Полный текст (1 284 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الأسئلة
стр. 842
التوبة تجب ما قبلها
السؤال
كنت تاركاً للصلاة مدمناً للخمر، ولكن الله عافاني من ترك الصلاة، وظللت مدة أصلي وأنا أشرب الخمر، وذات يوم أخطأت في الصلاة فعاهدت ربي ألا أشرب خمراً إلى أن يقبضني الله ، وتبت إليه ولم أرجع إلى هذه الكبيرة، ولكني قرأت حديث طينة الخبال: (عهد الله إلى شارب الخمر أن يسقيه من طينة الخبال)، وأنا ندمت على هذه الأيام، وعزمت على عدم العودة، فهل يعافيني ربي من هذا العقاب؟
الجواب
نعم.
إذا كنت صادقاً في توبتك عازماً على الاستمرار في الطاعة، فإن الله ﵎ قد فتح باب التوبة على مصراعيه: (وإن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) وإن العبد إذا أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً وبلغ السلطان وجب إقامة الحد، أما إذا لم يبلغ السلطان فليس عليك إلا أن تتوب بينك وبين الله ، والله تعالى يتوب عليك كما وعد سبحانه، ووعد الله لا يتخلف ولا يُخلف؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، أما وعيده فإن شاء أنفذه وإن شاء عفا .
فالتوبة معروضة على العبد حتى يغرغر كما في الحديث: (إن الله يقبل التوبة من عبده ما لم يغرغر) أي: ما لم يبلغ حالة الاحتضار، فهذا الأخ الذي كان تاركاً للصلاة شارباً للخمر، ما دام قد تاب من هاتين البليتين العظيمتين فهنيئاً له التوبة، وأسأل الله ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يثبتنا والسائل على الطاعة.
стр. 843
بيان ما يفعل من سرق مالاً
السؤال
كنت أعمل أجيراً عند أحد الناس، وتجمع لي عنده مبلغ من المال، وماطل في دفعه إلى أن يئست منه، فسرقت منه شيئاً مقابل مالي الذي عنده، ثم اكتشفت بعد ذلك أن هذا الشيء الذي سرقته ملك لوالد زوجته، وكنت في هذه الفترة لم أصل بعد، وأنا أعرف صاحب هذا الشيء الذي سرقته منه، وكلما رأيته -بعد أن هداني الله للصلاة- ذكرت أنني سرقته، ولا أعلم ماذا أفعل؟ هل أرد هذا الشيء وهو صعب جداً، أم أدفع إليه ثمنه بطريقة غير مباشرة، أم أنه لا شيء علي حيث أني كنت لا أصلي ولا أعرف شيئاً حينها، وشكر الله لكم؟
الجواب
ولكم شكر الله.
السؤال صريح جداً وجريء، ويحتاج إلى جرأة كذلك في المنتهى.
فإذا كنت جريئاً في الأولى فينبغي أن تكون جريئاً في الثانية، وهذا الذي ذكرته استوعبه شيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه (إغاثة اللهفان) في شرحه لحديث (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك).
فقوله: (أد الأمانة إلى من ائتمنك) أمر، وقوله: (ولا تخن من خانك) نهي، فهذا الرجل الذي عملت عنده أجيراً فماطل في دفع مالك أو أكل حقك أو غير ذلك لا يسمح لك أن تسرقه، وأنت في سؤالك قد سميت فعلك سرقة، والسرقة حرام بالكتاب والسنة والإجماع، فحينما سميته سرقة كان ينبغي أن تعطي لنفسك الجواب؛ لأن السرقة ليست بأمر مشروع، بل هي أمر محرم، فهنا يجب عليك -خاصة بعد أن علمت أن هذا المال الذي سرقته ليس مال الرجل الذي ماطل في دفع الحق، وإنما هو مال غيره الغير مكلف بدفع هذا المال إليك- وجوباً شرعياً أن تتخلص من هذا المال برده إلى صاحبه ما دام معلوماً فهو أولى به، ولا بد من رده إليه، وأنت تعلم أن من شروط التوبة رد المظالم إذا كانت بين العباد، فينبغي رد المظالم إلى أصحابها، وهو شرط في قبول التوبة الصحيحة، فهذا السائل يجب عليه أن يدفع هذا المال إلى صاحبه بأي طريقة كانت، ولا بأس أن يتحرى طريقة ليس فيها مفسدة أعظم، ولكن لا يسولن له الشيطان أن يتصدق بها عنه؛ لأنه بالإمكان إيصال هذه الأموال إلى أصحابها، أما التصدق عنه فهذا شيء يمكن عند خفاء صاحب الحق أو ذهابه وعدم عودته، أو أن يكون الأمر يتوقع منه مفسدة أعظم كمن زنى بامرأة الجار، وتاب إلى الله ، وأراد أن يستسمح صاحب المعصية التي وقع فيها، فهل يتصور أنه يذهب إليه ويقول: سامحني! فأنا قد زنيت بامرأتك في اليوم الفلاني؟! فإذا كانت هناك مفسدة أعظم فما عليه إلا أن يستغفر ويتوب إلى الله ، ويكثر من الصدقات والدعوات لصاحب هذه المظلمة.
والله تعالى أعلم.
стр. 844
حكم تدريس الرجال للبنات في المرحلة الإعدادية والثانوية
السؤال
هل يجوز تدريس الرجال للبنات والعكس في المرحلة الإعدادية والثانوية؟
الجواب
لا يجوز، نحن في الحقيقة مللنا من توجيه السؤال هذا، إنك تذهب للتدريس في مدرسة ثانوية، والفتاة عمرها ثماني عشرة سنة أو أقل أو أكثر، فهي مؤهلة للزواج، وفي سن يفور شباباً وحيوية وجمالاً واهتماماً بمنظرها وجمالها، وأنت لست بحائط ولا عمود، أنت رجل لك شعور يتحرك، وإذا كنت ممن يشتهي الجمال ويطلق العنان لبصره أن ينفذ إلى أي شيء جميل فكبر على نفسك أربعاً لوفاتك في هذه المدرسة، وكثير جداً من المدرسين يشكو ويقول: أنا أدرس في الفصل الفلاني، وهناك بنت جميلة، وأنا صراحة لا أستطيع أن أحجب نفسي عنها، وقد فعلت كذا وكذا، واتفقت معها وغير ذلك من البلاء الذي نسمعه في كل يوم، وقد علمتم بأنه قد وقع الزنا في المدارس الابتدائية، وعلمنا بأن مدرساً يزني ببنت لا تزال ما بين سن السابعة إلى سن العاشرة من عمرها، هذا إذا كانت في سن الابتدائية فما بالك بالإعدادية ثم الثانوية ثم الجامعة؟! فهذا الأمر قطعنا فيه بعدم الجواز، فيجب أن يدرس في مدارس البنات نساء، ومدارس الأولاد يدرس فيها رجال.
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
стр. 845
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - القدري من يزعم أن الله لم يخلق أفعال العباد
القدرية هم الذين ينفون القدر، ويقولون: إن الأمر أنف، فيزعمون أن ثمة خالقاً مع الله ، وهم في ذلك يشابهون المجوسية القائلين بوجود إلهين إله الخير والنور وإله الشر والظلمة، وقد رد عليهم أهل السنة والجماعة وأبطلوا مذهبهم وحاربوه، حتى أظهر الله على أيديهم الحق وأزهق الباطل.
стр. 846
مراتب الإيمان بالقدر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله ومن والاه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: ففي هذا الباب الذي بين أيدينا لا يزال الكلام موصولاً ابتداءً عن القدر، وزعم قوم أن الله ﵎ خالق الخير، وأنه ليس خالقاً للشر، وهذه عقيدة وثنية؛ لأن الوثنيين كانوا يعتقدون أن للكون إلهين: إله للنور وإله للظلمة.
وغيرهم كان يعتقد أن للكون إلهين: إله للخير وإله للشر، وأن إله الخير لا يخلق الشر، وأن إله الشر لا يستطيع أن يخلق الخير، وهذه عقيدة مجوسية وثنية، ولذلك ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: (القدرية مجوس هذه الأمة).
في الوقت الذي لم يكن هناك قدرية في ذلك الوقت؛ لأن القدرية في زمن النبي ﵊ لم يكن لهم ظهور ولا نابتة، ومع هذا حذر منهم النبي ﵊، وقبل أن نبدأ في هذا الباب لا بد وأن نعرج على أصول الإيمان بالقدر، أو مراتب القدر: المرتبة الأولى: مرتبة العلم.
أي: أن الله ﵎ علم ما كان وما يكون وما سيكون.
المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، لما علم الله كتب، ولا أقول: لما علم أنه كان غير عالم ثم علم، ولكن العلم الأزلي السرمدي الأبدي ثابت لله ، فعلم الله بما هو كائن قبل أن يكون فكتبه في اللوح المحفوظ.
العلم أولاً ثم الكتابة، ثم المشيئة والإرادة.
стр. 847
الفرق بين الإرادة الشرعية والكونية عند أهل السنة والجماعة
مشيئة الله ﵎ مشيئة شرعية دينية مبناها على المحبة والرضا، وهي أوامره التي أمر بها وأوامر الرسول ﵊ التي أمر بها كذلك.
أما أوامره الكونية وهي الوقوع في مناهيه ومعاصيه فهي وقعت بإرادة الله ؛ لأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد وقدر على العباد، وليس بلازم أنه أحب ذلك، فالزنا والسرقة وشرب الخمر وسائر المعاصي تقع في الكون بإرادة الله وإذنه، ليس معنى ذلك أن الله أحبها، ولا أنه يرضى عنها، وفي المقابل لا يزني الزاني رغماً عن الله ولكن بإذن من الله ، فالله أذن أن تقع هذه المعصية في كونه مع أنه لا يحبها، فهناك إرادة شرعية دينية مبناها على المحبة والرضا، أي: محبة الله ومحبة الرسول، ورضا الله ورضا الرسول.
وإرادة كونية أي: أن هذه الأفعال والمعاصي تقع في الكون، فهذه إرادة كونية قدرية، أي: ما وقعت إلا بقدر من الله وكتابة من الله وعلم من الله الأزلي السابق بأن عبده فلاناً سيفعل كيت وكيت من معاصيه في يوم كذا وكذا وفي مكان كذا وكذا، فلما علم الله منه ذلك كتبه وقدره عليه.
والأمر عندنا أن الأشياء إما خالقة وإما مخلوقة، فلما كان مستقراً عند العامة والخاصة أنه لا خالق إلا الله تبين أن ما دون الله مخلوق، وأسماء الله وصفاته ليست مخلوقة، لأن الله ﵎ ليس بمخلوق وإنما هو الخالق الوحيد، فصفاته لازمة لذاته، أي: أنها ليست مخلوقة، فلا أولية لها كما أنها لا آخرية لها، لأن الله تعالى هو الأول وهو اسم من أسمائه ليس قبله أحد، وهو الآخر ليس أحد بعده، وهو الظاهر وهو الباطن، فأسماء الله وصفاته ليست مخلوقة، لأن الله ﵎ المتصف بهذه الصفات ليس مخلوقاً، بل هو الخالق .
فتبين أن ما دون الله وما دون أسمائه وصفاته مخلوق، فالعبد مخلوق، وما ينتج عن هذا العبد مخلوق، مشيك، كلامك، حركاتك، سكناتك، أفعالك، تصرفاتك، خطواتك كل هذا الله أذن فيه وخلقه وشاءه على هاتين المشيئتين دينية أو كونية قدرية، وكتب ذلك لأن الله علم أنك ستفعل ذلك، وأن هذا الفعل لا يكون إلا بإرادته ومشيئة، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، فأثبت للعبد مشيئة وأثبت لنفسه سبحانه مشيئة، ولكن العبد لا يشاء شيئاً إلا بعد مشيئة الله له أن يشأ ذلك، فمشيئة العبد مندرجة تحت مشيئة الله ، فليس لعبد أن يشأ شيئاً لم يشأه الله ، وليس لعبد أن يريد شيئاً كما قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال:٦٧] فأثبت العبد إرادة ولكن الله له إرادة أخرى، فإرادة الله فوق إرادة العبد، ومشيئة الله فوق مشيئة العبد، فليس لعبد أن يريد شيئاً إلا إذا أراده الله إما إرادة شرعية وإما إرادة كونية، وليس للعبد أن يشأ شيئاً إلا أن يشاء الله إما مشيئة شرعية وإما مشيئة كونية قدرية.
والنبي ﵊ كما ثبت عنه قال: (إن الله تعالى خالق كل صانع وصنعته) يعني: أنت مخلوق لله لأن الله هو الذي خلقك، وما ينجم عنك من حركة وسكنة ومشي وسكون وتكلم وسكوت وغير ذلك، هذا أيضاً مخلوق فيك لله .
بمعنى: أن الله تعالى هو الذي خلق فيك الكلام ولو شاء لأخرسك، خلق فيك المشي ولو شاء لأقعدك، خلق فيك النظر ولو شاء لأعماك، فكلما تفعله أنت فإن الله تعالى خلقه وأذن فيه وشاءه وكتبه وعلمه، وهذه كلها مراتب القدر، ولذلك هذا تفسير وتأويل قول النبي ﵊: (إن الله خالق كل صانع) أي: كل مخلوق.
(وصنعته) أي: وأفعاله وأقواله وحركاته وسكناته، فأنت وما تفعل مخلوق لله .
هذا الكلام فيه الرد على القدرية الذين يقولون: إن الله تعالى لا يخلق الشر وإنما يخلق الخير.
وبعضهم قال: إن الله تعالى جبر العبد - وهؤلاء هم الجبرية - على الأفعال فكيف يحاسبهم؟ أي: إذا كنت مجبوراً على إتيان الشر فكيف يعاقبك الله وهو الذي جبرك وقهرك على أن تفعل الشر، وكيف يحاسبك حينئذ؟ فيلزمهم لزوماً أكيداً بسبب هذه المقالة أن يقولوا: إن الله تعالى ظالم، والظلم صفة لا تليق بالله إنما تليق بالمخلوقين.
وبعضهم قال: ليس لله في أفعال خلقه مشيئة، فأفعال العبد هو الذي شاءها وأرادها وفعلها وليس لله ﵎ فيها دخل.
بمعنى: أن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه.
وهؤلاء سلبوا الله صفة هي من أعظم صفاته وهي صفة الربوبية المتعلقة بالخلق، فيجعلون مع الله إلهاً آخر؛ لأن المعلوم أن الإله هو الذي يخلق، وأن أفعال العبد مخلوقة، فإما أن يخلقها العبد لنفسه، وإما أن يخلقها الله تعالى في عبده.
فإذا قالوا: إن الله لم يخلقها في العبد وإن العبد هو الذي خلقها في نفسه فيكون العبد حينئذ خالقاً، وهذا سلب لصفة الربوبية عن الله ، فكلاهما شر مستطير.
стр. 848
سياق ما روي في القدري الذي يزعم أن الله لم يخلق أفعال العباد
يقول المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي في أن القدري الذي يزعم أن الله لم يخلق أفعال العباد] القدري هو الذي يزعم أن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يقدرها عليهم، فمعتقد القدرية أنهم قالوا أولاً: إن الله لم يخلق أفعال العباد.
إذاً: هنا أنكروا مرتبة من مراتب القدر وهي الخلق.
وقولهم: (ولم يقدرها عليهم) إنكار لمرتبة المشيئة.
قال: [ويكذب بخلق الله لها، وينسب الأفعال إلى نفسه دون الله].
كأنه يقول: أنا خالق لفعل نفسي، بدليل: أنني لو أردت أن أقوم الآن لقمت، وإذا أردت ألا أقوم لا أقوم.
ونسي أن الله قادر على أنه إذا هم بالقيام أقعده الله، وإذا كان واقفاً فأراد أن يجلس ما استطاع أن يجلس، وهذا يدل على أن الخلق بيد الله لا بيد العباد، ولذلك جرت مناظرات بين سلفنا ﵃ وبين القدرية.
قال: [عن ابن عباس: كلام القدرية كفر].
لأنه لا ينكر مرتبة العلم ولا مرتبة الكتابة إلا كافر بالله [وكلام الحرورية ضلالة].
وقال أيضاً: [لا أعرف الحق إلا في كلام قوم ألجئوا ما غاب عنهم في الأمور إلى الله ﵎].
فهذا الكلام يصح أن يكون أصولاً سلفية لترشيد هذه الصحوة الإسلامية فيما يتعلق بمسألة الاعتقاد.
فقوله: لا أعرف.
وابن عباس إذا قال: لا أعرف، فمعنى ذلك: أن الذي لا يعرفه ابن عباس لا يكون ديناً.
قال: لا أعرف الحق إلا في كلام قوم ألجئوا - أي: فوضوا - ما غاب عنهم في الأمور إلى الله ﵎.
يعني: الأمور الغيبية الاعتقادية نفوض الأمر فيها إلى الله وإن كان ذلك أكبر من عقولنا.
قال: [وفوضوا أمورهم إلى الله، وعلموا أن كلاً بقضاء الله وقدره].
يعني: آمنوا بأن القضاء والقدر من عند الله وإن كان ذلك أمر فوق طاقة عقولهم إلا أنهم يقولون سمعنا وأطعنا.
قال: [أتى عبد الله بن عباس على قوم يتنازعون في القدر.
فقال: لا تختلفوا في القدر، فإنكم لو قلتم: إن الله شاء لهم أن يعملوا بطاعته فخرجوا من مشيئة الله إلى مشيئة أنفسهم فقد أوهنتم الله بأعظم ملكه].
أي: وجد قوماً يتخاصمون في القدر فقال: لا تختلفوا في القدر؛ لأن اختلافكم لا يدور إلا على أمرين اثنين لا ثالث لهما، فإن قلتم: إن الله أمر العباد وشاء لهم أن يعملوا بطاعته فخرجوا من طاعته ودخلوا في معصيته بمشيئة أنفسهم فقد أوهنتم الله.
أي: سلبتم الله ﵎ أعظم ملكه وهي الربوبية.
[وإن قلتم: إن الله جبرهم على الخطايا]، وعلى فعل المعاصي، فإما أن تكون المعاصي من عند الله ، وإما أن تكون من عند العبد، فإن كان العبد يعمل المعصية بمشيئته وقدرته وإرادته وقضائه لنفسه وقدره على نفسه فإنه لا دخل حينئذ للإله وللرب ﵎ في أفعال العباد، فيكون العبد هو الخالق لفعل نفسه وليس الله هو الذي خلق، وهذا سلب لصفة الربوبية عن الله .
[وإن قلتم: إن الله جبرهم على الخطايا ثم عذبهم عليها لقلتم إن الله ظلمهم].
فالقدر ليس هو إلا أمرين اثنين: إما أن يشاء الله ويخلق ويكتب ويعلم ويقدر، وإما أن يسلب ذلك ويخلق العبد فعل نفسه، وإما أن الله يجبر العبد على فعل الخطايا ثم يعذبه فإنه حينئذ ظالم، فلا تختلفوا حينئذ لأنكم بين شرين وبين ضلالتين، بل وبين كفرين.
قال: [ذكر ابن عباس ﵁ القدر فقال: الزنا بقدر، وشرب الخمر بقدر، والسرقة].
ولذلك قال النبي ﵊: (لا إيمان لمن لم يؤمن بالقدر)، فالإيمان بالقدر فرض، والتكذيب به كفر، والكلام فيه بدعة، والسكوت عنه سنة.
стр. 849
سياق ما روي عن الصحابة والتابعين والعلماء في إقامة الحدود على القدرية
قال: [سياق ما روي من المأثور عن الصحابة وما نقل عن أئمة المسلمين من إقامة حدود الله في القدرية من القتل والنكال والصلب.
عن أبي الزبير قال: كنا نطوف مع طاوس فمررنا بـ معبد الجهني قال: فقيل لـ طاوس: هذا معبد الذي يقول بالقدر.
قال: فقال: أنت الذي تفتري على الله بما لا تعلم؟! قال: فقال: يكذب علي -أنا لم أقل شيئاً- قال: فدخلنا على ابن عباس فقال له طاوس: يا ابن عباس! الذين يقولون في القدر، فقال: أروني بعضهم، قال: صانع ماذا؟ قال: أدخل يدي في رأسه ثم أدق عنقه].
وقد مضى عنه أنه قال: أدخل يدي في عينيه فأقلعهما ولا نصونه.
يعني: بعدما نقلع له عينيه لا نضمنهما.
يعني: ليس علينا فيهما دية، لأنهم لا دية لهم.
قال: [وهذا كله لا يفعل بالمسلمين وإنما يفعل بالكفار].
стр. 850
موقف عمر بن عبد العزيز من غيلان الدمشقي
قال: [قال عمر بن عبد العزيز: يا غيلان!] هذا من القدرية في دمشق سوريا اسمه غيلان الدمشقي.
[قال عمر بن عبد العزيز: يا غيلان! بلغني أنك تتكلم في القدر.
فقال: يكذبون علي يا أمير المؤمنين.
قال: اقرأ علي سورة يس، فقرأ عليهم: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:١ - ٧] والشاهد: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧].
وكذا قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ما كان في إمكان أبي لهب أن يؤمن لو أراد أن يعاند، ولكن علم الله تعالى السابق أن أبا لهب لا يؤمن قط وأنه من الهالكين، فلم يؤمن ولم يحرج النبي ﵊ لأنه سبق في علم الله أنه لا يقول ذلك، وأنه من الهالكين لا محالة، وأنه ليس من الناجين في يوم ما قط، فالله تعالى قال: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ [يس:٧] يعني: دخول النار، ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧] فلم ينطقوا بالشهادتين ولو كذباً أو نفاقاً، فالله تعالى يتكلم بعلم، فإذا تكلم بعلم عن أمر في المستقبل وأنهم لا يؤمنون نثبت العلم الأزلي لله.
ولذلك معبد الجهني وغيلان الدمشقي ما كانوا يثبتون العلم لله .
ولذا فإن عمر بن عبد العزيز قال لـ غيلان: اقرأ علي يس، حتى تعلم أن الله ﵎ قضى على أشياء في المستقبل بأنها لا تكون، فهل هذا من العليم الخبير أم ممن لا يعلم؟ قال غيلان: لا والله، لكأني يا أمير المؤمنين لم أقرأها قط إلا اليوم، اشهد يا أمير المؤمنين أني تائب من القول بالقدر].
وهو كذاب لأنه بين يدي أمير المؤمنين الذي سيقتله ويعلقه في السقف، فهو خائف أن يواجه أمير المؤمنين.
[فقال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن كان صادقاً فتب عليه، وإن كان كاذباً فاجعله آية للمؤمنين].
يعني: افضحه إذا كان كاذباً، واجعله آية للمؤمنين.
قال: [مر التيمي بمنزل ابن عون فحدثه بهذا الحديث.
قال ابن عون: أنا والله رأيت غيلان الدمشقي مصلوباً بدمشق] لأنه كان دجالاً، كان يكذب على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الذي قال: يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا.
فـ غيلان كذب على عمر بن عبد العزيز، وطبعاً من غشنا في الله أو من خدعنا في الله خدعنا له، هذا منهج أهل السنة، من أقسم بالله أنه تاب فليس لنا عليه سبيل، وحسابه على الله ، لكن علينا نحن بالدعاء له أو عليه، إن كان صادقاً فتب عليه، وإن كان كاذباً فاجعله للمؤمنين آية.
فصلب في دمشق.
وقال أبو جعفر الخطمي: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه عنه في القدر.
فقال له: ويحك يا غيلان! ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: يكذب علي يا أمير المؤمنين ويقال علي ما لا أقول.
قال: ما تقول في العلم -أي: في علم الله- قال: نفذ العلم.
أي: العلم لله ثابت.
قال: أنت مخصوم.
يعني: مغلوب.
فاذهب فقل ما شئت، يا غيلان! إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت، وإنك إن تقر به فتخصم خير لك من أن تجحد فتكفر.
ثم قال له: أتقرأ يس؟ قال: نعم.
قال: اقرأ، فقرأ: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:١ - ٢] إلى قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧] قال: قف كيف ترى الآية هذه؟ قال: كأني لم أقرأ هذه الآية يا أمير المؤمنين! قال: زد.
فقرأ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس:٨ - ٩] فقال عمر: ﴿سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٩ - ١٠] علم الله أزلاً وسلفاً أن الإنذار لا ينفع معهم، فسواء أنذرتهم أو لم تنذرهم لا يؤمنون، ولا يعتبرون بهذا الإنذار، والذي علم أنهم لا يؤمنون هو الله.
فالله تعالى عالم قبل هذا الإ
стр. 851
موقف هشام بن عبد الملك من القدرية
وعن الوليد بن هشام قال عن أبيه: بلغ هشام بن عبد الملك أن رجلاً يقول بالقدر وقد أغوى خلقاً كثيراً، فبعث إليه هشام فأحضره.
فقوله: وقد أغوى خلقاً كثيراً مع أنه قدري ومخالف لأصول أهل السنة والجماعة، إلا أنه ما من ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة.
فقال: ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: تقول: إن الله لم يقدر على خلق الشر.
قال: بذلك أقول، فأحضر من شئت يحاجني فيه.
قال له: أنا أقول ربنا لم يخلق الشر، وإذا كنت لا تصدقني أدخل علي من يناظرني في المسألة هذه.
فبعث هشام بن عبد الملك إلى الأوزاعي فأحضره لمناظرته.
الإمام الأوزاعي كان صاحب مذهب، عمل بمذهبه في الشام مائتي سنة، لم يكن هناك أحد يسمع عن أبي حنيفة ولا عن مالك ولا عن أحمد بن حنبل ولا عن الشافعي، كان أهل الشام يقولون في فتاويهم: قال الأوزاعي كذا، إلى أن ظهرت وانتشرت هذه المذاهب الأربعة فغطت على بقية المذاهب ومنها مذهب الأوزاعي.
الأوزاعي كان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ينهى أمة ويأمر أمة، وقد صنفت في ترجمته رسالة لطيفة اسمها: (أحسن المساعي في بيان فضائل ومناقب الأوزاعي) لما تقرأها تحتقر نفسك، بل تحتقر علماء الأمة في هذا الزمان، كان جبلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان لا يهمه الحجاج ولا غير الحجاج، الحجاج الذي لم يكن أحد يدخل عليه لا من الصحابة ولا من غيرهم إلا ويخاف على نفسه، أما الأوزاعي فما ضره ذلك، دخل عليه فوعظه وأمره ونهاه ثم انطلق وقال: لا يضرني ملكك ولا جبروتك، لأن الملك وصاحب الجبروت الأعظم في السماء قادر عليك.
الأوزاعي جاء من أجل أن يناظر هذا القدري الذي يقول: إن الله لم يخلق الشر، فقال له الأوزاعي: إن شئت سألتك عن واحدة، وإن شئت سألتك عن ثلاث، وإن شئت عن أربع، أخبرني عن الله: هل تعلم أنه قضى على ما نهى؟ قال: ليس عندي في هذا شيء.
أي: أنا لم أفهم شيئاً.
فقلت: يا أمير المؤمنين! هذه واحدة.
أي: الأوزاعي يقول لـ هشام بن عبد الملك: هذه واحدة لا يعرف كيف يرد عليها.
ثم قلت له: أخبرني هل تعلم أن الله حال دون ما أمر.
يعني: هل الله منع دون ما أمر؟ فقال المبتدع: هذه أشد من الأولى.
فقلت: يا أمير المؤمنين! هذه اثنتان.
أي: سجل عندك.
ثم قلت له: هل تعلم أن الله أعان على ما حرم؟ يعني: ساعد ويسر على ما حرم؟ قال: هذه أشد من الأولى والثانية.
فقلت: يا أمير المؤمنين! هذه قد حل بها ضرب عنقه.
ولم يأت بالمسألة الرابعة.
فأمر به هشام فضربت عنقه.
وهذا لما كانت للإسلام قوة وسطوة، وأيام ما كان لهم اهتمام بأمر الدين، هذه الأسئلة الثلاثة لما أنكرها هذا المبتدع حلت رقبته فقتله هشام بن عبد الملك، وهشام لا يفهم الكلام هذا، لكن المبتدع يفهم ولا يريد أن يجيب، لأنه إذا أجاب هزم ويلزمه التوبة.
ثم قال هشام بن عبد الملك للأوزاعي: يا أبا عمرو! فسر لنا هذه المسائل.
يعني: بين لنا الكلام هذا.
قال: نعم.
يا أمير المؤمنين! سألته أولاً: هل يعلم أن الله قضى على ما نهى.
السؤال الأول وهو أن الله تعالى نهى آدم عن الأكل من الشجرة ثم قضى عليه بأكلها، وهذا ثابت في القرآن والسنة، فالله تعالى قضى عليه وقدر أن يأكل منها، ولو أن المبتدع أجاب عن هذا السؤال للزمه أن يقول: إن الله قضى على ما نهى، فالله لا يقضي على شيء إلا إذا علمه، وهذا الشر الذي وقع من آدم بعلم الله وبقدره، وأن الله هو الذي أذن فيه بقضائه وقدره.
قال: وسألته ثانياً: هل يعلم أن الله حال دون ما أمر؟ -أي: منع دون ما أمر- أمر إبليس بالسجود لآدم ثم حال بينه وبين السجود.
لما إبليس أمر بالسجود امتنع، فامتناع إبليس مخلوق، والذي خلقه هو الله ، خلقه بعلم سابق، فالامتناع عن السجود لآدم ومخالفة الأمر شر، والذي خلقه هو الله، فالله الذي خلق الخير والشر، لكن المبتدع لما أدرك هذه الحقيقة اعتذر عن الجواب، فقال: لا يعرف شيئاً.
هذه مسألة صعبة جداً.
قال: وسألته ثالثاً: هل يعلم أن الله أعان على ما حرم أم لا؟ فقال: هذه أشد من الأولى والثانية.
والمعنى: أن الله حرم الميتة والدم ولحم الخنزير ثم أعاننا على أكله في وقت الاضطرار إليه، فالله تعالى أعان على ما حرم مع أنه شر ولكنه رخص في مواطن وظروف بعينها، والذي رخص هو الله .
قال هشام: والرابعة ما هي يا أبا عمرو؟ فقال: كنت سأقول له: مشيئتك مع الله أم دون الله؟ فإن قال: مع الله فقد اتخذ مع الله شريكاً.
يعني: أنه جعل مشيئته مع مشيئ
стр. 852
موقف المهدي من القدرية
ويقول الإخباري: قرأت في أخبار إبراهيم بن المهدي أنه حدث عن زيبة المدني [أن المهدي أشخص من المدينة -أي: أرسل من المدينة- ثلاثين شيخاً ممن تكلم في القدر واشتهر به.
قال: فكنت فيهم -يعني: زيبة كان فيهم وكان صبياً صغيراً أتى من المدينة إلى العراق مع ثلاثين شيخاً يتكلمون في القدر -فلما مثلنا بين يديه ضربهم بالسياط أجمعين وأخرني لصغره- فلما قدمت قال: أراك صبياً ألم يكن بالمدينة من هو أسن منك تتم به العدة؟] يعني: إبراهيم بن المهدي يقول له: هم ما أرسلوا رجلاً يكمل الثلاثين، كأن العدة ثلاثين شخصاً، حتى أرسلوك وأنت صبي صغير.
[قلت: جماعة يا أمير المؤمنين! فقال: إذاً إنما قربت إليهم لأنك من مثلهم -يعني: أنت جئت معهم لأنك قدري مثلهم- ثم دعا بالسياط، فلما ضربت سوطاً، فقلت: يا أمير المؤمنين! نشدتك الله إلا أدنيتني إليك أكلمك ولك رأيك.
فقدمني فقلت: أنا رجل من أهل المدينة قطن أبي فيها -أي: سكن أبي في المدينة- وهو من وادي القرى -أي: بمكة- وكان تاجراً ذا مال، فعلمني القرآن ثم أمرني أن أغدو إلى حلقة ابن أبي ذئب - ابن أبي ذئب كان قدرياً- وأروح إلى ربيعة الرأي، فعن لي شيخ لم أكن رأيته قط -يعني: أنا فكرت بشيخ لم أره قط- فقال لي: يا بني! قد بلغت من العلم وما أراك استبصرت في دينك] يعني: أنت يا ابني عالم أخذت العلم عن ربيعة الرأي وعن ابن أبي ذئب ولكن العلم هذا ليس له قيمة، لأنك لست بصيراً بدينك.
[فقلت: وما ذاك يا عم؟] يعني: أنت ماذا ترى؟.
[قال: هل رأيت مقعداً قط؟] يعني: هل رأيت رجلاً مشلولاً لا يستطيع أن يقوم.
[قلت: نعم.
قال: فلو رأيت رجلاً كلفه صعود نخلة ما كنت تقول؟] يعني: لو رأيت رجلاً قال لهذا القعيد: اصعد هذا الدرج أو السطح، أيستطيع؟ [قلت: هو جاهل.
قال: فلو ضربه على قصوره عن صعودها؟ قلت: ظالم] لأنه يضرب رجلاً ليس في إمكانه أن يصعد ويحمله الصعود فهو ظالم.
[فقال: يا بني! هذا حكمك على إنسان فكيف بالله سبحانه في عدله؟ أتقول: إنه يكلف عباده ما ليس في وسعهم ثم يعاقبهم عليه مع قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال: فتعدني يا أمير المؤمنين بالمقعد -يعني: أنت تأمرني مثل المقعد، تكلفني فوق طاقتي ثم تعذبني- قال زيبة: فضحك المهدي أمير المؤمنين ثم أمر فطرح ثيابي علي، فلما لبست أدناني ثم قال: أجبني وأنت آمن -يعني: تكلم براحتك، واعلم أنني لا أمد على بدنك السوط نهائياً- قال أمير المؤمنين: لو أنك في سفر فرأيت عليلاً في برية -أي: في الصحراء- فاستطعم رجلاً فلم يطعمه وتركه ومضى ما كنت قائلاً؟ قلت: ظالم.
قال: فهل علمت أن أحداً من خلق الله كان في برية عليلاً عادماً للطعام والشراب؟ قلت: كثيراً -أي: كثير من يموت من الجوع- قال: فإن دعا ربه أن ينجيه هل كان الله سبحانه قادراً على أن يطعمه ويسقيه؟ قلت: اللهم نعم -أي: لو دعا ربه فإن الله قادر على أن يطعمه ويسقيه- قال: فهل تقول إن دعا ربه أن يطعمه ويرويه فلم يجب دعاءه ومات أن الله ظلمه؟ -يعني: ربنا ما استجاب دعاء هذا الذي في البرية للطعام والشراب فمات، هل الله تعالى قد ظلمه في هذا؟ - قلت: لا.
قال: فكيف تقول لمن أقعدك مثل هذا؟ -أي: كيف تقول لمن أقعدك إنه ظالم- قال: لأن الأشياء كلها لله تعالى لا عليه، والتجوير يجب علي من الأشياء لا له يا زيبة، إن الإيمان إذا سكن القلب قبل الاحتجاج لم يخرجه الاحتجاج].
يعني: الإيمان عندما يكون في القلب حتى وإن كان صاحب هذا الإيمان جاهل وحجة الخصم أقوى فهذه الحجة لا تخرج هذا الإيمان من القلب.
أذكر وأنا في معهد البخوري سنة (١٩٨٢) دخل علينا رجل يتكلم عن الإسراء والمعراج وأنه كان بالروح دون الجسد.
قلت له: يا شيخ! هل هذه عقيدتك؟ قال: نعم.
قلت: ولكن عقيدة أهل السنة أن الإسراء كان بالروح والجسد.
فقال لي: قم واقفاً من أجل أن أراك.
فقمت نصف ساعة وأنا واقف على قدمي يشرح لي معنى حرف الباء فقط في قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] ليخرج في النهاية أن من معاني الباء أنها مصاحبة للروح دون البدن، وبعد نصف ساعة قال لي: فهمت يا ابني.
قلت له: نعم فهمت.
قال: وماذا فهمت؟ قلت: أن الإسراء بالروح والجسد.
فقال لي: اقعد فأنت يا ابني عامل حسابك ألا تفهم.
قلت له: صحيح.
لأنني فهمت معتقد أهل السنة والجماعة فليس عندي استعداد أن أغيره.
قال: [إن الإيمان إذا سكن في القلب قبل الاحتجاج لم يخرجه الاحتجاج، وإذا سكن الحجاج قبل الإيمان كان منتقلاً متى حاجه من هو أحج منه].
يعني: إذا كان لا يقوى على حجج المبتدعة فإنه كلما أتاه مبتدع حجته أقوى من حجة المبتدع الأول تنقل، النهار هذا قدري، بكرة شيعي
стр. 853
الأسئلة
стр. 854
الحكم على أثر عمر (اللهم إن كنت كتبتني من أهل الشقاء) وبيان معناه
السؤال
جاء عن عمر أنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتني من أهل الشقاء فامحني واكتبني من أهل السعادة، هل صح هذا الدعاء؟ وما معناه؟
الجواب
هذا دعاء صحيح، فقد صح عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه دعا بهذا الدعاء، ومعنى ذلك: أن هذا العبد يتمنى على الله أنه إن كان كتبه من أهل الشقاء فليمح ذلك وليثبته من أهل السعادة، وهذا لا يعدو أن يكون دعاءً ورجاءً في الله .
يعني: يحسن نية هذا العبد أن يميته على الإسلام، والله أعلم.
стр. 855
حكم تحديد مواقيت إقامة الصلاة
السؤال
ما حكم تحديد مواقيت إقامة الصلاة؟
الجواب
ليس ذلك من السنة، المحدود في المساجد أن صلاة الفجر بعد نصف ساعة وصلاة الظهر والعصر والعشاء بعد ربع ساعة، والمغرب بعد خمس دقائق أو عشر دقائق، هذا ليس من السنة، ولكن إقامة الصلاة تكون بإذن إمام المسجد لا بغير إذنه، ولا ينبغي لإمام المسجد أن يأمر بإقامة الصلاة ولم يجتمع إليه أهل الحي، إنما هذا الأذان فائدته إعلام القوم وإخبارهم بدخول وقت الصلاة، فالذي يسمع الأذان بعد أن يبتدئ دخول الوقت يستعد له فيتوضأ ويأتي إلى المسجد فيصلي ركعتين ثم يصلي مع الإمام.
وليس معقولاً أن الإمام يأمر بإقامة الصلاة وكل من في المسجد أو غالبهم يصلي السنة، بل ينتظر حتى يفرغ الناس من السنة، فإذا اجتمع أهل الحي فلا قيمة للانتظار، بل يقيم بعد خمس دقائق، أو عشر دقائق، أو خمسين دقيقة، على حسب عادة أهل الحي، فإذا كنا أهل الحي قد اجتمعنا جميعاً في الدرس بعد المغرب وأذن لصلاة العشاء، أقيموا الصلاة، نحن لسنا منتظرين أحداً، أهل الحي موجودين من المغرب وأذن لصلاة العشاء فلا قيمة للانتظار.
стр. 856
الفرق بين نافع مولى ابن عمر ونافع صاحب القراءة المشهورة
السؤال
هل نافع الذي روى عنه ورش القراءة المعروفة هو نافع الذي روى الحديث عن ابن عمر؟
الجواب
لا، نافع الذي يروي عن ورش هو غير نافع الفقيه مولى ابن عمر.
стр. 857
حكم لبس الطاقية
السؤال
هل لبس الطاقية من السنن المستحبة أم ماذا؟
الجواب
لبس الطاقية من السنن المستحبة، وهو هدي النبي ﵊.
стр. 858
مقدار الأخذ من اللحية
السؤال
ما هو مقدار الأخذ من اللحية؟
الجواب
إذا زادت عن القبضة فخذ ما دون القبضة.
يعني: تمسك لحيتك من الذقن والعارضين، والذي يفضل عن القبضة خذه.
стр. 859
حكم من عصى الله في رمضان وأفطر فيه ثم تاب إلى الله
السؤال
ما حكم من ارتكب الفواحش في رمضان وأفطر فيه ثم تاب إلى الله تعالى؟
الجواب
الأخ الذي يسأل من أنه في أيام معاصيه وقبل توبته ارتكب فاحشة في رمضان أو ارتكب معصية أو كبيرة ولكنه تاب منها وندم على ما فعل وقضى الأيام التي أفطر فيها في أثناء معصيته فهذا يكفيه ولا شيء عليه، ولكن لو أكثر من السنن والمستحبات لكان خيراً له حتى تتم له التوبة، والله تعالى أعلم.
стр. 860
حكم من أقيمت الصلاة وهو يصلي السنة القبلية
السؤال
من كان يصلي سنة والسنة -مثلاً- رباعية وهو في الركعة الثالثة وأقيمت فهل يسلم قبل أن يصلي الرابعة لحديث: (لا صلاة إلا المكتوبة)؟
الجواب
الحديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) وهو حديث صحيح، ولكن تأويله محل نزاع بين أهل العلم.
الرأي الأول: أنه لا صلاة قط بحضرة المكتوبة، إذا أقيم لها فلا صلاة.
وهذا كان مذهب الشيخ الألباني ﵀، كان يقول: إذا أقيمت صلاة الفرض فلا صلاة مطلقاً لأحد في المسجد، وإن أتم الصلاة فصلاته باطلة، ولكن هذا الرأي فيه غلو.
وبعض أهل العلم قالوا وهو الرأي الراجح وهو مذهب الجمهور: إذا أقيم لصلاة الفرض فلا صلاة لمصل يشرع فيها.
وهذا أقوى الأقوال، وكنت آخذ بغيره آنفاً والآن أرجع عن القول الأول وأميل إلى الرأي الثاني، والمرء قد يرجع عن قوله ويتبنى قولاً جديداً، وهذا الرأي هو مذهب الجمهور: أنه إذا أقيمت الصلاة فلا يجوز لأحد أن يشرع في صلاة سنة، فإن شرع فصلاته باطلة.
стр. 861
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - ما روي في منع الصلاة خلف القدرية
الإيمان بالقدر مرتبة من مراتب الإيمان ضل فيها الجبرية والقدرية لانحرافهم عن دلائل النصوص من الكتاب والسنة، ولا يتم إيمان العبد إلا بالإيمان بالقدر كما ورد عن النبي ﷺ ، وقد شنع النبي ﷺ وصحابته الكرام وسلف هذه الأمة من التابعين والفقهاء والعلماء على القدرية وحذروا من اتباعهم ومجالستهم والصلاة خلفهم، وتزويجهم وأكل ذبائحهم ومجالستهم ومبايعتهم وقبول شهادتهم، بل جعلوهم بمنزلة أهل الكتاب، حتى سماهم النبي ﵊ مجوس هذه الأمة؛ لفظاعة ما أتوا به وشناعة ما نسبوه إلى الله تعالى.
стр. 862
سياق ما روي في منع الصلاة خلف القدرية
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فلا يزال الكلام موصولاً عن القدر، والآن مع [ما روي في منع الصلاة خلف القدرية والتزويج إليهم وأكل ذبائحهم، ورد شهادتهم].
قال المصنف ﵀: [سياق ما روي في منع الصلاة خلف القدرية، والتزويج إليهم وأكل ذبائحهم، ورد شهادتهم] شهادة الفاسق مردودة عند جماهير العلماء، ولكن ترك أكل الذبائح لا يكون إلا مع الكفار، ومنع الصلاة لا يكون إلا خلف المبتدع والكافر، وكذلك ترك الزواج لا يكون إلا من الكافرين والكافرات.
стр. 863
كلام السلف في حكم الصلاة خلف القدرية
قال: [روي عن واثلة بن الأسقع أنه أمر بإعادة الصلاة خلف القدرية، ونهى عن الائتمام بهم].
رجل يقول: إن الله لا يعلم الأشياء حتى تقع، فهذا لا تجوز الصلاة خلفه، لأنه كافر مرتد، وبالتالي من صلى خلف قدري وجبت عليه الإعادة ولو بعد مائة عام.
قال: [ومن التابعين: عن علي بن عبد الله بن العباس أنه كان يقول: إذا كان الإمام صاحب هوى فلا يصلى خلفه].
أي: صاحب بدعة وهو داعٍ إلى بدعته ورأس فيها فلا يصلى خلفه.
[وعن محمد بن علي بن الحسين: أنه أمر بإعادة الصلاة خلف القدري.
وعن سيار أبي الحكم يقول: لا يصلى خلف القدرية، فإذا صلي خلف أحد منهم أعاد].
أي: وجبت عليه الإعادة.
[وعن أيوب السختياني مثله].
الكلام السابق.
قال: [ومن الفقهاء: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي وأبو يوسف القاضي -صاحب أبي حنيفة - والإمام أحمد بن حنبل مثله].
أي: هذا الكلام.
[وعن ابن سيرين: أنه كره ذبائح القدرية].
لم يحرمها تحريماً إنما كرهها.
قال: [عن حبيب بن عمر الأنصاري قال: حدثني أبي قال: سألت واثلة بن الأسقع -وهو صحابي ﵁ عن الصلاة خلف القدري، فقال: لا يصلى خلفه، أما إني لو صليت خلفه لأعدت صلاتي].
أي: لو أني صليت خلفه لوجبت علي الإعادة.
[عن الحارث بن سريج البزاز قال: قلت لـ محمد بن علي: إن لنا إماماً يقول بالقدر -إمامنا في المسجد قدري- فقال: يا ابن الفارسي! انظر كل صلاة صليتها خلفه أعدها، إنما هم إخوان اليهود والنصارى، قاتلهم الله أنى يؤفكون].
القدرية إخوان اليهود والنصارى، وما من بدعة من البدع وردت في الإسلام إلا وأصولها يهودية أو نصرانية أو مجوسية، والقدرية إنما هي بدعة نصرانية في أصلها قال بها سوسن العراقي، وعنه أخذ معبد الجهني، وعن معبد غيره حتى تسلسل الأمر.
قال: [كان سيار أبو الحكم يقول: لا يصلى خلف القدرية، فإذا صلى خلف أحد منهم أعاد الصلاة].
عن صدقة بن يزيد قال: [مررت مع أيوب -وهو ابن أبي تميمة السختياني البصري - وهو آخذ بيدي إلى المسجد لنصلي فيه، فمررنا بمسجد قد أقيمت الصلاة فيه، فذهبت لأدخل فنتر يده من يدي فترة، ثم قال: أما علمت أن إمامهم قدري].
وما قصد صدقة أن يصلي خلف قدري، وإنما اجتهد في إدراك الصلاة خاصة وأنه قد سمع إقامة الصلاة، ولكن أن تفوتك الصلاة خير من أن تصلي خلف قدري، والسلف ﵃ كانوا يتحرون الصلاة خلف أوثق وأعدل الأئمة الذين أنيطت بهم إمامة الناس في الصلاة وفي غيرها.
عن مصعب قال: [سمعت مالك بن أنس يقول: لا يصلى خلف القدرية].
وعن مروان بن محمد قال: [سألت مالك بن أنس عن تزويج القدري فقال: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة:٢٢١]].
وهذا حكم عقدي عليه بأنه كافر.
[وروي عن مالك أنه سئل عن القدري الذي يستتاب من هو؟ قال: الذي يقول: إن الله لم يعلم ما العباد عاملون حتى يعملوا].
يعني: الذي ينكر العلم الأزلي الأبدي السرمدي لله ، فهذا الذي يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
وهل يقتل حداً أو ردة؟ يقتل ردة؛ لأنه لا يقتل حداً إلا صاحب المعصية، على أن تكون هذه المعصية دون الشرك، إذ كل معصية دون الشرك فالعقوبة فيها حد، مثل حد الزنا والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك من المعاصي كلها العقوبة فيها الحد، وما دون هذه الكبائر فإن العقوبة فيها التعزير، أما الشرك والردة -وهي نوع من الشرك والكفر- فالعقوبة فيها ردة لا حداً.
فإذا استتيب هذا القدري فتاب تاب الله عليه، فإن لم يتب قتل ولكنه يقتل ردة، ويموت على الكفر لا يرث ولا يورث، وماله لبيت المال.
وعن عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل قال: [سمعت أبي يقول: لا يصلى خلف القدرية والمعتزلة].
وعن سوار بن عبد الله قال: [حدثني معاذ بن معاذ قال: صليت خلف رجل من بني سعد، ثم بلغني أنه قدري، فأعدت الصلاة بعد أربعين سنة، أو ثلاثين سنة].
شك الراوي.
انظروا إلى اهتمام السلف بأمر الصلاة إلى أي حد بلغ! [عن أبي يوسف القاضي -وهو صاحب أبي حنيفة - قال: لا أصلي خلف جهمي، ولا رافضي -شيعي خبيث- ولا قدري.
وعنه أنه سئل: ما الحكم في القدرية -يعني: لو أنك حاكم ماذا تصنع بهم- قال: الحكم أنه من جحد العلم أستتيبه فإن تاب وإلا قتلته].
والعلم هو أول مرتبة من مراتب القدر، والذين كفرهم عبد الله بن عمر رضي الل
стр. 864
حكم الأئمة في تزويج القدرية
وعن عبد الصمد بن مردويه قال: [سمعت رجلاً يقول للفضيل: من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها، فقال له الفضيل: من زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها].
فالفاسق أهون من المبتدع، الفاسق صاحب كبيرة أو المصر على الصغيرة المبتدع شر منه، ولذلك العلماء لما قسموا المعاصي قسموها على الترتيب الثلاثي: الكفر، البدعة، المعصية، والكفر أمره معلوم، وصاحب المعصية إنما يعصي الله وهو يعلم أنه عاصٍ، وهل يتصور أن الزاني يزني وهو يعتقد أن الزنا طاعة وقربة؟ أو أن سارقاً يسرق وهو يتقرب بهذه السرقة إلى الله؟ لا يمكن أن يكون هذا.
أما المبتدع فهو قائم على بدعته ظناً منه أنها الحق، وأنها قربة إلى الله ، ولذلك هو يتمسك ببدعته فوق تمسك صاحب المعصية بمعصيته.
ولذلك أنت إذا حدثت صاحب معصية في معصيته وضع وجهه في الأرض استحياء مما يأتي، حتى لو كانت من المعاصي الصغيرة التي لم تبلغ حد الكبائر، ويبدأ يلوم نفسه ويسأل الله المغفرة، وغير ذلك من الكلمات التي تسمعها بصدق من لسان هذا العاصي.
ولكن انظر إلى رافضي خبيث شيعي مجرم يتقرب إلى الله -وقد صحت النصوص عندهم- بتكفير الشيخين، بل جاء في كتاب الكافي وهو عند الشيعة كـ البخاري عند أهل السنة، جاء فيه: أن من لم يلعن أبا بكر وعمر في كل صباح ومساء فليس برافضي حقاً، وليس بشيعي حقاً.
تصور رجلاً يقوم مبكراً ويسب أبا بكر وعمر وهو يعتقد أنه يتقرب إلى الله بذلك، خاصة إذا كان من رعاع المذهب لا من رءوسهم، فهذا الذي تريد أن تخلعه عن هذه الكبيرة وهذا الجرم وهذا الكفر كيف تخلعه؟ أمر صعب جداً، ولذلك نسمع في كل يوم أن عشرات من أصحاب المعاصي يتوبون إلى الله ويتركون معاصيهم، وفي كل مائة عام نسمع عن توبة رجل من رءوس البدعة، لأنه أشد تمسكاً ببدعته من صاحب المعصية بمعصيته، ولذلك المعصية أخف ضرراً من البدعة، ولذلك النبي ﵊ يقول: (إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته).
ولم يقل ذلك في أصحاب المعاصي، بل أصحاب المعاصي تحت مشيئة الله، وهذا في حالة ما إذا ماتوا وهم مصرون على معاصيهم وإن كانت كبائر، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن ماتوا على ذلك غير مستحلين لها فهم تحت مشيئة الله إن شاء تاب عليهم وعفا عنهم، وإن شاء أخذهم بذنبهم، بخلاف صاحب البدعة؛ فإن الله تعالى يؤاخذه لأنه يدخل في الدين ويلحق به ما ليس منه، كما أنه اتهام الله بعدم تمام الشريعة وبنقصان هذا الدين، مكذباً بالقرآن والسنة، ومكذباً بأقوال الرسول ﵊.
стр. 865
حكم الأئمة في عيادة المريض من القدرية
قال الأثرم: قيل لـ أحمد بن حنبل: [رجل قدري أعوده إذا مرض؟] أي: هل يحل لرجل من أهل السنة أن يعوده في مرضه؟ قال: [إذا كان داعية إلى الهوى فلا].
يفرق أحمد هنا بين صاحب البدعة الداعي إليها الرأس فيها، وبين عامة الناس في هذه البدعة، فلهذا حكمه وللآخر حكم آخر يفرق بين صاحب البدعة، ومن هو رأس فيها وداعٍ إليها ومدافع ومنافح عنها في الليل والنهار، وينفق ماله ومال أمته على هذه البدعة وعلى إظهارها، وطمس مذهب أهل السنة والجماعة، فهذا الرجل له حكم بخلاف من نشأ في بدعة أو في بلد قد انتشرت فيه هذه البدعة.
أقول: الخميني الذي أقام ثورته الإسلامية المكذوبة، والذي طبل له المغفلون في هذه البلاد وفي غيرها شرقاً وغرباً وصفق له المغفلون والجهلة في كل مكان ظناً منهم أن هذه ثورة إسلامية، وهم لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا بين العقيدة الصحيحة وبين غيرها، بل معظمهم على غير العقيدة السليمة، وعلى غير عقيدة السلف، ولذلك الخميني له حكم ورعاع الشعب الإيراني لهم حكم، أما الخميني فإنما هو رأس في البدعة مجتهد فيها، داع إليها، فهذا له الحكم الذي ينطبق على معبد الجهني، وغيلان الدمشقي وغيرهم من أصحاب البدعة، أما عامة الشعب فلا يكفرون، وإنما يفسقون ببدعتهم، وفرق بين الكفر وبين الفسق.
قال: [إذا كان داعية إلى الهوى فلا.
قيل له: أصلي عليه؟ فلم يجب].
يعني: إذا مرض هذا الرجل القدري وكان رأساً في البدعة فلا تعده، وأما عن الصلاة خلفه فما استطاع أحمد ﵀ أن يتكلم، ولا أن يجيب عن هذا السؤال، وكان بحضرته إبراهيم بن الحارث العبادي.
[فقال له إبراهيم بن الحارث العبادي وأبو عبد الله يسمع: إذا كان صاحب بدعة فلا تسلم عليه، ولا تصلي خلفه، ولا تصلي عليه.
قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل: كافأك الله يا أبا إسحاق وجزاك خيراً].
وهذا إقرار منه لفتواه.
стр. 866
رأي الأئمة في ذبائح القدرية ورد شهادتهم
قال: [عن ابن سيرين: أنه كره ذبائح القدرية].
وعن علي بن المديني شيخ الإمام البخاري وقرين أحمد بن حنبل قال: [سمعت معاذ بن معاذ حين قدم من عند هارون الرشيد في القدمة التي كان أجازه فيها هارون، فسمعته يقول: قال لي أمير المؤمنين: إني والله ما بعثت إليك لموجدة وجدتها عليك، ولكن لم أزل أحب رؤيتك ومعرفتك].
يعني هارون يقول له: أنا ما أرسلت إليك لأجل خصومة بيني وبينك وغضب مني عليك، وإنما أرسلت إليك، لأني أحب رؤيتك، أيام ما كان الأمراء والخلفاء يحبون أهل العلم.
ثم قال: [بلغني أنك ترد شهادة قوم.
قلت: يا أمير المؤمنين! قدرية ومعتزلة.
قال: أصبت وفقك الله].
стр. 867
كراهة العلماء لمجالسة ومبايعة أهل القدر
قال: [عن إدريس القصير عن أبيه قال: شهدت عبيد الله بن الحسن العنبري واختصم إليه رجلان -كان قاضياً عظيماً مشهوراً، واختصم إليه رجلان في قضية من القضايا- فقال أحدهما: اشتريت منه عبداً على أنه ليس به داء ولا علة ولا غليلة، بيع المسلم للمسلم وأنه قدري].
يعني: ممنوع أن يكون هناك غليلة وإخفاء للعيب بين المسلم والمسلم، ولكني لما اشتريته وجدت هذا الغلام قدري، وهذا أمر لابد أن يبينه البائع، فلما اشتراه كان لزاماً على البائع أن يبين عيبه أنه قدري، ولما أخفى هذا العيب بطل البيع، ولذلك حكم عبيد الله العنبري ببطلان البيع للعيب.
قال: [فقال عبيد الله بن الحسن له: إنما اشتريت مسلماً ولم تشتر كافراً فرد عليه].
قال: [أرسل رجل من أهل خراسان بكتاب يسأل أبا ثور -وهو إمام عظيم من أئمة الفقه- فأجاب: سألتم رحمكم الله عمن قال: إن المعاصي لم تقدر هل هو فاسق يصلى خلفه].
رجل يقول: المعاصي ليست من عند الله، ولم يقدرها الله على العباد إنما هي من فعل البشر، ووقعت بمشيئة الفاعل ولا علاقة لمشيئة الله بها، فهل هو فاسق؟ وهل يصلى خلفه أم لا؟ فقال: [فهذا فاسق بتفسيق أهل العلم، لا يصلى خلفه، وهو داخل في حكم أهل القدر، ومن قال: الأشياء كلها بقدر إلا المعاصي فلا يصلى خلفه].
وهذا يبين أن الأشياء من عند الله خيرها وشرها، ويكفينا حديث النبي ﵊ (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره).
فأثبت أن الشر بقدر.
إذاً: الخير من الله والشر من الله، الخير أراده الله وأمر به إرادة شرعية دينية، والشر نهى الله عنه، ولكنه أراده في كونه إرادة كونية قدرية لا شرعية دينية.
[قال سفيان بن عيينة: لا تصلوا خلف الرافضي، ولا خلف الجهمي، ولا خلف القدري، ولا خلف المرجئ].
تصور عندما يذهب من يزعم أنه أمير جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يذهب إلى إيران بدعوى من الخميني، وهذا الرجل قد تربينا على يديه من سنة (١٩٧٩م) إلى سنة (١٩٨١م)، ثلاث سنوات ونحن نسمعه في مسجد سوق الآخرة بحلوان، وكان لا يتوقف عند المحطات الصغيرة، والذي كان يفسقه أهل العلم كان يكفره هو، فما بالك بالذي يكفره من أهل العلم؟! فكان قد حكم في ذلك الزمان بأن خميني إيران كافر، وأن هذه الثورة ثورة كاذبة لا تمت للإسلام بصلة، بل كان يحكم على طلاب إيران الموجودين في كلية دار العلوم في ذلك الوقت بالكفر، وكان يطردهم من مسجده، ويقول: إنما أتوا إلينا تقية؛ لأن خميني إيران سئل بعد ثورته بعام من قبل طلاب كلية دار العلوم بالقاهرة: ماذا نفعل في مسائل تعترضنا في حياتنا بمصر لا نجد لها جواباً ولا نعلم لها حلاً في ديننا؟ أي: في دين الشيعة.
قال: سلوا علماء الناصبة -أي: علماء السنة- ثم خالفوهم، فإذا قالوا حلالاً، فاعلموا أنه حرام، وإذا قالوا حراماً فإنما هو حلال.
هذه فتوى الخميني عليه لعنة الله.
هذا الرجل لما فتن في دينه، وأراد أن يظهر، وقد حذرنا منه الصادقون المخلصون ولكننا على عادتنا ونحن في بداية طريقنا لم نقبل هدى الذي يريد أن يهدينا، ولا نصح الذي يريد أن ينصحنا، لأننا ألفنا أن نسمع من رجل واحد، وهذا خطأ، ولذلك أنت لا تعلم خطأ شيخك حتى تسمع من غيره، إذ كيف يتسنى لك أن تعرف الحق من الباطل وأنت تزعم أن كل إنسان ليس معصوماً إلا الأنبياء؟ فشيخك ليس معصوماً، فينبغي أن تسمع من غيره حتى يتبين لك الخطأ، فإذا كان الأمر كذلك فنحن خالفنا في أول الطريق حتى رأينا بأعين رءوسنا وقلوبنا أن هذا الرجل قد فتن، وأنه ذهب يبحث عن المناصب والمظاهر شرقاً وغرباً أماته الله ، وهو حي الآن يحمل وزره، ولكنه في قلوب الشباب ميت لا قيمة له، ولا دعوى له تسمع.
ذهب هذا الرجل إلى إيران فصلى خلف الخميني، وهو الذي كان يكفره، صلى خلفه وقد مرت به هذه النصوص، وهو يعلم أن الصلاة خلف الرافضي لا تصح وتجب إعادتها، إذا صلى خلفه مسروراً أو مكرهاً أو خائفاً، وجبت عليه الإعادة ولو إيماءً، فصلى خلفه ثم أتى إلى مصر وهو يشيد بثورة الخميني، ويقول: لقد جالسته فوجدته صالحاً! والله كلاكما كاذب، وأنت ما سافرت إلا ليقال: فلان سافر، وفلان رحل، وفلان قابل الزعيم الشيعي وغير ذلك.
قال روح بن عبادة: [سمعت منادياً ينادي على الفجر يقول: إن الأمير أمر ألا يبايع زكريا بن إسحاق ولا يجالس، فمن فعل ذلك فقد حلت به العقوبة لموضع القدر].
أي: بعلة القدر.
стр. 868
موقف الحارث المحاسبي من أبيه لقوله في القدر
قال: [مات أبو الحارث المحاسبي] يعني: والد الحارث المحاسبي، وأنتم تعلمون أن الحارث المحاسبي كان إماماً في الزهد والورع، وعاش في عصر أحمد بن حنبل، وأثنى عليه أحمد بن حنبل خيراً في زهده وورعه وتقواه.
ولذلك لما سألت امرأة أحمد بن حنبل أيغزل في ضوء موكب السلطان، ثم يباع ويتربح ويتكسب من هذا وهذه الإضاءة وهذه الأنوار ليست له خاصة، فتعجب أحمد بن حنبل من السؤال، وقال: من السائل؟ قالت: أنا أخت الحارث.
قال الإمام: من بيتكم خرج الورع، أما إنه لا يحل لك أنت بالذات إنما لسائر الناس يحل؛ لأن الأمر على الإباحة والجواز، لكن الحارث لو سمع بهذا ما أجازه من شدة ورعه وزهده وخوفه من الله ، فقال: من بيتكم خرج الورع.
كان والد الحارث المحاسبي قدرياً.
قال: [يوم مات وحارث محتاج إلى أقل من درهم -أو كما قيل- لعيال وبنات عليه، وترك أبوه مالاً وضيعه وأثاثاً وأموالاً كثيرة نفيسة، فلم يقبل -أي: الحارث - منها شيئاً.
فقيل له في ذلك؟ فقال: روي عن النبي ﵊: (أهل ملتين شتى لا يتوارثان)] نعم.
(لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم).
يعني الحارث المحاسبي يكفر والده، لأنه كان قدرياً.
وهذا فارق ما بيننا وبين السلف! كما قيل للفقيه: إن الكلب قد بال على الجدار كيف نطهره؟ قال: بهدمه وبنائه سبع مرات.
قيل له: إن الجدار بيننا وبينك.
قال: إنما يكفيك شيء من الماء ترشه عليه.
هذا الفقيه هو أنا أو أنت، إذا كانت النصوص لنا فبها ونعمت، وإذا كانت علينا لوينا رءوسنا وتنكرنا لها.
стр. 869
ما ذكر من مخازي مشايخ القدرية وفضائح المعتزلة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ما ذكر من مخازي مشايخ القدرية وفضائح المعتزلة].
عن معاذ بن معاذ قال: [كنت عند عمرو بن عبيد -وعمرو بن عبيد رأس في القدر- فجاءه رجل، فقال: ألا تعجب من فلان يزعم أن ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد:١] في اللوح المحفوظ؟ فقال عمرو بن عبيد: لئن كانت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] وتب في اللوح المحفوظ فما على أبي لهب من لوم، وما على الوليد من لوم، يعني في قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١]].
يعني: جاءه رجل في حضرة معاذ بن معاذ يقول له: يا عمرو بن عبيد! يزعم رجل أن ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] في اللوح المحفوظ.
فقال له: إذا كانت في اللوح المحفوظ فلم يعاقبه الله وقد حكم عليه بأنه من الهالكين أولاً قبل أن يخلقه؟ ولم يعاقب الوليد والد خالد بن الوليد ﵁؟ وهو الذي نزلت فيه الآيات الطويلة في سورة المدثر: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر:١١ - ١٤] إلى آخر الآيات.
قال: فلم يعاقبهم الله وقد قضى عليهم في الأزل أنهم من الهالكين.
قال [عن ثابت البناني قال: رأيت عمرو بن عبيد في النوم يحك آية من المصحف، فقلت: ما تصنع؟ فقال: أثبت مكانها خيراً منها].
هذا عمرو بن عبيد يريد أن يثبت آية في كتاب الله خيراً من كلام الله .
وعن عاصم الأحول قال: [جلست إلى قتادة فذكِر في هذا المجلس عمرو بن عبيد، فقلت: يا أبا الخطاب! -وهي كنية قتادة - ألا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض.
قال: يا أحول! أو لا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة فينبغي لها أن تذكر حتى تعلم؟!] لأن النبي ﷺ استثنى أشياء من الغيبة، فذكرك أخاك بما يكره غيبة إلا ما استثناه النبي ﵊، ومن هذا المستثنى ذكرك صاحب البدعة، وصاحب الفجور الذي يجاهر بفجوره ومعصيته.
ولذلك تلك المرأة التي لاعنها زوجها هلال بن أمية عند النبي ﵊، قيل: لـ ابن عباس أهي هذه المرأة التي قال فيها النبي ﵊: (لو كنت جالداً أحداً أو راجماً أحداً بغير بينة لرجمت هذه) قال: لا.
إنما هذه امرأة أعلنت السوء، والحديث في الصحيحين.
يعني: لو كان يحل لي أن أرجم أحداً بغير بينة ولا شهود ولا إقرار لرجمت هذه المرأة التي اشتهر عنها البغاء والزنا، ولكن لم يثبت عليها بشهادة أربعة، وهو نصاب الشهادة في الزنا فلا يحل إقامة الحد، بل من تكلم في عرض أحد بغير نصاب الشهادة جلد هو في ظهره ثمانين جلدة، وهو حد القذف.
[قال: يا أحول! أو لا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة فينبغي لها أن تذكر حتى تعلم؟!] هذا صاحب البدعة ينبغي أن يذكر ببدعته في المجالس وعلى الملأ حتى نحذر بدعته.
قال: [فجئت من عند قتادة وأنا مغتم -لم يعجبه كلام قتادة، مع أنه كان قدرياً ثم تاب- لقوله في عمرو بن عبيد، وما رأيت من نسك عمرو بن عبيد وهديه]، يعني: غره نسك صاحب البدعة، وأصحاب البدع لعلهم أشد في العبادة من أصحاب السنة، فيغتر الجهلاء والحمقى بهذه العبادة، كيف لا والنبي ﵊ نفسه شهد بهذا فقال: (سيأتي أقوام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).
وأنكر أبو موسى الأشعري على هؤلاء الناس العبادة والذكر والتسبيح والتهليل، وابن مسعود الفقيه الصحابي الجليل ﵁ لم تنطلي عليه هذه العبادة، وأنها عبادة غير مستقيمة ولا مرضية، فلذلك قال لهم لما رآهم على هذه الكيفية من العبادة والتي لم تأت في سنة النبي ﵊ قال: إما أنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة ولا أراه إلا هذا.
أي: ولا أراكم إلا على ضلالة، مع أنه رآهم يسبحون ويكبرون ويهللون ويحمدون.
فأنت رجل لا علم عندك، أول ما ترى صاحب بدعة له عبادة أو له شهرة بالدعوة إلى الإسلام تغتر به، مثل من سمع عن خميني إيران عندما قاد الثورة الإسلامية، الكل ذهب يطبل ويزمر فرحاً بالثورة الإسلامية الثورة بنيت على غير أساس ودليل، بل بنيت على الباطل من أولها إلى آخرها، وكل ما في الأمر أنه نجح في تطويع شعبه
стр. 870
سياق ما روي عن الرؤيا السوء من المعتزلة
قال: [وسمعت أبا أحمد عبيد الله بن محمد بن أحمد الفرايضي ﵀ الشيخ الصالح الأمين الثقة يقول غير مرة: كان رجل ضرير من أهل القرآن يقرأ علي، وأثنى عليه خيراً أبو أحمد، فقال لي بعدما مات الجعد لعنه الله: قد رأيت رؤيا.
فقلت: ماذا رأيت؟ قال: رأيت كأني كنت في مسجد وفيه جماعة من الناس يريدون الصلاة، وقد قام الإمام ليقيم الصلاة، فدخل رجل من برا -أي: من البر- وأسر إليه شيئاً، فالتفت الإمام وقال: قد مات جعد لا رحم الله جعداً، وحشا قبره ناراً وأراح المسلمين منه].
فموت الجعد كان لهذا الإمام بشرى طيبة، ولذلك أعلن قبل الدخول في الصلاة هذا القول، قال: [لا رحم الله جعداً وحشاً قبره ناراً، وأراح المسلمين منه].
ولذلك حمل هذا الإمام على أن يصلي على الجعد، فقال: والله لأصلين عليه وإن حملتموني على ألا أصلي عليه.
يعني: حتى لو لم تريدوا أن أصلي عليه لابد من أن أصلي عليه، فغضب عليه أهل السنة وتركوا الصلاة خلفه فترة من الزمان حتى قدموا إلى بيته، وقالوا: يا فلان، ما الذي حملك على أن تصلي على هذا الرجل؟ قال: وما الذي يمنعني من أن أصلي عليه؟ قالوا: كيف قلت في صلاتك؟ قال: والله ما قرأت فاتحة الكتاب، ولا صليت على النبي ﷺ ولا على أبي الأنبياء، وإنما أخذتها من أولها إلى آخرها: اللهم احشره في زمرة فرعون وهامان وقارون، اللهم العنه في الدنيا والآخرة، اللهم املأ قبره عليه ناراً، اللهم لا تخلفه بخير في المسلمين.
وظل يدعو عليه، فاعترفوا به إماماً للمسجد وصلوا خلفه بعد ذلك.
قال الشيخ أبو أحمد: [قلت له: تعرف هذا الرجل الذي رأيت له الرؤيا؟ قال: لا والله ما أعرفه، ولا سمعت باسمه إلا في الرؤيا.
قلت: هذا من متكلمي المعتزلة، وقد مات في هذه الأوقات.
قال الشيخ أبو القاسم ﵀: وسمعته غير مرة يذكر أبا حامد المرورذي يثني على عمله، ويطنب في فضله وحسن صورته وجملته، فقال: رأيته في النوم وكأنه على سطح مسجد قاعد وحوله جماعة وسخة ثيابهم كأنهم يشبهون غلمان البزارين، وبين يديه طبق عليه عود يلوكه بأسنانه، وقد أسودت جلدة وجهه بعد حسنها ونضارتها في حياته، فلما نظرت إليه أنكر نظري وكأنه خُيل إليه أنه أنا نائله- أي: آخذ منه، أو مصيبه بشيء مكروه -لما أعلم مما كان يرمي به من بدعته.
فقال: إنا لا نظلم الله.
فقلت: ألا لعنة الله على الظالمين.
فهمَّ الذين حواليه بسوء يوقعونه بي، فقرأت: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وأخذت أشير بأصبعي، وكان ﵀ يشير في اليقظة كذلك وانتبهت].
وهذا النص لا أراه نصاً صريحاً ولا صحيحاً ولا جيداً، خاصة: وأن من رؤيت له هذه الرؤيا كان من كبار فقهاء الشافعية العاملين بسنة النبي ﵊.
стр. 871
سياق ما روي أن مسألة القدر متى حدثت في الإسلام وفشت
قال: [سياق ما وري أن مسألة القدر متى حدثت في الإسلام وفشت.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي ﵊: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر)]، قوله: (لا يؤمن عبد).
هل هذا النفي على إطلاقه؟ أي: لا إيمان للعبد ألبتة؟ هل هذا نفي لمطلق الإيمان أم الإيمان المطلق؟ يعني: نفي لأصل الإيمان أم نفي لكمال الإيمان؟ [قال أبو حازم: لعن الله ديناً أنا أكبر منه.
يعني التكذيب بالقدر]، أي: لعن الله دين القدرية الذي أنا لا أعتقده، وأنهم يكذبون بالقدر.
وعن عطاء بن أبي رباح قال: [أتيت ابن عباس وهو ينزع في زمزم -يأخذ ماءً بدلو من زمزم- قد ابتلت أسافل ثيابه، فقلت: قد تكلم في القدر.
قال: أوقد فعلوها؟ فقلت: نعم.
فقال: والله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩] أولئك شرار هذه الأمة].
وكل من ألفاظ العموم أو من الخصوص؟ لو قلت: من ألفاظ الخصوص، فأنت متفق مع القدرية بأن الله تعالى خلق الخير ولم يخلق الشر، لكن إذا قلت: إن كل من ألفاظ العموم فيشمل الخير والشر وهو من عند الله ، والله هو الذي خلقهم.
وعن أيوب بن أبي تميمة السختياني قال: [أدركت الناس هاهنا وكلامهم: وإن قضى وإن قدر].
يعني: وإن قضى الله قضاءً أمضاه، وإن قدر الله قدراً أمضاه.
وعن عثمان بن عبد الله قال: [أول من تكلم في شأن القدر: أبو الأسود الدؤلي.
وأنتم تعلمون أن أبا الأسود الديلي] تاب ونزع من هذه البدعة، وقد مر بنا التنبيه على أن أبو الأسود الدؤلي ﵀ إمام من أئمة البصرة، بل هو الذي نقط القرآن وشكله وضبطه بأمر علي بن أبي طالب ﵁، وهو من سادات التابعين ومن أئمة اللغة، وهو الذي وضع علم العروض وعلم العربية وغير ذلك من مناقبه العظيمة، ويكفي أنه تلميذ علي بن أبي طالب.
[عن الحسن بن محمد قال: أول من تكلم في القدر حين احترقت الكعبة] سنة أربع وستين هجرية.
كانت هذه أول مرة تحترق فيها الكعبة، وقد احترقت بعد ذلك مرات، وسرق الحجر الأسود منها مرات، لكن أول مرة حرقت الكعبة كانت سنة أربع وستين في دولة بني أمية على يد الحجاج في زمن الزبير، فقال قائل أهل السنة: إن احتراق الكعبة من قدر الله، فقال آخر: ما كان هذا من قضاء الله.
إحراق الكعبة شر من عند الناس، والناس هم الذين يفعلون الخير والشر، ويجري على أيديهم الكسب، والكسب هو العمل، والعفة مخلوقة في العبد، والشر مخلوق في العبد، والزنا مخلوق في العبد.
هل هناك خالق غير الله ؟ فالله خلق الشر وقدره ولم يرض عنه وحذر منه، وعاقب عليه بخلق النار، وأمر بالطاعة وأحبها ورضيها ويسر لها أهلها، ثم كافأهم بأن جعل لهم في الآخرة الجنة.
عن حازم قال: [سمعت حوشب يقول لـ عمرو بن عبيد في حبوة الحبس: ما هذا الذي أحدثت؟ قد نبت قلوب إخوانك عنك.
قال: انطلق إلى الحسن حتى نسأله عن هذا الأمر.
قال: كسرها الله لو ذهبت إليه -يعني: رجليه- وكان قتادة يتكلم في حقه ويسبه وربما يلعنه، قال: فجثوت -أي: عاصم الأحول - على ركبتي، وقلت: يا أبا الخطاب! وإن الفقهاء ينال بعضهم من بعض -يعني: لا يصح أن تقع فيه ولا هو يقع فيك- قال: يا أحول! رجل مبتدع ابتدع بدعة تذكر بدعته خير من أن يكف عنها.
قال: فوجدت على قتادة -أي: فغضبت منه- فوضعت رأسي، فإذا بـ عمرو يحك آية من القرآن.
قلت: لم تصنع؟ قال: إني أعيدها.
قال: فحكها.
قلت: أعدها.
قال: لا أستطيع].
[عن ابن عون قال: أدركت الناس وما يتكلمون إلا في علي وعثمان حتى نشأ هاهنا حقير يقال له: سنسويه البقال].
وهو اسم فارسي معرب بـ سوسن، وهو رجل نصراني أسلم ثم ارتد، ثم أسلم ثم ارتد، فتكلم في القدر، فأخذ عنه معبد الجهني قال: [فكان أول من تكلم في القدر.
قال حماد: ما ظنكم برجل يقول عنه ابن عون: هو حقير؟!] يعني: تكفي عليه هذه الشهادة.
وقال الأوزاعي: [أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن كان نصرانياً فأسلم ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد].
وهلم جرا إلى يومنا هذا.
فبدعة القدر أصلها نصراني من العراق، ومعظم الفتن أصلها العراق، والنبي عليه الصلاة والسل
стр. 872
الأسئلة
стр. 873
حكم الاستدلال بالرؤى على الأحكام
السؤال
فيما يتعلق برؤى أهل العلم، هل يترتب على هذا شيء في الاعتقاد أو غيره؟
الجواب
الرؤى والأحلام في مذهب سلفنا ﵃ لا يبنى عليها اعتقاد، وإنما هي من المبشرات، والصحابة ﵃ منهم من رأى الخير في منامه ومنهم من رأى الشر، ورؤية الشر في المنام لا تعد من أسباب سوء الخاتمة، يقول النبي ﵊: (من رأى منكم في منامه ما يكره فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثاً، وليتفل عن يساره ثلاثاً، ويتحول عن مكانه الذي كان ينام فيه، ولا يخبر بذلك أحداً، فإنها إن شاء الله لا تضره).
إذاً: الذي يرى ما يكره في منامه عليه: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم بمجرد أن يستيقظ، وأن يتفل عن يساره ثلاثاً، وأن يقوم فيتوضأ ويصلي ركعتين، ولا يخبر بذلك أحداً، فإنها إن شاء الله لا تضره.
стр. 874
الجمع بين حديث: (ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة) وحديث ادخار الدعاء
السؤال
كيف نوفق بين قول النبي ﵊: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)، وبين الحديث الآخر الذي مؤداه: أن الدعاء يجاب في الحال، أو في المآل، أو يدخر له إلى يوم القيامة، أو يدفع من السوء مثله، كيف نجمع بين اليقين بإجابة الدعاء، وبين ما سبق؟
الجواب
ليس هناك تعارض بين الدليلين.
قوله ﵊: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)؛ وبين قوله ﵊: (دعاء المؤمن إما أن يدخر له إلى يوم القيامة، أو يدفع عنه من الشر مثله).
أنا في كل الأحوال على يقين بأن الله تقبل دعائي خاصة إذا حققت شروط قبول الدعاء من أكل الحلال واليقين بالله ، والتوكل عليه، وغير ذلك من أسباب الطاعة التي تؤهلني لرفع دعائي إلى الله ، فإذا كان الأمر كذلك فأنا على يقين بأن الله تقبل دعائي، خاصة وأن النبي ﷺ أخبرني أن قبول الدعاء ليس بلازم أن يكون مرئياً رؤيا العين؛ لأن الله تعالى يؤخر لي الإجابة ليكافئني بها يوم القيامة، أو يدفع عني من الشر الذي لا أعلمه مثل الذي طلبته، فأنا أحوالي كلها تدور من خير إلى خير إلى خير، فإذا كان النبي ﷺ وعد بهذا فما الذي يضيرني أن أعقد قلبي وأعزم عقيدتي على أن دعائي مجاب في كل الأحوال، فليس هناك تعارض بين الدليلين.
стр. 875
المكتوب في اللوح المحفوظ هو علم الله فيما سيعمله العبد
السؤال
هل المكتوب في اللوح المحفوظ هو قدر الله على العباد، أم أنه علم الله بما سيعمله العباد؟
الجواب
المكتوب في اللوح المحفوظ هو علم الله ﵎ فيما سيعمله العباد، فقدره عليهم ثم كتبه.
стр. 876
معنى قوله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون)
السؤال
ما معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]؟
الجواب
هذه الآية وافقت قول النبي ﵊: (الله خالق كل صانع وصنعته) فأنت مخلوق لله ، وهذا الذي يوافق قول الله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
أي: وما تصنعون.
فهذا الكلام الذي تتكلمه أنت مخلوق فيك أي: حركات فمك ولسانك وأطرافك وحلقومك وغير ذلك كلها حركات مخلوقات، والصوت الذي خرج من فمك مخلوق كذلك.
أما الذي تتكلمه فإما أن يكون مخلوقاً أو غير مخلوق، فإن تكلمت بكلام الله فكلام الله غير مخلوق، وإن تكلمت بكلام غير الله فكلام غير الله مخلوق.
وحركاتك وأداؤك وإخراجك الحروف والأصوات مخلوق، وصناعتك ومشيك وقعودك وسكونك وحركتك كل هذا مخلوق، وأعمالك التي تنتجها كلها مخلوقة لله ، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
стр. 877
مصير الكفار في الآخرة
السؤال
هل الكافر يوم القيامة داخل في مشيئة الرحمة أو العذاب، أم أنه ليس له إلا النار؟
الجواب
الكافر لا رحمة له في الآخرة، وليس له إلا النار.
стр. 878
الأحاديث في غير الصحيحين
السؤال
هل كل حديث خارج الصحيحين لا يعمل به إلا بعد التأكد من صحته أو حسنه؟
الجواب
كل حديث ليس في الصحيحين ينبغي البحث عن أحوال رواته وعنه قبولاً ورداً.
стр. 879
صحة حديث: (استوصوا بأهل مصر خيراً)
السؤال
يقول النبي ﵊: (استوصوا بأهل مصر خيراً، وبأرض الكنانة).
هل هذه الأحاديث صحيحة أم لا؟ وما معنى كلمة: شعب مصر وهل هو دليل أم كلام؟
الجواب
هذه الأحاديث في مجموعها حسنة.
стр. 880
تفسير رؤيا
السؤال
رأيت في المنام الشيخ يمسك يدي اليمنى ويقرأ قرآن، وعندما استيقظت من نومي سمعت هذا القرآن في محطة القرآن الكريم، أرجو الإفادة؟
الجواب
الكلام هذا غلط، لا يحل للشيخ أن يمسك بيدك وأنت أجنبية.
следующие страницы →