← Тафсир

Тафсир · id 37454

تأملات قرآنية - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (705 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بيان معنى قوله تعالى (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم) ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة:٢٥٣] فالأنبياء لما أتوا بالحق كان من البداهة أن يختصم الناس فيما جاء به الأنبياء، فلما اختصم كل قوم فيما جاء به النبي انقسموا إلى فريقين: مؤمن وكافر، ولكونهم مختلفين كان بينهم الحرب والاقتتال. فلما جاء الأنبياء والرسل بالعلم من الله وبالوحي وبالتوحيد وبالإسلام أثار ذلك الناس فانقسموا إلى فريقين، فصار بين الفريقين اقتتال لعلة الاختلاف، فسبب القتال وجود الاختلاف. ثم أخبر الله جل وعلا بأن منهم من آمن ومنهم من كفر، ثم أراد الله أن يبين أن السبب قد يوجد أحياناً ولا يعمل، حتى لا تنصرف أذهان الناس إلى أن السبب قد ينفع ويضر من غير مشيئة الله، فقال الله بعدها: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] فهذا التكرار فهمه بعضهم على أنه توكيد، وقد نتنازل فنقول: إنه توكيد، ولكنه ليس توكيداً لمجرد التكرار، وإنما المقصود من الآية البيان التالي، وهو أن الله أخبر بأن وجود الاختلاف؟ سبب للقتال، ثم كرر وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة:٢٥٣] ليبين أنه قد يوجد اختلاف ولا يوجد قتال؟ بإذن من الله، بمعنى أن الله يلغي السبب، كالنار، فقد جعلها الله سبباً للإحراق، وقد يدخل إنسان النار ويخرج منها -كما حصل لإبراهيم- دون أن تؤثر فيه؛ لأن الله لم يرد للنار أن تحرق. وقد حصل ذلك لأبي مسلم الخولاني، وهو تابعي أدرك عمر ﵁، ولما ظهر الأسود العنسي في اليمن أمر بنار ليحرق أبا مسلم الخولاني، وهو رجل تابعي من أهل اليمن، فأدخله في النار فخرج منها دون أن يصيبه شيء، مع أن الأصل أن النار سبب للإحراق، ولكن الذي جعلها لا تعمل وعطّل سببها هو الرب سبحانه. ولذلك كرر الله قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] فنحن -المؤمنين- نأخذ بالأسباب مع علمنا بأن الذي بيده كل شيء هو الله، فنحن -وإن أخذنا بها لأننا مأمورون بأن نسلكها- متفقون على أنها لا تنفع ولا تضر إلا بإذن الله، وقد يسقي الإنسان زرعاً طوال دهره فيحصده غيره، وقد يجمع إنسان المال ليأكله فيموت ويأكله غيره. وهذا أمر يدركه كل عاقل ليلاً ونهاراً بكرة وعشياً فيما يراه وينظر إليه ومن هذا الباب ما يروى ومن هذا الباب ما يروى من إن هارون الرشيد الخليفة العباسي أوكل الخلافة من بعده لابنه الأمين والمأمون وثالث لهما، وترك المعتصم، وكان له أكثر من أربعة عشر ابناً، وكان المعتصم ثامن أولاده أو تاسعهم، ثم أخذ وثيقة فعلقها على الكعبة وأخذ العهد من العلماء والمسلمين على أن الخلافة من بعده لـ لأمين ثم المأمون ثم الثالث، وحجبها عن المعتصم لأن أمه لم تكن عربية، فشاء الله أن يقتتل الأمين والمأمون، فيقتل المأمون الأمين على يد عبد الله بن طاهر، ويرث المأمون الحكم، ثم يموت الثالث في خلافة أخيه المأمون، ثم يطول عمر المأمون قليلاً فيموت من بين المأمون والمعتصم، ثم في ذروة مجده يموت المأمون، ثم تأتي الخلافة منقادة إلى المعتصم على خلاف ما أراده أبوه، ولم يأت خليفة عباسي بعد المعتصم إلا وهو من نسل المعتصم، فلم يبق لـ لأمين ولا لـ لمأمون ولا لغيرهما أبناء يتولون حكماً، فلا أبناؤهم ولا أحفادهم، فانصبت الولاية كلها محصورة في المعتصم، فأنت تريد وهذا يريد، ويفعل الله ما يريد. والعاقل لا يعطِّل الأخذ بالأسباب، ولكنه يتوكل على الملك الغلاب، وهذه أمور تجري بقدر الله، فالملك ملكه والأمر أمره، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد.

стр. 37

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم) ثم قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٤] يسميه بعض العلماء نداء كرامة؛ لأن الله نعت الله عباده بوصف الإيمان أحب نعت إلى قلوبهم، ثم طالبهم بالإنفاق وجعله مبهماً؛ لأن المقصود منه الإنفاق الفرضي وإنفاق ائتنفل على الصحيح، ومجرد الإنفاق إن كان فرضاً أو نفلاً تفسره السنة، ويفسر في كتب الفقهاء، ولكن الله بين هنا السبب في الإنفاق، وهو أن الإنسان ينفق في الدنيا ليهون عليه الموقف يوم القيامة، فقال سبحانه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤]، وضرب الأمثال من الواقع يقرب المسائل، فبيان هذه الآية بضرب هذا المثل، فلو أنه كان عليك حق تريد أن تسدده لغيرك فإنك لن تتخلص منه إلا بواحدة من ثلاث: الأولى: أن تشتريه فتدفع ثمنه وينتهي الحق، كما لو كان عليك ألف ريال لفلان لأنك صدمت سيارته، فإما أن تبيع شيئاً أو تشتري منه هذا الخلل، فتقول بكم تقدر العطل؟ فيقول: بألف ريال، فتعطيه ألف ريال وتنتهي القضية. الثانية: أن تعجز عن الألف فتعمد إلى صديق يعينك على دفع الألف أو قريب أو أي إنسان آخر. الثالثة: ألا تجد من يعينك أو يعطيك، ولكن تعرف شخصاً ذا وجاهة يعرف هذا الرجل، فيذهب كشفيع يشفع عنده ليتنازل عن الحق، ولا يوجد حل ثالث. فهذه الثلاث كلها منتفية يوم القيامة، فأنت لا تستطيع أن تشتري ذنوبك بأي ثمن، ولا تستطيع أن تذهب إلى أحد ليحملها عنك، ولا يوجد شفيع ذو وجاهة غير الله يستطيع أن يلغي أو يذهب أو يزيل عنك ذنوبك، فهو الأمور كلها لله، فلا ينفع يومئذ إلا ما أذن الله جل وعلا به أن ينفع، ولذلك ذكر الله البيع، ويفسر بالشراء، وذكر الخلة، وهي الصداقة والمعرفة، وذكر الشفاعة، وهي الوجاهة، وكلها منتفية، إلا الشفاعة المثبتة شرعاً، وسيأتي بيانها. قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤] لأنهم عدلوا مع الله غيره، وهذا من أعظم الظلم.

стр. 38

تفسير آية الكرسي

стр. 39

بيان فضلها ثم ذكر الله جل وعلا الآية الشهيرة المعروفة بآية الكرسي، وهي أعظم آية في كتاب الله، فقد ثبت عنه ﷺ أنه سأل أُبي بن كعب الصحابي المعروف فقال: (يا أُبي! أي آية في القرآن أعظم؟) فقال أبي: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، فضرب النبي ﵊ على صدر أُبي قائلاً: (ليهنك العلم أبا المنذر) فيتحرر من الحديث أن آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وقد قال النبي ﷺ -كما روى ابن حبان بسند صحيح-: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) فهذا ما جاء في فضلها.

стр. 40

بيان معنى (الحي القيوم) أما معناها فإننا نقول: لقد صدّرها الله بلفظ الجلالة (الله)، وهو علم على الرب ، ولم يطلق على غيره، ثم نعت الله جل وعلا نفسه باسمين من أعظم أسمائه الحسنى في قوله جل وعلا: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] قال أهل العلم: كل أسماء الله الحسنى مردها إلى معنى هذين الاسمين العظيمين، ويقال في معنى الحي: إن حياة الله حياة تامة كاملة لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال. ومعنى ((الْقَيُّومُ)) أنه جل وعلا مستغن عن كل أحد، وكل أحد مفتقر إليه، فهو أنه جل وعلا مستغن عن كل أحد، قائم بنفسه وقائم بغيره، بمعنى أن كل مخلوق مفتقر إلى الله جل وعلا، فلا قوام لأحد إلا بالله، والله جل وعلا غني كل الغنى عن جميع خلقه.

стр. 41

بيان معنى قوله تعالى (لا تأخذه سنة ولا نوم) ثم قال سبحانه: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] فبما أنه جل وعلا قائم على كل أحد؛ فإن من كمال قيوميته على كل أحد أنه لا تأخذه سنة ولا يأخذه نوم، قال ﷺ : (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، فكل ما خطر ببالك فالله غير ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].

стр. 42

بيان ملك الله تعالى العام قال تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذه اللام لام الملكية المطلقة، وهناك ملك حقيقي وملك صوري، فهذه اللام لام الملكية، أي أن جميع من في السماوات والأرض عبيد مقهورون للرب ﵎.

стр. 43

نفي الشفاعة بغير إذن الله، وبيان سعة علمه تعالى قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذا استفهام إنكاري، أي: لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه؟! قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]. والعلوم أربعة: علم ماض، وعلم حاضر، وعلم مستقبل، وعلم لا يكن كيف يتصور كونه، فهذه العلوم الأربعة يعلمها الرب ﵎، قال الله في هذه الآية: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة:٢٥٥] وهذا يشمل كل علم، وأما العلم الرابع -وهو أنه يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون- فيدل عليه نحو قول الله جل وعلا: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧]، فالله يتكلم عن المنافقين، فهؤلاء المنافقون لو خرجوا لم يزيدوا المسلمين إلا خبالاً مع أن المنافقين لم يخرجوا، ولكن الله أخبر بأنه لو كان منهم خروج لكان حالهم ذلك، وقال الله عن أهل النار عياذاً بالله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، ومعلوم لكل مسلم أن أهل النار لن يخرجوا من النار ولن يعودوا إلى الدنيا، لكن الله يخبر بأنهم لو عادوا فعلى أي حال سيكونون، فهذا معنى قولنا: إن الله يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون. قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فكل من لديه علم فالذي علمه هو الله، ولا يمكن لأحد أن يأتي بعلم لم يشأ الله له أن يعلمه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨] فأول طرائق طلب العلم أن تطلبه منه ، ولا يأتي العلم بمداد ولا بصحيفة ولا بالتتلمذ، ولا يأتي بشيء أكثر مما يأتي بالاستعانة بالرب ، فمن أخلص لله النية واستعان بربه على الوجه الأتم عَلَّمه الله جل وعلا وساق إليه العلم ماء زلالاً، ومن ساءت نيته -والعياذ بالله- أو اعتمد على قلم ومحبرة وصحيفة ومداد وزيد وعمرو وشريط وشيخ اعتماداً كلياً وأغفل جانب الاعتماد على الله لم ينل من العلم إلا بقدر ما يريده الله جل وعلا، فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

стр. 44

بيان المراد بالكرسي قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] اختلف في معنى الكرسي، فقيل: إنه العرش، وهذا بعيد، وهو قول الحسن البصري، وقيل: إنه موضع القدمين للرب . وهذا فيه حديث صححه بعض العلماء، وقيل: إن الكرسي معناه العلم، فيصبح معنى الآية: وسع علمه السماوات والأرض. وهذا هو المشهور عن ابن عباس، واختاره الإمام ابن جرير الطبري ﵀ في تفسيره. وبعض العلماء يقول: إن الكرسي شيء ولا تقتحم لجج معرفة الكرسي، فالشيخ الإمام الشنقيطي في أضواء البيان تجاوز الآية، والعلامة ابن سعدي لم يعرج عليها تعريجاً يبين معنى الكرسي، وابن جرير الطبري قول ابن عباس: إنه العلم، وبعض العلماء -كـ ابن كثير وغيره- مالوا إلى تصحيح الحديث، وقالوا: إن الكرسي موضع القدمين للرب ، وقال بعض العلماء- وهذا منسوب إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه-: أنه موضع أمام الرب ، وقيل غير ذلك، وهذا مجمل ما تبناه أهل السنة سلك الله بنا وبكم سبيلهم. والذي نريد أن نفهمه هو أن الكرسي شيء عظيم، وعظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق، وهذا هو الأمر المهم، كما قيل: تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات على ورق هو الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك

стр. 45

بيان عظيم قدرة الله وعلوه وعظمته ثم قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي لا يعجزه ولا يثقله ﴿حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، والعلي العظيم اسمان من أسماء الله الحسنى، فالله جل وعلا علي في ذاته، وعلي في مكانه، وعلي بقهره لسائر خلقه: وله العلو من الوجوه جميعها ذاتاً وقهراً مع علو الشان قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. فهذه آية الكرسي على وجه الإجمال، وهي من أعظم آيات كتاب الله كما صح الخبر وبينا عن رسولنا ﷺ ، ولا أظن مسلماً لا يحفظها، فلتحفظ لأبنائنا، ولأمهاتنا الكبار اللاتي لا يقرأن ولا يكتبن، ولينبهن على أنها تقرأ بعد دبر كل صلاة، حتى ندخل في قوله ﷺ : (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)، وجاء في الصحيح من حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره أنها حفظ وحرز من الشيطان يقرؤها المؤمن صباحاً ومساءاً، غدواً ورواحاً، فهي من أعظم آيات كتاب الله المبين.

стр. 46

تفسير قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) ثم قال سبحانه: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦]. إن العقائد والأمور القلبية لا تأتي بالقوة، فأنت إذا أردت تجبر إنساناً على أن يأكل فإنك تستطيع ذلك من خلال الضرب، ومن خلال العقاب، وإذا أردت أن تسقيه شيئاً لا يريد أن يشربه فبالعقاب تستطيع أن تجعله يشرب، ولكن الشيء القلبي لا يمكن أن يأتي بالإكراه؛ لأنك لا تدري أوقع في قلبه أم لم يقع في قلبه، كمعلم -مثلاً- يأتي بعصاً ويجبر طلابه على أن يحبوه، فلو قال أحد الطلاب: أنا أحبك فإنه لا يستطيع أن يثبت هذا؛ لأن هذا شيء قلبي، فلا يمكن الأكراه في المسائل القلبية، ولو تظاهر الإنسان أمامك بأنه يفعل ذلك، فالله يقول: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فالعقائد لا تأتي بالإكراه.

стр. 47

الإسلام دين الفطرة ومن معنى الآية كذلك أن دين الإسلام دين فطرة لا يحتاج إلى أن يكره الناس عليه، وما يحصل في بغداد أعظم شاهد، فقد كانت بغداد رهينة الحكم البعثي وعقائده الكافرة، ثم جاء الأمريكان -وهم أسوأ حالاً- بعقائدهم الضالة وتجبرهم على المسلمين، فلما لم يستطع أهل بغداد أن يتكلموا أيام حاكمهم الأول، وجاء هؤلاء المغفلون فأعطوهم الحرية خرجوا بعد صلاة الجمعة يطلبون الإسلام، وهذا لا شك فيه، فالفطر لا تريد إلا الإسلام، وكم من بلد عربي مقهور تحت سلطانه يمنع فيه الكثير من الطاعات لو قدر لشعوبه أن تتكلم لطالبت بالإسلام، فالإسلام دين الفطرة، ولذلك كان الأنبياء يقولون لكل متجبر: لا نريدك أن تسلم، ولكن خل بيننا وبين الناس، فنحن إذا دعونا الناس فإننا واثقون بأن الناس سيدخلون في الإسلام، فموسى ﵇ يقول: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ [الدخان:١٨] ولذلك لم يحارب النبي ﷺ أبا جهل وأمثاله لأنهم كفار، ولكن حاربهم لأنهم كانوا يمنعونه من أن يبلغ رسالة ربه، فهؤلاء الطغاة المعاندون في كل زمان ومكان مهما فعلوا لو تركوا كونهم حائلاً بين الدعاة وبين الناس لآمن الناس، وقبلوا دين الله جل وعلا، ولكن الطغاة والكفرة والظلمة على اختلاف منازلهم في كل عصر يحولون بين العلماء والدعاة وبين عباد الله، فتصبح الدعوة مخنوقة فلا يهتدي الناس؛ لأنهم حائل بينهم وبين الدعوة، وبلادنا أمثل شاهد على النقيض، فحين لا يوجد منع للدعوة يأتي الناس طواعية، فلماذا لا يوجد ذلك في تونس أو في غيرها من الدول العربية؟ والجواب أنه لسنا أحسن منهم، ولكن حيل بينهم وبين دعوة ربهم جل وعلا، وإلا فلو ترك الناس على حالهم لما ابتغوا غير صراط الله، والله يقول: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] والرشد: هو الإيمان، والغي: هو الكفر والباطل. وقال بعض العلماء -كما نقل عن الشعبي -: إن تفسير الآية مخصوص بالنصارى واليهود أهل الكتاب، والمعنى أنهم لا يكرهون على الدين إذا دفعوا الجزية، ولكن الأول أظهر وأشمل، والله تعالى أعلم.

стр. 48

بيان المراد بالطاغوت والعروة الوثقى ثم قال سبحانه: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦]. العروة الوثقى قيل: هي (لا إله إلا الله)، وقيل: الإسلام، ولا تعارض بينهما. والطاغوت: كل ضال يدعو إلى غير دين الله، وكل ما عبد برضاه من دون الله، والإيمان بالله واضح، فمن كفر بالطاغوت وآمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى المؤدية إلى جنات النعيم التي هي مطلب كل مؤمن. ثم قال الله بعد ذلك: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦] وهناك (فصم) و (قصم)، وكلاهما يعني النزع، والفرق بينهما نمثله بشيء محسوس، فلو أخرجنا شيئاً من شيء آخر بالكلية فهذا يسمى قصماً؛ لأنه بان بالكلية، ولكن لو أخرجناه وبقي شيء يسير منه معلق بالأصل فإن هذا يسمى انفصاماً. فالله يقول: إن الذي يفعل هذا قد استمسك بالعروة دون انفصام، فإذا نفي الانفصام فمن باب أولى أن ينفى القصم بالكلية. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦] سميع للأقوال عليم بالأفعال.

стр. 49

تفسير قوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) ثم قال سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧]. ففي اللغة إفراد وجمع، وغالب استعمال القرآن إذا وجد مفرد مقابل جمع أن يقابل بين فاضل ومفضول، أو بين حق وباطل، وتأمل القرآن، فالله يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام:١] فجمع الظلمات وأفرد النور، وقال في النحل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل:٤٨] فأفرد اليمين وجمع الشمائل؛ لأن اليمين أفضل من الشمائل، وهنا قال: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] فجمع الظلمات وأفرد النور، وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] فجمع السبل، وأفرد صراط الله، ذلك أن الحق واحد والكفر أجناس متعددة يجمعها الباطل.

стр. 50

الصلة بالله طريق إلى الولاية فالله يقول في هذه الآية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧]. فالله يجيب من سأله، ويعطي من طلبه، ويأوي من التجأ إليه، ومن حسن الظن بالله أن تعلم أن الله لا يضيع من لجأ إليه بالإكثار من صلاة الليل، والدعاء في ثلث الليل الآخر، والتضرع بين يدي رب العالمين، والتماس رحمة الله ﵎، مع عدم اليأس والقنوط والإلحاح على الله جل وعلا، فذلك أعظم ما ينال به الإنسان خيري الدنيا والآخرة؛ فإن جعلت الله وليك بحق تولاك الله ﵎، ومن تولاه الله لا يضيع، فعندما تردد مع أئمتك أو مع نفسك قول المؤمنين في دعائهم: (اللهم إنه لا يعز من عاديت، ولا يذل من واليت)، عندما تردد ذلك ردده وأنت تفقه معناه ولا يعجبك آخر التاءات والسجع فتنشغل به، بل انشغل بالكلام. فحين تقول: (اللهم إنه لا يعز من عاديت)، تعلم أن من عادى الله لا يمكن أن تكتب له العزة مهما بلغ، ومن تولى الله جل وعلا فهو العزيز ولو أراد أن يذله الناس. فقل ذلك في وترك وفي سجودك وفي أدبار الصلوات وأنت موقن به، والتمس من الله الرحمة والغفران وأن يكون وليك؛ فإن كان الله وليك فاعلم أنه لا يقدر على غلبتك أحد، وليس غلبتك أن تظهر منتصراً على أقرانك، ولكن العبرة بالمآل، والعبرة بالعاقبة، والعبرة بالوقوف بين يدي الله ﵎، والعبرة ألا تعض يديك يوم القيامة، يقول الله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] فزوال الحسرة يوم القيامة أعظم المكاسب وأعظم المفاوز وأعظم الهبات وأعظم العطايا، وهذه لا يعطاها إلا من تولاه الله ممن ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] فالإنسان منهم حيران قد يكون مشكلاً عليه الأمر، فإذا لجأ إلى الله أنار الله له الطريق وأظهر الله جل وعلا له السبيل، وأنت لا تعلم الغيب، فقد يختار الله لك شيئاً لا تريده، ولكنه يتبين لك مع مرور الأيام وتوالي الأعوام أن ما اختاره لله لك خير مما اخترته لنفسك.

стр. 51

تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه) يقول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨]. إبراهيم ﵊ إمام الحنفاء وإليه تنسب الملة، قال الله جل وعلا ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨]، فإبراهيم ﵇ كان ضيفاً، وكلمة حنيف في اللغة معناها: المايل، فكيف يوسم الدين بأنه مائل، وكيف يوسم رجل كإبراهيم بأنه يميل؟ والجواب عن هذا: هو أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا والناس قد جادوا عن الطريق ومالوا عن الحق، فلما جاء إبراهيم وكل رسول بعده جاءوا والناس في عوج فلو سار الرسول معهم سيصبح معوجاً، فلما اعوجّ عنهم أصبح مستقيماً؛ إذ الميل عن الميل استقامة، فبان من هذا أن مخالفة المعوجّين اعتدال واستقامة.

стр. 52

ذكر خبر النمرود مع إبراهيم ﵇ والرجل المذكور في الآية قال عنه العلماء: إن اسمه النمروذ بالذال، وقيل: النمرود -بالدال- بن كنعان، ولا يهمنا اسمه. وقد نقل المؤرخون نقلاً عن مجاهد أن الذين حكموا الدنيا من المشرق إلى المغرب أربعة: اثنان مؤمنان واثنان كافران، فالمؤمنان سليمان بن داود ﵇، وذو القرنين، والكافران بختنصر والنمرود بن كنعان. وكان من خبر النمرود أن الناس كانوا يأتونه أيام الجدب يأخذون منه الميرة، أي: المؤنة، فكلما أتاه شخص سأله: من ربك؟ فيقول ذلك الضال: أنت! فيعطيه المؤنة، فلما أتاه عليه إبراهيم قال النمرود لإبراهيم: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت، وإبراهيم يقصد الذي أحيا الناس من موتهم ويفنيهم إذا شاء، فقال النمرود فراراً من الإجابة: أنا أحيي وأميت، وفي رواية أنه أتي باثنين كلاهما محكوم عليه بالإعدام، فقال لأحدهما: اذهبا، ثم قال: هذا أحييته؛ إذ هو محكوم عليه بالإعدام، وقتل الآخر، وقال: هذا أمته. وإبراهيم لم يقصد هذا، والنمرود يعرف أن إبراهيم ما قصد هذا، ولكن أراد أن يفر من الإجابة، فبقي إبراهيم على نفس المجادلة حتى يأتيه بما هو أعظم، وقلت من يتولى الله يتولاه، قال تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] ولم يقل الله: فبهت الكافر، بل قال: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] ولو قال: (فبهت الكافر) لأصبح ذلك مجرد نعت عام للرجل الذي مر ذكره، ولكن لما قال: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] بيّن أن خذلانه في الإجابة كان بسبب كفره، ولذلك فإن المسلم يصلي الفجر في جماعة، ثم يخرج وهو مستعين بالله، ويردد (لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله)، فقد جاء في الحديث أنه إذا قال الإنسان: لا إله إلا الله يقول الرب صدق عبدي لا إله إلا أنا، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله يقول الرب : صدق عبدي لا حول ولا قوة إلا بي. فإذا خرج الإنسان في حياته اليومية وهو يردد (لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) ويعقد عليها أصابعه فإنه قد يأتيه موقف مفاجئ لم يستعد له فيلهم إجابة لو جلس عشرين سنة يستعين بالناس لا يعطاها، ويأتي إنسان لا يصلي فجر ولا يعرف ربه إلا قليلاً ولا يذكره، فيأتي موقف يجيب عنه الطفل الصغير فيبهت ولا يستطيع الإجابة ويغلب لعدم الاستعانة بالله، فهذا الرجل ما بهت لأن إبراهيم كان أفصح، وإنما غلب إبراهيم لأنه موحد وهذا كافر، قال الله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] والدليل أن الله قال بعدها: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] فمن ظلم وجعل لله نداً ولم يجعل لله ﵎ قدراً ولا معرفة ولا مكانة، فلا يمكن أن يوفقه الله جل وعلا، وإنما التوفيق والهداية مردهما إلى الإيمان والعمل الصالح.

стр. 53

تفسير قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها) ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] القرية: هي بيت المقدس، والذي هدمها وخربها بختنصر، والذي مر عليها اختلف فيه، قيل: إنه عزير، وهو بعيد، وقيل غيره، والشاهد أن رجلاً مر على تلك القرية وقد خربت، فلما رآها قد خربت وسقطت سقوفها ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩]، وقد فهم البعض أن مقصود هذا الرجل أن الله يعيد هذه البلاد مرة أخرى، وهذا بعيد؛ إذ كم ديار -على ما ترى وأنت سفرك- تمر عليها خربة ثم تعود ثانية، وكم من ديار مبنية عظيمة تعود خربة كما هو حاصل في بغداد، فهو لم يقصد بنيان القرية، وإنما قصد أهل القرية كيف يحيون بعد أن يموتوا؟ فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] فالله جل وعلا رحمة به ورحمة بالناس بعده جعله هو آية ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٩] أي: بعث إليه ملك الموت فقبض روحه، فمكث مائة عام ميتاً، ثم عاد إليه ملك الموت فأحياه، فلما أحياه سأله ملك الموت ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ [البقرة:٢٥٩] فلما رأى الشمس لم تغب قال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة:٢٥٩]، فأخبره الملك قائلاً: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة:٢٥٩] أي: لم يتغير، وقد قلنا: إن الله قد يعطِّل السبب؛ فمرور الأيام سبب في تغيير الطعام بالعقل، ولكن الله أبقاه وعطل الله السبب. قال تعالى: ﴿وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة:٢٥٩] فقد كان ميتاً فأحياه الله ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً﴾ [البقرة:٢٥٩] وقرئت (ننشرها) ولا خلاف في المعنى؛ لأن النشر هو الإحياء والإنشاز هو الرفع، والمشهور هو القراءة التي بين أيدينا (ننشزها).

стр. 54

بيان قدرة الله تعالى على كل شيء قال تعالى: ((فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ)) أي: قال الكلمة التي يقولها كل مؤمن ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] ولو أن الناس وثقوا بهذه الآية جل وعلا من عجائب قدرته، فقد قيل: إن المنصور بن أبي عامر أحد ملوك الطوائف في الأندلس كان حمَّاراً يسوق الحمير، ومعه اثنان على نفس مهنته، فقال لهما ذات يوم: ما تطلبان مني لو أصبحت أميراً للمؤمنين؟ يعني: في تلك المنطقة، فأخذا يسخروا منه، فقال: تمنيا. فقال أحدهم وكان عاقلاً: أنا أريد قصوراً وجواري. وقال الثاني: تحملني على حمار وتجعل وجهي إلى عجز الحمار ويطاف بي على القرية ويقال: إني مجنون. فترك هذه الصنعة وصار جندياً، ثم ما زال يرتقي حتى أصبح حاجب الخليفة، أي: الذي يجلس على الباب، مثل قائد الحرس الملكي في عصرنا، وكان لهذا المكان منزلة عند الناس، ثم إن الخليفة مات وترك ابناً صغيراً لا يصلح أن يكون ملكاً، فأعطي ولاية العهد، فصنع له مجلس وصاية من مجموعة منهم الوزير، والأمير، وفلان، والحاجب المنصور بن أبي عامر، ومع الأيام استطاع بقدرته وبشطارته بإرادة الله أن يتغلب على الجميع، وأصبح هو الأمير، فقال ائتوني برفيقي فوجدوهم في نفس المكان، فقال للأول: ماذا طلبت؟ قال: طلبت قصوراً وجواري، فقال: أعطوه قصوراً وجواري، وقال الثاني: أنا نسيت، أعفني يا أمير المؤمنين، فألح عليه، فلما ألح عليه أخبره فأمر بأن يوضع على حمار ويطاف به في البلدة، فشفع الناس فقالوا: لقد حقق الله لك أمنيتك، فماذا تستفيد من حمله على حمار بتلك الريقة؟! قال: أفعل ذلك لشيء واحد: ليعلم أن الله على كل شيء قدير. فاعلم -يا أخي- أن الله على كل شيء قدير، فهؤلاء الأمريكيون في أرض بغداد أو في غيرها ظاهرهم الطغيان، فما جاءوا إلا ليفسدوا في الأرض، ولا يمكن أن يبيت بوش وأقرانه خيراً لأمة محمد ﷺ ، ولكن هذا الذي يريدونه هم، والذي يريده الله بهذه الأمة من خير عظيم لا يمكن أن يرده بوش ولا غيره، قال الله : ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور:٤٢] فنصر الله قادم شاءوا أم أبوا، رضوا أم غضبوا، ولا نعلم كيف سيكون، لكن الذي نعلمه يقيناً أنه سيكون، وأرجو الله أن يكون قريباً، وثقوا بأنه كم من محنة في طيها منحة، وعطية من الله، وكلما ضاقت الأمر دل ذلك على أول الفرج، قال الشاعر: وراء مضيق الخوف متسع الأمن وأول مفروح به غاية الحزن فلا تيأسن فالله ملك يوسف خزائنه بعد الخلاص من السجن سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله.

стр. 55

سلسلة تأملات قرآنية [٣] قد ضمن الله تعالى كتابه الكريم الرد على مشركي أهل الكتاب في غير ما قضية، ومن جملة تلك القضايا زعم النصارى بأن عيسى ابن الله، فقد دفع الله تعالى قولهم وأبطله، وأمر نبيه بدعوتهم إلى المباهلة في شأنه بياناً للحق وكشفاً للباطل، وأمره تعالى بدعوتهم جميعاً إلى عبادة الله وتوحيده وترك عبادة المخلوقين، وكما أن من جملة تلك القضايا بيان ما كان عليه إبراهيم ﵇ من الحنفية والإسلام، وبيان أولى الناس به دون اليهود والنصارى من أهل الكتاب.

стр. 56

تفسير قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم)

стр. 57

دفع القرآن شُبه الظالمين والمعاندين الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد كنا بدأنا بسورة الفاتحة، ثم بدأنا بسورة البقرة، وبعد أن أخذنا مقاطع من آيات منها انتقلنا إلى الجزء الثالث في قول الله تعالى: (تلك الرسل). والسبب في هذا الانتقاء هو المرور بأهم ما في السورة حتى نخرج جميعا بفائدة جمة، فيكون القارئ قد مر على شيء من سورة البقرة، وعلى شيء من سورة آل عمران، وعلى شيء من النساء، وهكذا. وبعد أن اتضح المنهج نقول: إن الآيات المختارة في هذا الدرس من سورة آل عمران هي من قول الله : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٦٠] إلى قول الله : ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨]. قال العلماء: إن من أعظم علوم القرآن أن يعلم أن القرآن نزل لدفع شبه الظالمين، وإبطال عناد المعاندين، وإثبات البراهين العقلية الموافقة للأدلة النقلية، فهذا من أعظم علوم القرآن. وقالوا: إن هذا الفن لا يدركه إلا الجهابذة العلماء المستبصرون الذين من الله جل وعلا عليهم بإدراك مغازي كتابه، جعلنا الله وإياكم منهم وألحقنا بهم وإن لم نكن لذلك بأهل.

стр. 58

بيان مناسبة الآيات لما قبلها وأما مناسبة الآيات لما قبلها فهي أن الله جل وعلا ذكر قبلها قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله ﵊، فذكر جل وعلا قصة الصديقة مريم، وكيف أنها حملت بعيسى، وكيف وضعت، وما كان له من آيات وبراهين، وكيف أنه دعا قومه، وكيف أن الله جل وعلا آتاه المعجزات الظاهرة والبراهين التي تدل على نبوته حتى رفعه الله جل وعلا إليه، وسينزل في آخر الزمان. وبعد أن ذكر ذلك جل وعلا ذكر قوله: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران:٥٩]، فهذه مناسبة الآيات لما قبلها.

стр. 59

سبب نزول الآيات أما سبب نزول الآيات فالمشهور عند العلماء أنه في العام التاسع للهجرة -عام الوفود- بعد أن فتح الله لنبينا ﷺ مكة أسلمت ثقيف، وانتهت غزوة تبوك، فأتى الناس على هيئة وفود من كل شق إلى نبينا ﷺ . ومن جملة الوفود التي حضرت وفد نجران، وكانوا على الديانة المسيحية، ومنهم السيد والعاقب وهما من رءوسهم، فهؤلاء النفر لما قدموا على النبي ﷺ قالوا له: ما لك تشتم صاحبنا؟ فقال: وما ذاك؟ قالوا: تقول: إن عيسى عبد الله ورسوله. قال: نعم هو عبد الله ورسوله، فجادلته النصارى بأن عيسى لا أب له فقالوا: فقل لنا من هو أبو عيسى؟ فاستمهلهم حتى ينزل القرآن عليه في شأن عيسى، فأنزل الله جل وعلا على نبينا قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]، فأنزل الله جل وعلا عليه هذا العلم البين ليرد به على غيره.

стр. 60

الرد على النصارى في زعمهم بنبوة عيسى ﵇ قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٩]، ليس كلمة (مثل) هنا مقصود بها المثل المعروف الذي يضرب للأشياء، وإنما كلمة (مثل) هنا بمعنى (حالة) أو (صفة)، فيصبح معنى الكلام أن حال وصفة عيسى عند الله كحال آدم، فما حال آدم ﵇؟ قال الله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]. فالنصارى تقول: إن من أدلة أن عيسى ابن الله أنه لا أب له باتفاق بأهل الأرض، ومن علوم القرآن الرد على شبه الظالمين، فرد الله عليهم بأن آدم ﵊ لا أب له ولا أم، زيادة على عيسى، فإذا كان عيسى لا أب له فآدم لا أب له ولا أم، وإذا كان عيسى خلق بكلمة (كن) بعد أن نفخ جبرائيل في رحم الصديقة مريم وكان بأمر الله، فإن آدم كذلك قال الله له: (كن)، فكان كما أخبر الله به في كتابه. فمقارنة عيسى بآدم ضربها الله جل وعلا دليلا على بطلان حجج النصارى؛ لأنه لو صح قولهم: إن كون عيسى لا أب له دليل على أنه ابن الله وكان آدم أولى بالبنوة؛ لأنه لا أب له ولا أم، والنصارى وغير النصارى وكل أهل الأرض لا يقولون: إن آدم ابن الله، فدمغت حجة النصارى. فالنصارى تقول: إن عيسى ابن الله، بدليل أنه لا أب له، فالله يقول لهم: لئن كان الذي تقولونه حقا فإن آدم أولى بهذه البنوة التي تزعمونها ولا أصل لها؛ لأن آدم لا أب له ولا أم، وخلق بكلمة (كن) كما خلق عيسى ﵊، فلما اعترفتم بأن آدم ليس ابن الله وجب عليكم أن تعترفوا بأن عيسى ليس ابنا لله، وأن الله جل وعلا لم يلد ولم يولد.

стр. 61

ذكر فائدة التعبير بـ (يكون) قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران:٥٩] والهاء في (خلقه) عائدة على آدم، ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ﴾ [آل عمران:٥٩] أي قال لآدم ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] أي كن فكان. واختلف العلماء: لماذا عبر الله بالمضارع بدلا من الماضي؟ إذ كان الأولى أن يقال: خلقه من تراب ثم قال له كن فكان. فقال بعضهم: إن العرب تجري المضارع مقام الماضي إذا عرف معنى الحال، وهذا جواب فيه شيء من الركاكة. وقال بعضهم -ولعل هذا أظهر-: إن الله أراد أن يبين تمثل المعنى لمن يسمع، بمعنى أن عيسى ﵊ حتى عندما نفخ جبرائيل روحه في رحم مريم لم يخرج مباشرة يمشي على قدميه، وإنما تكون لحما وعظاما وحملت به تسعة أشهر على الصحيح ثم ولدته صبيا رضيعا، ثم كان عيسى ابن مريم، فلم يقل الله كن فكان مباشرة، وإنما قال: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] ليبين التدرج الذي مر به خلق عيسى ابن مريم.

стр. 62

بيان معنى قوله تعالى: (الحق من ربك فلا تكن من الممترين) قال الله ﵎: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة:١٤٧] يعني: هذا هو الحق الذي أتاك من ربك، وإضافة الرب إلى النبي ﷺ تشريف له صلوات الله وسلامه عليه، ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة:١٤٧] أي: لا تكن من الشاكين. وينبغي أن يعلم أنه ليس المقصود من الآية أن النبي ﷺ كان ممترياً أو شاكاً، فهذا منتف أبدا، وإنما المقصود من هذا الأسلوب إثارة الأريحية فيه ﷺ لأن يقبل الحق من ربه، ويعض عليه بالنواجذ، وهذا تخريج. وقال بعض العلماء تخريجاً آخر؛ وهو أن المخاطب الحق هو أمته -وإن كان المخاطب النبي ﷺ وكل من يسمع القرآن، ولا تعارض بين هذين التخريجين.

стр. 63

ذكر خبر المباهلة قال تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ [آل عمران:٦٠ - ٦١] الهاء عائدة على عيسى وخلقه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٦١] أي: البيان الذي أظهره الله لك في شأن عيسى ابن مريم ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]. ولما أخبر النبي ﷺ وفد نصارى نجران بالأمر لم يقبلوا وقالوا: نحن مسلمون من قبل، فقال ﷺ : (يمنعكم من الإسلام ثلاث: أكلكم الخنزير، وسجودكم للصليب، وزعمكم أن لله ولداً)، فهذه الثلاث منعت ما يزعمونه من أنهم مسلمون، فلما طال الأمر بينهم وبينه ﷺ احتكم إلى المباهلة، والمباهلة مأخوذة من الابتهال، وهو الدعاء، وتكون غالباً لإظهار الحجة، وقد تخصص -كما في الآية- لنزول اللعنة. وأصل المسألة أنه لما طال الجدال، فلا هم اقتنعوا، ولا هم قادرون على أن يقنعوا؛ لأنهم على باطل؛ احتكم ﷺ إلى الابتهال قائلا لهم كما أمر الله: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ [آل عمران:٦١] أي ندعو فنقول: اللهم العن الكاذب منا في شأن عيسى ابن مريم، فلما كان من الغد قدم ﷺ ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ أجمعين وقال لـ علي وفاطمة والحسن والحسين: (إذا أنا دعوت فأمنوا). وقبل أن يكمل اعترض النصارى وخافوا من المباهلة، وخوفهم من المباهلة دليل على أنهم يعلمون أنه رسول الله حقا؛ لأنهم لو كانوا على يقين لقبلوا المباهلة، وكون النبي ﵊ يأتي بابنته وعلي والحسن والحسين دليل على ثقته فيما يدعو إليه؛ لأنه كان بالإمكان أن يباهلهم لوحده، ويقول: أنا وأنتم ندعو فأهلك أنا أو تهلكون أنتم، فلما أتى بابنته وأحب بناته إليه، وزوجها علي والحسن والحسين ليدعو على الجميع؛ كان ذلك دلالة على أنه ﷺ كان واثقا من حفظ الله له، وكان على برهان ويقين بأن ما عند الله هو الحق.

стр. 64

دلالة آية المباهلة على فضل آل البيت وآية المباهلة تدل على أمور عدة: أولها: فضل آل بيت رسول الله ﷺ ، فإن النبي ﷺ دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين، وهؤلاء الأربعة مع النبي ﵊ يسمون أصحاب الكساء؛ لأن النبي ﵊ جللهم -أي: غطاهم- ذات مرة بكساء وقال: (اللهم هؤلاء بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فهؤلاء آل بيته ﷺ ، وعلي ابن عمه نسبا، وهو زوج ابنته فاطمة، تزوجها بعد منقلب النبي ﷺ من معركة بدر، في السنة الثانية من الهجرة، قيل: تزوجها في شوال وقيل: تزوجها في أول ذي القعدة، وتعيين التاريخ هنا تحديدا لا يهم، وأنجب منها الحسن والحسين، وأراد علي أن يسمي ابنه الأول حرباً فقال ﷺ : بل هو الحسن، ولما ولد الحسين أرادوا أن يسموه حربا فقال ﵊: بل هو الحسين. فالذي سمى الحسن والحسين رسولنا ﷺ ، وقد عاش الحسن حتى صار خليفة بعد أبيه، فتنازل عنها لـ معاوية ليحقن دماء المسلمين، ثم سكن المدينة ومات فيها أيام معاوية. أما الحسين فامتد به العمر حتى مات معاوية ﵁ وولي من بعده ابنه يزيد، فخرج من مكة إلى العراق حتى وصل إلى كربلاء المدينة العراقية المشهورة، فلما وصل إليها سأل عنها فقيل له: كربلاء، فقال: بل كرب وبلاء، فأخذ ذلك من اسمها، فكان ما كان، فقتل رضي الله تعالى عنه في يوم عاشوراء في العاشر من محرم؛ ولذلك يحيي الشيعة هذا اليوم كما هو معلوم. وإحياؤهم لهذا اليوم: باطل بالنقل وباطل بالعقل، فهو باطل بالنقل لأن النبي ﵊ لم يشرعه، ولا يقوم دين إلا إذا شرعه الرسول ﷺ ؛ لأنه أعلم الخلق بشرع الله وباطل بالعقل لأنهم لو كانوا صادقين لكانوا أقاموا مأتما على مقتل علي أبي الحسين، وهم يقولون: إن علياً أول أئمتهم، والحسين الثالث، فلو كانوا صادقين لأقاموا مأتما على قتل علي، فكما قتل الحسين فقد قتل من قبله علي، فهم يمرون على مناسبة علي دون ذكر، مع أنه مات مقتولاً كما قتل ابنه الحسين، ثم يأتون عند مقتل الحسين فيقيمون ما يقيمونه، وهذا من الدلائل العقلية، والأول دليل نقلي على بطلان ما يصنعه الشيعة في يوم عاشوراء. والذي يعنينا أن الحسين رضي الله تعالى عنه قتل في يوم عاشوراء، قتل ومعه أكثر من ثمانين من آل بيته، ولم ينجُ إلا النساء وابنه علي الملقب بـ زين العابدين، فقتل ابنه علي الأكبر، وقتل ابنه عبد الله معه وإخوانه الأربعة وبعض آل بيته، وبقي ابنه علي، وكان مريضاً فلم يستطع أن يحارب مع أبيه، فأبقى الله جل وعلا ذرية الحسين بنجاة علي هذا الصغير المريض، فكل من ينتسب إلى رسول الله ﷺ من جهة الحسين فهو من ولد علي زين العابدين، فكل الحسينيين ينتسبون إلى علي الملقب بـ زين العابدين بن الحسين بن علي ابن فاطمة بنت محمد ﷺ ، وهؤلاء -كما قلت- آله ﷺ ، ولهم في الشرع حق عظيم، فلا إفراط فيه ولا تفريط ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]. وقال ﵊ لما شكا إليه العباس أن بعض قريش يجفو بني هاشم: (والله لا يؤمنوا حتى يحبوكم لله ثم لقرابتي). ولذلك يروى أن المعتصم الخليفة العباسي -أي: من نسل العباس عم النبي ﷺ وليس من نسل النبي- يروى عنه أنه سجن العالم السني المشهور الإمام أحمد بن حنبل، ثم أخرج أحمد بعد موت المعتصم، فكان أحمد بعد خروجه يجتهد في الدعاء للمعتصم، ويسأل الله أن يعفو عنه، فلما كلمه الناس قال ﵁ ورحمه: لا أحب أن أقف بين يدي الله وبيني وبين أحد من قرابة رسول الله ﷺ خصومة. وهذا من فقه الدين، وهو أن الإنسان يتجنب أن يكون بينه وبين قرابة النبي ﷺ خصومة، كما في قصة الإمام أحمد.

стр. 65

دلالة الآية على إنزال أولاد البنات منزلة أولاد البنين الفائدة الثانية في الآية: أن الله جل وعلا قال لنبيه ﷺ : ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] ومعلوم أن النبي ﵊ لم يكن له بعد هجرته ابن من صلبه، أي: ليس ابن ذكر من صلبه، ومع ذلك قدم الحسن والحسين. فاستدل بها فريق من العلماء على أن أولاد البنات في منزلة أولاد الأبناء. ومثال ذلك لو أن رجلا اسمه محمد، وله بنت اسمها سلمى، وله ولد اسمه خالد، فأولاد خالد أولاده باتفاق الناس، لم يخالف في هذا أحد، لكن الخلاف في أولاد البنت، هل يعتبرون أبناء أو لا يعتبرون؟ إن المسألة خلافية، إلا أن من أدلة القائلين بأن أولاد البنت يعتبرون أبناء هذه الآية، فإن الله قال: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١] والنبي ﷺ دعا الحسن والحسين، وقال في حديث آخر: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين دعواهما واحدة) يقصد الحسن ﵁ وأرضاه. وهذه المسألة بالنسبة لطالب العلم تظهر في الميراث وتظهر في الوقف، فمن يقول: إن ابن البنت ابن يعتبر الجد كالأب، وعندما يوقف الإنسان حديقة أو مزرعة أو بيتا فيقول: هذه لأبنائي وأبناء أبنائي ولا يحدد؛ فإنه بمقتضى الآية يدخل في ذلك أولاد الأبناء وأولاد البنات، وهذه مسائل تنظر في المحاكم، ولكن أردت أن أبين كيف يستنبط طالب العلم الأدلة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .

стр. 66

ذكر ما حصل من النصارى بعد طلب المباهلة قال تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] أي: نقول: اللهم العن الكاذب منا في أمر عيسى ابن مريم. والذي حصل هو أن النصارى خافوا من المباهلة، فتشاوروا ثم تراجعوا، فقال قائلهم: والله إنكم لتعلمون أنه نبي، ولو باهلتموه لاضطرم عليكم الوادي نارا، فقالوا: ما الأمر بيننا وبينك؟ فقال ﷺ : (واحدة من ثلاث: الإسلام) أي: أن تدخلوا في الإسلام، (أو الحرب أو الجزية) فاختاروا الجزية، فصالحوا النبي ﵊ على ألف حلة تقدم له في صفر، وألف حلة تقدم له في رجب، فقالوا: ابعث لنا رجلا أمينا من أصحابك، فقال ﵊: (لأبعثن معكم أمينا حق أمين) فاستشرف لها أصحاب محمد ﷺ ، فقال ﵊: (قم يا أبا عبيدة) ثم قال: (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة) ﵁ وأرضاه. ولذلك ورد أن عمر ﵁ لما طعن وطلب منه أن يستخلف قال: لو كان أبو عبيدة حيا لوليته هذا الأمر، فإذا سألني الله عن ذلك قلت له: سمعت نبيك ﷺ يقول: (إن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة).

стр. 67

تفسير قوله تعالى: (فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين) ثم قال الله بعدها: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ -أي فإن لم يقبلوا قولك، وأعرضوا عن الدخول في الإسلام- ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران:٦٣]، وقوله جل وعلا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران:٦٣] يجري مجرى التهديد؛ لأنه إذا كان الله عليما بهم -وهو قطعا عليم بهم-، فإنه سيعاقبهم جل وعلا، وهذا معنى قول الله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران:٦٣].

стр. 68

تفسير قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء) ثم قال الله : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]، هذه الآية يتعلق بها فائدتان: الأولى منهما: أن النبي ﵊ كان يكتبها في كتبه التي يبعثها إلى ملوك العرب والعجم وهو يدعوهم إلى الإسلام، كما ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما في كتابه ﷺ إلى هرقل عظيم الروم. والفائدة الثانية في حياتنا العملية جميعا، وهي أن النبي ﵊ -كما أخرج مسلم في الصحيح- كان يقرأ بهذه الآية في ركعة الصبح الأخيرة من سنة الفجر، ومعلوم أن لصلاة الفجر سنة قبلية، والسنة فيها أن تخفف، فالنبي ﷺ كان يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وبقول الله جل وعلا في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦] ويقرأ في الثانية بهذه الآية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]. فيتحرر من هذا من الناحية العملية أن هذه الآية كان النبي ﵊ يقرأ بها في الركعة الأخيرة من سنة الفجر ويقرأ بغيرها، ولو قرأ أي مسلم بأي سوره من القرآن أو آية من آياته جاز، ولكن الوفاق للسنة أن تقرأ هاتان الآيتان.

стр. 69

بيان المراد بالكلمة السواء يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٦٤] وأهل الكتاب يندرج فيهم اليهود والنصارى؛ لأنه أنزل على اليهود التوراة المنزلة على موسى، وعلى النصارى الإنجيل المنزل على عيسى. قال تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران:٦٤] سواء هنا بمعنى: عدل وإنصاف ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] وهذا إجمال، وهذا الإجمال فسره ما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤]، فما الكلمة السواء هي ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران:٦٤]، فقول ربنا جل وعلا: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦٤] هي الكلمة السواء التي دعا النبي ﷺ أهل الكتاب من اليهود والنصارى إليها. فاليهود يقولون: عزير ابن الله، والنصارى تقول: المسيح ابن الله، وكلا الفريقين على خطأ معلوم، فدعاهم نبينا ﷺ إلى كلمة يتفق الجميع عليها، وهذه الكلمة لا بد من أن تكون كلمة عدل، وهي (لا إله إلا الله). وقوله تعالى: ﴿وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران:٦٤]، تأكيد لقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤] لأن المعنى واحد، فقوله: (ألا نعبد إلا الله) أسلوب حصر، فيه نفي واستثناء، فـ (لا نعبد) نفي، و (إلا الله) استثناء، وقوله: (ولا نشرك به شيئا) تأكيد لما قبله.

стр. 70

بيان المراد باتخاذ الأرباب من دون الله وقوله تعالى: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦٤] هذا من بديع أسلوب القرآن؛ لأنه قوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا﴾ [آل عمران:٦٤] دلالة على أننا كلنا من جنس واحد، فكيف يعقل -ونحن متفقون على أننا من جنس واحد- أن يصبح بعضنا آلهة خالقة وبعضنا مخلوقي، نف هذا لا يستقيم بالعقل ولا بالنقل. ولم يقع أنهم كان يعبد بعضهم بعضا بالسجود والركوع والصلاة، وإنما كان يعبد بعضهم بعضا بطريقة أخرى، وهي أن أحبارهم ورهبانهم يحرمون ما أحل الله فيحرمه الأتباع، ويحلون ما حرمه الله فيحله الأتباع، كما قال النبي ﵊: (فتلك عبادتهم) قال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] فقال النبي ﵊ لـ عدي بن حاتم (أليسوا يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟! قال: بلى، قال: أو ليسوا يحلون ما حرم الله فتحلونه؟! قال: بلى. قال: فتلك عبادتهم)، فهذا معنى قول الله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦٤]. ومن هنا نعلم أن التشريع لله تعالى وحده، وأنه صلوات الله وسلامه عليه إنما هو مجرد مبلغ، فمن الله التشريع وعلى الرسول البلاغ، وعلينا السمع والطاعة؛ لأننا عبيد مخلوقون لله ﵎.

стр. 71

موقف المسلمين عند إعراض أهل الكتاب قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران:٦٤] أي: فإن لم يقبلوا هذا الذي عرضته عليهم ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] أي: نحن باقون على ما نحن عليه من الإسلام واتخاذ الله جل وعلا إلها واحدا، لا رب غيره ولا إله سواه.

стр. 72

تفسير قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم) ثم قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٦٥ - ٦٦]، مناسبة الآيات عموما هي أن الإنسان إذا كان متقنا لشيء ما فإن الجميع ينتسبون إليه، وكلٌ ينسبه إلى نفسه، فإذا كان الشخص محسناً متقناً في أمره فإن كل من حوله يتبناه وينتسب إليه ويقول إنه مني وأنا منه؛ لأنه مصدر فخر. وإبراهيم ﵊ كان أمة كما أخبر الله جل وعلا، فاليهود تقول: إن إبراهيم منا، والنصارى تقول: إن إبراهيم على ملتنا، بل إن كفار قريش كانوا يقولون: إنه منا، والمسلمون يقولون: هو منا. ففي أول الآية الله حين اختصمت اليهود والنصارى في إبراهيم قال الله لليهود وللنصارى: ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ)) أي: لم تجادلون وتخاصمون- ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:٦٥]، فبين إبراهيم وموسى مئات السنين، وبين إبراهيم وعيسى أكثر؛ لأن عيسى بعد موسى، وكان عند اليهود والنصارى خبر من نبينا محمد ﷺ ؛ لأنه مذكور في التوراة ومذكور في الإنجيل فكون اليهود والنصارى عندهم خبر عن نبينا ﷺ هو حق، والحق أيضا أنه ليس عندهم علم بإبراهيم؛ لأنهم جاءوا بعده، وما أسست اليهودية -وهي محرفة من شريعة موسى- ولا أسست النصرانية -وهي محرفة من شريعة عيسى- إلا بعد إبراهيم، فكيف يكون عندهم علم عن إبراهيم ﵊؟! فهذا لا يمكن عقلا، ولذلك قال الله: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٦٦] أي: يعلم حال إبراهيم وأنتم لا تعلمون عن إبراهيم شيئاً. وفي هذا دليل على أن الإنسان ينبغي عليه أن يستخدم عقله، وقد يقول قائل: إن العقل ليس له علاقة بالنقل! و الجواب أنه يجب أن تفهم ملحظاً دقيقاً يميز من يتبع منهج العقل عن غيره، فالمسلمون من أهل السنة يدركون أنه لا يمكن للعقل أن ينشئ دليلا، إذ الدليل في النقل، ولكن العقل يكتشف الدليل، فالعقل لا ينشئ دليلاً ولكنه يكتشف الدليل، بمعنى أن تأتي بالمصحف إلى رجل ذي باع في العلم، وأعطاه الله عقلاً، فهو إذا قرأ في المصحف يستنبط الأدلة من المصحف، ولا يأتي بدليل من عقله، ولكن قدرته العقلية تمكنه من أن يستنبط الأدلة من القرآن. وتأتي إلى إنسان آخر ليس له حظ في العقل فتجده إذا نظر في المصحف لا يستطيع أن يأتي بأدلة من المصحف. فالوحي هو الذي يسير الناس، ولكن العقل يكتشف الدليل الموجود الذي في الوحي، ولذلك قال الله للنصارى ولليهود: (أفلا تعقلون) أي: لو عرضتم هذا الأمر على عقولكم الحقة لما قبلته، ولكن ليس لديكم عقول تقول بغير هذا. ويروى الشافعي رحمه الله تعالى وهو صبي في السادسة عشرة -وكان من أذكى الناس- مر في السوق، فوجد رجلين يختصمان فدخل بينهما لثقته برأيه، فقال: ما بلكما؟ قال أحدهما: هذا كان يبيع طير ببغاء، ويقول وهو يبيعه: هذا الطائر لا يسكت، بل يتكلم الليل والنهار، فاشتريته بناء على هذا الشرط، فلما ذهبت به إلى المنزل إذا هو يتكلم أكثر الوقت، ولكنه يسكت أحياناً، فأنا أريد أن أرده، وكان الذي باع يقول: لن أرده، فأنا لم أقصد أنه يتكلم الليل والنهار ولا يسكت، فقال الإمام الشافعي للمشتري: ليس لك حجة عليه، فاستصغره، فقال: من أين لك هذا؟! قال: لأن النبي ﷺ قال لإحدى نساء المؤمنين لما أخبرته أن فلاناًَ خطبها: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) وهي كناية عن الضرب، أو عن كثرة السفر، ولكن لا يوجد إنسان يضرب طيلة اليوم والليلة، ولا يوجد إنسان يسافر أربعاًَ وعشرين ساعة، وإنما المقصود غلبة الأمر والكثرة، فاقتنع المشتري وأخذ الطائر وذهب. فـ الشافعي هنا لم يأت بدليل من عقله، ولكن عقله مكنه من أن ينظر في سنة رسول الله ﷺ . وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه طالب العلم؛ لأنه إن لم تكن لديه آلة عقلية في النظر في كتاب الله لا يمكن أن يكون قادرا على أن يفقه أو يفهم أو يستنبط من كتاب الله شيئاً كثيرا.

стр. 73

تفسير قوله تعالى: (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً) قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧] إن إبراهيم ﵊ كان إماما، وإليه تنسب الملة، وهو أعظم النبيين بعد نبينا ﷺ ، فاليهود تقول: إننا على ملة إبراهيم، وقالوا لنبينا ﷺ : إنك تعلم أن اليهود أولى بإبراهيم، ولكن الحسد منعك أن تجهر بهذا، والنصارى تقول نفس العبارة، حتى عباد الأوثان وعباد النار يقولون: إن إبراهيم منا؛ لأن إبراهيم يشرف كل إنسان حين ينتسب إليه، والمسلمون يقولون: إبراهيم منا، ولذلك لما دخل النبي ﷺ يوم فتح مكة فنظر إلى الكعبة قبل أن يدخلها وجد كفار قريش على كفرهم قد وضعوا صورة لإبراهيم وهو يستقسم بالأزلام صنعوها من عقولهم، وهي الطريقة التي كانوا يفعلونها مع آلهتهم إذا خرج أحدهم لسفر أو لغيره، فلما رآها ﵊ (قاتلهم الله؛ والله ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام) وفي رواية أنه قال: (ما لشيخنا وللاستقسام بالأزلام؟). والمقصود أن عباد الوثن نسبوا إبراهيم إلى أنفسهم، فلما كانت المسألة كذلك نزل الحكم من الله، والله عليم، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ [آل عمران:٦٧] كما تزعم اليهود ﴿وَلا نَصْرَانِيًّا﴾ [آل عمران:٦٧] كما تزعم النصارى ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧] كما يقول محمد ﷺ وأتباعه ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧] كما يزعم عبدة الأوثان.

стр. 74

تفسير قوله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين ابتعوه) ثم بعد أن بين الله جل وعلا منهج إبراهيم بين من الذي هو أولى بإبراهيم فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨]، فذكر ثلاث فئات بحسب الترتيب الزمني؛ لأن الذين اتبعوا إبراهيم من قومه كان ظهورهم قبل النبي ﵊، فالله يقول: إن أحق الناس بإبراهيم حسب تسلسلهم الزمني الذين آمنوا به وقت نبوته ورسالته صلوات الله وسلامه عليه، (وهذا النبي) ذكره مفرداً، قال العلماء: هذا تعظيم وتشريف لنبينا ﷺ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:٦٨] من أمة محمد ﷺ على الصحيح من أقوال العلماء. فإبراهيم ﵊ يتولاه ثلاثة: المؤمنون الذين معه، ونبينا ﷺ ، والمؤمنون من هذه الأمة، ولكن أفرد النبي تعظيماً له، ولأنه ﵊ أولى بإبراهيم من جهتين: الأولى: لأنه من ذريته، والثانية: لأنه موافق له في شريعته، وموافق له في ملته. ومن إكرام الله لإبراهيم ﵇ لم يبعث نبياً بعده إلا وهو من ذريته، كما قال الله في آية حصر: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، فما بُعث نبي ولا رسول بعده صلوات الله وسلامه عليه إلا وهو من ذريته.

стр. 75

قوة رابطة العقيدة الإسلامية وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨] قال العلماء: دلت الآية أيضا على أن المؤمنين مهما تباينت أقطارهم المكانية، وتفاوت ظهورهم الزمني، فإن بعضهم أولياء لبعض؛ لأنهم جميعا يفيئون إلى ملة واحدة هي ملة إبراهيم القائمة على توحيد الله ﵎. واليوم لا يحاول أعداء المسلمين أن يثيروا شيئاً بين المسلمين أكثر من تفريق الكلمة وإثارة النعرات القائم على عرق أو على مذهب أو على مكان أو على ظهور زمني حتى يتشتت شمل الأمة، فإذا تشتت شملها انشغل بعضها ببعض وأرادت كل فئة منها أن تقيم لواءها، فاقتتلوا وكفوا غيرهم مهمة القتال، فأصبح غيرهم قادراً على أن يحتلهم بيسر وسهولة. وفي مواضع الفتن العظمى كما هي في عصرنا هذا، وفي الأحداث الأخيرة في العراق يكون جمع الكلمة وتوحيد الصف وغض الطرف عن كثير من الخلافات مقدماً على أكثر الأمور؛ لأن الدين قائم على جلب المصالح ودرء المفاسد، ولكل مرحلة من مراحل عمر الأمة ما يتفق مع أوامر ونواه وتطبيقات وأحكام شرعية تختلف من حال إلى حال، ومن زمان إلى زمان، والمعيار في ذلك كله مصلحة الأمة، وعدم تمكين عدوها منها.
следующие страницы →