، يعني: ليس هناك دليل يدل لا من قريب ولا من بعيد على أن الرؤية كانت بالعين، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، بل ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل، أي: أن النصوص الصحيحة تنفي أن النبي ﵊ رأى ربه بعيني رأسه؛ لإثباتها أن هذه الرؤية بالفؤاد مرتين، كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: (سألت النبي ﵊: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه؟). فالمسألة هذه مسألة اعتقادية عظيمة جداً، فلو كانت الرؤية قد ثبتت للنبي ﵊ بعيني رأسه فما الذي يمنعه أن يصرح بها وأن يبينها بياناً كافياً؛ حتى لا تختلف الأمة، خاصة وأن النبي ﵊ قد بين ما هو دونها بمراحل كثيرة جداً، وقد قلنا في باب الرؤية في الآخرة: إن الأحاديث قد تواترت في إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فأيهما أعظم وأجل قدراً: رؤية النبي ﵊ ربه بعيني رأسه في الدنيا، أم رؤية المؤمنين ربهم بأعين رءوسهم في الآخرة؟ بلا شك أن رؤية النبي ﵊ أعظم، مع أننا نجد أن المسألة في رؤية المؤمنين لربهم ثابتة بطريق التواتر، يعني: ورد في الرؤية عدة أحاديث عن كثير من الصحابة، في الوقت الذي لا نجد نصاً واحداً يثبت أن النبي ﵊ رأى ربه بعيني رأسه. وقال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]، ولو كان الله تعالى قد أراه ذاته العلية بعينه لكان ذكر ذلك أولى، فالنبي ﵊ في رحلة الإسراء والمعراج رأى من آيات ربه العظمى، وأعظم آية أن يرى ربه، فلا يتصور أن الله ﵎ يذكر الآيات الصغرى ولا يذكر الآية الكبرى العظمى وهي الرؤية، فلو كان رأى ربه

стр. 615

رؤية المؤمنين ربهم قال شيخ الإسلام: واتفقوا على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة عياناً، ومعنى عياناً: بأعينهم، ولكن ذلك بشرطين: أن هذه الرؤية تتم في يوم القيامة، ولأهل الإيمان خاصة، كما يرون الشمس والقمر. وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا، فبعضهم يقول: أنا رأيت الله في المنام، وأنهم يخطر لهم بغير سؤال ما حصل لموسى بالسؤال، فانظر إلى هذه الكرامات! أي: أن الله منحهم هذه الكرامة من غير أن يسألوه، ومنعها عن موسى بعد أن سأله، فهم أكرم على الله من موسى ﵇ الذي هو من الأنبياء! فأجاب: أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، وأجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم، ولم يتنازعوا إلا في النبي ﵊. وثبت عنه في الصحيح أنه قال: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت) يعني: حتى يموت فيبعث يوم القيامة. فبعد هذا الإجماع المنعقد من الأمة المبني على الدليل: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى الله حتى يموت) من يقول: أنا رأيت ربنا، نقول له: أنت كذاب. ومن قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضال. ومعظم الصوفية يدعي ذلك، كما قال أحدهم: لو فاتتني رؤية ربي في كل يوم وليلة لعددت نفسي منافقاً، فنقول له: أنت كافر بهذه الادعاءات، وهذا كذب. قال: فهو مبتدع ضال، مخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة؛ لاسيما إذا ادعوا أنهم أفضل من موسى ﵇، فإن هؤلاء يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا، والله تعالى أعلم. هذا ولم يثبت عن أحمد بن حنبل أنه رأى ربه، ولم يثبت عن الأوزاعي كذلك أنه رأى ربه، وهب أن ذلك ثبت فإنه لا عبرة بهذا الثبوت، فإن رؤية واحد من الأمة لا يمكن أن نعارض بها ما ثبت من النصوص وإجماع السلف. وأنتم تعلمون أن هناك فرقاً عظيماً بين قول المحدث: هذا أثر أو حديث صحيح، وبين قوله: هذا إسناد صحيح، أما قوله: (هذا حديث صحيح) أو (أثر صحيح) فهذا كلام ينطبق على المتن، وهو ما انتهى إليه السند من الكلام، وأما قوله: (هذا إسناد صحيح) فلا يستلزم قطعاً صحة المتن، فقد يكون السند صحيحاً والمتن شاذاً أو به علة، ومن علل المتن أن يخالف كتاب الله، أو أن يخالف حديثاً صحيحاً، أو يخالف ما أجمعت عليه الأمة، أو تحيل العقول السليمة الصحيحة المستقيمة على منهج النبوة أن يكون هذا من كلام النبي ﵊، أو من كلام واحد من أصحابه، ولو كان ذلك لرد لأجل هذه العلل، فما بالك بعد أن سمعت الآيات والأحاديث وإجماع سلف الأمة على أنه لن يرى الله تعالى أحد حتى يموت فيبعثه الله؟ فإذا قلت: قد رأى أحمد ربه، ورأى الأوزاعي ربه؛ قلنا: لا عبرة بهذه الرؤية إن صحت، ومع ذلك فهي غير صحيحة، فليس هناك نزاع ولا اختلاف والحالة هذه.

стр. 616

ما روي من أحاديث مكذوبة تفيد رؤية الله في الدنيا من الرسول وغيره وسئل ابن تيمية عن بعض الأحاديث التي وردت في صفات الله ﵎، والتي ليس لها وجود في دواوين السنة، وأنها في الغالب كذب وبهتان؛ فقال ابن تيمية: بل هي كفر شنيع. قال: وقد يقولون: من أنواع الكفر ما لا يروون فيه حديثاً، مثل حديث: (إن الله ينزل عشية عرفة على جمل أورق يخاطب ويعانق المشاة!)، وهذا أمر مخل جداً بجناب الإله ﵎، ومعنى أنه يعانق المشاة ويصافح الركبان: أن الركبان فوق مرتبة الإله، وصور الإله وكأنه رجل يعانق المشاة؛ لأنه بمحاذاتهم وموازاتهم! قال: وهذا من أعظم الكذب على الله ورسوله، وقائله من أعظم القائلين على الله غير الحق، ولم يرو هذا الحديث في أحد دواوين السنة، ولم يروه أحد من علماء المسلمين أصلاً، بل أجمع علماء المسلمين وأهل المعرفة بالحديث على أنه مكذوب على رسول الله ﵊. وقال أهل العلم كـ ابن قتيبة وغيره: هذا وأمثاله إنما وضعه الزنادقة الكفار والملاحدة؛ ليشينوا به على أهل الحديث؛ حتى يقال: إنهم يروون مثل هذا. يعني: يحاولون بقدر الإمكان أن يشوهوا صورة المحدثين، فيقال: هؤلاء هم المحدثون الذين تأخذون عنهم دينكم، يروون أن الله ينزل في عشية عرفة راكباً جملاً، ويصافح الركبان، ويعانق المشاة، وعند ذلك تفقد الثقة في الرواة. وكذلك يروون حديثاً آخر فيه: (أنه رأى ربه حين أفاض من مزدلفة -يعني: هو نازل من مزدلفة أفاض منها إلى منى- يمشي أمام الحجيج وعليه جبة صوف)، أو ما يشبه هذا البهتان والافتراء على الله الذي لا يقوله من عرف الله ورسوله. وهكذا حديث: (إن الله يمشي على الأرض)، فإذا كان هناك موضع خضرة قالوا: هذا موضع قدميه، ويقرءون قوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠]، وهذا أيضاً كذب باتفاق العلماء، ولم يقل الله: فانظر إلى آثار خطى الله، وإنما قال: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم:٥٠]، ورحمته هنا النبات. وهكذا أحاديث في بعضها: (أن محمداً ﷺ رأى ربه في الطواف) أي: رأى ربه وهو يطوف حول الكعبة، وفي بعضها: (أنه رآه وهو خارج من مكة)، وفي بعضها: (أنه رآه في بعض سكك المدينة). قال: وكل حديث فيه: أن محمداً ﷺ رأى ربه بعينه في الأرض فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم، فهذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين، ولا رواه أحد منهم. وإنما كان النزاع بين الصحابة في أن محمداً ﵊ هل رأى ربه ليلة المعراج؟ فكان ابن عباس ﵄ وأكثر علماء السنة يقولون: إن محمداً ﷺ رأى ربه ليلة المعراج، والنصوص واردة عن معظم علماء السنة أنه رأى ربه ليلة المعراج، لكن لم يقولوا: بعيني رأسه. وكانت عائشة ﵂ وطائفة معها ينكرون ذلك، ولم ترو عائشة ﵂ في ذلك عن النبي ﵊ شيئاً، ولا سألته عن ذلك، ولا نقل في ذلك عن الصديق ﵁، كما يرويه ناس من الجهال أن أباها سأل النبي ﵊: هل رأيت ربك؟ فقال: نعم. وقال لـ عائشة: لا، فـ عائشة لما سألته نفس السؤال هل رأيت ربك؟ قال: لا، ولما سأله أبوها: هل رأيت ربك؟ قال: نعم. هذا لا يتصور صدوره من النبي ﵊؛ ولذلك فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء، قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. وذكر القاضي أبو يعلى وغيره: أنه اختلفت الرواية عن الإمام أحمد ﵀: هل يقال: إن محمداً ﷺ رأى ربه بعيني رأسه، أو يقال: بعين قلبه، أو يقال: رآه؟ وأصح رواية فيها أنه قال: رأى ربه وسكت، والرواية الثانية: رأى ربه بعين فؤاده، أو قال: بعين قلبه. وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال: (رأيت ربي في صورة كذا وكذا) وهو المعروف عند أهل العلم بحديث: اختصام الملأ الأعلى، رواه أحمد بن حنبل، والدارمي في سننه، وليس في أحد من دواوين السنة الأصيلة إلا في هذين. قال أحمد: حدثني عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (أتاني ربي الليلة في أحسن صورة -يعني: في النوم- فقال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ -وهم الملائكة- قال: لا يا رب!). الشاهد من هذا الحديث: (أتاني ربي في أحسن صورة وأنا نائم). إذاً: فرؤية النبي ﵊ لربه ثابتة له في الدنيا، لكن رؤية منام لا رؤية حقيقية، ورؤى الأنبياء حق، فهذه الرؤية كانت منامية، ولم تكن بعين رأسه على الحقيقة. (

стр. 617

الرؤية القلبية والفؤادية تكون حسب عبادة العبد وتقواه لله قال شيخ الإسلام: ولكن الذي يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله، ويقين القلوب ومشاهدتها وتجلياتها على مراتب كثيرة، قال النبي ﵊ لما سأله جبريل ﵇ عن الإحسان قال: (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فرؤية الله لعباده رؤية حقيقية، وما الذي يمنع أن يرى عباده وهو البصير؟ فهنا يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الرؤية القلبية والفؤادية تكون حسب عبادة العبد وتقواه لله . وبعد أن ذكر إجماع الأمة أن أحداً لا يرى الله بعيني رأسه، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولا عبد من العباد، قال: لكن من الممكن الرؤية المنامية، والرؤية القلبية، والتجليات، وتحصل لواحد من العباد حسب تقواه وإيمانه وورعه وعبادته وطاعته لله . واستدل على ذلك بحديث: (ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه) قال: فرؤية المؤمن لله بقلبه أو مناماً جائزة ولا مانع منها، وذلك حسب إحسان العبد، يعني: أن يكون مسلماً، وأن يكون مؤمناً محققاً الإيمان بكماله وأعلى درجاته، والذي فوق ذلك هو الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه عياناً، ولما كان ذلك محالاً قال: اعبده كأنك تراه. قال: وإحالة الرؤية بالعين للعبد لا ينفي أن العبد يرى ربه بعين قلبه أو بعين فؤاده، وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة، على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحاً لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه. يعني: رأى صورة ناقصة. قال: ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل؛ لما فيها من الأمثال المضروبة بالحقائق، وقد يحصل لبعض الناس في اليقظة أيضاً من الرؤيا نظير ما يحصل للنائم في المنام، فيرى بقلبه مثل ما يرى النائم، وقد يتجلى في الحقائق ما يشهده بقلبه، فهذا كله يقع في الدنيا. وهذا الكلام إذا عرفه الصوفية طار فرحاً، وسيكون شيخهم الكبير هو ابن تيمية مع أنه العدو اللدود لهم، فهذا الكلام يوافق هواهم، ويوافق مذهبهم ومعتقدهم. قال: وربما غلب على أحدهم ما يشهده قلبه، وتجمعه له حواسه؛ فيظن أنه رأى ذلك بعيني رأسه، حتى يستيقظ فيعلم أنه منام، وربما علم في المنام أنه منام. فهكذا من العباد من يحصل لهم مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تفنيه عن الشعور بحواسه، فيظنها رؤية بعينه وهو غالط في ذلك، وكل من قال من العبّاد المتقدمين أو المتأخرين أنه رأى ربه بعيني رأسه فهو غالط في ذلك بإجماع أهل العلم والإيمان. فكلام ابن تيمية هذا كله نخلص منه إلى أن الرؤية بالعين مستحيلة.

стр. 618

قول شيخ الإسلام في رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة قال: نعم؛ رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة، وهي أيضاً للناس في عرصات القيامة. قوله: (للناس) يعني: كل الناس المؤمن والكافر، ولكن الرؤية على ثلاثة أنواع: فيراه الكافرون ثم يحجب الله ﵎ نفسه عنهم؛ من باب العقوبة. لا يراه الكافرون قط، فيعاتبهم ويوبخهم الله على كفرهم وعنادهم. ويراه المنافقون ثم يحجب الله ﵎ نفسه عنهم؛ عقوبة لهم، ويتجلى ربنا لأهل الإيمان في المشهد كما يتجلى لهم في جنة عدن في كل يوم من أيام الأسبوع، وهو يوم المزيد يوم الجمعة، وهذا ثابت لأهل الإيمان على جهة الخصوص؛ لأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. ثم يذكر ابن تيمية عليه رحمة الله بعد ذلك رؤية المؤمنين لربهم، ويسوق عليها بعض الأدلة، فقال: كما تواترت الأحاديث عن النبي ﵊ في ذلك: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب)، فالرؤية لأهل الإيمان، وهي رؤية بالأبصار، ولكنها لا تكون إلا في الآخرة. قال: (وكما ترون القمر ليلة البدر صحواً ليس دونه سحاب). وقال ﵊: (جنات الفردوس أربع: جنتان من ذهب آنيتهما وحليهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن). وقال ﵊: (إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو: ألم يبيض وجوهنا، ويثقل موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ فيكشف ربنا ﵎ الحجاب فينظرون إليه عياناً، فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهي المذكورة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس:٢٦] أي: الجنة ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] أي: النظر إلى وجه الله ﵎. وهذه الأحاديث وغيرها في الصحيحين، وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول، واتفق أهل السنة والجماعة عليها، وإنما يكذب بها أو يحرفها الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة الشيعة ونحوهم، الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك، وهم المعطلة شرار الخلق. ودين الله تعالى وسط بين تكذيب هؤلاء -أي: بين تعطيل هؤلاء- بما أخبر به النبي ﵊ في الآخرة، وبين تصديق الغالية بأنه يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل. إن منهج أهل السنة والجماعة في مسألة الرؤية وسط بين المعطلة الذين يقولون: كل هذه الأحاديث كذب، أو يحرفونها فيحملون الرؤية على رؤية الآيات، أو رؤية المحشر، أو رؤية النعيم، أما الله فلا يرى عندهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهؤلاء هم الجهمية والمعتزلة. وهناك على الطرف الآخر والنقيض قوم يقولون: إن رؤية الله تعالى بالعين الحقيقية تثبت في الدنيا، بل ولكل العباد، ومذهب أهل السنة والجماعة وسط بين المعطلة وبين المثبتة، فأهل السنة يقولون: إن رؤية الله ﵎ في الآخرة ثابتة لأهل الإيمان، ومحجوبة عن أهل الجحود والنكران والكفران.

стр. 619

معتقد الفرق الضالة في رؤية الله وفي ذاته أما في الدنيا فإن الله ﵎ لا يرى بعين الرأس البتة، ولكن يراه النبي ﵊ في منامه، والدليل الأحاديث التي وردت في اختصام الملأ الأعلى، فهي صريحة في أنه رأى ربه بفؤاده في المنام، وليس هناك أثر واحد يثبت صحة رؤية المولى ﵎ بعين الرأس في الدنيا لا للأنبياء، ولا للملائكة، ولا لغيرهم، وكلام هؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه بعيني رأسه في الدنيا ضلال كما تقدم. ومثل ذلك من يزعمون أنهم يرونه في بعض الأشخاص، يقول أحدهم: أنا رأيت الله في فلان، ولا يقول هذا الكلام إلا الحلولية والاتحادية الذين يقولون: إن الله يحل في المخلوقات، ويتحد معها حتى يكون المخلوق هو الخالق، والخالق هو المخلوق. فيقولون: إنهم يرونه في بعض الأشخاص، إما في بعض الصالحين أو بعض المردان، أو بعض الملوك أو غيرهم. قال: فعظم ضلالهم وكفرهم، وكانوا حينئذ أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه في صورة عيسى بن مريم، وهؤلاء الذين يقولون: إن الله يحل في المخلوقات هم أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان، وفيهم شعبة من شعب النصارى، واعلم أن هناك ناساً آخرين شراً من هؤلاء، يعممون الرؤية في جميع الخلق، فيقولون بحلول الله أو اتحاده في جميع الموجودات حتى في الكلاب والخنازير والنجاسات، وهذا القول كفر، وهو يشبه قول من قال: إن الله موجود في كل الوجود بذاته؛ لأنه يلزمه أن يقول: إن الله تعالى في الحمامات، وفي الحشوش، وفي الأماكن النجسة بذاته. وأما أهل السنة والجماعة فيثبتون العلو والفوقية لله ، وأنه استوى على العرش كيف شاء، وأنه مع عباده ومع خلقه بسمعه وعلمه وبصره وإحاطته، فيتنزه ربنا ﵎ عن قول هؤلاء الذين يوجدون الله ﵎ في هذه الأماكن التي ينبغي أن يتنزه عنها المسلم فضلاً عن رب المسلم. فهؤلاء الضالون يقولون بأن الله تعالى يتحد ويحل في جميع الموجودات حتى الكلاب والخنازير والنجاسات، كما يقول ذلك قوم من الجهمية، ومن تبعهم من الاتحادية -أي: الصوفية- كأصحاب ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني وغيرهم، ومذهب جميع المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين وأهل الكتب، -يعني: اليهود والنصارى- أن الله خالق العالمين، ورب السماوات والأرض وما بينهما أجمعين، ورب العرش العظيم، والخلق جميعاً عباده، وهم فقراء إليه، هذا كلام المعتدلين من أهل الكتاب قبل بعثة النبي ﵊، وهو سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، ومع هذا فهو معهم أينما كانوا، كما قال : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد:٤]، فأثبت في أول الآية العلم، وأثبت في آخر الآية البصر والرؤية. إذاً: فمعيته لخلقه معية علم وبصر وسمع، وهو معكم أينما كنتم، فهؤلاء الضلال الكفار الذين يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينيه، وربما زعم أنه جالسه وحادثه أو ضاجعه، وربما يعين أحدهم آدمياً إما شخصاً، وإما صبياً أو غير ذلك، ويزعم أنه كلمه؛ يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم، وكانوا كفاراً؛ إذ هم أكفر من اليهود والنصارى الذين قالوا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]، فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله تعالى في الدنيا والآخرة، ومن المقربين، فإذا كان الذين قالوا: إنه هو الله، وإنه اتحد به أو حل فيه قد كفروا وعظم كفرهم، بل الذين قالوا: إنه اتخذ ولداً، حتى قال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم:٨٨ - ٨٩] أي: مفترى، ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٠ - ٩٣]. فكيف بمن يزعم في شخص من الأشخاص أنه هو؟ فهذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن علياً ﵁ أو غيره من أهل البيت هو الله، كما زعمت السبئية من الشيعة، يزعمون أن عليا هو الله تعالى، وهؤلاء هم الزنادقة الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار، وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، وقذفهم فيها بعد أن أجلهم ثلاثاً ليتوبوا، فلما لم يتوبوا أحرقهم بالنار، واتفق الصحابة رضي الل

стр. 620

قول الكرمي في رؤية النبي ﷺ ربه في الدنيا ويقول مرعي الحنبلي الكرمي: اختلف العلماء: هل رأى محمد ﵊ ربه بعين رأسه أو بعين قلبه، فمذهب ابن عباس وطائفة أنه رآه بعين رأسه، وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأشعري ومن وافقه. وكذلك أبو الحسن الأشعري لم يصرح بأن النبي ﷺ رأى ربه بعين رأسه. ومذهب عائشة ﵂ أنه لم يره بعين رأسه؛ لحديث أبي ذر: (نور أنى أراه؟)، وعلى هذا طائفة من العلماء، ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: قد تدبرنا عامة ما صنفه المسلمون في هذه المسألة، وما تلقوه فيها قريباً من مائة مصنف، فلم أجد أحداً يروي بإسناد ثابت ولا صحيح، بل ولا عن صاحب ولا عن إمام أنه رآه بعين رأسه. قال: فالواجب اتباع ما كان عليه السلف والأئمة وهو إثبات مطلق الرؤية، أو رؤية مقيدة بالفؤاد، ولم يثبت عن الإمام أحمد التصريح بأنه ﵊ رأى ربه بعيني رأسه. نحن قلنا: إن فيه ثلاث روايات عن أحمد: رأى ربه بعيني رأسه، رأى ربه بفؤاده، رأى ربه، ولكن رواية إثبات الرؤية بعين رأسه غير ثابتة -يعني: غير صحيحة- وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس: بعينه رآه رآه رآه رآه حتى انقطع نفسه. لكن ابن تيمية أعلم بنقول أحمد، فـ ابن تيمية نخل وغربل مذهب أحمد بن حنبل، بل والمذهب الحنبلي كله، بل ومذاهب أهل العلم، فكيف يقدم كلام النقاش على كلام ابن تيمية الذي هو من أهل بيت أحمد بن حنبل، يعني: من أهل بيت علمه وفقهه؟! يقول: وأحمد أجل من أن يكون عنده من عدم السكينة ما يتكلم بمثل هذا حتى ينقطع نفسه، إنما هي حكايات المجازفين في النقول عن الأئمة، فتأمل وصاحب البيت أدرى، وكم للناس من مجازفات في المنقول والمعقول، والمرجع في ذلك إنما هو لأقوال المحققين والعلماء الراسخين والأئمة الربانيين كـ ابن تيمية وغيره.

стр. 621

كلام ابن القيم في رؤية النبي ﷺ ربه وقال ابن القيم عليه رحمة الله في الزاد: واختلف الصحابة: هل رأى النبي ﵊ ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن عباس أنه رأى ربه، وصح عنه أنه قال: رآه بفؤاده، فهذه مطلقة وهذه مقيدة. وصح عن عائشة وعن ابن مسعود إنكار ذلك، وقالا: إن قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣ - ١٤] إنما هو جبريل، وصح عن أبي ذر أنه سأله: (هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه؟) أي: حال بيني وبين رؤيته النور، كما قال في لفظ آخر: (رأيت نوراً)، وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: وليس قول ابن عباس مناقضاً لهذا، يعني: حتى ابن عباس ليس مختلفاً مع عائشة ولا عبد الله بن مسعود في الحقيقة؛ لقوله: رآه بفؤاده، وقد صح عنه أنه قال: (رأيت ربي ﵎ ولكن لم يكن هذا في الإسراء، -هذا في حديث اختصام الملأ الأعلى- ولكن كان ذلك في المدينة لما احتبس عنهم ﷺ في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربه ﵎ تلك الليلة في منامه، وعلى هذا بنى الإمام أحمد -أي: بنى رأيه ومذهبه في هذا الأمر- وقال: نعم، رآه حقاً؛ ولكن لم يقل أحمد ﵀: إنه رآه بعيني رأسه يقظة وحقاً، وإنما قال: رآه حقاً، ولم يذكر يقظة ولا أنها كانت رؤية عين. فحكيت عنه روايتان، وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه كـ النقاش: أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس فيها ذلك، أي: ليس فيها التصريح بأنه رآه بعيني رأسه، رحمه الله تعالى ورضي عنه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 622

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - النهي عن التفكر في ذات الله تعالى يسعى الشيطان حثيثاً إلى سوق الإنسان إلى نار جهنم سوقاً، وذلك بإقحامه في الكفر بالله، فإن لم يستطع لجأ إلى الوسوسة وتشكيك المؤمن في عقيدته وأحكام الشريعة، ولذلك فقد وضع رسول الله ﷺ للمسلم علاجاً يخنس الشيطان عند استعماله، وهو الاستعاذة بالله منه والانتهاء عن التفكر في ذلك، فالشيطان ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.

стр. 623

سياق ما روي عن النبي ﷺ في النهي عن التفكر في ذات الله إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. كنا في أواخر الدروس التي تناولناها فيما يتعلق بأصول الاعتقاد للالكائي قد تكلمنا عن صفات الله الخبرية، ولا أدعي أننا أحصيناها شرحاً وبياناً، وإنما ما تناولناه يقاس عليه غيره، فالكلام فيما لم نذكره هو نفس الكلام فيما ذكرناه، وذلك إن شاء الله تعالى معلوم لديكم. ولذلك ننتقل إلى مسألة أخرى وهي: مسألة الوسوسة في الإيمان، وأظن أن هذا الباب مناسب جداً لما نسمعه في هذه الأيام الأخيرة: أن كثيراً من الإخوة -فضلاً عن عامة الناس- يأتي ويشكو أن الشيطان تسلط عليه في ذات الله ﵎، وأنه أوقعه في دائرة الشك في الله ، وإذا استرسلت معه يقول: أنا أريد جواباً على سؤال محدد وهو: من خلق الله؟ كثير من الناس في هذا الزمان يسأل هذا السؤال. وهذا بلا شك وسوسة شيطان، وباب من أبواب إغوائه وإضلاله للبشر؛ ولذلك لما أطلع الله رسوله على أن هذا الباب سيكون موجوداً في الأمة لم يترك الأمة، بل ولم يترك أهل العلم يجتهدون في دفع هذا الوسواس، وإنما حدد لهم الجواب. ولذلك عقد اللالكائي هذا الباب وهو: [باب ما روي عن النبي ﷺ في النهي عن التفكر في ذات الله ]. والقرآن الكريم والسنة النبوية كذلك مليئان بالآيات والأحاديث التي تأمر بالتفكر في آلاء الله ، وفي خلق الله ؛ في سماواته، وفي أرضه، بل وفي نفسك وأعضائك، وفي حركاتك وسكناتك، وفي الجبال وغير ذلك من مخلوقات الله ، التي تدل بوجودها على وجود من أوجدها وهو الله ﵎. فنحن مأمورون بأن نتدبر وأن نتفكر في مخلوقات الله لا في ذات الله ؛ لأن الذي يتفكر في ذات الله لابد أنه يئول أمره إلى ما آل إليه أمر الفرق الضالة؛ ولذلك ورد النهي عن التفكر في ذات الله؛ لأنه ربما تطرأ هذه الشبهة على الأذهان والقلوب؛ لغفلة ولجهل من صاحبها، ولتسلط الشيطان عليه في لحظة غفلته مثلاً أو غير ذلك، فقد جعل الشرع لذلك علاجاً. [عن عمر رضي الله ﵎ عنه قال: تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله . وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟)]. فالشيطان يأتي إلى العبد المؤمن فيقول له: من خلق الجبال؟ فيقول: الله، ومن خلق السماوات؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق كذا وكذا وكذا فيعدد له خلقاً من خلق الله ، ولما كان مستقراً عند هذا العبد أن الله تعالى خالق كل شيء فهو يقول في كل السؤال الله، فيقول الشيطان -عليه لعنة الله-: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟ وكيف وجد الله ؟ وهذا سؤال بلا شك لا جواب عليه؛ ولذلك قال النبي ﵊: (فإذا بلغ ذلك منك -أي: فإذا بلغ الشيطان منك ذلك المبلغ- فليستعذ بالله ولينته). فهذا الحديث ذكر فيه الداء، وذكر مع ذلك الدواء، فهو حديث اشتمل على العلة والدواء منها، فالعلة هي: وسوسة الشيطان في ذات الله ﵎: من خلقه؟ ولما لم يكن هناك جواب عقلي على هذا ذكر النبي ﵊ أن العلاج: أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وتنتهي. لذلك قال الإمام النووي: وهذا في حالة أن تطرأ الشبهة ولا تستقر في القلب، ولا تكون هذه الخاطرة محل شبهة أو دليل عند من أغواه الشيطان. فـ النووي يريد أن يقول: إن إغواء الشيطان ووسوسة الشيطان في ذات الله ﵎ هي على ضربين ونوعين: إما خ

стр. 624

نهي السلف عن الخوض في صفات الله بالتكييف والتأويل ونحو ذلك [قال أبو عبيد القاسم بن سلام لما ذكرت عنده أحاديث: (ضحك ربنا من قنوط عباده)، و (الكرسي موضع القدمين)، و (وأن جهنم لتمتلئ فيضع ربك قدمه فيها) وأشباه هذه الأحاديث؛ فقال أبو عبيد: هذه الأحاديث عندنا حق، يرويها الثقات بعضهم عن بعض، إلا أنا إذا سئلنا عن تفسيرها قلنا: ما أدركنا أحداً يفسر منها شيئاً، ونحن لا نفسر منها شيئاً، نصدق بها ونسكت]. وهذا مذهب أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بصفات الله التي هي فوق مستوى عقول البشر: أنهم يؤمنون بها كما جاءت، ويمرونها ولا يتعرضون لها، ولا يخوضون فيها بتأويل ولا بتفسير وغير ذلك، وإنما يؤمنون بها. قوله: (ضحك ربنا) فهو سبحانه يضحك كيف يشاء، ضحكاً يليق بجلاله ﵎. قوله: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) ينزل كيف يشاء، فنؤمن بأنه ينزل، لكن لا يعلم الكيفية إلا الله ، ولذلك كانوا يؤمنون بهذه الأصول ويمرونها كما جاءت، ولا يتعرضون لها، ولا يخوضون فيها بتأويل ولا بشرح ولا بيان؛ لأن هذه الأصول وهذه الصفات فوق مستوى الشرح، وفوق مستوى البيان والتفسير والتأويل، بل هي فوق مستوى العقول. فإذا كنت أنت لا تدرك ذات الله ﵎، ولا تستطيع أن تصف الذات لله ؛ لأنك لم ترها ولم تر لها مثيلاً؛ فلابد أن هذه الذات متصفة بصفات الكمال، ولا يجوز لأحد أن يشرحها، فضلاً عن أن العقول لا تستوعب ذلك؛ ولذلك أخفاها الله حتى على أنبيائه ورسله، ولو كان النبي ﵊ عنده شيء من ذلك تفصيلاً لأخبرنا به، ومعلوم أنه ﵊ ما ترك خيراً إلا وقد دل أمته عليه، فلما امتنع وسكت عن هذا تبين أنه ليس عنده بيان في هذا. قال: [وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن -وهو ربيعة الرأي شيخ أهل المدينة- عن قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال: الاستواء معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والله لا يحد]. وهذا حتى لا تتصور في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أن العرش يحويه أو يحيط به، فالله ﵎ أكبر من جميع المخلوقات، والعرش مخلوق، فلابد أن العرش لا يحيط بالله ، فيكون ((اسْتَوَى)) بمعنى: علا وارتفع، لا بمعنى: استولى، ولا بمعنى: قعد. ولذلك هذه الزيادة من ربيعة زيادة في غاية الأهمية، قال: وأن الله تعالى لا يحد، أي: لا تحده حدود من جميع الجوانب. قال: [ولما سئل نعيم بن حماد -وهو شيخ البخاري، وهو وإن كان في الحديث ضعيفاً إلا أنه إمام كبير من أئمة السنة -لما سئل عن قول النبي ﵊: (تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق) قال نعيم: ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء من الأشياء. وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية -أي: ذكر رؤية المؤمنين ربهم ﵎ فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف]. مع أن هذه النصوص لها جانب آخر وهو جانب الرؤية، وذلك لأن الرؤية غير حاصلة في الدنيا، وليس لها مثيل كذلك، ورؤيتنا لله في الآخرة لا نعلم نحن كيفيتها، فالذي نؤمن به تمام الإيمان أننا نرى ربنا ﵎ عياناً، فهل نكون في ذلك الوقت على حالتنا وعلى ضعفنا وقلة حيلتنا في الدنيا؟ وهل نكون بهذا التكوين الفسيولوجي حين نرى الله في الجنة، أم أن الخلق سيكون لهم بنيان آخر يقوون به على رؤية المولى ؟ فهذا أمر لا نعلمه، وإنما نؤمن أن المؤمنين يرون ربهم ﵎، ويحجب عنه الكافرون فلا يرونه قط.

стр. 625

النهي عن الوسوسة في الإيمان عقد الإمام مسلم عليه رحمة الله باباً عظيماً في صحيحه في كتاب الإيمان وهو: باب بيان الوسوسة في الإيمان، وما يقوله من وجدها. فأورد فيه حديث أبي هريرة ﵁ قال: (جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به) فيسألون النبي ﵊ ويخبرونه بحالهم. قولهم: (إنا نجد في أنفسنا) أي: نشعر بخاطر يجول في نفوسنا، ويتعاظم أحدنا أن يتفوه بكلمة واحدة منه. يعني: حتى معك أنت يا رسول الله! لا نستطيع أن نذكر شيئاً من ذلك؛ لأن الأمر عظيم وخطير، فهي وسوسة عظيمة جداً، فقال النبي ﵊: (وقد وجدتموه؟) كأنه علم أن الأمة لابد أن تقع في مثل هذا الداء. فقوله: (وقد وجدتموه؟) سؤال يستنكر به تسلط الشيطان عليهم، وقد فهم النبي ﵊ عما هم عنه سائلون. قال: (قالوا: نعم، يا رسول الله! قال: ذاك صريح الإيمان). بعض الناس فهم من قول النبي ﵊: (ذاك صريح الإيمان) أن الوسوسة من الإيمان، وهذا بلا شك انحراف شديد جداً عن فهم أهل العلم من السلف لهذا الحديث. فقد أراد النبي ﵊ أن يبين أن تسلط الشيطان على المؤمن إنما يكون بإغوائه وإضلاله، فإنه قد نجح في إضلاله وإغوائه للكافرين، فإذا فشل الشيطان في إضلال العبد المؤمن -مع أنه نجح في إضلال الكافر- فإنه يتسلط عليه من باب آخر وهو باب الوسوسة والشك في الله ، وهناك فرق بين عبد جحد الله ، وعبد شك في الله ، ففرق بين العبد الجاحد لله وآلائه واستحقاقه للعبودية والربوبية وغير ذلك مما يجب لله ، وبين عبد آمن وسلم بذلك كله، ولكنه شك في الله . فلما فشل الشيطان مع العبد المؤمن أن يجعله هو والكافر سواء؛ اجتهد عليه في باب الشك والوسوسة، فقال النبي ﵊: (وقد وجدتموه؟) يعني: هو فشل في خلعكم من إيمانكم، ولكنه رضي أن يحرش لكم في الإيمان، وأن يوسوس لكم فيه، والشك إنما هو الحلقة الوسطى بين الإيمان الكامل وبين الكفر، أي: أن الشك هو الطريق إلى الكفر فقال: (وقد وجدتموه؟) يعني: أو قد تسلط عليكم من هذا الباب؟ (قالوا: نعم. يا رسول الله!) قال: هذا علامة إيمانكم، ولولا أنكم آمنتم بالله ، وكتبه ورسله واليوم الآخر، واتبعتم النبي ﵊ ما تسلط عليكم بالوسوسة؛ لأنه لا يوسوس للكافر، وإنما يغويه مباشرة ويضله مباشرة، فالكافر لا يحتاج إلى وسوسة، وإنما يوسوس الشيطان للعبد المؤمن إذا قوي إيمانه بإيقاعه في دائرة الشك في الله . فبين النبي ﵊ أن تسلط الشيطان بالوسوسة في الإيمان إنما هو علامة إيمان العبد، فقال: (ذاك صريح الإيمان). وفي رواية: (أن النبي ﵊ سئل عن الوسوسة؟ قال: تلك محض الإيمان) ومحض الإيمان: هو الإيمان الكامل. إذاً: العبد الذي كمل إيمانه لا يركن إلى كمال هذا الإيمان، بل يجتهد في العبادة، ويجتهد في الطاعة والإخلاص لله ؛ لأن العبد كلما ازداد إيمانه ازداد الشيطان تسلطاً عليه في باب الوسوسة، فقال لما سئل عن الوسوسة: (تلك محض الإيمان). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله).

стр. 626

علاج المؤمن من تسلط الشيطان ووسوسته أرجو أن تسجل هذه الأدوية؛ حتى تستخدمها إذا تسلط الشيطان -لا قدر الله- عليك، فأول علاج كما في حديث أبي هريرة: (فليستعذ بالله ولينته). والعلاج الثاني: مجاهدة العبد نفسه في دفع هذا الخاطر وهذه الوسوسة، فقد قال النبي ﷺ : (ولينته) يعني: ليكن منك بذل للجهد في دفع هذا الشيطان، ودفع هذا الوسواس، ودفع هذا الخاطر المضل. قال: (ثم قل: آمنت بالله)؛ فإقرارك الذي يسمعه منك الشيطان في حال الوسوسة أنك تؤمن بالله ورسله أمر يضعف كيده ووسوسته. وفي رواية أخرى: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول: الله، -ثم ذكر بمثله وزاد-: ورسله) يعني: قل: آمنت بالله ورسله. وفي رواية أيضاً: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا، حتى يقول له: من خلق ربك، فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته). وفي حديث أبي هريرة عن النبي ﵊ قال: (لا يزال الناس يسألونكم عن العلم)، وباب التفكر باب من أبواب العلم. قال: (لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: الله خلقنا؛ فمن خلق الله؟ قال أبو هريرة وهو آخذ بيد رجل: صدق الله ورسوله) يعني: كأن أبا هريرة قد أتاه رجل فسأله عن هذا، فأخذ بيده وقال: صدق الله ورسوله. وفي رواية: (أن النبي ﵊ قال لـ أبي هريرة: لا يزال الناس يسألونك عن العلم يا أبا هريرة! حتى يسألونك عن الله ، فأتى قوم إلى أبي هريرة يسألونه، حتى سألوه عن الجبال والشمس والقمر والأرض وهو يقول: الله خلق هذا، فقالوا: هذا الله خلق كل هذا، فمن خلق الله؟ فتناول كفاً من حصى وألقاه في وجوههم وقال: قوموا عني، صدق خليلي ﷺ . وفي رواية أبي هريرة: (ليسألنكم الناس عن كل شيء حتى يقولوا: الله خلق كل شيء، فمن خلقه؟). وعند أبي داود: (فإذا قالوا ذلك -أي: فإذا قالوا لكم: فمن خلق الله؟ - فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد). كما أتى المشركون إلى النبي ﵊ وقالوا: انسب لنا ربك؟ فنزل قول الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] أي: رد عليهم يا محمد! بنسب الله أنه واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. فهذا نسبه، وهذه أعظم سورة في كتاب الله على الإطلاق، فكل أجزائها توحيد لله ، وليس في القرآن من أوله إلى آخره سورة هي أعظم من سورة الإخلاص، كما أنه ليس في القرآن من أوله إلى آخره سورة كلها توحيد لله إلا هذه السورة، وجميع القرآن إنما تكلم عن التوحيد وغير التوحيد إلا هذه السورة؛ فإنها لم تشمل إلا التوحيد فقط. قال: (ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً -أي: دحراً للشيطان- وليستعذ بالله). إذاً: العلاج (فليستعذ بالله ولينته)، وليقل: (آمنت بالله ورسله)، (وليتفل عن يساره ثلاثاً)، (وليقرأ سورة الإخلاص) فهذه أربعة علاجات للوسوسة، وبهذا يندفع الشيطان ويذهب معه هذا الخاطر، فعلينا أيها الإخوة! أن نؤمن بهذه الأصول، وقد يأتي شخص بعلاج آخر غير هذا العلاج فنقول له: لا علاج غير هذا العلاج إلا أن تذهب إلى الساحر! فإذا كانت النصوص لا تعجبك ولم تأت بنتيجة فالعيب فيك أنت. وقد ثبت في السنة: (صدق الله وكذب بطن أخيك)، وهو (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: اسقه عسلاً، ثم أتاه الثانية فقال: اسقه عسلاً، ثم أتاه الثالثة فقال: اسقه عسلاً، ثم أتاه فقال: قد فعلت؟ فقال: صدق الله وكذب بطن أخيك. اسقه عسلاً، فسقاه فبرأ) وأنت تريد من أول جرعة أن تأخذ الدواء وتشفى وتبرأ تماماً؟! إن النصوص تحتاج إلى قلب واع مؤمن، قد تمكن الإيمان منه حتى استطاع أن يتعامل معه، فعند أن تتبع النصوص بغير اعتقاد فإنها لا تنفعك، بل حتى الأطباء يقولون: العامل النفسي في العلاج مهم جداً لإتمام البرء، فأنت عند أن تأخذ علاجاً صرفه لك الطبيب وأنت لا تثق بهذا الطبيب ولا بهذا الدواء، ولا تعتقد أن هذا الدواء سيكون سبباً في الشفاء ففي الغالب لا يعطي نتيجة. فإذا أردت التعامل مع النصوص فلابد من تنظيف وتطهير القلب أولاً. إذاً: فهذه خمسة علاجات لدفع هذا الوسواس وهذا الخاطر.

стр. 627

كلام الإمام النووي في معاني أحاديث النهي عن الوسوسة في الإيمان يقول الإمام النووي عليه رحمة الله: أما معاني هذه الأحاديث وفقهها: فقوله ﵊: (ذلك صريح الإيمان ومحض الإيمان) معناه: استعظامكم أن تتفوهوا بكلمة من هذا الوسواس لهو دليل صادق على إيمانكم. أي: أن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلاً عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً، وانتفت عنه الريبة والشكوك. واعلم أن الرواية وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام فهو مراد -يعني: هو الذي أراده النبي ﵊ وهي مختصرة من الرواية الأولى، ولهذا قدم مسلم الرواية الأولى، وقيل: معناه: إن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، أي: لمن أيس من نقله من الإيمان إلى الكفر، فأعظم ما يصبو إليه الشيطان إكفار الناس وخروجهم عن ملة الإيمان، فقد يفعل ذلك مع شخص فينجح، ويأتي ليفعل ذلك مع الآخر فلم ينجح، فمن غباء الشيطان أنه يصر على وسيلة هو فيها فاشل، فلابد أن يستخدم سلاحاً آخر، ووسيلة ثانية، وحيلة أخرى. فقال: إن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه -أي: لعجزه عن كفره- وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد. قال: وعلى هذا معنى الحديث سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامة محض الإيمان، وهذا القول هو الذي اختاره القاضي عياض. وأما قوله ﵊: (فمن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله) وفي الرواية الأخرى: (فليستعذ بالله ولينته) فمعناه: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله في إذهابه. قال الإمام المازري ﵀: ظاهر الحديث: أنه ﷺ أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها. يعني: لا يصح أن تقول: لا، إنك أيها الشيطان! مضل مجرم، ولذلك أنا لا أسمع لإغوائك؛ بدليل أن الله تعالى قال: كيت وكيت، فأنت لا تحتاج إلى استدلال وبعد نظر في دفع هذا الوسواس؛ لأنك من الأصل مؤمن كامل الإيمان، فلا تحتاج مع هذا إلا أن تدفع عنك هذا الخاطر سريعاً دون أن تتكلف بإتيان الحجج والأدلة والبراهين على أن هذه من وسوسة الشيطان، بل عليك أن تطرده عن بابك قولاً واحداً دون أن تتكلف بالإتيان بالأدلة. قال: والذي يقال في هذا المعنى: أن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقرة، ولا اجتلبتها شبهة طرأت؛ فهي التي تدفع بالإعراض عنها، يعني: مجرد خاطر مر على القلب ولم يستقر فإنه يدفع بالإعراض عنه؛ لأنه غير متمكن، وعلى هذا يحمل الحديث. وعلى مثلها ينطبق اسم الوسوسة، فكأنه لما كان أمراً طارئاً بغير أصل دفع بغير نظر ولا دليل؛ إذ لا أصل لهذا العارض حتى نحتاج معه إلى استدلال وبرهان، وهذا يختلف عن الخواطر التي استقرت في القلوب. وهذا كشخص مرض مرضاً يسيراً، فعند أن ترك العلاج ذهب هذا المرض، بخلاف رجل تمكن المرض منه تمكناً عظيماً، فلما كان هناك فرق بين الداءين في البدن فلابد أن يكون هناك فرق بين الوسوستين والخاطرين في القلب، فإما خاطر خطر ومر على القلب ولم يستقر، وإما خاطر قد مر بالقلب فوجده فارغاً فتمكن منه. وكأنه يقول: إن هذا القلب إما عامر بالإيمان، وإما فارغ وخاو وخال من الإيمان، فإن كان عامراً بالإيمان فلا تتمكن منه هذه الخواطر والهواجس والوساوس؛ ولذلك يكفي صاحبها أن يستعيذ بالله، وأن يجاهد نفسه مجاهدة يسيرة لدفع هذا الوسواس، وأن يقرأ سورة الإخلاص، وليتفل عن يساره ثلاثاً. وأما الذي تمكنت منه فمن حقه أن يطالب أن تزال عنه الشبه بالحجج والبراهين. إذاً: فالوسواس لا يمكن أن يتمكن إلا من القلب الذي فرغ من الإيمان، وحتى تدفع هذا الخاطر لابد من جهد عظيم جداً وخارق في دفع هذا الوسواس بالأدلة والبراهين، فنحن نحتاج إلى أدلة وبراهين لمن كان قلبه خاوياً من الإيمان حتى ندفع عنه ذلك الوسواس، ويعمر قلبه بالإيمان، ويحصن نفسه ضد هذه الوساوس والهواجس. قال: وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة -يعني: تمكنت من صاحبها بسبب الشبهة التي طرأت عليه- فإنها لا تدفع إلا بالاستدلال والنظر. وأما قوله ﷺ : (فليستعذ بالله ولينته) فمعناه: إذا عرض له هذا الوسواس فليلجأ إلى الله في دفع شره عنه، وليعرض عن الفكر في ذلك، وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء، فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها. فيشتغل بالذكر، وبالقرآن، وبالاستغفار، وبمصاحبة الإخوة والخلان وغير ذلك من الطاعات. وهذا الكلام كلام متين جداً في علاج الوسوسة، ودفع الشيطان على هذا النحو.

стр. 628

كلام ابن القيم في علاج الوسوسة في الإيمان وشيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله له كتاب ممتع جداً اسمه: إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان، وقد عقد فيه فصولاً متعددة على طول الكتاب وعرضه يتكلم فيها عن كيفية محاربة العبد للشيطان، واعتبر أن الأعداء الذين يعادون ابن آدم إنما هما النفس الأمارة بالسوء، والشيطان، ومعظم الضلال إنما يأتي منهما، فعقد فصولاً متعددة في أبواب شتى وهو يتكلم وينصح العباد كيف يتعاملون مع الشيطان إذا وسوس لهم في أي باب من الأبواب، فقد يمكن أن يوسوس في باب الوضوء، أو في باب الصلاة، أو في باب الصيام، أو في باب الزكاة، أو في باب الحج، وأعظم أبواب الإغواء والوسوسة إنما هي في الإيمان؛ لأن الوسوسة في هذه الحالة إنما هي في ذات الله ﵎. ولا شك أن الوسوسة كلها مذمومة وغير محمودة، وممقوتة لدى أهل العلم وفي الشرع، لكن بعضها أعظم من بعض، فلا يتصور التساوي بين عبد دخل الشيطان له في باب الوضوء ووسوس له، فبدلاً من أن يغسل العضو ثلاث مرات يغسله ثلاثين مرة، وبدلاً من أن يتوضأ بالمد كما كان النبي ﷺ يتوضأ به، ويغتسل بالصاع فإنه يتوضأ ببرميل أو برميلين، وبعد هذا كله لا يرى أنه أحسن الوضوء، وهو حقيقة لم يحسن، بل قد أساء الوضوء؛ لأن النبي ﵊ كان يتوضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً وثلاثاً، وتوضأ النبي ﵊ ثلاثاً وثلاثاً وقال: (من زاد عن هذا فقد أساء وتعدى وظلم). فقوله: (من زاد عن هذا) أي: من زاد عن الغسلات الثلاث لكل عضو (فقد أساء وتعدى وظلم). وعن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁: (أن النبي ﵊ كان يتوضأ بالمد -أي: بملء الكفين- ويغتسل بالصاع -وهو أربعة أمداد-، فقال رجل ممن سمعه: إنك لتراني عظيم البدن مشعراً، فلا يكفيني المد، بل لا يكفيني الصاع في الاستنجاء، فغضب جابر ﵁ وقال: قد كان يكفي من هو أعظم منك وأشعر)، يريد أن يقول له: إن الذي أنت عليه وسوسة، ولو أن الإيمان تام كامل عندك لما قلت هذا، وإن كانت هذه بلية فاحتفظ بها كما احتفظ بها الصحابة ﵃ وقالوا: (يتعاظم أحدنا أن يتكلم به). فعند أن تسمع أن النبي ﷺ يتوضأ بالمد وأنت تصب برميلاً؛ فاعلم أن هذه بلية، وحاول أن تعالجها، لكن إياك أن تجعل هذا الأمر حجة، فيلقيها الشيطان على قلبك. وقد نقل شيخ الإسلام ابن القيم عن ابن قدامة المقدسي كيفية العلاج من الوسوسة. فقال: فمن أراد التخلص من هذه البلية -التي هي الوسوسة- فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله ﷺ في قوله وفعله، وليعزم على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه ﵊ على الصراط المستقيم، وأن ما خالف هديه في قوله وفعله إنما هو من تسويل إبليس ووسوسته. ويوقن العبد أنه -أي: الشيطان- عدو له، وأن النجاة من هذا العداء في اتباع النبي ﵊، وأن الشيطان لا يدعوه إلى خير قط: ﴿إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]. وليترك التعريج على كل ما خالف طريقة رسول الله ﵊ كائناً ما كان، فإنه لا يشك أن رسول الله ﷺ كان على الصراط المستقيم، ومن شك في هذا فليس بمسلم، ومن علمه فإلى أين العدول عن سنته، وأي شيء يبتغي العبد غير طريقته، ويقول لنفسه: ألستِ تعلمين أن طريقة رسول الله ﷺ هي الصراط المستقيم؟ فإذا قالت له: بلى، قال لها: فهل كان يفعل هذا؟ فستقول: لا، فيقول لها: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وهل بعد طريق الجنة إلا طريق النار؟ وهل بعد سبيل الله وسبيل رسوله إلا سبيل الشيطان؟ فإن اتبعتِ سبيله كنت قرينه -أي: كنتِ قرينة له- وستقولين: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين.

стр. 629

النظر إلى أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله ﷺ ولينظر أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله ﷺ ، فليقتد بهم، وليختر طريقهم. قال بعضهم: لقد تقدمني قوم لو لم يجاوزوا بالوضوء الظفر ما تجاوزته. يعني: لو كان الوضوء هو غسل الظفر فقط ما غسلت غيره؛ دفعاً للوسواس. قال زين العابدين يوماً لابنه: يا بني! اتخذ لي ثوباً ألبسه عند قضاء الحاجة، فإني رأيت الذباب يسقط على الشيء ثم يقع على الثوب؛ لأن الحمام فيه ذباب والذباب يقع على الوساخة والقاذورات، ثم إذا دخلت الحمام وقع هذا الذباب علي. قال: ثم انتبه زين العابدين فقال: ما كان للنبي ﷺ ولا أصحابه إلا ثوباً واحداً، فتركه. وكان علي بن أبي طالب يدخل المسجد فيطأ الوحل والطين من بيته إلى المسجد، ثم يصلي ولا يغسل قدمه، فلما حُدِّث في ذلك قال: أليس في الصيف يجف هذا الطيب ويصير تراباً، فتسفيه الرياح على وجهك وفي شعرك وثوبك فتصلي به، أم أنك تتوضأ؟ قال: أصلي به، قال: وأنا أصلي به الآن. وأتى رجل إلى ابن قدامة وقال له: يا إمام! إني أشكو من عجزي أن أكبر في الصلاة، قال: تشكو من ماذا؟ قال: لا أستطيع أن أقول: الله أكبر، فكيف أقولها؟ قال: قلها كما قلتها الآن. قال: وكان عمر رضي الله تعالى عنه يهم بالأمر ويعزم عليه، فإذا قيل له: لم يفعله ﵊ انتهى، حتى إنه قال: لقد هممت أن أنهى عن لبس هذه الثياب؛ فإنه قد بلغني أنها تصبغ ببول العجائز، فقال له أبي بن كعب: مالك أن تنهى؟ فإن رسول الله ﷺ قد لبسها ولُبست في زمانه، ولو علم الله أن لبسها حرام لبينه لرسوله، فقال عمر: صدقت. ثم ليعلم هذا الموسوس أن الصحابة ما كان فيهم موسوس، ولو كانت الوسوسة خيراً من الله لأعطاها أولاً لأنبيائه ورسله، ثم لأصحاب أنبيائه ورسله، ثم للأمثل فالأمثل، فلما حجبها عن هؤلاء جميعاً دل على أنها شر. ولو كانت الوسوسة فضيلة لما ادخرها الله عن رسوله وصحابته وهم خير الخلق وأفضلهم، ولو أدرك رسول الله ﵊ الموسوسين لمقتهم وذمهم، ولو أدركهم عمر رضي الله تعالى عنه لضربهم وأدبهم، ولو أدركهم الصحابة لبدعوهم وغير ذلك من كلام السلف رضي الله ﵎ عنهم. وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي عن شيخه أبي الوفاء بن عقيل: أن رجلاً قال له: أنغمس في الماء مراراً كثيراً وأشك هل صح لي الغسل أم لا، فما ترى يا إمام؟ فقال له: قد سقطت عنك الصلاة. قال له: كيف؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة ومنها: المجنون حتى يفيق) وأنت إنسان مجنون، فالذي ينغمس في الماء مراراً ولا يرى أنه قد طهر لابد أن عقله قد ذهب، وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت وأشغله بوسوسته في النية حتى تفوت التكبيرة الأولى، وربما فوت عليه ركعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذا ثم يكذب. فالأمثل في الموسوسين الذي يخطف تكبيرة الإحرام ويركع مع الإمام، إذ يفوت على نفسه تكبيرة الإحرام وهو كان مدركاً لها، ويفوت على نفسه قراءة الفاتحة وكان في حقه مستطاعاً؛ وكل ذلك وهو يرفع يديه يقول: الله أك، الله أك، الله أك، أك أك أك إلى أن يركع الإمام. يقول ابن قدامة: ثم إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان -أي: أن هذا الموسوس مطيع للشيطان وليس مطيعاً لله حتى اتصفوا بوسوسته، وقبلوا قوله وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع النبي ﵊ -يعني: زهدوا في اتباع النبي ﵊ وصحابته- حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء النبي ﵊، أو صلى كصلاته فوضوءه باطل، وصلاته غير صحيحة، ويرى أنه إذا فعل مثل فعل النبي ﵊ وأصحابه في مواكلة الصبيان، وأكل طعام عامة المسلمين أنه قد صار نجساً يجب عليه تسبيع يده، يعني: يجب عليه أن يغسل يده سبع مرات. وأهل العلم يقولون: الفقه كل الفقه في الاقتصاد في الدين، والاعتصام بالسنة، ولذلك يقول عبد الله بن مسعود ﵁: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. وقال أبي بن كعب: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله فاقشعر جلده من خشية الله تعالى إلا تحاتت عنه خطاياه -أي: تساقطت- كما يتحات عن الشجر اليابسة ورقها، وإن اقتصاداً في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، فاحرصوا إذا كانت أعمالكم اقتصاداً أن تكونوا على منهاج الأنبياء وسنتهم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 630

الأسئلة

стр. 631

حكم الأكل في الطريق السؤال هل يجوز الأكل في الطريق؟ الجواب من حيث الجواز يجوز، والأفضل تركه؛ لأن بعض أهل العلم عدوه من خوارم المروءة، وخوارم المروءة هذه مرتبطة بالعرف؛ لأن الشرع لم ينص على أفعال معينة أنها من خوارم المروءة، وإنما هي خاضعة لعرف كل زمان ومكان، فما عده أهل كل زمان في بقعة من البقاع أنه من خوارم المروءة أصبح الأمر كذلك، فلو كان الأكل منها فلا ينبغي لأحد أن يأكل في الشوارع ولا أن يأكل في الأسواق وغيرها، وإلا انخرمت مروءته، ولم تصح شهادته، لكنني أبشرك أنه ليس هناك شيء في هذا الزمان من خوارم المروءة.

стр. 632

حكم القول عن الرجل الصالح: إنه من الأبدال السؤال كثيراً ما أقرأ في كتب التراجم عن صاحب الترجمة: أنه من الأبدال؟ الجواب هي كلمة يقولونها للمبالغة في صلاح وتقوى المترجم له، لكنها لفظة أخذت بعداً عظيماً جداً عند المتصوفة، ولذلك ينبغي الاستغناء عنها بغيرها، فيوصف العبد بالصلاح والتقوى والعبادة وغيرها خير من أن يوصف بأنه بدل من الأبدال، فالصوفية عندهم أن الأبدال إنما هم أقطاب يملكون التصرف في الكون من جميع نواحيه.

стр. 633

منهج الألباني في تصحيح الحديث السؤال هل صحيح أن الشيخ الألباني متساهل في التصحيح؟ الجواب هذا ليس صحيحاً، وإنما الشيخ له منهج في التصحيح والتضعيف، ومنهجه ليس فيه تساهل.

стр. 634

الوضوء بالمد السؤال هل يمكن أن يكون المد -ملء الكفين- كافياً للوضوء ثلاثاً ثلاثاً؟ الجواب يكفي حسب فقه العبد، فإذا علمت أن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كان يتوضأ ولا يبل الأرض بفضل وضوئه؛ علمت أن هذا المد يكفي للوضوء، ونحن قد قمنا بالوضوء بالمد، فكنا نأخذ العلبة من علب المربى في الجيش فنستنجي بها بعد الاستجمار، ونتوضأ منها، فالضرورة علمتنا.

стр. 635

الإخلاص أفضل سورة في القرآن على الإطلاق السؤال أيهما أفضل سورة في القرآن: الإخلاص أو الفاتحة؟ الجواب الإخلاص هي أفضل سورة على الإطلاق، كما أن أفضل آية على الإطلاق هي آية الكرسي.
следующие страницы →