Полный текст (1 284 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
حكم حلق اللحية
السؤال
يقول: من تنبت له لحية ولكن في أجزاء متفرقة، هل يجوز له حلقها؟
الجواب
لا يجوز، لا يجوز فعل ذلك.
стр. 562
حكم ترك الحارس لصلاة الجمعة خشية الضرر
السؤال
شخص يعمل حارس أمن، ويأتي وقت صلاة الجمعة وهو في عمله فلا يستطيع صلاة الجمعة التي يكون فيها العمل لوقوع الضرر عليه، فماذا يفعل؟ وهل يأثم بعدم صلاتها؟ وهل يصليها ظهراً؟
الجواب
صلاة الجمعة لا مفر من الإتيان إلى مسجد الإمام والصلاة خلفه، لكن إذا منع من ذلك مانع مع تحسر وتفطر قلب العبد وأن العذر قد منعه تماماً كالمريض والمسافر والعبد والمرأة كان معذوراً عند الله كعذر هؤلاء، وكذلك المحبوس لا جمعة عليه، فإذا كان عذره بلغ هذا المبلغ بحيث صار معذوراً عند الله فلا جمعة عليه حينئذ ويصلي الظهر، والله أعلم.
стр. 563
ما يفعله المغتاب إن أراد التوبة
السؤال
أحسست أني قد اغتبتك وسامحني سامحك الله؟
الجواب
على أية حال، هذه المسائل اختلف فيها أهل العلم.
قيل لـ عبد الله بن المبارك: إني اغتبتك فسامحني.
قال: لا أحب أن أسامحك في شيء حرمه الله عليك.
وقيل لـ محمد بن سيرين: سامحني فإني قد اغتبتك.
قال: إني تصدقت بعرضي عليك فقل فيه ما شئت كل صباح ومساء.
وقول ابن سيرين أحب إلي من قول ابن المبارك.
стр. 564
حكم القنوت في صلاة الفجر
السؤال
ما حكم قنوت الفجر، وهل ورد عن النبي ﵊ حديث صحيح فيه؟
الجواب
فيه خلاف بين أهل العلم، فالشافعية يقولون بوجوب القنوت، ولكن الراجح من مذاهب الفقهاء: أنه لا قنوت خاص بصلاة الفجر ولا بأي صلاة من الصلوات الخمس، وإنما القنوت عند النوازل في الصلوات الخمس لا في صلاة دون صلاة، وهو المذهب الراجح.
فإن قيل: هل أقنت خلف إمام يقنت أو أفارقه؟
الجواب
تقنت خلفه رفعاً ودرءاً للفتنة والشقاق الذي يمكن أن يحدث ولا تقل شيئاً، بل ارفع يديك خلفه ولا تنزل يديك إلا عند نزول الإمام أو عند إنزال المصلين أيديهم لا لأنه دين، ولكن لأن الدين رفع الفتن عن المسلمين، ولو صح حديث أنس بن مالك: (لم يزل النبي ﷺ يقنت حتى قبض) لزال الإشكال، ولكنه حديث صحيح عند الشافعية، منكر عند جمهور أهل العلم، والصواب: أنه منكر.
стр. 565
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - صفة الإتيان والمجيء لله
صفتا الإتيان والمجيء لله من الصفات الفعلية التي تخضع لمشيئته ، وهما ثابتتان بالكتاب والسنة ثبوتاً يليق بالله سبحانه دون تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، خلافاً للمؤولة الذين صرفوا النصوص عن ظاهرها ومرادها، فأولوا الإتيان والمجيء لله بأنه مجيء أمر الله سبحانه أو رحمته، لا مجيئه بذاته .
стр. 566
صفات الله الذاتية والفعلية
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد: فلا يزال الكلام موصولاً عن صفات الله ، وصفات الله تعالى إما ذاتية وإما فعلية.
فالصفات الذاتية هي: الصفات اللازمة لذاته التي لا تنفك عنه.
بمعنى: أنها لا تخضع لمشيئته، إن شاء فعل وإن شاء ترك، بل هي صفة ذاتية لازمة لله : كصفة اليد، والعين، والساق، والقدم، وغيرها من الصفات.
وأما الصفات التي تخضع لمشيئته فيسميها أهل العلم بصفات الأفعال، إن شاء فعل وإن شاء ترك، وفعله ﵎ لا منتهى له، وهو مع ذلك خاضع لمشيئته وإرادته، فإذا أخبر أنه استوى، فالاستواء فعل لله ، يستوي كيف شاء، في أي وقت شاء، وإذا أخبر أنه ينزل إلى السماء الدنيا، أو يدنو من عباده، أو يقترب منهم؛ فهذه كلها أفعال يفعلها في أي وقت شاء، وفي أي زمان ومكان شاء، وإن شاء ألا ينزل لا ينزل، بدليل أن النبي ﵊ حدد وقت النزول للمولى ﵎ إلى السماء الدنيا، وهذا يدل على أنه ليس في كل وقت ينزل، وإن أراد أن ينزل في كل وقت لفعل، لكن النبي ﵊ أخبر أنه ينزل في أوقات معلومة، وأعظم هذه الأوقات هو يوم عرفة، فيدنو من عباده في يوم عرفة فيغفر لهم، وينزل في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لعباده الصالحين كذلك، بل وينزل كل ليلة إذا بقي الثلث الأخير من الليل، فينادي على عباده ويتودد ويتحنن إليهم، هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ ويظل ينادي على عباده حتى ينبلج الفجر.
والكلام عن صفة النزول قد تعرضنا له من قبل وكذا الاستواء، وقلنا: إن معتقد أهل السنة والجماعة في صفات الأفعال كمعتقدهم في صفات الذات، فكما أنهم أثبتوا اليدين والعينين لله على الوجه اللائق به دون تشبيه ولا تعطيل، فكذلك قالوا في صفات أفعال ربنا ﵎، فإنه يأتي، يجيء، لكن ليس كإتيان البشر، وليس كمجيء المخلوقين، وكما أن الله تعالى لا تُعلم كيفية ذاته، فكذلك لا تُعلم كيفية صفاته التي منها: المجيء والنزول والاستواء والغضب والرضا والفرح وغير ذلك من بقية صفات الأفعال، فلا يعلم كيفيتها إلا هو سبحانه، لكننا نوقن أنه يفرح، وأنه يغضب إذا انتهكت محارمه، ويأتي وينزل إلى سماء الدنيا، فنوقن بكل ما ورد في الكتاب والسنة على ما أخبر به مالك وأم سلمة وربيعة الرأي أنهم قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
أي: السؤال عن كيفية الصفة.
ولذلك قال أحمد: من قال لك: كيف استوى؟ فقل له: كيف هو؟ لأن الصفات تصور عن الذات، والكلام في الصفات يستلزم الكلام في الذات، فإذا كنت تقر بأنك تجهل ذات الإله، فلا بد وأنك كذلك تجهل كيفية صفات ذلك الإله ، فالذي لا يستطيع أن يتكلم، وأن يصف ذات الإله، لا بد وأن يلتزم الصمت في وصفه لأفعال الله .
стр. 567
إثبات صفة المجيء لله
صفة الإتيان ثابتة بالكتاب والسنة، فيأتي الرب يوم القيامة للفصل بين العباد، وقد ثبت ذلك في كتاب الله وسنة رسوله ﵊، لكن المتأولة أبوا إلا أن يصرفوا مجيء الرب ﵎ إلى غير ظاهر النص، فقالوا في قوله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].
أي: جاء أمر ربك.
ولا شك أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن تفسير مجيء الرب بالأمر ينفي صفة عن الله أثبتها لنفسه، وهذا يصطدم مع معتقد أهل السنة من أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه، فإذا أثبت الله لنفسه أنه يجيء، وأنه يأتي؛ فلا بد من إثبات هذه الصفة على الوجه اللائق به ، فيجيء حيث شاء، وكيف شاء، وفي أي وقت شاء، ولا نسأل عن الكيفية.
والذي يتأول مجيء الرب بأنه مجيء الأمر لا بد وأن ينفي عن الله ما أثبته لنفسه، وكأنه يريد أن يقول: أنا أعلم بالله من الله، وأنا أعلم بالله من رسل الله؛ لأنهم أثبتوا جميع الصفات لله ، فأثبتوا صفات الكمال والجلال والعظمة، فإذا كان الله تعالى أثبت لنفسه المجيء، وأثبت لنفسه الإتيان، فلم نتكلف نحن في صرف هذه النصوص عن ظاهرها؟ كما أولوا المجيء بالرحمة، فقالوا في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢].
أي: وجاءت رحمة ربك.
وهذا تأويل.
وهم مع ذلك يثبتون السمع والبصر والعلم والحياء وغيرها لله ، ويقولون: إن إثباتنا لصفة المجيء لله يستلزم الحركة والانتقال، ويستلزم أنه في حيز، وأن السماء تحيطه، وأن العرش والكرسي من فوقه حين ينزل وحين يجيء، مع أنهم هم الذين ينكرون علو الله ، لكن المتأولة لا يثبتون على قدم واحدة، فيقولون في هذا الموطن كلاماً يردون على أنفسهم في موطن آخر، فهم الذين يقولون: إن القول بمجيء الرب يستلزم منه الحركة والانتقال.
كما أنهم يقولون: إنه لا ينزل؛ لأن نزوله يستلزم خلو العرش منه.
فنرد عليهم: بأنهم لم يثبتوا لله ﵎ الفوقية، وهم الذين يقولون بأن الله في كل مكان، فكيف الآن تعترفون؟! والنزاع ليس في الفوقية، وإنما النزاع في النزول، وهل الذي ينزل لا ينزل إلا من علو؟ فلا يتصور أنه يصعد من الدور الأرضي إلى الدور الثاني أو الثالث أو الرابع، ولا نقول: فلان نزل من الأرض إلى الدور الخامس، وإنما نقول: نزل من الدور الخامس إلى الدور الأرضي أو الرابع أو الثالث.
فالنزول في لغة العرب إلى أسفل، والارتفاع والعلو إلى علو، واستواء المولى ﵎ يختلف عن استواء المخلوقات، فاستواؤه لا يعلم كيفيته إلا هو، لكننا نعلم يقيناً أنه استوى؛ لأنه أخبرنا أنه استوى، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فالاستواء معلوم لدينا، لكن كيفية هذا الاستواء مجهول لا نعلمه؛ لأننا لا نعلم كيفية الذات، فكيف نعلم كيفية صفاته التي منها الاستواء؟ الذي نقوله في النزول والاستواء نقوله كذلك في المجيء والإتيان؛ فإن الله تعالى يأتي ويجيء حيث شاء، وبالكيفية التي يشاؤها ويريدها على الوجه الأكمل اللائق به ﵎، ولا نقول: إنه يأتي كإتياننا، ويمشي كمشينا، ويهرول كهرولتنا، ويسارع كإسراعنا، بل كل ذلك بعيد عن الله .
فصفة المجيء والإتيان جاءت في قول الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].
والمتأولة يقولون: المجيء هو مجيء الملائكة، وليس مجيء الله ، وهذا كلام فاسد وباطل، يبطله قول ربنا ﵎: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠].
ومع هذا فسروا ذلك لياً لأعناق النصوص، وقالوا: هل ينظرون إلا أن يأتيهم ملائكة الله في ظلل من الغمام؟ وكل ذلك حتى لا يفتروا -بزعمهم- على الله أنه يجيء ويذهب، ويروح ويأتي، وغير ذلك، فإذا كان الله تعالى أثبت لنفسه ذلك، فلم أتكلف أن أصرف ذلك عن ظاهره؟ قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨].
فهذه الآية مفحمة؛ لأن الله تعالى أثبت فيها إتيانه، وأثبت فيها إتيان الملائكة، وأثبت فيها إتيان بعض أمر ربك.
فإذا قالوا: إن إتيان الله يعني إتيان بعض آياته؛ فقد أثبتته الآية.
وإذا قالوا: إنه إتيان الملائكة وإتيان الأمر؛ فقد أثبتته الآية، فيبقى إتيان الله ، فلابد وأن يقروا بأن الله تعالى يأتي إتياناً يليق بجلاله وكماله.
ومن التقاليد الموروثة لدى كثير من المفسرين الذين ينهجون منهج الخلف ومنهج المتأولة: أنهم يفسرون المجيء المذكور في سورة الفجر: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] بمجيء أمر الله تعالى.
стр. 568
السؤال عن الله بـ (أين) لا يستلزم التحيز ولا الجهة
يبقى سؤال هنا للذين يقولون: إن أمر الله هو الذي ينزل، وهو الذي يجيء ويأتي، فنسألهم: أين الله؟ فلا يقبلون هذا السؤال، ولا يحبون الجواب عنه، مع أن النبي ﵊ سأل الجارية هذا السؤال بلفظه ومعناه: (أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله.
فقال لسيدها ومولاها الحكم بن معاوية السلمي: أعتقها فإنها مؤمنة).
فشهد لها النبي ﵊ بالإيمان؛ لأنها تعتقد وتقر بلسانها أن الله تعالى في السماء، ولذلك لا بأس أبداً من توجيه هذا السؤال، فإذا سألنا الذين يصرفون آيات الله تعالى عن ظاهرها فراراً من التشبيه بزعمهم، فنقول لهم: أين الله الذي يأتي الأمر من جهته؟ فسيضطربون اضطراباً عظيماً جداً في الجواب عن هذا السؤال، لذا فأول ما يفعله النفاة في مثل هذا الموقف أن يقولوا: لا يسأل عن الله بـ (أين).
وهم الآن ينفون هذا السؤال، ويخطئون من يسأل ويقول: أين الله؟ إذاً: فهم أعلم من النبي ﵊؛ لأنه هو الذي سأل هذا السؤال، وليست الحجة في قول الجارية، وإنما الحجة في إقرار النبي ﵊ للجارية، لكنهم يردون علينا بسؤالنا أين الله؟ بقولهم: هذا السؤال لا ينبغي أن يوجه، ولا يسأل عن الله بـ (أين)، مع أنه قد صح في صحيح مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: (أين الله؟) فيقولون: لأن إثبات الأينية لله يستلزم الحيز والجهة، وإذا كان في حيز أو في جهة، فهذا يعني أنه داخل في بعض خلقه، وإذا كان داخلاً في بعض خلقه؛ فإن الخلق يحيط به، مع أن الله تعالى هو الذي أحاط بكل شيء علماً، وليس في المخلوقات من أحاط الله ، أو ما أحاط بالله ، فهكذا تفلسفوا، وهكذا تمنطقوا.
وهذا كلام في غاية العجب.
إذا كان النبي ﵊ يقول: (ما السماوات والأرض بالنسبة للكرسي إلا كحلقة في فلاة).
أي: في صحراء، في برية، في بادية، فهل تظهر هذه الحلقة؟ لا تظهر، إذاً فالسماوات والأرض بهذا الحجم الذي نراه إذا سرنا فيه ما هي بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ملقاة في صحراء.
قال: (وما الكرسي بالنسبة للعرش إلا كحلقة في فلاة، والله تعالى مستو على العرش، والكرسي موضع قدميه .
والكرسي يحيط بالسماوات والأرض وزيادة؛ لأن السماوات والأرض بالنسبة للكرسي كحلقة في صحراء، وهذا الكرسي العظيم إنما هو موضع القدمين لله ، وهو بالنسبة للعرش كحلقة في فلاة، فما بالكم بالعرش كيف هو؟ لا يستطيع أحد أن يصف العرش، كما لا يستطيع أحد أن يصف الكرسي، مع أن الكرسي بالنسبة للعرش شيء قليل جداً، وشيء بسيط جداً، لكن هذا الشيء البسيط يحيط بالسماوات والأرض.
إذاً: فهل نحن مكلفون بأن نتفكر في ذات الله ﵎؟ فإقحام العقول والأفكار والأفهام في البحث عن ذات الله لا بد وأن يؤدي بالضرورة إلى ضلال صاحبه وتحيره وتيهه، وربما أدى به إلى الكفر بالله ، ولذلك أمرنا أن نتفكر في آيات الله، وألا نتفكر في ذاته ﵎؛ لأن ذاته فوق كل فكر، وفوق العقول، وفوق الإدراك، ولا يمكن أبداً أن يحيط عقل بصفة من صفات الله، فضلاً أن يحيط بذات الله ﵎.
وإذا كنا نعجز أن نصف الله ، فإننا بالتالي نعجز أن نتصور صفات المولى ﵎ التي منها: المجيء، بل علينا أن نسلم، وأن نؤمن بما جاء عن الله على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﵊، فنؤمن بذلك ولا نخوض فيه، لا بعقل ولا بفكر.
ومن فضل الله : أنه لا يسألنا عن ذاته، ولا يسألنا عن كيفية صفاته، والمرء إنما يحرص على ما ينفعه، وإقحام العقل في صفات الله وفي ذاته إنما هو أمر يؤدي إلى الضرر، والعبد غير مسئول عن هذا، فهل يعقل أن يدع ما يسأل عنه بين يدي الله من أحكامه وفرائضه وسننه، ثم يقحم نفسه في مسألة لم يكلفه الله ﵎ بها؟ على كل حال إذا كان النفاة لا يثبتون علو الله على خلقه، فلا معنى لقولهم: جاء أمر ربك؛ لأنهم لا يدرون من أين يأتي الأمر، وهم يقولون: إن الله في كل مكان، اللهم إلا إذا زعموا أن الأمر يأتي من كل مكان، لتصورهم أن الله تعالى في كل مكان، ولا نعلم أحداً قال بهذا القول، حتى هم لم يقولوا: إن الأمر يأتي من كل مكان، فالله قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].
فنحن نعلم مجيء الرب ﵎، ونعلم أنه يأتي من علو، وهؤلاء لا يثبتون العلو لله ، فنقول لهم: إذا فسرتم وأولتم مجيء الرب بأنه مجيء الأمر فمن أين يأتي الأمر؟ وهم يقولون: إن الله في كل مكان.
إذاً: يأتي الأمر من كل مكان، وهذا الكلام لم يقل به أحد، حتى هم لم يقولوا بذلك.
فليس لدى النفاة جواب بالنسبة لهذه الآيات ما لم يركبوا رءوسهم، إذ لم يبق هناك من يضيفون إليه المجيء؛ لأن الآية قطعت عليهم خط الرجعة كما يقولون، حيث ذ
стр. 569
عدم إحاطة العباد بالله علماً
هل لأحد أن يدعي أنه يحيط علماً بالله؟
الجواب
لا.
لأن ذلك مستحيل شرعاً وعقلاً، والواقع أن الله تعالى هو الذي يحيط خلقه بعلمه، أما هو سبحانه يُعلم ولا يحاط به علماً، فهو معلوم الوجود، وأنه واجب الوجود، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥].
فهم لا يحيطون بذاته ولا بصفاته ولا بأفعاله علماً، والنزول والمجيء من أفعال ربنا ﵎، فينتهي علمنا فيهما وفي غيرهما من أفعال ربنا ﵎ بمعرفة المعنى العام أنه يأتي وأنه يجيء، أما كيف يأتي وكيف يجيء فهذه ليست لنا ولا نعرفها، بل ولا يعرفها ملك مقرب ولا نبي مرسل، فكيف يدعي هؤلاء صرف هذه النصوص عن ظاهرها؟ وتعطيل النصوص بالضرورة يستلزم تعطيل صفات المولى ﵎.
ومما يؤمن به أهل السنة والجماعة: أن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، ومما يحدثه في نهاية المطاف لهذه الدار: أن يأمر الشمس أن تطلع من مغربها بدلاً من طلوعها من مشرقها؛ إعلاناً وإعلاماً لنهاية هذه الحياة، وهنا يغلق باب التوبة، ولا يقبل إيمان ممن يريد أن يؤمن، أو عمل صالح ممن يريد أن يعمل عملاً صالحاً.
ثم إذا جمع الله الأولين والآخرين يأتي يوم القيامة ليحاسب عباده، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
وهناك يتميز المؤمن الصادق الذي كان يعمل بصدق ويقين ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢]، فيأتي الرب ﵎ فيعرفه المؤمنون بعلامته الخاصة، وهي ساقه ﵎، فيسجدون له سبحانه سجود تعظيم وشكر في آن واحد، ويحاول المنافقون والمراءون أن يسجدوا كسجود المؤمنين، فيجعل الله ﵎ ظهورهم طبقاً واحداً، فإذا أرادوا أن يسجدوا لله خروا على ظهورهم؛ لأنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا، ومن سجد منهم إنما سجد مرائياً منافقاً، ولم يكن يسجد لله بصدق وإيمان ويقين.
إذاً: هذه الصفة ثابتة لله على الوجه اللائق، ونقول فيها كما نقول في غيرها من بقية الصفات.
стр. 570
إثبات أن لله هرولة تليق به سبحانه
قال النبي ﵊ في الحديث القدسي الذي يقول فيه المولى : (وإذا تقرب إلي عبدي شبراً تقربت إليه ذراعاً).
فأثبت القرب من العباد لله .
(وإذا تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة).
فأنا أهرول، والله تعالى يهرول، لكن هرولة الله ليست كهرولة المخلوقين، وإنما ذلك اتفاق في الاسم واختلاف في المسمى والمضمون، والمعنى معلوم، والكيف مجهول.
فهرولة الله ﵎ يقيناً معلومة لدينا؛ لأنه أخبرنا أنه يهرول، لكن كيف يهرول؟ هذه ليست لنا، ولو سألتني: كيف يهرول زيد أو عمرو؟ لقلدت لك هرولة زيد وعمرو؛ لأن الأمر لا يعلم إلا بشرطين: إما برؤيته له، فأستطيع أن أصفه، وإما بوجود المماثل له.
وأنت سألتني: كيف يهرول عمرو أو زيد؟ فهل عمرو سيأتي بهرولة جديدة؟ لا.
فنحن نهرول كبعضنا، ولكل واحد من البشر هرولة خاصة، وهو رمل واحد، وإسراع واحد، وجري واحد، وبطء واحد، ويستطيع المرء أن يصف ذلك في المخلوقات؛ لأنه رأى ذلك بنفسه ويستطيع أن يفعل ذلك، وهناك أمثلة عديدة في البشر يستطيع أن يقيس؛ لأني كزيد وكعمرو وكإبراهيم وكمحمد، لكن لا أقول: أنا كالله تعالى! لأننا إذا كنا نتفق على أن ذات المخلوقات تختلف عن ذات الله فلا بد وأن نقول: إن صفاته تبعاً لهذه الذات تختلف عن صفات المخلوقين فهو يهرول كيف يشاء، ولا أستطيع أبداً أن أصف هرولة الله ؛ لأنني لم أر الله، ولم أر هرولة الله، ولذلك لا أستطيع أبداً أن أمثلها؛ لأنها غيب عني، وكل ما في الأمر: أن الله تعالى ألزمني الإيمان بأنه يهرول، وأنه يأتي، وأنه يجيء، وأنه يتقرب إلى عباده.
وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرؤية قال: (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم! فيقولون: لا، نبقى هنا حتى يأتينا ربنا كما نعرفه).
لأنهم قد رأوه أول مرة في المحشر، ولذا لما ظهر لهم في صورة أخرى وقال: أنا ربكم! قالوا: لا.
إنما لربنا علامات نعرفه بها، عينان، وساق، ويدان.
فهذه وغيرها جوارح في حق المخلوقين، لكنها ليست جارحة في حق الله .
ولذلك لما ظهر الله تعالى لهم لم يروا له مثيلاً ولا نداً ولا شبيهاً في حياتهم قط، فعرفوا أن هذا هو الله ؛ لأنه واحد في ذاته، واحد في صفاته، لا يشبه أحداً، فلما بدا لهم وظهر لهم وكشف الحجب بينه وبينهم ورأوه على هذا النحو الذي لا يمكن لبشر أن يصفه قالوا: أنت ربنا.
стр. 571
أقوال أهل العلم في إثبات صفتي الإتيان والمجيء
стр. 572
قول ابن جرير في إثبات صفتي المجيء والاتيان
قال ابن جرير: اختلف في صفة إتيان الرب ﵎ الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠].
فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه من المجيء والإتيان والنزول.
أي: لا بد أن نسلم أنه يأتي مثلما قلنا في النزول والاستواء وغير ذلك، ونفوض علم الكيفية لله ، وغير جائز لأحد تكلف القول في ذلك إلا بخبر من الله ، أو من رسل الله تعالى.
ولذا عندما لم يأت الخبر بالكيفية؛ وجب أن نسكت عما سكت عنه الأنبياء، وعما سكت عنه أصحاب الأنبياء، ولذلك لم يرد في أثر -ولو باطل- أن واحداً من أصحاب النبي ﵊ قال له: يا رسول الله! كيف يأتي ربنا؟ كيف يستوي ربنا؟ كيف يتكلم ربنا؟ فلم يسألوا عن الكيفية قط؛ لأنهم يعلمون أن لله ﵎ ذاتاً تختلف عن ذواتنا، وهم لا يمكن أبداً أن يحيطوا بها علماً، ولذلك لم يتكلفوا السؤال عنها، وعن كيفية صفاتها.
стр. 573
إثبات أبي الحسن الأشعري لصفتي المجيء والإتيان
وقال أبو الحسن الأشعري، وهو من أفراخ المعتزلة ورئيس الأشاعرة، لكن الله تعالى منَّ عليه بفضله؛ فانسلخ من معتقده الفاسد الأول، وجاء مقراً بعقيدة أحمد بن حنبل، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة قال: وأجمعوا -أي: أهل السنة- على أنه يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفاً.
فإجماع السلف على أن الله تعالى يجيء، وأنه يأتي، وأنه يتقرب إلى عباده، ويقترب، ويدنو منهم، وكيفية ذلك لا يعلمها إلا هو سبحانه.
стр. 574
قول الشيخ الهراس في إثبات صفتي المجيء والإتيان
وقال الشيخ الهراس في شرح الواسطية -بعد أن ذكر الآيات والأحاديث الثابتة في صفة الإتيان والمجيء -: وفي هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل -أي: من صفات فعل الله وهما: صفتا الإتيان والمجيء، والذي عليه أهل السنة والجماعة: الإيمان بذلك على حقيقته.
أي: نؤمن بأن الله تعالى يأتي حقيقة لا مجازاً، ويبتعدون عن التأويل الذي هو في الحقيقة إلحاد وتعطيل.
стр. 575
تأويل الإمام النووي وابن الجوزي لصفتي الإتيان والمجيء والرد عليهما
وقد جاءت صفتا الإتيان والمجيء مقترنتين في حديث واحد رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (إذا تلقاني عبدي بشبر؛ تلقيته بذراع، وإذا تلقاني بذراع؛ تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع؛ جئته وأتيته بأسرع).
صفتان ثابتتان لله : الإتيان والمجيء، لكن بعض أهل العلم لا يدعون هذه الآيات تمر هكذا، كـ ابن الجوزي عليه رحمة الله، والنووي عليه رحمة الله، وكلاهما لم يتمكن من دراسة العقيدة دراسة وافية مستفيضة على يد أهل السنة والجماعة؛ ولذلك وردت أخبار في ترجمة ابن الجوزي عليه رحمة الله، أنه شيخ الوعاظ وصاحب ورع وتقى وهدى، لكنه في باب الصفات لم يحكم ذلك إحكاماً، وإنما كان له تخبط، فتارة يقول بقول السلف، وتارة يقول بقول الخلف، وتارة يذكر الخلاف ولا يرجح، تماماً كما يفعل النووي، ولذلك عاب عليه الذهبي عليه رحمة الله في كتاب السير باعتبار ابن الجوزي حنبلي المذهب، فقال: ويا ليته سكت أو تبع إمامه.
أي: يا ليته ما تكلم في الصفات، ويا ليته إن تكلم اتبع إمامه أحمد بن حنبل.
فـ ابن الجوزي ممن دخل في هذا التأويل، وكذا النووي عليها رحمة الله، لكن تلاميذ النووي نقلوا عنه أنه لم يحكم دراسة العقيدة، بل كان يقلب فيها، وينقل من كتب القاضي عياض، والإمام المازري وكلاهما أشعري معروف بأشعريته وخلفيته، فذكر الإمام النووي هذه الآيات وهذه الأحاديث، وذكر فيها خلاف أهل العلم، ورجح فيها مذهب الخلف للأسف، فأثبت أن المجيء إنما هو مجيء الأمر لا مجيء الله ﵎؛ لأنهم لم يفهموا من صفات الله إلا ما يفهمونه من صفاتهم البشرية، وقياسهم مجيء الرب على مجيئهم، وإتيان الرب على إتيانهم، وقرب الرب على قربهم ودنوهم، فهم لم يفهموا ولم يدركوا من صفات الله إلا ما يدركون من صفاتهم التي يرونها ويعلمونها من أنفسهم، وهذا بلا شك خطأ عظيم جداً، والرد عليه من أوجه كثيرة: أولاً: أن النووي لما رجح مذهب الخلف ادعى أن هذا مذهب السلف، فإن كان يقصد مذهب الأشاعرة، وأنهم سلف بالنسبة له وأنه تابع لهم في بعض الصفات؛ فكلامه صحيح، وإن كان يقصد أن هذا مذهب السلف الصالح عامة؛ فكلامه مردود، إذ إن التأويل ليس هو مذهب السلف، وإنما هو مذهب الخلف.
ومذهب السلف ﵃ إنما هو إثبات المعاني، وتفويض علم الكيفية إلى الله تعالى، وقد فصلنا القول في ذلك مراراً ولا داعي لإعادته.
ثانياً: تأويله للإتيان والمجيء بالرؤية، أو ببعض ملائكة الله، ليس تأويلاً صحيحاً، بل هو يناقض العقيدة السلفية في صميمها، فنحن إذ نقول بإثبات صفة المجيء والإتيان للرب ﵎ لا يستلزم ذلك التشبيه والتجسيم؛ لأننا قلنا من قبل: ما من شيئين إلا وبينهما اشتراك وافتراق، فمن نفى القدر المشترك فقد مثل، ومن نفى القدر الفارق فقد عطل.
والله تعالى يأتي في صورة فيقول: أنا الجبار، وهو سبحانه قد صورني وخلقني على صورة معينة، فهل صورتي كصورة الله ؟
الجواب
لا.
لكن أوجه الشبه بيني وبين الله أن لي صورة ولله تعالى صورة.
فالخلق يتفقون مع الخالق في مجرد التسمية فقط، ومن نفى القدر المشترك فقد مثل، كأن يقول: صورتي كصورة الله ؛ لأنه أثبت لنفسه صورة، وأثبت لله صورة، فلا بد وأن تكون صورته كصورة الله، وهذا خطأ عظيم؛ لأننا إذا كنا نفرق بين ذات المخلوق وذات الله، فلا بد وأن المخلوق يقول بنفس الفارق بين صورته وصورة الله ، وإلا إذا لم يقم هذا الفارق بينه وبين الله فلا بد وأن يجعل نفسه أو ذاته كذات الله تعالى، وهذا إلحاد وكفر.
ومن نفى القدر الفارق فقد عطل.
أي: عطل المولى ﵎ عن صفاته.
كما أن الله يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، وكل ذلك على الحقيقة من غير أن يلزم فعله ما يلزم المخلوقين إذا فعل مثل ذلك.
ومن المؤكد أن النبي ﵊ وسلف هذه الأمة وأئمتها يعلمون أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة، أو وصفه رسوله بصفة أن ذلك ثابتاً له على ما يليق به ، فلا يشبه شيئاً من صفات خلقه، كما لا تشبه ذاته سبحانه ذواتهم، وكذلك القول بالنسبة لأفعاله .
ومن الجدير بالذكر هنا: أن في صفات الخلق ما يختلف فيما بينهم، فليس كل الخلق يتصفون بصفة واحدة، ولذلك الحيوانات لها صورة، والطيور لها صورة، وبنو آدم لهم صورة، والله ﵎ له صورة، فهل اتفاق الجميع في لفظ الصورة يستلزم المماثلة والمشابهة بين هذه المسميات؟
الجواب
لا، فتشابه الصفات في الاسم لا يستلزم تشابه الذوات.
стр. 576
كلام ابن تيمية في إثبات صفتي المجيء والإتيان
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: وإذا قيل: الصعود والنزول، والمجيء والإتيان أنواع جنس حركة.
قيل: والحركة أيضاً أصناف مختلفة، فليست حركة الروح كحركة البدن، والروح تتحرك في البدن، ومع هذا لا يستطيع أحد أن يصف الروح التي هي بين جنبيك، وتتحرك فيك بالليل والنهار وأنت نائم ومستيقظ، فكيف تصف صفات المولى ﵎؟! وكذلك الملائكة لها حركة، والحركة يراد بها انتقال البدن والجسم من حيز، فالذين يقولون: إن إتيان الرب ﵎ يستلزم الحركة والانتقال والحيز، نقول لهم: ليس ذلك بلازم، فهناك بعض المخلوقات تتحرك دون حيز، كما يراد بالحركة أمور أخرى كما يقول كثير من الطبائعية والفلاسفة، منها: الحركة في الحكم كالحركة في النمو، فمثلاً تقول: فلان ينمو ويتحرك دائماً.
والحركة في الكيف كحركة الإنسان من جهل إلى علم، كأن تقول لابنك: يا بني! تحرك قليلاً؛ لما ترى ما يكتب له في الشهادة وهو راسب، أو درجاته قليلة، فتقول له: تحرك.
فأنت لا تقصد بقولك هذا أن ينتقل من حيز إلى حيز، أو من مكان إلى مكان، وإنما تقصد أن ينتقل بكيفية أخرى، وهي أنه يعلو من الجهل إلى العلم، وحركة اللون من سواد إلى بياض، والحركة في الأين فليس هناك انتقال جسم من حيز إلى حيز، فإذا كانت حركة المخلوقات لا تستلزم الانتقال وخلو المكان الأول، فهي من باب أولى في جنب الله ، وفي نزول الله ، وقد قلنا فيما مضى: إن بعض الناس يتوهم أن نزول المولى ﵎ إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل لا يستلزم خلو العرش منه، وأن العرش والسماوات من فوقه فيكون سبحانه محصوراً بين خلقه، فهذا كفر وضلال لمن قال به.
لكنهم أرادوا أن يلزموا أهل السنة الحجة بذكر هذا الكلام السخيف التافه؛ لأنهم يعلمون من أنفسهم أن الواحد منهم إذا كان في مكان عال ونزل يلزم من ذلك خلو المكان العالي منه، فقاسوا أنفسهم على الله ، وقاسوا الله تعالى عليهم، وهذا ضلال مبين.
وعقيدة أهل السنة والجماعة أن يسكتوا عما سكت عنه الله تعالى، وسكت عنه رسله وأنبياؤه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ثم هؤلاء المثبتة إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب، ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول، والإتيان والمجيء، وبالوجه واليد ونحو ذلك: إن هذا يقتضي التجسيم؛ لأننا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم، فنحن لا نعرف واحداً يوصف بالاستواء والنزول، والإتيان والمجيء، وله وجه، وله يد وله عين وغير ذلك إلا أجسام محسوسة أمامنا.
ولذلك ينفون عن الله هذه الصفات، فيقولون: ليس له يد، ولا عين، ولا ساق، ولا يأتي، ولا يجيء، فينفون عن الله تعالى كل شيء أثبته لنفسه إلا سبع صفات، وهذا اضطراب؛ لأننا قلنا: إن الكلام في صفة واحدة كالكلام في جميع الصفات، كما أن الكلام في الصفات كالكلام في الذات، فالذي يريد أن يتكلم إما أن يتكلم بخير أو يسكت، فإذا سكت وآمن وسلم فهذا هو مذهب السلف، وإذا تكلم إما أن يتكلم بكلام السلف، وإما أن يتكلم بغير ذلك فيكون من الخلف.
والذين يقولون: ليس له يد، ولا عين، ولا ساق، ولا يأتي، ولا يجيء، هم النفاة، لكنهم يثبتون لله تعالى الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام.
لكن: يقال لهم: أنتم تقولون: ليس له يد، وليس له ساق، وليس له عين، ونفيتم عنه ﵎ جميع الصفات الذاتية، فكيف يتصور وجود ذات بلا صفات؟! فقالوا: نحن نثبت له صفات معينة، وهي: صفة الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام؛ لأنها قد وردت في القرآن والسنة.
فإن قيل لهم: والصفات الذي قلناها أيضاً في الكتاب والسنة؟ قالوا: لا.
لأن إثباتكم لهذا الكلام يستلزم التشبيه.
فنقول لهم: لا، فنحن وسط بينكم وبين غيركم، فأنتم تنفون صفات الله وتقولون: هذا تنزيه لله ؛ حتى لا يكون شبيهاً بالمخلوقات.
وغيركم يقول: لا.
نحن نثبت لله تعالى هذه الصفات لكن لا نعلم منها إلا ما نعلمه من أنفسنا.
أي: أن له يداً كيدي، وعيناً كعيني، ثم في النهاية هو رجل مثلي، فإذا كانت صفات المولى مثل صفاتي، ففي النهاية هو مثلي بالضبط؛ لأنني إذا تكلمت في الصفات فأنا أركبها في الذات، وهذه الذات لا يصلح أن تتركب إلا في ذات تدخل في تصورك أنت، وهو شخصك، وهب أن الذي تكلم بهذا الكلام امرأة -لا بد من هذا الطرح أيضاً- فإذا كنت لا تفهم من صفات الله إلا ما تفهمه من صفاتك أنت فلا بد أن هذا المعتقد سيسود الرجال والنساء، فهل تقبل أنت كرجل تثبت هذه الصفات بالمماثلة والمشابهة مع صفاتك أنت من امرأتك، أو أمك، أو أختك، أو ابنتك أن تقول: إن الله تعالى مثلي تماماً، فذاته كذاتي، وصفاته كصفاتي؟! معاذ الله! فأنت نفسك لا تقبل هذا، فلم تقبل أن تشبه الله ﵎ بذاتك ونفسك؟! لا بد أن تثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه على مراده هو، بالكيفية والوجه الأكمل اللائق به .
وهؤلاء المثبتة ردوا على النفاة، والذين ينفون عن الله صفاته ردوا عليهم بأنك
стр. 577
الأسئلة
стр. 578
حكم ما يقع بين الناس من التعصب لفريق معين من لاعبي كرة القدم
السؤال
ما حكم ما يقع بين الناس من التعصب للكرة أو لفريق معين؟
الجواب
قد بلغ التعصب للكرة حداً عند أبنائها وأهلها لم يبلغ هذا التعصب عند أتباع المذاهب لأصحاب المذاهب، بل نرى ونسمع من يقذف بنفسه من البلكونات من الأدوار العالية الشاهقة عندما يسمع بخسارة فريق معين! وربما يسقط في الطريق ميتاً! وهذه قصص نسمعها ونراها، وهي واقعة كثيرة جداً، مثل: أربعة عشر واحداً ماتوا عندما ماتت أم كلثوم، وأحد عشر شخصاً رموا بأنفسهم من البلكونات، أو إحدى عشرة امرأة لما مات عبد الحليم حافظ! ثم يأتي شخص ويسألني عن الغناء هل هو حلال أم حرام؟! أما كرة القدم باعتبارها رياضة، وهي مفيدة بدنياً وذهنياًً، لا يلزم فيها أن تضيع شيئاً من صلاتك، أو من دينك وعبادتك، وأن تتعصب لها، ذهبت أو جاءت، وأن تقع عينك على محرم، وأن تلهيك في الجملة عن ذكر الله .
لكن الواقع الذي نراه الآن بخلاف ما أمر به الدين، فقد يضيع المسلم صلاته وهو جالس أمام التلفزيون، ناهيك عن الذي نسي نفسه حتى ضاعت منه كل الصلوات، ثم يقول لنفسه: أين سأصلي؟ وأين سأتوضأ؟ والناس هنا أمم والآف، وكل يلعب على ما يحلو له، فهذا يلعب على الموسيقى، وهذا على الرقص، وهذا على التمارين الرياضية، والكل يلعب إلا من رحم الله ، وطائفة قليلة جداً في الأمة تأخذ الأمر بجدية، وليس في يدها ما تفعل، ولا تقدر أن تتصرف؛ لأن بقية الأمة -وليس الكفار- يضيعون جهد هذه الطائفة ويبعثرونه، ثم تأتي وتسأل: الكرة حلال أم حرام؟
стр. 579
حكم تشغيل إذاعة القرآن قبل صلاة الجمعة
السؤال
ما حكم تشغيل إذاعة القرآن الكريم قبل أي صلاة خاصة صلاة الجمعة، هل هذا وارد؟
الجواب
هذا ابتداع في الدين.
стр. 580
حكم ذهاب الأولاد إلى القرية الفرعونية
السؤال
هل يجوز السماح لأولادنا بالذهاب في رحلة مع المدرسة إلى القرية الفرعونية الموجودة في السيد زكي؟ خاصة وأن ابنتي كلمتني اليوم، أنها ذهبت مرة إلى هناك فرأت نساءً عرايا ليس عليهن إلا طقوس الفراعنة، فوقفت على الباب من الخارج حتى انتهت الرحلة؟
الجواب
لا والله، لا يجوز، وإذا كان هذا الطفل علم حرمة هذا الأمر وهو طفل لم يبلغ ولم يكلف، فما بالك أنت؟
стр. 581
حكم إعطاء الهدية بنية إرجاع هدية أخرى
السؤال
هل هدية العرس تدخل تحت حديث: (مثل الذي يرجع في هديته كمثل الكلب يرجع في قيئه).
مع ملاحظة أن النية هي أن المعطي يريد أن ترجع إليه مرة أخرى في مناسبة له، وهل يجوز إعطاؤها نقداً؟
الجواب
يجوز إعطاء الهدية على أي وجه من الوجوه ما لم تكن أصل الهدية حراماً.
يعني: لا يصلح أن تهديه زجاجة خمر مثلاً، فهذا حرام، وإن كانت عند قوم أعظم هدية، لكنها في الشرع غير مقومة، وغير ممولة.
أي: لا قيمة مالية لها؛ ولذلك يقول أهل العلم بالإجماع: إن من كسر زجاجة خمر لا يطالب بدفع قيمتها، لماذا؟ لأنها لا قيمة لها في الإسلام، مال غير مقوم.
وليس معنى كلامي أن تطلع على الخمارات والحانات تكسر وتخرب ثم تقول: الشيخ قال، أنا لم أقل هذا الكلام! أنا قلت: الخمر في الإسلام غير مقوم، لكن الهدية تجوز نقداً وتجوز عيناً وتجوز منقولات وتجوز عقارات، وتجوز كل شيء، فهي هدية وهبة، ومن خوارم المروءة صراحة: أنك تنتظر أن ترد إليك الهدية مرة أخرى، ومن أجل هذا هناك أناس كثيرون جداً جداً من إخواننا الفلاحين يحجم عن السفر، وقد أحجم كثير من أصحابي عن السفر، فعند السفر تلاحظ أن كل البلد عن بكرة أبيها تأتي إلى بيت أخينا المسافر كل واحد متحمل ما لذ وطاب هدية للمسافر، ثم ينتظرون العودة، وعيونهم مفتحة ينتظرون ماذا سيأتي لهم، فهذا يعطيه ثوباً يرجعه ويقول لك: هذا ضيق هذا واسع، أعطني شيئاً علي، فهو يعطي الهدية وينتظر هدية، والهدية بلا عوض، اسمها هبة، وعقد الهبة بلا عوض، فأنت تعطي ولا تنتظر، ومن خوارم المروءة أنك تنتظر العوض.
стр. 582
حكم سماع الحكايات التي تذاع في الراديو
السؤال
هل يجوز سماع الحكايات التي تذاع في الراديو؟
الجواب
نعم.
стр. 583
حكم سماع بعض التمثيليات التي تحكي قصصاً اجتماعية وتذاع في الراديو
السؤال
هل يجوز سماع بعض التمثيليات التي تذاع في الراديو، والتي تحكي قصصاً اجتماعية؟
الجواب
نعم يجوز، وذلك إذا كان على هذا النحو الذي تسأل عنه السائلة، والتي تفيد الإنسان في تكوينه الفكري والعقلي، أما سماع التمثيليات والقصص الخليعة التي تدعو إلى الرذيلة والفاحشة فلا يجوز ذلك.
стр. 584
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - رؤية المؤمنين لله
تعد مسألة رؤية المؤمنين لربهم من أشرف مسائل الدين وأجلها، إذ إنها تتعلق بالاعتقاد وأصول الدين، بل هي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وهي الزيادة التي أكرم الله بها عباده المؤمنين في الآخرة، وقد دلت على ذلك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وهو مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة، خلافاً لبعض أهل الأهواء والبدع.
стр. 585
ذكر الخلاف في رؤية النبي ﵊ لربه ليلة المعراج
الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد: فقد تكلمنا في الدرس الماضي عن مدى إمكانية رؤية الله بالعين، وقلنا: إن ذلك محال في حق البشر، وذكرنا الخلاف الذي حدث في حق النبي ﵊ في رحلة المعراج: هل رآه بعيني رأسه أم رآه بفؤاده؟ وذكرنا أن هناك خلافاً شكلياً ظاهرياً، فـ ابن عباس خالف جمهور الصحابة فأثبت الرؤية لله ، إلا أنه لم يثبت عنه أنه قال: رآه بعيني رأسه، وإنما وردت عنه أقوال مطلقة، ومن ذلك: أنه سئل: [(هل رأى النبي ﷺ ربه؟ فقال: نعم)].
والتقييد الذي ورد في كلامه بأنه رآه بفؤاده لا بد وأن يحمل عليه كلامه المطلق، وبهذا ينضم قول ابن عباس إلى قول جمهور الصحابة، فلا يكون هناك في الحقيقة خلاف بينهم، فالنبي ﷺ ما رأى ربه بعيني رأسه، وإنما رآه بفؤاده، ولا أدل على ذلك من قول عائشة ﵂ لـ مسروق: (من حدثكم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية)، وفي رواية أنها قالت: (لقد قف شعري مما أسمع، إني أسمع أقواماً يقولون: إن محمداً رأى ربه، فمن قال ذلك فقد أعظم الكذب على الله).
ثم مما يؤيد كلامها: كلام عبد الله بن مسعود، فإنه قال نفس الكلام، وفوق هذا الكلام كله: حديث النبي ﵊ لـ أبي ذر لما سأله: (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه)، وفي رواية قال: (رأيت نوراً).
كما أثبتنا في الدرس الماضي أن النبي ﵊ رأى ربه مناماً لا يقظة؛ لما رواه أحمد أن النبي ﷺ قال: (رأيت ربي في منامي في أحسن صورة، حتى وضع كفه بين كتفي فشعرت ببردها بين ثديي)، ورؤيا الأنبياء حق ووحي.
وبهذا يتبين خلاصة الأمر وخلاصة الكلام في هذا: أن رؤية الله ﵎ بعيني الرأس في الدنيا؛ سواء للمؤمنين أو للأنبياء لا تجوز، وعلى ذلك إجماع علماء الإسلام.
وأما رؤية النبي ﷺ لربه فإنه قد رآه في منامه ولم يكن ذلك بعيني رأسه، وإنما رآه بفؤاده، وهذا مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة في مسألة الرؤية بالعين.
стр. 586
رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة
وأما رؤية المؤمنين لله في الآخرة، فهل هي ممكنة وجائزة وثابتة أم منتفية؟ أردنا في هذا الدرس أن نكمل موضوع الرؤية، فكان لزاماً علينا حتى يتم الكلام في باب رؤية المولى أن نتكلم عن هذه الجزئية، وهذه القضية خالفت فيها بعض الفرق أهل السنة والجماعة، كالجهمية والمعتزلة وغيرهم.
стр. 587
كلام الإمام الطحاوي وغيره في إثبات رؤية المؤمنين لربهم
يقول الإمام الطحاوي عليه رحمة الله: والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
وتفسيره -أي: تفسير الرؤية- على ما أراد الله تعالى وعلم، وما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، ولا ندخل بذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم أحد في دينه إلا من سلم لله ، ولرسوله ﷺ ، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه.
والمخالف في إثبات الرؤية -أي: رؤية الناس لله من الجهمية والمعتزلة، ومن تبعهم من الخوارج والإمامية على جهة الخصوص، قولهم باطل مردود في الكتاب والسنة؛ لأن مسألة الرؤية ثابتة في الكتاب والسنة والإجماع.
وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، كـ أحمد والشافعي وأبي حنيفة ومالك وسفيان الثوري وابن عيينة وحماد وغيرهم من أئمة الدين، وأهل الحديث عامة، وسائر طوائف أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، فكلهم أجمعوا على أن الله تعالى يرى بالأبصار يوم القيامة في الجنة.
وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي تتعلق بالاعتقاد وأصول الدين لا بفروعه، بل هي الغاية التي شمر إليها المشمرون؛ ولذلك قيل للشافعي: ماذا تقول في قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]؟ قال: تغشاهم نضرة بسبب نظرهم إلى الله ، فإنهم يلتمسون من نوره، وكل مسلم إنما تظهر على وجهه علامات الرضا وعلامات السخط نظراً لما يطلب.
ولذلك قال النبي ﵊: (نضر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها، فأداها كما سمعها).
قال أحمد بن حنبل: (نضر الله امرأً) أي: جعل في وجهه النضرة، وهي البشر والسرور والفرح، فترى وجهه نير وإن كان أسود أو أسمر؛ لأنه استمد هذه النضرة من حديث النبي ﷺ .
وقال أحمد: ما رأيت عالماً من علماء الحديث إلا وقد عرفته، قيل له: كيف؟ قال: بالنضرة التي في وجهه، أي: بالبشر والفرح والسرور، والنور الذي يشع من وجهه بسبب طلبه لحديث النبي ﵊، وهذا تأويل لقوله: (نضر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها).
وهذا يدل على أن من سمع ما قاله النبي ﵊، أو تذاكره، أو درسه، أو اهتم، أو بثه في الخلق علماً وعملاً فإنه يحظى بهذا الوعد العظيم الذي وعد به النبي ﵊، وهي تحقيق النضرة في وجهه.
وقال محمد بن إدريس الشافعي في قول الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]: تغشاهم نضرة في وجوههم بسبب نضرهم لله ﵎، قيل له: أأنت تقول بذلك؟ أي: أهذا معتقدك؟ قال: والله لو لم يكن ذلك لما عبد محمد بن إدريس ربه.
أي: لولا أني أعتقد أني ألقى الله يوم القيامة، وأنظر إليه فما فائدة عبادتي الآن؟ أي: إذا لم أكن على يقين من أنني سأتزود بنور الله يوم القيامة، وأتنعم وأتلذذ بالنظر إلى وجه الله تعالى، فإذا كنت أشك في ذلك فلم أعبد ربي إذاً؟! وهذا يدل على أن المرء يعبد ربه طمعاً في جنته، وطمعاً في التلذذ بالنظر إلى وجهه الكريم .
قال: وهذه مسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون.
стр. 588
أعظم الأدلة على رؤية المؤمنين لربهم في الجنة
وقد ذكر الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى أن من الأدلة على رؤية المؤمنين لربهم في الجنة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وهي من أظهر الأدلة وأعظمها في إثبات النظر إلى الله تعالى.
وأما من أبى إلا أن يحرفها بما يسميه تأويلاً فقوله غير صحيح، فنصوص المعاد والجنة والنار والحساب سهل تأويلها على أرباب التأويل، يعني: من أراد أن يؤول فالتأويل وارد وليس عنه ببعيد، ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص وأن يحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأولو هذه النصوص.
يريد أن يقول: إن الذي يريد أن ينحرف لا بد وأن يجد أمامه سبل الانحراف، بخلاف من عقد العزم من أول أمره على أن يكون متبعاً لا مبتدعاً، وعلى أن يكون له سلف في كل قول وفعل، لا من أراد أن ينخر في دين الله بهواه، وبتأويل لم يثبت عن واحد من السلف.
وهذا هو الذي أفسد الدين والدنيا، وهو ما فعلته اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وقد حذرنا الله تعالى من أن نفعل فعلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية؟! فهل قتل عثمان ﵁ إلا بالتأويل الفاسد؟ وجرى بسببه ما جرى في يوم الجمل وفي يوم صفين، وقتل بسببه الحسين ﵁، وجرى ما جرى يوم الحرة، وخروج الخوارج على علي بن أبي طالب، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كل ذلك بسبب التأويل الفاسد.
стр. 589
استعمالات النظر في اللغة
وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديت الفعل بأداة (إلى) صريح في نظر العين المجردة، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلاف حقيقته وموضوعه صريح في أن الله تعالى أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب ﷻ .
والنظر له عدة استعمالات في اللغة، ففي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥]، تعدى الفعل (ينظروا) بحرف (في)، وذلك يدل على أن النظر هنا ليس بالعين المجردة، وإنما هو بالتفكر والاعتبار، وإذا تعدى بنفسه كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ﴾ [الحديد:١٣]، دل على التوقف والانتظار، وإن تعدى الفعل (نظر) بـ (إلى) دل على النظر بالعين المجردة، كقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:٩٩]، فهنا تعدى الفعل (نظر) بحرف الجر (إلى)، فدل على أن العين هي التي قصدت، فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر!!
стр. 590
استدلال السلف الصالح بقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة) على إثبات الرؤية
روى ابن مردويه بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: (﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] قال: من البهاء والحسن -فهي يومئذ بهية وحسنة وجميلة- ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: في وجه الله .
إذاً: فالنظر لا بد وأن يكون إلى وجه الله ، ولا يمكن أن يكون عن طريق التفكر أو التدبر أو التوقف والاعتبار، وإنما هو عن طريق العين المجردة.
وعن الحسن قال: نظرت إلى ربها فنضرت بنوره ، أي: نظرت العين إلى ربها فأصابتها وغشيتها النضرة بسبب اقتباسها من نور الله .
وعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: تنظر إلى وجه ربها .
وقال عكرمة في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢]: ناضرة من النعيم، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] قال: تنظر إلى ربها نظراً.
ثم حكى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مثله، وهذا قول كل من فسر من أهل السنة والحديث هذه الآية؛ وكأن إجماع أهل السنة والجماعة قد انعقد في تفسير هذه الآية على أن المرء ينظر إلى ربه يوم القيامة بالعين المجردة.
стр. 591
استدلال السلف بقوله تعالى: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) على إثبات الرؤية
وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] قال الطبري: قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك ﵄: هو النظر إلى وجه الله .
قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ [ق:٣٥]، أي: من جميع أنواع النعيم، ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] أي: ولدينا نعمة زائدة على نعيم الجنة، وهو النظر إلى وجه الله ﵎.
стр. 592
استدلال السلف الصالح بقوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) على إثبات الرؤية
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، أي: للذين أحسنوا في هذه الدنيا بعمل الطاعات، والائتمار بالأوامر، والانتهاء عن النواهي، لهم الجنة وزيادة، والزيادة هي: النظر إلى وجه الله ﵎.
وقد فسرها بذلك النبي ﵊ والصحابة من بعده، فقد جاء في صحيح مسلم عن صهيب ﵁ قال: (قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فقال: إذا دخل أهل الجنة الجنة -وهذا نعيم- وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟! فيكشف الحجاب؟)، أي: فيكشف الله ﵎ الحجاب بينه وبين عباده فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهي تلك الزيادة في الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، والزيادة هي النظر إلى وجه الله ﵎، وكذلك فسرها الصحابة ﵃ كما روى ابن جرير ذلك عن جماعة منهم: أبو بكر الصديق وحذيفة وأبو موسى الأشعري وابن عباس ﵃ أجمعين.
وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، فهذه الآية في حق الكفار، فنفرق بين رؤية المؤمنين ورؤية الكفار، فالكفار محجوبون، ومفهوم المخالفة يدل على أن المؤمنين غير محجوبين عن رؤية الله ، فيكشف لهم الحجاب فيرونه ، فضلاً عن ورود الآية الصريحة في إثبات الرؤية وهي قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، فهذه الآية في حق أهل الإيمان، وآية الحجب: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] في حق الكفار.
وقد احتج الشافعي ﵀ وغيره من الأئمة بهذه الآية على الرؤية لأهل الجنة، إذ أنها صريحة في ذلك، ومنطوقها يدل على حجب أهل الكفر عن الرؤية، ذكر ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي.
وقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان -وهو تلميذ الإمام الشافعي - قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي ﵀ وقد جاءته رقعة قماش من الصعيد فيها
السؤال
ما تقول في قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]؟ فقال الشافعي: لما أن حجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا.
فاحتج بهذه الآية التي منطوقها صريح في حجب الكفار عن الرؤية، واحتج بمفهوم المخالفة على إثبات الرؤية لأهل الإيمان.
стр. 593
شبه المعتزلة في إنكار الرؤية والرد عليها
وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى لموسى ﵇ عندما طلب من ربه أن يره: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فقد احتجوا بالآية على نفي الرؤية، وأقول: لو كانت مسألة الرؤية ممكنة وجائزة لما منع الله طلب نبيه موسى ﵇، وهذه قد تكون شبهة لا حجة.
والجواب عليها من وجوه: الأول: أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم موسى ﵇ -وهو أعلم الناس بربه في وقته- أن يسأل الله ما لا يجوز عليه سبحانه.
الثاني: أن توقن بأن الأنبياء هم أعلم الخلق بالله ، وبما يجوز وما لا يجوز، وما ينبغي وما لا ينبغي، وما يستحيل وما هو ممكن في حق الله ، وأن النبي ﵊ أعلم الخلق بالله وأتقاهم له، وكذلك كل نبي هو أعلم الخلق في زمانه بالله ، ولو كان موسى يعلم أن رؤية الله ﵎ مستحيلة لما سأل ذلك؛ لأنه يعلم ما يجوز وما لا يجوز على الله .
ولما سأل ربه أن يراه وأن ينظر إليه منعه الله فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ولم ينكر الله عليه سؤاله كما أنكر على نوح ﵇ عندما طلب من ربه الشفاعة لابنه، فقال الله : ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦]، فهنا ربنا ﵎ أنكر على نوح، ولو أنك نظرت إلى سؤال موسى وجواب الله عليه فستلمس منه المنع لا الإنكار، مع أنه قال لنوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] فرد عليه، ثم أنكر عليه بقوله: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦] أي: حذاري أن تسألني ما أنت به جاهل، وما لا ينبغي ولا يجوز، فأنا أحذرك من ذلك؛ ولذلك تاب نوح ﵇ واعتذر إلى ربه.
الثالث: أن الله تعالى قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، ولم يقل: إني لا أُرى، أي: أنت الآن على سطح هذه المعمورة لن تراني، ولم ينف الله مبدأ الرؤية أبداً وأزلاً، وإنما قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، و (لن) تفيد النفي في المستقبل لا تأكيد النفي؛ ولذلك لو قلت لولدك: لن أعطيك مالاً؛ لا يدل على أنك ستمنعه المال ما حييت، لكنه إن طلب مرة أو مرتين أو ثلاثاً فإنك ستمنعه، لكن سيئول الأمر في النهاية إلى أنك ستعطيه، وكذلك قولك للآخر: لن أرضى عنك، لا يدل على أنك ساخط عليه مدى الحياة، وإنما هذا نفي للمستقبل أو لشيء من المستقبل، لا نفياً مؤبداً.
ولذا قال ربنا : ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ولم يقل: إني لا أرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي.
والفرق بين الجوابين ظاهر، ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاماً، فقال: أطعمنيه، فالجواب الصحيح: إنه لا يؤكل، إذاً فهو نفي للأكل مطلقاً؛ لأن الحجر لا يؤكل، وأما إذا كان الذي في كمه طعام فإنه يقول: إنك لن تأكله، وكذلك تدل الآية على أنه مرئي، لكنه لا يرى الآن، وموسى ﵇ لا تحتمل قواه في هذه الدار رؤية ربه .
ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت أمام تجلي الله في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟! فالله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقراً، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالاً لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، والكل عنده سواء.
الرابع: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣]، فإذا جاز أن يتجلى الله للجبل -وهو جماد لا ثواب له ولا عقاب- فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته؟! لكن الله تعالى أعلم موسى ﵇ أن الجبل إذا لم يثبت برؤيته في هذه الدار فالبشر من باب أولى.
الخامس: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم، وأن يسمع مخاطبة كلامه بغير واسطة؛ فرؤيته أولى من باب الجواز.
ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، فمن أنكر الرؤية لا بد أن ينكر الكلام، ومن أثبت الكلام لا بد وأن يثبت الرؤية، وقد جمع أهل العلم بين الرؤية والكلام.
وأما دعواهم: تأكيد النفي بـ (لن)، وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة، فتأويل فاسد جداً؛ لأنها لو قيدت في التأكيد لا تدل على جواز النفي في الآخرة، فكيف إذا أسقطت، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥]، مع قوله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فهم تمنوا أن يقضي الله عليهم، مع أن الله تعالى قد قال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾
стр. 594
استدلال المعتزلة بقوله: (لا تدركه الأبصار)
وأما الآية الثانية التي يتمسك بها نفاة الرؤية لله فهي قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فقد يقول لك قائل: أنت تعتقد أن الله تعالى يرى بالأبصار يوم القيامة؟ فتقول له: نعم، وفي الجنة.
فيرد عليك قائلاً: والآية التي تقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فهل ستقول: أنا رجعت عن كلامي ورأيي! لأدنى شبهة تلقى عليك، ولذلك فدروس العقيدة هي من أهم ما يمكن أن يحرص عليه المرء، وهذه شبهة يقول بها المعتزلة والجهمية والخوارج، وهي في الحقيقة حجة لأهل السنة في إثبات الرؤية مع أن ظاهرها يدل على نفي الرؤية، لكن أهل السنة استنبطوا منها أنها تثبت الرؤية، وهو أن الله تعالى إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية لا العدمية أو السلبية، فالله ﵎ يمدح نفسه دائماً بصفة المدح، ولا يمكن أن يكون هناك مدح إلا من جهة الثبوت لا من جهة السلب، وقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فالسنة والنوم صفات نقص لا يمكن أن يمدح الله ﵎ نفسه بها، لكن فهمنا منها المدح بإثبات النقيض والضد، فمدح الله نفسه بإثبات كمال الحياة والقيومية.
إذاً فهو لم يتمدح بصفات النقص، وإنما مدح نفسه بما ينقض ويناقض ويناهز هذه الصفات، وهي إثبات الحياة والقيومية لله ، وهما صفتان معارضتان للسنة والنوم، ولذا نقول: إن الصفات العدمية أو السلبية لا مدح فيها، وإنما المدح في الصفات الوجودية الإيجابية، فيمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمر وجودياً، فأنت إذا نفيت عنه السنة والنوم فلا بد أن تثبت له الصفة المناقضة، وهي الحياة والقيومية.
إذاً فربنا ﵎ يمدح نفسه بشيء موجود، كمدحه نفسه بنفي السنة والنوم المتضمن لكمال القومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء -التعب والمشقة- لإثبات كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن لكمال ربوبيته وإلهيته وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه، ونفي الشفاعة عنده إلا بإذنه المتضمن لكمال توحده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن لكمال العدل والعلم والغنى، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه -أي: غيابه- المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته.
وربنا لم ينف عن نفسه شيئاً ليس له أمر ثبوتي وجودي في المقابل، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه.
فالمعنى إذاً: أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، فأهل السنة يقولون: إن قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) ليس نفياً للرؤية، وإنما هو نفي للإدراك والإحاطة، فأنت نفسك ممكن ترى مخلوقاً فضلاً عن الله ، لكنك لا تحيط به ولا تدركه، ولذلك لما قال قوم موسى لما فروا من فرعون وتبعهم فرعون وجنوده: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، قال موسى: ﴿قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:٦٢]، فنفي موسى الإدراك، مع أن موسى وقومه كانوا يرون فرعون وجنوده، وموسى ﵇ لما قالوا له: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] لم يقل: لم يرونا أو لن يرونا، وإنما قال: (كلا)، فالجواب هذا متعلق بكلام قوم موسى في الإدراك، أي: لن يدركنا فرعون، وقول موسى ونفيه الإدراك لا ينفي أن فرعون وقومه كانوا ينظرون ويرون موسى ومن معه، إذاً فنفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية، وهذا في حق المخلوق.
ولو أنك رأيت جبريل على صورته التي خلقه الله عليها له (٦٠٠) جناح، كل جناح يسد الأفق، فكيف ستحيط بجبريل وهو مخلوق؟! إنك لن تستطيع أن تحيط به، مع أنه مخلوق من مخلوقات الله.
وأيضاً: لو أنك وقفت أمامي وجهاً لوجه، ونظرت إليك ونظرت إلي، فهل سيحيط كل منا بصاحبه؟ لا؛ لأني إذا رأيت وجهك خفي علي ظهرك، وإذا رأيت ظهرك خفي علي وجهك، إذاً أنا أراك ولكني لا أدركك، فإذا كان هذا في المخلوق الإنسان الضعيف فكيف بالله ؟! إذاً فقوله (لا تدركه الأبصار) ليس نفياً للرؤية بقدر ما هو نفي للإدراك والإحاطة؛ ولذلك يقول الله ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] أي: لا يمكن أبداً أن تقع منك الإحاطة بالله ؛ لأنه منزه عن ذلك؛ لإثبات كمال وحدانيته.
فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] يدل على كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، فإذا كنت لا تدرك أنت الشيء الصغير المخلوق فالله ﵎ من باب أولى، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، إذ الإدراك أعم من الرؤية، والرؤية أخف، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢]، فلم ينف موسى عليه
стр. 595
ما روي عن النبي والصحابة والتابعين في رؤية المؤمنين لربهم
стр. 596
رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي ﵊
وأما الأحاديث عن النبي ﵊ فقد بلغت حد التواتر، ورواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، منها [حديث أبي هريرة ﵁: (أن ناساً قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)]، وتأمل الدليل عندما يكون صحيحاً وصريحاً فإنه يطمئن، ويبطل النزاع، ومع ذلك فهذه الأدلة لم تنفع المعتزلة والجهمية، فإنهم لما كانوا أصحاب هوى وانحراف أضلهم الله ؛ لأنهم استحبوا العمى على الهدى، فأعماهم الله في الدنيا والآخرة.
[قال: (إن ناساً قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)]، وهذا سؤال واضح؛ لأنهم يعرفون أنهم لن يروه في الدنيا، والصحابة كانوا مجمعين على أن رؤية الله مستحيلة في الدنيا.
وعند ذلك سألوا عن شيء آخر وجديد، (هل نرى ربنا يوم القيامة؟)، والمقصود بيوم القيامة: يوم المحشر، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] المراد بقوله سبحانه: (يومئذ) أي: يوم المحشر، فإن أهل الإيمان هم الذين ينظرون إلى الله ، لكن هل ينظر إليه الكفار والمنافقون في المحشر؟ هذه الجزئية والفرعية سنتكلم عنها بإذن الله.
فقوله: (قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)، وكان بإمكانه أن يقول: نعم، لكنه أراد أن يضرب لنا مثلاً ليكون أبلغ في إيصال هذا العلم، [فقال: (هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟)]، أي: عندما يكتمل القمر لا يكون بينكم وبينه ضير ولا ضيم، ولا يحجبكم عن رؤيته شيء.
قال: [(قالوا: لا يا رسول الله! قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟)]، أي: عندما تطلع الشمس وتكون صحواً، هل تعلمون علماً يقيناً حين النظر إليها أن هذه الشمس هي التي خلقها الله أم لا؟ [قال: (فإنكم ترونه كذلك)] أي: لا يمنعكم ضيم ولا شك ولا ريب من رؤية الله كما ترون الشمس والقمر.
وهنا شبهة عظيمة جداً وقعت فيها المعتزلة والجهمية، فقالوا: إن هذا النص يفيد التشبيه، أي: تشبيه المولى ﵎ بخلقه، إذ أنكم لو أثبتم هذا للزمكم أن تقولوا بالتشبيه بين الله ﵎ وبين خلقه من الشمس والقمر.
والجواب عن هذه الشبهة: أنه قد ورد في نفس الحديث أنه ﵊ قال: (فإنكم ترونه كذلك)، فالضمير يعود إلى الله ، أي: كما ترون الشمس والقمر، إذاً ليس هنا تشبيه.
والمقصود من الحديث تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، فالنبي ﵊ شبه رؤيتك في الوضوح لله برؤيتك للشمس والقمر في الوضوح، بحيث لا يمنعك شيء؛ لأن الذي يمنعك عن الله هو الحجاب، فإذا كشف الله ﵎ الحجاب هل يمنعك من رؤية الله شيء؟ لا.
فالشمس إذا كان بينك وبينها سحاب تحجب، وإذا رفع هذا الحجاب، ولم يكن هناك سحاب فإنك ترى الشمس صحواً، وإذا نظرت إلى القمر ليلة البدر في تمامه ليس هناك غيم ولا ضوء عليك؛ فإنك ستراه على صورته الحقيقية.
لذا فالنبي ﵊ قال: (فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس)، فشبه الرؤية بالرؤية من جهة الوضوح، ولم يشبه المرئي -وهو الله بالمرئي -وهو الشمس والقمر-.
وحديث أبي سعيد الخدري بنفس سياق حديث أبي هريرة.
стр. 597
رواية جرير بن عبد الله البجلي
[عن جرير بن عبد الله البجلي قال: (كنا جلوساً مع النبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم عياناً)]، أي: سترون ربكم بأعين رءوسكم، لكن لماذا موسى لم يره؟ لأن الله سيركب فينا يوم القيامة بصراً شديداً حديداً نتمكن به من رؤيته، وأما الآن في الدنيا فلا؛ لأن نظرنا لا يحتمل.
[قال: (كما ترون هذا -وأشار إلى القمر- لا تضامون في رؤيته)].
стр. 598
رواية أبي موسى الأشعري
وحديث صهيب الذي ذكرناه، [وحديث أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين أن ينظروا إلى ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء)]، أي: أن الحجاب الذي بيننا وبين رؤية الله هو رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن، فإذا كشف هذا الرداء رأيت الله .
стр. 599
رواية عدي بن حاتم ﵁
[وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: (وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه)]، واللقاء ثابت، فإذا كنت تلقى الله لقاءً -واللقاء يقتضي المعاينة- فمعنى ذلك أنك ستراه بعينك، [قال: (ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان، فليقولن: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب!) -ولو أنكر فإنه سيختم على فيه فتتكلم جوارحه- قال: (فيقول: بلى يا رب! فيقول: ألم أعطك مالاً، وأتفضل عليك؟ فيقول: بلى يا رب!)].
والشاهد في الحديث: أن اللقاء يوم القيامة سيكون وجهاً لوجه بين الخالق والمخلوق، وهذا يقتضي النظر إليه بالعين، وقد روى أحاديث الرؤية نحو من ثلاثين صحابياً، فهي قد بلغت حد التواتر، ومن أراد الوقوف عليها فليواظب على سماع الأحاديث النبوية، فإن فيها مع إثبات الرؤية أنه يكلم من شاء إذا شاء، وأنه يأت الخلق يوم القيامة لفصل القضاء، وأنه فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأنه يتجلى لعباده، وأنه يضحك إليهم، إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية والمعتزلة بمنزلة الصواعق، بل أكره شيء على كل الفرق الضالة أن تسمعهم آيات وأحاديث الصفات؛ لأنهم مؤولون ومخالفون لها.
قال: [وكيف يعلم وصول دين الإسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله؟]، وهذا كلام جميل وقوي، ومعناه: من أين ستتعلم هذه الأصول من قول فلان وعلان؟! كما يقول ابن القيم: العلم قال الله وقال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول سفيه يعني: إذا ثبت الكلام في كتاب الله أو في سنة النبي ﷺ فليس لفقيه قول، وإذا تكلم الناس بخلاف ما في الكتاب والسنة فأقوالهم مردودة ومطروحة؛ ولذلك يقول هنا: وكيف نتعلم أصول ديننا الإسلامي من غير كتاب الله وسنة رسوله؟ وكيف يفسر كتاب الله بغير ما فسر به رسوله وأصحاب رسوله الذي نزل القرآن بلغتهم؟ والورع كل الورع ألا يتكلم امرؤ في دين الله إلا بعلم، ولذلك يقول أبو بكر الصديق ﵁ عندما سئل عن معنى (الأب) في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١]: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إن قلت في دين الله تعالى ما ليس لي به علم.
أي: اسألوا واحداً آخر غيري عن معنى الأب، فأنا لا أعرف معناها.
فتأمل كلام الصديق ﵁، والظن به أن يعلم ذلك، لكن لما كان المراد مرعى الإبل والماشية ربما يكون أهل البدو أعرف بهذا التأويل من أبي بكر الحضري، فقال: اسألوا عنه غيري، فأنا لا أستطيع أن أتكلم في دين الله برأيي؛ لأني أخشى ألا تظلني السماء، ولا تقلني الأرض إن قلت في دين الله ما ليس لي به علم.
قال: [وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر، تشبيهاً لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي].
ويقول: وفي هذا الحديث دليل آخر على علو الله على خلقه؛ لأنه قال لهم: (هل ترون القمر؟ هل ترون الشمس؟)، إذاً فأنتم سترون ربكم في جهة العلو؛ لأنه ضرب لك مثلاً بشيئين موجودين في السماء، فإذا كنت ترى الشمس أو القمر في العلو فلا بد وأن ترفع وجهك إلى السماء حتى ترى الله .
قال: [فيه دليل على علو الله على خلقه، وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟]، وأما الأشعرية فقالوا بأن الرؤية ستتم، لكن بشرطين: الأول: رؤية بلا مقابلة! وهذا كلام غير منطقي ولا يعقل.
الثاني: رؤية الفؤاد وليست رؤية العين.
ومنهم من قال: يرى لا في جهة، ولفظ (جهة) من الألفاظ المحدثة التي لم تكن معلومة في حياة السلف، ومنهج السلف أن الله سيُرى، لكن قولهم: ليس في جهة، مصطلح محدث، وأي مصطلح محدث وجديد لا يقول به السلف، وإنما يتوقفون عنده، ومن قال به ناقشوه: ماذا تريد بهذا اللفظ؟ لأن الكلام في الاعتقاد من أخطر ما يمكن، فكلمة فيه تأخذك إلى جهنم، وكلمة تدخلك الجنة.
فمن قال: إن الله يرى لا في جهة، سنقول له: هل لفظ (الجهة) قاله النبي ﵊؟ فسيقول: لا، فنقول: قاله أبو بكر؟ فسيقول: لا، فنقول: قاله عمر، أو عثمان، أو الصحابة والتابعون؟ فسيقول: لا، فنقول: إذن لماذا قلته؟ فسيقول: إنما قصدت به معنى عندي، فنقول له: ما هو هذا المعنى؟ قال: أنا أردت أن الله تعالى ليس محدود بحد؛ لأن وجوده في ناحية أو في جهة يدل على أنه محدود، أو على أنه جسم من الأجسام، فنقول له: أليس عندك في ذلك شيء قط من اعتقاد السلف؟ فإن قال: ما أردت بكلمة (الجهة) إلا العلو والفوقية لله ، فنقول له: نعم، لكن الأولى أن تلتزم في هذا الباب وفي هذه المسألة بما ورد من مصطلحات في الشرع.
فعندما تقول: إن الله تعالى في السماء، فسنقول لك: ليس هناك أي خلاف معك، وكونه في السماء لا يدل على أنه محدود بجهة، فقولك: إن الله في السماء خير من قولك: في جهة
стр. 600
أقوال أهل العلم في رؤية الكفار والمنافقين لله في المحشر
والرؤية حق لأهل الجنة، وهي تخصيص لأهل الجنة، فإن تخصيص أهل الجنة بالذكر يفهم منه نفي الرؤية عن غيرهم، ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة؛ لأن رؤية الله ﵎ تتم مرتين: مرة في المحشر أمام جميع الخلائق، وليس فقط للمؤمنين، فيكشف الحجاب سبحانه ويراه أهل الموقف في المحشر، بل ويكلمهم ويحاسبهم ويزن أعمالهم، ثم إما إلى الجنة وإما إلى النار، فهل يثبت من هذا رؤية أهل الكفر والنفاق لله في المحشر؟ إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة مسلمة، ورؤية المؤمنين لربهم في الجنة ثابتة لا يزاحمهم فيها غيرهم؛ لأنه ليس هناك غير المؤمنين في الجنة، لكن القضية هنا محصورة في المحشر، فهل يرى الكافرون ربهم؟ وهل يخاطب الله ﵎ الكافرين والعصاة والمنافقين أم لا؟ قال: [(ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن النبي ﷺ ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ [الأحزاب:٤٤])]، أي: يوم يلقونه في المحشر.
قال: (واختلف في رؤية أهل المحشر على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يراه في المحشر إلا المؤمنون.
والقول الثاني: يراه أهل الموقف -يعني: جميع من يقف في الحساب والعرض يراه- المؤمن والكافر والمنافق، ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه بعد ذلك)، يعني: يرون الله في وقت الحساب والعرض، ثم يحتجب عنهم بعد ذلك كما احتجب عنهم قبل ذلك.
(القول الثالث: يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار)، وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف.
والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى رجح الرأي الأول، أي: أن المؤمنين فقط هم الذي يرون ربهم يوم القيامة في المحشر، كما يخصون برؤية المولى في الجنة، واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعيني رأسه.
وأما قوله: (بغير إحاطة ولا كيفية) أي: لا تدركه الأبصار، فلا تحيط به علماً ولا كيفية؛ لأن الله تعالى لا يكيف من قبل خلقه، بل ولا يعلم كيفيته إلا هو ، وكما خفيت علينا كيفية الذات فلا بد وأن تخفى علينا كيفية الصفات، ومن صفاته الفعلية: الرؤية، والكلام مع خلقه من غير ترجمان، والإذن لخلقه بالنظر إليه ورؤيته.
فهذه من صفات أفعاله ، وإن كانت الرؤية من فعل العبد، إلا أن الله ﵎ مكن منها عباده المؤمنين.
وأما تفسير قول النبي ﵊: (ما منكم) أي: ما منكم يا معشر الأمة، قال: (من أحد إلا سيكلمه ربه)، ولما تكون هناك مسألة تحتاج إلى أدلة، وهذا الدليل يفهم منه عدة أوجه؛ فإن الترجيح فيها يكون بناءً على شيء ينقدح في نفس العالم، ويأتي عالم آخر فينقدح في ذهنه وعقله ترجيح مذهب آخر، وبناءً عليه يصعب جداً أن تقطع فيه بقول فصل وتقول: وما عدا هذا القول باطل، لكن تقول: هذا أرجح من ذاك؛ لأنه عندما تقرأ الأقوال وتطلع عليها وأنت طالب علم فكيف ترجح القول هذا؟! ولو سألناك عن الدليل، فهل يكفي أنه شيء انقدح في نفس الجاهل؟ لا.
وأختم بأبيات جميلة في إثبات الرؤية للإمام ابن القيم عليه رحمة الله تعالى: فبينا هم في عيشهم وسرورهم وأرزاقهم تجري عليهم وتقسمُ تجلى لهم رب السموات جهرة فيضحك فوق العرش ثم يكلم سلام عليكم يسمعون جميعهم بآذانهم تسليمه إذ يسلم يقول: سلوني ما اشتهيتم فكل ما تريدون عندي أنني أنا أرحم فقالوا جميعاً نحن نسألك الرضا فأنت الذي تولي الجميل وترحم ولله أفراح المحبين عندما يخاطبهم من فوقهم ويسلم ولله أبصار ترى الله جهرة فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة أمن بعدها يسلو المحب المتيم فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم ولله واديها الذي هو موعد المزيد لوفد الحب لو كنت منهم وحي على يوم المزيد الذي به زيارة رب العرش واليوم موسم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
следующие страницы →