← Акыда

Акыда · id 37437

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

حسن أبو الأشبال الزهيري

Полный текст (1 284 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الاختلاف في تعريف الإرجاء قال ابن الجوزي: المرجئة لقبوا بذلك لأنهم يرجئون العمل عن النية، أي: يؤخرونه في الرتبة عنها وعن الاعتقاد، أو أنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وقد عرف الإرجاء بتعريفات عدة، الأول: إن الإرجاء هو التأخير، كما قال الله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِه وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف:١١١]، أي: أخره وأمهله. والتعريف الثاني: أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، هذا باعتبار إعطاء الرجال، فقد كانوا يعطون المؤمن العاصي الرجاء في ثواب الله، يعني: لا يقنطونه من رحمة الله، ومهما ارتكب من المعاصي فإنهم يبشرونه بأن الله سيغفر له. وقيل: الإرجاء هو تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة. وهذا تعريف ثالث للإرجاء فلا يحكمون على صاحب الكبيرة ولا يقضون عليه بحكم ما في الدنيا من كونه مثلاً من أهل الجنة أو من أهل النار. وعلى هذا فالمرجئة والوعيدية فرقتان متقابلتان، فالمرجئة يقولون: لا تضره كبيرته، والوعيدية -أي: الخوارج- يقولون: هو كافر يخلد بكبيرته في النار. وقيل: الإرجاء هو تأخير علي بن أبي طالب عن الدرجة الأولى إلى الرابعة. وعلى هذا فالمرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان، فالمرجئة يقولون: علي بن أبي طالب يؤخر إلى المرتبة الرابعة، والشيعة يقولون: هو مقدم على أبي بكر وعمر، بل من الشيعة من جعل علي بن أبي طالب في مرتبة النبوة، ومنهم من جعله في مرتبة الإلهية، وهم السبئية عليهم لعنة الله.

стр. 982

فرق المرجئة وأصنافهم المرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج ومرجئة القدرية ومرجئة الجبرية والمرجئة الخالصة. قال ابن الجوزي: وفرق المرجئة خمس، ومنهم من جعلها سبعاً، ومنهم من جعلها عشراً، ومنهم من جعلها ثنتي عشرة، ومنهم من جعلها خمس عشرة فرقة، وهذا لا يضر؛ لأن الذي زاد إنما قسم الفرقة الواحدة إلى أقسام متعددة باعتبار الخلافات الداخلية التي حصلت في كل فرقة على حدة.

стр. 983

من فرق المرجئة اليونسية أول فرق المرجئة: اليونسية، وهم أصحاب يونس النميري، وهؤلاء قالوا: الإيمان هو المعرفة بالله تعالى، ولا شك أن أعرف الخلق بالله هو أول الخلق، وهو إبليس، فهو أعرف الخلق بالله، وأعلم الخلق بقدر الله ، ولكنه عصى وطغى وبغى. ومن يسمع هذا الكلام يظن أنه كلام مستقيم ومتزن، فهم يقولون: الإيمان هو المعرفة، أي: هو معرفة الله ، ولكن هذا التعريف غير كاف؛ لأن من الكفار من يعرف الله تعالى، فمجرد المعرفة بالله لا يثبت بها الإيمان لصاحبها، وإلا لكان إبليس من أوائل المؤمنين. ويقولون: الإيمان هو المعرفة بالله تعالى والخضوع له والمحبة بالقلب، فمن اجتمعت فيه هذه الصفات فهو مؤمن، ولا يضر معها ترك الطاعات وارتكاب المعاصي، بل ولا يعاقب عليها صاحبها، يعني: لو أن العبد عرف الله تعالى وأحبه وخضع له وذل فإن أتى بعد ذلك بجميع المعاصي فإنه لا يعاقب عليها. وهذا كلام كله ضلال؛ لأن إبليس كان عارفاً بالله تعالى، والمرجئة لم يكفروا إبليس لكفره بالله ، وإنما كفروه لاستكباره وترك الخضوع لله تعالى، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]. هذه الفرقة الأولى، وكلامها كله تخبيط وخلط.

стр. 984

من فرق المرجئة العبيدية الفرقة الثانية من فرق المرجئة: العبيدية، وهم أصحاب عبيد المكتب، وهؤلاء قالوا بنفس مقولة اليونسية، وزادوا عليها أن علم الله تعالى لم يزل شيئاً غير ذاته، وكذلك باقي صفات المولى ﵎، وهذا كلام يخالف كلام أهل السنة.

стр. 985

تشبيه العبيدية للخالق بالمخلوق والرد على أدلتهم قالت العبيدية: إن الله تعالى على صورة إنسان، يعني: قالوا: إن الله تعالى إنسان، وعلى صورة إنسان، ولكنه أجمل وألطف وأطيب وأطهر من الإنسان، وهذا بلا شك تمثيل في غاية القبح، واستندوا في هذا الكفر الذي أتوا به إلى قول النبي ﵊: (إن الله تعالى خلق آدم على صورته)، وهذا الحديث في الصحيحين، وفي رواية خارج الصحيحين: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن). وهذا حديث مشكل، وبعض أهل العلم ضعف رواية الرحمن، ولكن الصحيح من مذاهب المحدثين أن الحديثين صحيحان. فقوله: (إن الله خلق آدم على صورته) أخرجه الشيخان، ومناسبته: أن معاوية بن الحكم السلمي لطم جاريته، ثم ذهب يسأل النبي ﵊ عن كفارة ذلك، فقال النبي ﵊: (لا تضرب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته)، فقال بعض أهل العلم: الضمير في قوله: (صورته) يعود على وجه المضروب، وربما يكون الأمر كذلك، ولكن الرواية الأخرى: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن) يعكر هذا التفسير، وقال المحققون من أهل السنة: إن الله تعالى له ذات وله صورة، وإن العبد له ذات وله صورة، فيكون التقدير: لا تضرب الوجه؛ فإن الله تعالى خلق هذا الوجه وصوره في صورة بمشيئته وقدرته، كما أن لله تعالى صورة تليق بجلاله وكماله. إطلاق لفظ الصورة على الله أمر اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وليس إثبات الصورة لله يساوي إثبات الصورة للعبد، كما أن إثبات الصورة للعبد لا تعني بذلك أنه شبيه ومثيل لله في صورته.

стр. 986

قاعدة في اللفظ المجرد واللفظ المطلق وتطبيقها في مسألة الصفات اللفظ المجرد دائماً يراد به المعنى المطلق المتبادر إلى الأذهان، بخلاف ما لو قيد هذا اللفظ المطلق، فإذا قلت: يد، تبادر إلى ذهن المستمع يد الإنسان، ولكنه لا يتصور أنها يد محمد أو يد إبراهيم أو يد زيد أو يد عمرو؛ لأن هذه الكلمة مفردة مطلقة غير مقيدة، ولكن لو قلت: يد الله فقد أضفت اليد لله ، وعند إطلاق هذه اليد مقيدة ومضافة لله لا يمكن قط أن يخطر ببال وعقل إنسان تصور ولا تمثل لهذه اليد؛ لأنها يد الإله ﵎، وكما خفيت ذاته ﵎ عن أفهام خلقه فكذلك لابد أن تخفى صفاته عن أفهام خلقه، وإذا قلنا: يد محمد تصورنا يد محمد، ولو قلنا: ضرب عمرو زيداً بيده لم نجد عناء في تصور اليد وتصور الضرب، لأن يد عمرو يد مخلوقة يستوي معها كثير من أيدي المخلوقين، وأما لو قلت: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فهذا فيه إضافة اليد لله ، ولا يمكن أن نتصور يد الله ، ولكن هناك قدر مشترك، فإن لله يداً ولمحمد يداً، فالقدر المشترك أن لكل منهما يداً، ولكن عند الإضافة لابد أن تختلف يد الله عن يد محمد، ولذلك لو قلنا: يد فقط لشردت الأذهان إلى تصور اليد وتمثيلها وتكييفها، ولو أضفنا هذه اليد إلى الله فإن الأذهان تتوقف تماماً ولا تخوض في الكيفية، ويحرم عليها التصوير والتمثيل، ولابد أن نثبت أن ليد الله ﵎ صورة لا يعلمها إلا الله، أما يد محمد فأنا أتصورها وأكيفها وأمثلها وأصورها، فالصورة في اللغة هي الذات المتصفة بالصفات. والحق ﵎ له ذات وله صفات، وآدم له ذات وله صفات، واللغة عند تجردها تكون عامة في الاستخدام بين الله وبين الخلق، مثلما لو قلت: عين مطلقة ومجردة ومفردة، فهي في اللغة تعني: العين الباصرة التي يبصر بها المرء، وتعني: الفهم أحياناً، وتعني: الجاسوس والمخبر، وتعني: العين التي ينبع منها الماء، فكل هذه يطلق عليها عين عند التجرد، وأما لو أضفت هذه الكلمة فقلت: عين محمد فيكون المقصود بالعين هنا عين محمد، ولو قلت: عين الله كما في قول الله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، فالضمير في (عيني) يعود على عين الله، ولا يستطيع أحد أن يصف عين الله؛ لأنه لا يعلم كيفيتها إلا الله . فاللغة عند تجردها عامة الاستخدام بين الله وبين الخلق. فلما قال ﷺ : (خلق الله آدم على صورته) أي: في القدر المشترك؛ لأن هذه الألفاظ متجردة عن الإضافة، وصورة آدم بينها وبين الحق ﵎ ما دل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. وصفة اليد عند التجرد صالحة للاستخدام في حق الله وحق آدم، ولكنها لو أضيفت إلى الله فليست هي يد آدم، ولو أضيفت إلى آدم فليست هي يد الله.

стр. 987

القدر المشترك والقدر الفارق بين الموصوفات قال ابن تيمية عليه رحمة الله: ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر فارق، وهذا القدر المشترك يكون عند التجرد والإفراد، مثل لو قلت: يد، فهي عند الإطلاق تصدق على يد الله وعلى يد آدم، وأما عند التقييد والإضافة مثل قولنا: يد الله فهذه الإضافة تخرج يد آدم، ولو قلنا: يد آدم فإنه يخرج منها يد الله . فالقدر المشترك بين يد الله ويد آدم هو الاسم فقط، والقدر الفارق أن يد الله تختلف عن يد آدم. وهذا حتى في الفاكهة ففي الجنة تفاح ورمان وزيتون، والتفاح والزيتون والرمان الذي في الجنة لا يشترك مع التفاح والزيتون والرمان الموجود في الدنيا والذي نأكله نحن الآن إلا في الأسماء، فالذي في الجنة غير الذي في الدنيا، ففي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهذا يدل على أن الاشتراك بينهما في الاسم فقط، وأما الكنه والكيفية فتختلف تماماً، ففاكهة الدنيا وإن اشتركت مع فاكهة الآخرة ونعيم الجنة في الاسم إلا أنها تختلف عنها في الكيفية، ومن باب أولى أن تختلف الأوصاف المخلوقة في الدنيا مع أوصاف الخالق ﵎، فما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، وهذا القدر المشترك يكون في الاسم، والقدر الفارق يكون في الأوصاف والكيفيات. يقول ابن تيمية: فمن نفى القدر المشترك فقد عطل، فالمعطلة والجهمية قالوا: لو أثبتنا لله يداً وعيناً ورجلاً وغير ذلك فسيكون في النهاية إنساناً، ولذلك نفوا جميع الصفات، والنفي بمعنى التعطيل، أي: عطلوا الخالق ﵎ عن صفاته، فقالوا: هو ذات بغير صفات، مع أنه لا يمكن تصور ذات بغير صفات خاصة، والله ﵎ قد وصف نفسه ووصفه رسوله الكريم ﵊ بصفات عديدة. فمن نفى القدر المشترك فقد عطل، ومن نفى القدر الفارق فقد مثل، يعني: لا نقول: إن يدي كيد الله ﵎، وعيني كعين الله ﵎، فهذا تمثيل. وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية كلام ممتع ورائع جداً، وقل أن تجده في كتاب أو تسمعه من عالم إلا إذا كان قد أتى بعده واستفاد منه، فهو يقول: ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق، فمن نفى القدر المشترك فقد عطل، ومن نفى القدر الفارق فقد مثل. فلو علمت هذه القاعدة وعرفت معناها فستكون إن شاء الله عصمة لك في كل أسماء وصفات الباري ﵎.

стр. 988

الرد على من قدر عود الضمير على آدم في حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) من قدر عود الضمير في قوله ﷺ : (صورته) على آدم تقديره مردود من ناحيتين، الأولى: لأن المعنى يكون حينئذ: إن الله خلق آدم على صورة آدم. وهو كلام غير بليغ ولا فصيح، ولا يليق بكلام النبوة ولا بالنبي الذي أوتي جوامع الكلم. الثاني: أن هذا التقدير لا يبين القدر المشترك والقدر الفارق للصورة، والذي تقدم بسطه آنفاً. والذين استبشعوا لفظ صورة الرحمن قالوا: لأنه يلزم من هذا تشبيه الله بخلقه، وليس الأمر كذلك، ولا يضرهم أن يثبتوا لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله الكريم ﵊ على ما يليق بجلاله وكماله سبحانه، وتنزيه الله تعالى لا يكون بسلب ونفي صفاته وما تدل عليه من العظمة والكمال كما أراد سبحانه، ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٠]. وإن التنزيه حق التنزيه إنما يكون في إثبات الصفة في أعلى درجات الكمال؛ لأن الكمال المطلق لا يوصف به إلا الله وحده. هذا وإنه ليترجح لدينا مع قلة البضاعة وفقدان الصناعة صحة الحديث بلفظيه، أي: على صورته، وصورة الرحمن، وأن الضمير في اللفظ الأول محمول على التصريح في اللفظ الثاني على أصول السلف في صفات الباري ﵎.

стр. 989

تابع: فرق المرجئة وأصنافهم

стр. 990

من فرق المرجئة الغسانية الفرقة الثالثة من فرق المرجئة هي: الغسانية، وهم أصحاب غسان الكوفي، وهؤلاء قالوا: الإيمان هو المعرفة، ولكنهم زادوا فقالوا: المعرفة بالله وبرسوله إجمالاً لا تفصيلاً. وهذا الكلام في منتهى الخطورة، ودائماً كلام أهل البدع كلام مجمل؛ حتى لا ينتبه له من لا حظ له من العلم. والإجمال مثل أن يقول العبد: قد فرض الله الحج، ولكن لا أدري أين الكعبة، فأنا مؤمن بأن الله تعالى فرض علي الحج، ولكن كيف أحج؟ وأنا مؤمن أن الله ﵎ أمرنا أن نصلي إلى الكعبة، ولكني لا أدري أين الكعبة، فلعلها التي في مكة، ولعلها غير التي في مكة، وأعلم أن الله تعالى حرم الخنزير، ولكني لا أعرف الخنزير، فربما يكون هو هذه الدابة أو هذه الشاة أو غيرها، وأعلم أن الله تعالى حرم الخمر، ولكني لا أعرف الخمر التي حرمها الله ، يعني: أنه يقر بالأصول وينكرها في نفس التوقيت، وهذا تلاعب. والقائل بهذه المقالات عندهم مؤمن، ومقصوده بما ذكره أن هذه الأمور ليست داخلة في حقيقة الإيمان، وإلا فهذه الأمور لا يشك فيها عاقل. والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وإذا كان إنكار أصول الإسلام وثوابت الإيمان عندهم هو تمام الإيمان فكيف يتصور نقصانه وزيادته؟

стр. 991

من فرق المرجئة الثوبانية الفرقة الرابعة: الثوبانية، وهم أصحاب أبي ثوبان المرجئ، وهؤلاء قالوا: الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى وبرسوله وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله، وما جاز في العقل أن يفعله فليس اعتقاده من الإيمان. وقولهم: الإيمان هو الإقرار والمعرفة بالله وبرسوله هذا الكلام لا بأس به، ولكن قولهم: وبكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله الله ولا أن يفعله الرسول غير مقبول؛ إذ إن مرد الإيمان عندهم إلى العقل، فما تصوره العقل في حق الله وفي حق الرسول ﵊ فهو من الإيمان، وما لا يمكن أن يتصوره العقل في حق الله ولا في حق الرسول فليس من الإيمان، فجعلوا العقل حاكماً على الله وعلى رسوله، حتى في الأمور الغيبية. وقال لي شخص من المرجئة سنة (١٩٨٣م): أنا لا أتصور أن الله تعالى خلق السماوات في يومين والأرض في يومين، ولا أتصور أن الله خلق جميع الخلق وقدر السماوات والأرض والأقوات والمخلوقات في ستة أيام، ونازع وأصر أن الله على فرض أنه فعل ذلك فلابد أن يكون يوم الجمعة هو يوم راحته، مع أن القرآن نفى أن الله يكل أو يمل أو يتعب نفياً صريحاً أكيداً، ولكنه أصر على هذا الكفر والعناد. قالت الثوبانية: إن الإيمان هو: أن نؤمن بكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله -أي: أن يفعله الله ورسوله- وما جاز في العقل أن يفعله ليس اعتقاده من الإيمان. ومن أصول المعتزلة الأصيلة تقديم العقل على النقل، ومعنى تقديم العقل على النقل: أن التحسين والتقبيح راجعان إلى العقل، فالذي يحسن ويقبح هو العقل عند المعتزلة، وهو كذلك عند هذه الفرقة الضالة الثوبانية. أما التحسين والتقبيح عند أهل السنة فإنه يستند إلى الشرع، والشرع عبارة عن الكتاب والسنة، والتحسين والتقبيح في الشرع مداره على النقل، فما قضى النقل بأنه قبيح يكون قبيحاً، وما قضى النقل بأنه حسن يكون حسناً.

стр. 992

دليل المعتزلة على قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين والرد عليهم في ذلك استدل المعتزلة على قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين بحديث عبد الله بن مسعود: (ما رآه المسلمون حسناً فهو حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو قبيح)، وهو حديث ضعيف، قالوا فلم يقل: ما قضى الله ورسوله أنه قبيح يكون قبيحاً، وما قضى الله ورسوله أنه حسن يكون حسناً، وإنما قال: (ما رآه المسلمون حسناً فهو حسن)، وفي رواية: (ما رآه المؤمنون حسناً فهو حسن، وما رآه المؤمنون قبيحاً فهو قبيح). وهذه شبهة المعتزلة، فهم يستدلون بهذا الحديث، ويهتمون ببيان صحته وثبوته، ولو افترضنا أن الحديث صحيح فمعناه ما رآى المسلمون اجتهاداً منهم أنه حسن، فيكون الحكم على الشيء بأنه حسن موافق للشرع، ولا يكون هذا إلا باجتهاد المجتهدين. ومعنى المؤمنون في الحديث أي: المجتهدون من أهل العلم، فما أجمع عليه العلماء أنه حسن فهو حسن، فيكون حسناً بتحسين الشرع. وقد أجمع العلماء على تحسين الصلاة، وأنها من الأعمال الحسنة الطيبة، وإجماعهم على تحسين الصلاة وأنها من العمل الحسن الطيب المبارك مرده إلى الشرع. وأجمعوا على قبح شرب الخمر، وهذا الإجماع مرده إلى الشرع. إذاً: فما رأى المسلمون باجتهادهم وإجماعهم أنه حسن بتحسين الشرع له فهو عند الله حسن، وما رأى المسلمون المؤمنون المجتهدون العالمون أنه قبيح بتقبيح الشرع له فهو عند الله قبيح. فمدار الحسن والقبح عند أهل السنة والجماعة على النقل لا على العقل خلافاً للمعتزلة، وبذلك تزول شبهة المعتزلة حول حديث ابن مسعود، وللشيخ الألباني بحث طيب جداً في هذا في السلسلة الصحيحة بإمكانك أن ترجع إليه.

стр. 993

مشابهة عقائد الثوبانية لعقائد المعتزلة قال: والثوبانية يرون تأخير العمل كله عن الإيمان، يعني: أنه لا علاقة للعمل قط بالإيمان، لا عمل القلب ولا عمل اللسان ولا عمل الجوارح؛ لأن العمل عندهم خارج عن مسمى وماهية الإيمان، واتفقوا على أنه تعالى لو عفا يوم القيامة عن عاص فلابد أن يعفو عن كل من هو مثله، يعني: لو أن الله ﵎ عفا عن زان أو سارق أو شارب للخمر فعلى مذهب الثوبانية يلزمه لزوماً أن يعفو عن كل من هو مثل هذا المذنب أو العاصي. وهذا المبدأ عند الثوبانية يشبه مبدأ جبرية المعتزلة، وهذا المبدأ عند المعتزلة يسمونه العدل، وهو من أصولهم. وأصول المعتزلة خمسة، أولاً: التوحيد. ثانياً: العدل. ثالثاً: المنزلة بين المنزلتين. رابعاً: الوعد والوعيد. خامساً: تقديم العقل على النقل. وهناك أصل سادس يدخل تحت الوعد والوعيد وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والناظر إلى هذه الأصول يجدها جيدة، يعني: إذا قلنا: من أصول المعتزلة التوحيد فليس هناك من يكره التوحيد، ولكن التوحيد عندهم يساوي تعطيل الصفات؛ لأنهم قالوا: بلزوم التشبيه حين إثبات الصفات، فقد قالوا: نحن نريد أن ننزه ربنا، فنفوا جميع الصفات الموجودة في الكتاب والسنة وأولوها، قالوا: لأن الإثبات يستلزم تشبيه الخالق بالمخلوق، فمثلاً إذا أثبتنا اليد فإن الذهن ينصرف إلى تشبيه يد الخالق بيد المخلوقين، وإذا قلنا بهذا فنحن لم نوحده، بل جعلنا الخلق شركاء له في الصفات، فكلمة التوحيد التي يزعمونها أصلها ضلال. ومن أصول المعتزلة العدل، وهو يعني عندهم وجوب الأصلح على الله ، وقيل: وجوب الصالح، يعني: أنهم مختلفون فيما بينهم، فالعدل عندهم يساوي وجوب الأصلح في حق الله أو وجوب الصالح، وكلاهما باطل. والله ﵎ لا يشرع لعباده إلا الأصلح أو الصالح، ولا يقدر لهم إلا الأصلح أو الصالح. وقالوا: بوجوب إثابة المطيع ومعاقبة العاصي، وأن هذا عدل، وأن الله ﵎ لا يساوي بين الطائع والعاصي، بل الطائع لزاماً على الله أن يثيبه، والعاصي لزاماً على الله أن يعاقبه، وهذه جرأة وقلة أدب مع الله . وأهل السنة والجماعة يقولون: لو مات مرتكب الكبيرة عليها فإنه في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، والله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فهو يفعل ما يشاء، فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، وأن هذه كلها مشيئة الله ، ولا يستطيع أحد أن يحاسب الله تعالى لم أثاب هذا ولم عاقب هذا، بل المقطوع به يقيناً عند أهل السنة والجماعة: أن الله تعالى لو أدخل عبداً الجنة لأدخله برحمته وفضله، ولو أدخله النار لأدخله بعدله غير ظالم له، وأنه إذا عفا ﵎ عن عبده فإن ذلك يكون لحكمة؛ لأن أفعال الله ﵎ كلها موصوفة بالحكمة. وهؤلاء قالوا: العدل يعني: أن الطائع لابد أن يأخذ ثواب الطاعة، ونحن نسألهم: إذا رأينا رجلاً يصلي لغير الله، ومعلوم أن الصلاة طاعة، أو يصلي رياء وسمعة، وآخر يجاهد رياء وسمعة، وآخر يعلم العلم رياء وسمعة وطلباً للشهرة والرئاسة وغير ذلك، هل يلزم الله ﵎ أن يثيب هذا العبد؛ لأنه طائع؟ الجواب لا، والأعمال بالخواتيم، ونحن نعرف حديث ابن مسعود الطويل: (وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار -أي: طوال حياته- فإذا ما كان بينه وبينها إلا ذراع -يعني: وقت يسير جداً- سبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). والمعتزلة يقولون: لا، إذ كيف يعمل خمسين سنة بعمل أهل النار من المعاصي والفجور وغير ذلك ثم قبل أن يموت بيومين أو ثلاثة يعمل بالطاعة ويدخل الجنة؟ بل لابد أن يأخذ عقابه تماماً على معاصيه طوال الخمسين السنة، وبعد ذلك يثاب على طاعة اليومين أو الثلاثة، مع أنه جاء في الحديث: (الأعمال بالخواتيم). فهم قالوا بلزوم الأصلح في حق الله أو بلزوم الصالح، ووجوب إثابة الطائع وعقاب العاصي على الله ، وأوجبوا ذلك على الله . وهذا المبدأ يسمى عند المعتزلة مبدأ العدل. وكلمة العدل عند الإطلاق ممدوحة، ولكنها على تفسيرهم صارت مذمومة، وهذا من أجل أن تعلم أن كلام أهل البدع دائماً مجمل؛ لأنهم لو شرحوه وبينوه فسيكون قبيحاً وسيرد عليهم في ذلك. واتفق الثوبانية على أنه تعالى لو عفا في القيامة عن عاص فإنه يلزمه أن يعفو عن جميع العصاة من أمثاله، وكذا لو أخرج أحداً من النار للزمه أن يخرج كل من هو مثله. وهذا الكلام شبيه بمبدأ العدل عند المعتزلة. والثوبانية لم يجزموا بخروج عصاة المؤمنين من النار، بل قالوا: يمكن أن يخرجوا ويمكن ألا يخرجوا. وكلمة يمكن أنهم لا يخرجون تعني: أنهم قد يخلدون في النار، وأهل السنة والجماعة يجزمون بأنه لا يبقى في النار قط من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وإن دخل بعض المؤمنين النار بسبب أعمالهم التي استوجبت لهم العذاب في النار فإنهم لابد خارجون منها، وداخلون الجنة ومخلدون فيها، ولا يخلد في النار إلا الكفار والمنافقون، وأما المؤمنون فإنهم وإن دخلوا الن

стр. 994

من فرق المرجئة التومنية الفرقة الخامسة والأخيرة من فرق المرجئة هي: التومنية وهم أصحاب أبي معاذ التومني، وهؤلاء قالوا: الإيمان هو المعرفة والتصديق والمحبة والإخلاص والإقرار بما جاء به الرسول ﵊، وترك كله أو بعضه كفر، وليس بعضه إيماناً ولا بعضه كفراً. قالوا: ولو ترك كل ما جاء به الرسول يكون كافراً، وكل معصية لم يجمع على أنها كفر فصاحبها يقال له: فاسق، أو يقال: إنه فسق، أي: ارتكب عملاً من أعمال الفسق، ومن ترك الصلاة مستحلاً يكفر؛ لتكذيبه بما جاء به النبي. وقولهم: ومن ترك الصلاة مستحلاً يكفر هذا معتقد أهل السنة والجماعة، ولكن علة الكفر عندهم هو تكذيب ما جاء به الرسول ﵊، ومن تركها بنية القضاء لا يكفر، ومن قتل نبياً أو لطمه يكفر، لا لأجل القتل أو اللطم، بل لكونه دليلاً على تكذيبه وبغضه. وهذه هي المرجئة الخالصة. ومنهم من جمع بين الإرجاء والقدر، بمعنى إسناد الأفعال إلى العباد، وقال: إن الله لم يقدر أفعال العبد، وإن العبد هو المتصرف في أفعاله، وأنها ليست مخلوقة لله ، وهذا ضلال، ومن هؤلاء الصالحي وأبي شمر ومحمد بن شبيب، بل منهم من جمع إلى ذلك الخروج أيضاً كـ غيلان حيث قال: يجوز ألا يكون الإمام قرشياً، يعني: يجوز أن يكون من غير قريش، والنبي ﵊ يقول: (الأئمة من قريش).

стр. 995

بعض ما يرد به على المرجئة روى اللالكائي عن زبيد بن الحارث اليامي قال: [لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل فحدثني عن النبي ﷺ قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). قال شعبة: وحدثني منصور بن المعتمر وسليمان الأعمش أنهما سمعا أبا وائل يحدث عن عبد الله عن النبي ﵊ قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر). قال شعبة: فذكرت ذلك لـ حماد بن أبي سليمان -وهو شيخ أبي حنيفة، وكان رأساً في الإرجاء في الكوفة- فقال حماد لـ شعبة: يا شعبة! أنت منا إلا قطرة؛ لأن حماد بن أبي سليمان كان من كبار المرجئة، وهو شيخ أبي حنيفة، بل وأبو حنيفة ﵀ أخذ بعض الإرجاء عن حماد بن أبي سليمان، وهذا مما عيب عليه، فأراد حماد بن أبي سليمان أن يجر شعبة إلى الإرجاء]، فقال: يا شعبة! أنت منا لولا قطرة، يعني: نحن وأنت متفقون في كل شيء، لولا أنك تخالفنا في هذه القضية، أي: قضية العمل هل هو من الإيمان أو ليس من الإيمان، فيا ليتك تقول: إنه ليس من الإيمان، فتكون منا تماماً، وأما كونك تخالفنا في هذه القضية فأنت منا ونحن منك في كل شيء إلا في هذه القضية. قال: [قال شعبة: أتتهم زبيداً؟ قال: لا، قال: أتتهم منصوراً؟ قال: لا، قال: أتتهم سليمان؟ قال: لا، ولكني أتهم أبا وائل] وهو شقيق بن سلمة الكوفي تلميذ عبد الله بن مسعود ﵁، فقد كان متهماً بالإرجاء كذلك، يعني: أن الإرجاء كان من القدم، فـ أبو وائل كان من كبار أصحاب عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن مسعود مات مبكراً بالكوفة، وأكبر تلاميذه على الإطلاق أبو وائل كان مرجئاً.

стр. 996

ترفع السلف عن كلام المرجئة قال: [قال أبو المليح: سئل ميمون بن مهران عن كلام المرجئة فقال: أنا أكبر من ذلك]، يعني: أنا أكبر من أن أتكلم في كلام المرجئة، يعني: كلامهم سخيف ليس عليه أحد من سلف الأمة، ولذلك أنا أجل نفسي أن أتكلم فيه. قال: [وعن قتادة قال: إنما حدث هذا الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث]، وابن الأشعث مات في سنة (٨٢) في قتال دار بينه وبين الحجاج بن يوسف الثقفي. قال: [وقال جرير: ذكر الإرجاء عند سليمان بن مهران الكوفي الأعمش فقال: ما ترجو من رأي أنا أكبر منه]، يعني: لا أتكلم في مثل هذا؛ لأنه أسخف من أن نتكلم فيه. قال: [قال جرير: وكان المغيرة يقول: أخبرنا حماد بن أبي سليمان قبل أن يصير مرجئاً، وربما قال: حدثنا حماد من قبل أن يفسد]، فالمؤلف في هذا الباب يريد أن يقول: إن الإرجاء قديم جداً في القرن الأول الهجري؛ لأنه يذكر عن أبي وائل وحماد بن أبي سليمان، وكل هؤلاء من أبناء القرن الأول الهجري. قال: [عن المغيرة قال: لم يزل في الناس بقية -أي: بقية خير- حتى دخل عمرو بن مرة في الإرجاء، فتهافت الناس فيه]. وعمرو بن مرة هو المرادي، وكان رجلاً عابداً صالحاً أثنى عليه العلماء، وإنما عيب عليه دخوله في الإرجاء، حيث كان دخوله في الإرجاء فتنة عظيمة جداً لغيره، فمثله في علمه وفضله وصلاحه إن أظهر قولاً أو عمل عملاً فإنه يؤثر في اتجاه العامة. فـ عمرو بن مرة المرادي على جلالة قدره وعلو منزلته في العلم والعمل والزهد والعبادة والصلاح والتقوى دخل في الإرجاء، وكان قد بلغ منزلة في العلم والعمل لم يبلغها أحد في زمانه، فلما دخل في الإرجاء ظن العامة أن الإرجاء حق، فلما زلت قدم عمرو بن مرة المرادي في الإرجاء زلت بزلته أقدام كثيرة، ولذلك دائماً أهل العلم يقولون: زلة العالم بزلة عالم، ودائماً كلام وعمل أهل العلم محسوب عليهم. وأنا لست من أهل العلم، وأحد ضباط الجيش كان صديقاً لي منذ أن كنا أطفالاً رضع، فهو ينظر إلى عملي ولا يسألني، ففوجئت بوالده -وهو بلدي- يقابلني في المنصورة، ويقول: يا شيخ حسن! أريد أن أسألك سؤالاً وأرجو ألا تتحرج مني وأن تجيبني بصراحة، فقلت له: تفضل، قال: المرآة حلال أم حرام؟ قلت: المرآة حلال، ومن الذي حرمها؟ فسكت، قلت له: لابد أن تخبرني؛ لأن في بلادنا جميع أنواع البدع، فأريد أن أعرف من القائل، قال: إن هذا الكلام منقول عنك، قلت: منقول عني؟ قال لي: قاله ابني علي، فقابلت علياً وهو عقيد في الجيش، يعني: أنه ليس بسيطاً، فقلت له: يا علي! أنا حرمت المرآة؟ فاصفر وجهه، وقال: يا شيخ! أنا دائماً أدخل عندك وأنت تدخل عندي وعندما أدخل عليك لا أرى عندك مرآة قط، قلت: وهل يلزمني أن أضع المرآة في غرفة الضيوف؟ وأدخلته غرفة النوم وغرفة الأولاد وهنا وهنا، وقلت له: انظر، عد المرايا، بل الدولاب في غرفة النوم في داخله مرايا، حتى إذا لبس الشخص الملابس لا يتكلف الذهاب إلى مرآة أخرى. فهذا حرم المرآة على أهل بيته؛ لأنه لم يسأل، وإنما رأى أن أحداً ممن يظنه من أهل العلم لا يوجد عنده مرآة، فظن أنها محرمة، ودائماً العلماء يقولون: العامة يتورعون في الحلال والحرام، وأما أهل العلم فيجب أن يتورعوا في باب المباح؛ لأن الناس ينظرون إليهم على أنهم القدوة والأسوة والمثل الأعلى. فينبغي على أهل العلم أن يحتاطوا دائماً في أقوالهم وأفعالهم، ويتورعوا عن المباح؛ مخافة أن يقع الناس فيما هو أعظم من ذلك وشر. قال: [قال أيوب: أنا أكبر من المرجئة، يعني: أنا أكبر من أن أصاحبهم وأجالسهم وأتكلم فيهم. وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: الحسن بن محمد بن علي أمه جمال بنت قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف بن قصي أول من تكلم في الإرجاء. وقال مسعر: رأيت مسلم البطين يهجو المرجئة، يعني: يقول فيها شعراً يذمها، فقلت له: سبحان الله! وقال عبد الله بن نمير: سمعت سفيان وذكر المرجئة، فقال: رأي محدث أدركت الناس على غيره]، رأي محدث، أي: مذهب المرجئة مذهب محدث، رأيت الناس -أي: سلف الأمة- على غير هذا. قال: [قال الحسن بن وهب الجمحي: قدم علينا عبد العزيز بن أبي رواد وهو شاب يومئذ ابن نيف وعشرين سنة -وكان من العلماء الصالحين جداً ومن العباد والثقات الأثبات في الرواية- فمكث فينا أربعين أو خمسين سنة لا يعرف بشيء من الإرجاء -يعني: لا أحد يعلم عنه أي خلل في اعتقاده- حتى نشأ ابنه عبد المجيد -يعني: حتى

стр. 997

الأسئلة

стр. 998

حسن العشرة مع الزوجة السؤال ما نصيحتكم للزوج الذي يظهر لزوجته الحدة وسوء الخلق، ويعاملها بمنتهى العنف والشدة؟ الجواب المؤمن أو الحر تكفيه الإشارة، والعبد يقرع بالعصا، وربما لا تنفع معه العصا، فالحر المؤمن الواعي يكفيه أن تقرع سمعه بقال الله وقال رسوله، والله تعالى يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢]. فالإمساك دائماً -أي: الإبقاء على الزوجة دائماً- يكون بالمعروف، ولما سئل معاوية بن حيدة النبي ﵊ عن حق الزوجة بقوله: (ما حق امرأة أحدنا علينا يا رسول الله؟! قال: أن تعاشرها بالمعروف، وأن تطعهما مما تطعم، وتلبسها مما تلبس، وتسكنها مما تسكن، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح). وفي حديث جابر في صحيح مسلم في حجة الوداع ذكر هذه الحقوق كذلك، فقال: (ولكم عليهن ألا يأذن في فرشكم لأحد تكرهونه)، وقال النبي ﵊: (النساء شقائق الرجال). فكل هذه النصوص تبين أنه يلزم الرجل أن يعامل امرأته بالمعروف، كما يجب على المرأة كذلك أن تعامل زوجها بالمعروف وحسن الخلق، فمن تنكب هذا فإنما يتنكب طريق السنة والهداية، وآثر سوء الخلق على حسن الخلق، وربما يكون المشكو منه موجوداً معنا. فأسأل الله تعالى أن ينتفع بهذه الكلمات.

стр. 999

حث الشريعة على الإكثار من الأولاد السؤال هل من الشريعة الإسلامية والسنة النبوية الاكتفاء بولد أو اثنين أم الإكثار من الأولاد؟ الجواب الشريعة حضت على كثرة الولد، ولذلك أوصى النبي ﵊ بنكاح الولود الودود، وقال: (إني مباه بكم الأمم يوم القيامة)، وقال النبي ﵊: يأتي النبي ومعه الرهط، ويأتي النبي ومعه الفئة، ويأتي ومعه العشرة، ويأتي ومعه الاثنان، ويأتي النبي وليس معه أحد، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة. فالإكثار من الأولاد سنة النبي ﵊.

стр. 1000

حكم الزكاة على مبلغ (١٤٠٠) جنيه السؤال عندي أموال عمرة ألف وأربعمائة جنيه، هل عليها زكاة؟ الجواب ليس على هذا المال زكاة؛ لأن هذا المال لم يبلغ النصاب.

стр. 1001

الكتب التي تتحدث عن كيفية تحديد القبلة، وكيفية تحديد القبلة لمن يعيش في بلاد المشرق السؤال ما هي طرق العرب أو المسلمين في التعرف على القبلة، وما هي الكتب التي تتحدث عن هذا؟ الجواب لا أعرف كتباً خاصة في مثل هذا، ولا يخلو الأمر من إخراج كتب، وهذا يوجد في شروح النصوص المتعلقة بمعرفة القبلة، وجهة القبلة في بلاد المشرق أن يقف الإنسان ووجهه جهة الشمال ويده اليسرى جهة طلوع الشمس ويده اليمنى جهة الغروب ثم يميل بزاوية خمسة وأربعين درجة جهة الشمال.

стр. 1002

الأحكام تجرى على الظاهر السؤال أخت تقول: إنها لم تكن ملتزمة من قبل، فمن الله عليها بالهداية، وحاولت مع زوجها مراراًً أن يلتزم، وهو يتصنع الصلاة أمامها، فما العمل؟ الجواب أنت غير ملزمة بالبحث والتنقيب عن مثل هذا، ويكفي أنه يصلي، وأما كونها تذهب معه أو تذهب وراءه إلى العمل وتسأل زملاءه هل يصلي أو لا يصلي وتسأل الجيران وغير ذلك فهي ليست مطالبة بهذا، وأما كونه يتصنع لها الصلاة أو يصلي لأجلها فهذا أمر لا يعلمه إلا الله ، ولذلك نحن مأمورون بإجراء الأمور على الظاهر والله تعالى يتولى السرائر. وهناك كثير من الإخوة يسألون أسئلة لا ينبني عليها عمل، وهذا باب من أبواب التنطع، فمثلاً أحدهم يسأل ما اسم أم موسى؟ وما له وأم موسى؟ فهو لن يسأل عنها يوم القيامة، ولو عرف أن اسمها زليخة أو زينب أو فاطمة فما الداعي لهذه المعرفة؟ وهناك من يسأل وهو مهتم وحزين ومغموم وسيموت كمداً إن لم يعرف اسم كلب أصحاب الكهف، مع أنه مطالب بالإيمان أن هؤلاء الناس الطيبين كان معهم كلب فقط، وليس مكلفاً بمعرفة اسمه، ومع ذلك فهو مغموم بشدة وحزين ومستاء غاية الاستياء، وقد وضع في رأسه هم الدنيا لمعرفة اسم الكلب!

стр. 1003

العقيدة في كتب الأزهر السؤال ذكر في كتاب التوحيد في المدارس أن اليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] تعني: قوة الله فوق أيديهم، فهل هذا صحيح؟ الجواب أنصح الإخوة ألا يقرءوا نهائياً في العقيدة في كتب الأزهر؛ لأنها عقيدة الأشاعرة، وهي بلا شك عقيدة فاسدة.

стр. 1004

الحجة في تعدد الزوجات ولمن يكون، وضوابط التعدد، وحكم الطلاق السؤال ما الحجة في تعدد الزوجات؟ الجواب الحجة كتاب الله وسنة النبي ﵊ وفعله، وفعل الصحابة والسلف إلى يومنا هذا، وليس هناك حجة أفضل من ذلك. وأنا عندما تكلمت في مؤتمر مسجد العزيز وعلقت تعليقاً سريعاً عن تعدد الزوجات استاء الناس مني، ومن سوء الأدب الشديد جداً أن يتكلم رجل في مسألة فيتلقفها المستمع ويؤولها حسبما يراه، فأنا عندما تكلمت في مؤتمر العزيز عن الطلاق وأنه شريعة الله قلت: الطلاق الأصل فيه المنع والحظر، وبينت بالدليل أن الأصل في النكاح الدوام والاستمرار والطلاق طارئ عليه، وهو استثناء له من البقاء، ولذلك لا يصار إليه إلا لعلة، وبعد استنفاد الوسائل المشروعة في قيام البيت، وكما يقال: آخر الدواء الكي، أي: أننا لم نتزوج لنطلق، وإنما تزوجنا لنستمر، ويقطع هذا الاستمرار علة قوية لا ينفع معها البقاء. فلابد من اختيار الزوجة على أصل سليم، وتربيتها على كتاب الله وسنة الرسول ﵊، وتعليمها وتثقيفها بأمر دينها وحق زوجها، ولو دفع ما دفع من المهر. وليست هذه هي القضية، وإنما القضية الآن أن البيت الواحد الذي يعيش في مستوى الدون يصرف أهله في اليوم عشرة جنيهات، أي: ثلاثمائة جنيه في الشهر، وممنوع أن يطرق الضيف الباب؛ لئلا تختل الميزانية. فلا يصح أن أقول لشخص دخله مائتي جنيه في الشهر وهو متزوج وعنده ثلاثة أو أربعة أولاد يفطرون فولاً ويتغدون فولاً ويتعشون فولاً: إن عليك الزواج مرة أخرى، ولو لم تتزوج فأنت آثم ومكذب للقرآن والسنة. وبعض الناس كتب كتباً يقول فيها بوجوب تعدد الزوجات، وعندما يقرأ شخص هذه الكتب يتزوج حتى ينجو من الإثم، ثم يتابع الزواج بعد ذلك، ثم يفاجأ بواقع مرير، فهو يتقاضى مائتي جنيه أو ثلاثمائة أو حتى خمسمائة جنيه، وهذا المبلغ لا يقيم بيتاً، ولو افترضنا أن هذا يقيم في بيت وعنده أربعة أولاد في المدرسة، وكل ولد مصروفه في كل يوم نصف جنيه في المدرسة، واثنين أو ثلاثة جنيه للإفطار فهذا المبلغ لن يكفي الأولاد عشرة أيام في الشهر، فإذا تزوج امرأة أخرى فكيف سيصنع معها ومع أولادها ومع استئجار بيت لها. ويعلم الله أنني دائماً أنصح من يريد الزواج والظروف تسمح له بذلك بالزواج. ولا يحل للشخص المدين والمغرق في الدين الزواج. والنبي ﵊ قال: (يا معشر الشباب)، والمعلوم من الخطاب لأول وهلة أنه للزواج الأول، فلم يقل له: يتوكل على الله إذا كان ليس له دخل، ولم يقل له: اذهب وتزوج صاحبة المغزل كما في الحديث الموضوع الذي يحتجون به، فإذا كانت الباءة والقدرة عليها مشروطة في الزواج الأول فمن باب الأولى أن تكون مشروطة في الأنكحة المتعاقبة أو المتعددة. وأقسم بالله العظيم أن هناك اثنين وعشرين بيتاً مسجلين عندي في دفتر الذي انهار منهم قد انهار والذي لم ينهر على وشك الانهيار؛ بسبب أنه صدق بوجوب التعدد، وهناك شخص يعيش أصلاً على أموال الصدقات والزكوات وينتظر الصدقة من الناس، ثم فوجئت بأنه تزوج الثانية، فلما نصحناه قال: أبو الأشبال يحارب التعدد، وهو الآن بصدد طلاق امرأتيه، وهذا مثل شخص من أصحابنا تزوج امرأة واختلف معها فقال: لابد أن أؤدبها وآتي بامرأة أخرى، فاتفقتا، فتزوج الثالثة فاتفقن على غير قياس، فتزوج الرابعة فاتفقن على غير قياس، فترك الأربع وذهب إلى أمه. وهناك أمثلة كثيرة جداً من المحيط الذي نعيش فيه، وأصحابه يندمون ندماً كبيراً جداً. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، هذا في النكاح الأول. والفقير هو الذي له دخل لا يكفيه، وهو درجات، فذكر في الآية أنهم فقراء، وليس معنى ذلك أنهم معدمون مساكين ليس لهم شيء، بل إن لهم دخلاً، فالله ﵎ يغنيهم إن شاء الله من فضله، هذا في الزواج الأول، وزواج الثانية والثالثة والرابعة لمن كان غنياً يقدر أن يفتح بيتاً واثنين وثلاثة وأربعة، والزوجة الواحدة لا تكفيه، وكانت حاجته إلى النساء شديدة، فله أن يتزوج، وأي إنسان مجنون وليس عاقلاً فقط يقول له: يتزوج. والإمام أحمد بن حنبل لم يتزوج المرة الأولى إلا في سن الأربعين حرصاً على طلب العلم، ولا زلت أسمع أهل العلم وآخرهم الشيخ الألباني عليه رحمة الله يقول: لا أحب تعدد الزوجات لطالب العلم حرصاً على طلب العلم، وأنا أقول هذا الكلام، وأقول: إذا غلب على ظنك أنك لا تعدل بين الزوجتين لم يجز لك تعداد الزوجات، فهذه كلها قيود وشروط. وهذا الذي يدعو إلى تعدد الزوجات يذكر الأمر بغير هذه القيود والشروط، وأنت إذا أردت التكلم عن هذه المسألة فعليك أن تأخذها من جميع جوانبها وشروطها وقيودها، فإذا سمعها شخص قال: أنا لست من أهل التعدد، فأنا أحب امرأتي جداً جداً جداً، ولا يمكن أن أستغني عنها، ويغلب على ظني أني لو تزوجت مرة أخرى فسأظلمها، ولو سمعها رجل فقير جداً لقال: يكفيني واحدة فقط، ويعرف أ

стр. 1005

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - مذهب المرجئة في الإيمان [٢] عقيدة الإرجاء عقيدة فاسدة، حذر منها السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم والصلاح، وذلك لأنها تؤول بصاحبها إلى المجوسية، ولهذا فقد حكم السلف على أصحابها بالضلال، وأوصوا بهجرهم وعدم الجلوس معهم؛ حتى لا تنطلي بدعهم على الناس.

стр. 1006

باب ما روي في تضليل المرجئة وهجرانهم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أما بعد: في الدرس الماضي عرفنا الإرجاء، ومتى ظهر الإرجاء في الأمة. وهذا باب جديد في سياق ما روي مرفوعاً وموقوفاً في تضليل المرجئة وهجرانهم، وترك السلام عليهم والصلاة خلفهم والاجتماع معهم. والمرجئة من المبتدعة، والمبتدع قسمان: فإما أن يكون داعية ضلالة، كأن يكون مؤصلاً لها أو كاتباً داعياً إليها، وإما أن يكون من رعاع أهل البدع يتبع كل ناعق، ولا يدري حقيقة ما هو عليه، وربما يقرأ القارئ كلمات أو نصوصاً في تكفير أهل البدع، ونصوصاً أخرى في عدم تكفيرهم، وقد قال أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية: إن نصوص التكفير إنما تقع على رءوس أهل البدع والدعاة إلى البدعة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما روي في تضليل المرجئة وهجرانهم]، وهجر أهل البدع دائماً هو وصية السلف للخلف. قال: [وترك السلام عليهم والصلاة خلفهم]، أي: لا نصلي خلف مبتدع داع إلى بدعته، خاصة إذا كانت بدعته مكفرة. قال: [والاجتماع معهم] ولا نجتمع معهم مخافة أن تتغير وتتبدل قلوبنا. قال: [عن ابن عمر قال النبي ﵊: (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: القدرية، والمرجئة)]، وكل الأحاديث المرفوعة التي رويت في ذم الإرجاء لم يصح منها شيء، والأمر لا يحتاج إلى التعلق بشيء ثابت عن النبي ﵊ في ذلك بعد أن أجمعت الأمة على أن الإرجاء ضلالة محدثة في الدين، وأن المرجئة فرقة من فرق الضلالة في الإسلام. قال: [وفي حديث حذيفة قال النبي ﵊: (صنفان من أمتي كلاهما في النار)] فهنا حكم عليهما بدخول النار، ولا يعني ذلك أنهم كفار، كما لا يعني أنهم مخلدون فيها أبداً. وقد تكلمنا عن هذا أثناء كلامنا على حديث النبي ﵊: (كلها في النار إلا واحدة هي ما أنا عليه وأصحابي) في معرض كلامه عن فرق الضلالة.

стр. 1007

ملحوظتان حول حديث (كلها في النار إلا واحدة) حديث: (كلها في النار إلا واحدة هي ما أنا عليه وأصحابي) يحتاج إلى عدة ملحوظات. الأولى: قوله ﵊: (كلها في النار) لا يستلزم أنها كافرة؛ لأن عصاة الموحدين كذلك يدخلون النار ولا يخلدون فيها، وإنما أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، وإن شاء عفا عنهم بمنه وكرمه . الثانية: قوله: (كلها في النار إلا واحدة)، أي: إلا فرقة واحدة، وهم أهل السنة والجماعة، وهم الفرقة الناجية، وليسوا هم من علم معنى الأسماء والصفات فقط، أو من لهم موقف سليم سديد من جهة ذات الإله ﵎ وأسمائه وصفاته، وليسوا بالضرورة أنهم الذين أطلقوا لحاهم ولبسوا الثياب البيض وغير ذلك، بل هم من تمسك بما كان عليه النبي ﵊ من جهة العقيدة والأخلاق والسلوك والمعاملات والعلم والعمل، فإذا كنت كذلك فأنت من أهل السنة حقاً، ولا يلزم من تزييك بزي أهل الصلاح أن تكون صالحاً، حتى يعلم أبناء الصحوة أنهم مطالبون بأخذ الدين مظهراً وجوهراً، وأنهم لن يكونوا من أهل السنة على الحقيقة إلا إذا كانوا كذلك، وأما إذا اكتفوا من الإسلام بالظاهر فليسوا من السنة في شيء.

стр. 1008

شرح حديث (صنفان من أمتي كلاهما في النار) يقول ﵊ في حديث ضعيف: [(صنفان من أمتي كلاهما في النار: قوم يقولون: إنما الإيمان كلام وإن زنا وإن سرق)]، أي: هذا المؤمن عندهم؛ لأن العمل عندهم ليس من الإيمان، ولا يدخل في مسمى الإيمان، فاحتجوا بأن الإيمان هو التصديق، فإذا قال الإنسان: آمنت بالله أو شهد الشهادتين وأتى جميع المعاصي فإنه مؤمن؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق بالقلب فقط، ولم يقولوا حتى: الإيمان هو الإذعان. والانقياد والخضوع بالقلب والجوارح، وإنما قالوا: الإيمان هو التصديق فقط. وليس الأمر كذلك، فالإيمان ليس هو الإقرار فقط، ولا الشهادتان فقط، وإنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وهو يزيد وينقص، وزيادته ونقصانه متعلق بالعمل، وسواء كان ذلك عمل القلب أو عمل الجوارح. فقال في الحديث: (قوم يقولون: إن الإيمان كلام)، أي: نطق أو إقرار أو شهادة فقط. قال: [(وإن زنا وإن سرق، وآخرون يقولون: إن أولينا كانوا ضلالاً يقولون: خمس صلوات في اليوم والليلة، وإنما هما صلاتان)]، يعني: حكموا على الأوائل بأنهم أهل ضلالة؛ لأنهم أجمعوا على أن الصلوات خمس في اليوم والليلة، وهؤلاء أي: ضلال القدرية يزعمون أن الصلاة إنما هي صلاتان فحسب، صلاة في أول النهار، وصلاة في أول الليل، وكل صلاة منهما ركعتان، ولا ندري من أين أتوا بهذا الكلام، فإنه من أعجب الكلام. وهذا الكلام من جهة الرفع غير ثابت، وإن ثبت أن بعض الفرق الضالة قالت به فعلاً، وقد ذكرت لكم منذ عدة أشهر أن إيهاب بن حسن الأثري أبو عبد الرحمن صنف كتاباً يذم فيه أهل العلم مثل الشيخ الألباني مثلاً والشيخ ابن باز وغيرهما من أهل العلم، وهو الآن ينكر الصلوات الخمس ويقول: ما هما إلا صلاتان في أول النهار وفي آخره، يعني: أن هذا ما زال موجوداً إلى يومنا هذا. فلا يزال ميراث الفرق الضالة التي ظهرت ونشأت منذ عدة قرون تتوارثه الأجيال إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة؛ لأن الناس في نقصان دائماً، وأعظم النقصان أن يكون في الدين وفي الإيمان.

стр. 1009

ذم الصحابة للمرجئة قال: [جاء عن ابن عباس أنه قال: اتقوا الإرجاء؛ فإنه شعبة من النصرانية]، أي: خصلة منها. قال: [وقال معاذ بن جبل ﵁: لقد لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً آخرهم محمد ﷺ ]. وهذا كلام يحتاج إلى نظر.

стр. 1010

تدرج البدع من الإرجاء إلى المجوسية قال: [قال مجاهد: يبدءون فيكم مرجئة، ثم يكونون قدرية، ثم يصيرون مجوساً]. وهذا في الحقيقة ترتيب وتدرج طبيعي لأهل البدع؛ لأنهم يبدءون بالرجاء في الله ، وهذا الرجاء يحملهم على ترك العمل، ومنهج أهل السنة والجماعة أن الخوف والرجاء جناحا المؤمن إلى الله ، فالخوف يحمله على مزيد الطاعة، والرجاء يحمله على عدم الإياس من رحمة الله ، فهما صنوان لكل عبد يريد أن يسير إلى الله سيراً حثيثاً، وأما إذا غلب جانب الخشية على إنسان وخاصة عند مماته فإنه يلقى الله تعالى آيساً من رحمته، وهذه كبيرة من الكبائر، وإذا غلب على إنسان في حال حياته جانب الرجاء على الخوف فإنه يقع في التسويف وترك العمل، ومعظم الأمة الآن مفرطة عاصية تاركة لفرائض الإيمان والإسلام، إذا ذكرتهم بالله أو بالصلاة أو بالزكاة أو بالحج وهم قادرون على ذلك قالوا: رحمة ربك واسعة، وإن ربك غفور رحيم، فهم يرجون الله تعالى بغير عمل، وفي حقيقة الأمر ليس هذا من باب الرجاء المشروع، وإنما الرجاء أن تعمل ثم ترجو الله تعالى أن يتقبل منك ذلك، كما كان حال النبي ﵊، فقد كان أعبد الناس وأتقاهم وأعلمهم وأخشاهم لربه، ومع ذلك لم يفرط قط ﵊ في عمل سواء كان مفروضاً أو واجباً أو مستحباً أو مندوباً، فقد كان يقوم الليل كله حتى تتفطر قدماه، ويقول: (أفلا أكون عبداً شكوراً)؟ فالنبي ﵊ هو القدوة والأسوة والمثل الأعلى الحسن، وهو الذي ما فرط في عمل قط مهما دق وجل، فينبغي إذا كنا فعلاً صادقين في زعمنا أو قولنا بأننا مؤمنون ومسلمون ومتبعون أن نضع النبي ﵊ نصب أعيننا في المثل والقدوة. فقوله: يبدءون فيكم مرجئة، يعني: يبدءون أول بدعتهم بالإرجاء، وهو تأخير العمل عن مسمى الإيمان وترك العمل بالكلية استناداً واتكالاً على رحمة الله ، وأنها وسعت كل شيء. ثم يكونون قدرية، يعني: ينتقل من الإرجاء إلى القدر، ثم ينتقل من القدرية إلى المجوسية؛ لأن بين القدرية والمجوسية شبه عظيم جداً مثل الشبه بين النصرانية والإرجاء.

стр. 1011

حكم سؤال الشخص أهو مؤمن قال: [عن ابن سيرين قال: سؤال الرجل أخاه: أمؤمن أنت؟ محنة وبدعة]. وهذا كما يمتحن الخوارج الناس. وهذا النص كان أليق به أن يكون في الباب قبل الماضي.

стр. 1012

تحذير إبراهيم النخعي من المرجئة قال: [عن المغيرة قال: كان إبراهيم التيمي يدعو إلى هذا الرأي، أي: إلى الإرجاء، فحدث بذلك إبراهيم النخعي، فأتيته فقال: أخبرني يا مغيرة! هل يدعو إلى هذا الرأي أحداً؟ فإنه حلف لي بالله أن الله لم يطلع على قلبه أنه يرى هذا الرأي، وقد كنت سمعته يدعو إليه]، يعني: أن إبراهيم النخعي جاء إلى إبراهيم التيمي وقال له: بلغني أنك تدعو إلى الإرجاء؟ قال: والله ما دعوت إليه، ووالله ما أنا بمرجئ، فسأل إبراهيم النخعي المغيرة: هل كان إبراهيم التيمي يدعو إلى الإرجاء، فإني قد سألته فأقسم أنه ليس كذلك؟ قال: [فدارى عليه المغيرة وقال: لعله تاب من ذلك، مع أني قد سمعته يدعو إلى ذلك، وقال إبراهيم: لأنا لفتنة المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة]. والأزارقة هم أتباع نافع بن الأزرق، وهو من رءوس الخوارج، فاختلف مع بقية الرءوس في هذه الفرقة، فتنحى وصنع لنفسه فرقة هي أضل فرق الخوارج وأسماها باسمه، وهم الأزارقة نسبة إلى أبيه. وكلام إبراهيم النخعي حقيقة، وصحيح أن كل فتنة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وأن الإرجاء والخارجية مصيبتان حلتا بالأمة، ولكن الإرجاء وجهه حسن لأول وهلة، والخوارج وجههم قبيح لأول وهلة، ولذلك فتنة الخوارج لا يشربها أحد إلا بعد مناظرات ومجادلات وربما تأثر بها فدخل فيها، وأما الإرجاء فشكله جميل؛ لأنه دعوة إلى رحمة الله وإلى فضله ومغفرته وتوبته، وأن الله يتجاوز ويعفو عن المسيء، وهو يعطي الرجاء والأمل للعاصي أن الله لا يعذبه، وهذا أمر يتعلق به كل عاص. وتصور لو أنك وقعت في ذنب أتحب من يتوعدك ويتهددك أو من يؤملك خيراً ويطمئنك على موقفك بين يدي الله ؟ لا شك أنك تحب الثاني. فالمرجئة خرجت على الأمة بهذا الرجاء في الله ، ولكنه زاد وفاق عن الحد حتى أثر في اعتقاد القوم من جهة إتيان العمل المستلزم للإيمان أو الذي هو ثمرة الإيمان الذي وقر في القلب، فتركوا العمل اتكالاً على رحمة الله . قال: [وقال إبراهيم النخعي: تركت المرجئة الدين أرق من ثوب سابري]. وأنا لا أدري من هو سابري هذا، وربما يكون في النص تحريف، فإني لم أطلع عليه إلا في هذا الكتاب وفي هذا النص، ولم أجد من تعرض لتعريفه، وربما يكون رجلاً رقيقاً أو ناعم الملبس أو غير ذلك، فأراد إبراهيم النخعي في الكوفة أن يبين أن فتنة المرجئة إذا دخلت في قلب إنسان فإنما تأخذ دينه عروة عروة وشيئاً فشيئاً حتى تدعه بلا دين، أو لا تدع فيه من الدين إلا الشيء اليسير واليسير جداً، ربما يكون المعنى هكذا. والله أعلم.

стр. 1013

هجر العلماء للمرجئة قال: [عن المغيرة قال: مر إبراهيم التيمي بـ إبراهيم النخعي فسلم عليه فلم يرد ﵇]. وهذا فيه جواز هجر أصحاب المعاصي والبدع الكبار. قال: [وعن سعيد بن جبير -وهو سيد من سادات التابعين ومن تلاميذ عبد الله بن عباس ﵄ قال: المرجئة يهود أهل القبلة]، يعني: يهود أهل الإسلام. قال: [وعن أيوب -وهو ابن أبي تميمية السختياني البصري - قال: رآني سعيد بن جبير وأنا جالس إلى طلق بن حبيب -وكان طلق من أهل البدع- قال أيوب: وما أدركت في البصرة أعبد منه]، أي: من طلق بن حبيب، فجلس أيوب معه لأجل عبادته. قال: [فلما رآه سعيد أنكر عليه ذلك، وقال: لا تجلس معه؛ لأنه يرى رأي المرجئة].

стр. 1014

قاعدة في الحكم على الأشخاص أيها الإخوة! إن الحكم على الأشخاص يستلزم دائماً نظرة عامة له من جهة العلم والعمل، فلا يحكم على إنسان بأنه ضال لمجرد وقوعه في الضلال، ولا يحكم عليه بالاستقامة لمجرد أنه وجد متلبساً بعمل طاعة، بل لابد من نظرة شاملة عامة لما هو عليه من علم وعمل، وأقصد بالعلم الاعتقاد، فالعلم دائماً يطلقه أهل العلم الذين تكلموا في السنة على الاعتقاد، والسنة كذلك إنما تعني الاعتقاد، فإذا كان المرء من جهة العلم والاعتقاد والدعوة على السنة، وكان عاملاً بهذا العلم ويجري هذا العلم على جوارحه فإنه بلا شك على استقامة وإن تلبس بمعصية، وإن وقع في بعض البدع سواء من بدع الاعتقاد أو العمل، أما إذا كان المرء الأصل فيه الانحراف والزيغ والضلال فلا يحكم عليه بالصلاح والتقوى لمجرد أنه قائم بالليل أو صائم بالنهار، أو يصلي في اليوم ألف ركعة؛ لأن الأصل فيه الفساد من جهة العلم والعمل كذلك، فلابد للحكم على الآخرين من نظرة عامة شاملة، فلا يحكم عليه بعدم الصلاح لكونه مثلاً زنى، أو سرق، ولست بذلك أهون من شأن هذه الكبائر والمعاصي، بل أقول: إن هذه المعاصي والكبائر وقعت من سلف الأمة ومن صحابة النبي ﵊، وقد ثبت عنه ﵊ أنه أقام حد الزنا على بعض أصحابه، كما أقام حد السرقة على بعض أصحابه، والحدود إنما وردت للأمة بأسرها، والمخاطب بها أولاً هم أصحاب النبي ﵊، فإذا زنى أحد صحابة النبي ﵊ فلا يعني هذا أنه فاسد، وأنه خارج عن حد الصحبة وعن حد قول الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩]، بل هذه لحظة ضعف تسلط فيها عليه الشيطان، ولا يخرج بهذا عن صلاحه، وإنما نقول: إنه كان غافلاً ساهياً، فتسلط عليه الشيطان فأوقعه في حبائله وفي معاصي الله ومحارمه، وأما غيره -أي: غير الصحابة من الأمة- فإن الذي يأتي بهذه الكبائر والمعاصي فلا شك أنه فاسق بكبيرته مؤمن ببقية أعماله العلمية والعملية. وفي خطبة الجمعة الماضية في مسجد العزيز تكلمت عن الشيعة وانتشارهم في هذه البلاد، وأن أحدهم يقرر أن الشيعة بلغوا ستة ملايين شخص في مصر، وبصرف النظر عن صحة هذا الكلام أو عدم صحته أقول: إن العبرة بصحة ما أنت عليه من عمل، وليس بكثرة الأتباع، ولكن العبرة بموافقة ذلك للحق والإخلاص لله . وأقول بهذه المناسبة: إن طلق بن حبيب كان من أعبد الناس بالبصرة وأبر الناس بوالديه، ولكن هذا لا يعني أنه على الحق، ولا شك أن العبادة وبر الوالدين أمران ممدوحان، ولكن توفرهما في شخص لا يلزم منه أن يكون بالضرورة صالحاً من جميع الوجوه. فتكلمت عن الشيعة وسوء معتقدهم، وقد تناولنا منذ عدة سنوات معتقد الشيعة في هذا المسجد بتفصيل لم نتناوله في غيره من بيوت الله ، فقام أحد الأشخاص لا أدري أهو جاهل أو مغرض أو غير ذلك فقال: أنت تسب الشيعة وتقول: عليهم من الله ما يستحقون، ويكفي أن الإمام الخميني هو الذي وقف من حكام المسلمين بجوار العراق، ويكفي أنه الذي رصد مليون دولار لمن يقتل سلمان رشدي، وله مواقف محمودة جداً. وأقول: نعم هذه مواقف محمودة، والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. فالعمل الصالح صالح وإن أتى من الكافر، ولو أن يهودياً اتصف بإكرام الضيف لحمد له هذا، ومن الظلم البين عدم احترامه واعتباره في هذا الباب؛ لأن هذا من مكارم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، بل وجعلها شعبة من شعب الإيمان، لكن لا يقبل هذا عند الله إلا بعد الإيمان إذا صدر من الكافر، فكون خميني إيران رصد مبلغاً من المال لفلان أو أنه وقف بجانب فلان ليس له ثمرة، ونحن نعتقد أن الذي حدث من خالد الإسلامبولي ليس موافقاً للشريعة، وإذا كان موافقاً فليس له ثمرة جنتها الصحوة الإسلامية، بل تأخرت مائة عام، والذي سبق خير من الحادث، وإن اشتركا في كثير من الباطل، وأظن أن الذي عاصر ذلك الوقت يقول اليوم: يا ليت يوماً واحداً من أيام السابق يعود، فقد كان الواحد منا يرتع بالليل والنار، ويجوب محافظات مصر بحرية، فإذا سمع بمحاضرة للشيخ الفلاني في البحر الأحمر ذهب إليها دون أن يستوقفه أحد، واليوم لا تستطيع أن تزور أبويك في الفيوم مثلاً إلا واستوقفك غير واحد على الطريق ويحاكمك، فأيهما خير هذه الأيام أم الأيام السابقة؟ وما حدث هذا إلا بسبب الخروج.

стр. 1015

شروط الخروج على الحاكم نحن نعتقد أن الخروج على السلطة له فقهه وأحكامه، ومن أعظم فقهه وأحكامه عدم الخروج إلا إذا رأينا كفراً بواحاً لنا فيه من الله برهان، أي: دليل قاطع على أن هذا كفر مجمع عليه لا يختلف فيه، ثم الحكم بالكفر يختلف عن الخروج عليه، فلا يخرج على الحاكم إلا بإجماع أهل الحل والعقد، وأن يكون ذلك بسبب الكفر، والشرط الثالث: أن يكون هذا الخروج مضمون النتيجة، فلا يكون الخارج ضعيفاً، بل لابد أن يكون قوياً متسلحاً، فالذي يحمل نبلاً مثلاً أو حجراً أو غير ذلك لا يقال: إنه قوي وبإمكانه أن يخرج، فهذا خبل، وإن فعل ذلك بحسن نية فنسأل الله تعالى أن يغفر له ويأجره على نيته، وأما العمل من جهة ميزان الحق فليس هذا من عمل السلف، ولا يوافق عليه لا السلف ولا حتى الخلف، وأما تزكية الخميني الإيراني فإنها لا تعطي لهذا العمل مشروعية، وخميني إيران يعرف جيداً من أين تؤكل الكتف، وكان رجلاً ذكياً فقيهاً في مذهبه، أي: في مذهب التشيع، على مستوى العقيدة والفقه، وكان عالماً بأصول الاعتقاد عند الشيعة الإثني عشرية، بل وغيرهم من فرق الشيعة. والذي أقرره وأؤكد عليه دائماً أن المرء لو وقف بعض المواقف المحمودة في نظر البعض لا يستلزم بالضرورة أن يكون محموداً من كل جانب، بل ربما يكون الأصل فيه الفساد والضلال كما هو شأن الخميني. قال: [قال سعيد بن جبير: ألم أرك جالساً إليه؟ -أي: أيوب - لا تجالسه، قال أيوب: وكان والله ناصحاً وما استشرته]، أي: سعيد بن جبير كان ناصحاً لـ أيوب وأبدى إليه نصيحة من غير أن يستشيره فيه.

стр. 1016

تحذير العلماء من التنقل بين الفرق قال: [قال سعيد بن جبير لـ ذر: يا ذر! ما لي أراك كل يوم تجدد ديناً؟] يعني: تنتقل من الاعتزال إلى الإرجاء إلى القدرية، وهكذا، فما لي أراك تتقلب وتجعل دينك عرضة للخصومات والمنازعات، فكل يوم أنت في حدث وشكل. قال: [وعن أبي البختري قال: شكا ذر سعيد بن جبير إلى أبي البختري الطائي قال: مررت به فسلمت عليه فلم يرد علي، وقال أبو البختري لـ سعيد، فقال سعيد بن جبير: إن هذا كل يوم يجدد ديناً، لا والله لا أكلمه]، أي: حتى يثبت على السنة. قال: [وعن عطاء بن السائب قال: ذكر سعيد المرجئة قال: فضرب لهم مثلاً، فقال: مثلهم مثل الصابئين -يعني: الروحانيين، وإذا أطلق الصابئون في كتب الاعتقاد فإنما يقصد بهم الروحانيون من الفلاسفة- أتوا اليهود فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: اليهودية، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: موسى، قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة، فتركوهم وأتوا النصارى، فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: النصرانية، قالوا: فما كتابكم؟ قالوا: الإنجيل، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: عيسى، قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة، قالوا: فنحن بين دينين، فلم يثبتوا على دينهم ولم يتهودوا ولم يتنصروا، فهم مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء]، وهكذا شأن من أراد أن ينتقل ويتحول من دين إلى دين أو من ملة إلى ملة، أو من فرقة إلى فرقة.

стр. 1017

تشبيه العلماء للمرجئة باليهود قال: [عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: ما ليل بليل، ولا نهار بنهار أشبه من المرجئة باليهود]، يعني: أن هؤلاء المرجئة أشبه باليهود من الليل بالليل ومن النهار بالنهار، يعني: إذا دخل عليك الليل فلن تستطيع أن تميز ولا أن تفرق بين هذه الليلة وما فيها من سواد وبين الليلة الماضية، وإذا طلعت الشمس فلا تستطيع أن تفرق بين هذا النهار وما فيه من ضوء ونور وبين النهار الذي سبقه أو الذي يتلوه، وكذلك المرجئة هم أشبه باليهود تماماً بتمام. هكذا ضرب لهم المثل.

стр. 1018

التحذير من الإرجاء وتضليل السلف لهم قال: [قال الأوزاعي: كان يحيى بن أبي كثير وقتادة يقولان: ليس من الأهواء شيء أخوف عندهما على هذه الأمة من الإرجاء]، يعني: أعظم هوى في الأمة هو الإرجاء. قال: [قال منصور بن المعتمر: أعداء الله المرجئة والرافضة]. والرافضة هم الذين رفضوا زيد بن علي بن الحسين لما قالوا لـ زيد: أنت إمامنا لكن بشرط أن تلعن أبا بكر وعمر، قال: كيف ألعنهما وهما وزيرا جدي؟ ولما خرج الخوارج على أمير المؤمنين والخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز كفروه، فقال: وما وجه تكفيري؟ قالوا: إنك لا تلعن بني أمية، وهو من بني أمية، يقصدون معاوية وولده يزيد، قالوا: فإما أن تلعنهم وإما تبرأنا منك، قال: أسألكم بالله أتلعنون فرعون؟ أي: وقد جاء صريحاً في النصوص وجوب اللعنة عليه، ووجوب التبري منه ومن دينه، قالوا: لا، قال: فكيف بكم تركتم من استحق اللعنة في الكتاب والسنة وتلزموني أن ألعن رجلاً آمن بالله ورسوله؟ فهذا خلط وتخبيط. فلما رفض زيد أن يلعن أبا بكر وعمر رفضوه وخرجوا عليه، ومن هنا سموا الرافضة، وهم فرقة من أضل فرق الشيعة، وفرق الشيعة بلغت حوالي خمسة عشر فرقة أو زيادة. قال: [وعن جعفر الأحمر قال: قال منصور بن المعتمر في شيء: لا أقول كما قالت المرجئة الضالة المبتدعة. وعن أبي عاصم قال: جاء عكرمة بن عمار إلى ابن أبي رواد فدق عليه الباب وقال: أين هذا الضال؟] لأن ابن أبي رواد كان مرجئاً.

стр. 1019

ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وأقوال العلماء فيه قال: [عن طاوس قال: يا أهل العراق! أنتم تزعمون أن الحجاج مؤمن؟] والحجاج هو ابن يوسف الثقفي، وقد أخبر النبي ﵊: (أنه يخرج من ثقيف كذاب ومبير). فأما الكذاب فهو المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي ادعى النبوة، وأما المبير -أي: الظالم لنفسه ولأمته- فهو الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد تولى حكم المسلمين في العراق في خلافة بني أمية كذلك. وقوله: يا أهل العراق! أنتم تزعمون أن الحجاج مؤمن؟ أي: مع كل ما أتاه من ظلم وفجور؟ والحجاج اختلف فيه أهل العلم، فمنهم من كفره، ومنهم من توقف عن تكفيره، ومنهم من أثبت له الإسلام وقال: الذي أتاه الحجاج كان معاص، فقد كان الحجاج معروفاً مشهوراً بسفك وإراقة الدماء، وكان معروفاً بشدته وقسوته على أصحاب النبي ﵊، وكان له موقف مع أنس بن مالك خادم النبي ﵊، فقد اتخذ الحجاج خاتماً وكان يحميه في النار حتى يحمر ويختم به أصحاب النبي ﵊ بين أكتافهم في ظهورهم، فلما جاء الدور إلى أنس بكى، فقال: ما يبكيك يا خادم رسول الله! يعني: أن الحجاج يعلم أن هذا خادم النبي ﵊، قال: والله لا أبكي جزعاً، وإنما أبكي أن النصارى لا يفعلون هذا بأساقفتهم ولا رهبانهم، وأنت تفعل هذا بأصحاب النبي ﷺ ، فهو يبكي لأن الأمة أنجبت مثل هذا. ويقول عمر بن عبد العزيز كما قال الحسن البصري: لو جاءت كل أمة بأخبث من فيها وجئنا بـ الحجاج لغلبناهم. وقد كان الحجاج محباً للقرآن الكريم، ومعظماً جداً للقراء، وأنس من أهل القرآن، ولكنه لم يكن مشهوراً به كشهرة أبي بن كعب مثلاً، كما كان الصحابة يعرفون الفرائض ولكن ليس كمعرفة زيد بن ثابت بها، فـ الحجاج كان يعظم رءوس القراء الذين لهم اجتهاد وحذق في كتاب الله ، وكان يغدق عليهم ويكرمهم، وهذه بلا شك منقبة، وكانت له عبادة طويلة في ليله ونهاره كالصيام والقيام، وكانت له من البلاغة ومحبة الفصاحة ونصرة اللغة العربية على غيرها الشيء والباع الطويل. والشاهد: أنه كانت له مناقب ومثالب، وهذا الذي حدا ببعض أهل العلم أن يتوقف فيه، وهم كثرة، وكان الحسن يقول فيه قولاً شديداً، فلما مات الحجاج، قيل: إن الحسن رآه في نومه فسأله: ما فعل الله بك يا حجاج؟! قال: قتلني بكل نفس قتلتها قتلة، أي: قتلني قتلة في مقابل كل نفس قتلتها، ثم غفر لي، قال الحسن: فوالله لا أقول فيه شيئاً بعد اليوم، أي: لا أكفره بعد اليوم، إلى غير ذلك من النصوص التي وردت عن السلف، فمن قادح ومن مادح ومن متوقف ومن مكفر في أمر الحجاج، ويكفيه عاراً أن الأمة اختلفت في إيمانه وإسلامه وفي كفره، ولأجل هذا قال طاوس لأهل العراق: أنتم تزعمون أن الحجاج مؤمن؟ قال: [وقال منصور عن إبراهيم: كفى به عمى الذي يعمى عليه أمر الحجاج]، يعني: الذي يعمى أن الحجاج كافر مثلاً فهذا عمى وعقوبة من الله ، وقد طمس على بصيرته. قال: [وقال إبراهيم لما ذكر الحجاج: ألا لعنة الله على الظالمين]. ومن المعلوم أن اللعنة لا توجه إلا إلى كافر. قال: [وعن طاوس قال: عجبت لإخواننا من أهل العراق يقولون: الحجاج مؤمن! وعن أبي رزين قال: إن كان الحجاج على هدى إني إذاً لفي ضلال]، يعني: إذا كان الحجاج مع كل هذا البلاء مؤمن وعلى هدى فمن يحمل عليه فهو على ضلال، وهذا الكلام مفاده أنه لا يستوي أهل المعاصي مع أهل الإيمان والطاعات، يعني: يريد أن يقول: نحن نعلم يقيناً أننا على الهدى، وأن الحجاج على المعاصي، ويكفي أنه سفاك للدماء، فإذا كان الحجاج يستوي مع أهل الطاعة فهذا يعني أن أهل العراق وخاصة الكوفة يقولون: إن أصحاب المعاصي يستوون في الإيمان مع أصحاب الطاعات، وهذا هو الإرجاء، فالمرجئة يقولون: أفسق الناس كأعبد الناس فيما يتعلق بالإيمان، حتى قال قائلهم: إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل. وهذا بلا شك كلام يخالف أصل الاعتقاد. [وقال الأجلح: قلت للشعبي: إن الناس يزعمون أن الحجاج مؤمن؟ قال: صدقوا، مؤمن بالجبت والطاغوت كافر بالله]. والإيمان أشكال وأنواع. قال: [وقال الحجاج -وهو الحجاج بن محم

стр. 1020

اشتراط العمل في صحة الإيمان وكثير من الطلاب يسألون خاصة مع الفتنة التي تدور على الساحة الدعوية: هل العمل شرط صحة أو شرط كمال؟ ونقول ابتداء: إن أهل السنة يعتقدون أن الإيمان قول وعمل، وأن العمل داخل في مسمى الإيمان، فالإيمان قول باللسان وعمل بالقلب والجوارح، والعمل القلبي: هو انقياد القلب وإذعانه وخضوعه لما أقر به اللسان، وعمل القلب شرط صحة في الإيمان، وأما عمل الجوارح فمكمل للإيمان. والكمال نوعان: كمال واجب وكمال مستحب، وهذا أعظم كلام في الإيمان وهو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد السابع من الفتاوى، فهو يقول: إن العمل عملان: عمل واجب، وهو ما يطلق عليه الكمال الواجب في الإيمان من الحلال والحرام وغير ذلك من الأمور المفروضة والواجبة، وكمال مستحب وهو الذي يتعلق به المستحبات من سائر النوافل المطلقة والراتبة وغير ذلك، فكلما ازداد المرء من هذه النوافل أحبه الله ، كما في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، فهذا هو الكمال الواجب، وأما الكمال المستحب ففي قوله تعالى في نفس الحديث: (ولا يزال المرء يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) إلى آخر الحديث. فالكمال الواجب متعلق بالواجبات والفروض في الإسلام، ولها تأثير قوي جداً في زيادة الإيمان ونقصانه، والكمال المستحب هو الذي يبلغ بصاحبه ذروة الإيمان وكماله وتمامه. هذا معتقدنا في كون العمل شرطاً في صحة الإيمان أو شرط كمال، نقول: إذا كان الكلام منصرفاً إلى عمل القلب فإن عمل القلب من الذل والخضوع والانقياد شرط صحة في الإيمان، وأما عمل الجوارح فمنها ما هو متعلق بالكمال الواجب، وهذا يتعلق كذلك بأعمال الجوارح فعله المفروضة الواجبة، وأما الأعمال المستحبة فإنها تدخل في الكمال المستحب. ونعتقد أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن الشيء إذا كان قابلاً للزيادة فلابد أن يقبل النقصان، وهذه القاعدة مسلم بها حتى عند المنطقيين والفلاسفة، وكذلك عند المرجئة، فالمرجئة يقولون: إذا كان الإيمان يزيد فلابد أن ينقص، ولما كان الإيمان عندهم هو التصديق فقد قالوا بعدم الزيادة في الإيمان، قالوا: لأن تصور الزيادة يستلزم تصور النقصان، والتصديق عندهم لا يقبل النقصان؛ لأنه لو قبل النقصان ونقص لنقص إلى الكفر والخروج عن الملة.
следующие страницы →