Полный текст (1 284 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
حديث جندب بن جنادة في احتجاج آدم وموسى
قال: [عن جندب أو غيره أن رسول الله ﷺ قال: (لقي آدم موسى: فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، ثم فعلت ما فعلت، وأخرجت ذريتك من الجنة؟ قال: وأنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته، وكلمك وقرأك التوراة، فأنا أقدم أم الذكر؟ -أي: في الإيجاد- فقال: بل الذكر)].
أي: الذكر الذي نزل على موسى، رغم أن موسى بعد آدم، بل بعد نوح، وبين نوح وآدم عشرة قرون، أي: ألف عام، وبين نوح وموسى ﵇ مسافة عظيمة جداً كذلك من الزمن.
[فقال رسول الله ﷺ : (فحج آدم موسى)].
على اعتبار أن هذا مكتوب في التوراة.
стр. 772
إجماع الصحابة على إثبات القدر وإنكارهم على من ينكر ذلك
стр. 773
رواية يحيى بن يعمر لحديث ابن عمر في إنكاره على القدرية
قال: [وعن يحيى بن يعمر -البصري- قال: كان رجل من جهينة وفيه رهق -أي: فيه مراهقة وشغب- وكان يتوثب على جيرانه].
أي: يبغى عليهم ويظلمهم ويسرقهم، وهكذا أهل البدع دائماً يكون تاريخهم أسود، فعندما تبحث عن تاريخه تجد تاريخاً لا تطمئن إليه أبداً.
قال: [ثم إنه قرأ القرآن، وفرض الفرائض، وقص على الناس -أي: أنه كان أيضاً قصاصاً- ثم إنه صار من أمره أنه زعم: أن العمل أنف، من شاء عمل خيراً ومن شاء عمل شراً].
أي: أن الذي يريد أن يعمل خيراً يعمل، والذي يريد أن يعمل شراً يعمل، فالله لا يعرف شيئاً إلا بعد أن يقع! قال يحيى بن يعمر: [فلقيت أبا الأسود الدؤلي فذكرت ذلك له.
فقال: كذب ما راينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ لا يُثبت القدر].
وهذا يدل على إجماع الصحابة على إثبات القدر؛ لأن الله تعالى عليم بكل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض.
قال: [ثم إني حججت وحميد بن عبد الرحمن الحميري، فلما قضينا حجنا وكنا -أي: بالمسجد الحرام- قلنا: نأتي المدينة فنلقى أصحاب رسول الله ﷺ فنسألهم عن القدر -وهذا الكلام كان بالبصرة؛ لأن أول ما نشأت وانتشرت هذه البدعة في البصرة- فلما أتينا المدينة لقينا أناساً من الأنصار، فلم نسألهم، قلنا حتى نلقى ابن عمر أو أبا سعيد الخدري] وهذا يدلك على أن هذه الفتنة كانت في أوائل عهد الصحابة؛ لأن ابن عمر وأبا سعيد الخدري كانوا من صغار الصحابة، وكون يحيى بن يعمر وحميد يبحثان عنهما يدل ذلك على أنهما يبحثان عن كبار الصحابة في ذلك الوقت، وإلا لو كانت هذه الفتنة في أول عهد الصحابة بعد موت النبي ﵊ مباشرة لكانوا بحثوا عن أبي بكر أو عمر أو أبي بن كعب أو زيد بن ثابت، لكن حينما نأتي لننظر إلى ابن عمر أو أبي سعيد الخدري ثم ننظر إلى الصحابة الآخرين نجد أن هؤلاء كانوا صغاراً، فمثلاً ابن عمر في غزوة بدر وأحد كان عمره أربع عشرة سنة، وقد ذهب إلى النبي ﵊ ليجيزه للقتال، ولم يجزه؛ لأنه ما كان يجيز أحداً إلا إذا بلغ خمسة عشر عاماً.
ومعنى هذا أنه كان من صغار الصحابة، ولذا فعندما يأتي واحد من البصرة يريد ابن عمر بالذات فلا بد أن يكون ابن عمر في ذلك الوقت كبيراً في السن والشأن، ولا يكون هذا إلا في أواخر عهد الصحابة.
قال: [فلقينا ابن عمر فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله.
قال: قلت: تسأله أو أسأله؟ قال: لا.
بل أسأله؛ لأني كنت أبسط لساناً منه -وفي رواية: وكنت أحد منه لساناً- قال: قلت يا أبا عبد الرحمن -وهذه كنية عبد الله بن عمر - إن ناساً عندنا بالعراق قد قرءوا القرآن، وفرضوا الفرائض -أي: التزموا بالفرائض- وقصوا على الناس، يزعمون أن العمل أنف، من شاء عمل خيراً ومن شاء عمل شراً.
قال ابن عمر: فإذا لقيتم ذلك فقولوا: يقول ابن عمر: هو منكم بريء، وأنتم منه براء، فوالله لو جاء أحدهم من العمل بمثل أحد ما تُقبل منه حتى يؤمن بالقدر.
وفي الحديث الصحيح: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر).
ثم قال: [لقد حدثني عمر -وهو أبوه- عن رسول الله ﷺ : (أن موسى لقي آدم فقال: يا آدم أنت خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك الجنة، فوالله لولا ما فعلت ما دخل أحد من ذريتك النار)] أي: لولا الخطيئة التي فعلتها ما دخل أحد من ذريتك النار، وإنما كلهم كانوا سيدخلون الجنة.
قال: [(فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، تلومني بما قد كان كُتب علي قبل أن أُخلق؟ فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى، فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى، فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى)].
قال: قال -أي: ابن عمر - لقد حدثني عمر أن رجلاً في آخر عمر النبي ﵊ جاء إلى رسول الله ﵊ فقال: (يا رسول الله أدنو منك؟ -وانظروا إلى هذا الأدب الشديد، أدب المتعلم بين يدي المعلم- قال: نعم.
قال: فجاء حتى وضع يده على ركبته -أي: حتى وضع هذا السائل يده على ركبته هو، لا على ركبة النبي ﵊؛ لأن هذا يتنافى مع أدب العالم والمتعلم- فقال: ما الإسلام؟ قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.
قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: نعم.
قال: صدقت)].
ومن شأن السائل أنه جاهل، فلا يصدق المجيب ولا المفتي ولا المسئول، ولذلك قال عمر: [(قال: فجعل الناس يتعجبون منه يقولون: ا
стр. 774
رواية ابن بريدة لحديث ابن عمر في إنكاره على القدرية
قال: [عن ابن بريدة قال: قدمنا المدينة فأتينا عبد الله بن عمر فقلنا: يا أبا عبد الرحمن إنا بأرض قوم يزعمون أن لا قدر.
فقال: من المسلمين هم؟ ممن يصلي إلى القبلة؟ قلنا: نعم ممن يصلي إلى القبلة.
قال: فغضب حتى وددت أني لم أكن سألته.
ثم قال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن عبد الله بن عمر منهم بريء وأنهم منه براء].
أي: أنهم ليسوا مني ولست منهم، ومعنى هذا أنهم ليسوا من المسلمين، ولا المسلمين يمتون لهم بصلة، فالحبل الذي بينهم قد انقطع، ولذلك إجمع الصحابة على أن من تكلم في القدر كافر خارج عن ملة الإسلام وخاصة هؤلاء الغلاة.
[ثم قال: إن شئت حدثناك عن النبي ﵊.
فقلت: أجل.
قال: (كنا عند النبي ﵊ فأتاه رجل حسن الثياب طيب الريح حسن الوجه.
فقال: السلام عليكم يا رسول الله.
قال: وعليك.
قال: يا رسول الله أدن منك؟ قال: ادن.
فقلنا: ما رأينا كاليوم رجلاً أحسن ثوباً ولا أطيب ريحاً ولا أحسن وجهاً ولا أشد توقيراً للنبي ﵊.
ثم قال: يا رسول الله أدن منك؟ قال: نعم.
فدنا منه نبذة)].
أي: اقترب منه اقتراباً، وكلمة (نبذة) تفيدنا فائدة وهي: أنه لم يقترب منه حتى لزق ركبته إلى ركبته، ولذا إذا قال بعد ذلك: حتى وضع كفيه على فخذيه، فيكون الذي وضع كفيه على فخذيه هو جبريل؛ لأنه لم يلزق فيه لزوقاً، وإنما دنا منه نبذة.
أي: اقترب منه شيئاً يسيراً.
قال: [(فقلنا مثل مقالتنا.
ثم قال الثالثة: أدن منك يا رسول الله؟ قال: نعم.
فدنا حتى ألزق ركبته بركبة النبي ﵊.
فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتغتسل من الجناية.
قال: صدقت.
قال عمر: (فقلنا ما رأينا كاليوم رجلاً كأنه يعلم رسول الله، -أي: كأنه هو الذي يعلم النبي ﷺ ، فإنه ليس جاهلاً، ثم تبين بعد ذلك أنه فعلاً معلم- ثم قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر والملائكة، والكتاب، والنبيين، والقدر كله خيره وشره، حلوه ومره)].
إذاً: كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس والمعاصي، لكن الذي قدر المعاصي على العبد قدر لها عقوبة وحداً، فتكون المعصية بقدر الله، ويكون الحد أو العقوبة بقدر الله.
[قال: (صدقت.
فقلنا: والله ما رأينا كاليوم قط فوالله كأنه يعلم رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ما المسئول بأعلم بها من السائل.
ثم انصرف فقال رسول الله ﷺ : علي بالرجل -أي: اتبعوا هذا الرجل- قال عمر: فقمنا بأجمعنا نطلب الرجل فطلبناه فلم نقدر عليه)].
لأنه بمجرد ما إن خرج من المسجد وغاب عن أعين الناس رجع إلى طبيعته التي خلقه الله عليها، وحجب عن الصحابة، فهو يراهم لكنهم لا يرونه.
وتأمل حينما قال لهم: علي بالرجل.
لم يعتذر أحد منهم؛ لأنه أمر.
[فقال النبي ﵊: (هذا جبريل جاء ليعلمكم دينكم، وما أتاني في صورة إلا عرفته قبل مرتي هذه)].
أي: أن النبي ﷺ ما عرف أنه جبريل إلا بعد أن ولى.
وهناك أمارة أيضاً في صدر الحديث تقول: إن هذا الرجل ليس عادياً، حيث أن عمر يقول: (بينما نحن جلوس عند النبي ﵊ إذ طلع علينا رجل).
ولم يقل إذ خرج علينا رجل، وهذا لا تنطبق على الرجال العاديين.
قال: (شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر).
أي: لا غبار عليه ولا تراب، فهو غريب عن المدينة، والمدينة كلها إنما هي عدة البيوت بين جبلين (لا يعرفه منا أحد، ولا يُرى عليه أثر السفر)، أي: أن هذا الرجل إما أنه أتى من الأرض أو أنه أتى من السماء؛ لأنه لو كان من المدينة لعرفناه، وهذا لم يعرفه منا أحد، ولو كان جاء من سفر لكان عليه أثر السفر، فليس في هذا الرجل أي علامة تدل على أنه أتى من سفر، إذاً فلا بد أن يكون رجلاً غير عادي.
وفي هذا أيضاً: جواز أن يرى المسلم أو المؤمن الملائكة، لكن على غير صورتهم التي خلقهم الله عليها، فقد خلق الله جبريل له ستمائة جناح، والجناح الواحد يسد الأفق.
أي: أنك حين ترى جهة السماء لن ترى الشمس ولا النجوم ولا القمر، بل لن ترى شيئاً أبداً؛ بسبب جناح جبريل.
مع أنه لا يمكن أن تتصور مخلوقاً له ستمائة جناح، فإذا كان هذا جبريل فما بالك برب جبريل؟! لا يمكن لأحد أبداً، ولا يسمح له ولا يجاز له في أن يطلق خياله لأن يتصور الذات العلية .
стр. 775
الروايات الواردة في إثبات كتابة مصير العبد قبل ولادته
стр. 776
حديث ابن مسعود: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه)
قال: [عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق].
وانظروا إلى هذا الكلام الجميل، فهو ﵊ الصادق المصدوق، حتى وإن كان الأمر لا تستوعبه عقولنا، لكن ما دام أن الذي حدثنا به هو النبي ﵊ فهو صحيح.
ثم أرأيت إلى إيمان الصحابة؟ فإنه ليس كإيماننا، تجد الواحد منا قد يقول: الشفاعة هذه ليست معقولة، والجنة والنار ليستا بمخلوقتين، وربما قال: لا أؤمن بالجنة أو النار حتى أرى رجلاً من أهل النار يخرج علينا، لطلع لنا واحد من أصحاب النار بعد أن رأى النار بعينيه فيقول: كان أبوك فيقول لنا: آمنوا بالنار والجنة؛ لأنني أنا رأيتها رأي العين.
لكن من رحمة الله أنه لا يبعث الموتى إلا يوم البعث، وترك الناس بعد أن أنزل لهم الكتب، وأرسل لهم الرسل، ورزقهم العقل الراجح الذي يميزون به بين الحق والباطل بين الصواب والخطأ.
إذاً: فكل يعمل على شاكلته، فالذي يعمل خيراً يجد خيراً، والذي يعمل شراً يجد شراً، حتى وإن كان هذا الكلام لا تستوعبه عقولنا؛ لأنه يخفى الشيء الكثير عنها -أي: عن عقولنا- فأمور الغيب كلها لا تستوعبها عقولنا.
أي: حينما نقيسها بالعقل فإننا لا يمكن أن نستوعبها، فمثلاً إذا كان القبر قطعة من الأرض متر في مترين، والكافر يُضرب فيها بمزربة عظيمة حتى يغوص في الأرض سبعين ذراعاً، فكيف هذا؟! إن هذه الأمور تريد قلوباً مؤمنة مسلمة تقول: يا رب سمعنا وأطعنا، وهذا هو الابتلاء في الإيمان.
وأما بالنسبة للابتلاء في البدن فهذه مسألة سهلة جداً، بل لا يوجد أسهل منها، فتُضرب وتتألم وتعلق وتكهرب، كل هذه أشياء بسيطة؛ لأنك في النهاية تخرج، ولا سلطان لأحد على قلبك، إنما لو كان هناك سلطان على قلبك فهذه هي المصيبة السوداء، فيتحول قلبك من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، أو من الثبات إلى الزعزعة والشك، فتدخل بها النار والعياذ بالله.
إنما السلطان على البدن إذا أرادوا أخذه فليأخذوه، أما القلب فلا يفرط فيه المسلم، ولذلك النبي ﷺ -وهو النبي ﵊ كان دائماً يدعو ربه بقوله: (اللهم ثبتني على الإيمان).
لأنه يعلم أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولذلك يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل.
فيأتي له واحد ويقول له: نريد منك أن تفتي في المسألة الفلانية بأنها حلال -وهي حرام- فيأتي بأدلة ونصوص ويلويها ليحلل هذه المسألة، أو يأتي بمسألة حلال فيحرمها.
مع أنه يتهيأ لي أن الشيطان لا يستطيع أن يفكر بهذه الطريقة، فيعجز أن يلوي نصوص الرحمن، وإلا حينما خاطب الله إبليس كان إبليس صريحاً في جحوده ونكرانه وكفره، بينما هؤلاء ليس عندهم صراحة، والمنافقين لم يبلغوا هذا المبلغ أيضاً.
قال: [(إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك)].
كل هذا الكلام غيب، ولهذا ابن مسعود قال: أنا مصدق للنبي ﷺ وإن لم يكن عندي علم بهذا وما يجري داخل رحم المرأة؛ لأنه ﵊ لا يتكلم إلا بالصدق، فهو صادق مصدق ﵊.
قال: [(ثم يبعث إليه الملك، ويؤمر بكتب أربع كلمات: رزقه)].
ما الذي سيأخذه؟ وما هو الشيء الذي هو من نصيبه أو ليس من نصيبه [(وعمله)].
ماذا يعمل؟ حلال أم حرام؟ قد يعمل في الشركة الفلانية، ثم ينتهي عمله فيها، ثم يعمل في شركة أخرى.
[(وأجله)].
متى يموت؟ وكم يعيش؟ بالثانية الواحدة.
[(وشقي أو سعيد)].
ولذلك الذين يقولون: نحن الآن بالتكنولوجيا قد توصلنا إلى معرفة الجنين: أذكر أم أنثى؟ نقول لهم: لا بأس بهذا الكلام، والشرع لم يمنع منه، وإنما الإسلام تحدى أن تعرف كل شيء عن الجنين.
وأيضاً: مسألة الأجهزة التي تثبت الذكورة أو الأنوثة للجنين ليست صادقة في كل ما تقول، فربما تكون صادقة في معظم ما تقول، لكن قد تخطئ أحياناً، والذي لا يخطئ قط هو الله .
ثم إذا علموا أنه ذكر أو أنثى فهل هذه الأجهزة تعلم شقاوته أو سعادته؟ هل تعرف أن هذا الجنين سيكون من أهل النار أم من أهل الجنة؟ لا تعرف.
وهل تعرف رزقه؟ أيضاً لا تعرف؛ لأن الأرزاق بيد الله لا يعرفها إلا هو، كما أنهم لا يعرفون ماذا يعمل في المستقبل؟ لكن أحياناً الطبيبة تقول: أنا أعرف البنت هذه أو الابن هذا ماذا سيعمل؟ تقول لك: إنه طبيب مثلي، فهل جرت العادة على أن أبناء الأطباء مثل آبائهم؟ من الممكن أن يعمل عملاً آخر ممتهن وحقير، ويمكن أن يفقد عقله بشرب المخدرات وغير ذلك من البلايا التي تجعل أذكى الناس أغباهم، والمخدرات تدمر خلايا المخ تماماً، فلا يحصل على الإعدادية؛ لأن شرب هذه المادة يبدأ من سنة أولى ابتدائي، ويم
стр. 777
رؤيا محمد بن يزيد الأسفاطي في حديث ابن مسعود
قال: [حدثنا محمد بن يزيد الأسفاطي قال: رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله حدثت عن عبد الله بن مسعود حيث يقول: حدثني الصادق المصدوق -أعني حديث القدر- فقال: نعم إي والله الذي لا إله إلا هو حدثت به، رحم الله عبد الله بن مسعود حيث حدث به، ورحم الله زيد بن وهب حيث حدث به، ورحم الله الأعمش حيث حدث به، ورحم الله من حدث به قبل الأعمش، ورحم الله من حدث به بعد الأعمش].
فهذه رؤيا منامية يدعو فيها النبي ﵊ لكل من حدث بهذا الحديث ابتداء من عبد الله بن مسعود -أول السند- إلى الأعمش، ثم دعا دعوة عامة لمن حدث به بعد الأعمش وقبل الأعمش.
ومعلوم أن هذه الرؤى إنما هي مبشرات لأصحابها، ولا يؤخذ منها أحكام عند أهل السنة والجماعة.
قال: [قال ابن قتيبة في كتاب (مختلف الحديث): حُكي عن أبي الهذيل العلاف].
وهو من مجرمي المبتدعة وليس مبتدعاً فحسب، بل من كبار الضُلال ورأس من رءوس المعتزلة، قد كذَّب بكل شيء، وشكك في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊، وعمل ليله ونهاره على محاربة أهل السنة في زمانه والتشكيك في المبادئ والمسلمات لديهم.
حكى عنه ابن قتيبة: [أنه لما روي له عن عبد الله بن مسعود هذا الحديث فقال: كذب عبد الله بن مسعود على رسول الله ﷺ ].
وهل لك أنت أن تكذب أحد الصحابة؟ وما هي القيمة أن تقول: رسول الله؟ إن الذي يحترم الرسول لا بد أن يحترم أصحابه، والذي يؤمن بالرسول لا بد وأن يؤمن بأصحابه، ولذا فلو أنفق أحدنا مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فالصحابة لهم قدسية أخذوها من قدسية النبي ﵊، وما أخذوا هذه القدسية إلا لشرف الصحبة.
إذاً كيف يأتي هذا ويقول: كذب عبد الله بن مسعود! بل هو الكذاب المجرم الجاحد الكافر.
ولذلك قال ابن قتيبة: [وكذب أبو الهذيل الكافر الجاحد لعنه الله].
стр. 778
حديث حذيفة بن أسيد: (إذا مضت على النطفة خمسة وأربعون)
قال: [عن عمرو سمع أبا الطفيل يقول: قال حذيفة بن أسيد: سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: (إذا مضت على النطفة خمس وأربعون ليلة يقول الملك: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقول الله -أي: فيقول الله: شقي أو سعيد- فيكتبانه فيقول الملك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله ويكتب الملك.
ويقول: عمله وأجله؟ فيقضي الله ويكتب الملك ثم يطوي الصحيفة فلا يزاد فيها ولا يُنقص منها)، أخرجه مسلم].
وقد اختلف أهل العلم في السن التي يؤمر فيها الملك بكتب الرزق والأجل والعمل والشقاوة والسعادة، وهي اللحظة التي يؤمر الملك فيها بنفخ الروح، والراجح من أقوال أهل العلم: أن الروح لا تنفخ بعد مائة وعشرين يوماً، وإنما تنفخ بعد أربعين ليلة.
وقيل: بعد خمس وأربعين ليلة.
وينبني على هذا الكلام: أن الإجهاض حرام بعد الأربعين ليلة، وقبلها جائز، لكن قد تأتيك امرأة تستفتيك وتقول: والله أنا صحتي تعبانة، وعندي كثير من الأولاد، ولا أستطيع تربيتهم، فهل يجوز لي الإجهاض؟
الجواب
لا.
لأن هذه ليست أعذاراً، والطبيبة أو الطبيب الحاذق المسلم الورع هو الذي يقرر أن هذا الحمل يضر بهذه المرأة، أو يقتلها، أو غير ذلك من الأضرار الجسيمة التي لا قِبل للمرأة بها، وعند ذلك يجوز للمرأة أن تسقط جنينها، أما بعد الأربعين فقد سمعت شيخنا الإمام العلم المبجل الشيخ ابن عثيمين يقول: لو ماتت المرأة لا تُسقِط جنينها وإن كانت صاحبة عذر بعد الأربعين.
أي: أنها وإن كانت صاحبة عذر فلا يجوز لها؛ لأن من يقول بهذا الرأي -وهو الصواب- يأخذ المسألة من جانبين: الأول: أن الأربعين حد بين الحلال والحرام، والعذر في الإجهاض، وهو كذلك حد بين جواز الإجهاض وعدمه، فإذا بلغ الجنين في بطن المرأة أربعين يوماً، وكانت صاحبة عذر فلا يحل لها الإجهاض، أما إذا لم يبلغ وكانت صاحبة عذر فيحل لها الإجهاض، وإذا لم تبلغ الأربعين ولم يكن لديها عذر فلا يحل لها ولو كان الجنين ابن يوم واحد.
стр. 779
حديث ابن مسعود: (الشقي من شقي في بطن أمه)
قال: [عن ابن جريج قال: حدثني أبو الزبير عن أبي الطفيل: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره].
وانظر إلى هذا الكلام الجميل! إذ هو فهم للقدر، وهل هذا ظلم أم عدل؟ أنت تشك في أن هذا عدل؛ لأنه لو كان عدلاً مستقراً عندكم لقلتم: عدل.
وليس هناك شيء اسمه ظلم؛ لأن الله تعالى لا يظلم الناس مثقال ذرة.
إذاً: فلماذا قلنا: إنه عدل؟
الجواب
لأنه سبحانه علِم ما سيعملون وما إليه يصيرون فكتبه عليهم.
وعلة أخرى: الميثاق الذي أخذه الله على العباد وهم في عالم الذر، فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.
أي: أنهم شهدوا الله بالربوبية والوحدانية، ولذا عندما أدخلهم الله صلب آدم مرة أخرى، وكانوا بعد ذلك على هيئة البشر، نسوا ذلك؛ لأن الميثاق قد أُخذ عليهم من يوم أن خلق الله تعالى آدم وأخرجنا من صلبه كالذر، فنحن لا نذكر هذا الميثاق، وحجتنا أننا لا نذكر هذا الميثاق، فهل هذه الحجة تنفع بين يدي الله؟ لا.
لأن الله أرسل لنا الرسل ليذكرونا بهذا الميثاق، وأنزل الكتب أيضاً لتذكرنا بالميثاق الأول، وعليه فليس لنا حجة بعد ذلك.
لكن قد يقول قائل: إذا كان الإنسان مجنوناً فما ذنبه؟ نقول: هذا لا يحاسبه الله؛ لأنه غير مكلف، والقلم مرفوع عنه.
[قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه].
أي: أن الشقاوة والسعادة معلومة أزلاً لله ، وأن هذا العبد بعد استنفاد الحجج معه سيختار طريق الشقاء، فالله تعالى يكتبه شقياً قبل أن يخلقه.
قال: [والسعيد من وعظ بغيره].
ولذلك حينما يفكر أحدنا بالسرقة ثم يفكر أن الحد يقام على سارق أمام الجميع، وأن هذا المشهد سيأتي على التلفزيون، والأمة كلها تراه، فإن مليوناً من السرق سيفكر في هذا الموقف قبل السرقة، وعليه فسيكون سعيداً؛ لأنه قد وعظ بغيره، حيث أنه كان يفكر في الشقاء، فحينما رأى نتيجة الشقاء قال: كيف أسرق ربع دينار وأفقد ذراعي؟! فأنا سأذهب لأشتغل وآتي بهذا الربع الدينار، بل وآتي بألف دينار، وهنا يكون قد وعظ بغيره، وهذا باب من أبواب السعادة.
إذاً علم الله أزلاً أنه سيتعظ بغيره، فكتب أنه من أهل السعادة.
[قال: قلت: خزياً للشيطان أيسعد ويشقى قبل أن يعمل؟ قال: فأتى حذيفة بن أسيد فأخبره بما قال ابن مسعود.
قال: أفلا أخبرك بما سمعت من النبي ﵊؟ قال: بلى.
قال: سمعته يقول: (إذا استقرت النطفة في الرحم اثنين وأربعين صباحاً نزل ملك الأرحام فخلق عظمها ولحمها وسمعها وبصرها، ثم قال: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك بالصحيفة، وما زاد ولا نقص)].
أي: دون زيادة ولا نقصان.
стр. 780
حديث أبي هريرة: (السعيد من سعد في بطن أمه)
قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه)].
وهذا الحديث ضعيف، لكن النصوص الأخرى تشهد بصحته.
стр. 781
روايات في إثبات أن العباد ميسرون لما خلقوا له
стр. 782
حديث علي: (ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار)
قال: [عن علي ﵁ قال: (كان رسول الله ﵊ في جنازة فأخذ شيئاً فجعل ينكت به في الأرض -أي: أنه أخذ عصا أو شيئاً فظل يضرب به الأرض- ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة -أي: أن هذه المسألة محسومة قديماً- فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ -أي: لماذا العمل؟ لا بد أن تعمل؛ لأنك لا تدري أمن أهل الشقاوة أنت أم من أهل السعادة؟ - فقال: لا اعملوا فكل ميسر لما خُلق له -أي: من خلق من أهل السعادة فبعمل أهل السعادة يعمل، ومن خُلق للشقاء فبعمل أهل الشقاء يعمل- قال: أما ما كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما ما كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠])، أخرجه البخاري عن آدم ومسلم من حديث شعبة].
قال: [عن علي بن أبي طالب ﵁: (خرجنا مع النبي ﵊ فانتهينا إلى بقيع الغرقد -أي: حتى وصلنا إلى البقيع- فقعد النبي ﵊، ثم قعدنا حوله، وأخذ عوداً فنكت به في الأرض، ثم رفع رأسه فقال: ما منكم من أحد من نفس منفوسة إلا وقد عُلم مكانها من الجنة أو النار، شقية أو سعيدة.
فقال رجل: يا رسول الله ألا ندع العمل ونقبل على كتابنا، فمن كان منا من أهل السعادة صار إليها، ومن كان منا من أهل الشقاوة صار إلى الشقوة؟ فقال ﵊: اعملوا فكل ميسر، فمن كان من أهل الشقوة يُسر لعملها، ومن كان من أهل السعادة يُسر لعملها، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل:٥])] إلى آخر السورة.
стр. 783
حديث ابن عمر: (علام نعمل ؟)
قال: [عن عبد الله بن عمر قال: نزل: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥]-فقال عمر: (يا نبي الله! علام نعمل على أمر قد فُرغ منه أم لم يُفرغ منه؟ -أي: هل نحن نعمل شيئاًَ جديداً الآن الله يعلمه وكتبه علينا قبل ذلك، أم شيئاً في المستقبل؟ - قال: لا.
على أمر قد فُرغ منه وجرى به القلم -أي: شيء مكتوب قديماً- ولكن كل امرئ ميسر، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [الليل:٥])].
стр. 784
حديث عمران بن حصين في معرفة أهل الجنة من أهل النار
قال: [عن عمران بن الحصين أن النبي ﵊ سُئل أو قيل: (أيُعرف أهل الجنة من أهل النار؟ فقال: نعم.
قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: نعم كل ميسر لما خُلق له).
أخرجه البخاري ومسلم].
стр. 785
حديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)
قال: [عن سراقة قال: قلت: (يا نبي الله! خبرنا عن ديننا كأننا ننظر إليه.
قال: فيما جرت به الأقلام وثبتت به المقادير يعملون؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) أخرجه مسلم].
стр. 786
حديث: (إن الله تعالى خلق للجنة أهلاً)
قال: [عن عائشة أم المؤمنين قالت: (دُعي رسول الله ﵊ إلى جنازة غلام من الأنصار.
فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يدركه السوء ولم يعمله -لأنه غلام صغير لم يبلغ الحلم، ولم يجري عليه القلم- قال: أوغير ذلك؟)].
لأنها قالت: طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، ولذلك حينما سُئل النبي ﵊ عن الأطفال؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).
وفي رواية أنه سئل عن أطفال المشركين فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).
ومذهب جماهير أهل السنة: أن أطفال المشركين في الجنة، وإجماعهم على أن أطفال المسلمين في الجنة.
وقال بعض أهل العلم: إن الله تعالى يختبر ويبتلي أطفال المشركين يوم القيامة، فإذا عملوا صالحاً وقالوا صواباً أدخلهم الجنة، وإذا قالوا غير ذلك أدخلهم النار.
والفريق الثالث توقف في أطفال المشركين، ولم يقل فيهم خيراً ولا شراً.
فـ عائشة ﵂ حينما شهدت بأن هذا الغلام من عصافير الجنة فطوبى له قال النبي ﷺ : [(أوغير ذلك؟ إن الله تعالى خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً وهم في أصلاب آبائهم)] ولذلك حينما يسمع أحدنا هذا الحديث فإنه لا يطمئن أبداً.
فهذا أبو بكر الصديق أحد المبشرين بالجنة يقول: لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله.
وهذا عمر بن الخطاب يقول: لو نودي في المحشر: كل الناس يدخلون الجنة إلا واحداً لظننت أنني هو.
فلا يأمن أحد من مكر الله .
стр. 787
حديث كفر الغلام الذي قتله الخضر ﵇
قال: [عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : (الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً)].
ألم ينكر عليه موسى حينما قتل الخضر الغلام فقال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤]؟ أي: أمراً منكراً الذي أتيت به.
وفي هذا الحديث سلوى لمن كان عنده أو عند امرأته عقم، فيشقى بالليل والنهار لأجل الولد، ويقول: إن الأطباء جميعاً قد قرروا أنه ليس هناك إنجاب، وأيضاً عنده أمل ويسعى، وإن كان يذهب ليشحت ويسرق ويستدين ليعمل عمليات هو يعلم أنه لا فائدة من ورائها، لكنه يعمل هذا كله رجاء في الإنجاب، وفي النهاية تنجب الزوجة ولد طاغية وعاص لله، فيقول: يا ليتني لم أسع، يا ليتني لم أذهب ولم أرجع، ويكره الأولاد ويكره الذرية والحياة بسبب هذا الولد، لذا كانت تربية الأولاد من أصعب الصعوبات، فهي مهمة الأنبياء.
أي: أن التربية مهمة الأنبياء جميعاً، فعندما يكون لديك ولد من حُفاظ القرآن وحفاظ السنة وحريص على الصلوات في جماعة، ومؤدب معك ومع أمه وجيرانه والناس أجمعين، فما أسعدك به، لكن حينما يكون عندك ولد كل خطوة بمشكلة ومصيبة فأنت ستكره الأولاد وتكره عيشتهم السوداء، والواحد دائماً يتمنى الولد الصالح الذي يسعد به في الدنيا والآخرة، ولا يتمنى الولد العاصي.
стр. 788
حديث اعتذار الهالك في الفترة والمعتوه والمولود
قال: [عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: (الهالك في الفترة والمعتوه والمولود يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [طه:١٣٤]).
ويقول المعتوه: لم يجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً.
ويقول المولود: لم أدرك الحلم -أي: أن كلاً منهم عنده عذره وعلته، وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً، لكن الشواهد في الشرع تشهد به- فترفع لهم نار فيقال: اوردوها أو ادخلوها.
قال: فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل.
قال: ويمسك عنها من كان في علمه شقياً لو أدرك العلم.
قال: فيقول: إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب أتتكم؟)].
وهذا الحديث ضعيف.
نتوقف هنا؛ لأن هذا الباب فيه أدلة كثيرة، وأدلة إثبات الإيمان بالقدر أدلة ممتعة جداً، وهي مئات الأدلة من كتاب الله وسنة النبي ﵊.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على النبي محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 789
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - أقوال الصحابة في إثبات القدر [١]
الإيمان بالقدر وما يتضمنه من مراتب من جملة أركان الإيمان التي لا يتم الإيمان بدونها، وقد امتلأت كتب الآثار بكلام الصحابة في إثبات القدر، ونكيرهم على الجبرية والقدرية الذين زاغوا عن الهدى القويم، والصراط المستقيم.
стр. 790
مراتب الإيمان بالقدر
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
لا زال الكلام موصولاً عن القدر، والقدر هو سر الله تعالى في الكون، وحكمته من خلق الخلق، ومراتب القدر أربع قد تكلمنا عنها، وقلنا: إن أول مرتبة هي مرتبة العلم.
أي: أن الله ﵎ علم أزلاً ما العباد عاملون، وما هم إليه صائرون، فلما كان ذلك كتبه الله ﵎ في اللوح المحفوظ الذي لا يقبل المحو ولا الإثبات، ثم قدر ذلك وشاءه لعباده، فشاء لهم الطاعة وشاء لهم البر والخير مشيئة شرعية دينية، محلها ومناطها الرضا، وشاء الله ﵎ الكفر والكبائر وسائر المعاصي، بمعنى أنه أذن في وجودها في الكون، وأذن الله تعالى في خلقها لا أنه يحبها ويرضاها، بل حذر منها ونهى عنها ورتب عليها العقوبات، ولأجلها أرسل الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ومنحك العقل، حتى يهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة.
والمرتبة الرابعة: هي مرتبة الخلق.
فأفعال العباد جميعاً مخلوقة لله .
بمعنى: أنه أذن في وجودها خيرها وشرها، فالخير والشر من الله ، كما دل على ذلك تلك الآيات الكثيرة التي سقناها في دروس مضت، ثم أقواله ﵊ وأحاديثه التي مضت في دروسنا أيضاً لإثبات أن الخير والشر من عند الله ، مع أنه لا يرضى الشر، ولكنه أذن في وجوده ووقوعه، وأذن في خلقه؛ لأن الله تعالى علم أن العبد سيختار طريق المعصية فكتب ذلك عليه، لا أنه سبحانه يرضى المعاصي.
стр. 791
أقوال الصحابة في إثبات القدر وأن الخير والشر من عند الله
وها نحن اليوم مع الأدلة من أقوال الصحابة ﵃ في إثبات أن الخير والشر من عند الله ، ولا يجوز لأحد أن يقول: إذا كان الخير والشر من عند الله فلِم يعاقبنا عليه؟ لأنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية إلا بشرط التوبة منها.
ولذلك إذا كانت المعاصي من قدر الله فإن العقوبات كذلك من قدر الله، فهل ترضى أن تُقطع يدك؟ سيكون الجواب حتماً: لا.
لأنه لا أحد يرضى بذلك، فإذا كنت لا ترضى بقطع يدك فلِم مددتها للسرقة؟ لِم أطلقت ليدك العنان أن تأخذ أموال الناس من أحرازها؟ فإذا كانت المعاصي من قدر الله وهي كذلك، فلا بد أن هذه العقوبات هي كذلك من قدر الله، فلا بد لكل إنسان ذكي عاقل قبل أن يفكر في الذنب أن يفكر في عقوبته، وأن الذنب وعقوبته المترتبة عليه إنما هما بقدر الله .
وأقوال الصحابة في إثبات أن الخير والشر من عند الله كثيرة جداً لا تكاد تحصى، بل لم يأتنا نص واحد عن صاحب من أصحاب النبي ﵊ يبين أن الخير من عند الله وأن الشر من عند الناس؛ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا أنه لا يكون في ملك الله إلا ما أراد وقدر، فإذا كان هذا الأمر محل إجماع الصحابة ﵃ فكفى به إجماعاً، بل كفى به دليلاً، فلو لم يأت في كتاب الله آية واحدة ولا في سنة النبي ﵊ حديث واحد لكفى إجماع الصحابة ﵃ على أن الخير والشر من عند الله .
تصور أمر يُجمع عليه جميع الأصحاب ولم يأتنا مخالف لهم، بل لم يأتنا مخالف لهم حتى ممن أتى بعدهم من أهل السنة والجماعة وممن نهج منهج أهل السنة، فكيف يكون هذا الأمر محل نزاع أو محل خصومة؟
стр. 792
قول أبي بكر ﵁ في إثبات القدر
هذا أبو بكر الصديق ﵁ قال: [خلق الله الخلق فكانوا في قبضته -أي: في قبضة الله فقال لمن في يمينه: ادخلوا الجنة بسلام، وقال لمن في يده الأخرى -وهي اليمين كذلك؛ لأن كلتا يديه يمين ، أما الحديث الذي ورد بإثبات الشمال لله حديث شاذ كما ذكرنا ذلك بالتفصيل آنفاً- ادخلوا النار ولا أبالي فذهبت إلى يوم القيامة].
أي: هذا كائن إلى يوم القيامة.
معنى ذلك: أن الله تعالى علم أهل الجنة سلفاً وأزلاً، وعلم أهل النار أزلاً، بل قبل أن يخلقهم علم أهل الجنة وأهل النار.
قال: [عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى أبي بكر ﵁ فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال أبو بكر: نعم.
قال: فإن الله قدره علي ثم يعذبني؟ -يُنكر ذلك.
أي: إذا كان الله تعالى هو الذي قدر علي الزنا فكيف يعذبني- قال أبو بكر: نعم يا ابن الخنا] يزجره؛ لأنه تكلم في القدر بكلام عجيب لم يرد عن سلف هذه الأمة.
[قال: نعم.
يا ابن الخنا] أي: يا ابن الفواحش [أما والله لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك].
أي: أن يقطع أنفك.
стр. 793
قول عمر بن الخطاب ﵁ في إثبات القدر
عن أبي عثمان النهدي ﵀ -وهو من سادات التابعين، مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام- قال: [سمعت عمر بن الخطاب وهو يطوف بالبيت يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعادة فأثبتني فيها -أي: إذا كنت كتبتني من أهل السعادة- فهو يرجو ربه أن يثبت على أهل السعادة وأن يبقى فيهم حتى يلقى الله وإن كنت كتبتني في الشقوة -أي: من أهل الشقاء والتعاسة- فامحني منها وأثبتني في السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب] وتكلمنا أن أم الكتاب لا تقبل المحو ولا الإثبات، أما الصحف التي بأيدي الملائكة فهي التي تقبل المحو والإثبات.
стр. 794
قول علي بن أبي طالب ﵁ في إثبات القدر
قال: [عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ذُكر عنده القدر يوماً -أي: عند علي بن أبي طالب ذكر قوم القدر- فأدخل أصبعيه السبابة والوسطى في فيه فرقم بهما على باطن يده، فقال: أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب].
أي: أن هذا قد علمه الله تعالى أزلاً.
أي: حينما أدخل السبابة والوسطى في فمه فبلهما بريقه ولعابه فختم بهما باطن كفه قال: هذا الختم والله قد علمه الله تعالى قبل أن يخلق الخلق فكيف لا يعلم سبحانه وقوع الخير والشر من العباد؟ [عن علي قال: إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه -أي: لن يستقر الإيمان في قلبه- حتى يستقر يقيناً غير ظن أنه ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويقر بالقدر كله] خيره وشره.
فمسألة القدر تعلقها بالإيمان تعلق عظيم جداً: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر).
لأن القدر أمر عجيب جداً، إذ ليس لك أمام القدر إلا التسليم والإيمان والإذعان، فلو قلت: لِم فعل كذا؟ ولِم قال كذا؟ فإنك ستضل كما ضل من قبلك.
стр. 795
قول عبد الله بن مسعود ﵁ في إثبات القدر
قال: [عن عبد الله يعني: ابن مسعود قال: أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإن الشقي من شقي في بطن أمه]، أي: من كتب الله تعالى عليه الشقاء قبل أن يخلقه.
وهل هذا من الظلم؟ الجواب لا.
لأن الظلم نقص لا يليق إلا بالعباد، والله تعالى منزه عن كل نقص، فإن الله تعالى لا يظلم الناس مثقال ذرة.
إذاً: فلِم كتب الله تعالى هذا العبد من أهل الشقاء وهو في بطن أمه.
وهو لم يعمل خيراً ولم يقم على الشر، بل لم يولد بعد، فلم كتبه الله تعالى من أهل الشقاء؟
الجواب
لأن الله تعالى علم أزلاً قبل أن يخلق الخلق أن من عباده فلان ابن فلان سيميل إلى الشر مع بيان الشر والخير ووضوحهما له تمام الوضوح، ولكن العبد سيختار طريق الشر، ولذلك العبد له اختيار لأعماله، وليس معنى: أن الله تعالى كتب عليه الشر أنه جعله مقهوراً مجبوراً أن يقع في الشر.
لا، فالله تعالى حينما علم أنه سيعمل الشر ويميل إليه ويترك الخير مع معرفته إياه كتب ذلك في اللوح المحفوظ: أن عبده فلان سيعمل بالشر.
وهكذا أعطانا الله ﵎ كل البينات والحجج، فلم يبق لنا بين يدي الله معذرة، بعد أن بين الله لنا طريق الجنة وطريق النار، لو سألناك عن أي عمل تعمله أو لا تعمله: هل هذا يؤدي إلى الجنة أم إلى النار؟ لو سألناك عن الصلاة لقلت: تؤدي إلى الجنة.
فلم تتركها؟ لو سألناك عن الزنا لقلت: يؤدي إلى النار.
فلم تأتيه؟ لماذا تدع الطاعة وتُقبل على المعصية، وأنت تعلم علماً يقينياً أن مآل الصلاة الجنة، ومآل الزنا النار، ومع هذا تخالف ما تعلمه من دينك يقيناً؟ علمت ذلك من الكتب التي أنزلها الله عن طريق رسله، والله تعالى جعلك مكلفاً بالغاً عاقلاً مميزاً، فأين حجتك التي تحتج بها أمام الله ؟ هل ستقول: لماذا يا رب! قدرت هذا علي؟ إذا كان الله قدر عليك الزنا فقدر عليك كذلك الرجم أو الجلد، فهل ترضى أن تُرجم أو تُجلد؟
الجواب
لا، لا أحد يرضى بذلك أبداً، فلم رضيت بشيء أدى بك إلى إيقاع هذه العقوبة ببدنك؟ ولذلك نحن لو أتيناك بطريقين يؤديان إلى غرض واحد، أحدهما قد امتلأ شوكاً والآخر ممهد ملطف، وقلنا لك: اسلك أحد الطريقين فإنهما جميعاً يؤديان إلى غرضك، فأي الطريق ستسلك؟ لا شك أن ستسلك الطريق الممهد، فلِم تختار طريق الشوك الذي يؤدي بك إلى النار؟ قال: [فإن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره].
أي: علم الله تعالى أن عبده سيختار طريق النار، فحينما علم ذلك من عبده قدره عليه، وأراده له إرادة كونية قدرية لا شرعية دينية.
[عن عبد الله قال: لأن أعض على جمرة وأقبض عليها حتى تبرد في يدي أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يكن].
[عن الحارث قال: سمعت ابن مسعود يقول وهو يدخل أصبعه في فيه قال: لا والله لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر].
وكأن الإيمان شيء محسوس له طعم، كما قال ﵊: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً) فهنا صور النبي ﵊ الإيمان بالشيء الذي يؤكل أو يُشرب وله مذاق جميل، لكن لا يتذوق الإيمان على هذا النحو إلا رجل آمن بالقدر.
[ويقر ويعلم أنه ميت، وأنه مبعوث من بعد الموت].
[عن ابن مسعود قال: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى يتيسر له نظر الله من فوق سبع سماوات فيقول للملائكة: اصرفوا عنه] أي: أن العبد يأتي عملاً من أعمال الدنيا، والله ﵎ ينظر له من فوق سبع سماوات، وربما يكون في هذا العمل شر للعبد، فإن الله تعالى يأمر ملائكته أن يصرفوا عبده عن الإتيان لهذا الفعل.
قال: [فإني إن يسرته له أدخلته النار -أي: بسبب هذا الفعل- فيصرفه الله ] أي: فيصرف العبد عن إتيان هذا العمل.
стр. 796
قول عبد الله بن عباس ﵄ في إثبات القدر
عن ابن عباس ﵁ قال: [العجز والكيس بقدر].
وهذا كلام النبي ﵊، فيصح مرفوعاً وموقوفاً.
[عن ابن عباس قال: لو أخذت رجلاً من هؤلاء الذين يقولون: لا قدر، لأخذت برأسه وقلت: لولا ولولا].
أي: أن ابن عباس تمنى أن يقتله قتلاً؛ لأنه ينكر القدر.
قال: [عن مجاهد قال: قيل لـ ابن عباس: [إن ناساً يقولون في القدر].
أي: هناك ناس تكلموا في القدر، وهذا الأمر كان منكراً جداً لدى الصحابة، فلم يكن يتكلم أحد في القدر، فلما تكلم الناس في القدر أنكر ذلك ابن عباس، بل الصحابة كـ ابن عمر وغيرهم أشد الإنكار.
قال: [يُكذبون بالكتاب؟].
لأن الكتاب أثبت القدر خيره وشره، فالذين تكلموا في القدر بعد كتاب الله وبعد سنة النبي ﷺ ماذا يريدون؟ وماذا يقولون؟ قال: [يُكذبون بالكتاب، لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه -أي: لآخذن بناصيته- إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، فخلق القلم فأمره أن يكتب فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة].
قوله: (كتب ما هو كائن) أي: قبل أن يخلق الخلق؛ لأن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب.
فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء كائن إلى يوم القيامة، وكان آدم لم يُخلق بعد؛ لأن المقطوع به عند علماء المسلمين أن القلم مخلوق قبل آدم، والقلم جرى بما هو كائن وبما عليه العباد إلى يوم القيامة، وهذا يدل على علم الله الأزلي.
قال: [فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فُرغ منه].
أي: على أمر قد علمه الله تعالى أزلاً، فكتبه على العباد وقدره عليهم، وشاءه لهم، وأذن في خلقه وإيجاده ووقوعه، ومنه ما أراده إرادة شرعية دينية مبناها الرضا وهي اتباع الشرع في باب الأوامر، وأما في باب النواهي فإن العبد لو انتهى بما نهاه الله تعالى ورسوله عنه فهذا أيضاً من الإرادة الشرعية الدينية، وإذا وقع فيما نهاه الله عنه فإنما يقع فيها بقدر من الله ، لكن لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي.
قال: [عن ابن عباس قال: القدر نظام التوحيد -القدر هو التوحيد- فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضاً للتوحيد].
وهذا تفسير لقوله ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر) ابن عباس يقول: القدر نظام التوحيد.
أي: أنه أساس التوحيد ومحل الابتلاء والاختبار فيه، فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء والقدر نقضاً للتوحيد.
[ومن وحد الله وآمن بالقدر فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها].
و [عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس! أرأيت من صدني عن الهدى، وأوردني الضلالة والردى، ألا تراه قد ظلمني؟] فهذا السؤال من جهة العقل له وجه، لكن الدين لا يثبت بالعقل وإنما يثبت بالنقل.
يقول له: أليست الهداية والإضلال بيد الله ؟ ما تقول فيمن صدني وردني وأضلني وأوردني الهلاك والردى والضلالة، ألا يكون قد ظلمني؟ إذاً فمن الذي بيده الضلالة؟ الله ، والسؤال هذا يطرأ على أذهان الجميع إلا من رحم الله من أهل العلم.
وانظر إلى ابن عباس ماذا قال له؟ قال: [إن كان الهدى كان شيئاً لك عنده فمنعكه -أي الله منعك إياه- فقد ظلمك].
فـ ابن عباس قرب له المسألة من جهة العقل، وإلا فالأصل في هذا المثل ألا يُضرب، لكنه يريد أن يقرب له المعنى في مقابلة سؤاله الذي لا يجوز طرحه.
قال: [إن كان الهدى كان شيئاً لك عنده فمنعكه فقد ظلمك، وإن كان هو له -أي: ملكه يؤتيه من يشاء فلم يظلمك.
قم لا تجالسني].
أرأيتم إلى مسائل القضاء؟ تحتاج إلى قلوب واعية جداً، وأفهام نيرة، وقلوب لا تملك إلا الخضوع والذل لله ، يهدي من يشاء ويضل من يشاء .
فليس لك بعد أن علمت أن الهداية والضلال بيد الله إلا أن تتعلق بحبال الطاعة، ليس لك إلا ذلك، ترجو ثواب الله وتهرب من عقابه.
فلو أنك علمت أن الله تعالى يسوق الرزق إليك عن طريق فلان من الخلق لتملقت له أشد التملق، فلماذا لا تتملق لله فهو الأولى بذلك؟ قال: [عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الهدهد يدل سليمان على الماء -مع أن الهدهد هذا طائر ضعيف- فقلت له: كيف ذاك يا إمام! والهدهد يُنصب له الفخ عليه التراب؟].
الصبيان ينصبوا الفخ للهدهد عليه التراب، حتى يأتي الهدهد فيقع فيه؟ أي أنه طائر غبي لا يعرف شيئاً، فكيف ينقر في الأرض وينقب فيها حتى يخرج الماء لسليمان ويدله على أن هذا المكان فيه ماء وأن هذا المكان ليس فيه ماء؟ [فقال -أي: ابن عباس - ألم يكن إذا جاء القضاء ذهب البصر؟] إذا قدر الله شيئاً
стр. 797
أقوال ابن عمر والحسن بن علي وعمرو بن العاص ﵃ في إثبات القدر
قال: [عن يحيى بن يعمر قال: قلت لـ ابن عمر: إنا نسافر فنلقى قوماً يقولون: لا قدر، وأن الأمر أنف -أي أن الله لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع- قال -أي: ابن عمر - إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء وهم منه براء، ثلاث مرات] قال ذلك.
وبذلك قال أبي بن كعب وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت وحذيفة بن اليمان.
وقال الحسن بن علي بن أبي طالب وهو صحابي صغير: [قضي القضاء -أي: قضى الله تعالى القضاء- وجف القلم، وأمور بقضاء في كتاب قد خلا].
يعني: أمور قد قضى الله تعالى أن تكون، وكتبها في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق.
[قال عمرو بن العاص: انتهى عجبي إلى ثلاث -أي: إلى ثلاثة أمور-: المرء يفر من القدر وهو لاقيه] المرء يفر من شيء قدر له وهو ملاقيه، فقد تتوقع وجود الشر هنا فتفر منه، فإذا بك تجد الشر ينتظرك على ناصية الطريق الآخر الذي هربت إليه.
إذاً: إيماننا بالقضاء يعلمنا حسن التوكل على الله .
[قال عمرو بن العاص: انتهى عجبي إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه -وهذه واحدة- ويرى في أعين أخيه القذى فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبها].
وهذا معنى الحديث المرفوع إلى النبي ﵊ يقول: (يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه) الواحد منا ينظر إلى الناس فيرى عيوبهم مهما دقت وجلت وصغرت، فيستعظمها جداً، ويرى أنه صاحب طاعة، وفيه من العيوب ما ليس في الآخرين، ولكنه لا يُبصر عيوبه وربما لا يرضى بالنصيحة أن توجه إليه؛ وذلك لأنه يرى نفسه أعلى من كل أحد، وأنه قد خلا عن كل مفسدة، فهو يرى في نفسه أنه صاحب طاعة، والآخرين أصحاب معصية، عبد هذه نظرته لا يُرجى خيره قط، فالذي يُرجى خيره أن يكون في عين نفسه حقيراً وفي أعين الناس كبيراً.
الثالثة: [ويكون في دابته الصعر ويقومها جهده، ويكون في نفسه الصعر فلا يقومها].
الصعر: آفة تصيب الحيوانات، فهو إذا أصابت دابته علة وآفة قام بإصلاحها، كأن تكون لديك سيارة إذا اشتكت أي شكوى قمت بإصلاحها من باب الأمان، فمهما كان عيبها صغيراً حقيراً لا بد من أخذ الاستعداد والأهبة لهذا الطريق الطويل، فبينما أنت على هذه الحال نسيت أنك قد امتلأت غشاً وحسداً وبغضاً وضغينة وخيانة وغير ذلك من البلايا القلبية وغير القلبية، ومع هذا لا تُراعي في نفسك إصلاح هذه العيوب.
стр. 798
قول عبد الله بن عمرو بن العاص في إثبات القدر
قال: [عن عبد الله بن الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو في حائط له -أي: بستان أو مزرعة- بالطائف.
قال: ومعه فتى من قريش يزن بشرب الخمر -أي: يعاب عليه أنه يشرب الخمر- فقلت له: بلغني عنك حديث: (أنه من شرب شربة خمر لم يقبل الله توبته أربعين صباحاً، وإن الشقي من شقي في بطن أمه)] قال: نعم.
يقر ذلك.
محل الشاهد قوله: (وإن الشقي من شقي في بطن أمه) وأنتم تعلمون حديث عبد الله بن مسعود عن الصادق المصدوق، إذا بلغ أربعين يوماً، فمذهب الجمهور: أن الروح تنفخ بعد مائة وعشرين يوماً، ولكن الراجح عند المحققين: أنها تنفخ بعد الأربعين، ويؤمر الملك الموكل بكتابة أربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، مع أنه ما زال في بطن أمه، ولكنه يُكتب: هل هو من أهل الشقاء أم من أهل السعادة، فهل في هذا شيء من الظلم؟ لا.
стр. 799
قول أبي الدرداء ﵁ في إثبات القدر
قال: [عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذروة الإيمان أربع:] أربعة أشياء هي قمة الإيمان التي تدل على أن صاحبها قد حقق الإيمان الكامل في قلبه وجوارحه.
قال: [الصبر للحكم] والحكم هذا من أثقل الأشياء، فأنت إذا كانت لك الصولة والجولة وكان لك الحق في مسألة لطرت بها في الآفاق؛ لتثبت للناس أنك صاحب حق، ولو كنت مخطئاً تعلم ذلك من نفسك لخنست فلا تريد أن يعرف أحد عنك ذلك، ولو قضي عليك بالحق لكرهت ذلك، وتتمنى أن يخفى الحق أو يلتبس على الحكم فيحكم لك، مع أنك تعلم أنك مخطئ، والحُكم هو من خصائص الله ؛ ولذلك قال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] فليس الحكم إلا لله .
ولذلك قال الشافعي عليه رحمة الله: من شرع فاستحسن فقد كفر.
لأن التشريع حق لله ، ولرسوله الكريم ﵊، ولا يجوز لأحد من الأمة بأسرها أن يشرع أو أن يأتي بشيء من عند نفسه بين يدي الله ، وإلا فإنه محاد لله ورسوله مضاد لشرعه، بل كافر بشرع الله .
فالحكم لله لا لأحد غيره، ولذلك لا يرضى به ولا يحقق مراد الله في هذا الباب إلا رجل قد اكتمل إيمانه.
وأنتم تعلمون على الساحة العالمية في كثير من العصور المتأخرة أن الناس قبل أن يجلسوا على كراسيهم يظنون أنهم يحكمون بشرع الله، فإذا ما جلسوا على هذه الكراسي المزيفة حكموا بآرائهم وأهوائهم ووثائقهم كما حكم التتار بتلك الوثائق المخترعة، فالحكم ثقيل جداً ولا تقوى على حمله إلا قلوب قد امتلأت إيماناً.
ولذلك قال أبو الدرداء: [ذروة الإيمان أربع: الصبر للحكم، والرضا بالقدر].
وهناك فرق يا إخواني! بين من يصبر على القدر وبين من يرضى بالقدر.
يقول علماء التصوف: إن البلاء إذا نزل بالعبد فصبر عليه فعمله عمل صغار القوم، أما كبار القوم فإنهم يرضون به ويفرحون.
فحينما تمرض وتعلم أن هذا المرض هو من قدر الله فتصبر على ذلك، فهذا بلا شك أجر عظيم جداً وإيمان بالقضاء والقدر، لكن أعلى من ذلك أنك ترضى وتفرح بما آتاك الله ، وابن تيمية عليه رحمة الله لما سجنوه علم أنهم ليس لهم سلطان إلا على البدن، وسلطانهم أيضاً مقيد بقدر الله ، فكان يقول: فماذا يفعل أعدائي بي؟ إن سجنوني فسجني خلوة، وإن نفوني فنفيي سياحة.
وهل هناك أفضل من الخلوة للذكر والتسبيح والتهليل وقراءة القرآن والصلاة وقيام الليل وغير ذلك؟ فالذي لا يستطيع أن يفعله في خارج السجن يفعله داخله، ولذلك فإن الذين هم بداخل السجون في نعيم نحن لسنا فيه، فنحن مشغولون بدنيانا، أما من كان بالداخل فهو أرق فؤاداً ممن كان بخارجه إلا من رحم الله .
ولذلك حينما أغلقوا عليه باب السجن تلا آية تغيظ الكفار والمجرمين.
قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] أتظنون أنكم في سعة من أمركم، وفي حرية؟ بل أنتم والله المسجونون، وهذه حقيقة، فالواحد فيهم يمشي بحراسة وبمدرعات ومصفحات مدججة، ومع هذا لا يشعر بالأمان، وأنت بعد أن تصلي الفجر تخرج بأي لباس كان وتمشي بحرية تامة، فلا يستطيع أن يعمل مثل عملك هذا هؤلاء المجرمون؛ لأنهم يخافون.
قال: [والرضا بالقدر، والإخلاص في التوكل، والاستسلام للرب].
هذا هو الإيمان الكامل.
стр. 800
قول سلمان الفارسي ﵁ في إثبات القدر
قال: [عن أبي الحجاج الأزدي قال: سألت سلمان: ما الإيمان بالقدر؟ فقال: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك] الذي ليس لك ولا من نصيبك لو اجتمع العالم كله في صعيد واحد أن يجلبوه لك لا يقدرون، ولا يمكن أن يكون من حظك ولا من نصيبك.
وقال أبو نعامة السعدي: [كنا عند أبي عثمان النهدي فحمدنا الله ودعوناه وذكرناه، فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحاً مني بآخره -أي: أني مطمئن وفرح ومسرور بأن الله ﵎ كتب ما أنا عامل أولاً قبل أن يخلق الخلق- فقال: ثبتك الله! كنا عند سلمان: فحمدنا الله ودعوناه -أي: دعونا الله- وذكرناه فقلت: لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحاً مني بآخره، فقال سلمان: ثبتك الله! إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار] وفي رواية: ما هو ذراري؛ وهذا حديث الميثاق الطويل الذي ذكرناه من قبل.
قال: فأخذ عليهم العهد: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.
إذاً: فقد اعترفوا بالربوبية وبالألوهية وتوحيد الرب ﵎ الذي ورد في حديث: (ما من مولود يولد إلا يولد على الفطرة).
وفي رواية: (على فطرة الإسلام -ثم يأتي بعد ذلك النجس والخبث- فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه).
وفي رواية مسلم: (ويشركانه) أي: ويجعلانه مشركاً.
قال: [إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذارٍ إلى يوم القيامة، فكتب الآجال والأرزاق والأعمال والشقوة والسعادة، فمن علم الله تعالى أنه من أهل السعادة فعل الخير ومجالس الخير -أي: وفقه ويسر له هذا- ومن علم الله فيه الشقاوة يسره لعمل أهل الشقاوة ففعل الشر وجلس مجالس الشر].
стр. 801
قول جابر بن عبد الله ﵁ في إثبات القدر
قال: [عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر كله خيره وشره].
المسألة مهمة جداً، أي أن تؤمن بأن كل شيء من خير وشر إنما هو من عند الله .
[ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه].
стр. 802
قول عائشة ﵂ في إثبات القدر
قال: [عن عائشة قالت: إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة، وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار].
ولذلك أنت تقول: العبد طيلة حياته يعمل بعمل أهل الجنة، فكيف يختم له بالنار؟ فنقول: النبي ﷺ كان يقول: (إنما الأعمال بالخواتيم)، ويقول: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)؟ أي: أنك ترى أن هذا العمل عمل أهل الجنة لا يعمله إلا ناس قد أحبهم الله ويسرهم ووفقهم إلى فعل هذا الخير، ولكنه يصلي الفجر معك ويضع رجله على رجليك؛ ويجلس بجوارك ليتجسس عليك ويعرف اسمك ويكتب فيك تقريراً فهذا العمل عمل أهل النار وليس عمل أهل الجنة.
قالت: [إن العبد ليعمل الزمان بعمل أهل الجنة وإنه عند الله لمكتوب من أهل النار].
إذاً: فهذا يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ولا بد من كلمة: (فيما يبدو للناس)؛ لأن هذه قد وردت في رواية ابن مسعود من طريق آخر، وهي تحل جميع الإشكالات التي وردت في هذا الحديث.
وقال محمد بن كثير العبدي: سمعت سفيان الثوري يقول: إن الرجل ليعبد الأصنام وهو حبيب الله.
وعبادة الأصنام هذه محببة إلى الشيطان، ولكن العبد يعبد الأصنام وهو حبيب الله؛ لما سبق من علم الله أنه سيُختم له بخاتمة الطاعة، فيكون من أحبائه بعد الهداية لا أثناء عبادة الأصنام: (والأعمال بالخواتيم)، وقال: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة) فحينئذ يكون حبيب الله .
стр. 803
أقوال التابعين في إثبات أن الخير والشر من عند الله
стр. 804
قول عمر بن عبد العزيز ﵀ في إثبات القدر
عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: [إن الله لو كلف العباد العمل على قدر عظمته لما قامت لذلك سماء ولا أرض ولا جبل ولا شيء من الأشياء، ولكن أخذ منهم اليسر].
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، فلا يستطيع أحد أن يؤدي لله حقاً، فلو أن أحدنا سجد سجدة لله طيلة عمره من أول التكليف والتمييز حتى قبض هل أدى حق الله ؟
الجواب
لا، بل لم يؤد نعمة واحدة من نعم الله عليه، ولكن الله رضي منا بالشيء اليسير، فقد فرض علينا خمس صلوات وأعطانا فضلاً منه أجر خمسين صلاة، وهذا فضل عظيم جداً.
قال: [إن الله لو كلف العباد العمل على قدر عظمته -أي: على قدر قدره ومكانته لما قامت لذلك سماء -وما قدرت على ذلك- ولا أرض ولا جبل ولا شيء من الأشياء، ولكن أخذ منهم اليسر، ولو أراد ألا يعصى لم يخلق إبليس رأس المعصية].
فإبليس هو رأس الشر، فلو لم يخلق الله إبليس هل ستكون في الأرض معصية؟ لا يمكن.
لأن مصدر كل معصية هو إبليس، فإذا كان الله تعالى لم يخلق إبليس لم يكن هناك معصية، بل كان جميع الخلق مؤمنين موحدين، لا يعرفون طريق المعصية كالملائكة تماماً: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ولكن الله تعالى حينما علم أن عباده سيفعلون المعصية جعل لهم سبباً في ذلك وهو خلق إبليس، ولكنه عرفهم بأنه عدوهم وحذرهم من اتباعه، ولكن العباد تركوا هذا التحذير ووقعوا في حبائل الشيطان.
قال: [عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن له كتاباً فكان فيما كتب فيه: إني أسأل الله الذي بيده القلوب يصنع فيها ما شاء من هدى وضلالة] إلى آخر الكلام.
إذاً: يقول: أنا أسأل الله تعالى الذي بيده القلوب، كما في قوله ﵊: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء).
يعني: يجعلها كافرة، يجعلها مؤمنة، يجعلها طائعة، يجعلها عاصية، له في قلوب عباده ما يشاء؛ لأننا ملك له ، كما أن الهداية والإضلال ملك لله ، فكذلك العباد وقلوبهم ملك لله ، ومعلوم أن المالك يصنع في ملكه ما يشاء .
стр. 805
قول الحسن البصري ﵀ في إثبات القدر
قال: [عن نعيم العنبري وكان من جلساء الحسن -رحمه الله تعالى- يقول في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢].
قال -أي: الحسن في تفسير هذه الآية- لوح من ذهب مكتوب فيها: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟] عجبت لمن يؤمن بالقدر خيره وشره وأنه من عند الله كيف يحزن إذا وقع به البلاء؟ [وعجبت لمن آمن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله].
هذا الكلام كلام موقوف عن الحسن وفيه نظر؛ لأن العبد إذا أدركه الموت إن كان من أهل الطاعة فرح بلقاء الله ، وبذلك صحت الأخبار، وأما إذا كان من أهل المعصية فإنه يكره لقاء الله ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه.
عن تمام بن نجيح قال: [سمعت الحسن وقد تاه رجل فأخذ بعنان دابته فقال: أيها الضال المضل! حتى متى تضل الناس؟ فقال الرجل: وما ذاك؟ قال الحسن: أتزعم أن من قُتل مظلوماً فقد قُتل في غير أجله؟ قال -أي: الحسن - فمن يأكل بقية رزقه يا لكع؟] هل يمكن لأحد أن يأكل رزق الآخر؟ وهل يمكن لأحد أن يأخذ عمر الآخر؟ لا يمكن.
ولكن أليس داود ﵇ قد أخذ أربعين عاماً من عمر أبيه آدم؟ هو الوحيد الذي أخذ عمراً من عمر أبيه آدم، أما بقية الخلق فإنه قد كُتبت أعمالهم وأرزاقهم وآجالهم وشقاوتهم وسعادتهم على النحو المعلوم لدى الله كتابة لا تقبل المحو في اللوح المحفوظ.
قال: [أتزعم أن من قُتل مظلوماً فقد قُتل في غير أجله؟ فمن يأكل بقية رزقه يالكع؟ خل الدابة] أي: انزل عنها، فإنها أفضل منك.
وهل هناك أحد يُقتل قبل أجله؟ فمن يكمل أجله؟ ولذلك من الأخطاء الفادحة جداً في الاعتقاد أنك تذهب لواحد قد مات له ميت فتقول له: البقية في حياتك! هل هو مات قبل أجله؟ ولذلك علمنا النبي ﵊ عزاءً شرعياً: (إن لله ما أعطى وله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجل).
أي: أن هذا الذي مات مات في أجله، فاصبر واحتسب وليس لك إلا هذا، قد أوجب الله تعالى عليك في هذا الموطن أن تصبر على ما نزل بك من بلاء وتحتسب عند الله حتى تؤجر عليه، وتصبر صبراً صادقاً، وترضى رضاء تاماً عن الله وعن أفعاله ، لا أن تظل تلطم وجهك وتضع التراب على رأسك، وفي الأخير أنت تعرف أنه قد مات ووضع في قبره، فلماذا الجزع؟ بل تصبر وتحتسب.
وقال الحسن: [الشقي من شقي في بطن أمه].
وقال في مرضه الذي مات فيه: [إن الله قدر أجلاً وقدر معه مرضاً -أي: جعل المرض سبباً لنهاية الحياة- وقدر معه معافاة].
لأن النبي ﷺ يقول: (ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء.
فتداووا عباد الله).
فالمرض بقدر الله، وأيضاً العلاج بقدر الله، ومن الناس من يقول: العلاج هذا يقدح في التوحيد.
فنقول: إن النبي ﵊ عولج من مرضه، وقال: (إن الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء) وكان النبي ﷺ يداوي أصحابه مرة بالتفل ومرة بالدعاء، وكلها أسباب للشفاء فقال: (تداووا عباد الله! ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء) فإذا كان العلاج يقدح في التوحيد فإذا جعت فلا تأكل؛ لأن هذا اعتماد على الطعام، وأنت رجل موحد فاعتمد على الله ، وإذا عطشت فلا تشرب، وإذا أردت الولد فاحصل عليه دون زوجة!! وفي الحقيقة كل هذا كذب، والأصل أخذ الأسباب وإعمالها في حصول المسبب.
قال الحسن في مرضه الذي مرض فيه: [إن الله قدر أجلاً وقدر معه مرضاً، وقدر معه معافاة، فمن كذب بالقدر فقد كذب بالقرآن، ومن كذب القرآن فقد كذب بالحق].
وقال: [من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام].
كأن القدر هو الإسلام كله، كأن عنوانك في الإيمان والإسلام وثبوتك على ذلك إنما هو إيمانك بالقدر.
стр. 806
أقوال مطرف بن عبد الله الشخير ووهب بن منبه رحمهما الله في إثبات القدر
قال: [عن مطرف قال: نظرت فإذا ابن آدم ملقى بين يدي الله وبين يدي إبليس].
معنى (نظرت) أي: فكرت وتدبرت وأمعنت في النظر، فتصور لي أن ابن آدم ملقى بين يدي الله وبين إبليس.
قال: [فإن شاء الله أن يعصمه عصمه، وإن تركه ذهب به إبليس].
واجتمع وهب بن منبه وعطاء الخرساني بمكة، فقال له عطاء: يا أبا عبد الله! بلغني أنك كتبت في القدر، أي: كتبت كتاباً عن القدر وتكلمت فيه.
قال وهب: [ما كتبت كتباً ولا تكلمت في القدر].
أي: أنا على إيمان النبي ﷺ وعقيدته.
ثم قال وهب: [قرأت نيفاً وتسعين كتاباً من كتب الله، منها نيف وسبعون ظاهرة لا يعلمها إلا قليل من الناس، فوجدت فيها كلها: أن كل من وكل إلى نفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر].
وهذا كلام يرد به على الجهمية الذين يقولون: إن الله ﵎ لا علاقة له بأفعال العباد، وأنها من مشيئة العباد وأعمالهم وأفعالهم، وأن الله لا دخل له بأعمال العباد.
ولذلك لو رجعنا إلى نص مطرف قال: [فإن شاء الله أن يعصمه عصمه].
فالعصمة والهداية والضلال بيد الله؛ لأن الله لو ترك عبده لتخطفه إبليس، وتخطف إبليس لهذا العبد إنما هو بقدر من الله .
[عن ثابت أن مطرفاً قال: نظرت في هذا الأمر ممن كان فإذا بدؤه من الله ، وإذا تمامه على الله] إذاً: بداية هذا الأمر بيد الله، ونهايته بيد الله .
قال: [ونظرت ما ملاكه، -أي: ذروة سنامه- فإذا ملاكه الدعاء] لأن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل.
يقول ابن القيم عليه رحمة الله في كتاب الداء والدواء: الدعاء على ثلاث مراتب يشرح الحديث: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) أي: لا شيء ينفع مع القضاء إلا الدعاء.
وأنتم تعلمون أن الدعاء كذلك بقضاء وقدر، فإن الله تعالى علم أزلاً أنه سيبتلي عبده فلان في المكان الفلاني والزمان الفلاني ببلية فلانية، وأن العبد بقدر الله سيوفق لدعاء يدعوه في هذا الموطن وفي هذا المكان وفي هذه الحالة، وأن الدعاء يكون أقوى من البلاء، إذ يلح فيه العبد بصدق وإخلاص وحسن لجوء وتوجه إلى الله ؛ فيكون الدعاء أقوى من البلاء الذي نزل، فيدفع الله ﵎ هذا البلاء بهذا الدعاء؛ لأنه أقوى من البلاء.
وأحياناً يكون الدعاء رخواً ميتاً لا روح فيه، فيكون البلاء أقوى منه ويستقر في العبد، وأحياناً يكون الدعاء على قدر مساو للبلاء فيتعالجان أو يعتلجان أو يتناطحان في السماء إلى يوم القيامة، فلا هذا يغلب هذا ولا هذا يغلب هذا، وكله بقضاء الله وقدره وعلمه السابق.
стр. 807
قول كعب الأحبار ﵀ في إثبات القدر
قال: [عن يونس بن سيف أن عطية بن قيس: أخبره أن رهطاً عادوا كعب الأحبار.
- كعب بن ماتع الحميري حينما مرض عاده أناس- فقالوا له: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟! قال: بخير، عبد أُخذ بذنبه -أي: أني أنا قد أخذني الله تعالى بذنب اقترفته- فإن قبضه الله إليه إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، وإن عاقبه ينشيه نظيفاً] أي: يبعثه في الجنة نظيفاً بلا ذنب.
هذا الكلام فيه أصول وعقائد عظيمة جداً، منها: الإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه من عند الله .
ومنها: أن صاحب الكبيرة أو أن صاحب الذنب يعفو الله عنه، أو يعذبه بذنبه في النار ثم يخرج منها.
ومنها: أن العبد العاصي الذي وحد الله وخلط ذلك بمعصية لا يستوي مع عبد كفر بالله أصلاً، فإن هذا مخلد، والأول ناج وإن دخل النار أولاً.
стр. 808
قول محمد بن كعب القرظي ﵀ في إثبات القدر
وقال محمد بن كعب القرظي: [ما أُنزلت هذه الآية إلا تعييراً لأهل القدر: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩]].
ما دون الله ﵎ وأسمائه وصفاته مخلوق.
فكلامنا الآن وحديثنا وحركاتنا وسكناتنا وقيامنا وقعودنا مخلوق لله ، والمرض مخلوق، والذي خلقه هو الله ، فكل شيء من عند الله بقضائه وقدره، سواء كان خيراً أو كان شراً.
стр. 809
قول علي بن الحسين ﵀ في إثبات القدر
وقال علي بن الحسين: [إن أصحاب القدر حملوا مقدرة الله على ضعف رأيهم فقالوا لله: لِم] أي: لم فعلت كذا يا رب؟! يسألون الله ﵎ سؤال استنكار: لِم قدر كذا؟ ولِم قضى بكذا؟ ولِم فعل كذا؟ [ولا ينبغي أن يقال لله لِمَ؟] مستنكراً: لِم كذا؟ وكيف فعلت كذا؟ لأن أفعال الله ﵎ لا تحصر، ولا يقال فيها: لِم ولا كيف.
стр. 810
قول محمد بن علي بن الحسين ﵀ في إثبات القدر
قال أبو عبد الله العطافي -ينقل عن الشيعة- قال: [جاء رجل من أهل البصرة، فسأل عن محمد بن علي بن الحسين بن علي؟ والشيعة يقولون: إنه من رجالنا وأئمتنا فقيل له: هو ذاك الغلام.
فقال: فجئت إليه وكأنه ما بلغ بعد -غُلام صغير- قال: فقلت: يا سيدي! إني وافد أهل البصرة إليك، وذاك أن القدر قد نشأ في البصرة، وقد ارتد أكثر الناس، وأريد أن أسألك عنه؟] إن أول من تكلم في القدر هو معبد وبئس المعبد هو، ومعبد شيخه سوسن النصراني، ولذلك أصل كل ضلالة في الإسلام إما نصراني أو مجوسي أو يهودي، وإذا نظرت إلى تاريخ كل بدعة وأصلها لوجدت أن أهل هذه البدعة يضعون أيديهم في أيدي أصل هذه البدعة عندهم حرباً على الإسلام وأهله.
[قال: سل.
فقلت: أحب الخلوة.
فقام فمشى حتى خلا.
قال له: سل.
فقال: فقلت: الخير؟ فقال لي: اكتب: علم وقضى وقدر وشاء وأراد وأحب ورضي.
قال: قلت: زدني.
فقال لي: هكذا خرج أو هكذا جاء إلينا أو وصل إلينا].
إذاً: نحن في باب القدر بالذات نتوقف عند الذي جاء عن سلفنا، ولذلك كان كثير من السلف جداً يسكتون إذا سئلوا عن القدر، لا عن عجز وإنما اتباع لسلف هذه الأمة.
[قال: قلت: الشر؟ قال: اكتب: علم وقضى وقدر وشاء وأراد ولم يرض ولم يحب].
وفي الخير قال: ورضي وأحب، ولكن في الشر قال: ولم يرض ولم يحب، مع أنه قضى وقدر وأراد وشاء، لكن أراد وقدر وشاء إرادة الشر إرادة كونية قدرية، فليس من الممكن أن يذهب أحد فيزني ثم يقول: أنا سأذهب لأزني، قدر الله ذلك أو لم يقدره، شاءه أو لم يشأه؛ لأنه لا يكون في الكون إلا ما أراده الله، لكن لا يجوز الاحتجاج بهذا، فإذا أردت أن تحتج بهذا فاحتج بالعقوبة أيضاً، ولذلك جيء برجل قد سرق إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أو زنى في رواية أخرى، فلما أمر به عمر ليقام عليه الحد، قال: يا عمر! أتحدني في أمر قد قدره الله علي؟ قال: نعم.
نحدك بقدر الله أيضاً.
إذاً: الحد أيضاً من قدر الله.
[قال: قلت: زدني.
قال: هكذا خرج إلينا].
الخير: أراده وقضاه وقدره وشاءه وأحبه ورضيه.
والشر: أراده وشاءه وقضاه وقدره ولم يحبه ولم يرضه، ومع هذا أذن في وقوعه وخلقه وإيجاده.
فهل أنتم تحبون الكفر أم تكرهونه؟ فالله ﵎ أشد كراهية للكفر منكم، ومع هذا هل يستطيع أحد أن يكفر دون أن يقدر الله عليه هذا الكفر؟
الجواب
لا، والله يقول: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] ومع هذا وقع الكفر في الكون، ولكن وقع بإذنه وأمره وإيجاده وخلقه، ولم يحبه ولم يرضه.
[قال: زدني.
قال: هكذا خرج إلينا].
أي: هذا الذي وصلنا عن سلفنا.
قال: [فقال الرجل: فرجعت إلى البصرة فنصب لي منبر في مسجد الجامع، فاجتمع الناس فقرأت عليهم ما كتبت فرجع أكثر الناس].
فقد كان معبد قبل ذلك يُعمل لسانه في غيبة أهل العلم.
следующие страницы →