Полный текст (705 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
موقف المسلمين عند إعراض أهل الكتاب
قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران:٦٤] أي: فإن لم يقبلوا هذا الذي عرضته عليهم ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] أي: نحن باقون على ما نحن عليه من الإسلام واتخاذ الله جل وعلا إلها واحدا، لا رب غيره ولا إله سواه.
стр. 72
تفسير قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٦٥ - ٦٦]، مناسبة الآيات عموما هي أن الإنسان إذا كان متقنا لشيء ما فإن الجميع ينتسبون إليه، وكلٌ ينسبه إلى نفسه، فإذا كان الشخص محسناً متقناً في أمره فإن كل من حوله يتبناه وينتسب إليه ويقول إنه مني وأنا منه؛ لأنه مصدر فخر.
وإبراهيم ﵊ كان أمة كما أخبر الله جل وعلا، فاليهود تقول: إن إبراهيم منا، والنصارى تقول: إن إبراهيم على ملتنا، بل إن كفار قريش كانوا يقولون: إنه منا، والمسلمون يقولون: هو منا.
ففي أول الآية الله حين اختصمت اليهود والنصارى في إبراهيم قال الله لليهود وللنصارى: ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ)) أي: لم تجادلون وتخاصمون- ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:٦٥]، فبين إبراهيم وموسى مئات السنين، وبين إبراهيم وعيسى أكثر؛ لأن عيسى بعد موسى، وكان عند اليهود والنصارى خبر من نبينا محمد ﷺ ؛ لأنه مذكور في التوراة ومذكور في الإنجيل فكون اليهود والنصارى عندهم خبر عن نبينا ﷺ هو حق، والحق أيضا أنه ليس عندهم علم بإبراهيم؛ لأنهم جاءوا بعده، وما أسست اليهودية -وهي محرفة من شريعة موسى- ولا أسست النصرانية -وهي محرفة من شريعة عيسى- إلا بعد إبراهيم، فكيف يكون عندهم علم عن إبراهيم ﵊؟! فهذا لا يمكن عقلا، ولذلك قال الله: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٦٦] أي: يعلم حال إبراهيم وأنتم لا تعلمون عن إبراهيم شيئاً.
وفي هذا دليل على أن الإنسان ينبغي عليه أن يستخدم عقله، وقد يقول قائل: إن العقل ليس له علاقة بالنقل!
و
الجواب
أنه يجب أن تفهم ملحظاً دقيقاً يميز من يتبع منهج العقل عن غيره، فالمسلمون من أهل السنة يدركون أنه لا يمكن للعقل أن ينشئ دليلا، إذ الدليل في النقل، ولكن العقل يكتشف الدليل، فالعقل لا ينشئ دليلاً ولكنه يكتشف الدليل، بمعنى أن تأتي بالمصحف إلى رجل ذي باع في العلم، وأعطاه الله عقلاً، فهو إذا قرأ في المصحف يستنبط الأدلة من المصحف، ولا يأتي بدليل من عقله، ولكن قدرته العقلية تمكنه من أن يستنبط الأدلة من القرآن.
وتأتي إلى إنسان آخر ليس له حظ في العقل فتجده إذا نظر في المصحف لا يستطيع أن يأتي بأدلة من المصحف.
فالوحي هو الذي يسير الناس، ولكن العقل يكتشف الدليل الموجود الذي في الوحي، ولذلك قال الله للنصارى ولليهود: (أفلا تعقلون) أي: لو عرضتم هذا الأمر على عقولكم الحقة لما قبلته، ولكن ليس لديكم عقول تقول بغير هذا.
ويروى الشافعي رحمه الله تعالى وهو صبي في السادسة عشرة -وكان من أذكى الناس- مر في السوق، فوجد رجلين يختصمان فدخل بينهما لثقته برأيه، فقال: ما بلكما؟ قال أحدهما: هذا كان يبيع طير ببغاء، ويقول وهو يبيعه: هذا الطائر لا يسكت، بل يتكلم الليل والنهار، فاشتريته بناء على هذا الشرط، فلما ذهبت به إلى المنزل إذا هو يتكلم أكثر الوقت، ولكنه يسكت أحياناً، فأنا أريد أن أرده، وكان الذي باع يقول: لن أرده، فأنا لم أقصد أنه يتكلم الليل والنهار ولا يسكت، فقال الإمام الشافعي للمشتري: ليس لك حجة عليه، فاستصغره، فقال: من أين لك هذا؟! قال: لأن النبي ﷺ قال لإحدى نساء المؤمنين لما أخبرته أن فلاناًَ خطبها: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) وهي كناية عن الضرب، أو عن كثرة السفر، ولكن لا يوجد إنسان يضرب طيلة اليوم والليلة، ولا يوجد إنسان يسافر أربعاًَ وعشرين ساعة، وإنما المقصود غلبة الأمر والكثرة، فاقتنع المشتري وأخذ الطائر وذهب.
فـ الشافعي هنا لم يأت بدليل من عقله، ولكن عقله مكنه من أن ينظر في سنة رسول الله ﷺ .
وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه طالب العلم؛ لأنه إن لم تكن لديه آلة عقلية في النظر في كتاب الله لا يمكن أن يكون قادرا على أن يفقه أو يفهم أو يستنبط من كتاب الله شيئاً كثيرا.
стр. 73
تفسير قوله تعالى: (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً)
قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧] إن إبراهيم ﵊ كان إماما، وإليه تنسب الملة، وهو أعظم النبيين بعد نبينا ﷺ ، فاليهود تقول: إننا على ملة إبراهيم، وقالوا لنبينا ﷺ : إنك تعلم أن اليهود أولى بإبراهيم، ولكن الحسد منعك أن تجهر بهذا، والنصارى تقول نفس العبارة، حتى عباد الأوثان وعباد النار يقولون: إن إبراهيم منا؛ لأن إبراهيم يشرف كل إنسان حين ينتسب إليه، والمسلمون يقولون: إبراهيم منا، ولذلك لما دخل النبي ﷺ يوم فتح مكة فنظر إلى الكعبة قبل أن يدخلها وجد كفار قريش على كفرهم قد وضعوا صورة لإبراهيم وهو يستقسم بالأزلام صنعوها من عقولهم، وهي الطريقة التي كانوا يفعلونها مع آلهتهم إذا خرج أحدهم لسفر أو لغيره، فلما رآها ﵊ (قاتلهم الله؛ والله ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام) وفي رواية أنه قال: (ما لشيخنا وللاستقسام بالأزلام؟).
والمقصود أن عباد الوثن نسبوا إبراهيم إلى أنفسهم، فلما كانت المسألة كذلك نزل الحكم من الله، والله عليم، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ [آل عمران:٦٧] كما تزعم اليهود ﴿وَلا نَصْرَانِيًّا﴾ [آل عمران:٦٧] كما تزعم النصارى ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧] كما يقول محمد ﷺ وأتباعه ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧] كما يزعم عبدة الأوثان.
стр. 74
تفسير قوله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين ابتعوه)
ثم بعد أن بين الله جل وعلا منهج إبراهيم بين من الذي هو أولى بإبراهيم فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨]، فذكر ثلاث فئات بحسب الترتيب الزمني؛ لأن الذين اتبعوا إبراهيم من قومه كان ظهورهم قبل النبي ﵊، فالله يقول: إن أحق الناس بإبراهيم حسب تسلسلهم الزمني الذين آمنوا به وقت نبوته ورسالته صلوات الله وسلامه عليه، (وهذا النبي) ذكره مفرداً، قال العلماء: هذا تعظيم وتشريف لنبينا ﷺ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:٦٨] من أمة محمد ﷺ على الصحيح من أقوال العلماء.
فإبراهيم ﵊ يتولاه ثلاثة: المؤمنون الذين معه، ونبينا ﷺ ، والمؤمنون من هذه الأمة، ولكن أفرد النبي تعظيماً له، ولأنه ﵊ أولى بإبراهيم من جهتين: الأولى: لأنه من ذريته، والثانية: لأنه موافق له في شريعته، وموافق له في ملته.
ومن إكرام الله لإبراهيم ﵇ لم يبعث نبياً بعده إلا وهو من ذريته، كما قال الله في آية حصر: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، فما بُعث نبي ولا رسول بعده صلوات الله وسلامه عليه إلا وهو من ذريته.
стр. 75
قوة رابطة العقيدة الإسلامية
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨] قال العلماء: دلت الآية أيضا على أن المؤمنين مهما تباينت أقطارهم المكانية، وتفاوت ظهورهم الزمني، فإن بعضهم أولياء لبعض؛ لأنهم جميعا يفيئون إلى ملة واحدة هي ملة إبراهيم القائمة على توحيد الله ﵎.
واليوم لا يحاول أعداء المسلمين أن يثيروا شيئاً بين المسلمين أكثر من تفريق الكلمة وإثارة النعرات القائم على عرق أو على مذهب أو على مكان أو على ظهور زمني حتى يتشتت شمل الأمة، فإذا تشتت شملها انشغل بعضها ببعض وأرادت كل فئة منها أن تقيم لواءها، فاقتتلوا وكفوا غيرهم مهمة القتال، فأصبح غيرهم قادراً على أن يحتلهم بيسر وسهولة.
وفي مواضع الفتن العظمى كما هي في عصرنا هذا، وفي الأحداث الأخيرة في العراق يكون جمع الكلمة وتوحيد الصف وغض الطرف عن كثير من الخلافات مقدماً على أكثر الأمور؛ لأن الدين قائم على جلب المصالح ودرء المفاسد، ولكل مرحلة من مراحل عمر الأمة ما يتفق مع أوامر ونواه وتطبيقات وأحكام شرعية تختلف من حال إلى حال، ومن زمان إلى زمان، والمعيار في ذلك كله مصلحة الأمة، وعدم تمكين عدوها منها.
стр. 76
تفسير قوله تعالى: (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم)
قال تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران:٦٩] الطائفة تطلق على الجماعة من الناس، والود هنا بمعنى: الرغبة.
فقوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ﴾ [آل عمران:٦٩] يعني: كان مراد بعض اليهود وبعض النصارى أن يردوكم عن إسلامكم؛ لأنهم يعلمون أن الإسلام حق، ولكن الإنسان إذا حسد غيره لا يتمنى له الخير، فقد جرت سنة الله في خلقه أن الهالك يتمنى أن يهلك الناس معه، فالواقع في سلك المخدرات، والواقع في سلك النساء، والواقع في سلك كذا وكذا من المعاصي والجرائم لا يريدك أن تكون معه حبا فيك، ولكن يدفعه إلى ذلك أن كثرة الناس في الشر تهون الشر على نفسه، ومثال ذلك أنه لو أخبرك ابنك بأن نتيجته في الامتحان غير موفقة للمته كثيرا، ولكن لو أن هذا الابن أخبرك بأن الفصل كله على هذا النحو لخف لومك على ابنك، وهذه من سنة الله في خلقه، ولذلك لما ضل إبليس وتمت عليه اللعنة هم بأن يعصي بني آدم كلهم، حتى لا يقع في الهلاك لوحده، وأهل الإشراك أهل الكفر من أهل الكتاب لما وقعوا فيما وقعوا فيه ومنعهم الحسد أن يتبعوا نبينا ﷺ رغبوا في أن يضلوا المؤمنين، والله جل وعلا يقول ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران:٦٩]؛ لأن الله ﵎ يحمي أولياءه، وينصرهم ويمنع عنهم كيد الأعداء.
ثم قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران:٧٠] و (تشهدون) مفعولها هنا محذوف، والمعنى أنكم تشهدون البراهين العقلية والنقلية التي تدل على أن الله جل وعلا حق، وكفركم مع كونكم تشهدون الآيات من أعظم الدلالات على العناد والمرض المستقر في قلوبكم، لأن كون الإنسان يكفر ولما تظهر له الأدلة بعد أمر هين، ولكن إذا ظهرت له الأدلة وتتابعت وتظاهرت ومع ذلك أصر على كفره فذلك دلالة على الران الذي في قلبه، وعلى أنه أقرب إلى الحق منه إلى الباطل.
نسأل الله جل وعلا أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وصلى على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 77
سلسلة تأملات قرآنية [٤]
في آيات القرآن يذكر الله تعالى طرفاً مما يتعلق بأهل الكتاب، فقد ذكر تعالى أخلاق بعض اليهود في أداء الأمانة، وقول بعضهم الكذب على الله تعالى، كما ذكر تعالى الرد على النصارى في دعواهم ربوبية عيسى ﵇.
كما ذكر تعالى في آيات القرآن أخذه العهد على النبيين في إيمانهم بمحمد ﷺ إن ظهر بينهم، وتلك منقبة له ﷺ فهو حظنا من النبيين، ونحن حظه من الأمم.
стр. 78
تسمية السور
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: ففي هذا الدرس -يسر الله إتمامه- نواصل تفسير كتاب ربنا جل وعلا واقفين عند قول الله جل وعلا في سورة آل عمران: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٥] إلى قوله جل وعلا: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣].
إن سورة آل عمران سورة مدنية، وإن من أساليب تسمية سور القرآن تسمية الشيء باسم بعضه، وهذا أمر كانت العرب تستخدمه في كثير من الأمور، فسميت سورة البقرة بسورة البقرة لأنه جاء ذكر قصة البقرة فيها، وسميت سورة آل عمران بسورة آل عمران لأن الله جل وعلا ذكر فيها عمران وآله.
وعلى هذا يقاس كثير مما في كتاب الله جل وعلا، وهو ظاهر بين، وإنما الخلاف بين العلماء في كون تسمية سور القرآن كانت من النبي ﷺ أو من أصحابه أو من غيرهم.
والذي يظهر -والله جل وعلا أعلم- أن تسمية سور القرآن تسمية توقيفية، بمعنى أن الصحابة سموها بإشارة وأمر وإرشاد من النبي ﷺ .
стр. 79
بيان علة كثرة ذكر أهل الكتاب في سورة آل عمران
وقد تكلمت سورة آل عمران كثيراً عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وسبب ذلك أمران: الأمر الأول: قدوم وفد نصارى نجران إلى النبي ﷺ وما حصل بينه وبينهم من مجادلة انتهت إلى الإقرار بالصلح بينهما، فكانت تلك الأسئلة التي طرحها وفد نجران سبباً في كثير من آيات سورة آل عمران.
الأمر الثاني: ما كان من أحداث من أهل الكتاب من اليهود المجاورين للنبي ﵊ في المدينة فكان القرآن ينزل ليبين كثيراً من أمورهم ومعايبهم وما يكون بينهم وبين النبي ﷺ من أحداث فجل ما في السورة من ذكر أهل الكتاب كان هذا سببه.
وفي السورة آيات أخر لا علاقة لها بأهل الكتاب، كذكر أحداث غزوة بدر وغزوة أحد وغيرهما مما هو معروف في مظانه، ولعل الله جل وعلا أن ييسر شرحها.
стр. 80
تفسير قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك)
أما الآية التي بين أيدينا فإن الله يقول: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥].
إن حب المال أمر مفطور في النفوس، قال سبحانه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:٢٠]، وقال جل وعلا عن بني آدم: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨]، والأمانة في إنفاذها وفي إعطائها لا علاقة لها بالإيمان والكفر إلا شيئاً يسيراً، فقد روي عنه ﷺ أنه قال: (كذب أعداء الله -يقصد اليهود- كل أمور الجاهلية تحت قدمي هاتين إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر)، فلو قدر أن لأحد من الناس أمانة عندك وكان فاجراً فإن فجوره لا يمنعك من تأدية الأمانة إليه، فكونه كافراً أو فاجراً أو فاسقاً لا علاقة له بأحقية الأمانة التي له عندك.
стр. 81
بيان إنصاف الله تعالى وعدله
والآية فيها وقفات عدة، منها: إنصاف الرب ﵎، وأن الله جل وعلا حكم عدل، فاليهود قوم بهت نعتوا ربهم بأقبح المعايب تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ومع ذلك يقرر الله في هذه الآية أن اليهود على ما فيهم من معايب منهم من لو أمنته فوضعت عنده قنطاراً -والقنطار: الآلاف من الدنانير- ثم طلبتها منه لردها إليك، رغم أنه يهودي، وإخبار الله بهذا دلالة على إنصاف الرب جل وعلا وأن الله لا يظلم الناس مثقال ذرة.
فقول الله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران:٧٥] أي: إن وضعت عنده قنطاراً أمانة رده إليك تاماً كما هو رغم أنه كتابي، يهودي وإما نصراني، فكفره لم يمنعه من تأدية الأمانة.
стр. 82
بيان معنى (من) في الآية الكريمة
ثم قال سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ [آل عمران:٧٥]، و (من) في الحالتين تبعيضية، وهنا (من) أخرى بيانية، فلو جاء إنسان فأعطاك فاكهة فاكهة متنوعة ثم غاب عنك، ثم جاء يسألك: من أي الفاكهة أكلت؟ فقلت: من البرتقال، فإن (من) هنا بيانية؛ لأنك بينت أي نوع من الفاكهة أكلت.
أما (من) التي في الآية: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧٥]، نهي تبعيضية، أي: بعض من أهل الكتاب وليس الكل.
стр. 83
بيان خيانة اليهود وعلتها
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ [آل عمران:٧٥] لا يساوي شيئاً: ﴿لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا َ﴾ [آل عمران:٧٥].
قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥] كناية عن الإلحاح والمواجهة وشدة الطلب، فأنت تعقبه من مكان إلى آخر حتى يؤدي إليك ماذا؟ الدينار، والذي قبله يؤدي إليك القنطار رغم أنه أكبر من الدينار وأكنز، ولكن الأول أمين، والثاني خائن.
والأمانة تؤدى لكل أحد يستحقها إن كان براً وإن كان فاجراً.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥] هذه جملة تعليلية، فينجم عن الآية أن في اليهود قوماً مؤتمنين وهم قلة، وقوماً خائنين، وهم كثرة، وهؤلاء الخائنون علتهم في الخيانة هي أنه إذا قيل لهم: لماذا لا تؤدون الأمانات؟! قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥]، و (الأميين): جمع أمي، وهو في اللغة: من لا يقرأ ولا يكتب، وأما المقصود بهم هنا فهم أمة العرب من يقرأ منهم ومن لا يقرأ، قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢] فـ (الأميين) هم أمة العرب، فقول اليهود: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥] أي: إن هؤلاء العرب قوم أميون لا دين لهم، ولا يرونهم شيئاً؛ لأن اليهود يرون أنفسهم شعب الله المختار، ويقسمون الناس غيرهم إلى طبقات، فلا يرون العرب شيئاً، ويقولون: إن المال الذي في أيدي العرب أصله لنا، فإن حصل بيننا وبينهم تقاض وبيع وشراء وأمانة فلا حاجة إلى أن نرد إليهم المال؛ لأن المال لنا، فالمعنى الحرفي لقول الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥] أي: ليس علينا إثم ولا حرج ولا وزر في أن نأكل أموال الأميين، فما من طريق تصل إلينا بها المحاسبة.
стр. 84
حكمة بعث الله نبيه أمياً
وقلنا: إن لفظ (الأميين) يطلق على العرب؛ لأن الأصل أن العرب أمة لا تقرأ ولا تكتب، قال ﷺ : (إننا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر، هكذا)، وأخذ ﷺ يشير بأصابع يديه ليفهم من حوله.
والنبي ﵊ قد نعت في القرآن بأنه نبي أمي، قال شوقي: يا أيها الأمي حسبك رتبة في العلم أن دانت بك العلماء وبُعِثَ النبي ﷺ أمياً ليقطع الله جل وعلا ألسنة المشككين وشبه المعاندين، فإن النبي ﷺ جاء بالقرآن من عند ربه بأبلغ وأعظم عبارة وأجل كلام، فلو كان ﵊ يكتب من قبل لقال عنه الكفار: إن هذا الكتاب الذي جاء به قد أخذه عن غيره؛ لأنه يقرأ ويكتب، فما زال يطالع أربعين سنة ثم بعد أربعين سنة من المطالعة والقراءة والكتابة والاستكتاب خرج إلينا بهذا القرآن، فبعث الله جل وعلا نبيه أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وقال الله سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا﴾ [العنكبوت:٤٨] يعني: لو كنت تقرأ وتكتب ﴿لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]، ولكن النبي ﷺ كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من فضل الله جل وعلا عليه.
فالأمية في حقه ﷺ منقبة، وفي حق غيره مثلبة، إذ يحسن بالرجل أن يقرأ ويكتب، ولذلك قال الله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فلا يأتي إنسان ويقول: نحن ننتسب إلى أمة أمية فلا حاجة بنا إلى أن نقرأ وأن نكتب، لا يقال ذلك لأن النبي ﵊ جعله الله أمياً ليقطع على يديه ألسنة المعاندين، أما نحن ففي حاجة ملحة إلى أن نقرأ ونكتب ونزداد علماً.
وليس الأمية المقصود بها النبي ﵊ عدم العلم، وإنما هي القراءة والكتابة، وأما العلم فشيء آخر، فقد يكون من العلماء من لا يقرأ ولا يكتب يأخذ علمه بالتحصيل ويعطيه بالتلقين.
ثم قال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٥]، أي: يعلمون أنه لهم وعليهم في الأميين سبيل.
стр. 85
رد الله تعالى على كذب اليهود في خيانتهم
ثم قال سبحانه: ﴿بَلَى﴾ [آل عمران:٧٦]، وهي جواب من الرب سبحانه على دعوى أهل الكتاب، ليصبح المعنى: بلى عليكم في الأميين سبيل، قال سبحانه: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:٧٦]، وجملة: ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ [آل عمران:٧٦] جملة استئنافية، و (بلى) منقطعة عنها جواب من الرب سبحانه لما قبلها.
فقول الله: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:٧٦] أي: من عاهد إنساناً على الأمانة وردها وأتم العهد فإنه قد أتم الشيء الذي عليه واتقى ربه، وهذا من أسباب حصول محبة الله سبحانه، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:٧٦].
стр. 86
دلالة الآية على أهمية اجتناب ألفاظ العموم في الخطاب
وينجم عن الآيات كلها فوائد عدة؛ لأن القرآن إنما أنزل ليكون منهجاً يسير عليه الناس: الأولى: ينبغي أن تفر في عباراتك وكلامك من ألفاظ العموم؛ لأن ألفاظ العموم تجمع بين البر والفاجر والمخطئ والمصيب، وليس هذا من العدل في شيء، فهؤلاء يهود، ومع ذلك لما تكلم الله عنهم سبحانه فصل، ولم يقل جل وعلا: إن اليهود كلهم لا يؤتمنون، وهذا أسلوب قرآني يعرفه كل من تدبر القرآن، وسيأتي في آل عمران أن الله قال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران:١١٣]، فالإنسان العاقل عندما يتكلم أو يحكم على قوم، أو على جماعة، أو على دار، أو على مدرسة، أو على أي شيء، أو على أمة لا يحكم حكماً عاماً ولا حكماً جماعياً، وإنما يفر من ألفاظ العموم على منهج القرآن الذي بينه الله جل وعلا للناس.
стр. 87
دلالة الآية على قبول الحق من قائله
الثانية: أن الحق من قول أو فعل يقبل من أي أحد، دل على هذا هذه الآية عن طريق التلميح عن طريق التصريح، ودلت آيات أخر عليه بطريق التصريح.
فـ بلقيس كانت تحكم اليمن، وكانت تعبد الشمس، كما قال الهدهد: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل:٢٤]، فلما حصل ما حصل من بعث سليمان الخطاب لها وأخذت تستشير قومها قالت لهم: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ [النمل:٣٤]، فهذا كلام بلقيس في كتاب الله، وقال الله بعدها: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤]، فالله جل وعلا صدقها على قولها رغم أنها عابدة شمس.
والكفار القرشيون قال الله عنهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨]، فذكروا سببين لفعل الفاحشة، ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف:٢٨]، فلما رد الله عليهم رد على الثاني دون الأول، رغم أنهم عباد وثن يعبدون اللات والعزى، ولكن الله أقر قولهم بأنهم وجدوا عليها آباءهم، فلم يرده عليهم، فجاءت الآية: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨]؛ لأنهم كذبوا في قولهم: إن الله أمرهم بها، ولكنهم عندما قالوا: وجدنا عليها آباءنا كانوا صادقين، فلما كانوا صادقين في كونهم ورثوا هذا الشيء عن آبائهم لم يرده الله جل وعلا عليهم.
فالحق -يا أُخي- يقبل بصرف النظر عن قائله، وأما الخطأ فإنه يرد بصرف النظر عن قائله، فالخطأ يرد، ولكن إن كان قائله معروفاً بالعلم والصلاح والتقوى فإنه يعتذر له ولست ملزماً بقبول القول، ولكن لا تقع في عرضه.
стр. 88
دلالة الآية على وجوب أداء الأمانات إلى أهلها
الفائدة الثالثة: أنه يجب تأدية الأمانات إلى أهلها، فالدين شأنه عظيم عند الله ﵎، ومن يستدن ليأكل أموال الناس فإن الله جل وعلا يضيعه كما يريد هو أن يضيع أموال خلقه، ومن استدان ليسد ثغرة، وإنما منعه العجز عن رد الدين فهذا يسدد الله جل وعلا عنه ولا يأثم.
وكيف نعرف أن فلاناً يستدين من أجل تضييع أموال الناس أو من أجل الرد؟ هذا يظهر من طبيعة المعاملة، فلو أن إنساناً تاجراً احتاج إلى مائة ألف ثم اقترض من رجل ما مائة ألف وقامت تجارته ثم انكسرت، ثم لم يبق في يديه إلا أموال يسيرة كألف أو ألفين أو ثلاثة، فجاء فاشترى بالألف أو الألفين شيئاً لبيته فلا نقول له: يجب عليك أن تسدد المائة الألف؛ لأن هذه الألف والخمسمائة ريال مثلاً لا تنفع صاحبها الأول وإنما تنفع الرجل في بيته؛ لأن المبلغ زائد عن قدرة هذا المستدين.
ولكن إذا كان الإنسان ينفق في شيء زائد عن حاجته بمقدار أكثر أو أقل مما هو مستدين له فإنه يدخل في من لم يف بحق الأمانة بينه وبين الناس.
وأداء الديون من أهم الأمور، فالشهادة يُرفع بها كل إثم إلا الدين، كما قال ﷺ : (أخبرني به جبريل آنفا) فهذا يبين أن الأمانات بين الناس شأنها عظيم، ومن حاول وجاهد في تأدية الدين عن نفسه أدى الله جل وعلا عنه وأعانه ربه ﵎.
стр. 89
تفسير قوله تعالى: (وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب)
ثم قال الله سبحانه في الآية التي تليها: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٨].
المناسبة بين الآيتين السابقة واللاحقة أن الآية السابقة بيان للمعايب المالية في الخيانة عند اليهود، وأما الآية التي بعدها بيان للمعايب الدينية في عقائدهم.
قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧٨] اللي: هو الميل، تقول: لوى فلان يد فلان، أي: أمالها، فقوله تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧٨]، أي: يحرفون كلام الله لفظاً ومعنىً، وينطقونه على هيئة من يغررك أنه من كلام الله.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧٨] اللام للتعليل، والفعل بعدها منصوب وعلامته نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وأصل الكلام (تحسبونه) بالنون، فحذفت النون لدخول لام التعليل.
قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧٨] (ما) هنا نافية، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٧٨] والمعنى: أنهم لم يكتفوا بأنهم يحرفون في الكلم حتى يلبسوا على الناس في أن ما يقولونه من عند الله، بل زادوا على ذلك إثماً، فلم يكفيهم التلميح وإنما لجئوا إلى التصريح وصرحوا كفراً وكذباً بأن ما يقولونه من عند الله، وهم يعلمون يقيناً بأنه ليس من عند الله.
قال سبحانه: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧٨]، أي: يفعلون ما يفعلون من كذب وخداع وتمويه على الناس وهم يعلمون حقيقة أنهم يأتون الباطل بعينه، فلا يرتدعون، وهذه نعت مما نعت الله جل وعلا به اليهود.
فتحصل من الآيتين عيبان: الأول مالي، والثاني ديني.
стр. 90
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً)
ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٧٧].
إن الناس يتعاملون بالمال، فحب الدنيا العاجل يدفع البعض -والعياذ بالله- إلى أن يحلف كذباً حتى ينال شيئاً من حطام الدنيا الزائل، وهذا أكثر ما يكون في التجار، وهو -وإن كان في اليهود أظهر- ليس مختصاً بهم وحدهم، وإنما يكون في كل صاحب سلعة في الغالب يريد أن ينفقها، ويكون في غير أصحاب السلع.
والمعنى: أن الحلف بالله شيء عظيم، وإعطاء العهد بالله ﵎ شيء أعظم، فإذا كان الإنسان يبيع هذين -العهد والحلف بالله- من أجل أن يشتري شيئا من الدنيا يعلم أنه زائل كذباً وميناً وزوراً فقد توعده الله جل وعلا بروادع وزواجر عدة، من أهمها أن الله جل وعلا لا يجعل له في الآخرة حظاً ولا نصيباً، وهذا معنى قول الله: ﴿لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [آل عمران:٧٧]، فالخلاق هنا بمعنى: الحظ والنصيب، فلا حظ لهم ولا نصيب ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧٧]، وهذا -والعياذ بالله- منتهى الحرمان ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٧٧]، وهذا أشد ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران:٧٧]، أي: ولا يطهرهم، وتطهير الله لعباده يكون بغفران ذنوبهم وستر معايبهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٧٧].
стр. 91
ذكر أنواع اليمين
ويتحصل من هذا فقهياً ما يلي: أن الأيمان ثلاث: يمين لغو تجري على ألسنة الناس لا يتعمدونها ولا يقصدونها، فهذه قال الله جل وعلا عنها: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، يقول الرجل: بلى والله، كلا والله، اجلس والله، فهذه تجري على اللسان دون أن يتعمدها العبد، فهذه سماها الله لغواً، وأخبر جل وعلا أنه لا يؤاخذ عليها.
اليمين الثانية: تسمى اليمين المنعقدة، وهي التي قال الله جل وعلا عنها: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥]، وهذه تكون في الأمور المستقبلية، بحيث تقسم على أن تفعل أو لا تفعل، أو تترك أو لا تترك، فهذه إن وقعت على خلاف ما قلت يلزم منها كفارة اليمين، وكفارة اليمين واحدة من ثلاث على التخيير: تحرير رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن أعتق رقبة أو أطعم عشرة مساكين أو كسا إنساناً ما يكفيه لأن تقام بلباسه الصلاة فقد كفر يمينه، وهذه الثلاث على التخيير، فإن لم يستطع أن يحرر رقبة، ولم يستطع أن يطعم عشرة مساكين، ولم يستطع أن يكسوهم ينتقل في حالة العجز عن هذه الثلاثة بالتخيير إلى الصيام، والمشهور عند العامة أن الصيام مواز لهذه الثلاث، وهذا خطأ، فإن هذه الثلاث على التخيير، قال الله جل وعلا: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [المائدة:٨٩] أي: واحداً من هذه الثلاثة ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة:٨٩]، فلا ينتقل إلى الصيام إلا إذا عجز عن واحدة من هذه الثلاث.
اليمين الثالثة: اليمين التي يحلفها الإنسان على شيء قد مضى، فيحلف على شيء لم يكن على أنه كان، وعلى شيء قد كان على أنه لم يكن، وهذه تسمى يميناً غموساً؛ لأنها من كبائر الذنوب، ولم يجعل الله جل وعلا لها كفارة، فتسمى يميناً غموساً ويميناً فاجرة، ويلزم منها التوبة النصوح والتخلص من المظالم والأوبة إلى الله جل وعلا، قال ﷺ -كما عند الستة من حديث عبد الله بن مسعود -: (من حلف على يمين فاجرة وهو كاذب ليقتطع مال امرئ مسلم لقي الله جل وعلا وهو عليه غضبان)، عياذاً بالله، وكفى بالمرء إثماً أن يلقى الله جل وعلا وهو عليه غضبان.
وبالاستقراء -أي: بالنظر في أحوال الناس- عبر التاريخ علم أن كل من يحلف على يمين كاذبة يعاقبه الله جل وعلا قبل أن يموت، خاصةً إذا كان في قسمه وأيمانه مضرة على إنسان مسلم، كشهادة الزور التي تودي بأخيه المسلم وتضره به في الدنيا، فهذه اليمين تبقى ملتحقة به وينتقم الله جل وعلا منه -كما عليه دل الاستقراء- قبل أن يموت.
فـ سعد بن أبي وقاص ﵁ كان أحد العشرة المبشرين، فبعثه عمر ﵁ أميراً على الكوفة، فمكث فيها ما شاء الله ثم جاء وفد من الكوفة فسألهم عمر عن سعد، فكأن بعضهم ألمح على أنه لا يريده، فبعث عمر ﵁ -وكان حاكماً عادلاً- من يسمى في أيامنا هذه بلجنة تقصي الحقائق، فجاءت هذه اللجنة إلى الكوفة فأخذت تسأل الناس عن سعد في المساجد فيأتون المسجد فيقولون كيف أميركم سعد؟ فيدلي الناس بإجاباتهم، حتى دخلوا مسجدا لبني عبس الذين سكنوا الكوفة، فلما سألوهم عن سعد قام رجل فقال: أما وقد سألتنا عنه فإنه لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية وقال كلمة أخرى يذكر عيوباً في سعد، وكان سعد حاضراً مع اللجنة، فلما سمعه سعد وكان يعلم أنه كاذب وقد حلف، قال: اللهم إن كان عبدك هذا قد قال ما قال كذباً ورياءً فأطل عمره وعرضه للفتن.
فعاش هذا الرجل ما شاء الله له أن يعيش حتى طال عمره وأصبح رجلاً أبيض الحواجب مع بياض الشعر وسقط حاجباه على عينيه من شدة الهرم وكبر السن، وفي هذه السن التي يعقل فيها كل ذي خبل كان يقف في شوارع الكوفة وأحيائها وأسواقها يتعرض للنساء ويغمزهن ويلمزهن، وهو قد تجاوز المائة، فإذا قال له الناس: اتق الله! يقول: شيخ مفتون أصابته دعوة سعد.
فلا يجد في نفسه قدرة على أن يمتنع عن هذا.
وموضع الشاهد أن اليمين الفاجرة من أعظم ما حرمه الله ومن كبائر الذنوب، وقد دلت الآية عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٧٧].
стр. 92
تفسير قوله تعالى: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول)
ثم قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩].
هذا عود على بدء، فقد قلنا: إن آية المباهلة نزلت بسبب وفد نصارى نجران، وقلنا: إن وفد نصارى نجران كانوا يقولون: إن المسيح ابن الله، فيعبد كما يعبد الله حسب زعمهم.
فهنا يقول الله جل وعلا رداً عليهم: إنه لا يمكن أن يقع ولا ينبغي أن يقع أن الله جل وعلا يعطي بشراً الحكم -أي: الحكمة والكتاب- المنزل ويجعله نبياً ثم يقول هذا العبد للناس: اجعلوني رباً من دون الله.
فهذا لا يمكن أن يقع شرعاً ولا قدراً، لسبب يسير، وهو أن الله أعلم حيث يجعل رسالته.
فهؤلاء الأنبياء علم الله جل وعلا قبل أن يبعثهم ما في قلوبهم، ولذلك لا يمكن أن يقع منهم خلاف ما أراد الله جل وعلا أن يكونوا عليه، لا من الناحية الشرعية ولا من الناحية القدرية، فكل الناس في هذا سواء، ولكن لا يقع ذلك منهم شرعاً ولا قدراً، ولذلك قال الله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٧٩]، فإن قيل: فما الذي يقوله؟!
و
الجواب
(( وَلَكِنْ)) أي: الذي يقع والذي يقوله النبي: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩].
стр. 93
بيان معنى الرباني
وكلمة (رباني) نسبة إلى الرب، وزعم بعض العرب أنها لفظ غير عربي، وأنها غير مسموعة في لغة العرب، الأكثرون على أنها عربية.
وقد اختلف العلماء في معنى (ربانيين)، وجميع ألفاظ العلماء تدل على معنى متقارب، ومجملها أن يقال: إن الرباني هو العالم الفقيه الذي يستطيع أن يسوس الناس بعقل وحكمة ويربي طلبته على صغار العلم قبل كباره، فإن جمع الإنسان هذا كله قدر له أن يكون من الربانيين في العلم.
والحوادث المعاصرة ميزت كثيراً من الربانيين عن غيرهم، فالربانيون من العلماء لا يلقون الناس في المهالك، وقد بين الشاطبي رحمه الله تعالى في (الاعتصام) وفي (الموافقات) -وهما كتابان في التأصيل العلمي- بين كثيراًَ في معنى الربانية، وتكلم عما ينبغي أن يكون عليه العالم الحق الذي يسوس الناس في أيام الفتن، فالعالم الذي يسوس الناس في أيام الفتن لا يهمه أن يجيب على السؤال، وإنما يهمه أن ينظر في المآل قبل أن يتكلم، فينظر إلى مآل قوله ومآل فتواه وعاقبتها على عامة الناس قبل أن يتفوه بها، حتى يكون الناس على بينة من أمرهم في دين الله جل وعلا، وتلك منازل الكل يطلبها، وقليل من يحصل عليها، بلغنا الله وإياكم إياها.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩] الباء في الحالتين سببية، والمعنى: بما أنكم رزقتم الكتاب تعلمونه وتدرسونه وتدرِّسونه فإنه ينبغي عليكم أن تكونوا ربانيين وأنتم تسوسون الناس.
стр. 94
تفسير قوله تعالى: (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً)
﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٨٠]، الواو هنا عاطفة على الصحيح، والمعنى: أن هذا النبي يقول لقومه: إن الله لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، ذلك أن لب دعوة الرسل هي إقامة التوحيد، فلو جاء نبي وطلب من الناس أن يعبدوا الملائكة ويعبدوا النبيين لخالف هذا جوهر الرسالة التي بعث من أجلها، فما أنزل الله الكتب ولا بعث الله الرسل ولا نصب الله الموازين ولا أقام البراهين إلا ليعبد وحده دون سواه، فهذا كان بدهياً أن الأنبياء والمرسلين يأمرون الناس بأن يفروا من العبودية إلى أن يعبدوا الله جل وعلا لا رب غيره ولا إله سواه.
والناس إذا علموا الكتاب وعلموا الحكمة تحركت الفطرة التي في أنفسهم وأصبحت مقبلة على الله، فكيف يعقل من هذا النبي بعد أن أسلم الناس وأصبحوا مقبلين على ربهم جل وعلا أن يطلب منهم أن يعبدوا الملائكة أو أن يعبدوا النبيين؟! فهذا لا يمكن أن يقع، كما قال الله: ﴿مَا كَانَ﴾ [آل عمران:٧٩] أي: ما ينبغي ولا يمكن أن يقع ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٧٩ - ٨٠].
стр. 95
تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين)
ثم قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١].
اختلف العلماء في تفسير هذه الآية فانقسموا إلى فريقين: فريق يرى -وهم الأقل من العلماء- أن هذه الآية شاملة لجميع الأنبياء، والمعنى عندهم أن الله جل وعلا بعث النبيين بغاية واحدة هي عبادته سبحانه، فيأخذ الله جل وعلا من كل نبي أن يبين هذا للناس وأن يُعينه مَنْ بعده على هذا الطريق.
والأكثرون من العلماء -وهو المحفوظ المنقول عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - أن هذه الآية منقبة لنبينا ﷺ ، فيصبح معنى الآية أن هناك ميثاقاً، وهناك من أخذ الميثاق، وهناك من أُخذ عليهم الميثاق.
فأما الذي أخذ الميثاق فهو الرب جل وعلا، وهذا واضح في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ﴾ [آل عمران:٨١]، والذين أخذ منهم الميثاق هم النبيون وأتباعهم، وإنما ذكر الله النبيين؛ لأن الأنبياء رءوس الناس والذي أخذه الله منهم هو متى ظهر نبينا ﷺ في زمانهم وجب عليهم أن يتبعوه، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ﴾ [آل عمران:٨١] والمقصود به نبينا ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران:٨١]، والإصر بمعنى: العهد ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١].
стр. 96
خصائص النبي ﷺ
فينجم عن هذا درس أن النبي ﵊ حظنا من النبيين ونحن حظه من الأمم، ولا نبي بعده ولا أمة بعدنا.
وهذا النبي خصه الله جل وعلا بأمور منها ما يشترك فيه مع إخوانه من النبيين، ومنها ما هو خصيصة له صلوات الله وسلامه عليه، فمما يشترك فيه مع النبيين أنه تنام عينه ولا ينام قلبه، وأنه يخير عند الموت، وأنه يدفن حيث مات، وأنه مؤيد بالوحي، فهذا كله يشترك فيه النبي ﵊ مع غيره من الأنبياء.
ثم خصه الله جل وعلا بخصائص عدة صلوات الله وسلامه عليه، منها هذه الخصيصة، وهي أن الله جل وعلا أخذ العهد والميثاق من النبيين من قبل أنه متى ظهر صلوات الله وسلامه عليه في زمانهم فعليهم أن يتبعوه، وقد ظهر ﵊ وليس هناك نبي، وآخر الأنبياء قبله ﵊ هو عيسى ابن مريم، وبين عيسى ونبينا ﵊ قرابة ستة قرون.
يقول ﵊: (لو كان موسى بن عمران حيا لما وسعه إلا أن يتبعني)، ولذلك فإن الذين قالوا: إن الخضر صاحب موسى المعروف حي نرد عليهم بأن من أعظم الأدلة على أن الخضر غير حي أن النبي ﵊ وقف في لواء يوم بدر، ويوم بدر جمع الله جل وعلا فيه على أرض بدر خيرة خلقه، وذلك اللواء كان تحته النبي ﵊ وجبرائيل، فلو أن الإنسان صنع ما صنع من الدين والمناقب والعطايا والإمامة وغير ذلك فإنه لا يمكن أن يصل إلى الدرجة التي أعطاها الله جل وعلا أهل بدر يوم بدر، فإن الله جل وعلا أخرجهم من بيوتهم ليكونوا مع نبيه ﷺ ، وقد قال حسان بن ثابت مفتخراً في شطر بيت لم تعرف العرب فخرا أعظم منه: جبريل تحت لوائنا ومحمد فلو كان الخضر حيا لوجب عليه شرعاً أن يكون مع النبي ﷺ يوم بدر؛ لأن النبي ﵊ كان يومها في أعظم الحاجة إلى النصرة، ولذلك قال ﵊ وهو ينظر إلى أهل بدر من أصحابه: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا) وقال ﵊ لـ عمر في قصة حاطب: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم) فلا يعدل مقام النبي ﵊ في يوم بدر وأصحابه أي مقام لأي أحد بعدهم من أهل الدنيا، لا من الصحابة ولا من غير الصحابة، فمن باب أولى أن كل ما يصنعه الناس بعد جيل الصحابة لا يمكن أن يرقى إلى صنيع المسلمين الثلاثمائة والأربعة عشر الذين كانوا مع النبي ﵊ يوم بدر.
ومن خصائصه ﵊: أن الرسول يبعث إلى قومه خاصة وهو ﵊ بعث إلى الناس عامة.
ومن خصائصه ﵊ بعث إلى الجن ولما كان ﵊ في وادي نخلة بعد خروجه من الطائف وأخذ يقرأ القرآن ويقوم الليل يتلو آيات ربه جاء الجن فاجتمعوا عليه، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩]، يعني أن نبينا ﷺ يدعو ربه ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، واللبد: الشيء إذا تجمع.
فالجن لما سمعت قراءته ﷺ وتوسله إلى ربه في ظلمة الليل في وادي نخلة أقبلت رغم شدة جبروتها فأحاطت به ﷺ وأخذت تسمع ما يتلوه ويقرؤه ﷺ في ظلمة الليل رغم أنه ﵊ لم يكن يعلم ولم ير الجن وهم يستمعون إليه، ولذلك قال الله له: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن:١]، أي: أنا لا أدري ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١]، فاجتمعوا حوله وسمعوا قراءته وتلاوته وتهجده وتعبده لربه ودعاءه لله وهو لا يعلم عنهم شيء فلما مضى صلوات الله وسلامه عليه أخبره ربه بأن الجن كانت تستمع إليه.
ومن خصائصه ﷺ : رحلة الإسراء والمعراج، وهذه أشهر من أن تعرف.
ومن خصائصه صلوات الله وسلامه عليه أن الله يعطيه يوم القيامة مقام الوسيلة، وهو المقام المحمود قال ﵊: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد صالح، وأرجو أن أكون أنا هو)، صلوات الله وسلامه عليه، فالوسيلة حق له صلوات الله وسلامه عليه من ربه، وهذا من خصائصه ﵊.
والمقام يطول، ولكن الذي يعنينا أن يكون الفرد محباً متبعاً لنبيه ﷺ .
стр. 97
حد محبة الناس وتعظيمهم
وفي عصرنا هذا كثر المشاهير من أهل الحق ومن أهل الباطل، وبالغ الناس فيهم، خاصة مبالغات في أهل الباطل، والمؤمن التقي العاقل الذي يعلم ويتلو كتاب الله حقاً لا يقبل أن يعظم في قلبه إلا الله، فالقلب -يا أخي- مثل الكعبة، فالكعبة لا يليق بأن يكون عليها صور؛ لأنها بيت الله، وقلب المؤمن لا ينبغي أن يعلق بأحد إلا بربه جل وعلا أو من أمرنا الله جل وعلا بأن نحبه، كنبينا ﷺ ، فنحن نحبه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن الله جل وعلا أمرنا بحبه، ولا يمكن أن يرقى حبنا له إلى درجة حبنا لربنا ﵎، كما أن المبالغة في مدح أهل الحق قد يدخلهم في الفتن، وهذا حاصل في عصرنا، فإن الإنسان من طلبة العلم يحمد له حبه للعلماء وحبه للدعاة، وهذا شيء من فضائل الأمور، ولكن لا تحسن المبالغة في تعظيم الدعاة ولا العلماء ولا المدرسين ولا غيرهم مبالغة يتجاوزون بها عن الحد؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، وربما أعجبت الإنسان نفسه من كثرة مبالغة الناس في تعظيمهم له وثنائهم عليه وتقبيلهم لرأسه يوما بعد يوم ومرحلة بعد مرحلة، فيدخله -والعياذ بالله- ما يدخله مما يكون سبباً في هدم دينه وهدم دين أتباعه.
وقد ذكر بعض العلماء الثقات رحمهم الله تعالى أن رجلاً دخل مسجد رسول الله ﷺ وكان يظن نفسه أنه من أولياء الله وهو من أصحاب الطرائق المذمومة، فرآه رجل من العامة كان يجلس بجانب هذا العالم المتوفى الذي كتب هذا بيده، فلما جاء هذا الرجل قام هذا العامي وأجلس هذا الرجل مكانه، فلما فرغت الصلاة -وكان هذا في الحرم النبوي- قال هذا العالم وهو من أساطين العلماء: يا هذا! لا تقم مرة أخرى من مقامك في الحرم لأحد ولو كان القادم أبا بكر وعمر.
قالها للعامي والرجل يسمع، فقال العامي هذا أفضل ممن ذكرت! أي: أفضل من أبي بكر وعمر! وكان ذلك الرجل يسمع ولا ينكر شيئاً عياذا بالله، فهذا الذي قال عامي جاهل، وهذا الذي قبل هذا إنما قبله لمبالغات الناس وثنائهم حتى وصل إلى هذه المرحلة فصدق كذب الناس.
ومن هذا يفهم أنه أحياناً بعد الدرس يقوم بعض الطلاب جزاهم الله خيراً يسلمون ويقبلون رأس العالم، وهذا لا داعي إليه، فإذا كان ولا بد من أن تسلم على الشيخ فصافحه، إلا إذا قدم الإنسان من سفر فلا بأس، لكن أن يقبل كل شيخ بعد كل درس على رأسه أو على غير ذلك فهذا لا يحسن، فهو فتنة للمحاضر وذلة للمتبوع، والعاقل من حرر نفسه وحرر الناس من الرق لأحد سوى الله جل وعلا.
стр. 98
محبة رسول الله سلوك لا دعوى
ثم أن محبتنا لنبينا ﷺ ينبغي أن تنقلب إلى سلوك، فكما ينبغي أن تستقر في القلب ينبغي أن تنقلب إلى سلوك، وذلك أن الإنسان ينظر أين هديه من هدي رسول الله ﷺ ، وليس الدين أن تأخذ من الشرع ما يناسبك وتترك ما لا يناسبك، ولكن الدين أن تعلم أنه مبني على قاعدة واحدة قالها ﷺ ، وهي قوله: (إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإن أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم)، فالقدرات تختلف، وأما النهي الذي نهى عنه ﷺ فإنه يجب أن تنتهي عنه، فقد نهى النبي ﷺ عن الزنا فعن شرب الخمر وعن إيذاء المؤمنات وعن أمور عدة من المحرمات، فهذه لا مجال للأخذ والعطاء فيها، بل ينتهي المؤمن فيها إلى أمر الشرع.
أما ما أمرنا الله به فالناس يختلفون فيه، ولذلك قال ﷺ : (فائتوا منه ما استطعتم)، فصيام ثلاثة أيام من كل شهر وصيام يوم وإفطار يوم أمر محمود، ولكن ليس كل الناس يطيق الصيام، والأمر بالإنفاق أمر محمود، ولكن ليس كل الناس يملك المال، وعلى هذا قس أمورك، فما أمرك به النبي ﵊ افعل منه ما تستطيع أن تفعله، وأما ما نهاك النبي ﵊ عنه فانته عنه بالكلية حتى يكون اتباعك لنبينا ﷺ طريقا لك إلى رحمة الله جل وعلا ومغفرته في جناته جنات النعيم.
стр. 99
بيان معنى قوله تعالى (فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)
يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:٨١ - ٨٢].
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:٨٢] معناه أنه بعد أن بين الله الحجج وأوضح الله تلك الطرائق وأقام الله جل وعلا تلك البراهين إذا جاء من الناس من أعرض وتولى ولم يقبل نداء الله تعالى له فلا ريب في أنه من الفاسقين.
وقد قلنا في درس سابق: إن الفسق ينقسم إلى قسمين: فسق يخرج من الملة، كقول الله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة:١٨]، وفسق غير مخرج من الملة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧]، ومن القواعد العلمية أن العطف يقتضي المغايرة، والله عطف الكفر والفسوق والعصيان بعضها على بعض، فدل على أن الكفر غير الفسوق والفسوق غير العصيان.
стр. 100
تفسير قوله تعالى: (أفغير دين الله يبغون)
ثم قال سبحانه: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣].
قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران:٨٣] الهمزة للاستفهام، والاستفهام هنا استفهام إنكاري، والمعنى: كيف يبغون ديناً غير دين الله؟! فمن عرف هذه الحجج وعرف هذه البراهين واستبانت له لا يمكن أن يقبل دينا غير دين الله ﵎.
ثم ذكر الله جل وعلا ما يدلهم على أنه ينبغي أن يعبدوا الله فقال: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣]، اللام هنا للملكية، والملك قسمان: ملك حقيقي وملك صوري، وما يجري في الدنيا اليوم هو ملك صوري، وأما الملك الحقيقي فهو لله، فما تملكه اليوم إما أن تذهب عنه وإما أن يذهب عنك، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٦]، مع أن الملك يومئذ واليوم لله، وقال الله جل وعلا في آخر الانفطار: ﴿وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩]، ولا شك في أن الأمر كل يوم لله، ولكنه المقصود أن ملك الصورة يغيب ويذهب يومها.
стр. 101
بيان معنى قوله تعالى (وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرها)
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣]، أي: انقاد وخضع واستسلم لله ﵎ (طَوْعًا وَكَرْهًا)، هذا من الأضداد، ويسميه البلاغيون طباقاً، فإذا جاءت الكلمتان متضادان سمي البلاغيون ذلك طباقاً، ومنه الليل النهار، وقوله: (طوعاً) معرف، وكذلك كرهاً، ونفرق بين (كَرهاً) بفتح الكاف و (كُرهاً) بضم الكاف بأن الكَره هو المشقة الخارجة عنك التي لا تريدها، أي: الأمر الذي تجبر عليه وأنت لا تريده.
وأما (الكُره) -بضم الكاف- فهو المشقة التي تريدها رغم أن فيها مشقة؛ لأن فيها منفعة رغم مشقتها.
وبالأمثال يتضح الحال، فالكره جاء في مثل قول لله ﵎: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣]، وقول الله ﵎: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء:١٩]، أي: وهن غير راضيات.
وأما (الكُره) فإن الله كتب الحمل على بنات حواء، وقال : ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف:١٥]، فمشقة التي تأتي للمرأة مشقة مرغوبة، فما من امرأة إلا وهي تريد أن تلد وتحمل، فهي مشقة مرغوبة، ولذلك عبر الله جل وعلا عنها بالكُره.
قال الله جل وعلا عن الجهاد في سبيله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، بضم الكاف، والجهاد فيه مشقة؛ لأنه فيه ذهاب أرواح وذهاب أبدان وذهاب أموال، وينال الناس فيه من العناء والمشقة الشيء العظيم، ولكن ما فيه من أجر وما يتعلق به من ثواب وما ينال المسلم به من قربات عند الله يجعله محبوباً إلى النفوس، ولذلك عبر الله جل وعلا عنه بضم الكاف.
ثم بين دلالة ملكه وعظيم عطائه فقال جل ذكره: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:٨٣]، أي: أن مآبهم ومردهم إلى الله ﵎، وهذه آية من مثاني القرآن سيأتي عنها الحديث تفصيلاً.
هذا ما أردنا بيانه، ونسأل الله جل وعلا لنا ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين.
стр. 102
سلسلة تأملات قرآنية [٥]
من هدي القرآن الكريم بيان أعمال الخير للعباد، وقد ذكر الله تعالى في كتابه طريق نيل البر، وهو الإنفاق في سبيله، وذكر من ذلك الحج إلى بيته الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً.
كما أن من هدي القرآن بيان كذب اليهود فيما حرمه الله تعالى على بني إسرائيل، ليتحقق المرء من صدق رسول الله، فإذا ظهر الصدق لم يبق إلا وجوب الاتباع.
стр. 103
تفسير قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)
стр. 104
نيل معالي الأمور بالإنفاق في سبيل الله
الحمد لله خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فهذا درس في تفسير كتاب الله جل وعلا، وما زلنا في سورة آل عمران، وتفسير هذا الدرس سيكون حول قول الله : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] إلى قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧].
فنقول مستعينين بالله : قال ربنا تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢].
المعنى الإجمالي للآية: أن الله جل وعلا يخبر أن معالي الأمور، والجوامع لكل خير التي هي رأس كل غاية، وأمل كل مؤمن، لا تنال إلا بإنفاق الإنسان لأشياء يحبها، والله جل وعلا جبل القلوب على حب المال، كما قال سبحانه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:٢٠]، وقال جل ذكره: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨].
والمال هنا ليس حصراً على النقدين الذهب والفضة، وإنما المال كل ما يتموله الإنسان ويملكه من نقدين، أو أراض، أو عقار، أو غير ذلك، كعروض التجارة، فهذا كله يدخل تحت مسمى المال.
فالله جل وعلا يقول: إن النفوس جبلت على حب المال، فإذا بلغ الإنسان مرتبة يتخلى فيها عما يحب لشيء أعظم -وهو حبه لله جل وعلا- كان ذلك موصلاً لطريق الخير والبر.
يقول تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران:٩٢] أي: لن تحصلوا عليه, ولن تدركوه ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] أي: لكي يتخلى الإنسان عن محبة الدنيا والتعلق بها ولكي يصل بنفسه إلى مرحلة عليا عليه أن يتخلى عما يحب من أجل ما عند الله جل وعلا من ثواب وعطاء وجزاء.
ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢]، فكل ما ينفقه الإنسان مما عظم أو حقر يعلمه الله جل وعلا ويكتبه له، إن خيراً فخير، وإن كان غير ذلك فغير ذلك.
стр. 105
مسارعة الصحابة في الإنفاق من المحبوب
ولما نزلت هذه الآية كان جيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أعظم جيل بلا شك، فقد ناصروا نبينا ﷺ وأيدوه ووقفوا معه، فهم شامة في جبين الأيام، وتاج في مفرق الأعوام ﵃ وأرضاهم.
فلما نزلت هذه الآية تسابقوا رضوان الله ﵎ عليهم في الإنفاق مما يحبون.
ومما نقل نقلاً صحيحاً ما في الصحيحين من حديث أبي طلحة الأنصاري ﵁ كما روى عنه أنس، وذلك أن أبا طلحة الصحابي الجليل كان له نخل في مقدمة المسجد النبوي تسمى: بيرحاء، وكانت في مقدمة المسجد، وكان ماؤها عذباً طيباً، فكان النبي ﵊ يدخل ذلك النخل فيشرب من ذلك الماء الطيب، فلما نزلت هذه الآية عمد هذا الصحابي الجليل ﵁ وأرضاه فأشهد النبي ﷺ على أن هذا النخل صدقة في سبيل الله، فقبلها ﵊ وقال له من باب الإرشاد: (اجعلها في أقربائك) فجعلها أبو طلحة بأمر النبي ﵊ وإرشاده في اثنين من الأنصار هما: حسان بن ثابت وأبي بن كعب، وكانا من ذوي قرابة أبي طلحة ﵁ وأرضاه.
كما نقل من وجه آخر أن زيد بن حارثة الذي جاء ذكره في القرآن، وهو أحد أصحاب النبي ﷺ كانت له فرس تسمى سبل، وكانت أثيرة عنده مقربة لديه، فلما أنزل الله جل وعلا قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] جاء زيد ﵁ إلى نبينا ﷺ وقال: يا نبي الله! إن فرسي (سبل) أحب مالي إلي، وقد أشهدتك أني جعلتها صدقة في سبيل الله، وأعطاها النبي ﵊ ليتصدق بها، فدعا النبي ﵊ أسامة بن زيد وأعطاه الفرس، فلما أعطاه الفرس قال: (اقبضه يا أسامة) فتغير وجه زيد؛ لأنه ما كان يريد أن يأخذها ولده، حتى يشعر أنه أنفق في جهة بعيدة، فلما رأى النبي ﷺ تغير وجه زيد قال: (يا زيد! إن الله جل وعلا قد قبل صدقتك منك).
فالمقصود هو إخراج حب المال من القلوب.
стр. 106
بيان أهمية الوسع في الإنفاق
وموقع المال مسألة لا تهم، إذا اجتهد الإنسان وبذل جهده، فقد يقع في قرابة وقد يقع في غير قرابة، فهو مأمور بأن يجتهد في وضع ماله، والمهم هو إخراج الدنيا من القلوب، وليس معنى ذلك أن يأتي الإنسان إلى شيء يقتات به وعياله ثم ينفقه كما نسمع بين الحين والآخر، فإن هذا قد يكون في بعض الأحايين مخالفاً للصواب، قال الله جل وعلا ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء:٢٩ - ٣٠].
فالإنفاق هو أن ينفق الإنسان من أحب ما لديه، ولكن ينظر الإنسان نظرة توازن في أهله وذويه وأبنائه والذين لهم حق عليه، والناس في هذا يختلفون اختلافاً جذرياً، فمنهم من يستطيع أن يعوض، ومنهم من لا يستطيع أن يعوض، بمعنى أن هناك من لو أنفق ماله وذهب يقترض لا يقرضه أحد، فهذا لو أنفق ماله كله لأصبح أشد ممن أنفق عليهم، ولا يقول بهذا عاقل.
ولكن قد يوجد إنسان له جاه وله قدرة على أن يستدين، إذ يحبه الناس لكونه معروفاً كإمام مسجد أو خطيب أو مدير أو موظف كبير، فهذا لو أعطى ماله كله فإنه يستطيع أن يعوضه، فلو أنفق اليوم ماله كله غداً فإنه قد يكسب شيئا آخر، وعلى هذا يحمل ما فعله الصحابة.
ولا يأتي إنسان ليقول: إنَّ أبا بكر أنفق ماله كله! فـ أبو بكر قد أنفق ماله كله، ولكن أبا بكر كان تاجراً، فما ينفقه اليوم يعوضه غداً.
وقد نسمع أحياناً في بعض الحملات كالحملة للانتفاضة أو غيرها بأن إنساناً لا يملك إلا السيارة التي ينقل عليها الماء، ويسميها العامة الوايت، فلما تبرع بها قال: يعلم الله أنني لا أملك غيرها، وبها أقتات لأبنائي، ثم قال: جعلتها في سبيل الله! فهذا ليس بحق وليس برشد وليس بعقل، فنسأل الله أن يتقبل منه، ولكن هذا أمر لا يقبل؛ لأن النبي ﵊ قال: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت).
فهذا الرجل إذا أمسى وأبناؤه لا يجدون طعاماً في ظل هذا الزمن الذي يحتاج الناس فيه إلى الدينار والدرهم، كره أبناؤه الدين؛ لأنهم يشعرون أن الدين هو السبب في إنفاق المال كله.
والمقصود أن الإنسان يتبع السنة بفهم للسنة، لا بفهمه هو، فـ أبو طلحة ﵁ رجل غني رجل ثري، وكان من ماله بستان بجوار المسجد هو أحب ماله إليه، فماله كثير، ولكن هذا كان أحب ماله إليه، كإنسان عنده مزرعة وعنده قصر أفراح وعنده عمارات، فأحب ماله إليه هو المزرعة أو قصر الأفراح، فإن تصدق بقصر الأفراح، أو تصدق بعمارة، أو تصدق بالمزرعة فقد طبق السنة.
أما أن يأتي إنسان لا يملك شيئاً، أو لا يملك إلا راتبه، وقد لا يأتيه الراتب أحياناً، أو كان موظفاً في شركة فمرة يُثَبتَّ ومرة لا يُثَبتَّ، ثم يأتي فيقول: أنفقت مالي كله لمؤسسة كذا أو لجمعية كذا أو لسبب كذا، فهذا غير صحيح، فالإنسان إذا كان راشداً عاقلاً لا يتكلف مفقوداً ولا يرد موجوداً، ويمشي بخطى، والله أعلم بما في صدور العالمين، ولا حاجة إلى أن يري الناس ما تصنع.
فنقول عموماً: إن الإنفاق من أعظم أسباب حصول الخير، ولكن بضوابطه الشرعية، وكلما كان في السر كان أبلغ وأعظم، فقد قال ﵊ لما ذكر السبعة: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
وليست العبرة بالكثرة، بل العبرة بأن يصيب مال الإنسان ذا فاقة، وإذا كان ذا قرابة كان أولى وأحرى؛ لأن النبي ﵊ أمر أبا طلحة بأن يضع ماله في قرابته، فوضعها -كما بينا- في حسان وأبي بن كعب ﵃ أجمعين.
هذا هو المعنى الإجمالي للآية.
стр. 107
فوائد نحوية
و (لن) حرف ناصب يفيد نفي المستقبل، كما أن (لم) حرف جازم يفيد نفي الزمن الماضي، وكلاهما يؤثر في الفعل بعدها، فـ (لن): تنصبه، و (لم): تجزمه.
فالله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا﴾ [آل عمران:٩٢] وأصل الفعل (تنالون) بنون زائدة في آخر الفعل تسمى نون الرفع للأفعال الخمسة، فلما دخلت (لن) حذفت النون فأصبحت ﴿لَنْ تَنَالُوا﴾ [آل عمران:٩٢] بدون نون، وتوضع ألف للدلالة على أن الواو واو جماعة.
стр. 108
بيان المقصود بالبر
قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران:٩٢] واختلف العلماء في المقصود بالبر: فقيل: إنه الجنة، وهذا رأي ابن مسعود وابن عباس والسدي وغيرهم من أئمة التفسير.
إذا قلنا: إنه الجنة فإنه يصبح تقدير الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا﴾ [آل عمران:٩٢] أي: ثواب البر الذي هو الجنة، فوضع المقدر مكان ما قدر به.
وقيل: إن البر اسم جامع لكل خير، واختاره ابن سعدي في تفسيره، فالمعنى: أن يصل الإنسان إلى الاسم الجامع لكل خير.
والصحيح أن يقال: المعنى متقارب؛ لأن النبي ﵊ لما ذكر الصدق قال: (وإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة).
стр. 109
ذكر معاني (حتى) في النحو
ونلحظ في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] وجود (حتى)، وقد قال أحد النحاة قبل أن يموت: أموت وفي نفسي شيء من (حتى)، والمعنى: أن حتى حرف غريب في تأثيره فيما بعده، وذلك أنهم لما نظروا إلى الأحرف وجدوا أن عملها واضح جلي، فبعضها ينصب، وبعضها يجزم، وبعضها عاطف، وبعضها استئنافي، وأما (حتى) فوجدوا أنها تقبل الجميع، كقولك: أكلت السمكة.
فـ (أكلت) فعل وفاعل، و (السمكة) مفعول به، ويقال بعد ذلك: (حتى رأسها) قالوا: إن قلت: أكلت السمكة حتى رأسُها بالرفع صح، وإن قلت أكلت السمكة حتى رأسَها بالنصب صح، وإن قلت أكلت السمكة حتى رأسِها بالجر صح، وهذا الذي أشكل على النحاة، فقولك: (أكلت السمكة حتى رأسُها)، تصبح فيه (حتى) حرف استئناف، فيصبح المعنى: أكلت السكة حتى رأسها أكلت، فتعرب (رأسها) مبتدأ، و (أكلت) المقدر المحذوف خبراً.
وإن قلت: (أكلت السمكة حتى رأسَها) بالنصب تكون قد جعلت (حتى) حرف عطف، فعطفت كلمة (رأس) على السمكة.
وإن قلت: (أكلت السمكة حتى رأسِها) بالجر تكون قد جعلت (حتى) حرف جر، وما بعدها اسم مجرور.
стр. 110
بيان معنى قوله تعالى (وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم)
يقول تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢] (ما) تأتي نافية، وتأتي استفهامية، وهنا أتت شرطية، فالجملة جملة شرط، وأداة الشرط (ما) وفعل الشرط (تنفقوا) وجواب الشرط الجملة الاسمية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢] فالفاء في قول الله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٩٢] واقعة في جواب الشرط.
следующие страницы →