← Акыда

Акыда · id 37437

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

معنى قوله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) السؤال ما معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]؟ الجواب هذه الآية وافقت قول النبي ﵊: (الله خالق كل صانع وصنعته) فأنت مخلوق لله ، وهذا الذي يوافق قول الله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]. أي: وما تصنعون. فهذا الكلام الذي تتكلمه أنت مخلوق فيك أي: حركات فمك ولسانك وأطرافك وحلقومك وغير ذلك كلها حركات مخلوقات، والصوت الذي خرج من فمك مخلوق كذلك. أما الذي تتكلمه فإما أن يكون مخلوقاً أو غير مخلوق، فإن تكلمت بكلام الله فكلام الله غير مخلوق، وإن تكلمت بكلام غير الله فكلام غير الله مخلوق. وحركاتك وأداؤك وإخراجك الحروف والأصوات مخلوق، وصناعتك ومشيك وقعودك وسكونك وحركتك كل هذا مخلوق، وأعمالك التي تنتجها كلها مخلوقة لله ، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].

стр. 877

مصير الكفار في الآخرة السؤال هل الكافر يوم القيامة داخل في مشيئة الرحمة أو العذاب، أم أنه ليس له إلا النار؟ الجواب الكافر لا رحمة له في الآخرة، وليس له إلا النار.

стр. 878

الأحاديث في غير الصحيحين السؤال هل كل حديث خارج الصحيحين لا يعمل به إلا بعد التأكد من صحته أو حسنه؟ الجواب كل حديث ليس في الصحيحين ينبغي البحث عن أحوال رواته وعنه قبولاً ورداً.

стр. 879

صحة حديث: (استوصوا بأهل مصر خيراً) السؤال يقول النبي ﵊: (استوصوا بأهل مصر خيراً، وبأرض الكنانة). هل هذه الأحاديث صحيحة أم لا؟ وما معنى كلمة: شعب مصر وهل هو دليل أم كلام؟ الجواب هذه الأحاديث في مجموعها حسنة.

стр. 880

تفسير رؤيا السؤال رأيت في المنام الشيخ يمسك يدي اليمنى ويقرأ قرآن، وعندما استيقظت من نومي سمعت هذا القرآن في محطة القرآن الكريم، أرجو الإفادة؟ الجواب الكلام هذا غلط، لا يحل للشيخ أن يمسك بيدك وأنت أجنبية.

стр. 881

حكم المجامع يسمع أذان الفجر السؤال هل يجب على من يجامع أهله أن ينزع عند الأذان الصادق؟ الجواب لا. بل قبل الأذان الصادق، ولكن إن وافق ذلك الأذان نزع، مع أن هذه مسألة قد اختلف فيها أهل العلم، قالوا: لو أن الرجل سمع أذان ابن أم مكتوم وهو يجامع ماذا يصنع، والنبي ﷺ يقول: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم). قال الجمهور: إذا كان الرجل يجامع أهله فسمع تأذين ابن أم مكتوم فلينزع. قال الأحناف: لا ينزع. قيل: لم؟ قالوا: لأن النزع لذة، ولا تحل اللذة بعد دخول الوقت. فيقال لهم: فماذا يعمل؟ هل يبقى مجامعاً حتى ليل اليوم الثاني؟ طبعاً رأي الأحناف رأي باطل وفاسد، والمذهب الصحيح أن الرجل ينبغي عليه أن ينزع قبل الفجر الصادق في وقت يسمح له بالاغتسال والطهارة. فإذا قام من الليل وظن أن الفجر بقي عليه من الوقت ما يسمح له ثم جامع ففوجئ بالأذان وجب عليه أن ينزع ثم يبادر بالاغتسال، وإن جامع الرجل ونام بلا غسل وهو ينوي أن يقوم قبل الفجر ليغتسل ثم أخذته نومة فقام بعد أن طلع النهار أو أذن الفجر فلا شيء عليه، ويغتسل، ويتم صيامه ولا إعادة عليه.

стр. 882

نصيحة لموسوس السؤال خلاصة السؤال أنه موسوس، لا يكاد يتوضأ وضوءاً إلا ويرهقه الوساوس، وهو في الصلاة كذلك، وبعد الصلاة إذا خرج منه ريح يسأل هل يذهب يتوضأ حتى يتمكن من التسبيح أم التسبيح يحصل بغير وضوء؟ الجواب التسبيح يمكن بغير وضوء، وذكر الله تعالى على غير وضوء جائز، وهذا مذهب العلماء. أما السائل الذي يسأل عن وسوسته عند قيامه للصلاة، فهذا السائل نسأل الله تعالى لنا وله العافية، فالوسوسة ليست من دين النبي ﵊، ولهذا نقول: ما عليه إلا أن يتوضأ ثلاثاً ويقف خلف الإمام، ويكبر للصلاة فور تكبير الإمام، ولا شيء عليه بعد ذلك، والنبي ﵊ يقول: (إذا دخل أحدكم في صلاته فلا يخرج منها حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) وهذا يدل على المبالغة في رد الوسواس.

стр. 883

حكم رواية المبتدع بدعة مكفرة السؤال المبتدع إن كفر ببدعته ترد روايته؟ الجواب نعم. إن كفرته ببدعته ترد روايته، وإن لم يكفر ببدعته ولم يستحل الكذب وتوافرت فيه شروط قبول الرواية قبلت. مداخلة: وهل هناك فرق بين المبتدع الداعية وغير الداعية؟ الشيخ طبعاً هناك فرق بين المبتدع الداعية وغير الداعية، فالداعي إلى بدعته يغلب عليه الكذب، ولذلك ترد روايته، وهناك فرق بين المستحل وغير المستحل.

стр. 884

حكم الصلاة خلف القدرية السؤال من عقائد أهل السنة والجماعة: (أن الصلاة تجوز خلف كل بر وفاجر)، وأنت قلت: إن الصلاة لا تجوز وراء القدرية؟ الجواب ليس هذا قولي: (إن الصلاة لا تجوز خلف القدرية)، بل إن أمة لا إله إلا الله تقول هذا الكلام، والذي قلته هو إن الصلاة تجوز خلف كل بر وفاجر ما لم يكن مبتدعاً بدعة تكفره ويدعو إليها.

стр. 885

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - جماع الكلام في الإيمان - الأركان الخمسة جماع الكلام في الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت، وتؤمن بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وتعلم أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هذا هو مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة، ومن خالف أهل السنة والجماعة في شيء من ذلك فهو من أهل الضلالة والزيغ والغواية.

стр. 886

مسلك اللالكائي في كلامه عن مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: فهذا كتاب (مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة) لإمام كبير من أئمة السنة، وهو أبو القاسم الطبري اللالكائي ﵀، وهو كتاب عظيم جداً في بابه، فقد جمع شتات مسائل الاعتقاد التي خالفت فيها الفرق الضالة أهل السنة والجماعة. وهذا الكتاب سلك فيه مؤلفه مسلكاً عظيماً وإن كان فيه شيء من الخلل، فقد ذكر المسائل التي خرج بها من خرج عن حد الاستقامة من أصحاب الفرق الضالة، والتي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة، وإذا كانت المسألة محل نزاع عند أهل السنة فإنه لا يذكر هذا النزاع ولا يعتني به، وإنما يذكر ما ترجح لديه وأدلته، فمثلاً في مسألة رؤية الله للنبي ﵊ لم يسق فيها الخلاف الذي حدث، وإنما ذكر ما ترجح لديه -وهو الراجح حقاً- أن النبي ﵊ لم ير ربه بعيني رأسه، وإنما رآه بفؤاده، فساق الأدلة لإثبات هذا المعتقد، وهو الصحيح. فهو لا يعنى بالخلاف حتى وإن كان هذا الخلاف بين جماعة أهل السنة والجماعة. والكتاب قد شرحناه منذ عام يقل قليلاً أو يزيد قليلاً، ولن نرجع نسرد أدلة الكتاب ونقرأ الأبواب من أول الكتاب، وإنما سنبني على ما مضى، وكنا قد وقفنا عند موضوع حيوي جداً، وهو الكلام في الإيمان وأصوله، والتعليق على عقائد الفرق الضالة. وهذا الموضوع بدأ في نهاية الجزء الرابع وينتهي في نهاية الجزء التاسع، والكتاب طبع في خمسة مجلدات، الأربعة الأولى كل واحد منها جزءان، وكان الجزء الثاني مفقوداً من المخطوط، ولكن المحقق عثر عليه أخيراً فطبعه في مجلد مستقل. وقد عقدنا العزم على دراسة كتب السنة المفردة -أي: كتب الاعتقاد المسندة- ككتاب الإيمان لـ ابن مندة، وكتاب السنة للخلال، وكتاب السنة لـ عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب الشريعة للإمام الآجري، وغيرها من الكتب لمؤلفيها.

стр. 887

جماع الكلام في الإيمان قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب جماع الكلام في الإيمان. سياق ما روي عن النبي ﵊ في أن دعائم الإيمان وقواعده: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان]. وسنستغني عن ذكر الأدلة الضعيفة وسردها، وسنذكر الأدلة الصحيحة، ولن نذكر الإسناد وإنما سنذكر المتن مع الصحابي الذي رواه، أو مع الراوي الذي قاله. قال ابن عباس: [إن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي ﵊ أمرهم بالإيمان بالله قال: (أتدرون ما الإيمان؟)]. ووفد عبد القيس كانوا لا يأتون النبي ﵊ إلا في الأشهر الحرم؛ لأن بينهم وبين النبي ﵊ كفار مضر، فقالوا: (يا رسول الله! إن بيننا وبينك هذا الحي من مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر نعمل به ونأمر به من وراءنا، فقال النبي ﵊: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم). وهذا من شدة أدبهم ﵃، وإلا فالإيمان بالله معلوم لدى العامة فضلاً عن الخاصة، ووفد عبد القيس أتوا إلى النبي ﵊ ليسألوه عن أصول دينهم، وعما يجب عليهم وما حرم، وعما أحل لهم، فهم لم يكونوا يعملون ذلك، فالنبي ﵊ قال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم). ومن أدب الطالب: أن ينسب الجهل إلى نفسه، وأن ينسب العلم إلى شيخه، وإن كان جاهلاً، وهذا من باب حسن الأدب ومكارم الأخلاق، حتى يستفيد مما عند شيخه، ولو أن طالباً أظهر ما عنده من علم ثم عرج على جهل شيخه فإنه لن يحظى منه بشيء، فالأدب الصادق أن يظهر جهله وإن كان عالماً، وأن يظهر علم الشيخ وإن كان جاهلاً. [[(قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال النبي ﵊: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج)]. والصواب أن هذا الحديث ليس فيه الحج؛ لأن الحج لم يكن قد فرض بعد، فهو إنما فرض مؤخراً، والسؤال كان قبل فرض الحج، فيكون الأمر: (آمركم بالإيمان بالله، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان). وليس فيه الحج. ثم قال: [(وأن تؤدوا الخمس من المغنم)]. أي: من المغانم، فقد كانوا أهل جهاد مع كفار مضر، وأهل الجهاد إما أن يخسروا وإما أن يغنموا، فلما غلب النصر على هؤلاء لزم من ذلك حصولهم على الغنائم الكثيرة، فالنبي ﵊ قال لهم: (وأن تؤدوا الخمس من المغنم). وليس معنى ذلك أن أداء الخمس معطوف على ما أمرهم به ﵊ من أصول الإيمان، بل هو من الإيمان، وقد أفرده البخاري في كتاب الإيمان له فقال: باب قوله: باب أداء الخمس من الإيمان. وقد ذكره في نهاية كتاب الإيمان من صحيحه، وعد أداء الخمس شعبة من شعب الإيمان. فهنا قال: (آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قالوا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان). وقد كان قال لهم: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع). وقوله: (وأن تؤدوا الخمس من المغنم) تعد خامسة، فهي معطوفة على قوله: (آمركم بأربع). يعني: ليست داخلة في الأربع، وإنما هي خامسة، فقد كانوا في حاجة إليها لأنهم أهل جهاد، فزادهم ما يخص عملهم وكفاحهم وجهادهم مع كفار مضر، فهم لما كانوا أهل جهاد وغنيمة لزمهم في ذلك أن يؤدوا الخمس، فزادهم هذه من عنده، وليس هذا من الأربع التي أمرهم بها ﵊، بل هذا أمر مستقل يبعد عما أراد النبي ﵊ أولاً أن يأمر به. قال: (وأنهاكم عن الحنتم والنقير والدباء والمزفت). وهذه أوان كان يستعملها العرب في الجاهلية في تخمير الخمر، والشيء إذا وضع في هذه الأواني كان سريع التخمر والحموضة، فنهانا النبي ﵊ عن استعمال هذه الأواني. وهذا الحديث أخرجه البخاري. قال: [عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)]. وهذا الحديث كذلك عند الشيخين في الصحيحين. والشاهد في هذا الحديث قوله: (بني). وهذا يدل على أن دعائم الإيمان والإسلام تقوم على هذه الأسس؛ لأنها مبانٍ، وليست مكملات ولا فرعيات ولا شكليات، وإنما هي مبانٍ كالقواعد والسواري والأعمدة للبناء العظيم الذي هو الإسلام، وهذا يعني أن من لم يأت بقائمة من هذه القوائم اختل إسلامه، فالخلل لا يقع في الإيمان فحسب

стр. 888

سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الإسلام أعم من الإيمان والإيمان أخص منه قال: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الإسلام أعم من الإيمان، والإيمان أخص منه]. الإسلام دائرته أوسع من دائرة الإيمان، فدائرة الإيمان خاصة، ودائرة الإسلام عامة، فالإسلام أعم من الإيمان، والإيمان أخص منه. [قال الله ﵎: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات:١٤]]، أي: ادعوا أنهم قد آمنوا، [﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]]. فانظر إلى نفي الله ادعاء الأعراب أنهم آمنوا، [﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]]. أي: لم يدخل بعد، ولكنه سيكون في المستقبل، فـ (لما) تفيد عدم التحقق حالاً، وربما يتحقق مآلا في المستقبل، ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤] فهنا فرق بين الإيمان والإسلام، بأن الإيمان شيء والإسلام شيء آخر. فالإسلام أصل وهو يثبت لصاحبه ومدعيه بالشهادة وإن كان كاذباً. يعني: لو قالها متعوذاً ثبت له الإسلام ظاهراً في أحكام الدنيا وإن كان عند الله كافراً، ولو قالها كافر في ساحة الوغى والجهاد فراراً من القتل لما تمكن منه المسلم فيجب على المسلم الذي تمكن منه وكان على وشك قتله أن ينتهي عن قتله، وإلا صار آثماً إثماً عظيماً، ولا أدل على ذلك مما فعله أسامة بن زيد ﵄، فإنه لما تمكن من رقبة كافر نطق بالشهادتين فقتله أسامة، فلما أخبر النبي ﵊ بذلك قال: (يا أسامة! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله. فقال أسامة: إنما قالها متعوذاً). يعني: يريد أن ينجو بها لما أيقن الهلاك، فقال النبي ﵊: (يا أسامة! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله. قال: يا رسول الله! قالها تعوذاً. قال: يا أسامة! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله. ثلاث مرات، حتى قال أسامة: ليتني ما أسلمت إلا الآن). يعني: يا ليت هذا الجرم لم يقع مني في حال إسلامي، ويا ليتني أسلمت الآن إسلاماً لا خطأ فيه، وحزن أسامة على فعله حزناً شديداً حتى مات رضي الله تعالى عنه.

стр. 889

ما ينقض به الإسلام الإسلام يثبت بكلمة الشهادة، وإذا ثبت بهذه الكلمة فلا ينتفي إلا بما يضادها، فإذا أتى بنقيضها كأن يصرح بأنه يعبد إلهاً آخر غير الله كفر، كهؤلاء الذين ظهروا في مصر مؤخراً يعبدون الشيطان، وقد صرحوا بأنهم يعبدون الشيطان، فالذي يعبد إلهاً غير الله يكفر، وإن لم يكفر فلا يوجد في الدين أو الدنيا كفر بعد ذلك، فهؤلاء قد كفروا من أوسع الأبواب، وكذلك من رضي بفعلهم والتمس العذر لهم مع إقرارهم الذي لا يحتاج معه إلى إقرار، وهم معلومون بأعيانهم وذواتهم؛ لأنهم من أبناء علية القوم، فهم قد كفروا بالله العظيم، كما كفر ذلك الدعي الذي سماه الناس أو سمى نفسه أو سمته وزارة الثقافة حيدر، وهو صاحب الكتاب المشهور الذي ذكر فيه قبل أسبوعين أن كلام الله (خرى) هكذا -أعوذ بالله- وأن الله تعالى كذاب فاشل. هكذا قال، وأن الرسول مزواج كما جاء في كتابه. فهذا الكلام كفر بواح، ومن دافع عنه بأنه ليس كفراً أو أن كاتبه أو ناشره أو طابعه أو طالبه ليسوا كذلك فهو كذلك كافر، فمسائل الإيمان والكفر لا تحتاج إلى هوادة خاصة في هذا الزمان الذي رفع فيه كل كذاب عقيرته، بل ينبغي في مسائل الإيمان والكفر وضع النقاط على الحروف من أول وهلة؛ حتى يعلم كل عبد أهو مسلم أو كافر. وإذا كنا أهل السنة ندع هؤلاء بيننا يتكلمون بما شاءوا من طعن في الله ، وفي الرسول والقرآن ثم نذهب نلتمس لهم الأعذار التي لا يتمنونها هم فهذا خبل وجنون. هو نفسه لا يتمنى ذلك، ولا يريد أن يلتمس أحد له عذراً، بل إنه أتى برسالة ومهمة يؤديها على أكمل وجه تحت عين ونظر وبصر وزارة الثقافة، وإن شئت فقل: وزارة السفالة والإباحة المصرية. فهذا كفر ليس بعده كفر، ومن رأى غير ذلك فليهنأ بكفره ذلك، سواءً كان ذلك كبيراً أو صغيراً، أو حتى رجل الشارع. فهذه مسائل لا يعذر بالجهل فيها، فلا يعذر بالجهل من سب الله ؛ لأنه لا يجهل أحد أن سب الله تعالى كفر حتى يسب الله تعالى، ويسب كلام الله القرآن الكريم. وأما أن يهان الله وحاشاه أن يهان، أو يهان كلامه، أو يهان رسله وأنبياؤه ونحن باقون على وجه الحياة فلا قيمة لنا، والموت أهون من كل شيء، وهو خير من أن يحاسبنا الله كيف قيل هذا الكلام ولم يكن لكم فيه كلام ولا رد.

стр. 890

ثبوت أصل الإيمان بالإسلام قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أي: الإسلام باق لكم، وأما الإيمان الذي تزعمونه وتدعونه فإنه شيء آخر لم تكسبوه بعد. ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، أي: فهذا غير موجود الآن، وليس معنى ذلك أن الإيمان لم يوجد منه شيء قط في قلوبهم؛ لأن الإيمان قول وعمل، والعمل إما بالقلب وإما باللسان والجوارح، والقول هو إقرار العبد بلا إله إلا الله محمد رسول الله، وإقراره بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالقدر خيره وشره، فإذا آمن العبد بهذا فقد آمن بأصول الإيمان. أي: تمسك بأصول الإيمان. وأما كمال الإيمان ونقصانه فهذا محله الطاعات التي فرضها الله على العباد من الفرائض والواجبات والسنن والمستحبات وغير ذلك، فكلما اجتهد فيها العبد وأداها على أكمل وجه كلما ازداد إيمانه، وكلما قصر في شيء من ذلك فقد قصر في شيء من تمامه وكماله، وهذا يعني أن المسلم لابد أن يكون عنده شيء من الإيمان، ولذلك أهل العلم يفرقون بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فالإيمان المطلق: هو الإيمان الكامل الشامل، وهو تمام الإيمان وكماله وزيادته إلى أقصى حد، وأما مطلق الإيمان فهو أصل الإيمان. والإيمان له قاعدة وجذور، وله فروع، فأصل الإيمان موجود مع من دخل في دين الله -أي: في الإسلام- ولو بمجرد النطق بالشهادتين، واستقرار هذا الأصل الإيماني محله القلب. فالإيمان الآن له أصل وله فروع، فالأصل موطنه القلب، وهو أنه إذا نطق بالشهادتين صدق هاتين الشهادتين وآمن بهما، وأحبهما وعلم معناهما، وهو على استعداد كامل لأداء ما أوجبته هذه الكلمة، وكل هذا محله القلب، ويسمى إيماناً، فالمسلم معه أصل الإيمان، ثم يأتي بعد ذلك بالطاعات التي هي عمل الجوارح، فكلما ازداد المرء منها ازداد من الِإيمان بفروعه وجذوره وأصوله، فكلما ازداد العبد من الطاعات ازداد إيمانه ويقينه بالله ، وكلما نقص نقص إيمانه، حتى إذا ترك العمل بالكلية خرج من إيمانه بالكلية إذا خرج من أصل هاتين الكلمتين، وهما: الشهادتان.

стр. 891

مخالفة المرجئة لأهل السنة في زيادة الإيمان ونقصانه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] لا يعني أنهم كفار، بل المسلم معه أصل الإيمان، ولا يتصور إسلام بلا إيمان، وهذه شبهة من قال: الإيمان هو التصديق، والتصديق محله القلب وليس الجوارح، فقالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه لا يتصور على تعريفنا للإيمان بأنه التصديق أن يكفر بهذا، لأن المصدق للخبر إذا نقص تصديقه نقص إلى العدم، فكأن المصدق للإسلام والإيمان إذا نقص تصديقه فقد ذهب إيمانه، ولذلك الإيمان عند المرجئة لا يزيد، كما أنه غير قابل للنقصان؛ لأنه إذا نقص يكفر صاحبه كما قالوا، فهم يقولون: الإيمان هو التصديق، وأما أهل السنة والجماعة فالإيمان عندهم ليس هو التصديق فحسب؛ لأن التصديق عند أهل السنة يعني أصل الإيمان الذي لا يثبت إسلام العبد إلا به، ولكن كمال الإيمان وتمامه باب آخر عند أهل السنة والجماعة، وله تعليق آخر عند أهل السنة والجماعة. وليس معنى ذلك أن أهل السنة لا يقولون بأن الإيمان هو التصديق، بل يقولون: بأن الإيمان هو التصديق والزيادة. فالتصديق عند أهل السنة يعني التصديق بالشهادتين، وهو: استقرار أصل الإيمان في القلب. والجوارح لها عمل، والقلب له عمل، وعمله: المحبة والرضاء والتصديق والإيمان، وكل هذه أعمال قلبية، فالقلب له عمل كما أن الجوارح لها عمل، ولكن عمل القلب أصل في الإيمان، وأما عمل الجوارح فهو من مكملات ومتممات الإيمان، ومن أسباب كماله وزيادته، وبعض أعمال الجوارح أصل في الإيمان.

стр. 892

تفريق العلماء بين الإيمان والإسلام قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]. هذه الآية تدل على أن الإسلام لابد أن يكون معه أصل الإيمان. قال: [وقال الزهري: الإيمان: العمل]. عرف الإيمان بالعمل، والزهري من أكابر أهل السنة، فقال: الإيمان هو العمل. أي: عمل القلب وعمل الجوارح. ولو أن إنساناً عمل بجوارحه جميع أعمال الطاعات التي تؤدى بالجوارح ولم يستقر الإيمان في قلبه لم يصلح إيمانه، بل لا يصلح إسلامه أيضاً، وإن استقر الإيمان في قلبه ولم ينطق بالشهادتين لم يصح إسلامه، فلو أن أحداً يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويعمل كل شيء ويجاهد ولكنه يبغض هذا كله فليس بينه فرق وبين عبد الله بن أبي بن سلول، فقد كان يصوم ويصلي ويزكي ويحج، بل كان يجاهد مع النبي ﵊ في ساحة الجهاد، ولكنه لم ينفعه ذلك؛ لأن أعمال الجوارح هذه كلها لم يستقر أساسها وأصلها في قلبه، بل كرهها وأبغضها، وإنما كان يفعلها نفاقاً ورياءً. [قال الزهري: الإيمان: العمل. والإسلام: الكلمة]، يعني: الإسلام يثبت بمجرد الكلمة. والمبحث الذي تدور حوله المشكلة دائماً ليس في كيفية ثبوت الإسلام، بل الكل يعلم يقيناً أن الإسلام يثبت بالكلمة، بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، ولكن كيف يخرج المرء من الإسلام، فالقضية كلها في أحكام الردة، والمشكلات التي تثار حول الإيمان والإسلام كلها متعلقة بكيف يحكم بالردة على المسلم. قال: [وعن الحسن البصري ومحمد بن سيرين أنهما كان يهابان مؤمن ويقولان: مسلم]. وهذا من باب كراهة التزكية، وأن الله تعالى أعلم بمن اتقى، وهؤلاء كانوا يقولون: نحن مسلمون، أو أنا مسلم، ولا يزكون أنفسهم بقولهم: أنا مؤمن. وفي حديث جبريل لما سأل النبي ﵊ عن الإسلام عرفه له وبينه، ثم سأله عن الإيمان فعرفه وبينه، ثم سأله عن الإحسان، وهذا يدل على أن كل محسن مؤمن، وليس كل مؤمن محسن، ويدل على أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن. وبين هذه الألفاظ والمصطلحات الثلاثة عموم من جهة وخصوص من جهة أخرى. وأما إذا كان قول أحدهم أنا مؤمن من باب بيان الحال، وكذلك يؤدي إلى نفع المجتمع فإنه لا بأس أن يقول المرء: أنا مؤمن. قال: [وبه قال من الفقهاء: حماد بن زيد ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب وأحمد بن حنبل] أي: نفس هذا الكلام.

стр. 893

تفريق النبي ﷺ بين الإيمان والإسلام قال: [عن عامر بن سعد - وهو ابن سعد بن أبي وقاص ﵁ يروي عن أبيه قال: (أن النبي ﵊ أعطى رجالاً ولم يعط رجالاً)]. يعني: في توزيع الغنائم أعطى النبي ﵊ أناساً ولم يعط آخرين، [(فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله! ما بالك أعطيت أناساً ولم تعط آخرين، وإني لأراهم مؤمنين -يعني: رأيتك أعطيت فلاناً ولم تعط فلان وهو مؤمن- فقال النبي ﵊: أوهو مسلم. فقال: يا رسول الله! هذا مؤمن)]. وهذا لما يعلمه سعد بن أبي وقاص من حال ذلك الرجل، وأنه يأتي بجميع الطاعات صغيرها وكبيرها ويحافظ عليها، فهو قدوة ومثل يقتدى به، ومعلوم من صلاحه وتقواه الشيء الكثير، ولذلك أصر سعد بن أبي وقاص على أن هذا الرجل مؤمن، ولكن لما كان الإيمان أصله القلب ثم يظهر ذلك على الجوارح، وربما ظهر على الجوارح ما لا يدل بالضرورة على أصله في القلب كان الحكم بالإيمان لله أو للرسول ﵊ إذا أطلعه ربه على إيمان عبد بعينه، ولكن سعد بن أبي وقاص لما أعطى النبي ﵊ أناساً من الغنائم ولم يعط آخرين قال لرسول الله ﷺ : (إنك أعطيت فلاناً ولم تعط فلاناً، وإني لأراه مؤمناً، فقال النبي ﷺ ثلاثاً: أو هو مسلم -يعني: يا سعد أو هو مسلم- قال: يا رسول الله! بل مسلم) ثلاث مرات ينازعه سعد في إثبات إيمان من منعه وحرمه النبي ﵊ من قسم الغنائم، ثم بين له النبي ﵊ في هذا الحديث أن الفرق قائم بين المؤمن والمسلم، وهذا يدل على أن الإسلام شيء والإيمان شيء آخر أخص منه، فبين النبي ﵊ عذراً لإعطائه أناساً وحرمانه آخرين رغم بيان الأفضلية ولو في الظاهر، فقال: [(إني لأعطي أناساً وغيرهم أحب إلي منهم؛ مخافة أن يكبهم الله تعالى على وجوههم أو قال: على مناخرهم). وفي رواية: (على مناخرهم في النار). فقوله: (إني لأعطي أناساً وغيرهم أحب إلي) أي: في إيمانهم وإسلامهم أحب، وهم يقدرون القضية أيما تقدير، ولذلك شرع أن يصرف من مال الزكاة على المؤلفة قلوبهم، وهم: حديثو العهد بالإسلام والإيمان؛ لتثبيتهم على الإيمان. وقد سن النبي ﵊ سنناً عظيمة جداً وسار عليها الصحابة ﵃ وخاصة الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين في إعطاء كل صاحب منزلة منزلته وزيادة؛ تثبيتاً له على الإيمان والإسلام، ولذلك قال النبي ﵊: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن). ودار أبي سفيان ليست حرماً حتى ينعقد الأمن فيها؛ ولكنها منقبة لـ أبي سفيان، لأنه قد ورد في رواية: (إن أبا سفيان رجل يحب الفخر). فهذا منقبة لـ أبي سفيان يفاخر بها أصحابه بأن من دخل داره كان آمناً، وهذا بحكم النبي ﵊ وشهادته وإقراره، ولم يجعل النبي ﵊ بيت أحد من أصحابه حتى ولا بيت الخلفاء الراشدين مع بيت أبي سفيان حتى يكون لـ أبي سفيان هذا المنقبة منفرد بها؛ لأنه رجل يحب الفخر. وسلمة بن الأكوع ﵁ كان في الجاهلية رجلاً عظيماً شريفاً في قومه، فإذا أسلم فلابد أن ينزل منزلة عظيمة في الإسلام، وهذا يشهد له قوله ﵊: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا). ولما أسلم سلمة بن الأكوع ﵁ وكان من أشراف قومه أمره النبي ﵊ أن ينزل في عوالي المدينة. يعني: يسكن في القصور التي هي على مشارف المدينة؛ لأنها تتناسب مع مقامه. وهذا يلزم منه أن يركب البعير فوق الأرض الساخنة والرمال الملتهبة، فأمر النبي ﵊ معاوية بن أبي سفيان أن يأخذ بخطام بعير سلمة، فأخذ معاوية بخطام بعير سلمة بن الأكوع، وسلمة يعرف أي فتى معاوية، فقد كانوا يعرفون بعضهم بعضاً، فلما اشتدت الحرارة في أقدام معاوية قال: يا سلمة! احملني خلفك. قال سلمة: إنما يكفيك أن تستظل بظل البعير، وسلمة لا يخفى عليه الحال في مثل هذا ولكنه أبى. فقال: يا سلمة! هل لك أن تسلفني نعلك؟ فقال: لا. فاستمر معاوية في سوقه البعير حتى وصل إلى عوالي المدنية؛ لأنه أمر الرسول ﵊ وليس أمر سلمة، وهذه المنزلة هي منزلة سلمة، وسلم

стр. 894

الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا اختلف أهل العلم في الإيمان والإسلام، فبعض أهل العلم قالوا: الإيمان هو الإسلام، ولا فرق بينهما، واحتجوا بأدلة، منها قول الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩]. قالوا: فهذان وصفان لموصوف واحد وهو المخاطب، فوصفهم بالإيمان والإسلام، وهذا يدل على أنه لا فرق بينهما. وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦]. وهذا يدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد. والأصل ألا نضرب آيات الله بعضها ببعض، ولا نضرب كلامه بعضه ببعض، فهذه الآية بينت أن الإيمان والإسلام قد اجتمعا في موصوف واحد، ولكن الآيات والأدلة الأخرى بينت الفرق بين الإيمان والإسلام بنفي الإيمان، ولذلك أهل العلم يقولون: الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. يعني: إذا ذكر الإيمان والإسلام في دليل واحد، فهذا يدل على أن الإسلام له مدلول، والإيمان له مدلول آخر، وإذا افترق الإيمان والإسلام دلا على أن كل منهما بمعنى الآخر، ومثاله: قول النبي ﵊ لما سأله جبريل ما الإسلام؟ قال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت). فعلمنا أن دعائم وأركان الإسلام هي هذه. (فقال: صدقت. ثم سأله عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره). فعلمنا أن هذا هو مدلول الإيمان. إذاً: الإيمان إذا اجتمع مع الإسلام كان لكل منهما مدلول يخصه، مثل الفقير والمسكين، وإذا افترقا فهما بمعنى واحد. يعني: إذا ذكر الفقير شمل المسكين، وإذا ذكر المسكين فقط شمل الفقير، فكذلك الإيمان والإسلام إذا اجتمعا في دليل واحد كان لكل واحد منهما مدلول يخصه، وإذا ذكر واحد منهما في دليل شمل الآخر معه، كما في حديث وفد عبد القيس قال: (وآمركم بالإيمان. أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان). وهذا نفس تعريف الإسلام في حديث جبريل، ولكنه لم يذكر الإسلام هنا، فدل على أن الإيمان يشمله، كما ذكر الإسلام في قول الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فشمل معه الإيمان. فهذا معنى قول أهل العلم: إذا اجتمعا -أي: في دليل- افترقا. يعني: كان لكل واحد منهم تعريف خاص. وإذا افترقا اجتمعا، فإذا ذكر الإيمان أو الإسلام في دليل خاص شمل معه الآخر. قال: [عن أبي برزة الأسلمي قال: قال النبي ﵊: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته). فقال في هذا الحديث: (يا معشر من آمن بلسانه)، واللسان جارحة، ولابد من النطق في إثبات الإسلام، ولا يثبت الإسلام لعبد قادر على الكلام إلا بالنطق بالشهادتين، والنطق بالشهادتين محله اللسان، والنطق بالشهادة شرط في صحة إسلام العبد، أي: الخارج عن الكفر. فقوله: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه)، أي: لم يدخل كمال الإيمان وليس أصل الإيمان، لأنه لو آمن بلسانه فإنه يلزم من هذا الإيمان الظاهري وجود أصل الإيمان في القلب من المحبة والرضا والقبول والاستعانة والاستغاثة وغير ذلك، وأما عمل الجوارح فهو مكمل ومتمم للإيمان. عن أبي سلمة الخزاعي: [إن حماد بن زيد كان يفرق بين الإيمان والإسلام، ويجعل الإسلام عاماً والإيمان خاصاً]. أي: يضع الإسلام عاماً مع أصل الإيمان. أي: معه مطلق الإيمان، وأما الإيمان المطلق فهو فوق الإسلام بكثير. وقال حنبل - وهو ابن أخ الإمام أحمد بن حنبل قال: [سمعت أبا عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - وسئل عن الإيمان والإسلام قال: قال ابن أبي ذئب: الإسلام: القول. والإيمان: العمل]. وهذا نفس كلام الإمام الزهري الذي تقدم. وقوله: الإسلام القول. يعني: يثبت الإسلام بالنطق بالشهادتين، وهو عمل اللسان. والإيمان: العمل. إما عمل قلب أو عمل جوارح، فإذا فرط العبد في عمل الجوارح نقص إيمانه على قدر ما فرط من العمل، وإذا انخلع أصل الإيمان من قلب العبد انخلع إسلامه؛ لأن الإيمان نوعان: إيمان القلب، وهو عمل القلب، وإيمان الجوارح، فإيمان القلب هو مطلق الإيمان، وإيمان الجوارح هو الإيمان المطلق. فلابد أن نفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، فمطلق الإيمان هو أصل الإيمان المستقر في القلب، فإذا زال هذا الإيمان زال إسلام العبد؛ لأن هذا يشمل التصد

стр. 895

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - ما روي أن الصلاة ركن في الإيمان الصلاة من أعظم أركان الدين، فهي تأتي في الأهمية بعد الشهادتين، ومن ثم فقد اعتنى بها الإسلام، وحث عليها، ورتب أعظم الأجور عليها، وأيضاً رتب الإثم والعقوبة على تاركها، وهدده أعظم تهديد، بل جاءت النصوص موضحة أنه لا يتركها مسلم أبداً. وأمام هذه النصوص الشديدة التهديد اختلف العلماء في تاركها، وهل يحكم له بالإسلام أم أنه قد انخلع منه ودخل في الكفر؟ فمن العلماء من حكم بإسلامه، ومنهم من كفره.

стр. 896

سياق ما جاء عن النبي في أن الصلاة من الإيمان

стр. 897

اختلاف العلماء في كفر تارك الصلاة بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. وبعد: فالذي يقرأ الأدلة من الكتاب والسنة، ويعرف كلام أهل العلم في تارك الصلاة يكاد يحار ويتوقف في حكم تاركها ولا يجزم بأمر منهما، وهل هو كافر خارج من الملة، أو أنه فاسق بتركه للصلاة؟ ولاشك أن من قال بعدم كفره كفراً اعتقادياً يثبت له الكفر العملي، بل هو عنده من أخبث الناس، يعني: أنه يثبت له أخطر درجات الكفر، وذهب كثير من السلف خاصة من أصحاب النبي ﵊ والتابعين والأئمة المتبوعين إلى كفر تارك الصلاة كفراً أكبر يخرج به صاحبه عن ملة الإسلام. والناظر في الأدلة يكاد يرجح جانب الكفر الاعتقادي على جانب الكفر العملي، يعني: يكاد يرجح أنه خارج عن ملة الإسلام، والأدلة تشهد بهذا. والعلماء الذين لم يكفروه أولوا هذه الأدلة وصرفوها عن ظاهرها، وإن شئت فقل: رجحوا صرفها وتأويلها بغير مرجح. وهذه المسألة ما جزمت فيها إلى يومي هذا بحكم من الاثنين، هل هو كافر حقاً ويخرج من الملة، أو أنه فاسق فسقاً عظيماً جداً لكن لا يخرج من الملة. وكثيراً ما ذهبت إلى كفره ثم رجعت، ثم عدت إلى تكفيره ثم رجعت؛ وهذا لغلبة كل من القولين على الآخر، وإن كان في كل مرة يترجح لدي كفره، وما ذهبت إلى كفر تارك الصلاة إلا من تركها بالكلية، وأما من تركها ثم عاد إليها ثم تركها ثم عاد إليها -يعني: يصلي تارة ويقطعها تارة- فهذا يرفع عنه حكم الكفر، ولا خلاف عندي في أن هذا من أفسق الناس، وأما كونه كافراً فلا، وأما من تركها بالكلية ولم يصل قط فالذي يترجح لدي أنه كافر خارج عن ملة الإسلام. وأنت إذا اطلعت على أدلة القائلين بكفره وعدم إسلامه فلابد أن تقف إذا كنت صاحب علم، ولست متبعاً للهوى، وإن لم تقف فستجزم بكفره؛ لأن الأدلة الواردة عن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم كلها قاضية بكفره، فالإمام أبو القاسم اللالكائي يذهب في هذا الكتاب إلى كفر تارك الصلاة، وذهب غير واحد ممن صنف في السنة إلى كفر تارك الصلاة؛ لأن الله تعالى ذكر أن الصلاة من الإيمان، فهي ليست من أعمال الجوارح فحسب، وإنما هي من أصول الإيمان.

стр. 898

من ذهب إلى كفر تارك الصلاة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروي ذلك -يعني: كفر تارك الصلاة- عن الصحابة منهم عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبو الدرداء والبراء وجابر بن عبد الله الأنصاري ﵃ أجمعين]. قال: [فعن جابر بن عبد الله أنه سئل ما كان يفرق بين الكفر والإيمان عندكم في الأعمال في عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: الصلاة]. ولو كان المقصود من هذا النص الكفر العملي لجمع الصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك؛ لأن من ترك شيئاً من هذا سمي كافراً كفراً عملياً، ولا يخرج من الملة. ولكن السؤال هنا انصب على الكفر المخرج من الملة، فقد قال: ما الذي كان يفرق بين الإيمان والكفر؟ ولو كان يسأل عن الكفر العملي لما كان للإيمان هنا معنى؛ لأنه ذكر الإيمان في مقابلة الكفر، فدل على أن الكفر المذكور في السؤال هو الكفر الذي يناقض الإيمان، وهو المخرج من الملة. هذه إجابة جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، وهو من أصحاب النبي ﷺ ، بل هو من المقربين إلى النبي ﵊ ومن كبار الصحابة. قال: [وعن الحسن قال: بلغني أن أصحاب النبي ﵊ كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر]. وهذا القول قاله من التابعين مجاهد بن جبر المكي تلميذ ابن عباس، وسعيد بن جبير تلميذ ابن عباس كذلك، وجابر بن زيد، وعمرو بن دينار تلميذ ابن عمر، وإبراهيم النخعي، والقاسم بن مخيمرة، كلهم يقولون: بأن تارك الصلاة كافر خارج عن الملة. ولو لم يكن في هذه القضية عار لتارك الصلاة إلا أن أهل العلم اختلفوا في كفره من عدمه لكفى. ومن الفقهاء الذين يقولون بكفر تارك الصلاة الإمام مالك بن أنس، والأوزاعي إمام الشام، والشافعي وشريك بن عبد الله النخعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور، وأبو عبيد القاسم بن سلام، جميع هؤلاء يقولون بكفره وخروجه من ملة الإسلام. وهؤلاء الذين كفروا تارك الصلاة هم علماء السنة وعلماء الإسلام فلا يقال: إن من كفر تارك الصلاة من الخوارج، ومن قال ذلك يلزمه أن يسحب هذا الحكم وهذا الاستهزاء على كل من كفر تارك الصلاة.

стр. 899

سبب نزول قول الله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) روى أبو إسحاق عن البراء -أي ابن عازب - في قول الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٤٣] قصة طويلة في سبب نزولها، ومفاد هذه القصة كما في الصحيحين وغيرهما: أن النبي ﵊ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً قبل أن تتحول القبلة إلى بيت الله الحرام، وهذا كان في المدينة، وصلى معه أناس وماتوا قبل أن تتحول القبلة إلى بيت الله الحرام، فلما مات من مات ممن صلى إلى بيت المقدس أشفق عليهم أصحابهم الذين بقوا حتى تحولت القبلة، فسألوا النبي ﵊ عن حكم صلاة من صلى إلى بيت المقدس، وهل هي مقبولة صحيحة يثابون عليها؟ فلما سألوا عن ذلك أنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]. فالإيمان هنا بمعنى الصلاة، والتقدير: وما كان الله ليضيع صلاة من صلى إلى بيت المقدس، بل صلاته محفوظة مقبولة صحيحة. فسمى الله الصلاة في هذه الآية إيماناً، وهذا يدل على أن الصلاة من الإيمان، لا أنها من أعمال الجوارح فحسب، فهي وإن كانت تؤدى بالجوارح إلا أن الله تعالى سماها إيماناً، فمن أتى بهذه الصلاة كان مؤمناً، ومن تركها كان كافراً. وهذا هو ما فهمه كل من ذكرناهم بل وغيرهم من أهل العلم من الصحابة والتابعين والفقهاء والأئمة المتبوعين، فقد فهموا أن الصلاة من الإيمان، فمن أتى بها كان مؤمناً، ومن تركها كان كافراً، فهذا الفهم قديم قدم هذه الرسالة، وقد فهمه الصحابة ﵃.

стр. 900

التحذير من ترك الصلاة قال: [قال النبي ﵊: (بين العبد وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) وقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة -أي: بيننا وبين اليهود والنصارى، أو بيننا وبين الكفار- فمن تركها فقد كفر)، وفي رواية: (فقد كفر وأشرك)، بالعطف لا بأو التي تفيد التخيير. وعن شريك قال: استأذنت على المهدي وعنده أبو يوسف القاضي -وهو صاحب أبي حنيفة، والأحناف لا يقولون بكفر تارك الصلاة، ومنهم أبو يوسف القاضي -وقد امتريا- يعني: تجادلا وتخاصما وتناظرا- في تارك الصلاة هل هو كافر أم غير كافر؟ فقال المهدي: هو كافر، وقال أبو يوسف: ليس بكافر، فقال المهدي: لقد دخل من يفصل بيننا، يعني: شريك بن عبد الله النخعي دخل وهو الذي يقضي بيننا، وكان المهدي يقول: الصلاة من الإيمان، وأبو يوسف يقول: الصلاة ليست من الإيمان، قال: فلما دخل سلم، قال: فردوا عليه، فقال -أي المهدي -: يا أبا عبد الله! ما تقول في رجلين امتريا فقال أحدهما: الصلاة من الإيمان، وقال الآخر: الصلاة من العمل؟ أي من عمل الجوارح التي لا علاقة لها بأصل الإيمان. قال شريك: أصاب الذي قال الصلاة من الإيمان، وأخطأ الذي قال الصلاة من العمل، قال: فقال أبو يوسف: من أين قلت ذاك؟ قال: حدثني أبو إسحاق عن البراء بن عازب في قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] قال: صلاتكم نحو بيت المقدس، قال: فألقمه حجراً]، أي: أقام عليه الحجة أن الصلاة من الإيمان، وأن تركها كفر. قال: [وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله -لأن هذا أصل الإسلام- ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)]. فهنا قرن الصلاة والزكاة بالشهادة، وهذا يدل على أن الصلاة من الإيمان؛ لأن الشهادة إيمان بلا خلاف بين أهل العلم، وهذا الحديث أخرجه الشيخان في صحيحيهما. قال: [وعن أنس قال: قال رجل: (يا رسول الله! كم افترض الله على عباده من الصلوات؟ قال: خمس صلوات، قال: هل قبلهن وبعدهن شيء -أي مفروض-؟ قال: افترض الله على عباده صلوات خمساً، فحلف الرجل لا يزيد عليهن ولا ينقص، فقال النبي ﵊: إن صدق دخل الجنة). وفي رواية قال ﵊: (والذي نفسي بيده لئن صدق ليدخلن الجنة)]، يعني: لو صدق في إتيانه لهذه الصلوات الخمس، فهو يتكلم هنا عن الصلوات الخمس فحسب، ومن البدهي أن الصلاة بعد الشهادتين؛ لأنها لا تصح قبلها، وتكون مردودة على صاحبها. وقوله ﵊: (لئن صدق) أي في إتيانه بهذه الصلوات الخمس على أكمل وجه، (ليدخلن الجنة)، وهذا يدل على أن من لم يأتها دخل النار. قال: [وعن جرير بن عبد الله البجلي قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم). أخرجه الشيخان. وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة)]. وهذا يدل على أن من ترك الصلاة وقع في الشرك. وهذا الحديث يدل على أن الصلاة من الإيمان، وأن إتيانها إيمان، وتركها كفر ونفاق. قال: [وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة). وعن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : (ليس بين العبد وبين الشرك إلا ترك الصلاة). أخرجه مسلم].

стр. 901

حكم تارك الزكاة يتساءل البعض لماذا لم يقم الخلاف في منع الزكاة كما قام في ترك الصلاة؟ و الجواب لوجود هذا النص وأمثاله، فإنه مخصص لعموم الأدلة التي ذكرت الزكاة، وإن كان بعض أهل العلم أخذ بظاهر النصوص التي شملت وقرنت الزكاة بالصلاة، وهي كثيرة جداً تبلغ أكثر من سبعين آية، وهناك مئات الأحاديث قرنت الزكاة بالصلاة، فأخذ بعض أهل العلم بظاهرها وقالوا: إن مانع الزكاة وتارك الصلاة كافران، ولكن جمهور السلف على أن مانع الزكاة لا يكفر إلا إذا جحد ذلك بعد قيام الحجة عليه، مثل تارك الصلاة جاحداً ليس هناك نزاع بين أهل العلم في كفره.

стр. 902

استتابة تارك الصلاة تارك الصلاة يستتاب ثلاثاً، فإن تاب وإلا قتل. ولا يتصور أن يترك إنسان الصلاة متكاسلاً، فليس هناك شيء اسمه كسل، وإنما هو إيمان وكفر، فيحبس ثلاثة أيام، فإما أن ينيب ويتوب إلى الله ويرجع ويتوب ويؤدي هذه الصلاة، وإما يقتل بالسيف. وتصور شخصاً يحبس في غرفة ثلاثة أيام وهو يعلم أنه إن صلى ثبت له الإسلام وأخرج وإلا قتل بالسيف ردة وليس حداً ومع هذا يبقى ثلاثة أيام في الحبس ولا يصلي، فهل هذا يعد متكاسلاً؟ لا يمكن، فأي كسل هذا؟

стр. 903

كيفية التعامل مع تارك الصلاة مع تعذر إقامة حكم الردة عليه إن الرجل الصالح في المجتمع اليوم هو الذي لا يصلي، ولا يصوم، ولا يزكي، ولا يحج، ويسب الله والرسول، ولكنه ليس صالحاً عند الله. والذي لا يصلي الآن ليس بإمكان أحد من حملة الراية والمهتمين بنشر دعوة الإسلام لا من الحكام ولا من المحكومين استتابته، لكن يبقى إقامة الحجة عليه، وتخويفه بكلام أهل العلم سلفاً وخلفاً أنه يكفر إن لم يرجع إلى الصلاة، ثم يقرع سمعه بالأدلة من الكتاب والسنة، فإن رجع في خلال ثلاث فقد رجع إلى إيمانه وإلا فهو كافر ولا كرامة، فهذه نصوص شرعية، وهذا فهم أهل العلم لها. ونحن نخاف اليوم من تكفيره لأنه ليس بإمكاننا استتابة تاركها.

стр. 904

تلون بعض أهل الإسلام اليوم في عقائدهم ومقارنته بثبات أهل الجاهلية على ضلالهم والناس في هذا الزمان يتلونون في كل لحظة عدة ألوان، وأما في السابق فقد كان الرجل عند كلمته، إذا قال: نصلي يذعن، وإذا كان تركه للصلاة عن اعتقاد وردة فإنه لا يرجع إلى الإسلام وإن كان في ذلك قتله، ونحن نعلم أن دخول الإسلام بكلمة، واليوم لو قابلت نصرانياً أو يهودياً في الشارع وقلت له: قل: لا إله إلا الله فإنه يقولها أمامك مائة مرة، بل ويشرحها لك ويبين شروطها وواجباتها وأركانها، وهو مع هذا باق على يهوديته ونصرانيته وكفره. وقد كان أبو سفيان يستطيع أن يقولها قبل أن ينشرح صدره للإسلام، ولكنه لم يرض بهذا، وكانت الحروب الضارية التي قامت بين معسكر الإيمان والكفر في زمن النبوة بسبب هذه الكلمة، وكان الواحد يتعرض لبريق السيف على أم رأسه، ومع هذا كان يفضل أن يقتل ولا يرجع عن دينه، وكان بإمكان أبي طالب أن يقولها، ولكنه كان رجلاً قومياً شديداً، فلما قال له النبي ﷺ وهو في حالة الاحتضار: (قل كلمة أشهد لك بها عند ربي)، قال: أتريد أن تقول العرب: إن أبا طالب صبأ عن دين قومه وأجداده؟ فالشاهد من ذلك: أن الشخص منهم كان بإمكانه على الأقل في وقت الضيق أن يقولها، ولكنه كان رجلاً مع أنه مشرك. وأبو سفيان يقول بعدما سأله هرقل عن النبي ﵊: لولا أن تعدها العرب علي كذبة لكذبت، ومع أن الشرك أعظم من الكذب، إلا أنه لما اتخذ الشرك والكفر وعبادة الأصنام والأوثان ديناً، وصار هذا عاماً في أهل ذلك الزمان صار الشرك أعظم من الكذب؛ إلا أنه مألوف، ولكن الكذب لم يكن مألوف، ولذلك خشي أبو سفيان أن تعيره العرب بأنه كذب، فلم يكذب، وكان كلما سأله هرقل عن النبي ﵊ سؤالاً أجاب إجابة على الحقيقة، ليس فيها خداع، ولما سأله هرقل: هل يغدر؟ قال: لا، ولكنا منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. وقد كان المشركون في ذلك الوقت في هدنة بينهم وبين النبي ﵊، فلما سأله هرقل: هل يغدر محمد؟ قال له: لا يغدر، ولكن بيننا وبينه في هذا الوقت عهد لا نزال فيه، فيمكن أن يغدر ويمكن ألا يغدر. قال أبو سفيان: وما استطعت أن أدخل إلا بهذه الكلمة، يعني: أنه كان يريد أن ينتقص النبي ﷺ بأي شيء ولكنه يخاف من الكذب، عن الذي مضى. اليوم قد تأتي إلى الشخص وتدعوه إلى الصلاة فيقول: نعم سأصلي فالصلاة هذه أفضل شيء، فالواحد يخرج من الصلاة مرتاحاً وقلبه منور، فإذا سألته: إذا كنت تعلم بهذه الفوائد كلها عن الصلاة والتي لا نعرفها نحن ونحن نصلي فلماذا لا تصلي؟ فيقول لك: يمنعني صاحب العمل وصاحب الشركة، وهل يمنعه صاحب الشركة عن الصلاة في يوم الجمعة وهو في البيت؟ فكل هذا كذب ودجل، ويدل على فساد قلب ذلك المتكلم. قال معدان بن أبي طلحة: قلت لـ ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدثنا حديثاً ينفعنا الله به فسكت، فقلت: حدثنا حديثاً ينفعنا الله به قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك).

стр. 905

فضل الصلاة قال: [عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : (يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون -يعني: تعرفون من أحوالهم، وتنكرون منها- فمن أنكر فقد بريء، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع -أي: من رضي هذا منهم وتابعهم على ما أساءوا فيه وما أتوا به من منكر- قالوا: أفلا نقتلهم؟ -يعني: إذا أظهر هؤلاء الأمراء المنكر هل نقاتلهم؟ - قال النبي ﵊: لا ما صلوا، لا ما صلوا)]، يعني: لا تقاتلونهم إذا كانوا يصلون، وهذا يدل على أن الصلاة مانعة وعاصمة للدماء والأموال، وهذا كما في حديث عبد الله بن عمر السابق: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فمن فعل ذلك فقد عصم مني دمه وماله إلا بحقها وحسابه على الله). قال: [وعن جابر قال: (قال النعمان بن قوقل: يا رسول الله! أرأيت إن صليت المكتوبات، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئاً أدخل الجنة؟ قال النبي ﵊: نعم)]. فذكر الصلاة في هذا الدليل يدل على أن لها حكماً خاصاً دون بقية الفرائض والواجبات والأركان. قال: [وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان وهو يبكي، ويقول: يا ويلي! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار)]، وهذا يدل على أن السجود هو أعظم ركن من أركان الصلاة، من فعله دخل الجنة ومن لم يفعله دخل النار، وأن من ترك الصلاة فيه شبه عظيم من الشيطان؛ لأن الشيطان أمر بالإيمان أولاً فكفر، وأمر بالسجود فلم يسجد، وكذلك الذي أمر بالإيمان فلم يؤمن، والصلاة من الإيمان، فهو أمر بالصلاة -أي: أمر بالإيمان- فلم يؤمن، وأمر بالسجود فلم يسجد. فالذي ترك الصلاة فيه شبه بالشيطان عظيم جداً. وقد جاء هذا عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ﵃.

стр. 906

حكم عمر بن الخطاب فيمن ترك الصلاة قال: [عن المسور بن مخرمة أنه دخل هو وابن عباس على عمر بن الخطاب بعد ما أسفر، يعني بعد ما كاد يخرج وقت الفجر، وقالا له: الصلاة يا أمير المؤمنين! فقال: نعم، لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وجرحه يثعب دماً]، يعني: يسيل دماً. والذي طعنه هو أبو لؤلؤة المجوسي في أثناء الصلاة، وهكذا أهل الغدر ينتهزون الفرص التي لا يجابههم فيها أحد كالمشركين، كما قال تعالى: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤] فهذا أتى لـ عمر وهو في الصلاة فطعنه وطعن غيره، فقتل عدداً من أصحابه، ومات عمر بسبب هذه الطعنة ﵁، ولكنه لم يمت في الحال، وإنما مات بعدها وقد أدركته عدة فروض بعد ما طعن، فكانوا في كل فرض ينبهونه من غيبوبته التي هو فيها ويقولون: يا أمير المؤمنين! الصلاة، فيلتفت إليهم ويقول: نعم، إنه لا حظ في الإسلام لمن لا حظ له في الصلاة، وهذا يدل على أن الصلاة إسلام وإيمان، فمن تركها فقد ترك الإسلام وترك كذلك الإيمان. قال: [وعن ابن عباس قال: لما طعن عمر أخذته غشية - أي: إغماء- قال: فقال رجل: إنكم لن تفزعوه إلا بالصلاة]، يعني: لا يمكن أن يفيق معكم إلا إذا ذكرتم عند أذنه الصلاة فإنه حينئذ يفيق، هذا لأهمية الصلاة في الإسلام، وبيان أهميتها عند عمر ﵁، وليس الزكاة والصيام والحج كالصلاة، وهذا قد جاء في نصوص كثيرة لأهل العلم. قال: [فقلنا: الصلاة يا أمير المؤمنين! قال: ففتح عينيه فقال: أصلى الناس؟ قلنا: نعم، قال: أما إنه لا حظ في الإسلام لأحد أضاع الصلاة، وربما قال: ترك الصلاة، ثم صلى وجرحه يثعب دمعاًً].

стр. 907

الصلاة قوام الدين قال: [نزل عمر بالجابية في الشام لما ذهب إلى بيت المقدس، قال: فمر بـ معاذ بن جبل وهو في مجلس قال: فقال له يا معاذ! ائتني ولا يأت معك من القوم أحد، قال: فجاءه معاذ، فقال أمير المؤمنين يا معاذ! ما قوام هذا الأمر]، يعني ما هو الشيء الذي يقوم الدين والإسلام به ويعتمدا عليه وإذا انكسر انكسرا معه؟ قال: [قال معاذ: الصلاة، وهي الملة، قال: ثم مه؟ -أي: ما الذي بعد ذلك؟ - قال: ثم الطاعة وسيكون اختلاف]، أي: طاعة العلماء والأمراء. وقد أخرج أبو داود والترمذي من حديث العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﵊ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة)، أي: السمع لأولي العلم، والطاعة لأولي الأمر، أو كلاً منهما لأهل العلم وللأمراء. قال: (والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي مجدع، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً). والمخرج من هذا الاختلاف قوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة). فالنبي ﷺ شخص الداء ووصف معه الدواء، وهو السمع والطاعة. فقول معاذ: الخلاف والاختلاف لابد أن يقع، يعني: عدم السمع والطاعة لابد أن يقع. قال: [فقال عمر: حسبي]. وعمر لم ينكر على معاذ أن قوام الإسلام والدين والإيمان هو الصلاة، بل قال: حسبي، ولو لم يكن لـ عمر من رحلته من المدينة إلى الشام إلا هذه الفائدة من معاذ بن جبل لكفاه. قال: [فلما ولى عمر -أي ذهب- قال معاذ: ما -ورب معاذ - سأل بشر منهم، قال: فأخبرني أنه سمع عمر يدعو على المنبر: اللهم ثبتنا على أمرك، واعصمنا بحبلك، وارزقنا من فضلك]. فـ عمر يدعو؛ لأن هذه الفتنة ليست بعيدة على أحد. الناس اليوم يقولون: إن المشايخ والعلماء والدعاة معصومون، وأنهم لا يتأثرون بالفتنة وبالبلاء الذي عم المجتمع في الليل والنهار، ولا يعلمون أن الشيخ معرض للفتنة في كل وقت أكثر من غيره؛ لأن الشيخ معروف وظاهر، فإذا وقعت فتنة من الفتن فالشيخ معرض لأولها وآخرها، وبقية الناس معرضون لآخرها فقط، فلا يتصورن أحد أن الشيخ هو خباب بن الأرت أو معاذ بن جبل أو حذيفة أو عمر أو أبو ذر. وهذه الفتن تعرض على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً فأيما قلب أشربها -سواء كان قلب العالم أو الشيخ أو الداعية- نكت في قلبه نكتة سوداء، حتى يصير في القلب ران أسود لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، اللهم سلم.

стр. 908

دلالة ومفهوم إكثار الله من ذكر الصلاة في القرآن قال: [قال عبد الله بن مسعود: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن]، فهنا ينبهنا ابن مسعود أن الله تعالى يكثر ذكر الصلاة في القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج:٣٤]. وقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣]. قال: [قال: ذلك على مواقيتها، قال: نرى ألا تترك؛ فإن تركها الكفر]، ولم يقل: فإن تركها كفر، وإنما قال: فإن تركها الكفر، والألف واللام هنا للعهد، يعني: أنه الكفر الذي تعهدونه وتعرفونه، وهو المخرج من الملة، فقوله: فإن تركها الكفر، يعني: الكفر المعروف لدينا. قال: [وقيل لـ عبد الله: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن الكريم، قال: ذاك على مواقيتها. وقالوا: ما كنا نرى أن تترك الصلاة].

стр. 909

اختلف الصحابة في حكم تارك الصلاة مع أنه لم يتركها أحد منهم إن لنا أن نتساءل كيف وقع هذا الخلاف بين الصحابة مع أنه لم يرد أن أحداً من الصحابة ولا من التابعين ترك الصلاة؟ و الجواب إن هذا الخلاف وقع على فرض أن أحداً ترك الصلاة، هو ترك الصلاة، والذي يصلي يوصف بأنه إرهابي ومتشدد ومتطرف، ويقولون: إن المصلي يمرض القلب، فهو كلما سمع الأذان ذهب إلى المسجد ثم يرجع منه، فما هذا العمل المزعج.

стр. 910

حال الناس اليوم مع الصلاة إن صلاتنا اليوم ليس فيها طعم ولا لون ولا رائحة في الحقيقة، ولو عرضت هذه الصلاة على سلف الأمة لردوها ولما قبلوها؛ لأنه ليس فيها خشوع أو خضوع أو ذل. هل صلاتنا هذه هي الصلاة التي أمرنا الله بها؟ وأجيب عن نفسي وعنكم بالنيابة واسمحوا لي بهذا: ليست هي الصلاة التي أمرنا الله بها؛ لأن الذي يراجع حال السلف في الصلاة يوقن أننا لا نصلي، فقد كان الواحد منهم يقف في الصلاة فيحمر ويخضر لونه، ويكاد يذهب عقله، فإذا سئل عن ذلك؟ قال: أتدرون بين يدي من أقف؟ يعني: أن الواحد منهم كان يستشعر أنه واقف بين يدي الله تعالى، ومن منا اليوم يستشعر أن الله تعالى ينصب وجهه إليه؟ وهناك أناس صالحون، فإنه لا يعدم الخير في الأمة، والطائفة المنصورة ستبقى موجودة وقائمة إلى قيام الساعة رغم أنف المعاندين والجاحدين. ولا تصح صلاة من صلى بغير وضوء، كما لا يصح إيمان من ترك الصلاة، وفي الحديث: (لا إيمان -وهذا نفي للإيمان- لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له).

стр. 911

تفريق الصحابة بين المؤمن والكافر كان بالصلاة قال: [وجابر لما سئل: هل كنتم تعدون الذنب فيكم كفراً؟] يعني: هل كنتم تسمون المذنب كافراً؟ وجابر صحابي، فقال: [لا إلا الصلاة]، يعني: كنا متفقين ومجمعين على أن صاحب الذنب لا يكفر بذنبه إلا تارك الصلاة، وقال: [وما بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة]. قال: [قلت له: ما كان يفرق بين الإيمان والكفر عندكم من الأعمال على عهد رسول الله ﵊؟ قال: الصلاة. وعن الحسن قال: بلغني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر]. وقد جاء هذا في نصوص كثيرة، ولكن أكتفي بذكر هذا في بيان أن السلف كان جمهورهم على أن تارك الصلاة كافر كفراً أكبر وقد خرج من الملة.

стр. 912

قول أهل العلم في حكم تارك الصلاة جحوداً أو جهلاً أو تكاسلاً هذه المسألة محل نزاع بين أهل العلم. اتفق أهل العلم على أن تارك الصلاة جاحداً لها كافر، وهذا محل إجماع لا نزاع فيه. واتفقوا كذلك على أن من ترك الصلاة جاهلاً بها لحداثة عهده بالإسلام أو لعجمة عنده لم يتعرف بها على فراض الله أنه لا يكفر، كأن يكون مثلاً في دولة أجنبية كدول أوروبا أو أمريكا ثم أسلم ولم يسمع عن صلاة ولا صيام ولا زكاة، ولا شيء من هذا، فلو أنه ترك كل هذا لم يكفر؛ لأنه جاهل لا يعرف ما فرض الله عليه. وأما إذا عرف ذلك فحكمه حكم من عاش في ديار المسلمين وقامت عليه الحجة بظهور العلم. وأما تارك الصلاة كسلاً فقد اختلف فيه أهل العلم اختلافاً بيناً، فمنهم من كفره وهم جمهور السلف، ومنهم من قال: لا يكفر؛ لأن تارك الصلاة كسلاً لا يستوي مع تاركها عمداً بغير عذر، والذي يترجح لدينا أن تارك الصلاة بالكلية كافر، وينبني عليه أحكام الكفر المعروفة. أسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 913

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - الإيمان قول وعمل اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والسيئات، وقد وردت في ذلك الآيات الكثيرة، والأحاديث الصحيحة المستفيضة، والآثار عن الصحابة والتابعين.

стр. 914

سياق ما روي عن النبي في أن الإيمان تلفظ باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الإيمان تلفظ باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح]. وهذا معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان؛ ويتكون من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول: وهو واجب اللسان، فلابد من التلفظ بالشهادة لمن كان قادراً عليها، ثم ما تلفظ به يعتقده ويقر به جازماً بذلك قلبه، ثم يعمل بمقتضى ما تلفظ به وما استقر في قلبه سواء كان ذلك من عمل القلب أو من عمل الجوارح. هذا معتقد أهل السنة والجماعة: أن الإيمان لفظ باللسان، أي: النطق بالشهادتين، واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، فمن اعتقد ذلك اعتقاداً جازماً وعمل بمقتضاه، ولكنه لم يتلفظ فإنه ليس مؤمناً، بل ليس مسلماً، ومن تلفظ ولكنه كره ما تلفظ به ولم يعمل بمقتضاه فإنه ليس مسلماً، بل هو كافر، فمن تلفظ بالإيمان وجزم بذلك قلبه ثم قصر في العمل فعنده من الإيمان على قدر ما عنده من العمل، وعنده من النفاق والفسق على قدر ما فيه من تقصير في العمل. على اختلاف بين أهل العلم في الأعمال المكفرة من غيرها، ومن الأعمال القلبية ما يجعل صاحبه كافراً، ومنها ما يجعله صادقاً، فذكر أن الذي يبغض الله تعالى أو يبغض رسوله ﷺ أو يبغض الشرع، وإن أقر بلسانه وصام وصلى وزكى وحج فإنه عند الله كافر، وإن كان حكمه في الدنيا أنه مسلم؛ لأنه أتى بالشهادتين، لكنه عند الله تعالى كافر لبغضه لشرعه. ومن عرف الإيمان بأنه معرفة الله فقط، فهو جهمي، فإن الجهمية قالوا: الإيمان هو العلم. إبليس عليه لعنة الله كان يعلم أن الله تعالى واحد، ولا يخفى عليه وحدانية الله ، بل أبو طالب لما دعاه النبي ﵊ في مرض موته إلى أن ينطق بالشهادتين قال: إني لأعلم أنك على الحق، لكني أخشى أن تعيرني نساء قريش، يعني: هو كان يعرف ذلك. فالإيمان ليس هو المعرفة فحسب ولا هو اليقين فحسب، بل هو عند أهل السنة والجماعة مجموع من ثلاثة: إقرار باللسان وهو نطق بالشهادتين، واعتقاد بالقلب، ثم عمل يصدق الإقرار والاعتقاد الجازم.

стр. 915

الأدلة على أن الإيمان قول باللسان وأراد الإمام في هذا الباب أن يبين أدلة هذا عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان. والأدلة من كتاب الله ومن سنة النبي ﵊ على صحة ما عليه أهل السنة والجماعة، على أنه تلفظ باللسان؛ قول الله : ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]. هذه الآية لم تنف عن الأعراب أصل الإيمان، وإنما نفت كماله وتمامه، قالت الأعراب وزعمت الأعراب أنهم آمنوا، والله ﵎ رد عليهم زعمهم فقال: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، يعني: لم يدخل الآن، ولكنه سيدخل في المستقبل بالعمل، و (لما) لنفي الحال وجواز وقوعه في المستقبل. لا أعني من هذا أن الله تعالى نفى عنهم الإيمان من أصله، ففي الدروس الماضية قد بينا الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فمطلق الإيمان: هو أصل الإيمان، والإيمان المطلق هو الإيمان الكامل. إذاً: الله ﵎ نفى عنهم مطلق الإيمان؛ لأنهم لم يعملوا بعد، ولذلك أوقفهم الله تعالى عند حد الإسلام؛ لأنهم أقروا به ولم ينف عنهم أصل الإيمان؛ لأن المسلم إذا تلفظ بالشهادتين يلزمه أصل الإيمان بجوار الإقرار والنطق بالشهادتين حتى يكون مسلماً صحيح الإسلام. فلو قال إنسان تعوذاً: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ يعني: خائفاً من السيف؛ أول ما تمكن منه المسلم في ساحة الجهاد نطق بالشهادتين، لكنه لم ينطق بها معتقداً بذلك قلبه وإنما مخافة السيف. ولذلك أنكر النبي ﵊ على أسامة بن زيد لما قتل من نطق بالشهادتين في الجهاد؛ لما تمكن منه أسامة قال: (يا رسول الله! والله ما قالها إلا تعوذاً، قال: أشققت عن صدره؟)، يعني: ما يدريك أنه قالها تعوذاً ربما يكون صادقاً. فهذا يدل على أن لنا الظواهر والله يتولى السرائر؛ فالله يتولى فعل هذا المتعوذ الذي اضطر حتى نطق بالشهادتين، ولذلك ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]، ولم من ألفاظ النفي، لكنه لم ينف مطلق الإيمان وإنما نفى الإيمان المطلق؛ نفى كمال الإيمان وتمامه؛ لأن من نطق بالشهادتين يلزمه محبة هذه الكلمة والرضا بها، والاقتداء بسنة النبي ﵊، وتقديم محبة الله ورسوله على محبة غيره، وغير ذلك من مقتضيات وشروط هذه الكلمة؛ كالعلم واليقين والصدق. فإذا جمع هذه الأعمال القلبية من الصدق والمحبة والرضا وغير ذلك إلى هذه الكلمة فهذا يسمى عمل القلب، وقد قلنا من قبل: إن الأعمال أعمال جوارح وأعمال قلب، أما أعمال القلب فهذه يطلق عليها من أول وهلة أصول الإيمان؛ ولو أن شخصاً نطق بالشهادتين ولم يكن في حال نطقه بالشهادتين مقراً بقلبه بيقين وصدق وإخلاص وحب لهذه الكلمة لا يكون مسلماً عند الله. ولذلك لابد أن يجمع مع الإقرار محبة هذه الكلمة والصدق في نطقها، والاستعداد التام للعمل بمقتضاها والعلم بمعناها الحقيقي لله ، وغير ذلك من شروط التوحيد. فإذا اكتملت هذه الأعمال القلبية في حال النطق بالشهادة فيكون قد جمع أصول الإيمان في قلبه مع النطق بالشهادتين. فإذاً: قول الله : ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أي: لم تؤمنوا الإيمان الكامل، وأصل الإيمان موجود في قلوبهم. وهنا بين النبي ﵊ شرط نطق الشهادتين باللسان، وذلك لمن كان قادراً على ذلك بخلاف من كان أخرس أو أبكم لا يستطيع أن ينطق، أو لا يستطيع أن يتكلم من أصله فإنه لا يلزمه ذلك إلا إذا علم ذلك بالإشارة، وإنما تكفيه الإشارة. وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله -أي: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا بألسنتهم لا إله إلا الله- فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله .
следующие страницы →