← Акыда

Акыда · id 37437

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قوله تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) قال: [قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠]. أي: لو ردوا إلى الدنيا ولحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة]. يعني: سبق في علم الله أنهم لا يقبلون الهدى، فيسر لهم طريق الضلال.

стр. 737

قوله تعالى: (ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة) قال: [وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الأنعام:١١١] يقول: معاينة]. ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام:١١١]. الكلام هذا خاص بأهل الشقاء، فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ [الأنعام:١١١]. يعني: لو أننا بعثنا لهم الملائكة يدعونهم إلى الهدى، ولم نرسل لهم رسلاً من أنفسهم ولكن نرسل إليهم الملائكة وكلمهم الموتى -للعظة- بأن يخرج الموتى من قبورهم فيقولون: أيها الأحياء! اعملوا صالحاً، فإنا وجدنا غب أعمالنا في قبورنا، وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً -أي: معاينة- يرونهم بأعينهم ما كانوا ليقبلوا الإيمان والهدى إلا أن يشاء الله، وهم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أنهم يدخلون في الإيمان.

стр. 738

قوله تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) قال: [قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] هذه أيضاً آية ترد على القدرية، ونحن قلنا في أول دروس القدر: إن القدرية نوعان: قدرية غلاة وهم الجهمية، وقدرية المثبتة. النوع الأول: يقولون: إن العبد مجبور على عمله لا إرادة له، مسلوب الإرادة، لا علاقة له بعمله، ولذلك من الظلم أن يعاقبه الله . والرد عليهم: أن هذا الشيء قدره الله عليه، فهو شيء مكتوب عليه، ولكنه قد سبق في علم الله أن العبد سيختاره فكتبه له. إذاً: العبد ليس مجبولاً على المعصية، ولكن علم الله ذلك منه أزلاً بعد تيسير سبل الدعوة، وإقامة الحجة الشرعية، وبيان الحلال من الحرام، ولكن العبد في المقابل هو الذي اختار طريق المعصية، فلما كان منه ذلك كتبه الله عليه، لأنه العليم . فقوله هنا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] رد على القدرية، وأن للعبد مشيئة. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]. يعني: لك مشيئة، ولك إرادة، ولكن إرادتك في علم الله ومشيئتك سبقت في علم الله، فقد علم الله ماذا سيكون عملك، وكيف تصير إليه؟ فكتب ذلك في اللوح المحفوظ. النوع الثاني من القدرية قالوا: لا علاقة لله قط بأفعال العباد، والعبد له المشيئة المطلقة في إتيان الهدى وإتيان الضلال. فالقدرية ضد بعضهم البعض، فطائفة تقول: العبد مسلوب الإرادة، وطائفة تقول: لا مشيئة لله ولا إرادة له في أفعال العباد، وأن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وهو الذي يوجد فعل نفسه، وكلاهما على ضلال بين. فهذه الآية ترد على هاتين الفرقتين بإثبات الإرادة والمشيئة للعبد، وربط هذه المشيئة بعلم الله الأزلي الأولي. قال: [عن زيد بن أسلم: والله ما قالت القدرية كما قال الله ، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس]. يعني: القدرية قد أتوا بالبدع التي لم يأت بها حتى إبليس، فما وجه مخالفتهم لله؟ وما وجه مخالفتهم للملائكة ولأهل الجنة والنار؟ [قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠]] فهذه الآية ترد على القدرية بنوعيها، وذلك بإثبات المشيئة للعبد، وربط هذه المشيئة بعلم الله الأزلي. [وقالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة:٣٢]. إذاً: الله تعالى هو الذي علم الملائكة قبل أن تعلم، والملائكة خلقهم الله لا علم لهم ثم علمهم، ولا يتصور أن الله تعالى علمهم ما لا علم له به أصلاً، فهو العليم الخبير, تعلم ملائكته من علمه، وهو الذي علمهم من علمه. والقدرية يقولون: إن الله تعالى لا يعلم الأشياء حتى تقع، وهذا في قولهم: أنه لا قدر وأن الأمر أنف. يعني: أن الله لا يعلم الشيء حتى يكون. إذاً: هذه الآية فيها إثبات العلم لله ، فربنا علم الملائكة أسماء كل شيء، وأمر الملائكة أن تعلم آدم الأسماء، والله تعالى علم الأشياء بأسمائها وأفعالها وأقوالها وحركاتها وسكناتها وشقائها وسعادتها، علم ذلك كله أزلاً قبل أن يخلق الخلق فكتبه في اللوح المحفوظ، فالله تعالى يعلم ما العباد عاملون وكيف يصيرون إليه. قال: [وقال شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف:٨٩]. فأثبت المشيئة الأزلية لله ، وأنه إذا سبق في علمه الشقاء أجراه، وإذا سبق في علمه الهدى أجراه ويسره. [وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا﴾ [الأعراف:٤٣]] فالهداية بيد الله ، ومعنى ذلك أنه سبق في علمه أن أهل الجنة سيختارون الطاعة فيسرهم لها ومهد لهم السبيل إلى الجنة. [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]]. فأثبت أهل الجنة أن الهداية بيد الله . [وقال أهل النار: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦]]. يعني قد اخترنا الشقاء وغلب علينا؛ لأن الله تعالى علم أزلاً أننا سنختار الشقاء فكتبه، وما يكتبه الله لابد أن يغلب، لأنه الغالب على أمره. [وقال أخوهم إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]] يعني: رب بما أضللتني. فإبليس يعلم أن السعادة والشقاء، والهداية والإضلال بيد الله فقال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]. قال الشافعي لما رأى قوماً يتجادلون في القدر بين يديه: [لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه بشيء من هذه الأهواء] يعني: من أهواء الفرق

стр. 739

قوله تعالى: (ومن يرد الله فتنته) قال: [قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة:٤١]. يعني: ومن علم الله أنه سيختار طريق الفتنة والضلالة فلا يمكن لأهل الأرض -ولو اجتمعوا- أن ينقلوا هذا العبد مما اختاره الله وسبق في علم الله فكتبه عليه إلى الهداية والسعادة. (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ)، يعني: ومن سبق في علم الله أنه يفتن فليس لأحد من الخلق، بل ليس للخلق أجمعين أن ينقلوه من الفتنة إلى الهداية. قال: [عن ابن عباس ﵄ قال: يقول الله: من يرد الله ضلالته لم تغن عنه شيئاً].

стр. 740

قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وغيرها من الآيات قال: [قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، قال ابن عباس: [ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي، ومن شقوتي وسعادتي]. يعني: المهمة الأولى للخلق هي العبادة، ولكنه سبق في علم الله من يعبده ومن يعصيه، من يشقى بمعصيته ومن يسعد بطاعته، فلما سبق في علم الله ذلك كتبه.

стр. 741

قوله تعالى: (الذين خسروا أنفسم) قال: [قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥]] قال ابن عباس: [هم الكفار الذين خلقهم الله تعالى للنار، وخلق النار لهم، فزالت عنهم الدنيا وحرمت عليهم الجنة، ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١]] يعني: فخسروا الدنيا والآخرة. [وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧]]. والدعاء هنا: هو الإيمان. أي: ما يعبأ بكم ربي لولا إيمانكم. قال: [يقول: لولا إيمانكم، فأخبر الله تعالى الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين]. قال: [قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]] لأنهم اختاروا طريق الكفر والجحود والضلال، والله ﵎ لما علم ذلك منهم أزلاً كتبه عليهم، فسواء أنذرتهم أم لم تنذرهم فإنهم يخسرون الإيمان، وهم قائمون على الكفر والجحود والنكران، وهذا سابق في علم الله وكتبه، ولكن لابد من قيام الحجة عليهم حتى يهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة. فليس هناك من يجيء يوم القيامة ويحتج على ربنا ويقول: يا رب! ما بعثت رسولاً، وما أنزلت كتاباً.

стр. 742

ذكر ابن عباس للآيات الدالة على أن الهداية والإضلال بيد الله قال: [عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام:٣٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]، وقوله: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١١١]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس:١٠٠]، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩]، وقوله: ﴿الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [الرعد:٥]، وقوله: ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨]، وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥] ونحو هذا من القرآن]. كل هذه الآيات تدل على أن الإيمان والكفر والشقاء والسعادة والهداية والإضلال بيد الله . قال: [وأن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول]. الرسول ﷺ كان حريصاً على أن يجمع جميع الخلق على السعادة، وربنا قال له: أنت لا تستطيع أن تفعل ذلك، وليس هذا لك ولا لأحد، وإنما هذا لرجل قد سبق في علم الله أنه من أهل السعادة، وليست لرجل سبق في علم الله أنه من أهل الشقاوة. قال: [فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول. ثم قال لنبيه ﵊: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف:٦]-يعني: مهلك نفسك- ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]. يقول: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء:٤]. ثم قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [فاطر:٢]. ويقول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]]. أي: ليس لك يا محمد من الأمر شيء، فأنت لا تعلم ما الذي كتبه الله أزلاً على العباد من السعادة والشقاء، والهداية والإضلال، وما عليك يا محمد إلا أن تبلغ هذا الوحي إلى الناس، أما الخواتيم فلا يعلمها إلا الله .

стр. 743

قوله تعالى: (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) قال: [قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]]. قال: [عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلق كلهم قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء)]. ومن المقادير: السعادة والشقاوة، الجنة والنار، الرزق. كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. فإذا كان الله تعالى كتب ذلك بعلم، فلابد أن نثبت أولاً العلم الأزلي لله ، وهو علم كل شيء، علم لا نهاية له، ولا منتهى له، وأن الله تعالى علم ذلك أزلاً فكتبه في اللوح المحفوظ الذي لا يقبل التبديل ولا التغيير ولا التحريف، ولا يلحقه إثبات غير ما هو مثبت فيه، أما الذي يقبل الإثبات والمحو فالكتب التي بيد الملائكة، أما اللوح المحفوظ فلا يقبل المحو ولا الإثبات إلا ما كان فيه، فلما علم الله ذلك أزلاً كتبه قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم كتب للعبد الشقاء أو السعادة، وهذه الكتابة بعدل وحكمة من الله، وليس بظلم منه. والله ﵎ خاطب المؤمن والكافر بالإيمان، وألزمهما وكلفهما به، ولكن العبد التقي اختار طريق التقى والهدى طلباً للجنة ولرضوان ربه، فإن العبد الذي سبق في علم الله أنه شقي هو الذي اختار طريق الشقاء وطريق النار، فلما سبق في علم الله ذلك منه كتبه عليه بعد أن أرسل إليه الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ورزقه العقل الذي يميز به بين الحق والباطل، وبين السعادة والشقاء، وبين الهدى والضلال. قال: [(كتب الله مقادير الخلق كلهم قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء)]. قال: [عن طاوس قال: أدركت ناساً من أصحاب النبي ﵊ يقولون: كل شيء بقدر. قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس)]. قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)] مع أن هذا مؤمن وهذا مؤمن، لكن هذا مؤمن قوي، قوي في علمه، قوي في إيمانه، قوي في عمله، فهو أحب إلى الله من المؤمن الضعيف. [(وفي كل خير)]؛ لأن كل واحد منهما فيه إيمان، والإيمان خير، [(فاحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ﵎ ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقولن: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)]. يعني: كل شيء عنده بمقدار حتى العدل والكيل (فإن لو تفتح عمل الشيطان)]. قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (إن النذر لا يقدر لابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره)]. يعني: أنت تقول: يا رب! لو ابني نجح سأذبح شاة، وابنك نجح، فهذا قد سبق في علم الله. لكي لا تتصور أن ذبح النعجة معلق بسبب نجاح ابنك، بل كتب في اللوح المحفوظ، ولذلك النبي ﵊ كان يكره النذر في الطاعة، ويقول: (إنما يستخرج به من البخيل). يعني كأنك تقول: يا رب لو ابني نجح أذبح، وإذا ما نجح ما أذبح. وهذا لا يصح، ففي زمن السلف لم يختلفوا في هذه القضية. ولابد أن يكون النذر في طاعة، كما في قوله ﵊: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه). فمثلاً: واحد يقول: يا رب لو أنا حصل لي كيت سأترك الصلاة. فهذا النذر يأثم به العبد، ولا يلزمه هذا النذر، إنما لو نذر في طاعة يلزمه النذر والأفضل عدم النذر، والنذر لن يغير شيئاً في المكتوب والمقدر. فتقول: يا رب لو ابني نجح سأذبح شاة، فنجح ابنك، ثم بعد ذلك تلف وتدور وتتلمس الأعذار فتقول أصوم فأنا ممكن أصوم ستة شهور ولا أذبح -لأنك بخيل- وممكن أن تحدث نفسك بأنه كان مكتوب في اللوح المحفوظ أنه سينجح، فما الذي جعلك تنذر؟ ولذلك النذر يستخرج به من البخيل، أما للإحسان وهو أن ربنا أحسن إليك في نجاح ولدك، أو في قضاء مصالحك فاذبح من غير ما تنذر، فلا ينفع أن تعمل الطاعة وأنت محتار، بل وأنت راض ومبسوط، ومقبل على ربك، لابد أن تعمل الطاعة ورقبتك تحت رجلك، فلا تذبح الشاة وأنت كاره، قال: (إن النذر لا يقدر لابن آدم شيئاً لم يكن الله قدره). يعني: هذا النذر لم يغير من القدر شيئاً، ولكن النذر يوافق القدر، والله علم أزلاً أنك ستنذر فلابد أن تفي بالنذر. ويفضل ألا تنذر حتى في الطاعة، وإذا كنت تريد أن تشكر ربك بذبح شاة، فلا يكن ذلك في صورة نذر، والنبي ﷺ أخبر أن الطاعة بدون نذر خير من الطاعة بنذر. إذاً: الأفضل هو ألا تنذر، وأن تفعل هذه الطاعة بلا نذر، لكن الله تعالى بعد أن أرسل إليك رسولاً، وبين لك أن الطاعة بغير نذر أفضل من الطاعة بنذر علم

стр. 744

الأسئلة

стр. 745

ضرورة التفريق بين الإرادة الشرعية والكونية السؤال إذا كان الله علم أزلاً أن العبد سيختار طريق الشقاء كتبه عليه فإنه سبحانه هو الذي جعل العبد يختار هذا الطريق؟ الجواب هو يريد أن يقول: إذا كان الله علم أزلاً أن هذا العبد سيختار طريق الشقاء كتبه عليه، فالله هو الذي جعل العبد يختار طريق الشقاء، وهذه شبهة القدرية، ولذلك فإن معظم السلف ما كانوا يتكلمون كلمة واحدة في القدر، لما تنظر إلى كلام أحمد بن حنبل تجد أنه لم يثبت عنه أنه تكلم في القدر بكلمة إلا كلمة واحدة قال: القدر هو قدرة الله . فليس معنى ذلك أن الإمام أحمد لم يستطع أن يؤلف مصنفات في القدر، ولكن معظم السلف كانوا ينكرون هذا الكلام إنكاراً عظيماً جداً. ولذلك ورد عنهم: إذا جاء القدر فأمسكوا. لأن الشيطان سيسلمك من سؤال إلى سؤال، إلى حد أن تقول: إن ربنا ظالم لنا. ونحن أثبتنا أن العبد له إرادة، والله له إرادة، والعبد له مشيئة، والله ﵎ له مشيئة، والله تعالى لا يرضى لعباده الكفر ابتداءً، وأمرهم بالإيمان، ونهاهم عن الكفر ولم يرضه لهم، فالعبد لا يكفر غصباً وإنما بمشيئة الله. فالذي حصل له ألم لا يرضى أنه يتعذب به في الدنيا وكذا في الآخرة، والذي صفعك لا يستطيع أن يصفعك إلا بإرادة الله، وسترد عليه بإرادة الله، وما رفع يده إلا بإرادة الله، ولا يقدر ينزلها إلا بإرادة الله، فهل الله ﵎ يرضى عن هذا الفعل؟ لا. ومع هذا أذن بوقوعه؟ فالشيطان من خلق الله، وأعمال الشيطان هي من خلق الله وإيجاد الله، فهل ربنا رضى عنها؟ إذاً: نحن لابد أن نفرق بين المسألتين: الإرادة الشرعية الدينية، والإرادة الكونية القدرية: الإرادة الشرعية هي: أنك تصلي معنا المغرب والعشاء، فربنا أذن في ذلك وخلق فيك هذه الحركات من قيام وركوع وسجود وقراءة، وأضل غيرك، أو أنساه صلاة المغرب وصلاة العشاء، ويمكن أنه ما يصلي نهائياً. وهذا بإرادة الله، لكن الله لا يرضاه، إنما أذن بوقوعه، مثلما أذن بوقوع الكفر في الكون، مع أنه حذر منه، وأرسل الرسل، وأنزل عليهم الكتب، والله لا يرضى الكفر، ومع هذا فالكافر هو الذي اختار الكفر. لما تقول لابنك: يا ابني! الطريق هذه تؤدي بك إلى النجاح، والطريق هذه تؤدي بك إلى الرسوب، ومع هذا ابنك يصر على عدم المذاكرة مع المراقبة الشديدة وتوفير جميع وسائل الراحة التي تؤهله للنجاح في نهاية العام، ومع هذا فالولد كلما تؤكد عليه يعرض عنك، فهذا الولد يعرض عنك بإرادة؛ بدليل أنك موفر له سبل الراحة، والولد لا يستغل سبل الراحة ولا يذاكر. فالله علم إعراض هذا الولد، وعلم أنك ستقوم تجاهه بالواجب، ويأجرك على هذا الواجب والولد يأثم عند الله بتمتعه بهذه النعم وإعراضه عن المذاكرة. الولد يعرف في نفسه أنه لو ذاكر سيرضي ربه ويرضي والده، ومع هذا يعرض. فإذا كان لا يعلم ذلك فإنه لا يأثم. إذاً: لا يوجد ظلم هنا، فالله ﵎ خلق الجنة وخلق النار، خلق لهذه قسم الله أعلم بهم، وخلق لتلك قسم الله أعلم بهم، وبين لهم الطرق والأسباب التي تؤدي بهم إلى الجنة، وإلى النار، وأنزل لهم الكتب، وأرسل لهم الرسل فقامت عليهم الحجة، فالذي يكفر يعلم أنه كافر، والذي يزني يعلم أنه يزني، ويعلم أن الزنا معصية، وأن الله سيعاقبه عليه، ولكنه لا يستطيع أن يزني بغير إرادة الله. وليس معنى: (بقدر الله) أن الله يحب الزنا ولذلك أذن فيه، فهو لا يحبه، إنما يحب العفاف والطهر وأمر به، ويكره الزنا ويمقته ونهى عنه، لكن الذي يأتي الطاعة فهو يأتيها بإرادة الله، والذي يأتي المعصية هو يأتيها بإرادة الله؛ لأنه لا يقع في الكون إلا ما أراده الله وقدر، لكن من إرادته ما يثيب عليها، ومن إرادته ما يعاقب عليها.

стр. 746

بيان عدد الرضعات التي تحرم وحكم لبس الكرفتة السؤال ما عدد الرضعات التي تحرم الرضيع من أم غير أمه وهل يشترط أن تكون في وقت واحد؟ والرجل إذا لبس كرفتة هل يكون متشبهاً بالكفار؟ الجواب الكرفتة تشبه بالكفار، لكن من يلبسها ليس كافراً، وإنما يجب على الرجل أن يتنزه عن مشابهة غير المسملين. أما عدد الرضعات المحرمة: فهي خمس رضعات في كلام الله، وحديث عائشة في الصحيحين: (كان مكتوب في الكتاب عشر رضعات محرمات جعلها الله خمساً، فهي خمس رضعات مشبعات متفرقات). والنبي ﵊ يقول: (لا تحرم المصة ولا المصتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان). (سئل هل تحرم الرضعة يا رسول الله؟ قال: لا. قال: هل تحرم رضعتان؟ قال: لا). واختلف أهل العلم في التحريم، ورأي الجمهور هو الصواب: أن الرضاع يحرم كما قال ﵊: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). أي: أن الرضعات المحرمات خمس رضعات مشبعات، وهو أن يترك الولد الثدي باختياره وبإرادته.

стр. 747

حق المطلقة التي لم يبن بها زوجها السؤال ما هو حق الزوجة التي لم يبن بها زوجها بعد الطلاق؟ الجواب هو يريد أن يقول: امرأة عقدت عليها ولم أبن بها ثم طلقتها، فهي تبين بينونة كبرى بهذه الطلقة، فإذا أراد أن يتزوجها لابد من عقد جديد ومهر جديد، وهذه المرأة ليس لها نفقة ولا متعة، ولا سكن ولا شيء من هذا نهائياً، إنما إذا كان قد خلا بها خلوة شرعية فلها المهر كله، وإذا لم يخل بها أي: لم يدخلها في مكان ويغلق الباب، ويرخي الستر عليهما حتى وإن لم يقبلها ولم يمسها، فإذا حدثت هذه الخلوة وإن لم يمسها فيجب لها المهر كاملاً، أما إذا لم تحدث هذه الخلوة فليس للمرأة عند زوجها إلا نصف المهر، ولو عفت عنه لا يطالب الزوج به، ولكن لابد أن يكون العفو بإذن الولي أياً كان، سواءً كان الولي أخوها أو عمها أو جدها، فأنت لا ترضى أن تعفو ابنتك إذا طلقت، فقد تضربها على ذلك.

стр. 748

حكم تخصص الرجل في قسم النساء والولادة السؤال ما حكم التخصص في قسم النساء والولادة؟ وما حكم ذهاب النساء إلى دكتور أمراض النساء والولادة؟ الجواب التخصص في هذا سمج بارد، وأنا أظنه ظناً يقينياً: أن هذا معصية لله ، كيف أن الدكتور يعيش حياته بالليل والنهار بين أفخاذ النساء؟ والعلماء يقولون: النساء عليهن أن يتعلمن، ومجال الطب لابد أن يكون فيه طاقم نسوي فيما يتعلق بتعليم المرأة في الطب، أما أن الرجل يكون رئيس قسم النساء والتوليد والعقم، فهذا من البلاء العجيب، وليس هذا مستساغاً فضلاً عن مخالفته، ولذلك نحن نرى الإخوة الطيبين الذين تورطوا في هذا القسم لما يتوبوا فإنهم يبحثون عن قسم آخر يتخصصون فيه، ويأخذون فيه دراسات من جديد.

стр. 749

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - أدلة السنة في إثبات القدر [١] يعتقد أهل السنة والجماعة بوجوب الإيمان بالقدر وما يتضمنه من مراتب، ويعتقدون أنه سر الله تعالى في خلقه، لا يخوض فيه إلا من زلت به القدم، والآيات من الكتاب والأحاديث الصحيحة من السنة النبوية تشهد على ذلك، وهي كثيرة معلومة تناولها أهل العلم بالتفسير والإيضاح ورد كل شبهة أو متمسك للمبتدعة فيها.

стр. 750

سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله وما روي من السنة في إثبات القدر الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما بعد: فلا يزال الكلام موصولاً في سرد أدلة القدر، وأن ذلك كان أمراً مستقراً عند سلفنا رضي الله ﵎ عنهم، وأنهم كانوا يكرهون الخوض فيه، فقد كانوا يؤمنون ويسلمون به، ومن الأدلة على ذلك:

стр. 751

حديث: (جف القلم على علم الله [عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله ﵎ خلق خلقاً في ظلمة ثم ألقى عليه من نوره، فمن أصابه شيء من ذلك يومئذ اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك يقول: جف القلم على علم الله ]. أي: حينما خلق الله ﵎ هذه النطفة وألقاها في رحم المرأة -رحم المرأة ظلمة- أفاض من نوره على هذه النطفة، فإن اقتبست هذه النطفة من نور الله فهذا دلالة على سعادتها، وإن لم تقتبس فهذا دلالة على شقاوتها وتعاستها، وهذا معنى قوله ﵊: (قد جف القلم بما هو كائن). أي: أن هذا أمر قديم قد فرغ منه، ولذلك تعجب السامع من الصحابة وقال: (يا رسول الله! إذا كان هذا أمر قديم ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خُلق له).

стр. 752

حديث: (لا تكثر همك ما يقدر يكن) قال: [وعن مالك بن عبد الله أن النبي ﵊ قال لـ ابن مسعود: (لا تكثر همك، ما يُقدر يكن، وما تُرزق يأتك)]. أي: لا تنشغل بمسألة الأجل ومسألة الرزق، لذا فالعبد من الممكن أن يشرك بالله لأجل الحفاظ على عمره وحياته ورزقه. أي: أن المرء قد يقع في أعظم ذنب على الإطلاق -وهو الشرك بالله- مخافة الرزق ومخافة الأجل، مع أنهما مضمونان لله ، فلا يمكن لأحد قط أن يتدخل فيها مهما أوتي من قوة، فهذا فرعون ما استطاع أن يؤثر في رزق موسى أو في عمره، بل كان هلاك فرعون على يد موسى ﵇.

стр. 753

حديث: (خلق آدم وأخرج الخلق من ظهره) قال: [عن عبد الرحمن بن أبي قتادة السلمي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (خلق آدم وأخرج الخلق من ظهره -هذا حديث النفاق الذي سبق ذكره- فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي)]. أي: حينما خلق الله آدم أخرج من صلبه كل نسمة تكون إلى يوم القيامة، إلى آخر نسمة من صلب آدم، ثم قال وهم كالذر: هؤلاء قسم الجنة وحظها ونصيبها، وهؤلاء قسم النار وحظها ونصيبها، وقال في كل: (لا أبالي)؛ لأنه ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فهو الذي يحاسب الخلق وحده. [قيل: علام نعمل] أي: إذا كان ذلك مقدراً ومقسوماً منذ أن خلق الله آدم بل قبل آدم والله ﵎ يعلم أهل الجنة وأهل النار ففيم العمل؟ قال: [(على مواقع القدر)]. أي: أنك أنت لا تعمل إلا بقدر؛ لأن العجز بقدر، والعمل والنشاط والجد والخمول كل ذلك بقدر، فالله ﵎ علم أنك تفتر هنا وتنشط هنا، تصح هنا وتمرض هناك، تعلو هنا وتنخفض هناك، تغنى وتفقر، تُعز وتُذل، وغير ذلك مما يتعرض له المرء في أثناء حياته، فالله ﵎ قد علمه ليس قبل أن يخلق ذلك الشخص، بل قبل أن يخلق السماوات والأرض. والذي يسأل: إذا كان ذلك هو القدر فلِم نعمل؟ ف الجواب أنه لا يدري الواحد منكم في أي فريق هو، في فريق الجنة أم في فريق النار، وهذا إجابة عقلية. أي: لو كان فهمنا مستقيم للمسألة هذه ففيم إذاً إرسال الرسل؟ أليس الأمر كله بقدر قبل أن يخلق الله الخلق كلهم؟ فلماذا بعث الله الرسل إذاً؟ ولماذا أنزل الكتب؟ ولماذا جعلك عاقلاً؟ كل هذا لتميز به بين الحق والباطل. فلماذا هذا العمل كله؟ لأنه لا بد أن تعمل، ومن قدر الله أن تطيع الرسل، وأن تؤمن بالكتب، ومن الإيمان بالكتب: الإيمان بالقدر، وأن كل شيء بقدر، فلا بد أن تعمل، ولا يصلح أن تكون بلا عمل؛ لأنك ابتداءً لا تدري هل جعلك الله من فريق الجنة أم من فريق النار؟ فإن كنت لا تدري هذا عن نفسك فلا تغتر بعملك الصالح؛ لأنه ربما يُختم لك بغير ذلك! ولا تستمر في معصيتك فربما يوفقك الله في آخر حياتك لعمل الخير، وأن تعمل بعمل أهل الجنة فتدخلها، فلا تتمادى في معصيتك ولا تغتر بطاعتك، فرُب رجل اغتر بطاعته وفاخر بها فعاقبه الله بأن ختم له بخاتمة الشقاء، نسأل الله السلامة لنا ولكم. وقوله ﵊: (على مواقع القدر). أي: أنتم لا تعملون إلا بقدر، ولا تتركون العمل إلا بقدر؛ لأن الله علِم أزلاً أنك تعمل أو لا تعمل، وأنك تشقى أو تسعد، وأنك تغنى أو تفقر، وغير ذلك من أطوار حياة العبد، فلا بد من العمل، فليس هناك جنة بلا سبب، كما أنه ليس هناك نار بلا سبب، فالله بإمكانه أن يأتي بأعظم الناس شركاً ويدخله الجنة ولا يعترض على ذلك أحد، وبإمكانه أن يأتي برجل من أهل الجنة ويدخله النار، لكنه سبحانه قطع على نفسه ألا يفعل ذلك، والله لا يخلف وعده أبداً. إذاً: لماذا دخل هذا الجنة ودخل هذا النار؟ بالعمل. وإن كانت رحمة ربك تسبق من دخل الجنة؛ لأن الله تعالى هو الذي وفقه لطاعته، وهذه الطاعة هي السبب في دخوله الجنة، وأما هذا الذي دخل النار فبعدل الله ؛ لأنه قد أقام عليه الحجة من كل جانب ومن كل وجه، فلا يبقى له عذر بعد أن أرسل إليه الرسل وأنزل الكتب، وجعله عاقلاً يميز بين الحق والباطل بين الصحيح والخطأ، فلا عذر لمن سلك طريق المعصية إلا أن يدخل النار، فإن كان موحداً فإنه لا محالة يخرج من النار ويدخل الجنة، وإن كان من أهل الكفر والشرك البواح؛ فإنه مخلد في النار لا يخرج منها أبداً.

стр. 754

حديث: (إن العبد ليعمل فيما يرى للناس بعمل أهل الجنة) قال: [عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد ليعمل فيما يُرى للناس بعمل أهل الجنة)]. أي: أن أول ما يروه الناس يعمل هذا العمل فإنهم يقولون: هذا رجل بعمله هذا من أهل الجنة، كما اغتر الصحابة بالمجاهد وقالوا: والله إنا لنراه من أهل الجنة، فالنبي ﷺ قال: (هو من أهل النار)؛ لأنه كان مرائياً، فقد كان يجاهد ليقال عنه: مجاهد، وكان يبتغي الأجر من الناس، ويبتغي أن يمدحه الناس، ولذلك قال النبي ﵊: (بل هو من أهل النار). لكن هل هو من المخلدين في النار؟ لا. ليس من المخلدين فيها، وإن مكث فيها مكثاً طويلاً فمآله أن يخرج منها. وأما قوله ﵊: (ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) فهذا الكلام على أصحاب المعاصي، أما أصحاب الكفر البواح فإنهم سيدخلون النار حتى لو لم يترد من جبل، فمثلاً: نتنياهو اليهودي، ما دام أنه لم يترد من جبل فهل سيدخل الجنة أم ماذا؟ أم هل سيدخل النار ثم يخرج منها إلى الجنة؟ لا. بل هو في النار مخلداً فيها إن مات على كفره. وبالمناسبة فهناك من الناس من يعتقد أن اليهود والنصارى في الجنة ويقولون: هؤلاء إخواننا وأحبابنا! بل يزيدون ضلالاً ويقولون: والله إن هذا أحسن من المسلمين. وهذا من الخطأ الكبير! أن ترفع يهودياً أو نصرانياً أو كافراً -عموماً- فوق المسلم وإن كان أعتى العتاة ما لم يكفر، وإذا صدر منك ذلك فلابد أن تراجع إيمانك فوراً، فإيمانك فيه نظر، وأنت على خطر عظيم جداً، فربما يُخرجك هذا من الإيمان إلى الكفر البواح. قال ﵊: [(إن العبد ليعمل فيما يُرى للناس بعمل أهل الجنة، وإنه لمن أهل النار، وإنه ليعمل فيما يُرى للناس بعمل أهل النار، وإنه لمن أهل الجنة)]. وبعد هذا يبين النبي ﵊ المسألة هذه، لأن فيها إشكال. فبالنسبة للجزء الأول: أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، فهذا رياء وقد انتهينا منه، والله يعلم ذلك. وأما المشكل في الجزء الثاني فهو: أن الرجل يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، (وإنه لمن أهل الجنة). فكيف يكون من أهل الجنة وهو تارك للصلاة والصيام والزكاة والحج وأركان الإسلام وأركان الإيمان؟! حدد النبي ﵊ الجواب عن هذا السؤال في تمام هذا الحديث فقال: (وإنما الأعمال بالخواتيم). حتى يحل الإشكال للرد على الجزئية الثانية، ولذلك الرجل الذي رأى أخاه على معصية فقال: والله لا يغفر الله لفلان -والمغفرة بيد الله فغضب الله غضباً شديداً، وأخبر نبيه بذلك فصعد النبي ﷺ المنبر وقال: (من ذا الذي يتألى على الله؟ إن أحدكم يقول: والله لا يغفر الله لفلان، والله تعالى يقول: أشهدكم يا ملائكتي أو يا عبادي أني قد غفرت لفلان وأدخلت فلاناً النار) أي: الذي اغتر بطاعته وحكم على صاحب المعصية بأنه لا يدخل الجنة قط أو لا يغفر الله تعالى له.

стр. 755

حديث: (لا عليكم ألا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بما يختم له) قال: [عن أنس ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: (لا عليكم ألا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بما يُختم له)]. أي: لا تقطعوا لأحد بالجنة أو النار حتى تنظروا ماذا يختم له. ولذلك الإمام النووي رحمة الله تعالى ذكر خلاف أهل العلم في مسألة الدعاء للمشركين أو للكفار، أو الدعاء عليهم ما داموا أحياء، وذكر أن في المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أنه يجوز. الثاني: لا يجوز مطلقاً. الثالث: يجوز الدعاء عليهم إذا ماتوا على الشرك والكفر. ونقل الثلاثة الأقوال ورجح القول الثالث. أي: أنه لا يجوز الدعاء عليهم في الحياة، وإنما يجوز الدعاء عليهم إذا خُتم لهم بالكفر. وإذا كان هذا في حق الكفار، وأهل العلم قد اختلفوا فيهم على هذه الأقوال، فما بالكم بأصحاب المعاصي؟! لو نظرنا إلى معتقد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأهل القبلة من المسلمين من أصحاب المعاصي، فسنجد أن المعتقد فيهم: أننا نرجو الله ﵎ لهم الرحمة، وأن يوفقهم للطاعة، وأن يرحمهم في الآخرة، ولا نقطع لأحد بالجنة أو النار إلا من قطع له القرآن أو السنة بذلك؛ لأن الجنة والنار ليست ملكاً لأحد، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، فكيف نقطع لفلان بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار؟! أرأيتم لو أن رجلاً مسلماً قاتل كافراً فلما تمكن المسلم من الكافر -وما هي إلا ضربة بسيف أو طعنة برمح ويذهب ذلك الكافر إلى ربه- نطق الكافر بكلمة التوحيد!! وقد فعل ذلك أسامة بن زيد كما في الحديث المعروف، فلما علم ذلك النبي ﵊ غضب غضباً شديداً، ولام أسامة لوماً عظيماً، حتى قال أسامة: ليتني أسلمت الآن. وكأنه يقول: ليتني عملت هذا وأنا في حال كفري، ثم أسلمت الآن من غير أن أقترف هذا الذنب. لكن: لو أن الذي قالها قالها مخلصاً ولم يقلها مخافة السيف أو نجاة من القتل ولم يعمل شيئاً قط غير أنه نطق بكلمة التوحيد فإنه من أهل الجنة، مع أن عمله كله في حياته يشهد له بالنار، لكن الله تعالى ختم له بخاتمة السعادة. وكثير في التاريخ ما يروي عن بعض أهل الطاعات فيما يبدو للناس ما يخالف ذلك عند الموت، بل ذكر الذهبي ﵀ عن رجل أنه قال في سكرات موته حينما لُقن الشهادة: أنا لا أُحبها، أنا كافر بالله العظيم، ثم خرجت روحه، مع أن عمله كان فيما يبدو للناس أنه من أهل الجنة. فلما كان هذا أمراً غيبياً فإنه لا يجوز القطع لأحد قط بجنة ولا نار إلا من شهد القرآن أو السنة بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار، فذلك متعلق بمن شهد له القرآن أو السنة عيناً، كـ أبي لهب وغيره مما ذُكر في القرآن والسنة، ولا يجوز لمتنطع أن يقول: وما يدرينا أن هذا الكافر أو هذا النصراني أو هذا المشرك مات على الكفر البواح؟ فلعله كان مسلماً ولكننا لا ندري، أو لعله أسلم وأخفى إسلامه، ولعل ولعل، والباب واسع جداً! لذا فنحن لنا الظاهر والله تعالى يتولى السرائر. فلو أن رجلاً مات على نصرانيته المعلومة لدينا، فهل يجوز لنا أن نقول: لعل هذا الرجل مات مسلماً ونُنزله منزلة المسلمين فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويقبر في مقابر المسلمين؟ إن ذلك لا يصلح قط، أما إن كان قد أسلم وأخفى إسلامه فهذا بينه وبين الله ، وهو يكافؤه على ذلك يوم القيامة، أما نحن فليس لنا إلا الظاهر.

стр. 756

حديث: (خرج النبي ﷺ قابضاً على شيئين في يده) قال: [عن ابن عمر قال: (خرج النبي ﵊ قابضاً على شيئين في يده. قال: ففتح اليمنى فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من الله الرحمن الرحيم، فيه أهل الجنة بأعدادهم وأحسابهم وأنسابهم، مجمل عليهم إلى يوم القيامة لا يُزاد فيهم ولا يُنقص منهم أحد، وقد يُسلك بالعبد طريق الأشقياء حتى يقال: هم منهم هم هم، ثم يُدرك أحدهم سعادته، ولو قبل موته بفواق ناقة)]. والحديث طويل جداً، وهو ضعيف.

стр. 757

حديث: (لا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له) قال: [عن أنس قال: (لا تعجلوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له، فإن العامل يعمل زماناً من عمره -أو برهة من دهره- بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملاً سيئاً)]. فهذه النصوص مروعة جداً ومخيفة، وتدلنا على أن الأمر لا يزال في قبضة الرحمن ﵎ حتى تدخل الجنة فتأمن. قال: [(وإن العبد ليعمل زماناً من عمره عملاً سيئاً لو مات عليه دخل النار، ويتحول فيعمل عملاً صالحاً. وإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله فيه قبل موته)]. أي: إذا أراد الله ﵎ أن يجعل هذا العبد من أهل السعادة استعمله بعمل أهل السعادة، ووفقه لطاعته ولصالح العمل حتى يقبضه عليه. قال: [(قيل: يا رسول الله! وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه)]. مثال ذلك: أن أحد العلماء مات في الحرم سنة (١٩٩٢م)، وهو يلقي درساً في شهر رمضان، والدرس كان بعد العصر، والرجل كان في لحظة موته قد وضع رأسه بين يديه واتكأ على فخذيه، وظننا أنه يفكر في مسألة ما، أو يستجمع أمره أو غير ذلك، فلما طال الأمر قال المستملي وكان بجواره: يا شيخ! يا شيخ! وإذا بالشيخ قد ذهب إلى ربه. أرأيت هذا الموقف؟ إنه موقف عصيب جداً، بل لا أذكر أن واحداً من أهل الموقف في ذلك اليوم إلا وقد بكى بكاء عظيماً جداً حتى خرج بفائدة وعبرة عظيمة ليس بعدها عبرة. وظللنا نضرب الأمثال فنقول: لو أن رجلاً كان خماراً فمات على ذلك، أو مات على الزنا، أو غير ذلك من المعاصي، فكيف سيكون حاله؟

стр. 758

حديث مصير أولاد المشركين يوم القيامة قال: [عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ سُئل عن أولاد المشركين؟ قال: الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين)]. أي: أن الله قبل أن يخلقهم يعلم أنهم لو عاشوا بعد ذلك ماذا كانوا سيصنعون؟ ولكن الله قدر عليهم الموت في سن قبل سن الحساب وجريان القلم، ولذلك فالله يعلم ما العبد يعمل، وما هو إليه صائر قبل أن يعمل العامل، وإذا عمل العامل عملاً صالحاً أو سيئاً ربما نسيه، ولكن الله ﵎ لا يضل ولا ينسى. وهذا الكتاب الذي تستلمه أنت بيمينك أو بشمالك أو من خلف ظهرك، فيه كل شيء، وهو محل ثواب وعقاب، كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]. وقد اختلف أهل العلم في تأويل هذه الآية: هل كل قول يقوله المرء يُحاسب عليه أم يُكتب عليه؟ فبعض أهل العلم قال بظاهر الآية. أي: أن كل شيء يكتب على العبد وإن كان كلاماً مباحاً لا ثواب فيه ولا عقاب. وجمهور المفسرين على أن الذي يُكتب على العبد هو الكلام الذي يثاب ويعاقب عليه، والذي هو محل مساءلة، ومحل جزاء وحساب، وعليه فإذا كان الأمر كذلك فالله علم ماذا سيعمل أولاد المشركين لو أنهم عاشوا بعد بلوغهم الحلم. واختلف أهل العلم في مصير أولاد المشركين، ولم يختلفوا في أولاد الموحدين المؤمنين لو ماتوا قبل بلوغهم سن التكليف، فإنهم لو ماتوا فهم من أهل الجنة، أما أولاد المشركين فلو ماتوا قبل سن التكليف فالعلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: أنهم تبع لآبائهم. أي: أنهم في النار مع آبائهم. القول الثاني: أنهم من أهل الجنة؛ لأن الله تعالى يحاسبهم على أساس فطرتهم -فطرة التوحيد- التي خلقهم عليها أولاً، كما قال النبي ﵊: (يولد المولود على الفطرة). وفي رواية: (على فطرة الإسلام، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). وفي رواية مسلم: (ويشركانه). أي: يجعلانه مشركاً. فهذا الولد لم يدخل في هذا الشرك، أو في هذه اليهودية، أو في هذه النصرانية إلا بعد أن يكبر ويميز ويختار هذا الكفر أو هذا التهويد أو هذا التنصير أو غير ذلك، فإذا مات قبل اختياره وقبل تمييزه واعترافه وإقراره بهذا الشرك، فإنه من أهل الجنة؛ لأنه مات على أصل فطرته الأولى، وهي فطرة التوحيد التي خلقه الله تعالى عليها. القول الثالث: التوقف. وأصحاب هذا القول قالوا: الله أعلم بمصيرهم، إما إلى الجنة وإما إلى النار، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]. القول الرابع: أن الله ﵎ يعقد له اختباراً وابتلاءً يوم القيامة، فإذا اختار طريق المعصية وفقه إليها وأدخله النار، وإذا اختار طريق الطاعة وفقه إليها وجعل طريقه إلى الجنة. فهذه هي الأقوال الأربعة فيما يتعلق بمصير أولاد المشركين.

стр. 759

حديث أبي بن كعب في القدر قال: [عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من القدر، فأتيت أبي بن كعب]. لما لمسألة القدر من أهمية عظيمة، إذ هي أعظم ما يمكن أن تتعامل معها، وهي السلاح التي تسلم به بين يدي الله وتطمئن به في الدنيا، وهو أن تقول: آمنا وسلمنا وصدقنا، والخير والشر من عند الله . ولذلك حينما سئل أحمد عن القدر؟ قال: هو قدرة الله . واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]. فحينما تسمع هذا التفسير، أو معتقد أحمد في القدر تقول: قد أجاب أحمد إجابة بعيدة جداً! فنحن نسأله عن معتقده في القدر وهو يقول: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]. إذاً: فنحن نعرف هذا، وإذا كنت تعرفه فهذا هو القدر. [عن ابن الديلمي قال: وقع في نفسي شيء من القدر، فأتيت أبي بن كعب فقلت: يا أبا المنذر -وهي كنية أُبي -: إنه وقع في نفسي شيء من القدر، وقد خشيت أن يكون فيه هلاك ديني أو أمري]. أي: أخاف أن يكون هذا الذي يدور في نفسي فيه هلاكي، [فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني]. أي: فأنقذني وعلمني. [فقال] أي: أُبي نصاً رائعاً فيما يتعلق بالإيمان بالقدر، قال: [لو عذب الله أهل سماواته]. أي: من الملائكة، مع أنهم مجبولون ومفطورون على طاعة الله . [وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم]، وهذا هو معتقد أُبي، بل هو معتقد السلف. وأنت سوف تقول في قوله: (لو عذب الملائكة): لماذا يعذبهم وهم أهل طاعة، ولا يمكن قط أن تصدر منهم معصية؟ سأقول لك: إن المصيبة هي فيما تقوله، إذ إن معتقدنا الصحيح من الملائكة: أنهم مجبولون على الطاعة، فإن نفسهم هو التسبيح والذكر والتهليل، وهم لا يملون ولا يفترون من طاعة الله ، والمعصية هذه لا تخطر لهم على بال نهائياً، والله ﵎ خلقهم من نور، ونزع منهم الشهوة، ولا شهوة لهم إلا شهوة حب الله، وشهوة الذكر والتسبيح والتهليل، والسجود والركوع لله ، فإذا عذبهم فإنه يعذبهم وهو غير ظالم لهم لأنهم عبيده. وهنا لا بد أن نرجع إلى مسألة أخرى، وهي: هل يجوز أن ننسب الظلم لله ؟ ولو أنك نسبت الله تعالى إلى الظلم، أو نسبت الظلم إليه لكفرت. وهذا محل اتفاق بين كل الناس، فننفي الظلم عن الله أولاً، سواء عذب من شاء أو رحم من شاء، ولو عذب أهل السماوات وأهل الأرض فإنه لا يكون ظالماً؛ لأن الظلم صفة نقص لا تليق إلا بالعباد، بل ببعض العباد، وليس كل العباد ظالماً، وإنما كثرة من العباد ظالمة. فإذا كان بعض العباد يتصف بالعدل والحكمة فرب العباد أولى بذلك، والله ﵎ قد سمى نفسه بأسماء الكمال كله، والنقص لا يُنسب إلى الله ، والظلم صفة نقص لا تليق إلا بالمخلوق، ومقابلها تمام العدل، وهو الذي يليق بالله ، فسواء عذب فلاناً أو رحم فلاناً، فلا ننسب إليه الظلم قط. بل نقول: إن الله تعالى إذا عذب أهل السماوات وأهل الأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم. أي: إنه عذبهم بعدله. ونحن نعلم أن طاعة الطائع لا تنفع المولى ، كما أن معصية العاصي لا تضر الله . إذاً: فعذابه لذلك الظالم أو لذلك العاصي إنما هو يعدله سبحانه، وإنما هو جزاؤه عند ربه على معصيته التي عصى بها، لكن الله ﵎ عدلاً منه ورحمة وعد ألا يعذب إلا العاصي، بل مجمل العصاة يدخلون في مشيئة الله ، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم. قال: [ولو رحمهم -أي: أهل السماوات والأرض- كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم]. فلا يقولن أحد معكم: لا، فأنا أدخل الجنة بعملي! فقد أخرج الحاكم في مستدركه حديثاً لا بأس به، وهو حسن في الشواهد: (أن رجلاً عبد الله ستمائة سنة، فلما مات أوقفه الله بين يديه، وقال: عبدي تدخل الجنة بعملك أم برحمتي؟ فقال: بل يا رب! بعملي -وهنا يظهر لنا مدى سعة رحمة الله فقال الله : عبدي من قواك على طاعتي؟ -من الذي أعطاك الصحة التي عبدت بها؟ - قال: أنت يا رب!). إذاً الأصل في الرحمة هو الله ، ثم عدد الله عليه نعمه حتى بلغ إلى نعمة النظر، فأمر الله ملائكته أن يضعوا عبادة ستمائة سنة في كفة ونعمة النظر في كفة لوحدها، فطاشت بتلك العبادة، وثقل الميزان بنعمة النظر، مع أن الأعمى له أن يعبد الله ﵎ على تلك الحال، بخلاف المريض أو المكسر أو المكسح، فإنه لو نام في الفراش فربما لا يقدر أن يصلي، وكذلك لو ذهبت منه نعمة العقل فإنه لا يستطيع أن يأتي بطاعة لله ، وليس مكلفاً بطاعة؛ لأنه ليس من أهل التكليف. وبعد أن رأى العبد أن عبادته لا تساوي نعمة واحدة، مع أن نعم الله لا تعد ولا تحصى. قال الله : أدخلوا عبدي

стр. 760

حديث ابن عباس: (احفظ الله يحفظك) قال: [عن ابن عباس ﵄ قال: (ردفت النبي ﷺ يوماً -أي: كنت خلفه على الدابة- فأخلف يده ورائي)]، أي: أنه أتى بيده من ورائي، وكأنه يحضنه من الخلف. [(فقال: يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟)]، ومعلوم أنه سينفع ابن عباس بهذا وينفع الأمة كلها؛ لأن الخطاب وإن وجه إلى الصحابة بالدرجة الأولى إلا أن الأمة معنية بهذا الخطاب، فالخطاب عام للأمة كلها. قال: [(يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ احفظ الله يحفظك)]. أي: لو حفظت الله ﵎ في قلبك وجوارحك، وفي طاعتك، وفي إحسانك، وفي كرمك، وفي أدبك، وفي المحافظة على الفرائض والنوافل والسنن، فإن الله ﵎ سيحفظك ويوفقك إلى ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]. قال: [(احفظ الله تجده أمامك)]، أي: تجده أمامك ولا يمنع هذا أنك تجده أمامك على الحقيقة برحمته وفضله وإحسانه وجوده، [(وإذا استعنت فاستعن بالله)]. وهذه هي عقيدة التوكل على الله ، والتي غابت من حساب معظم الأمة، فالواحد إذا أراد أن يقضي مصلحة فكر أولاً بالوسيط من البشر، ولا يعتمد أول الأمر على الله تعالى. وقد حدثتني امرأة قبض على زوجها، فقالت: ما تعرف فلاناً وفلاناً؟ فقلت: لا أعرفهم. قالت: إن زوجي حينما أعطاني أرقام التليفونات هذه قال لي: أول ما يعتقلوني اتصلي بالناس هؤلاء، فلن يخرجني من المعتقل إلا هم! فإذا كانوا لا يُخرجوك إلا هم فمن الذي أدخلك؟ بل إنك دخلت بقدر وسوف تخرج بقدر طال الزمن أم قصر، والناس هؤلاء إنما هم سبب فقط، ولذلك الاعتماد على الأسباب اعتماداً كلياً شرك بالله ، كما أن ترك الأسباب قدح في التوحيد، ولو كان ترك الأسباب أمراً مشروعاً فهل تستطيع إنجاب الولد بغير زوجة، والشبع بغير طعام، والري بغير شراب؟ مستحيل. وعليه فلا تقل: إن الجنة هذه لو كانت بقدر، وأن هذا مكتوب وجف به القلم فأنا لا أشتغل! إذاً فنحن نريدك أن تشبع دون أن تأكل، ونريدك أن تأتنا بالولد دون أن تتزوج وأنت لا تستطيع ذلك. إذاً: الأسباب مسألة ضرورية ومهمة جداً. قال: [(وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، رفعت الأقلام وجفت الصحف)]. أي: جف القلم الذي أمره الله بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة، فلن يكتب شيئاً بعد ذلك، فأول ما خلق الله خلق القلم فقال له: أقبل فأقبل. فقال له: اكتب كل شيء كائن إلى يوم القيامة. قال: [(لو جهدت الأمة)]، أو [(لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء)]. وليس الضابط الفلاني، أو المدير الفلاني، وإنما الأمة بجميع فئاتها ومستوياتها، ووالله العظيم لو اعتقدت هذا لكنت أسعد الناس، وتمشي مطمئناً وتدخل النار وتخرج من الناحية الأخرى، وإذا قدر الله لك الحرق ستُحرق، وليس معنى ذلك أن تذهب بنفسك إلى النار؛ لأن من الأسباب ألا تدخل النار، لكن إن ألقاك أحد في النار فاعتقادك وأنت فيها أن هذه النار هي من قدر الله ، وإن أمرها أن تكون برداً وسلاماً عليك كما كانت على إبراهيم، فلا يسعها إلا سماع أمر الله ، وإن قدر لك الحرق ستُحرق بقدر، ويؤتى بك يوم القيامة شهيداً؛ لأن من مات بالحرق شهيد، ولكن ليس المنتحر. قال: [(لو جهدت الأمة على أن ينفعوك بشيء قد كتبه الله لك، ولو جهدت الأمة ليضروك بشيء قد كتبه الله عليك)]. فلا يكون إلا ما قدره الله.

стр. 761

حديث أبي سعيد: (ألا أعلمك لعل الله ينفعك) قال: [عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ لـ ابن عباس: (يا غلام! ألا أعلمك لعل الله ينفعك؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله يكن أمامك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، تعرف إلى الله في الرخاء)]، وهذه مصيبتنا اليوم، إذ إننا نتعرف إلى الله في الشدة، وحينما نخرج من هذه الشدة ننسى الله وننسى طاعته وأمره ونهيه. قال: [(تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، جرى القلم بما هو كائن)]. أي: أن القلم كتب كل شيء. قال: [(فلو أن الناس اجتمعوا على أن يعطوك شيئاً لم يعطك الله لم يقدروا عليه)]. أي: لو أنك أتيت بمليون لواء ليخرجوك من الحبس فلا يمكن ذلك، إلا إذا كان مقدر في اللوح المحفوظ أنك ستخرج منه بسبب فلان وفلان. قال: [(ولو أن الناس اجتمعوا على أن يمنعوك شيئاً قدره الله لك وكتبه لك ما استطاعوا)]. فالمدير حين يقول لك: إذا لم تلتزم بعملك سأفصلك وأقطع عيشك ورزقك، فقل له: أنت كذاب. وليس معنى هذا أنه حين يفصلك من العمل أنك تأتيني وتقول لي: شغلني. فالشغل ليس بيدي وإنما بيد الله، فلا تحملني مسئوليتك. وقد حصل لي مثل هذا، جاء رجل فقال: إن المدير قال له: صل الظهر مع العصر حينما تذهب. فقال له: وهل أنا مسافر لكي أصلي الظهر والعصر جمع تأخير؟ الكلام هذا غير صحيح. فقال له: سنقطع عيشتك من هنا. قال له: أنت كذاب، فطرده. إذاً: كان قوله له: (أنت كذاب) بقدر، ولو لم يكن مكتوب لما قالها، وحينما طرد الرجل هذا من الشغل كان أيضاً بقدر، فهل أنت تسأل الله أم لا؟ وهل تريد أن تدخل الجنة من غير ابتلاء؟ إن هذا الرجل يحاربك في أصل دينك فكيف تقعد معه؟ أنت مطالب أن تصاحب الخليل الذي هو على مثل نهجك وإيمانك، (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). ففي هذه الحالة حينما تخرج من شغلك لا تأت إلي في مسجد الرحمة فتقول: أنت قلت لي أن أقول للمدير: أنت كذاب! وأنا الحمد لله خرجت فابحث لي عن شغل. سأقول لك: أنا آسف، فهذا الشغل ليس لي ولكنه رزق من السماء، والمطلوب منك أن تسعى، والله ﵎ سيرزقك. وقد قابلت أنا والشيخ عبد الفتاح الزيني رجلاً نصرانياً أسلم، ووالله إنه ليأكل من القمح الذي يُلقى للحمام في المسجد الحرام، ويقول: لا يمكن أقبل شيئاً من أحد، فأنا أسلمت لله فقط لا لأحد. ونحن الآن نرى أناساً ممن أسلموا في الشارع وورق إشهار إسلامهم في أيديهم يتسولون بها، وهذا المنظر في الحقيقة يغيظني جداً، والذي يسألني بإسلامه وإيمانه وتحوله من الكفر إلى الإسلام أنهره نهراً شديداً جداً، ولا أملك نفسي قط، والذي لا أملك نفسي أمامه من باب أولى أنه لا يزال حديث عهد بالإسلام، فيأتي يقعد على الكرسي ويحدث مشايخ المسلمين ويحدث علماءهم وطلاب العلم. ما هذا؟ أنت لا تزال حديث عهد بالإسلام، وعمرك في الإيمان والإسلام يوم واحد، ثم تأتي الآن وتحدثنا عن محاسن الدين الإسلامي؟! يجب عليك أن تقعد وتبرك عند الركب ثلاثين عاماً حتى تتعلم دينك، كما قد تجد الجماعة الفلانية أو الجماعة العلانية تقول لك: أسلم المفكر الإسلامي العظيم، والذي عمل كذا وكذا، ثم من اليوم التالي يأتي ليلقي دروساً في المساجد! والله المستعان.

стр. 762

حديث عبادة بن الصامت في القدر قال: [عن عطاء بن أبي رباح قال: سألت ابن عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟] وعبادة بن الصامت ﵁ من كبار الصحابة. [قال: جعل يقول: يا بني اتق الله! واعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تعبد الله وحده، وتؤمن بالقدر خيره وشره]. فيأمره بتقوى الله، ثم يقول له: إنك لا تستطيع أن تبلغ تقوى الله إلا بالعلم؛ إذ كيف تتقي الله وأنت لا تعرف الله ، ولا تعلم ما تتقي ومن تتقي؟ فكيف تكون تقياً أو متقياً وأنت لا تعلم من تتقي أو ما تتقي؟ ثم أمره بالتوحيد، وعلى رأس التوحيد والإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره. [قلت: يا أبتي كيف لي أن أؤمن بالقدر خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير هذا دخلت النار]. أي: أن تعلم أن ما أصابك من خير فلن يفوتك، وما فاتك فلا يستطيع أحد أن يجلبه إليك، وهذا مجمل اعتقادنا في القدر. قال: [سمعت النبي ﷺ يقول: (إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. فقال: ما أكتب؟ فجرى تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد)].

стр. 763

حديث: (سيكون في أمتي قوم يكفرون بالله) قال: [عن عطاء بن أبي رباح: كنت عند سعيد بن المسيب جالساً فذكروا رجالاً يقولون: إن الله قدر كل شيء ما خلا الأعمال]. أي: أن كل شيء من قدر الله إلا الأعمال. وتصور حينما يسمع البخاري عليه رحمة الله شيئاً كهذا، فينتفض وينبري قلمه للرد على من اعتقد ذلك بتأليف كتاب كامل مسند اسمه: (خلق أفعال العباد)؛ ليرد على هؤلاء الذين يقولون: إن الله قدر كل شيء إلا الأعمال. قال عطاء: [فوالله ما رأيت سعيداً غضب غضباً أشد منه حتى هم بالقيام. فقال: ثم سكت. ثم قال: تكلموا به؟ أما والله لقد سمعت فيهم حديثاً كفاهم به شراً، ويحهم لو يعلمون! قال: قلت: رحمك الله وما هو؟ قال: حدثني رافع بن خديج أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (سيكون في أمتي قوم يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون)]. إذاً: فالذي يُنكر القدر ولو في جزئية من جزئياته فإن حكمه أنه كذب الله، وكفر بالله، وكفر بكلام الله ، وهو القرآن والسنة. [قال: قلت: (يقولون ماذا يا رسول الله؟)]. أي: ما هو سبب كفرهم هذا؟ [(قال: يقولون الخير من الله، والشر من إبليس)]. وفي هذا الزمان الكثير من الناس يقولون هذا، والقدرية يقولون هذا، بل هم أصل هذا البلاء، [(يقولون: الخير من الله، والشر من إبليس، ويقرءون على ذلك كتاب الله، ويكفرون بالله وبالقرآن بعد الإيمان والمعرفة، فما تلقى أمتي منهم من العداوة والبغضاء، ثم يكون المسخ فيهم عاماً، أولئك قردة وخنازير، ثم يكون الخسف قل من ينجو منهم)]، أي: أن المسخ والخسف قائم في الأمة، وهذا من علامات الساعة، والمسخ أن يُمسخ البشر قردة وخنازير على الحقيقة، وهذا مذهب من المذاهب، وأن الإنسان يتحول إلى خنزير أو يتحول إلى قرد، وذلك كعقوبة من الله لا أن أصل الإنسان قرد، وإنما يتحول بعد أن يخلقه الله تعالى آدمياً مكرماً معززاً، فيعيش في وحل المعاصي، فالله ﵎ يعاقبه بأنه يجعله قرداً أو خنزيراً. وإذا كان هذا المسخ على الحقيقة -وهو مذهب كثير من أهل العلم- فقد جاء عن ابن عباس ﵁ أنه قال: صعدت جداراً قد مسخ الله ﵎ أهل هذا الجدار بسبب معاصيهم، فلما نزلت على سلم أقبلوا إلي، إذ إنهم يعرفونني ولا أعرفهم. لأنهم خنازير وقردة. ولذلك فهذا مذهب كثير من أهل العلم أن المسخ حصل على الحقيقة في صدر هذه الأمة، والسند إليه فيه نزاع، والراجح أنه حسن، ذكره الحافظ ابن كثير، وذكر كلاماً كثيراً جداً وعظيماً حول تفسير المسخ. قال النبي ﵊: (لا يسبق أحدكم الإمام فإن من سبق إمامه حول الله رأسه رأس حمار، وصورته صورة حمار). والحديث في صحيح البخاري ومسلم. قال الإمام النووي: وما المانع أن يحول الله تعالى رأسه رأس حمار على الحقيقة، فيكون بدنه بدن آدمي ورأسه رأس حمار؛ لأن العقوبة وقعت على الرأس دون غيره كما في الحديث، ولأن أول ما يتحرك من المأموم رأسه، وهو الذي يفكر به، فالله ﵎ يمسخه ويجعله في صورة حمار على الحقيقة. قال: وربما قصد بذلك مسخه من جهة الفكر والحس، فيكون بليداً كالحمار. ولو كانت القضية هكذا لامتسخت معظم الأمة والله العظيم، فهو لا يمكن أن يكون هذا دين الله الذي نحياه الآن، وهذه حياة المسلمين تعج ليلاً ونهاراً بالمعاصي، فهل هذه الحالة الآن يرضاها الله أم هي دينه، أو ربع دينه؟ لا يمكن، بل ولا جزء من مليون جزء من دين الإسلام الذي نحن عليه الآن. إذاً هذه الأمة ممسوخة، وامش مع واحد تجده يمشي مع امرأته على اليمين وبناته على الشمال عاريات كما لو كانوا يمشون في شوارع نيويورك وأمثالها، ويتبجح ويتحامق ويقول إنه مسلم، أو أنه موحد. وآخر يفرغ من صلاة الجماعة ثم يجد امرأته تنتظره في السيارة عريانة! ألم تكن قبل قليل تعبد الله ؟ إن الذي أمرك أن تعبده أمرك أيضاً أن تستر امرأتك. فيقول لك: أنا حر في امرأتي! فلها أن تمشي عريانة، فالذي أمرك بالصلاة هو الذي يأمرها أن تأمر امرأتك بالحجاب والنقاب، ثم يقول لك: لا تأتي بسيرة امرأتي فهي شريفة! إلى غير ذلك من حماقة وجهل وقلة أدب وسفالة. وعندما تأتي لمناقشته في عقيدته تجده زبالة القوم وحثالة القوم، فتجده لا يقع إلا على كل ساقطة ولاقطة، فهذا واحد يقول: ليس هناك شفاعة في الإسلام، فيوافقه آخر فيقول: هذا كلام منطقي. وآخر يقول: ليس هناك عذاب قبر، فيوافقه آخر أيضاً فيقول: صحيح. وهل هناك عذاب في الدنيا وفي الآخرة؟! وآخر يقول: لا وجود للملائكة، فنحن لا نؤمن بالملائكة إلا بملك نراه. فيقول: صحيح. وما هي الحكمة من إخفاء الله لملائكته؟! فتصور أن هذه هي حال المسلمين! وقل أن تجد رجلاً في الأمة كما أراد الله وخاص

стр. 764

حديث: (لا يجربني عبدي) قال: [عن الزهري عن ابن طاوس عن أبيه قالا: لقي عيسى بن مريم إبليس -وهذا كلام للاستشهاد لا للاحتجاج- فقال: أما علمت أنه لا يصيبك إلا ما قُدر لك؟ فقال إبليس: فأوف بذروة هذا الجبل -أي: اطلع هذا الجبل- فترد منه فانظر أتعيش أم لا؟]. وانظر إلى إبليس وهو يقول لعيسى: أنت تعتقد أنه لا يصيبك إلا ما كُتب لك، إذاً فاصعد الجبل هذا وارم بنفسك من أعلاه، وانظر هل تعيش أم تموت؟ [قال ابن طاوس عن أبيه قال: أما علمت أن الله تعالى قال: لا يجربني عبدي فإني أفعل ما شئت. قال: فقال الزهري: إن العبد لا يبتلي ربه]. أي: يختبر ربه، فيصعد الجبل ثم يرمي بنفسه من أعلاه، ففي هذا الاختبار سوف يموت. ثم قال: [ولكن الله يبتلي عبده. قال: فخصمه]. أي: عيسى ﵇ غلب إبليس.

стр. 765

حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع) قال: [عن علي عن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بأربع: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله بعثني بالحق، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر)].

стр. 766

حديث: (لن يؤمن من لم يؤمن بالقدر) قال: [وعن شداد قال: خرجت مع ابن عمر إلى السوق فكان أكثر كلامه مع من لقي: سلام عليكم، تعوذوا بالله من قدر السوء]. أي: أن يكون الله قدر لنا سوءاً وشراً، وهذا يعني أن القدر السيئ والشر أيضاً من الله . [قال: قال النبي ﵊: (لن يؤمن من لم يؤمن بالقدر خيره وشره)].

стр. 767

سياق ما روي في النهي عن الكلام في القدر والجدال فيه والأمر بالإمساك عنه قال: [عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر: (أن النبي ﵊ خرج على الصحابة وهم يتنازعون في القدر هذا ينزع آية وهذا ينزع آية)]. أي: يتخاصمون، فهذا يأتي بآية يثبت بها القدر، وهذا يأتي بآية ينفي بها القدر، فغضب النبي ﷺ غضباً شديداً [(فكأنما فقي في وجهه حب الرمان)]. أي: غضب حتى احمر وجهه. [فقال: (بهذا أمرتم؟ أو بهذا وكلتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ أنظروا إلى ما أُمرتم به فاتبعوه، وما نُهيتم عنه فاجتنبوه)]. [عن علي بن أبي طالب أنه سئل: يا أبا الحسن! ما تقول في القدر؟ قال: طريق مظلم فلا تسلكه]. أليسوا هؤلاء هم السلف؟ إذاً فالذي يتكلم بالقدر بكلام طويل لا بد وأننا نقول: إن هذا المنهج خلاف ما كان عليه السلف، فأنت مطلوب منك أن تؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه من عند الله. [فقال: يا أبا الحسن! ما تقول في القدر؟] وهنا يكرر السؤال مرة أخرى. فقال: بحر عظيم فلا تلجه. فقال: يا أبا الحسن! ما تقول في القدر؟ فقال: سر الله فلا تكلفه]. أي: أن القدر هو سر الله تعالى في الخلق، فلا تتكلف الدخول فيه. قال: [عن عمر قال: سمعت النبي ﵊ يقول: (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم)]. أي: إذا لقيتهم في طريق فاسلك طريقاً آخر، وليس أن تقول: إن هؤلاء عندهم شبهة في القدر فتذهب لمناقشتهم، وتقيم عليهم الحجة، ثم حين تذهب لمناقشتهم ترجع وتقول: فعلاً عنده حق. وهذه عقوبة من الله حول بها قلبك وعقلك وفكرك؛ لأنك خالفت أمره. ودائماً تجد أهل البدع يتخصصون في بدعتهم فقط، وإن شئت فقل: هو أضل من حمار أهله، فلو ناقشته في الصلاة أو الصوم فإنه لا يعرف شيئاً، فحياته كلها وهمه اجتمع في معرفة القدر وشبهات الخصم والرد عليها، وتكلف تأويل النصوص التي وردت في هذا الباب. ولذا أريد أن أقول: إنه يعرف كل شيء عن بدعته، فإذا كنت أنت ليس لديك الوقت لأن تعرف في مسألة واحدة مليون دليل وأنت الآن تؤمن بأن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، فلو قلت لك: أعطني دليلين اثنين على ذلك، فإنك لن تستطيع. فعندما تجلس عند واحد من هؤلاء، كـ إسماعيل منصور ذلك المبتدع الضال الذي كان سنياً، ولعله ينطبق عليه قوله ﵊: (ولعل أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها). فالقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، ويختم لمن يشاء بخاتمة السعادة، ويختم لمن يشاء بخاتمة الشقاوة، فاللهم سلم يا رب. فهنا حينما تذهب إلى واحد قد ألف أن القبر ليس فيه عذاب ولا نعيم، فإنه سيغلبك عندما تناقشه؛ لأنه رجل متخصص في بدعته، ولذا فإن إسماعيل منصور ما تحول إلى مبتدع إلا لدخوله في مناظرات أهل البدع دون أن يتخصص فيها، فقد دُعي للسفر إلى أمريكا ليناظر رجلاً يدعي الألوهية، فلما أتى ما في جعبته ولم يستجب ذلك الإله المزعوم تحول إلى رجل آخر يدعي النبوة، فتأثر ببعض ما عنده، وما تلك النوازح التي تنزح من بئر إسماعيل منصور إلا من مخلفات النقاش مع المجرم الكبير رشاد المصري الأمريكي الذي زعم أنه لا إله، وأنه نبي ملهم. قال: [عن ابن سيرين قال: إن لم يكن أهل القدر من الذين يخوضون في آيات الله، فلا أدري من هم؟]. قال: [عن ابن عباس قال: باب شرك فُتح على أهل الصلاة: التكذيب بالقدر] أي: فُتح على أهل القبلة وأهل الإيمان باب من أبواب الشرك، وهو الخوض في القدر [فلا تجادلوهم فيجري شركهم على أيديكم]. أي: لا تناظروهم ولا تخوضوا معهم حتى لا تتأثروا بهم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 768

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - أدلة السنة في إثبات القدر [٢] معتقد أهل السنة والجماعة في القدر أن الله يكتب أعمال العباد وأعمارهم وآجالهم وهم لا يزالون في الأرحام، فما من عبد إلا وقد حدد له مصيره إما أنه من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة، إلا أن ذلك لا يمنع صاحب العقيدة السليمة من العمل والسعي فكل ميسر لما خلق له.

стр. 769

بعض الأحاديث الواردة في القدر بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فقد تكلمنا عن القدر في الدروس الماضية، وقلنا: إن القدر ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وسردنا الآيات التي تدل على إثبات القدر، ومنها قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠]. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] وغير ذلك من الآيات. كما ذكرنا بعض النصوص الثابتة في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﵊ الدالة على إثبات القدر، بل وعن السلف كذلك، ويبقى أن نسرد شيئاً منها في هذه المحاضرة والمحاضرات التي تليها، مع بيان مخالفة القدرية والجهمية وبعض المعتزلة وغيرهم لأهل السنة في ذلك.

стр. 770

حديث أبي هريرة في احتجاج آدم وموسى وذكر بعض رواياته أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: [(احتج آدم وموسى -أي: صارت بينهما محاجة، فصار أحدهما يقيم الحجة على صاحبه- فحج آدم موسى -أي: فغلب آدم بحجته موسى ﵇ فقال موسى: أنت خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض)]. يعدد نعم الله ، ثم يقول: وبسبب خطيئتك أهبطت الناس من الجنة، أو من السماء إلى الأرض. قال: [(قال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أُخلق؟ -أي: بكم سنة وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ - قال موسى: بأربعين عاماً)]. أي: أنه موجود في التوراة التي بيد موسى ﵇ والتي خطها الله وكتبها بيمينه أن آدم سيفعل ذلك، وهذا مكتوب على آدم قبل أن يُخلق بأربعين عاماً. قال: [(قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى؟). أي: هل هذا مكتوب في التوراة التي بين يديك؟ (قال: نعم. قال: فتلومني على أن عملت عملاً كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة)]. أي: أنت تلومني على عمل مقدر ومكتوب عليَّ قبل أن يخلقني الله بأربعين عاماً. [قال رسول الله ﷺ : (فحج آدم موسى)]. أي: أقام عليه الحجة وغلبه، فكانت الحجة لآدم، وهو أول من أثبت من البشر حجية القدر، وأن كل شيء بقدر قبل أن يُخلق المرء. وليس في هذا الحديث حُجة لأهل المعاصي؛ لأن آدم تاب وأناب ورجع إلى ربه، وإلا لكان لإبليس حُجة كذلك. أجمع أهل السنة والجماعة على أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، ومن قبل ضربنا عدة أمثلة على ذلك، منها: ذلك الرجل الذي زنا وجيء به إلى عمر بن الخطاب ﵁ ليقيم عليه الحد. قال: يا أمير المؤمنين! أتحدني في أمر قد قدره الله علي؟! قال: نعم. نحدك بقدر الله . أي نقيم عليك الحد بقدر الله، فالذي قدر عليك المعصية هو الذي قدر عليك إقامة الحد. إذاً: ذاك بقدر، وهذا أيضاً بقدر، وغير ذلك من النصوص التي تثبت هذا المعنى. ومنها: امتناع عمر بن الخطاب ﵁ عن الدخول إلى القرية التي سمع أن بها طاعوناً، فلقيه رجل وهو قافل، فقال: يا عمر أتفر من قدر الله؟ قال: نعم. نفر من قدر الله إلى قدر الله. فالدخول بقدر، والخروج أيضاً بقدر، الإقدام بقدر، والإحجام كذلك بقدر؛ لأن المرء لا يخطو خطوة واحدة إلا إذا أذن الله ﵎ له بها. فهنا آدم يختلف عن إبليس، فإبليس عصى وغوى واستمر في غوايته وأضل غيره ولم يتب، فكان جزاؤه النار، وأما آدم ﵇ فعصى وغوى، لكن بعد أن عصى وغوى وأهبط إلى الأرض تاب إلى الله ، وعليه فالاحتجاج بالقدر على المعصية سبيل الشيطان، وليس في هذا الحديث حجة لذلك؛ لأن آدم قد تاب، فمن وقع في معصية وتاب منها إلى الله وتفطر قلبه حسرة وندماً على ما بدر منه وفرط، فله بعد ذلك أن يحتج. ومعنى ذلك أنه لا يُعاقب في الآخرة، بل هو تحت مشيئة الله ، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، لكن الله تعالى بفضله ورحمته وكرمه ومنه وعدنا أن من تاب توبة نصوحاً من ذنبه أنه يتوب عليه، بل ربما كافأه بحسن توبته أنه يبدل سيئاته حسنات، لكن بشرط: إحسان التوبة. أي: أن يتوب توبة نصوحاً بحيث يتفطر قلبه، ويندم ندماً شديداً جداً على ما بدر منه، ثم يعزم على عدم العودة إلى ما وقع منه من معاص وآثام، وكذلك آدم عصى ثم تاب، واحتج بالقدر بعد التوبة. ولك أن تحتج بالقدر كما احتج آدم على المعصية، لكن هذا لا يكون إلا بعد التوبة. فلا تكن جريئاً على الله ، فإذا زنى رجل تقول: الزنا بقدر، ومثلها السرقة، فتقول: لو لم يكن الله مقدراً علي أن أسرق لما سرقت. فهذه الصورة لا تجوز في الشرع؛ لأنك الآن تحتج مطلقاً بالقدر على المعاصي، وهذا ليس مسلكاً لأهل الإيمان، وإنما هو مسلك أهل الجحود والنكران. قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تحاج آدم وموسى: فقال موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة إلى الأرض؟! فقال له آدم: أنت موسى الذي أعطاك الله كل شيء، واصطفاك على الناس برسالته؟ قال: نعم. قال: تلومني على أمر قد كان كتب علي قبل أن أفعله من قبل أن أُخلق؟ فحج آدم موسى)]. وقال النبي ﵊: [(حج آدم موسى: قال: أنت آدم أبو البشر الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟)]. وانظر كيف أن موسى كانت فيه حدة خاصة على أبيه آدم ﵇؟! قال: [(فقال: نعم)]. أي: اعترف بذلك. قال: [(فقال: أنت موسى الذي اصطفاك الله على الناس برسالاته وبكلامه؟ قال: بلى. قال: ألست تجد فيما

стр. 771

حديث جندب بن جنادة في احتجاج آدم وموسى قال: [عن جندب أو غيره أن رسول الله ﷺ قال: (لقي آدم موسى: فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، ثم فعلت ما فعلت، وأخرجت ذريتك من الجنة؟ قال: وأنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته، وكلمك وقرأك التوراة، فأنا أقدم أم الذكر؟ -أي: في الإيجاد- فقال: بل الذكر)]. أي: الذكر الذي نزل على موسى، رغم أن موسى بعد آدم، بل بعد نوح، وبين نوح وآدم عشرة قرون، أي: ألف عام، وبين نوح وموسى ﵇ مسافة عظيمة جداً كذلك من الزمن. [فقال رسول الله ﷺ : (فحج آدم موسى)]. على اعتبار أن هذا مكتوب في التوراة.

стр. 772

إجماع الصحابة على إثبات القدر وإنكارهم على من ينكر ذلك

стр. 773

رواية يحيى بن يعمر لحديث ابن عمر في إنكاره على القدرية قال: [وعن يحيى بن يعمر -البصري- قال: كان رجل من جهينة وفيه رهق -أي: فيه مراهقة وشغب- وكان يتوثب على جيرانه]. أي: يبغى عليهم ويظلمهم ويسرقهم، وهكذا أهل البدع دائماً يكون تاريخهم أسود، فعندما تبحث عن تاريخه تجد تاريخاً لا تطمئن إليه أبداً. قال: [ثم إنه قرأ القرآن، وفرض الفرائض، وقص على الناس -أي: أنه كان أيضاً قصاصاً- ثم إنه صار من أمره أنه زعم: أن العمل أنف، من شاء عمل خيراً ومن شاء عمل شراً]. أي: أن الذي يريد أن يعمل خيراً يعمل، والذي يريد أن يعمل شراً يعمل، فالله لا يعرف شيئاً إلا بعد أن يقع! قال يحيى بن يعمر: [فلقيت أبا الأسود الدؤلي فذكرت ذلك له. فقال: كذب ما راينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ لا يُثبت القدر]. وهذا يدل على إجماع الصحابة على إثبات القدر؛ لأن الله تعالى عليم بكل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض. قال: [ثم إني حججت وحميد بن عبد الرحمن الحميري، فلما قضينا حجنا وكنا -أي: بالمسجد الحرام- قلنا: نأتي المدينة فنلقى أصحاب رسول الله ﷺ فنسألهم عن القدر -وهذا الكلام كان بالبصرة؛ لأن أول ما نشأت وانتشرت هذه البدعة في البصرة- فلما أتينا المدينة لقينا أناساً من الأنصار، فلم نسألهم، قلنا حتى نلقى ابن عمر أو أبا سعيد الخدري] وهذا يدلك على أن هذه الفتنة كانت في أوائل عهد الصحابة؛ لأن ابن عمر وأبا سعيد الخدري كانوا من صغار الصحابة، وكون يحيى بن يعمر وحميد يبحثان عنهما يدل ذلك على أنهما يبحثان عن كبار الصحابة في ذلك الوقت، وإلا لو كانت هذه الفتنة في أول عهد الصحابة بعد موت النبي ﵊ مباشرة لكانوا بحثوا عن أبي بكر أو عمر أو أبي بن كعب أو زيد بن ثابت، لكن حينما نأتي لننظر إلى ابن عمر أو أبي سعيد الخدري ثم ننظر إلى الصحابة الآخرين نجد أن هؤلاء كانوا صغاراً، فمثلاً ابن عمر في غزوة بدر وأحد كان عمره أربع عشرة سنة، وقد ذهب إلى النبي ﵊ ليجيزه للقتال، ولم يجزه؛ لأنه ما كان يجيز أحداً إلا إذا بلغ خمسة عشر عاماً. ومعنى هذا أنه كان من صغار الصحابة، ولذا فعندما يأتي واحد من البصرة يريد ابن عمر بالذات فلا بد أن يكون ابن عمر في ذلك الوقت كبيراً في السن والشأن، ولا يكون هذا إلا في أواخر عهد الصحابة. قال: [فلقينا ابن عمر فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله. قال: قلت: تسأله أو أسأله؟ قال: لا. بل أسأله؛ لأني كنت أبسط لساناً منه -وفي رواية: وكنت أحد منه لساناً- قال: قلت يا أبا عبد الرحمن -وهذه كنية عبد الله بن عمر - إن ناساً عندنا بالعراق قد قرءوا القرآن، وفرضوا الفرائض -أي: التزموا بالفرائض- وقصوا على الناس، يزعمون أن العمل أنف، من شاء عمل خيراً ومن شاء عمل شراً. قال ابن عمر: فإذا لقيتم ذلك فقولوا: يقول ابن عمر: هو منكم بريء، وأنتم منه براء، فوالله لو جاء أحدهم من العمل بمثل أحد ما تُقبل منه حتى يؤمن بالقدر. وفي الحديث الصحيح: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر). ثم قال: [لقد حدثني عمر -وهو أبوه- عن رسول الله ﷺ : (أن موسى لقي آدم فقال: يا آدم أنت خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك الجنة، فوالله لولا ما فعلت ما دخل أحد من ذريتك النار)] أي: لولا الخطيئة التي فعلتها ما دخل أحد من ذريتك النار، وإنما كلهم كانوا سيدخلون الجنة. قال: [(فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، تلومني بما قد كان كُتب علي قبل أن أُخلق؟ فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى، فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى، فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى)]. قال: قال -أي: ابن عمر - لقد حدثني عمر أن رجلاً في آخر عمر النبي ﵊ جاء إلى رسول الله ﵊ فقال: (يا رسول الله أدنو منك؟ -وانظروا إلى هذا الأدب الشديد، أدب المتعلم بين يدي المعلم- قال: نعم. قال: فجاء حتى وضع يده على ركبته -أي: حتى وضع هذا السائل يده على ركبته هو، لا على ركبة النبي ﵊؛ لأن هذا يتنافى مع أدب العالم والمتعلم- فقال: ما الإسلام؟ قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: نعم. قال: صدقت)]. ومن شأن السائل أنه جاهل، فلا يصدق المجيب ولا المفتي ولا المسئول، ولذلك قال عمر: [(قال: فجعل الناس يتعجبون منه يقولون: ا

стр. 774

رواية ابن بريدة لحديث ابن عمر في إنكاره على القدرية قال: [عن ابن بريدة قال: قدمنا المدينة فأتينا عبد الله بن عمر فقلنا: يا أبا عبد الرحمن إنا بأرض قوم يزعمون أن لا قدر. فقال: من المسلمين هم؟ ممن يصلي إلى القبلة؟ قلنا: نعم ممن يصلي إلى القبلة. قال: فغضب حتى وددت أني لم أكن سألته. ثم قال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن عبد الله بن عمر منهم بريء وأنهم منه براء]. أي: أنهم ليسوا مني ولست منهم، ومعنى هذا أنهم ليسوا من المسلمين، ولا المسلمين يمتون لهم بصلة، فالحبل الذي بينهم قد انقطع، ولذلك إجمع الصحابة على أن من تكلم في القدر كافر خارج عن ملة الإسلام وخاصة هؤلاء الغلاة. [ثم قال: إن شئت حدثناك عن النبي ﵊. فقلت: أجل. قال: (كنا عند النبي ﵊ فأتاه رجل حسن الثياب طيب الريح حسن الوجه. فقال: السلام عليكم يا رسول الله. قال: وعليك. قال: يا رسول الله أدن منك؟ قال: ادن. فقلنا: ما رأينا كاليوم رجلاً أحسن ثوباً ولا أطيب ريحاً ولا أحسن وجهاً ولا أشد توقيراً للنبي ﵊. ثم قال: يا رسول الله أدن منك؟ قال: نعم. فدنا منه نبذة)]. أي: اقترب منه اقتراباً، وكلمة (نبذة) تفيدنا فائدة وهي: أنه لم يقترب منه حتى لزق ركبته إلى ركبته، ولذا إذا قال بعد ذلك: حتى وضع كفيه على فخذيه، فيكون الذي وضع كفيه على فخذيه هو جبريل؛ لأنه لم يلزق فيه لزوقاً، وإنما دنا منه نبذة. أي: اقترب منه شيئاً يسيراً. قال: [(فقلنا مثل مقالتنا. ثم قال الثالثة: أدن منك يا رسول الله؟ قال: نعم. فدنا حتى ألزق ركبته بركبة النبي ﵊. فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتغتسل من الجناية. قال: صدقت. قال عمر: (فقلنا ما رأينا كاليوم رجلاً كأنه يعلم رسول الله، -أي: كأنه هو الذي يعلم النبي ﷺ ، فإنه ليس جاهلاً، ثم تبين بعد ذلك أنه فعلاً معلم- ثم قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر والملائكة، والكتاب، والنبيين، والقدر كله خيره وشره، حلوه ومره)]. إذاً: كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس والمعاصي، لكن الذي قدر المعاصي على العبد قدر لها عقوبة وحداً، فتكون المعصية بقدر الله، ويكون الحد أو العقوبة بقدر الله. [قال: (صدقت. فقلنا: والله ما رأينا كاليوم قط فوالله كأنه يعلم رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ما المسئول بأعلم بها من السائل. ثم انصرف فقال رسول الله ﷺ : علي بالرجل -أي: اتبعوا هذا الرجل- قال عمر: فقمنا بأجمعنا نطلب الرجل فطلبناه فلم نقدر عليه)]. لأنه بمجرد ما إن خرج من المسجد وغاب عن أعين الناس رجع إلى طبيعته التي خلقه الله عليها، وحجب عن الصحابة، فهو يراهم لكنهم لا يرونه. وتأمل حينما قال لهم: علي بالرجل. لم يعتذر أحد منهم؛ لأنه أمر. [فقال النبي ﵊: (هذا جبريل جاء ليعلمكم دينكم، وما أتاني في صورة إلا عرفته قبل مرتي هذه)]. أي: أن النبي ﷺ ما عرف أنه جبريل إلا بعد أن ولى. وهناك أمارة أيضاً في صدر الحديث تقول: إن هذا الرجل ليس عادياً، حيث أن عمر يقول: (بينما نحن جلوس عند النبي ﵊ إذ طلع علينا رجل). ولم يقل إذ خرج علينا رجل، وهذا لا تنطبق على الرجال العاديين. قال: (شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر). أي: لا غبار عليه ولا تراب، فهو غريب عن المدينة، والمدينة كلها إنما هي عدة البيوت بين جبلين (لا يعرفه منا أحد، ولا يُرى عليه أثر السفر)، أي: أن هذا الرجل إما أنه أتى من الأرض أو أنه أتى من السماء؛ لأنه لو كان من المدينة لعرفناه، وهذا لم يعرفه منا أحد، ولو كان جاء من سفر لكان عليه أثر السفر، فليس في هذا الرجل أي علامة تدل على أنه أتى من سفر، إذاً فلا بد أن يكون رجلاً غير عادي. وفي هذا أيضاً: جواز أن يرى المسلم أو المؤمن الملائكة، لكن على غير صورتهم التي خلقهم الله عليها، فقد خلق الله جبريل له ستمائة جناح، والجناح الواحد يسد الأفق. أي: أنك حين ترى جهة السماء لن ترى الشمس ولا النجوم ولا القمر، بل لن ترى شيئاً أبداً؛ بسبب جناح جبريل. مع أنه لا يمكن أن تتصور مخلوقاً له ستمائة جناح، فإذا كان هذا جبريل فما بالك برب جبريل؟! لا يمكن لأحد أبداً، ولا يسمح له ولا يجاز له في أن يطلق خياله لأن يتصور الذات العلية .

стр. 775

الروايات الواردة في إثبات كتابة مصير العبد قبل ولادته
следующие страницы →