Полный текст (1 284 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
تفريق الصحابة بين المؤمن والكافر كان بالصلاة
قال: [وجابر لما سئل: هل كنتم تعدون الذنب فيكم كفراً؟] يعني: هل كنتم تسمون المذنب كافراً؟ وجابر صحابي، فقال: [لا إلا الصلاة]، يعني: كنا متفقين ومجمعين على أن صاحب الذنب لا يكفر بذنبه إلا تارك الصلاة، وقال: [وما بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة].
قال: [قلت له: ما كان يفرق بين الإيمان والكفر عندكم من الأعمال على عهد رسول الله ﵊؟ قال: الصلاة.
وعن الحسن قال: بلغني أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر].
وقد جاء هذا في نصوص كثيرة، ولكن أكتفي بذكر هذا في بيان أن السلف كان جمهورهم على أن تارك الصلاة كافر كفراً أكبر وقد خرج من الملة.
стр. 912
قول أهل العلم في حكم تارك الصلاة جحوداً أو جهلاً أو تكاسلاً
هذه المسألة محل نزاع بين أهل العلم.
اتفق أهل العلم على أن تارك الصلاة جاحداً لها كافر، وهذا محل إجماع لا نزاع فيه.
واتفقوا كذلك على أن من ترك الصلاة جاهلاً بها لحداثة عهده بالإسلام أو لعجمة عنده لم يتعرف بها على فراض الله أنه لا يكفر، كأن يكون مثلاً في دولة أجنبية كدول أوروبا أو أمريكا ثم أسلم ولم يسمع عن صلاة ولا صيام ولا زكاة، ولا شيء من هذا، فلو أنه ترك كل هذا لم يكفر؛ لأنه جاهل لا يعرف ما فرض الله عليه.
وأما إذا عرف ذلك فحكمه حكم من عاش في ديار المسلمين وقامت عليه الحجة بظهور العلم.
وأما تارك الصلاة كسلاً فقد اختلف فيه أهل العلم اختلافاً بيناً، فمنهم من كفره وهم جمهور السلف، ومنهم من قال: لا يكفر؛ لأن تارك الصلاة كسلاً لا يستوي مع تاركها عمداً بغير عذر، والذي يترجح لدينا أن تارك الصلاة بالكلية كافر، وينبني عليه أحكام الكفر المعروفة.
أسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 913
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - الإيمان قول وعمل
اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والسيئات، وقد وردت في ذلك الآيات الكثيرة، والأحاديث الصحيحة المستفيضة، والآثار عن الصحابة والتابعين.
стр. 914
سياق ما روي عن النبي في أن الإيمان تلفظ باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الإيمان تلفظ باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح].
وهذا معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان؛ ويتكون من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول: وهو واجب اللسان، فلابد من التلفظ بالشهادة لمن كان قادراً عليها، ثم ما تلفظ به يعتقده ويقر به جازماً بذلك قلبه، ثم يعمل بمقتضى ما تلفظ به وما استقر في قلبه سواء كان ذلك من عمل القلب أو من عمل الجوارح.
هذا معتقد أهل السنة والجماعة: أن الإيمان لفظ باللسان، أي: النطق بالشهادتين، واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، فمن اعتقد ذلك اعتقاداً جازماً وعمل بمقتضاه، ولكنه لم يتلفظ فإنه ليس مؤمناً، بل ليس مسلماً، ومن تلفظ ولكنه كره ما تلفظ به ولم يعمل بمقتضاه فإنه ليس مسلماً، بل هو كافر، فمن تلفظ بالإيمان وجزم بذلك قلبه ثم قصر في العمل فعنده من الإيمان على قدر ما عنده من العمل، وعنده من النفاق والفسق على قدر ما فيه من تقصير في العمل.
على اختلاف بين أهل العلم في الأعمال المكفرة من غيرها، ومن الأعمال القلبية ما يجعل صاحبه كافراً، ومنها ما يجعله صادقاً، فذكر أن الذي يبغض الله تعالى أو يبغض رسوله ﷺ أو يبغض الشرع، وإن أقر بلسانه وصام وصلى وزكى وحج فإنه عند الله كافر، وإن كان حكمه في الدنيا أنه مسلم؛ لأنه أتى بالشهادتين، لكنه عند الله تعالى كافر لبغضه لشرعه.
ومن عرف الإيمان بأنه معرفة الله فقط، فهو جهمي، فإن الجهمية قالوا: الإيمان هو العلم.
إبليس عليه لعنة الله كان يعلم أن الله تعالى واحد، ولا يخفى عليه وحدانية الله ، بل أبو طالب لما دعاه النبي ﵊ في مرض موته إلى أن ينطق بالشهادتين قال: إني لأعلم أنك على الحق، لكني أخشى أن تعيرني نساء قريش، يعني: هو كان يعرف ذلك.
فالإيمان ليس هو المعرفة فحسب ولا هو اليقين فحسب، بل هو عند أهل السنة والجماعة مجموع من ثلاثة: إقرار باللسان وهو نطق بالشهادتين، واعتقاد بالقلب، ثم عمل يصدق الإقرار والاعتقاد الجازم.
стр. 915
الأدلة على أن الإيمان قول باللسان
وأراد الإمام في هذا الباب أن يبين أدلة هذا عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.
والأدلة من كتاب الله ومن سنة النبي ﵊ على صحة ما عليه أهل السنة والجماعة، على أنه تلفظ باللسان؛ قول الله : ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤].
هذه الآية لم تنف عن الأعراب أصل الإيمان، وإنما نفت كماله وتمامه، قالت الأعراب وزعمت الأعراب أنهم آمنوا، والله ﵎ رد عليهم زعمهم فقال: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، يعني: لم يدخل الآن، ولكنه سيدخل في المستقبل بالعمل، و (لما) لنفي الحال وجواز وقوعه في المستقبل.
لا أعني من هذا أن الله تعالى نفى عنهم الإيمان من أصله، ففي الدروس الماضية قد بينا الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فمطلق الإيمان: هو أصل الإيمان، والإيمان المطلق هو الإيمان الكامل.
إذاً: الله ﵎ نفى عنهم مطلق الإيمان؛ لأنهم لم يعملوا بعد، ولذلك أوقفهم الله تعالى عند حد الإسلام؛ لأنهم أقروا به ولم ينف عنهم أصل الإيمان؛ لأن المسلم إذا تلفظ بالشهادتين يلزمه أصل الإيمان بجوار الإقرار والنطق بالشهادتين حتى يكون مسلماً صحيح الإسلام.
فلو قال إنسان تعوذاً: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ يعني: خائفاً من السيف؛ أول ما تمكن منه المسلم في ساحة الجهاد نطق بالشهادتين، لكنه لم ينطق بها معتقداً بذلك قلبه وإنما مخافة السيف.
ولذلك أنكر النبي ﵊ على أسامة بن زيد لما قتل من نطق بالشهادتين في الجهاد؛ لما تمكن منه أسامة قال: (يا رسول الله! والله ما قالها إلا تعوذاً، قال: أشققت عن صدره؟)، يعني: ما يدريك أنه قالها تعوذاً ربما يكون صادقاً.
فهذا يدل على أن لنا الظواهر والله يتولى السرائر؛ فالله يتولى فعل هذا المتعوذ الذي اضطر حتى نطق بالشهادتين، ولذلك ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]، ولم من ألفاظ النفي، لكنه لم ينف مطلق الإيمان وإنما نفى الإيمان المطلق؛ نفى كمال الإيمان وتمامه؛ لأن من نطق بالشهادتين يلزمه محبة هذه الكلمة والرضا بها، والاقتداء بسنة النبي ﵊، وتقديم محبة الله ورسوله على محبة غيره، وغير ذلك من مقتضيات وشروط هذه الكلمة؛ كالعلم واليقين والصدق.
فإذا جمع هذه الأعمال القلبية من الصدق والمحبة والرضا وغير ذلك إلى هذه الكلمة فهذا يسمى عمل القلب، وقد قلنا من قبل: إن الأعمال أعمال جوارح وأعمال قلب، أما أعمال القلب فهذه يطلق عليها من أول وهلة أصول الإيمان؛ ولو أن شخصاً نطق بالشهادتين ولم يكن في حال نطقه بالشهادتين مقراً بقلبه بيقين وصدق وإخلاص وحب لهذه الكلمة لا يكون مسلماً عند الله.
ولذلك لابد أن يجمع مع الإقرار محبة هذه الكلمة والصدق في نطقها، والاستعداد التام للعمل بمقتضاها والعلم بمعناها الحقيقي لله ، وغير ذلك من شروط التوحيد.
فإذا اكتملت هذه الأعمال القلبية في حال النطق بالشهادة فيكون قد جمع أصول الإيمان في قلبه مع النطق بالشهادتين.
فإذاً: قول الله : ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أي: لم تؤمنوا الإيمان الكامل، وأصل الإيمان موجود في قلوبهم.
وهنا بين النبي ﵊ شرط نطق الشهادتين باللسان، وذلك لمن كان قادراً على ذلك بخلاف من كان أخرس أو أبكم لا يستطيع أن ينطق، أو لا يستطيع أن يتكلم من أصله فإنه لا يلزمه ذلك إلا إذا علم ذلك بالإشارة، وإنما تكفيه الإشارة.
وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله -أي: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا بألسنتهم لا إله إلا الله- فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله .
стр. 916
الأدلة على أن الإيمان اعتقاد بالقلب
والدلالة على أنها اعتقاد بالقلب قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] أي: كماله وتمامه ليس موجوداً؛ ولكنه سيوجد في المستقبل، وقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧]، وموطن هذا الحب هو القلب: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ﴾ [الحجرات:٧]، وتفسير الآية: وحبب وزين الإيمان في قلوبكم.
إذاً: الحب والتزيين للإيمان محله القلب، ولذلك محبة هذه الكلمة شرط في صحة إيمان من قالها، ولذلك من قالها وهو يبغضها لا يكون عند الله مسلماً مؤمناً.
وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢] أي: فرض في قلوبهم الإيمان، أي: جعله فرضاً في القلب لا يغادره، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١]، يقول بلسانه: أنا مؤمن كمال الإيمان، أما قلبه فليس فيه من الإيمان حبة خردل، ومحل الإيمان هو القلب.
وحديث أبي برزة الأسلمي وبريدة بن الحصيب والبراء بن عازب كلهم يروي عن النبي ﵊: (يا معشر من آمن بلسانه ولما يدخل الإيمان قلبه -يعني: يا معشر من زعم أنه مؤمن بلسانه ولما يدخل الإيمان قلبه- لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عورتهم اتبع الله تعالى عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته)، أي: الجزاء من جنس العمل.
وهذا يدل على أن محل الإيمان في القلب.
والأدلة على أنه اعتقاد بالجنان -أي: القلب- قال الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فالعبادة على القلب والجوارح، ((مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ)) فأعاد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على إخلاص العبادة لله .
стр. 917
الأدلة على أن الإيمان عمل بالجوراح
لما كان الإخلاص عملاً قلبياً وكذلك الزكاة والصلاة عمل من أعمال الجوارح جمع الله ﵎ العبادة في آية واحدة مما يدل على أن الإيمان يشمل عمل القلب وعمل الجوارح.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف:١١٠]، أي: يؤمل أن يلقى الله ﵎ أحسن لقاء، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].
أما قوله: ((وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)) فهذا يدل على شرط الإخلاص لله وعدم الشرك به في القول والعمل، وهذا قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] أي: فليعمل عملاً مستقيماً من صلاة وزكاة وصيام وحج وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وكل ما سوى ذلك من عمل شرعي يعمله الإنسان على وجه الصلاح، ووجه الصلاح لا يكون إلا باتباع النبي ﵊، وعدم إدخال الزيادة على العبادة، كما أنه لا يجوز له أن ينقص منها.
لابد أن يكون العمل الصالح مستقيماً على منهاج النبي ﵊ بغير زيادة ولا نقصان، فالزيادة كالنقصان بدعة سواء بسواء.
أما عدم الشرك بالله وهو الشرط الثاني من شرطي قبول العمل عند الله ، قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، هذا هو محل الشاهد.
والخير هنا بمعنى: العمل الصالح من الطاعات التي فرضها الله على العباد، والعبد الذي يأتيه بعض آيات ربه وهو الموت في ساعة الاحتضار يتمنى ويقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]؛ لأنه يرى الحقائق في لحظة موته عياناً بياناً، فحينئذ يستبشر بلقاء الله إذا كان من أهل الصلاح، أو يسوءه لقاء الله وهو على هذا الحال، وفي هذا يقول النبي ﵊: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)؛ لأن العبد إذا كان من أهل العمل الصالح بشر بمقعده من الجنة، ورأى مقعده من النار؛ لأن كل إنسان أعد الله ﵎ له مقعداً في النار ومقعداً في الجنة.
فالعبد الصالح في لحظة الاحتضار يرى مقعده من النار، والملائكة تبشره وتقول: يا فلان هذا مكانك من النار أبدلك الله ﵎ به مكانك في الجنة وهو هذا فانظر إليه، فحينئذ يستبشر ويفرح بلقاء الله ، فالله ﵎ يرضى ويفرح بلقائه، وهو يفرح بلقاء الله .
وكذلك العبد السيئ الذي لم يعمل صالحاً، أو لم يكن لديه عمل يؤهله لدخول الجنة يرى مكانه من الجنة، والملائكة تبشره بالعذاب والسوء، فيقولون: يا فلان هذا مكانك في الجنة، ولكن الله أبدلك به مكاناً في النار فانظر إليه، فحينئذ يكره لقاء الله فيكره الله تعالى لقاءه.
فهنا لابد أن يجمع العبد في قلبه إيماناً، هذا الإيمان يترجم ترجمة عملية في أداء الطاعات واجتناب المنهيات، والنبي ﵊ في مرض موته لما نزل إليه ملك الموت وبشره بالرفيق الأعلى، وما من نبي قبض إلا خير بين البقاء والقبض، وهذه علامة من علامات موت الأنبياء، فلما بشره ملك الموت بالرفيق الأعلى قال: (يا محمد أتبقى؟ قال: بل الرفيق الأعلى)، فعلمت ابنته فاطمة ﵂ -وكانت تحضر وفاته- أن أباها يحتضر ﷺ .
قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، يعني: أتت من الأعمال الصالحة ما يؤهلها لهذا الخير.
وحديث الأعرابي لما عد عليه النبي ﷺ الأعمال، وهو حديث في الصحيحين طويل معروف يقول: يا رسول الله! ماذا علي من الصلاة؟ ماذا علي من الصيام؟ ماذا علي من الحج؟ ماذا علي من الزكاة؟ فكل مرة يقول: هل إذا فعلت ذلك فأنا مسلم صادق؟ قال: نعم.
ثم قال: بأن الإيمان يزيد وينقص، وهو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، وهذا مذهب الصحابة من تقدم ذكرهم في الرواية وغيرهم كـ عمر وعلي ومعاذ وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء وجابر بن عبد الله وغيرهم كثير، يعني: هذا مذهب السلف جميعاً.
وكذلك من التابعين الحسن وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم ومجاهد وهشام بن حسان و
стр. 918
حكم تارك الزكاة في الإسلام كحكم تارك الصلاة
قال: [وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة أخبره قال: (لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: يا أبا بكر كيف نقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال ذلك عصم مني ماله ودمه ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق)].
هذا الحديث من أعظم الأحاديث وأجلها وأكثرها فوائد.
يقول فيه أبو هريرة: (لما توفي النبي ﵊ واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب) يعني: ارتد من العرب من ارتد، والردة هي الخروج والمروق عن الإسلام تماماً، مع أن الأدلة قضت بأن في هؤلاء المرتدين الذين قاتلهم أبو بكر من لم يكونوا في الحقيقة مرتدين، بل كانوا مقرين بالزكاة، بل بنو يربوع جمعوا الزكاة -أي: زكاة أموالهم- وأرادوا أن يرسلوها إلى المدينة إلى أبي بكر وهو الخليفة بعد النبي ﵊ فمنعهم مالك بن نويرة وأخذ أموالهم فصرفها فيهم.
ولكن هؤلاء لم يتميزوا ولم يتحيزوا، وإنما كانوا في ضمن صفوف وبيوت هؤلاء المرتدين، والمرتدون الذين حاربهم أبو بكر على عدة أصناف: منهم أتباع مسيلمة الكذاب وأتباع الأسود العنسي، وهؤلاء مرتدون، وحتى في زمن النبي ﵊ كانوا من المنافقين وأنتم تعلمون ذلك.
وقسم آخر من هؤلاء جحدوا الإسلام فتركوا الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك.
وأما الصنف الثالث فمنهم من منع الزكاة متأولاً ومنهم من أدى الزكاة، ولكن مجموع هؤلاء جميعاً كانوا في صعيد واحد، وخطرهم على المدينة محدق، ولابد لـ أبي بكر أن يتخلص من هؤلاء حتى يستقيم له الأمر وإلا فهؤلاء يشكلون خطراً عظيماً جداً على الإسلام، ولما لم يتحيز ويتميز هؤلاء الذين أقروا بالزكاة أو جمعوها بالفعل وأرادوا إرسالها ولكن منعهم مالك بن نويرة؛ فحينئذ حاربهم جميعاً أبو بكر الصديق ﵁؛ لأن هذا المعلوم في الإسلام بحكم الثغر.
إذا كان في ثغر من ثغور الإسلام بعض الأعداء وخطرهم محدق بالإسلام وأهله، ومع هؤلاء في نفس الموضع أناس من أهل التوحيد والإيمان، لكن لا يمكن تخليص هؤلاء من بين الأعداء كما لا يمكن التخلص من الأعداء إلا بقتلهم فيقتل الجميع ثم يبعث المسلم على نيته، ولذلك قاتل أبو بكر الصديق ﵁ هؤلاء جميعاً المتأول وغير المتأول، وعمر بن الخطاب ﵁ قامت عنده شبهة فقال: كيف تقاتل الناس وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، والنبي ﵊ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوها، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)؟ فـ عمر نظر إلى صدر الكلام ولم ينظر إلى عجزه، فـ أبو بكر الصديق ﵁ انتبه إلى الشرط (إلا بحقها) أي: إلا بحق هذه الكلمة، وحق هذه الكلمة: أن يصلوا وأن يصوموا ويؤدوا الزكاة، فقال: يا عمر! لو أن الناس تركوا الصلاة أكنت تقاتلهم؟ قال: نعم.
هذا أمر مستقر لدى الصحابة أن من منع الصلاة أو ترك الصلاة يقاتل حتى يصلي، مع أنه تارك للصلاة وهو دائم على قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وهذا كان أمراً معلوماً مستقراً لدى الصحابة ﵃ أن من ترك الصلاة قوتل حتى يرجع إليها وإلا قتل ردة، فلما كان هذا معلوماً مستقراً عند عمر وعند غيره من الناس أراد أبو بكر الصديق ﵁ أن يلفت نظره إلى أن الصلاة كالزكاة، إذا كانت الصلاة هي علاقة العبد بربه، فكذلك الزكاة هي حق المال الذي فرضه الله .
فكما أن الله هو الذي فرض الصلاة هو كذلك الذي فرض الزكاة، فمن فرق بين الصلاة والزكاة قاتلته، لأن الذي يفرق لا حجة له بعد التفريق؛ لأن الله تعالى جمع بينهما في أكثر من سبعين آية في كتاب الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فمن فرق بينهما وجعل لكل واحد منهما حكماً فقد فرق بغير مسوغ وبغير دليل.
ولذلك قال: (فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ودمه ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله).
وقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن
стр. 919
منهج الإيمان في الأخذ بالأسباب
قال: [وعن سعيد بن المسيب أن عمر قال: (يا نبي الله! أرأيت ما نعمل نحن الآن لأمر قد فرغ منه أو لأمر نستقبله استقبالاً؟)] هذا كلام جميل جداً في القدر.
أي: الأعمال التي عملناها يا رسول الله أهي أعمال قد كتبت علينا وفرغ الأمر منها أو هي مستقبلية؟ قال: [(فقال النبي ﵊: بل لأمر قد فرغ منه، فقال عمر: فعلام العمل إذاً؟)] أي: لماذا نعمل؟ لأن هذا العمل قد كتبه الله قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما في رواية مسلم، ألسنا نريد مقاتلة المشركين؟ فالله إما أن يكون قد كتب النصر أو الهزيمة، من منا يعلم قبل بدء المعركة ما كتب لنا من نصر أو هزيمة؟ لابد من خوض المعركة.
فإذا كتب لنا النصر علمنا أن الله تعالى كان قد كتب لنا النصر، ولذلك سخرنا وهدانا لهذا النصر أخذاً بالأسباب، هل يستطيع إنسان أن يقول: أنا جائع ولا داعي للأكل، لأن الله تعالى لو كتب لي الشبع فإنه قادر على أن يشبعني دون أن أطعم أو أشرب، وكذلك من يريد ولداً يقول: إن الله تعالى قادر على أن يرزقني الولد من غير أن أتزوج؟ هذا لا يمكن أن يقوله إنسان عاقل.
لابد من استعمال السبب، وترك السبب قدح في توحيد الله ، كما أن الاعتماد على السبب شرك بالله .
ومعنى (فرغ منه) أي: علمه الله ، ولما علمه كتبه في اللوح المحفوظ وسطره على العباد، لكن هل العباد يعلمون هذه القضية؟ هل العباد علموا ما كتب لهم وقدر؟ هل هم يعلمون ذلك إلا بعد أن يقع؟ فالعباد لا يعلمون ذلك.
فلذلك لابد من اتخاذ الأسباب، وبعد اتخاذ الأسباب يعلمون ما كان قد قدر لهم، لأن ربنا كتب كل شيء، فهو عنده في كتاب تحت العرش، وأنت ما أدراك أن هذا المكتوب خير أم شر، لك أو عليك؟ لابد من العمل حتى تدرك بعد ذلك ما كان قد قدر لك من الخير أو الشر.
كان أحدهم ممن لا يؤمن بالقدر وعنده فلسفات جدلية على القدر، وكان في إحدى زياراتي له ضرب ابنه ضرباً مبرحاً من أجل أن يجتهد في المذاكرة، والامتحان كان على الأبواب، مع أنه قبل ساعات طويلة كان يقول: إن كل شيء قدره الله ، فلم العمل؟ نفس السؤال الذي عرضه عمر على النبي ﵊، ولكن عمر آمن بكلام النبي ﷺ فوراً، ولا يمنع أن يكون عمر سأل لأجل أن يتعلم الجاهل، فهذا لا يخفى عليكم.
فهذه العشرون عاماً أجرى الله ﵎ فيها أحكام الدنيا إلى قيام الساعة تأصيلاً أو فروعاً أو سياسة، ولذلك أحداث الدنيا إلى قيام الساعة لابد أن يكون لها أصلا في كتاب الله أو في سنة رسوله ﵊ أو في إجماع الأمة أو بالسند الصحيح، وهي مصادر الإسلام.
فقلت لهذا المخبول بعد أن ضرب ابنه: لم تضربه هذا الضرب كله؟ قال: الامتحان على الأبواب، وهو لا يريد أن يذاكر، قلت: ولم يذاكر؟ قال: حتى يوفق في الامتحان وينجح، قلت: إذا كان الله قدر له النجاح سينجح وإن لم يذاكر ويدخل الامتحان، فنظر وبحلق في عيني، قلت: هذه مثل تلك التي كنت تناقش فيها منذ ساعات؛ لأنه لم يكن يعمل، وكان يظن أن العمل شرك بالله ، وهذا هو البرماوي وأنتم تعرفونه، ويعتقد أن هذا من باب التوكل على الله.
قلت: وما الذي يمنع ابنك أن يتوكل على الله أعظم من توكلك؛ بأن يجتهد في المذاكرة قبل دخول الامتحان، وعلى اعتقادي أن الله ﵎ لو أراد أن يجعله الأول على الجمهورية وعلى العالم كله لفعل ذلك؛ لأن كل شيء بيده ، لكن لما كان كل شيء بيده ﵎ أمرنا باتخاذ الأسباب.
وقلت له بعد ذلك: يلعب ويمرح ويلهو ويأخذ الذي قدره الله له، وعلمت بعد أيام من هذا اللقاء أنه رجع عما كان عليه؛ لأن مناقشته في قدرة الله وإرادته في أمر قد مسه هو شخصياً، لم يتلقاه عن شيخه المضل، وإنما تلقاه عن ولده الذي ربما يضيع لو ترك المذاكرة، والمذاكرة سبب من أسباب الله .
قال: [(قال عمر ففيم العمل؟ قال النبي ﵊: لا ينال إلا بعمل -يعني: هذا المفروغ المقدر لا ينال إلا بعمل- فقال عمر: إذاً نجتهد)]، إذا كان المقدر والمكتوب هذا لا ينال إلا بعمل، إذاً: لابد أن نجتهد ونعمل.
الله كتب أن العبد لابد أن يعمل فعمل العبد هو كذلك مكتوب، والله ﵎ كتب أن إبراهيم سينجح وكتب أن إبراهيم سيذاكر، فالله كتب العمل وكتب نتيجته، فإذا كان هذا وذاك مكتوبان فلابد من الإتيان بهما.
قال: [وقال عمران بن حصين: (قال رجل: يا رسول الله! أعُلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: ففيم يعمل العامل)]، فالله يعلم أهل الجنة من أهل النار، وما أدراك أنك من أهل الجنة أو من أهل النار؟ والله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق
стр. 920
فضل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
قال: [وعن أنس ﵁ أن نبي الله ﷺ كان رديفه معاذ ﵁ على الراحلة فقال: (يا معاذ بن جبل -ثلاثاً- ومعاذ يقول: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا حرمه الله على النار)]، هاتان الكلمتان لهما مقتضيات، فمن تلفظ بهما وهو لا يعلم معناهما ولا يعرف أي شيء عنهما لا يصح هذا منه.
وآخر يقول هاتين الكلمتين ولكنه يبغض الرسول ﷺ أشد البغض لا يقبل منه هذا، ويكون هذا رياء ونفاقاً.
إذاً: هذه الكلمة عند إطلاقها ليست مقصودة في ذاتها، ولكن تنفع صاحبها إذا كانت مكتملة الشروط والأركان.
قال: [(يا رسول الله! أفلا أخبر به الناس)، معاذ بن جبل يقول: يا رسول الله! هل تأذن لي وتسمح أن أبشر الناس بذلك؟ قال النبي ﵊: [(إذاً يتكلوا)]، يعني: يتكلوا على مجرد القول، ويتركوا العمل.
قال: [(فأخبر بها معاذ في آخر حياته تأثماً)]، يعني: مخافة أن يموت وهو كاتم العلم.
قال: [وعن سليم أبي عامر قال: (سمعت أبا بكر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أخرج فأنادي من يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فله الجنة.
قال: فخرجت فلقيني عمر فسألني فأخبرته، فقال: ارجع إلى رسول الله ﷺ قل له: دع الناس يعملون فإنهم إن سمعوا اتكلوا عليه)].
وحديث أبي هريرة عند مسلم، قال ﵁: (كان النبي ﵊ في نفر من أصحابه، وفينا أبو بكر وعمر، فقام عنا فأبطأ علينا، فخشينا عليه، ففزعنا فكنت أول من فزع، فأتيت حائطاً من حوائط الأنصار فدرت به حتى وجدت جدولاً -والجدول الربيع أو قال: وجدت ربيعاً والربيع جدول- فاحتفزتُ كما يحتفز الثعلب، فلقيني النبي ﷺ وقال: أبا هريرة؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما شأنك؟ قلت: يا رسول الله! إنك كنت بيننا فقمت عنا، فأبطأت علينا وخشينا عليك، ففزعنا فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط، فمررت به علِّي أجد مكاناً أدخل منه، ولم أجد إلا جدولاً فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، قال النبي ﵊: يا أبا هريرة خذ نعلي هاتين، أو خذ نعلي هذا واذهب، فمن لقيت خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فبشره بالجنة، قال: فخرجت فكان أول من لقيني عمر، وقال: ما هذا يا أبا هريرة؟ قلت: هما نعلا رسول الله ﷺ فقص عليه القصة، فقال: أمرني النبي ﵊ أن آخذ نعله وأخرج خارج الحائط، فمن لقيته يشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله بشرته بالجنة، قال: فضربني عمر في صدري حتى خررت على استي، أو وقعت على مؤخرتي، قال: فقدمت إلى النبي ﷺ وعمر على إثري -يعني: عمر وراءه خطوة بخطوة- فلما دخلت على النبي ﵊ قصصت عليه ما كان من أمر عمر، فقال: يا عمر ما حملك على هذا؟ قال عمر: يا رسول الله أأنت قلت له كيت وكيت؟ -يعني: أنت الذي قلت له: اعمل كيت وكيت وكيت؟ - قال: نعم، قال: يا رسول الله! لا تفعل؛ خل الناس يعملوا، فقال النبي ﵊: خلهم يا عمر يعملوا) عمر ﵁ خشي أن يتكل الناس على مجرد النطق بهذه الكلمة، وأما النبي ﵊ فإنه يعلم علماً يقينياً أن من أتى بها مجردة عن العمل القلبي وعمل الجوارح لا تنفعه بين يدي الله ، وخشي أن يتغير الزمان وتتقلب الأحوال ويكتفي الناس من إسلامهم وإيمانهم بمجرد الكلمة.
ولذلك وافق عمر على الفور في وجوب أو استحباب ستر هذه البشارة عن الناس؛ لأنه فعلاً ربما اتكلوا عليها، وأنتم ترون أن الناس متكلون عليها، يأتي العبد من العباد أفجر خلق الله لم يترك معصية إلا وهو في أوحالها بالليل والنهار، أما الطاعات فلا دراية له بها ألبتة، لسانه لسان الزنباوي؛ لأن الزنباوي من أيام الثورة سنة ١٩٥٧م، يقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، فلم يكن أحد أشطر منه في الأفق، حتى ضرب بلسانه المثل بعد ذلك.
فتصور شخصاً تكلمه يقول لك: أتظن أنك لا تصلي إلا أنت، أبعد عني، أتعلمني كيف أصلي، وكيف أتوضأ وعمري ستون أو سبعون سنة؟ وهو لا يريد أن يتعلم، وهو يدعي أن قلبه أنظف القلوب، بل هذا القلب من أوسخ القلوب التي خلقت، فهو أوسخ من قلوب اليهود والنصارى.
فهذا دليل وعلامة من علامات النبوة أن النبي عليه الصلاة
стр. 921
كلام بعض السلف في معنى الإيمان ومقتضياته
قال: [وعن عدي بن عدي قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز]، وعدي بن عدي هو والي الجزيرة لـ عمر بن عبد العزيز في فترة خلافته.
قال: [كتب إلي عمر بن عبد العزيز: أما بعد: فإن للإيمان فرائض]، يعني: أعمالاً مفروضة مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك.
إذاً: الصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك من فرائض الإسلام هي من فرائض الإيمان كذلك.
قال: إن للإيمان فرائض، وهي الأعمال التي فرضها الله على أهل الإسلام.
قال: [فإن للإيمان فرائض وشرائع]، هذه الشرائع هي العقائد الدينية، أو الأمور الغيبية الاعتقادية.
إذاً: عندنا الفرائض هي الأعمال المفروضة، وعندنا الشرائع هي المعتقدات.
إذاً: فجانب الاعتقاد يطلق عليه شريعة، وجانب الفرائض يطلق على الأعمال، والشريعة عمل قلبي، وهي: مجموعة الاعتقادات، والاعتقادات محلها القلب.
فيكون قول عمر هنا: إن للإيمان فرائض وشرائع، وفي رواية البخاري في مقدمة كتاب الإيمان أنه أورد هذا الأثر قال: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً، والحدود هي التي ترتبت عن ارتكاب المنهيات.
قال: [وسنناً -أي: مندوبات- فمن استكملها استكمل الإيمان]، يعني: من أتى بالفرائض والشرائع وترك ما يستوجب الحد وأتى بالسنن والمندوبات والمستحبات فقد استكمل الإيمان.
وهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص عند عمر بن عبد العزيز، من أتى بهذه الأعمال كلها سواء كانت اعتقادية أو عملية فقد استكمل الإيمان.
قال: [ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن عشت أبينها لكم حتى تعملوا بها]، ليس المقصود بيان الأصول، وإنما بيان الفرعيات الدقيقة؛ لأن الأصول مستقرة لدى التابعين.
قال: [فإن عشت أبينها لكم حتى تعملوا بها إن شاء الله، وإن مت فوالله ما أنا على صحبتكم بحريص.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له]، يعني: أنتم أمرتم بالصلاة والزكاة، والأمر بهما مقرون في كتاب الله وفي سنة رسوله، فلم فرقتم بين هذا وذاك؟ قال: [فمن ترك الزكاة فلا صلاة له.
وقال: من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فليس بمسلم ينفعه عمله.
وعنه قال: ما تارك الزكاة بمسلم.
وكان هشام بن حسان في حلقة بمكة فقيل له: ما كان الحسن يقول في الإيمان؟ قال: كان الحسن يقول: هو قول وعمل، وقيل للحسن: ما الإيمان؟ قال: الصبر والسماحة، قال: الصبر على محارم الله، والسماحة في فرائض الله]، فالصبر على ألا يقترف معصية من معاصي الله ، والسماحة القيام بطاعة الله .
قال: [وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: الإيمان قائد]-أي: الإيمان هو بمثابة القائد الذي يقودك إلى الله- والعمل سائق، والنفس حرون]، ومعنى حرون: تأبى عليه، يقال هذا حرون، أو هذا الحمار أو الحصان حرن، وهذه الكلمة عربية أصيلة، يعني: أن الدابة مهما ضربتها فإنها لا تنقاد.
فهو يقول: الإيمان قائد والعمل سائق، أي: الإيمان يقودك إلى الله والعمل معه بمرتبة السائق، والنفس بطبيعتها تأبى وترفض هذا، فمن تغلب على نفسه نفعه إيمانه وعمله.
قال: فإذا وني قائدها، كأنه يقول لك: إياك أن تضعف، إياك أن تفتر.
قال: [فإذا وني قائدها لم يستقم سائقها]، يعني: إذا نقص الإيمان لم ينفعه العمل، إذا وني قائدها لم يستقم سائقها، قال: [الإيمان بالله مع العمل والعمل مع الإيمان، ولا يصلح هذا إلا مع هذا حتى يقدمان على الخير إن شاء الله تعالى.
وعن إبراهيم التيمي قال: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذباً]، أي: ما عرضت بزعمي الإيمان الكامل على عملي القليل النادر إلا خشيت أن أكون إنساناً كذاباً، وهذا الكلام محمول منه على الورع الشديد جداً في قوله هذا، وهذا هو الظن به.
فإذا كان إبراهيم التيمي لم يحقق كمال الإيمان، فمن الذي سيحققه؟ فكيف إذا أتى ورآنا ونحن في أسوأ حال؟ ومع هذا تجد منا من هو في منتهى الجرأة على الله فيدعي تمام الإيمان وكماله، ويقول بكل بجاحة: إن قلبي عامر بالإيمان! وكل هذا كذب وعواطف، وإبراهيم التيمي لم يكن يعرف هذا.
إبراهيم التيمي قد حقق أحسن الأعمال وأكملها وأتمها، ولكنه يقول: العملية أقل مما يطلب منا بكثير جداً.
وقال عبد العزيز بن أبي رواد بعد أن سأل هشام بن حسان وهو في الطواف، ما كان الحسن يقول في الإيمان؟ قال: كان يقول: هو قول وعمل.
قال: [وعن زيد بن أسلم -وهو من أئمة المدنيين وسيد من سادات التابعين- يقول: لابد لهذا الدين من أربع]، يعني: حتى يستقيم لك دينك لابد من اجتماع أربع مسائل: قال: [دخول في دعوة المسلمين]، أي: ألا تفارق جماعة المسلمين.
стр. 922
مناقشة كلام أبي ثور في الإيمان وضوابطه
قال: [وعن إدريس بن عبد الكريم المقرئ قال: سأل رجل من أهل خراسان أبا ثور عن الإيمان]، وأبو ثور إمام كبير من الأئمة الفقهاء، وللأسف الشديد لا تعرفون مذهبه! قال: [سأل رجل أبا ثور عن الإيمان ما هو؟ وهل يزيد وينقص؟ وهل هو قول وعمل؟ فأجابه أبو ثور فقال: اعلم يرحمنا الله وإياك]، وهذا من المستحب أن يبدأ الإنسان بالدعاء لنفسه قبل الغير، فلا ينبغي أن يقول: يرحمك الله وإيانا.
قال: [أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح]، وانتبه لهذه الوصية فإنها وصية جامعة، وفيها مناقشة عقلية رائعة.
قال: [اعلم أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن الله تعالى واحد، وأن ما جاءت به الرسل حق وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به، أنه ليس بمسلم].
يعني: ليس بين أهل العلم خلاف أن هذا ليس بمسلم، هل قد سمعتم مثل هذا الكلام أيها الإخوة؟ فهذا الإنسان علم أو اعترف، ولم يستقر ذلك في قلبه، فليس بمسلم.
قال: [وأنه ليس بين أهل العلم قط خلاف في أن من قال ذلك ليس بمسلم، ولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، ولم يعتقد قلبه على شيء من ذلك أنه كافر في إظهار ذلك وليس بمسلم]، وهذا كلام جميل.
في الصورة الأولى يقول: أنه أقر بما يجب عليه أن يقر به بلسانه، ولم يعقد قلبه على ذلك ليس هو بمسلم، بل هو منافق.
وفي الصورة الثانية: أنه أقر بأن المسيح هو الله، وقال: إياكم أن تصدقوني أنا أضحك فقط؛ لأني في قرارة نفسي لا أعتقد أن المسيح هو الله، أرأيتم كيف أن هذه الصورة عكسية؟ في الصورة الأولى أقر بالإيمان بلسانه ولم يعتقده بجنانه، فهذا ليس بمسلم.
والصورة الثانية: أتى ما يستوجب الكفر وهو قوله: إن المسيح هو الله، وإن لم يعتقد ذلك في قلبه فلنا نحن الظاهر، والظاهر في الصورتين الكفر؛ لأنه لما أقر بالإيمان بلسانه، رجع مرة أخرى فأقر بلسانه وسمعناه يقول: أنه لم يعتقد شيئاً من هذا كله، وحكمنا عليه بالكفر؛ لأنه لما أقر بالإيمان رجع مرة أخرى فأنكره، وقال: لا تصدقوا أني أصدق شيئاً من هذا ولم يستقر منه شيء في قلبي.
والصورة الثانية: نطق بالكفر، وهو قوله أن المسيح هو الله، وأنكر شرائع الإسلام، فمثلاً تقول له: صل يا فلان، يقول لك: صلاة ماذا؟ وما هذه الصلاة؟ أنترك أعمالنا ونذهب إلى هذه الصلاة؟ أتظن أننا غير مشغولين؟! أو تقول له: زك يا فلان، فيقول: ولمَ أزك؟ والنبي قد مات، وكلما تكلمه في فريضة من فرائض الإسلام ينكرها ويركض كالحمار، ومع هذا يقول: المسيح هو الله، أو ابن الله، هذا لا يكون مسلماً، فالذي لا يكفره يكون كافراً.
قال: [ولو قال: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، قال: لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن.
فلما لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمناً، ولا بالتصديق إذا لم يكن معه الإقرار مؤمناً حتى يكون مصدقاً بقلبه مقراً بلسانه] يعني: الإقرار باللسان لا يكفي، وجزم القلب وتصديق القلب بذلك مع عدم الإقرار وإمكانية الإقرار، هو كذلك ليس بمسلم.
قال: [فإذا كان تصديق بالقلب وإقرار باللسان كان عندهم مؤمناً]، فإذا كان إقرار باللسان وتصديق بالجنان -أي: بالقلب- كان عند البعض مؤمناً.
قال: [وعند بعضهم لا يكون حتى يكون مع التصديق عمل، فيكون بهذه الأشياء إذا اجتمعت فيه مؤمناً.
فلما نفوا أن الإيمان شيء واحد وقالوا: يكون بشيئين في قول بعضهم وثلاثة أشياء في قول البعض الآخر لم يكن مؤمناً إلا بما اجتمعوا عليه]، يعني: البعض قالوا: إذا أقر بلسانه واعتقد بقلبه فهو مؤمن، والبعض الآخر قالوا: هذا الذي يقر بلسانه ويعتقد بقلبه والجوارح تصدق ذلك، بأن يعمل بمقتضى الإقرار والتصديق هذا الذي يكون مؤمناً.
والذين قالوا: إن المؤمن هو من أقر بلسانه وصدق بقلبه وفرط في العمل أو لم يعمل لا يختلف مع من يقول بوجوب العمل وهذا هو الإيمان، يعني: الذي يقول الآن بعدم وجوب النقاب، هل يقول بعدم الاستحباب؟ فنفي الوجوب لا ينفي الاستحباب.
فالذي ينفي شيئاً يثبت ما هو دونه من دون الوجوب ويثبت ما هو فوقه من باب الاستحباب، فالذي يقول: إن النقاب ليس بواجب على المرأة، يقول: ولو انتقبت لكان ذلك أفضل.
إذاً: ينفي الوجوب لأجل الاستحباب، فالذين يقولون: الإيمان يثبت بالإقرار باللسان والتصديق بالقلب، هم من باب أولى يثبتون الإيمان بالدرجة الأولى لمن جمع إلى هذين العمل، فيتفقون مع من يوجب العمل، لكن يختلفون في مسألة واحدة أن هذا العمل شرط أم ليس بشرط؟ القول الأول: العمل ليس شرطاً في الإيمان، والثاني: العمل شرط في الإيمان، لكنهما يجتمعان في أن العبد إذا عمل لكان هذا إيماناً.
قال: [فلا ندع ما اجتمعوا عليه لما اختلفوا لها]، يعني: إذا كان هذا إيماناً فلا ندع ما اجتمعوا عليه من لزوم العم
стр. 923
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - شعب الإيمان [١]
الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، منها: الشهادتان والحياء، وإماطة الأذى عن الطريق، والعمل بأركان الإسلام وأركان الإيمان، والجهاد لإعلاء كلمة الله، وتفضيل حب الله ورسوله على حب ما سواهما، وحب الأنصار، والحب في الله والبغض في الله، وحب علي بن أبي طالب، وعدم إيذاء الجار، وإكرام الضيف، وإلقاء السلام، وصيام رمضان وقيامه، وغيرها من الشعب.
стр. 924
الشهادتان والحياء وإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: في الدرس الماضي من دروس الاعتقاد استعرضنا سريعاً كتاب الإيمان في صحيح البخاري، وقلنا: إن شعب الإيمان محل نزاع بين أهل العلم، منهم من قال: هي بضع وستون، ومنهم من قال: هي بضع وسبعون، وسبق العلماء الإمام ابن حبان، فعد خصال الإيمان من القرآن والسنة، ومن أقاويل السلف ﵃ أجمعين فبلغ بها بضعاً وسبعين شعبة.
ومرد هذه الشعب إما أن يكون إلى أعمال الجوارح، أو أعمال القلب، أو أعمال اللسان، فمرد هذه الشعب كلها إلى هذه الثلاثة الأصول.
والإمام البخاري إنما نهج في كتاب الإيمان على منوال واحد، فذكر أولاً الإيمان، وبين اختلاف أهل العلم في تعريف الإيمان، هذا في أصول الأبواب عنده.
ثم بين أن الإيمان يزيد وينقص، وعلامات ذلك من كتاب الله تعالى ومن سنة النبي ﵊، ثم بين أن الإيمان شعب ومراتب، ثم ذهب في بقية الكتاب يعدد هذه المراتب وهذه الشعب، فقال: الصلاة من الإيمان، الزكاة من الإيمان، الحج من الإيمان، الجهاد من الإيمان، أداء الخمس من الإيمان، إلى أن عد شعباً عديدة، لكنه لم يجمع شعب الإيمان؛ لأنه إنما قصد في كتابه هذا أن يعد شعب الإيمان التي على شرطه؛ لأنه لا يخرج عن شرطه لأجل أن يعد شعب الإيمان؛ لأن هذا ليس مقصداً أساسياً له بخلاف أنه أراد ألا يذكر في كتابه إلا حديثاً كان على شرطه؛ فهذا استعراض سريع لكتاب الإيمان عند البخاري وليس هو المراد، إنما المراد ذكر كتاب وشعب الإيمان عند الإمام اللالكائي في كتاب أصول الاعتقاد.
ولذلك آثرت أن أرجع إلى نفس الباب من كتاب أصول الاعتقاد للالكائي خاصة وأن الإمام إنما ذكر شعباً لم يذكرها البخاري ولم يذكرها كذلك الحافظ ابن حجر، فقد ذكر شعباً أدلتها ضعيفة لا يمكن تقوى، ولا يمكن إثبات أنها من الإيمان لعدم نهوض الدليل على كونها كذلك.
فقال: [ذكر الخصال المعدودة من الإيمان المروية في الأخبار، فأول مرتبة من إيمانه وأعلاه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله].
قال: [وأدناه -أي: أدنى مراتب الإيمان- إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان].
ثم ذكر حديث أبي هريرة: (الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
فهذا الحديث إنما ذكر ثلاث شعب من شعب الإيمان.
стр. 925
أركان الإسلام كالصلاة والزكاة وغيرهما من شعب الإيمان
والخصلة الرابعة هي: الصلاة، وبينا في الدرس الماضي أن الصلاة من الإيمان في قول الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، أي: ليضيع صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس قبل إنزال الوحي بتحويل القبلة إلى البيت الحرام.
والخصلة الخامسة: الزكاة، والسادسة: الخمس من المغنم، والسابعة: الصوم، والثامنة: الحج.
كل هذا من الإيمان، ومن هذه الخصال ما يتعلق بالقلب وهو الاعتقاد، ومنه ما يتعلق بالجوارح، ومنه ما يتعلق باللسان وهو الشهادتان.
كما في حديث ابن عباس وهو المعروف بحديث وفد عبد القيس لما أتوا إلى النبي ﵊ وقالوا: (يا رسول الله! إن بيننا وبينك كفار مضر ولا نخلص إليك -أي: ولا نأتي إليك ولا نتمكن من لقائك- إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر نعمل به ونأمر به من وراءنا، قال: آمركم بالإيمان بالله وحده؟ أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، وتؤدوا الخمس من المغنم).
فعرف الإيمان هنا بما عرف به الإسلام في حديث جبريل ﵇، قال: (وأنهاكم عن أربع: أنهاكم عن الدباء والحنتم، والنقير، والمقير) وفي رواية: (والمزفت).
وكل هذه إنما هي أسامي أواني كانوا يخمرون فيها الخمر، ومن شأن هذه الأواني على جهة الخصوص أن الخمر أو أن الشراب إذا وضع فيها اشتد سريعاً؛ ولذلك كان العرب قبل الإسلام يأتون بهذه الأواني خصيصاً حتى لا تتأخر فيها الأشربة بحيث تتخلل وتتخمر سريعاً، فنهاهم النبي ﵊ عن ذلك.
стр. 926
أركان الإيمان الستة من شعب الإيمان
وذكر الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، والقدر خيره وشره فذلك ثمان خصال؛ إلا أن ذكر الإيمان بالله تعالى تقدم فتبقى سبع، وهي مع الثمان الخصال السابقة التي ذكرناها تكون حينئذ خمس عشرة خصلة.
قال: [وعن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ -أي: ما هو الإيمان وما حقيقته؟ - قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وبالقدر خيره وشره، قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم، قال: ما الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: أرأيت إن فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: نعم) إلى آخر الحديث فبين النبي ﵊ هنا أن شعب الإيمان تتعلق بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره، وبالبعث بعد الموت، والجنة والنار، والصراط والحساب والجزاء؛ كل هذا من الإيمان، بل كل ما يتعلق بأمر غيبي هو من أصول الإيمان، فإنكاره يؤدي بالعبد إلى النار عياذاً بالله.
فلو أن عبداً أنكر الجنة والنار لأنه لم يرهما، أو أنكر البعث بعد الموت؛ كل من أنكر شيئاً من أمر الغيب الذي جاء في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊ المتواترة فإنه يكفر بذلك ويخرج عن ملة الإسلام.
стр. 927
الجهاد لإعلاء كلمة الله من شعب الإيمان
الخصلة السادسة عشرة: هي الجهاد، أي: إثبات أن الجهاد من الإيمان.
قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: (سأل رجل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور)].
стр. 928
تفضيل حب رسول الله على حب الولد والوالد والناس أجمعين
الخصلة السابعة عشرة: قال: [عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).
يعني: حتى يكون الرسول ﵊ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين.
الناس يخالفون هذه الشعبة من حيث لا يدرون، فالوالد يقدم محبة ولده على محبة الله ورسوله وهو لا يدري، لو كان الولد عاصياً أو شارباً للخمر مثلاً، فالوالد يعطي ولده المال ليشرب الخمر أو ليشرب البانجو، أو ليعصي بها أياً كان نوع المعصية، فإذا قيل للوالد: لم تفعل هذا؟ قال: والله هو شباب ولا بأس في ذلك وغير هذا من الأعذار، وهو لا يدري أن هذا فيه معصية لله ومعصية للرسول ﵊ ثم يميع أمر الله في مقابلة أن يرضي ولده، فمثل هذا العبد فاقد للإيمان، لأنه قدم حب ولده على حب الله ورسوله، ولذلك قال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، وفي رواية: (حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين)، فلا بد من تقديم محبة الله ومحبة الرسول ﵊ على كل محبوب دونهما.
стр. 929
الحب في الله وكراهية الكفر من شعب الإيمان
والخصلة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرون: قال: [عن أنس ﵁ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله)]، وهذا من أعظم شعب الإيمان وعرى الإيمان.
قال: [(وأن يكره أن يرجع في الكفر كما يكره أن توقد له نار فيقذف فيها)].
فلو أن ناراً أججت وقالوا: إما أن ترجع عن دينك وإما أن نلقيك في النار، فقل: النار أحب إلي، وليس هذا كلاماً يقرأ، فهذه عقيدة المسلمين دائماً.
فلا بد من الوقوف عند كل نص شرعي، واستنباط المعاني والأحكام والعقائد والأخلاق والآداب والسلوكيات منه، ولا يمكن أن تبنى الشخصية الإسلامية المحترمة إلا بالوقوف عند كل نص، واستنباط ما ذكرت منه، بل والوقوف عند هذه الاستنباطات لأجل العمل بعد الاعتقاد.
أما إنسان يقرأ القرآن من أوله إلى آخره دون أن يقف على حدوده، ودون أن يقف على حلاله وحرامه فكيف له أن يتعرف على الحلال والحرام؟ وكيف له أن يتعرف على العقيدة الصحيحة عقيدة التوحيد، وكذلك سنة النبي ﵊؟ فلا بد للإنسان من الوقوف عند كل نص ليستفيد، ثم لا يجاوز هذه النصوص إلا بعمل.
стр. 930
حب الأنصار من شعب الإيمان
قال: [وعن أنس ﵁ قال: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)].
إذاً: ما دام النبي ﵊ علق هذه الشعبة بالإيمان فهي من الإيمان، فحبي للأنصار علامة على إيماني، وبغضي للأنصار علامة على نفاقي.
وهذا الحديث فيه فضيلة للأنصار وأبنائهم إلى قيام الساعة، وإن كان لفظ الأنصار عند الإطلاق يطلق على من ناصر النبي ﵊ من أهل المدينة خاصة، مع أنه قد نصره من هم من غير أهل المدينة، فالمهاجرون لما هاجروا من مكة إلى المدينة أليس هذا نصرة للنبي ﵊ ولدين الإسلام؟ وغيرهم من القبائل والبلاد المجاورة للمدينة، بل أهل الحبشة الذين ناصروا النبي ﵊، وغير أهل هذه البلدان قد ناصروا النبي ﵊.
فكلهم أنصار، وكلهم قد تحققت فيهم النصرة والمؤازرة والتعزير والتوقير للنبي ﵊، لكن لفظ الأنصار عند الإطلاق يطلق على أهل المدينة ممن صحب النبي ﵊.
أما عند إرادة إطلاق اللفظ فيطلق على الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار إلى آخر الزمان، فبغض الأنصار لأجل النصرة علامة على النفاق، حتى لا يتحرج الإنسان الآن أنه يدخل المدينة فيجد رجلاً مثلاً من أهل المدينة لكنه من أهل المعصية ليس من أهل الطاعة، أي: أنه رجل مثلاً يزني ويسرق ويشرب الخمر وغير ذلك، فهذا لا يحب وإن كان من الأنصار، فقوله ﵊: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) أي: علامة الإيمان أن تحب الأنصار لكونهم ناصروا النبي ﵊، وعلامة النفاق أن تبغض الأنصار لأنهم ناصروا النبي ﵊، فإثبات الإيمان ونفيه متعلق بحب الأنصار وبغضهم لأجل النصرة.
فحينما نذكر مثلاً سعد بن معاذ نقول: ﵁، لقد ناصر النبي ﵊، ونحب أبناءه وأبناء أبنائه الذين هم على الطاعة؛ لأنهم ناصروا النبي ﵊، وناصروا الله .
أما أن يأتيني رجل مثلاً من الأنصار، لكنه يعيث في الأرض فساداً فأنا أبغضه، لا أبغضه لأن آباءه ناصروا النبي ﵊، لكني أبغضه لأنه يعصي الله، فهذا أيضاً من الإيمان، لقوله ﵊: (إن أوثق عرى الإيمان أن تحب لله وأن تبغض لله) يدخل في هذا المهاجرون والأنصار.
لو أن مهاجراً ممن هاجر من مكة إلى المدينة مع النبي ﷺ ثم ارتد بعد موت النبي ﵊ عن الإيمان إلى الكفر فلا نحبه؛ فهجرته نسخت بردته؛ لأن الردة تمحو ما كان قبلها من خير، كما أن الإيمان يمحو ما كان قبله من شر.
стр. 931
حب الخير للآخرين من شعب الإيمان
قال: [وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)]، وهذه علامة مهمة، وهي أن تحب لأخيك مثل الذي تحب لنفسك تماماً، وهذه مرتبة ينبغي أن نقف عندها؛ فقد قل من الناس من يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بل كل الناس أو جلهم إنما يحب نفسه أكثر من كل شيء، حتى قال عمر بن الخطاب ﵁ للنبي ﵊: (والله يا رسول الله إني لأحبك أكثر من كل شيء إلا من نفسي التي بين جنبي)، وهو عمر، وهذه نفس بشرية جبلت على هذا، فقال النبي ﵊: (لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك التي بين جنبيك، فوقف عمر مع نفسه وقفة فقال: والله يا رسول الله! إنك لأحب إلي من كل شيء حتى من نفسي التي بين جنبي، فقال النبي ﷺ : الآن يا عمر) يعني: الآن قد حققت كمال الإيمان، لأن عمر قال هذا حينما سمع قوله ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).
стр. 932
عدم إيذاء الجار واجتناب الغيبة والنميمة من شعب الإيمان
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره)].
هنا علق حقوق الجار بالإيمان، فلا يحفظها إلا مؤمن، ولا يضيعها إلا إنسان ناقص الإيمان أو فاقد الإيمان.
فالذي يؤذي جاره لا يتحقق لديه كمال الإيمان، فليس من الإيمان إيذاء الجار، بل من الإيمان حفظ حقوق الجار، والجيران في هذا الزمان كاد كل واحد منهم أن يخرج من داره ومن أهله وبيته هرباً مما يحدثه الجار من إزعاج ومعاص وارتفاع بالمذياع وسباب للدين، وسباب للرسول والقرآن والسنة وغير ذلك عياناً بياناً.
ولو كان لهذه الأمة حارس يخشى على دين الله لأدب الناس في حجر نومهم، لكن لا حارس للأسف الشديد، فلا يبقى أمام الناس إلا الوازع الديني الذي استقر في قلوبهم، فإذا غاب السلطان والحاكم لا بد من استخلاف الوازع الديني في قلب العبد المؤمن، بحيث يحمله على ملازمة التقوى والمروءة، ويأمره ويحضه على ملازمة التقوى؛ لأن السلطان لا يمكنه أن يفلح في هذا مهما بلغ بجبروته وطغيانه وعدته وعتاده لا يمكن للسلطان أن يسيطر على قلبك، بل القلب موهبة من الله ، والوازع الديني والإيماني في قلب العبد هو منحة ربانية من الله ؛ ولذلك لو راقبك العالم أجمع فاستطعت أن تصنع شيئاً في غفلة هؤلاء لفعلت، لكن لو أن العبد قد استكمل الإيمان بقلبه بمعنى أنه حقق خشية الله على أعلى مستوى، فلو وضعوه مع أعظم المشتهيات كملكة جمال مثلاً، أو كان يشرب الخمر سابقاً ووضعوه في غرفة خمر مثلاً، لكنه تاب إلى الله وعرف الله تعالى، فإنه لا يستطيع بل ولا يجرؤ أن يزني أو يشرب الخمر لأن معه الوازع الديني، ولأنه يملك بين جنبيه مخافة الله ، فلا يمكن أن ينظر إلى تلك المرأة، بل ربما يراها أذم الخلق، ويراها خبيثة فينصرف عنها، وهذه تكون منحة من الله .
والسلطان الحاكم لا تأثير له إلا على الأبدان، أما تأثير الإيمان فإنه ينطلق بالعبد فيمشي في وسط الشوك بلا خدش، لا تخدشه المعاصي ولا تخدشه الشهوات ولا الشبهات من هنا وهناك؛ لأن حارسه نابع من داخله، فلا يتأثر بهذا الفساد الذي يحيط به من كل جانب.
قال: [(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)].
إذاً: الغيبة والنميمة وطول اللسان وهتك الأعراض وغير ذلك ليس من الإيمان، وليست القضية مجرد أنه بمقدورك أن تغتاب ما شئت، ثم تنصرف من المجلس وتقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت حتى يُغفر لك ما كان في المجلس، فالقضية هذه متعلقة بالإيمان، وإن غفر الله تعالى لك غيبتك لأخيك في مجلس جلسته واغتبته فيه فيبقى أن إيمانك تأثر بهذا الكلام، فلو كان منسوب الإيمان عندك مثلاً (٧٠%) واغتبت أخاً في الله ربما ينزل إلى (٥٠%) وأقل من ذلك، لأن الغيبة والنميمة وهتك العرض والكلام في أعراض الناس والطعن والقذف؛ كل هذا مناف للإيمان، وقديماً كان السلف إذا ذكرت غيبة في مجلس أنكروا، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر بأمر الله ورسوله، فإذا استجاب القوم وإلا انصرفوا.
ولذلك يقول قائلهم: إذا كنت في مكان به منكر فأنكر، فإن زال وإلا فزل أنت عنه.
أي: فإن استطعت أن تغير هذا المنكر إلى معروف، أو على الأقل تزيل المنكر فافعل، وإلا فيجب عليك أن تقوم من هذا المكان وتنصرف.
ولذلك عذب الله بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا إذا رأوا المنكر أنكروا، حتى إذا كان الغد لم يمنع هؤلاء الذين أنكروا بالأمس أن يكونوا معهم في الأكل والشرب والمجالس، والله قد لعن قوماً جلسوا على مائدة يدار عليها الخمر.
فهم لم يشربوا وإنما جلسوا على مائدة يدار عليها الخمر؛ فكأنهم رضوا بهذا، والراضي بالذنب كالفاعل للذنب.
قال عبد الله بن عمر ﵁: (سمع النبي ﷺ رجلاً يعظ أخاه في الحياء فقال: دعه فإن الحياء من الإيمان).
يعظ أخاه أي: ينهاه.
وليس معنى هذا أن تقول له: ما من داع لأن تستحي كثيراً، فأنت كثير الحياء؛ فبهذا تكون قد نهرته عن الحياء ولم تعظه.
فحينما نرى من عنده حياء فنقول: هذا حيي فوق اللازم وأكثر من اللازم، فنحن ننهره بهذا، بل الحياء كله خير.
إذاً: ما في الحياء شيء اسمه أكثر من اللازم إذا كان هو كله خير كما قال ﵊: (الحياء لا يأتي إلا بخير)، أي: أنه لا يأتي من روائه إلا خير، فهل يقال لفلان: انته عن الحياء؟ أليس النبي ﵊ حينما سمع رجلاً يعظ أخاه في الحياء، يعني: سمعه يقول له ليس بالضرورة كثرة الحياء، قال له: (دعه فإن الحياء من الإيمان).
стр. 933
إلقاء السلام وإفشاؤه من شعب الإيمان
قال: [قال: النبي ﵊: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا -لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة- ولا تؤمنوا حتى تحابوا).
إذاًَ: فسبب الإيمان هو المحبة، أو علامة الإيمان محبة المؤمنين بعضهم لبعض.
قال: [(أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟)]؛ يعني: أدلكم على البوابة التي إذا فعلتموها ودخلتم منها حصلت لكم المحبة والثواب، قال: [(أفشوا السلام بينكم)].
ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب إلقاء السلام، لقوله ﵊: (ألق السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف)، أي: من المسلمين، ولقوله ﵊: (إذا لقيتم اليهود والنصارى فلا تبدءوهم بالسلام، وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم، فإنهم لا يقولون السلام: وإنما يقولون: السام.
أي: يقول اليهود والنصارى: السام عليكم، فإذا قالوا لكم ذلك فقولوا: وعليكم).
ولذلك دخل رجل من اليهود على النبي ﵊ فقال: (السام عليك يا محمد! فقالت عائشة من خلف الجدار ﵂: وعليك السام واللعنة والغضب يا عدو الله! فقال النبي ﷺ : يا عائشة! ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، يا عائشة! إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.
قالت: يا رسول الله! أما سمعت ما قال؟ -أي: أما سمعت أنه يقول: السام عليك يا محمد أي: الهلاك والموت عليك يا محمد! - قال: أما سمعت ما رددت به عليه؟) يعني: أنا قلت: وعليكم، وهذا فيه كفاية.
لو أني سمعت مسلماً يقول لرجل من المسلمين أحبه: السام عليك لغضبت غضباً شديداً، ولو قال أحد لشيخك مثلاً: السام عليك، وأدركت المقصود ربما غضبت غضباً شديداً وحدثت بينكما مشاجرة.
فهذه عائشة ﵂ أخذتها الغيرة والغضب والحب للنبي ﵊؛ لأن حبها للنبي انعقد في الله ، فتأبى هذه المحبة أن تسمع دعاء بالهلاك على النبي ﵊، وقال النبي ﵊: (لا تبدءوهم بالسلام، وإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه).
قال العلماء: اضطرار اليهود والنصارى في أضيق الطريق أن يكون للمسلم عرض الطريق، أي: وسطه، ولليهود والنصارى حافة الطريق، فهذا الاضطرار لأضيق الطرق؛ لأن بعض الإخوة فهمه للنص أن يظل يضيق عليه في مطلق التعامل معه.
وهذا مفهوم غير صحيح للنص، وإنما دعه يمشي على حافة الطريق، أما المسلم فله وسط الطريق، وهذا الوسط يدل على العزة، ولكن هذا الكلام حينما كان للمسلمين عزة، ودولة وصولة وجولة، وحكام يدافعون عنهم ويحبون الإسلام والمسلمين وغير ذلك، ولما كنت كذلك محترماً لدينك ولإسلامك ولإيمانك، لكن حينما فقدنا هذه المؤهلات كلها وصرنا أذل أمة وأحط من اليهود والنصارى فينبغي أن نجعل اليهود والنصارى يمشون معنا في وسط الطريق.
فهذا كان من قبل خاصة أيام الدولة الأموية ناهيك عن الخلافة الراشدة أو فترة النبوة، كان النصراني أو اليهودي إذا كان في شارع أمام بيته ووجد مسلماً أتى من بعيد كان يهرب إلى داخل بيته ويغلق البيت، حتى يوسع الطريق للمسلم، وما كان ممكناً أن يضع رجلاً على رجل والمسلم يمشي في الشارع، لم يكن هذا موجوداً، فلو كان ممكناً لقطع رقبته، ولقامت فيها مجازر بين اليهود والمسلمين.
فـ سنسبري اليهودي الذي كتب على محلاته في لندن: ممنوع دخول الكلاب والعرب، أي: أنه يساوينا بالكلاب! ثم يأتي إلى بلادنا ويستثمر فيها، وهذا كله لمصلحة البلد، نعم لمصلحة ضرب اقتصاد البلد، وغيرها من الشركات التي ترتع في أموال المسلمين بالليل والنهار، فهذه الشركات النصرانية واليهودية التي تمرح وترعى في البلد بغير رقيب ولا حسيب، هم هؤلاء ناس صالحون ومحترمون!! أما أن تقوم شركات إسلامية تظهر للعالم حسنة واحدة من حسنات الإسلام ومن حسنات الاقتصاد الإسلامي فهذا لا يمكن، فهؤلاء ينبغي أن يقتلوا في مهدهم وينبغي ألا يظهروا.
وهذا ليس موضوعنا، إنما موضوعنا لما يسلم علينا يهودي أو نصراني إذا تأكدنا من أنه يقول: السلام عليكم، نقول: وعليكم السلام، وهذا مذهب ابن تيمية وابن القيم، أما إذا لم نتأكد ماذا قال فيجب علينا أن نقول: وعليكم فقط، أي: الهلاك علينا وعليكم، نحن وأنتم سنموت فليس أحد منا سيخلف.
ولو اضطررت إلى ذلك فاخرج منها واهرب منها، فقل: كيف حالك، سلامات، صباح الخير، مساء الخير.
الخصلة السابعة والعشرون: [قال ﵊: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم)]، وأفشوا من الفشو والانتشار، وكأنه يريد أن يقول: ما أحد يمر على أحد إلا ويسلم عليه، سواء يعرفه أو لا ي
стр. 934
صيام رمضان وقيامه واتباع جنازة المسلم من شعب الإيمان
قال: [قال ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)]، إذاً: صيام رمضان من الإيمان.
قال: [(ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً)]، وقيام رمضان من الإيمان.
قال: [(ومن تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً)]، وتشييع الجنائز من الإيمان، ففي هذا الوقت الناس لا تفعل ذلك من باب الإيمان؛ ولذلك يا إخواني لابد من الإخلاص في هذا العمل.
والواحد منا لما يقرأ في الإخلاص أو يقرأ في سير المخلصين من السلف يوقن بالهلاك، ويتهم نفسه بالنفاق في كل قول وعمل، لأن السلف ما كانوا يصنعون شيئاً إلا بعد أن يحاسبوا أنفسهم قبل العمل، أنا أعمل العمل هذا لله وإلا للناس؟ إذاً: المسألة هذه متعلقة بأداء الواجب، فأنت ترى أن هذا واجب عرفي فلا بد أن تؤديه، فلا تفعله من باب الإيمان، هذا عبد الله بن عمر ﵁ لما سمع قول النبي ﵊: (من تبع جنازة من بيتها حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى توارى في قبرها فله قيراطان، والقيراط كجبل أحد، بكى عبد الله بن عمر وقال: والله لقد فرطنا في قراريط كثيرة).
فلو كنت راكباً في سيارة ولست مستعجلاً، ورأيت جنازة ماشية استأذن من السواق، أو إذا كانت سيارتك فأوقفها على جنب، وانزل وشيعها تأخذ قيراطاً، أو إذا صليت عليها أخذت قيراطين، القيراط الواحد كجبل أحد من الثواب والحسنات.
إن عضلة القلب كعضلة الذراع تماماً بتمام، عضلة الذراع لا تتقوى إلا بالمجهود، كذلك عضلة القلب لا يمكن أن تتربى على الإيمان إلا بالعمل، ومن العمل الصالح أن تشيع الجنازة، وأن تقف على القبر حتى يدفن ويوارى هذا الميت، وتبقى بعد المواراة قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمه، هذه هي السنة، وليست السنة أن نرميه ثم نجري ونخرج من المقبرة، بل نضعه بمنتهى الشفقة والرفق، لقوله ﵊: (كسر عظم الميت ككسره حياً) يعني: احترام الميت مثل احترام الحي؛ لأن كسر عظم الميت ككسره وهو حي.
ثم تنتظر على شفير القبر مقدار أن يذبح جمل ويسلخ ويوزع لحمه على الفقراء، فهذه المدة نحن مأمورون أن نقف على القبر بمقدارها بعد أن يوارى الميت.
فإنه يسأله منكر ونكير؛ ولذلك قال النبي ﵊: (اسألوا الله لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل)، فكل إنسان ينشغل بالدعاء للميت، وهذا تقريباً يعتبر من أخريات الحقوق لهذا الرجل على من شيع جنازته، أنهم يقفون معه في الموقف العصيب.
فقد ورد في وصف منكر ونكير ما يدل على أنه لا يصمد أمامهما أحلم الحلماء.
والدعاء الجماعي بدعة، والمسنون أن يتقدم أحد الوعاظ بموعظة، يذكر الناس فيها بالله في هذا الموطن الذي جرحت فيه القلوب، وتعلقت بربها، فإن فعل كان ذلك حسناً، أما الدعاء فكل يدعو بنفسه، ولو كان الدعاء جماعياً في هذا الموطن مشروعاً لدعا النبي ﵊ وأمر أصحابه، ولكنه أمرهم جميعاً أن يدعو كل واحد بما تيسر له، والدعاء عبادة لقوله ﵊: (الدعاء هو العبادة)، فإذا كان الدعاء عبادة فلا تحرم نفسك من العبادة في هذا الموطن.
أما رواية: (الدعاء مخ العبادة)، فهي رواية ضعيفة.
قال: (من تبع جنازة مسلم) إذاً: القيد هنا بأنها جنازة مسلم، فلا تتبع جنازة كافر، وليس للتابع فيها أجر، فالكافر يلقى، وهذا إجماع أهل العلم أنه لا يستحب دفن الكافر إلا إذا خيف التأذي به بعد الموت؛ لأن الكفار لا يكرمون أحياء ولا أمواتاً، فدفن الميت من أعظم إكرام الميت، وغير المسلم إذا مات الأصل فيه أنه لا يوارى ولا يقبر ولا يدفن ولا يصلى عليه، وغير ذلك مما يترتب للمسلم، فالذي يفعل ذلك من المسلمين هذا من خيبة الأمل، لما يموت نصراني أو نصرانية، فإذا نظرت ستجد أن معظم المعزين مسلمون، ومع ذلك فإنهم قد ابتدعوا أيضاً، فالنصارى يقلدون المسلمين فيأتون بقسيس يعظ، يعني: إبليس يتكلم ويعظ الناس، وتجد المسلمين وهم جلوس، ويضعون أيديهم على جيوبهم، فهم متأثرون ومتجاوبون مع القسيس.
стр. 935
الجهاد من شعب الإيمان
والجهاد من الإيمان، وهل ضيع المسلمين إلا ضياع الجهاد وترك الجهاد، أقسم بالله لو أن اليهود في فلسطين يسمعون أن المسلمين يعدون للجهاد، وأن المسلمين اصطلحوا مع بعضهم وقرروا الجهاد، فإن اليهود سيسلمونا المفاتيح.
هم هكذا؛ لأنهم أجبن الخلق، ربنا يخبرنا بأن أجبن الخلق هم اليهود: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤]؛ لو كانوا شجعان لكان القتال وجهاً لوجه، لكن هم أهل غدر، لا يقاتلون إلا غدراً.
قال: [(أنتدب الله لمن خرج في سبيله)]، بمعنى: تكفل الله لمن خرج في سبيله مجاهداً.
قال: [(لا يخرجه إلا إيمان به)]، أي: لا يخرجه إلى الجهاد في سبيل الله، إذاً: الجهاد إيمان.
قال: [(وتصديق برسله أنه ضامن -أي: أن الله تعالى ضامن- أن يدخله الجنة، أو أن يرده إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة)]، يعني: معه الذي معه من الأجر عند الله أو الغنيمة التي يأخذها.
стр. 936
دفع الوسوسة ومجاهدة النفس من شعب الإيمان
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﵊ فقال: يا رسول الله! إن أحدنا ليحدث نفسه بشيء ما يود أن يتكلم به -يعني: الواحد فينا يحيك في صدره أشياء- لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، فقال النبي ﵊: ذاك محض الإيمان)]، إذاً: هذا الكلام يفهم منه أن دفع الوسوسة ومجاهدة النفس من الإيمان.
قال: [وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (شكا إلى رسول الله ﵊ رجل الوسوسة، فقال: ذاك صريح الإيمان)] يعني: كونك تألمت من هذا الوسواس فهذا يدل على صحة إيمانك.
стр. 937
السرور عند الحسنة والحزن عند السيئة من شعب الإيمان
قال: [وعن أبي أمامة ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الإيمان فقال: من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)]، يعني: الذي يصنع المعروف ويفرح به علامة على الإيمان، والذي يفعل السيئة ويغتم ويستاء من نفسه ويكره نفسه؛ لأنه فعل السيئة وما كان ينبغي لمثله أن يفعل ذلك، فهذا دليل على الإيمان أيضاً، يعني: تصور أنك لما تعصي الله بمعصية تضيق عليك نفسك حتى لا تجد في الأرض رحباً، مع أن الأرض واسعة، فتحس بضيق صدر وضيق أفق عندك، حتى كدت أن تموت وتختنق؛ لأنك وقعت في معصية الله، هذا الضيق وهذا الألم الناتج عن حدوث المعصية علامة على إيمان العبد، لكن واحد يشرب خمراً، وحين تقول له: يا فلان هذا حرام، يقول: أنا أحسن من غيري ألف مرة، فهذا معناه أنه مستمر على المعصية، فقل أن يوجد عنده إيمان، لما تكلمه في معصية يذكر لك معصية أعظم منها وأفجر منها، يقول لك: صحيح أنا أزني وأسرق واقتل وأشرب الخمر، لكن غيري يعمل مثل الذي أنا أعمله عشر مرات، أنا والحمد لله ما أعمل إلا هذه الخمس فقط.
فالعبد الصالح الذي نقى قلبه لله يفرح فعلاً بالطاعة، ومع فرحه بالطاعة يخشى ألا تتقبل منه، فهذه خشية تحمله على المزيد من أداء العمل الصالح؛ ولذلك (لما تلت عائشة ﵂ قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]-فمعنى قلوبهم وجلة أي: خائفة- قالت: يا رسول الله! أهذا الزاني يزني والسارق يسرق؟ قال لها: لا يا ابنة الصديق! إنما هؤلاء أقوام قد أتوا بصلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد، يخافون ألا يتقبل منهم) يعني: قد عملوا الصالحات، لكنهم يخافون ألا يتقبل الله منهم ذلك، فيحملهم الخوف على المزيد من العمل، لا يحملهم الخوف على اليأس؛ لأن الخوف منه ما هو ممدوح ومنه ما هو مذموم، فالخوف الذي يؤدي إلى اليأس من رحمة الله، هذا نوع كفر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، إنما الخوف الذي يؤدي بك إلى المزيد من الطاعة هذا هو الخوف الممدوح، فالذي هو خائف من النار فإنه يعمل من أجل أن ينجو من النار، فيلتزم الأوامر وينتهي عن النواهي ولا يتعدى الحد، فإن من يتعدى حدود الله فقط ظلم نفسه.
إذاً: أمامك ثلاثة أشياء: التزام الأمر والعمل به، وترك النهي طاعة لله واستجلاباً لرضاه، والوقوف عند حدود الله ومحارمه لا تتعداها.
لو أن عبداً أتى إلى الله بهذه الثلاث لنجا من النار ودخل الجنة.
والنبي ﵊ يقول: (عمر أمتي ما بين الستين إلى السبعين لا يزيد عنه إلا قليل) فمن زاد عن ذلك فقوته تتهدد، وإن ارتكب المعاصي فهو أشقى الخلق، فإن الأصل أن الإنسان بعد الستين سنة ينتهي أمره، ويبدأ في العد التنازلي.
فالأصل في هذا السن أنه لا يقع في المعصية، لأنه يعجز غالباً عن الوقوع فيها، فإذا كان عمر الإنسان يتحدد بستين سنة، وهذه الستين السنة منها عشر سنوات إلى خمس عشرة سنة نوم، وعشر سنوات إلى خمس عشرة سنة قبل البلوغ، ومجموع ذلك ثلاثون سنة، والباقي ثلاثون سنة، فهل يعجز المرء أن يستقيم على أمر الله ثلاثين سنة، مقابل نعيم لا ينفد ولا ينقطع، في جنة عرضها السماوات والأرض؟ حياة أبدية سرمدية لا نهاية لها، من النعيم واللذة والنظر إلى وجه الله الكريم، الواحد منا لو يحجز نفسه في بيت، ويلزم نفسه بالطاعة إلى أن يأتيه أجله، يفعل ذلك من أجل النعيم الذي سيأتي.
فما وقع عبد في معصية إلا وأحس بتفاهة نفسه بعد الوقوع فيها، خاصة العبد الذي عنده أصول الإيمان.
تصور لو أنك سرقت مال أخيك، فحين تنفقه لا تشعر بلذة، وتتمنى لو أنه رجع إلى صاحبه ثانية، ولو أن أحدهم زنى، فبعد الفراغ من الزنا مباشرة يحتقر نفسه، بل ربما يبصق على نفسه من سوء ما فعل؛ ولذلك فإن بين الطاعة والمعصية لحظة، فاضغط على نفسك فيها.
تصور لو أن امرأة جميلة مشت في الشارع تنادي على الزناة أن ينظروا إليها، وأن يقعوا عليها، وأنت لقيت هذه المرأة في الطريق، فما بينك وبينها إلا أن تغض بصرك لحظة حتى تمر خلف ظهرك، وتفرغ من أمرها، ثم ترى بعد ذلك ما يقدر الله لك من الخير.
فالفرق بين الطاعة والمعصية ما هي إلا لحظات! يضغط فيها العبد على نفسه حتى ينجو من عذاب الله .
стр. 938
حسن الخلق من شعب الإيمان
قال: [وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة)].
فقوله: (إن أكمل المؤمنين) يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فهنا شيء كامل وشيء ناقص.
فمن حسن خلقه فقد وافق شعبة من شعب الإيمان، ومن ساء خلقه ثم تاب إلى الله من ذلك، واعتذر إلى إخوانه فهو دليل على صدق إيمانه، وقل أن يأتي أحد في هذا الزمان ويعتذر عن فعل قبيح قد فعله، وعلى المسلمين أن يقبلوا عذر هذا المعتذر، وأن يعفوا جميعاً عنه ويقبلوا معذرته، ولهم أن يجربوه في الأيام المقبلة، فإن تحسن خلقه حقيقة كان ذلك فضلاً من الله ، وإن ساء خلقه أو عاملهم بمثل معاملته السابقة فلهم أن يتجنبوه أو يحتملوه.
فلا يقبل العذر إلا كريم، ولا يرده إلا لئيم، وإذا أتاك أخوك معتذراً فاقبل منه، وهذا قول ابن سيرين عليه رحمة الله.
стр. 939
حفظ الأمانة من شعب الإيمان
قال: [وعن أنس ﵁ قال: (خطبنا نبي الله ﷺ فقال: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له)]، وقل من الناس من يستأمن على شيء فيكون أميناً، وهذه شكوى عامة في الخلق، لا يؤتمن أحد على شيء إلا كما يؤتمن الذئب على الغنم.
стр. 940
أعجب الخلق إيماناً
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (أي شيء أعجب إيماناً)] النبي ﵊ يخاطب أصحابه يقول لهم: ما أعجب شعب الإيمان أو ما أعجب شيء في الإيمان؟ قالوا: [(الملائكة، قال النبي ﵊: كيف وهم في السماء يرون من أمر السماء ما لا ترون؟!)] يعني: كيف لا يؤمنون وهم عند ربهم يرون من أمر السماء ما لا ترون؟ فالملائكة جبلوا على الطاعة، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، وهؤلاء أيضاً لهم منزلة، فهم أهل السماء، يعرفون من الأخبار ما لا تعرفون فكيف لا يؤمنون؟ [(قالوا: يا رسول الله! فالأنبياء قال: كيف وهم يأتيهم الوحي؟)]، يعني: النبي يأتيه الوحي، وهو رسولٌ اصطفاه الله تعالى من الخلق فكيف لا يؤمن؟ قالوا: [(فنحن يا رسول الله! -أي: فلم يبق لك إلا الصحابة- قال: فكيف وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟!)] يعني: أنتم تقرءون القرآن بالليل والنهار وفيكم رسوله، فكيف لا تؤمنون؟! قال النبي ﵊: [(أعجب الخلق إيماناً قوم يكونون من بعدكم يجدون صحفاً فيؤمنون بي ولم يروني)] وهم التابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة.
والحديث هذا محل نزاع بين أهل العلم، والراجح أنه حديث حسن.
ومعنى الحديث أنك إذا قرأت هذا القرآن وصدقته وصدقت أنه من عند الله، وسمعت أباً عن جد أن الله أرسل نبياً اسمه محمد فآمنت به واتبعته، هذه درجة من الإيمان عظيمة جداً.
وبنو إسرائيل ما كانوا يؤمنون بشيء إلا بعد أن يروه، إلى أن قالوا لموسى: أرنا الله جهرة من أجل أن نؤمن، فبنو إسرائيل ما كانوا مؤمنين بالله؛ لأنهم اعتادوا وألفوا ألا يؤمنوا بشيء إلا إذا رأوه، حتى طلبوا من موسى أن يريهم الله تعالى عياناً بياناً.
стр. 941
انتفاء الإيمان عمن يؤذي جيرانه
قال: [وقال النبي ﵊: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من هو يا رسول الله! خاب وخسر -أي: من هذا الذي تحلف عليه بقولك: والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن- قال النبي ﵊: من لا يأمن جاره بوائقه)] والبوائق التي هي الغوائل والشرور.
يعني: جارك لا يأمن شرك فكيف تكون مؤمناً؟ والنبي ﵊ أقسم ثلاثاً وهو الصادق المصدوق بغير قسم ﵊، لكنه أقسم هنا وأكد قسمه ثلاثاً بالتكرار وكثرة العدد لبيان خطورة الأمر، وأن الجار الذي لا يأمن جاره بوائقه يدل على فساد إيمانه.
стр. 942
الألفة والمحبة بين المسلمين من شعب الإيمان
قال: [وقال النبي ﵊: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
وقال ﵊ في حديث النعمان عند مسلم: (المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر).
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﵊ قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً).
وقال النبي عليه الصلاة السلام: (وإن الشيطان ليأكل من الغنم القاصية)]، ويقول غير واحد من السلف كـ عبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز وغيرهما: وإن ما تعملونه في الجماعة وأنتم تكرهون خير لكم مما تعملونه في الفرقة وأنتم تحبون، يعني: العمل الذي تعمله في وسط جماعة المسلمين وإن كنت لا تحبه هو خير لك بين يدي الله من أن تعمل عملاً في الفرقة وإن كنت تحبه.
ولذلك الخلاف شر، والود والألفة والمحبة بين المسلمين خير، فمحبة الله ورسوله والمؤمنين من العمل الصالح، والنصارى دائماً يدندنون على المحبة، وهذه بضاعتنا فإن الغرب أخذوا ديننا فعملوا به فسادوا الدنيا بأسرها في الوقت الذي نحن تأخرنا عن ركب الحضارة؛ لأننا لم نتمسك بحبل الله المتين.
الأصل في كل رقي ديني أو دنيوي، عقائدي أو أخلاقي هو القرآن والسنة، فإذا تمسك به الكفار سادوا، وإذا تمسك به المسلمون سادوا، فهذه القضية ما فيها محاباة، فهي قضية اتباع وقضية إيمان بالله وبرسوله ﵊.
والنبي ﵊ يقول: (المسافر شيطان، والمسافران شيطانان، والثلاثة ركب)، فقد نهى النبي ﷺ أن يسافر الرجل وحده، وفي حديث آخر: (نهى النبي ﵊ أن يسافر الرجل وحده، أو أن يبيت وحده)، الواحد فينا لما يبيت في بيت لوحده، لو قام في الليل وفزع، فربما يذهب عقله، وهذا يحصل.
ولو أن شاباً في ريعان شبابه يبيت وحده، ربما مارس العادة الخبيثة مرتين وثلاث في الليلة؛ لأنه يبيت في بيته مع الشيطان، والشيطان يأمره بالمعصية؛ ولذلك إذا بات الرجل وحده فقد بات معه الشيطان، ولا يبيتن رجل في غرفة لوحده، إنما يبيت الاثنان؛ لأن المرء إذا دخل غرفته وأغلق على نفسه الباب وإن كان معه في الغرف المجاورة أناس آخرون، فهو يمكن أو يسهل عليه أن يقع في المعصية؛ ولذلك من عوامل تثبيت الإيمان في القلب الصحبة المؤمنة، والذي يتعرف على شباب فاسدين سيتأثر بهم، بخلاف ما لو تعرف على شباب صالحين.
فالصحبة المؤمنة تزيد من إيمان المرء، لأن المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.
وقال النبي ﵊: (المؤمن يألف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف).
فمن كان لا يألف ولا يؤلف فهو في خطر عظيم؛ وعلى المسلم أن يعامله معاملة حسنة وأن يحتسبه عند الله، فالنبي ﵊ قد أوذي ومع هذا تكلف الود.
فقد كان يأتي الأعرابي البدوي الجلف من البادية فيجذب النبي ﷺ حتى يؤثر في رقبته، يقول: (يا محمد! أعطني من مال الله فإنه ليس من مالك ولا من مال أبيك!).
فيقول النبي ﵊: (دعه يا عمر! واقض حاجته)، فـ عمر هو الذي سيأخذ هذا الرجل وسيذهب به إلى بيت المال، وسيعطيه إلى أن يقول: كفاية، فأعطاه منه حتى قال له: أرضيت؟ قال: رضيت.
فرجع الرجل إلى النبي ﵊ وقال له: (يا رسول الله! لقد قرأت في كتب أهل الكتاب أن علامة النبي العربي أنه إذا جهل عليه أحد حلم، فأردت أن أعرف ذلك فيك) يعني: ما عمل هذا إيذاء للنبي ﷺ ، وإنما كان يتأكد من أن هذه علامة النبي الجديد، أنه كلما يجهل عليه أحد يزداد حلماً، إلى أن رأى بعينه.
والنبي ﵊ لم يكن في حاجة لدفاع عمر، فإنه لم يدخل في مصارعة قط مع أحد إلا صرعه، فهو ما يرد الإساءة بالإساءة، إنما يرد الإساءة بالإحسان.
اجعل بينك وبين أخيك المؤمن أو المسلم وداً وألفة ومحبة، أما غير المسلم فإنك تتصنعه لاستمالة قلبه للدخول في الإسلام.
стр. 943
حب الإمام علي بن أبي طالب من شعب الإيمان
قال: [وقال علي بن أبي طالب ﵁: (والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لعهد إلي نبي الله ﷺ أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق)]، إذاً: حب علي بن أبي طالب دليل على الإيمان، وبغضه دليل على النفاق، فالذي يبغض علي بن أبي طالب يكون على خطر عظيم جداً.
لكن على آية حال نحن نحب النبي ﵊ وآل بيت النبي ﵊ حباً كما أحبهم أهل السنة والجماعة، بغير إفراط ولا تفريط، النبي ﵊ يقول: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم) يعني: لا تمدحوني وتثنوا علي بما ليس في ولا أستحقه؛ لأن النبي ﵊ يستحق شيئاً ولا يستحق شيئاً آخر، فلا يستحق أن يكون إلهاً، أو أن يكون ابن الإله؛ لأن النصارى مدحت عيسى بن مريم وجعلته إلهاً، وبعضهم قال: هو ليس إلهاً ولكنه ابن الإله، فهذا بلا شك غلو شديد جداً في الأنبياء.
فالنبي ﵊ أراد أن يحذر من ذلك، فلا يجوز أن يسجد أحد للنبي ﵊؛ لأنه صرف ما لله لغير الله، ولا يجوز صرف ما يجب أن يصرف لله لغير الله، كما لا يجوز أن يصرف لغير الرسول ما للرسول، فلا يجوز أبداً أن نؤمن بـ علي بن أبي طالب كما نؤمن بالنبي ﵊؛ لأن علي بن أبي طالب ما هو إلا رجل من المسلمين، وهو خليفة من الخلفاء الراشدين، نحبه؛ لأنه رجل مؤمن؛ ولأنه رجل صالح؛ ولأنه من أصحاب النبي ﵊؛ ولأنه أحد الخلفاء؛ ولأنه من أهل بيته ﵊.
وغير ذلك من مناقبه وشمائله ﵁، لكن لا نرفعه إلى مرتبة النبوة، كما فعلت الشيعة، الذين يجعلون مرتبة الولاية فوق مرتبة النبوة كما تقوله الصوفية تماماً بتمام، حتى قالوا: الخلفاء الاثنا عشر هم الخلفاء الراشدون، فلا يعترفون بـ أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، إنما يعترفون بـ علي بن أبي طالب ومن بعده من أهل بيته، حتى الإمام الثاني عشر وهو عندهم المهدي المنتظر، والمهدي المنتظر عند الشيعة يختلف عن المهدي المنتظر عند اليهود والنصارى، وأهل السنة والجماعة.
فالمهدي المنتظر عند الشيعة هو أبو الحسن العسكري الذي اختفى في سرداب سامراء في العراق، وله من العمر أربع سنوات، يزعمون أنه اختفى وأخذ قرآن فاطمة، ويقولون: القرآن الذي بيد النواصب -ويقصدون بذلك أهل السنة- ليس منه حرف واحد نزل من السماء، وهو يقدر بثلث القرآن الحقيقي الذي اختفى في سرداب سامراء مع المهدي المنتظر، وهم ينتظرونه يوماً في كل عام على فوهة السرداب بالخيل المزينة والمزخرفة وغير ذلك، والله ﵎ في كل عام يخيب سعيهم إلى قيام الساعة.
والمهدي المنتظر عند اليهود والنصارى هو المسيح الدجال الذي حذرنا منه النبي ﵊، أما المهدي المنتظر عند أهل السنة والجماعة فإنه محمد بن عبد الله القرشي، رجل من قريش، وافق اسمه اسم النبي ﵊، واسم أبيه اسم أبي النبي ﷺ ، رجل يصلحه الله تعالى في ليلة، ثم يظهر في الأرض فيقطعها شرقاً وغرباً يدعو الناس إلى الله ، ويمكث في الأرض قدراً من الزمان، ويضع يده في يد عيسى بن مريم ﵇، فينزل عيسى بن مريم عند باب لد في فلسطين فيقتل المسيح الدجال وهو مهدي اليهود والنصارى، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير وهما رمز النصارى.
ثم ينطلق عيسى بن مريم مع محمد بن عبد الله المهدي لدعوة الناس إلى دين محمد ﵊، ولذلك أجمع أهل السنة والجماعة على أن عيسى بن مريم هو أحد أفراد أمة النبي ﵊، وهو آخر الصحابة موتاً في آخر الزمان على الإطلاق؛ لأن عيسى حي ﵇، رفع إلى الله في السماء، وهو حي الآن، وينزل في آخر الزمان، ولا يموت إلا موتة واحدة في آخر الزمان، وقد رأى عيسى بن مريم النبي ﵊ في أثناء الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، وقد صلى النبي ﵊ بالأنبياء، وسلم عليهم نبياً نبياً، فهنا بيان أن عيسى بن مريم هو آخر الصحابة موتاً؛ قال ذلك الإمام الذهبي في كتاب تجريد أسماء الصحابة.
стр. 944
مراقبة الله في السر والعلن من شعب الإيمان
قال: [وقال النبي ﵊: (إن أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان)]، وهذه مرتبة الإحسان والمراقبة؛ ولذلك فإن في حديث جبريل: الإحسان يشمل الإيمان والإسلام، والإيمان يشمل الإسلام بغير عكس، يعني: كل محسن مؤمن ومسلم، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً، كما أنه ليس كل مؤمن محسناً.
وقد فسر النبي ﷺ الإحسان بـ: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وهذا تمام وكمال المراقبة لله ، وهذه شفافية ما بعدها شفافية بين العبد وبين الله ، وهذه من الإيمان، لأن كل محسن مؤمن، فالإحسان إيمان.
стр. 945
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستئذان الأهل من شعب الإيمان
الخصلة الثالثة والخمسون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الخصلة الرابعة والخمسون: تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، [قال النبي ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليسلم على أهله -أو على أهل بيته- إذا دخل)]، يعني: إذا دخلت البيت فقل: السلام عليكم يا أم فلان، أو يا أولاد أو يا فلانة، فلا تدخل وتضع عصاك أمام الباب، ثم تأخذها وتدخل بالضرب والصياح والشتيمة وغير ذلك، لا يمكن أن تكون هذه عيشة أبداً.
فالتأديب بقدره، إما بالهجر وإما بالضرب غير المبرح، فقد فسره النبي ﵊ بقوله: (ألا تشق رأساً ولا تكسر عظماً)، وبعض الناس لا يحلو له إلا الضرب في الرأس والوجه، مع أن معاوية بن حيدة ﵁ قال: (يا رسول الله! ما حق امرأة أحدنا عليه قال: أن تطعمها مما تطعم، وأن تلبسها مما تلبس، وألا تقبح ولا تضرب الوجه) يعني: لا تقولن لامرأتك: قبح الله وجهك؛ لأن الله تعالى خلق آدم على صورته، فسب الوجه أو سب الخلقة إنما هو كسب آدم ﵇.
نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 946
شرح أصول اعتقاد أهل السنة - شعب الإيمان [٢]
شعب الإيمان كثيرة ومتعددة، فمنها: الحب في الله والبغض في الله، وحسن الخلق، والزهد عن الدنيا والتقلل منها، والجهاد في سبيل الله تعالى، وذكر الله ، والمحافظة على الطهور والورع، والتعرف على الله والإيمان به قبل تعلم العلم ثم الإقبال عليه.
стр. 947
الحب في الله والبغض في الله من شعب الإيمان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أنس بن مالك ﵁ قال: (ثلاث من كن فيه فهو عبد طعم الإيمان وحلاوته)]، ثلاث من كن فيه أي: من توفرت فيه هذه الخصال الثلاث فقد حقق العبودية لله ، وقد ذاق طعم الإيمان، فشبه الإيمان بالشيء الحلو الذي يتذوق من طَعِمَه.
قال: [فقال: قلت: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ]، يعني: الراوي عن أنس يسأله هذا السؤال يقول: هل أنت سمعت هذا من النبي ﵊ قال: [(أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) أي: أن يكون الله ورسوله من جهة الاعتقاد والعلم والعمل والمحبة والرضا وغير ذلك من شعب الإيمان القلبية والعملية، قال: [(وأن يحب في الله ويبغض في الله)] لأن أعظم عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.
قال: [(وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها ولا يشرك به شيئاً)]، يعني: لو أن ناراً عظيمة أججت في أخدود عظيم جداً وألقي فيها المرء كان ذلك أحب إليه من أن يقع في الشرك بالله ، هذه الثلاثة الأشياء لو اجتمعت في قلب العبد المؤمن وجرت مقتضياتها على جوارحه فإنه يكون قد حقق الإيمان الكامل التام، وذاق طعم الإيمان.
قال: [وعن ابن عباس ﵄ قال: حب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله وعاد في الله، فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك].
فإن تحب في الله، وتبغض في الله، وتعطي لله، وتمنع لله، كل ذلك لا يمكن للعبد المؤمن أن يفعله إلا لله ، ولو فعله لنفسه أو نصرة أو غضباً لنفسه أو حمية أو غير ذلك من النيات والأغراض والمقاصد الأخرى فإنها ليست لله ، وإنما هي انتقام أو انتصار لنفسه؛ ولذلك لو أن العبد منع العطية لوجه الله ، أو أعطى العطية لوجه الله ، أو خاصم هذا في الله، أو صالح هذا في الله، فهذا العبد قد ضبط نفسه وسلوكه وعمله على أن تكون كلها لله .
أنت تخاصم أخاك الفلاني؛ لأنه قد عصى الله ، وعلمت من واقع حاله أنه لا يصلح إلا بالهجر، فتهجره في الله ، كما هجر الصحابة ﵃ الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وصار الواحد منهم لا يدري أين يذهب.
كان لـ كعب -وهو أحد الثلاثة- جار وقريب له، وكان يصعد الجدار ويسلم على جاره، ولكن هذا الجار ما كان يرد ﵇ -مع أن رد السلام واجب- لأن النبي ﷺ أمرهم أن يقاطعوا هؤلاء الثلاثة، فكان الواحد منهم يمشي في شوارع المدينة حائراً لا يدري ماذا يفعل، ضاقت عليه الأرض، الوفاة خير له من الحياة من فرط ما ضاقت به أموره وأحواله؛ لأنه تخلف عن الجهاد بغير عذر، فلما نزلت توبتهم من السماء فرح هذا الجار فرحاً عظيماً جداً، وأسرع بمجرد سماع الآيات إلى كعب يبشره بأن الله تعالى قد تاب عليه، فلو كان هذا خصاماً للذات أو لخلاف وقع بين الجيران أو غير ذلك لا يهمه أن تنزل فيه توبة، وكذا الصحابة لما أمرهم النبي ﵊ ألا يكلموهم، فامتنع الصحابة جميعاً عن محادثة القوم، فلما نزلت التوبة فرح الصحابة، وليس الثلاثة فحسب، فهذا المنع من محادثة القوم كان لله ، وهذا المنع قد بلغ خمسين يوماً، فتصور أن امرأة لا تكلمه، وأن ولداً لا يكلمه، وأن جاراً لا يكلمه، وأن صديقاً لا يكلمه، وأن تاجراً لا يكلمه، المدينة كلها امتنعت عن محادثة القوم، حتى أهل بيت الثلاثة لم يكونوا يكلمون هؤلاء الثلاثة قط، فتصور رجلاً يعيش وحده في مجتمع يعج بالأفراد شرقاً وغرباً، لا يتكلم أحد منهم معه، فماذا يكون حاله؟ يكلم نفسه، أو يتكلم هؤلاء الثلاثة، مع أنهم قد كره بعضهم بعضاً في هذه المدة؛ لأنهم شعروا باتحاد المعصية بينهم، فكره الواحد منهم أن يكلم أخاه؛ ولذلك لما جاءت لـ كعب رسالة من أمير من أمراء الكفر أن ائتنا نولك ما رغبت يعني: ائت إلينا وسنوليك ونعطيك من المال ما ترغب فيه، قال: هذه ثالثة الأثافي، هذا ابتلاء واختبار، ثم قال: لا والله إن محمداً ﵊ وأصحابه أحب إلي من الدنيا وما فيها، فالإيمان لا يزال متمكناً في قلوبهم، لكنها غفلة انتهزها الشيطان فخلفهم عن الجهاد.
الشاهد من هذا كله أن الصحابة امتنعوا حيث أمروا بالامتناع عن المحادثة، وفرحوا أشد الفرح حيث كان الأمر يستوجب الفرح، فهم فرحوا لله، وامتنعوا لله ، وهذا من فرط وكمال وتمام إيمان الصحابة ﵃.
قال: [ولن تجد طعم ا
стр. 948
حسن الخلق من شعب الإيمان
الخصلة الحادية والستون: [قال النبي ﵊: (لا يستكمل العبد الإيمان حتى يحسن خلقه، ولا يشفي غيظه)]، وهذا الحديث في سنده بعض الضعف، وبعض أهل العلم حسنه، ومعنى حسن خلقه يعني: عامل الناس بالخلق الحسن؛ ولذلك كان النبي ﷺ يوصي بعض أصحابه ويقول: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)، فهذا الخلق الحسن الذي تخلق به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وتخلق به أصحابهم وحواريهم.
فقوله: (لا يستكمل العبد الإيمان) يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، وقوله: (حتى يحسن خلقه، ولا يشفي غيظه) يعني: لا ينتقم ولا ينتصر لنفسه.
стр. 949
تغيير المنكر من شعب الإيمان
ٌقال: [وقال النبي ﵊: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)] وهذا باب عظيم جداً من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأنه أراد أن يقول: وتغيير المنكر من الإيمان؛ لأنه من شعب الإيمان، فقال: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لم يخالط الناس ولم يصبر على أذاهم.
أحياناً يبلغ اليأس ببعض الدعاة ورؤيتهم القاتمة لما عليه المسلمون من ضلال وانحراف عن شرع ربهم بأن يؤثر في أحدهم اليأس أن يقيم في بيته وألا يتكلم مع أحد، وهذا الحديث أو النص كفيل وخليق بأن يرده إلى رشده وصوابه.
وقال ﵊: (من قال هلك الناس فهو أهلكهم)، وفي رواية: (فهو أهلكَهم) أي: فهو الذي تسبب في إهلاكهم، أو على الرواية الأولى: فهو أشدهم هلاكاً، ومن قال: (هلك الناس فهو أهلكهم) أي: فهو الذي أهلكهم، وهذا نص كفيل بأن يحاسب كل أحد منا نفسه.
وإذا كان الناس فيهم خلل أو نقص أو عيب أو جرأة أو فجور فلا بد أن يكون في الداعية حظ ونصيب من هذا كذلك، فإذا كان يعيب على الناس أشياء مثل هذه فلا بد أن يرجع لنفسه باتهامها أكثر من اتهامه للناس، حتى يستقيم له الأمر.
وفي حياة الأنبياء وجهادهم أعظم قدوة ونبراس لنا، فنوح ﵇ الذي مكث في قومه ٍيدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فما آمن معه بعد هذه الأعوام كلها إلا قليل، فأعظم عدد ذكر أنهم ثمانون رجلاً، وأقل العدد اثنا عشر رجلاً، وحتى لو كانوا خمسين رجلاً، فمعنى ذلك أنه يؤمن كل عشر سنين رجلاً واحداً، فهذا أسوة وقدوة لنا، خاصة للإخوة في الريف، فالأخ قد يمكث أربع سنوات في القاهرة من أجل الدراسة في الجامعة أو غير ذلك فيمن الله ﵎ عليه بالعلم الشرعي والفهم الصحيح وغير ذلك، فيذهب إلى قريته بعد التخرج، فيفاجأ بالواقع المر الأليم في قريته، ويعرف أن الناس إنما مكثوا على دين منذ مئات السنين وما عند أحدهم استعداد أن يغير ذلك، فيصدم في واقعه الذي عاش فيه وكان هو أحد أفراده، فيصاب بيأس شديد جداً، فيأتي بعد ذلك من القرية ويشكو مر الشكوى من قومه الذين لا يقبلون دعوته، هو كان أحد أفراد هذا المجتمع الذي لم يقبل دعوة من سبقه، فلا بد من الصبر، فهذه سنة كونية قدرية في أهل الإيمان، بدءاً بالأنبياء والمرسلين وانتهاءً بالصالحين، وحذاري أن تظن أنك إذا آمنت بالله ورسوله، وحملت هذه الدعوة ورفعت لواءها أن الأرض تفرش لك بالحرير، إذا كنت تتصور ذلك فأرجو أن تعتزل وأن تعتذر الآن وتمكث في بيتك، فطريق الدعوة هو أصعب طريق خلقه الله ؛ ولذلك خلق له أعظم البشر وهم الأنبياء والمرسلون؛ ولذلك يقول النبي ﷺ : (أعظم الناس بلاءً -وفي رواية: أشد الناس بلاءً- الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) يعني: ثم من يشبه الأنبياء ثم من يشبه من يشبه الأنبياء، وهكذا.
فالمعلوم أن الأنبياء وأتباعهم من الدعاة والعلماء هم على نسق ومنوال واحد من وقوع الأذى بهم؛ لأن الناس الذين انتكست فطرهم إنما يحبون الحياة الدنيا حباً جماً، ويحبون جمع المال من حل ومن حرام، وإن الدعاة هم الذين يقفون حائل صد أمام هؤلاء لبيان الحلال والحرام، وبنهي هؤلاء الذين يرتكبون المنكرات والفظائع والفجور ينهونهم عما هم عليه؛ ولذلك تكون العداوة بينهم وبين أهل الإيمان، وكذلك أصحاب الجاه والمناصب والكراسي وغيرها، كل حظ ليس لله ﵎ فيه نصيب لا بد أن تحدث العداوة بين أصحاب هذه الحظوظ وبين الدعاة إلى الله .
وسنة الله ﵎ قضت بأن عامة الفساق لهم تمكن في وقوع الأذى بأهل الإيمان ما لم يكن لأهل الإيمان راية تحميهم، فإذا كان الأمر كذلك فينبغي بل يجب على أهل العلم بالذات من أهل الإيمان أن يعدوا صبراً عظيماً جداً وتحملاً فوق طاقة البشر في حمل دعوة الله وتبليغ دعوة الحق إلى الخلق.
أما أن تتصور أنك صاحب سنة أو صاحب دين أو صاحب علم أو غير ذلك، وأن الناس ستفرش لك الأرض حريراً ويضعونك على الرءوس فهذا لن يكون، فلا بد أن توقن أن الناس يضعونك تحت أقدامهم، وأن الناس يحاربونك من أول وهلة تخرج عليهم فيها فتسفه أحلامهم، وتبطل ما هم عليه من باطل، وترتفع بإيمانك وعلمك على هذا الواقع الباطل الذي يعيشه الناس، فلو أنك بهذه الأخلاق، وبهذه القوة والمتانة، فلا أحد يتركك، بل كل من استطاع أن يلحق بك الأذى فعل ولا يقصر، فمخالطة الناس والصبر على أذاهم أعظم أجراً ودرجة ممن اعتزل الناس؛ لأنه لم يصبر على أذاهم بلا شك.
стр. 950
الحب في الله من شعب الإيمان
قال: [وقال عبد الله بن مسعود: إن من الإيمان أن تحب أخاك عن غير معرفة ولا قرابة ولا مال أعطاك لا تحبه إلا لله]، أي: من شعب الإيمان أن تحب أخاك المؤمن من غير معرفة سابقة ولا قرابة ولا جوار، إنسان قابلته فبدا منه الصلاح والعمل الصالح، وحب الله ورسوله، فهذا الإنسان يجب عليك أن تحبه في الله، وإلا فلا يزال الإيمان في نقصان ويحتاج إلى زيادة.
следующие страницы →