Полный текст (705 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
دفع توهم التكرار في قول الله (وقيل يا أرض ابلعي ماءك)
السؤال
يقول السائل: قول الله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود:٤٤]، يقول: ليس هناك ترادف، وكأن المعنى واحد، فما المقصود بذلك؟
الجواب
إن أمر الله لا يكون فيه تكرار، وهذا ليس فيه تكرار، وإنما المعنى: أن الأرض أخرجت ما عندها من الماء، والسماء أمطرت ماء، فقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود:٤٤] أي: الماء الذي أخرجته، وأما ماء السماء فقال الله عنه: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود:٤٤]، فالأرض بلعت ماءها الذي أخرجته؛ لأن الله قال: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٢] * وقال: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر:١١]، فالتقى ماء السماء وماء الأرض، فقول الله: ﴿ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود:٤٤] عائد على الأرض في الماء الذي أخرجته، وقوله: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود:٤٤] في الماء الذي نزل من السماء، وعلى ذلك فلا تكرار في الآية.
стр. 667
دخول الرجل بيت صديقه في غيابه
السؤال
هل يجوز للزوجة أن تستضيف صديق زوجها في غيابه حتى يحضر، وخاصة في زماننا هذا؟
الجواب
هذا مرده إلى أمور كثيرة، فإن كان في البيت أطفال وخدم كبيوت العرب قديماً، فهذا لا حرج فيه، أما إن لم تكن إلا الزوجة لوحدها فلا يجوز قطعاً؛ لأنه سيحدث نوع من الخلوة، خاصة في الشقق وفي الفلل البعيدة، فهذا كله لا يجوز؛ لأنه مظنة شبهة وتهمة، ولا يفعله عاقل؛ لأنه يفتح باب شر عظيم، حتى لو لم يحصل شيء فقد يأتي الزوج ويدخل في قلبه ما الله به عليم.
أما العرب قديماً فقد كانت بيوتهم فيها خدم، وغلمان وعبيد وجواري يدخلن ويخرجن، فإذا كان الأمر كذلك فلا بأس، وكذلك في زماننا لو أن الإنسان يدخل على رجل من أهل الثرى، وعنده خدم وحشم فيدخل المجلس وزوجة صاحبه في الدور العلوي، ويأتي أبناؤه وخادمه ويدخلون ويخرجون فهذا كله لا حرج فيه، فتقدر الحالة بقدرها والله أعلم.
стр. 668
الرد على من يحذر من الشيخ عائض القرني
السؤال
ما رأيكم فيمن يحذر من الشيخ عائض القرني؟
الجواب
الشيخ عائض القرني لا نعلم عنه إلا خيراً، وكونه يخطئ ويصيب، فكل الناس يخطئون ولا يخلو أحد من الخطأ، لكن الشيخ من أهل السنة معروف بفضله، ولا نعلم عليه -والله تعالى أعلم- أمراً يقدح في دينه أو في علمه أو في عقيدته، أما كونه يخطئ، فكلنا يخطئ ويصيب.
وأنت عندما تسمع لزيد وعمرو لا يعني ذلك أنك ملزم بما يقول، وإنما خذ من كل إنسان ما ينفعك منه، ودع الباقي.
стр. 669
سبب كون سورة هود مكية إلا آية واحدة
السؤال
يقول: ما سبب كون سورة هود كلها مكية إلا آية واحدة مدنية؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
إن ما نزل قبل الهجرة من القرآن مكي، وما نزل بعد الهجرة مدني، فأكثر آيات القرآن كسورة هود نزلت في مكة، فلما نزل قول الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ﴾ [هود:١١٤] قال النبي ﷺ لأصحابه: (ضعوها في موضع كذا)، في موضعها الذي هي فيه اليوم، فأصبحت بذلك مدنية.
стр. 670
الأعراب
السؤال
يقول الله تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة:٩٧] منهم الأعراب؟
الجواب
الآية يقصد بها من كان حول النبي ﷺ ، فمن سكن البادية ورفض الانتقال ودخول المدن، فهذا يقال له: أعرابي، لكن ليس كل أعرابي مذموم، قال الله: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:٩٩]، والذي يستشهد بالقرآن عليه أن يستشهد به كاملاً.
стр. 671
السؤال
أنا شاب من الله علي بالاستقامة على شرعه وهديه، وظاهري ظاهر الصالحين، ولكن لدي ذنب أعاوده بين فترة وأخرى، وأخشى أن يهلكني، وقد أصبحت أفكر بالانتكاس حتى لا أكون منافقاً أخدع نفسي، فباطني مخالف لظاهري، فأرجو منك يا شيخ أن تدلني على حل يخرجني مما أنا فيه؟
الجواب
أقول: لا يخلو أحد من المعاصي كائناً من كان، وهذه من طرائق دخول الشيطان على بني آدم، ولا يوجد شيء لا يمكن تركه، وإن قدرنا أنك لن تستطع تركه على الأقل في الفترة الحالية، كمن -مثلاً- يبتلى بالنظر إلى النساء فهو شاب لم يتزوج فهذا لا يكون سبباً في الانتكاس، إنما يستغفر كل ما وقع منه هذا الشيء حتى يتزوج، هذه مرحلة، فإذا أكثر من الصلوات في الحرم، وصام الإثنين والخميس وأمثالها تكفر تلك الخطيئة، وإذا صدق مع الله جل وعلا يصدقه الرب ﵎.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 672
سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة يونس [١]
في هذه المادة تجد طرائف من العلم في باب القرآن، فتجد الكلام على عدد سور القرآن، وأقسام سوره، وأسماء السور التي سميت بأسماء الأنبياء والصالحين، وأسماء النساء.
وكذلك على أقسام الأيمان من حيث الاضطرار والاختيار، والمقبول منها، وكذلك الكلام على تحية أهل الجنة وغير ذلك من التفريعات.
стр. 673
التعدية بـ (اللام) في قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء) يفيد التمليك
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا واحد من اللقاءات المتجددة مع كتاب ربنا جل وعلا، وكنا قد انتهينا في اللقاء الماضي مما أردنا أن نعلق عليه من سورة التوبة، ونشرع اليوم إن شاء الله تعالى في تفسير سورة يونس وسنختار بعض الآيات منها للتعليق عليها كما جرت العادة.
وقبل أن نشرع فيها نستذكر بعضاً مما ذكرناه في سورة التوبة، فقد بينا أن الله جل وعلا قال فيها: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦٠].
وقلنا: إن (إنما) أداة من أدوات الحصر، وقلنا: إن الله جل وعلا هنا جعل الزكاة الشرعية منصرفة إلى ثمانية أقسام، وعدى بعضها باللام وعدى بعضها بفي، والفرق في التعدية باللام والتعدية بفي أن اللام تقتضي التمليك، وأما في فلا تقتضي التمليك، وحتى تظهر المسألة: لو أن إنساناً أراد أن يخرج زكاة ماله فأراد أن يعطي فقيراً فإنه يلزمه شرعاً أن يسلم الفقير المال بنفسه.
يعني: يصل المال إلى الفقير بأي واسطة كانت، فلا بد أن يملكه الفقير حتى تكون هذه الزكاة قد وصلت، وهذا مقتضى قول الرب جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠].
وأما التعدية بفي فلا يلزم أن يقبضها من صرفت له بنفسه، فمثلاً: لو وجد مجاهدون متطوعون كما في الزمن القديم فأراد إنسان أن يزكي فاشترى بزكاة ماله فرساً، فوضع الفرس في حظيرة تعطى للمجاهدين فهذا يكفي، ولا يلزم تسليمها إلى مجاهد بعينه، هذا الفرق بين الأمرين.
стр. 674
المراد بابن السبيل في قوله تعالى: (وابن السبيل)
وذكرنا اختلاف العلماء في قوله جل وعلا: ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠]، ورجحنا أنه المجاهد المتطوع في أصح أقوال العلماء، وللعلماء في ذلك - كما قلنا - أقوال عدة.
стр. 675
المعتبر في الشيء أصل تأسيسه
وتكلمنا عن مسجد الضرار وقلنا: إن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:١٠٧].
وقلنا: إن المعتبر في الشيء هو أصل تأسيسه، فالمسجد هذا رغم أنه بني مسجداً لكن لما أسس لغير الغاية المنشودة من المساجد وأسس ضراراً وكفراً لم ينفعه أنه مسجد، فأمر النبي ﷺ بهدمه وإحراقه، ولا يقال: إنه تغير نيته، فلو كان كذلك لبعث النبي ﷺ أبا بكر أو عمر أو غيرهما من وجهاء الصحابة وأقاموا فيه الصلوات وغيروا الطريقة التي من أجلها أنشئ، لكن ما أنشئ على باطل يبقى منشأً على باطل، وما أنشئ على حق يبقى منشأ على حق، ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
стр. 676
أول مسجد بني في الإسلام هو مسجد قباء
وقلنا: إن الصحيح أن المقصود هنا مسجد قباء، ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة:١٠٨] أي: من أول يوم في الهجرة، وليس معناه أنه أول مسجد أسس في العالمين، فإن أول مسجد أسس في العالمين هو المسجد الحرام، لكن أول مسجد أسس في الإسلام هو مسجد قباء.
стр. 677
بعض الفوائد اللغوية من القرآن
ومن الفوائد اللغوية: أن الله قال: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨]، وبعدها: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨]، وهاتان (فيه فيه) كلمتان متشابهتان لم يفصل بينهما فاصل، فهذه إحدى الفوائد اللغوية في القرآن.
ومثلها قول الله في الأنعام: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤] وبعدها: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فجاء لفظ الجلالة مكرراً لا يفصل بينهما فاصل إلا المعنى، فتقف عند قول الله جل وعلا: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٢٤] ثم تقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤].
الفائدة الثالثة: جاءت ثلاث هاءات في القرآن متوالية لا يفصل بينهما فاصل، وهي في قول الله جل وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] فإلهه مختومة بهاءين، والكلمة التي بعدها مبدوءة بها، فأصبحت ثلاث هاءات جاءت وراء بعضها البعض.
فهذه الفوائد تعينك وتحفز همتك على تدبر كلام الله، وتدبر كلام الله أياً كان فهو نافع؛ لأن الإنسان لا بد أن يشغل نفسه بحق أو بباطل حتى ولو فكر ذهنياً، فلأن تنقضي الأعمار في التفكر في كتاب الواحد القهار خير من أن تنقضي في شيء آخر أياً كان.
وهذا سر أن علم القرآن أشرف العلوم.
هذا ما تكلمنا عنه في الأسبوع الماضي.
стр. 678
أقسام القرآن من حيث عدد الآيات
واليوم نتكلم عن سورة يونس، وسورة يونس عدد آياتها فوق المائة، وكنا قدمنا في الدرس الأول أو الثاني من هذه اللقاءات: أن العلماء يقسمون القرآن جملة كسور إلى أربعة أقسام: الأول: ويسمى السبع الطوال.
والقسم الثاني: ويسمى المئون، وهو جمع مائة.
والثالث: ويسمى المثاني.
والرابع: ويسمى المفصل، ويقال له: المحكم.
هذه الأربع الأقسام العلاقة بينها وبين سورة يونس أن سورة يونس عند قوم من السبع الطوال، وعند آخرين من المئين، فسورة يونس لا تنفك إما من المئين وإما من السبع الطوال.
وقلنا في دروس سابقة أن السبع الطوال هي ترتيب المصحف: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف.
فهذه الست متفق على أنها من السبع الطوال.
وأما السابعة فمن العلماء من يرى أن التوبة والأنفال سورة واحدة كما مر معنا، فهذا يجعل التوبة والأنفال هي السابعة، وعلى هذا يكون عدد سور المصحف بهذا الترتيب مائة وثلاث عشرة.
ومَن لا يرى أن التوبة والأنفال سورة واحدة - وهذا هو الذي عليه الجمهور أن التوبة والأنفال ليست سورة واحدة - يجعل السابعة من السبع الطوال يونس، فيقفز التوبة والأنفال.
وبعد الطوال تأتي المؤون، والمئون عند العلماء ما جاوزت أو قاربت المائة آية، سميت بذلك لأنها جاوزت أو قاربت المائة آية.
стр. 679
من مهمات العلم فهم وتصور الكليات له
ومن طرائق العلم أن الإنسان لا بد أن يتصور ويفهم العلم الذي يريد أن يدخل فيه عموماً، وأما الاكتفاء بالجزئيات فلا يمكن أن يبني علماً، فلا بد أن تتصور المسألة عموماً، والجهل بالجزئيات هنا لا يضر، لكن إذا كان الإنسان يفقه الجزئيات ويجهل الكليات فهذا ليس بعلم، فالعلم أن تفهم الأمور بكلياتها.
مثلاً: رجل غريب من غير السعودية تريد أن تصف له المسجد الذي على الطريق ويسمى جامع النزاوي، فتقول له: عند دوار القبلتين مثلاً، فهذا ليس بجواب، فأول شيء تبين له في السعودية، ثم تذكر له أنه في المدينة، ثم تقول له: في الجهة الغربية من المدينة، ثم تقول له: عند دوار القبلتين.
فلا تبدأ بالجزئيات؛ لأن الجزئيات لا تقدم علماً.
فإذا أردت أن تعرف كلام الله فيجب أن تعرف أولاً أنه مائة وأربع عشرة سورة، وأنه مقسم إلى أربعة أقسام من حيث جمع السور بعضها إلى بعض، وأنه مقسم من حيث النزول إلى مكي ومدني، ومقسم من حيث الحكم إلى ناسخ ومنسوخ، ومقسم من حيث الإيمان إلى محكم ومتشابه، ومقسم من حيث الجملة إلى عام وخاص.
فإذا فهمت هذا فإنك ستفهم القرآن.
وأما أن يدخل الإنسان للجزئيات فلن يفقه شيئاً في دين الله، فهذه معلومات تقال في كتب مسابقات ثقافية، فيجيب عليها إنسان قرأ ورقة تقويم فاستفاد معلومة، فيدخل المسابقة فيأتي السؤال الذي قرأه في التقويم فيجيب، فيقول الناس: فلان عالم أو هذا مثقف، هذا ليس بعلم.
العلم الشرعي هو الذي يتصدر به الإنسان للناس، فينبغي أن يكون مؤصلاً بهذه الطريقة.
فقلنا: إن القرآن يقسم إلى السبع الطوال وذكرناها، ثم المئين، ثم يقسم إلى المثاني، وقد عرفنا لماذا سميت بالمئين، لأنها تصل إلى المائة، والطوال سميت كذلك لطولها، وأما المثاني فسميت كذلك من التكرار، لأنها تقرأ في الصلوات أكثر من غيرها، فسميت مثاني.
стр. 680
تابع أقسام القرآن: الكلام على المفصل، وسبب تسميته بذلك
والقسم الرابع: المفصل، وقد بينا اختلاف العلماء في بداية المفصل، فقيل من (ق)، وقيل: من الحجرات، الذي يعنينا أن المفصل سمي بالمفصل لأنه كثيراً ما يفصل فيه ما بين سوره بقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
جاء في مسند الإمام أحمد من حديث ابن عباس بسند صحيح: أن المفصل يسمى المحكم.
فلماذا المفصل يسمى المحكم؟ لأنه لم يدخله النسخ كثيراً، فمسائل المفصل في الأخير مسائل عقدية كما لا تقبل النسخ، والنسخ إنما يأتي في الأحكام، والأحكام هي في السور المدنية: في البقرة وفي الأعراف، وفي الأنعام وأمثالها.
أما أحكام العقائد: أن الله جل وعلا واحد، والنبي ﷺ رسول، واليوم الآخر بعث فهذا ما يقبل النسخ، فيسمى محكماً أو يسمى مفصلاً.
وسورة يونس ذكرها أن العلماء يتأرجح قولهم ما بين أنها من السبع الطوال أو من المئين، وهي بحسب ترتيب المصحف.
стр. 681
السور التي سميت بأسماء الأنبياء والصالحين
وهي أول سورة في القرآن سميت باسم نبي بحسب ترتيب المصحف لا بحسب النزول، والقرآن بالنسبة للأعيان ورد فيه أسماء سور بأسماء أنبياء، وسور للقرآن بأسماء قوم صالحين لم تثبت نبوتهم.
فمما ورد بأسماء أنبياء أول سورة هي يونس، وتعقبها مباشرة سورتان: هود ويوسف، ثم بعدها قد يقال: طه وياسين؛ لاختلاف العلماء في طه وياسين.
وبعدها إبراهيم وهو الرابع، بقيت اثنتان: سورة محمد ﷺ ، ولها اسم ثانٍ سورة القتال، وسورة نوح.
إذاً فأسماء الأنبياء التي أطلقت السور بأسمائهم ست، وهي: يونس وهود ويوسف، وهذه الثلاث متتابعة، وهناك ثلاث متفرقة حسب ترتيب المصحف وهي: إبراهيم ومحمد ونوح، عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام.
ثم جاءت سور بأسماء قوم صالحين لم تثبت نبوتهم مثل أول سورة: آل عمران، فإنهم قوم صالحون بالاتفاق، ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران:٣٣]، وسورة مريم، وسورة لقمان، فـ مريم ولقمان وآل عمران هؤلاء قوم صالحون وليسوا بأنبياء، اللهم إلا أن يقال: إن من آل عمران عيسى فممكن، لكن إذا قلنا بالجملة فإنهم قوم صالحون.
стр. 682
أقسام الإيمان
ومما يتعلق بالسورة أنها سميت باسم نبي اشتهرت قصته وهو يونس ﵇، وقصته معروفة، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨].
وقد ذكرنا في دروس سبقت: أن سنن الله لا تتبدل ولا تتغير، فإذا استثنى الله شيئاً فإنه ينبه على أنه خارج عن سنته، فإذا خرج الشيء عن سنة الله التي جرت في الخلق فلا يجوز لأحد أن يستشهد بها، والدليل على هذا: أن النبي ﷺ لما دخل مكة -في أصح قولي العلماء- حارب وقاتل، ومكة في سنة الله في خلقه أنها محرمة، فقال ﷺ يرد هذا الباب ويردم هذه الفجوة، قال: (إن الله حرم القتال فيها، وإن الله أحلها لنبيه ساعة من نهار ولم يحلها لأحد)، فهذا دلالة على أن الخارج عن السنة لا يستشهد به.
وذكرنا مراراً: أن الإيمان إيمان اضطراري وإيمان اختياري، وقلنا: إن الله لا يقبل الإيمان الاضطراري أبداً، والإيمان الاضطراري له حالتان: الحالة الأولى: عامة لم تأت، وهي طلوع الشمس من مغربها، والدليل عليه قول: الله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا﴾ [الأنعام:١٥٨] فنفساً مفعول به مقدم.
﴿إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام:١٥٨] فاعل، يعني: لا ينفع الإيمانُ النفسَ.
والحالة الثانية: إذا حق العذاب ونزل فلا يقبل، كما قال فرعون: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، ومع ذلك لم يقبل الله منه إيماناً.
وهذه السنة الكونية العامة أخرج الله منها قوم يونس؛ لحكمة أخفاها الله، لكن أثبتها الواقع، قال الله: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس:٩٨]، ومعنى الآية: إذا آمنت قرية وقت حقوق العذاب فلا يقبل منها.
﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾ [يونس:٩٨] يعني: لا يوجد قرية آمنت فنفعها إيمانها.
ثم استثنى ربنا فقال: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨]، ولهذا اختلف العلماء هل إيمانهم هذا يقبل في الآخرة أو لا يقبل؟ والصواب إن شاء الله أنه يقبل، فما دام أن الله أكرمهم في الدنيا فسيكرمهم في الآخرة.
وقلنا: إن يونس أحد أنبياء الله من بني إسرائيل، ولا حاجة للإخبار عن قصته لاشتهارها.
стр. 683
السور التي أمر الله تعالى فيها نبيه بأن يحلف
ذكرنا أن هذه السورة هي أول سورة بدأت باسم نبي، كما أنها أول سورة ذكر فيها الحلف الذي أمر الله به نبيه، وقد أمر الله نبيه أن يحلف في ثلاثة مواضع في القرآن على شيء واحد وهو: تحقيق البعث، وهذا فيه دلالة لقول من قال: إن كثرة الحلف ليست بقادح.
فبعض الناس يقول: كثرة الحلف لا تصلح، لكن هذا فيه رد على ذلك، قالوا: إن الله أمر نبيه أن يحلف ثلاث مرات، فأول مرة في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣]، وأمره أن يحلف في سبأ.
والثالثة في التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، وكل القسم جاء بكلمة وربي، إلا أنه في يونس قال الله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣]، وإي عند النحويين حرف جواب بمعنى: نعم، إلا أن النحويين يقولون: إنها لا يؤتى بها إلا إذا جاء بعدها قسم.
هذا ما يتعلق بالسورة إجمالاً، وسنختار كالعادة آيات منها.
стр. 684
تفسير قوله تعالى: (قدم صدق عند ربهم)
الآية الأولى قوله جل وعلا: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس:٢].
فالخطاب للنبي ﷺ ، والبشارة أمر معروف، لكن العلماء رحمهم اختلفوا في معنى قوله جل وعلا: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس:٢] على أقوال وكل يعضدها دليل.
قال بعض العلماء: قَدَمُ الصدْق المقصود به الجنة، يعني: المكان أو المقام أو المدخل، وحجة هؤلاء قول الله جل وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء:٨٠]، فقالوا: إن المدخل والقدم كلها بمعنى واحد، والمقصود بالآية هنا الجنة.
وهذا يظهر أنه بعيد.
الأمر الثاني قالوا: إن المقصود بها شفيع قبلهم، وهذا الشفيع هو الذي يجعل هؤلاء المؤمنين يتكئون على شيء قبل أن يصلوا إلى ربهم، وهؤلاء قالوا: إن المقصود به شفاعة نبينا ﷺ .
واحتجوا بما جاء في السنة الصحيحة أنه ﷺ قال: (أنا فرطكم على الحوض) أي: سابقكم إلى الحوض.
فهذه حجة من قال: إن القدم هي الشفيع.
وبعضهم أبعد قليلاً -وهو قول الحسن البصري ﵀ أبو سعيد الإمام المعروف- قال: إن قدم الصدق هي وفاة النبي ﷺ .
ووجه الدلالة عنده أن وفاة النبي ﷺ مصيبة، وصبر المؤمنين على هذه المصيبة هي قدم صدق عند الرب.
فالقول الثاني تفرع عنه قول الحسن البصري.
القول الثالث: أن قدم الصدق هي ما كتب الله في الأزل أن هؤلاء لهم الجنة، وهؤلاء حجتهم آية الأنبياء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، فقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء:١٠١] دليل على أن الحسنى سبقت لهم من قبل، فقالوا: إن معنى قول ربنا جل وعلا: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس:٢] أن المقصود بها ما كتبه الله جل وعلا في الأزل من أن لهم الجنة، وهذا قول قوي جداً.
القول الرابع: أن المقصود بقدم الصدق العمل الصالح، وهذا قول مقاتل بن سليمان وهو من كبار المفسرين، واختاره الإمام الطبري ﵀.
وحجة هؤلاء: أنه جاء في كلام العرب أنها تكني عن النعمة باليد، وتكني عن الثناء باللسان، وتكني عن السعي بالقدم، فتقول: فلان له علي يد، يعني: له علي نعمة.
وتكني عن الثناء باللسان، جاء في القرآن: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] ومعنى لسان صدق هو الثناء الحسن في الآخرين.
ويكنى بالقدم عن السعي، وهذا ثابت عندهم وفيه أشعار لهم كقول حسان: لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع فالمقصود منها أن السعي هو القدم، لكن لما قال: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس:٢] أصبح السعي بالعمل بالعمل الصالح.
إذاً تحرر من هذا أربعة أقوال وهي: المدخل، ودليلهم: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء:٨٠].
والثاني: شفاعة النبي ﷺ ، وحجتهم من السنة: (أنا فرطكم على الحوض)، وقلنا: إن الفرض بمعنى السبق.
الثالث -وهو متفرع من الثاني-: وفاة النبي ﷺ ، وقلنا: إن هذا هو قول الحسن البصري ﵀.
الرابع: ما كتبه الله في القدم، وقلنا: هذا قول قوي جداً، ويؤيده آية الأنبياء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١].
والخامس: وهو الذي رجحه الطبري: الأعمال الصالحة.
وهذا الذي يظهر، والله تعالى أعلم.
لكن قلنا: إنك لست ملزماً بقول من يملي عليك، فما تختاره أنت لك فيه إمام سابق.
هذه الآية الأولى.
ثم قال لما ذكر أهل الجنة قال: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠]، دعواهم هنا بمعنى: دعاؤهم.
стр. 685
إشكال وجوابه
وهنا يأتي الإشكال من جهتين: الإشكال الأول: أن الجنة بالاتفاق ليس فيها تكليف، وليس فيها عمل، فكيف يقال: دعواهم فيها؟ وهذا أجابت عنه السنة: أنهم (يلهمون التسبيح كما يلهم أحدكم النفس) فالإنسان يتنفس بصورة طبيعية، ويلهم ذلك بصورة طبيعية، وليس هناك واحد يتكلف النفس، فهذا شيء يقع بصورة طبيعية من الله، فأهل الجنة يلهمون التسبيح من غير كلفة كما يلهم أحدنا النفس، لكن قال بعض العلماء -وهذا لا دليل عليه لكنه موجود- قالوا: إنهم إذا اشتهوا شيئاً يقولون: سبحانك اللهم فيأتيهم ما يشتهون.
وهذا غير بعيد لكن ما نملك دليلاً على صحته أو رده، وقلنا: إن الغيب لا يتكلم فيه إلا بنص بظاهر.
стр. 686
إشكال وجوابه
الإشكال الثاني: وهو أننا عندما نقول: سبحانك اللهم هل أنت طلب شيئاً؟ لا، ومع ذلك سماه الله جل وعلا دعاء.
وهنا نأتي إلى مسألة تقع في رمضان سنوياً وهو أن الإمام إذا أثنى على الله يقول: اللهم اهدنا فيمن هديت، إلى أن يقول الإمام: إنه لا يعز من عاديت، ولا يذل من واليت، أو يقول: ربنا وجهك أكرم الوجوه، أو يثني على الله، فيقول من في الحرم: سبحانك، وقد قلنا مراراً: إن هذا القول لا يوجد أي دليل عليه؛ لأن الثناء على الله نوع من الدعاء، وإذا دعا الإمام فإن موقف المأموم واحد من اثنين: إما أن يسكت وإما أن يؤمن، ولا يوجد شيء في الدعاء أن يقول الإمام شيئاً ويقول المأموم: سبحانك، لا يوجد في السنة فيما نعلم ولا في القرآن دليل على أن الإمام إذا قال شيئاً يقول المأموم سبحانك، المأموم حاله مع إمامه واحد من اثنين: إما أن يؤمن وإما أن يسكت.
أما قول سبحانك، أو حقاً، أو نشهد كما يقول بعض إخواننا المصريين فهذا لا يوجد عليه دليل.
ومن أدلتنا عموماً على أن الدعاء يأتي بمعنى الثناء هذه الآية، فإن الله قال: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ [يونس:١٠] أي: دعاؤهم فيها.
﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس:١٠] وهذا ليس فيه طلب.
ومن السنة كثير، منها: أنه ثبت أن النبي ﷺ كان يدعو عند حلول الكرب بهذه الكلمات: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم)، وليس فيه طلب، فلا يلزم من الدعاء أن يكون طلباً، بل إن من الطلب أن تثني على الله حتى مع العامة، فقد تخرج من المسجد فتقابل رجلاً يشحذ، فيقول: أنا مسكين، أي: أنه يريد ريالاً، وتجد آخر يقول: أعطني ريالاً، وآخر يقول: أعطني لله ما يسمي، وآخر يقول لك: أنت رجل كريم، أنت طيب، وما معنى أنت طيب وأنت كريم؟ أي: أعطني.
فالثناء نوع من الدعاء.
ومما يدل عليه من السنة أن النبي ﵊ قال كما في الترمذي: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)، فلم يقل: هذا مدح وثناء على الله، وإنما سماه النبي ﷺ دعاء.
الثالث: ما ثبت بعدة طرق عند النسائي وعند أحمد في المسند: أن سعد بن أبي وقاص ﵁ مر على عثمان بن عفان، فلما مر سلم، فلما سلم نظر إليه عثمان وحدق فيه النظر ولم يرد السلام، فذهب سعد إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين! هل حدث في الإسلام شيء؟ قال: لا.
لماذا تسأل؟ قال: إنني مررت على عثمان فسلمت عليه فملأ عينيه مني ولم يرد السلام، فبعث عمر إلى عثمان واستدعاه وقال له: ما منعك أن ترد السلام على أخيك؟ قال: ما سلم، فحلف سعد أنه سلم وأن عثمان رآه وحلف عثمان أنه لم ير سعداً ولم يدر أن سعداً سلم عليه.
ولا يمكن أن يكون أحدهما كاذباً، فحلف الاثنان، ثم تراجع عثمان وقال: أستغفر الله وأتوب إليه؛ تذكرت الآن.
وهذا دليل أنك لا تعجل على الناس، قال: تذكرت الآن لكنني كنت أفكر في مسألة إذا تذكرتها تصيبني غشاوة.
قال: إنني سمعت النبي ﷺ يقول: (ألا أدلكم على دعوة) وسكت فكمل سعد قال: أنا أكمل لك القصة: فقد أراد أن يقول لنا الدعوة فجاء أعرابي فشغله فمضى قبل أن يخبرنا بها، فأسرعت وراءه -أي: سعد يسرع وراء الرسول- فلما أراد أن يدخل الدار ضربت بقدمي على الأرض بقوة حتى أشعره أن أحداً وراءه، فلما ضرب سعد الأرض بقوة التفت ﷺ قال: (مه)، ومه كلمة للاستفهام تقولها العرب (أبو إسحاق) وهذه كنية سعد.
قال: (نعم يا رسول الله! ثم قال: يا رسول الله! إنك أردت أن تقول لنا دعوة فجاء الأعرابي فشغلك، فقال: نعم.
دعوة أخي ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما دعا بها مسلم في كرب إلا استجاب الله له).
وموضع الشاهد من القصة: أن النبي سمى قول ذي النون دعاء، وقد سماه الله من قبل في القرآن دعاء، قال الله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى﴾ [الأنبياء:٨٧] سماه الله نداء.
ودعوة ذي النون هذه ليس فيها طلب، وإنما فيها ثناء على الله.
يتحرر من هذا كله: أن دعوة: (سبحانك اللهم) فيها نوع من المسألة، ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس:١٠].
стр. 687
تفسير قوله تعالى: (وتحيتهم فيها سلام)
﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [يونس:١٠] هذه التحية المقصود بها إجمالاً، لكن قلنا: إن القرآن ما يجمل في موقف يفسره في موقف ثاني.
والسلام هنا تحية الله لهم، والدليل قوله: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨].
وهي وتحية الملائكة لهم، والدليل: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤].
وتحيتهم في بعضهم، وهذا دليله حياتهم في الدنيا؛ لأنهم إذا كانوا يسلمون على بعضهم في الدنيا فمن باب أولى أن يكون بينهم سلام في الآخرة.
﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠] وقلنا: إن الرجل إذا أراد أن يحرر خطبة أو أراد أن يحرر محاضرة فمن المناسب أن يقول: الحمد لله الذي جعل حمده أول آية في كتاب رحمته.
أي: في الفاتحة.
وآخر دعاء لأهل جنته كما في: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠].
стр. 688
بعض الفوائد النحوية في القرآن
والآية الثالثة التي سنقف عندها قول ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس:١٢].
بالاستقراء نقول: إن كلمة الضر إحدى كلمتين في القرآن جاءت في آية واحدة ومرت عليها الأحوال النحوية الثلاثة، قال الله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ﴾ [يونس:١٢]، فهي هنا فاعل.
﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ [يونس:١٢] وقعت مفعولاً منصوباً.
﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ﴾ [يونس:١٢]، وهي مجرورة هنا، فمر عليها الرفع والنصب والجر، ولا يوجد حالة للاسم غير هذه الثلاث فإما أن يرفع، وإما أن ينصب، وإما أن يجر.
والكلمة الثانية الحج في البقرة، قال الله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، فهذا فائدة نحوية، وقد تجد أنت في القرآن غير هذا لكن هذا الذي وجدته أنا.
نعود للآية السابقة، فهي تتكلم عن الإنسان، وهنا أل للاستغراق للجنس، وقلنا: إن أل إما أن تأتي للاستغراق والجنس، وإما تأتي للعهد، فإذا جاءت للعهد فإنها تنقسم إلى قسمين: عهد لفظي وعهد ذهني.
وأما مجيئها للجنس فهو أكثر ما تأتي في القرآن ويقصد بها استغراق جنس الإنسان، فكلام الله هنا عن كل إنسان، فالله يقول: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس:١٢] يعني: لا يفتأ يدعو ربه على كل حال.
стр. 689
كشف الضر وأسبابه
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ [يونس:١٢] أي: رفعناه.
﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس:١٢]، وهذا يسمى إطلاق.
فهل كل أحد إذا مسه الضر ودعا الله وكشف الله عنه ضره يغفل عن الله؟ مستحيل، ليس كل واحد، فالمؤمن الصادق في إيمانه لا يمكن أن يغفل.
وإذا احتج عليك أحد بالآية فإنك ترد عليه بالقرآن، وقلنا: إنه يجب أن ينظر إلى القرآن على أنه كله كلٌ لا يتجزأ، فما أطلقه الله هنا قيده في سورة هود، قال الله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود:١٠]، فهذا نفس الإطلاق الذي في يونس.
ثم استثنى جل وعلا وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود:١١]، فما أطلقه الله في يونس قيده في هود، وهذه نظرة للقرآن بكله، فيصبح هذا المؤمن مستثنىً من هذا الإطلاق الذي في يونس، أي: مستثنىً بالقرآن، ومستثنى بالسنة كما في حديث: (عجباً لأمر المؤمن! إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء -فاعل- صبر فكان خيراً له).
نأتي للمعنى، والمعنى أن الإنسان بطبيعته كافراً كان أو مؤمناً إذا جاءه الضر فإنه يلجأ إلى الله، وهذه حالة يستوي فيها أهل الكفر مع أهل الإيمان، ولكن الابتلاء يكون بعد رفع الضر، فالله يقول عن جنس الإنسان عموماً: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢] نسأل الله العافية، فمن الناس -أعاذنا الله وإياكم- من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه.
والمؤمن يعبد الله على كل حال مؤمناً بالله، راضياً بقضاء الله وقدره، ويعلم أن خيرة الله له خير من خيرته لنفسه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما كان لك فسيأتيك على ضعفك، وما لم يكن لك لن تناله بقوتك، جفت الأقلام وطويت الصحف.
وحرم النبي ﷺ على الأمة أن تقول لو؛ لأن لو تفتح عمل الشيطان، والمؤمن يرضى بقضاء الله وقدره، والرضا بالقضاء والقدر هو الحياة الطيبة التي قال الله عنها لأهل الإيمان: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧].
فالرضا بقضاء الله وقدره هو معنى الإيمان الحق، وكم من منحة - يعني عطية - في طي محنة، والحبل إذا اشتد انقطع، والسحاب إذا تراكم همع، يعني: ينزل منه الماء.
فالأمور كلما ازداد ضيقها دل على قرب الفرج، والإنسان لا يدري ما هو مكتوب، لكن يستقدر الله الخير ويرضى بقدر الله، ويأخذ بالأسباب، ويتوكل على الله، فإن جاءه ما يؤمل فالحمد لله، وإن لم يأته ما يؤمل فكذلك الحمد لله لكن لا يعمم، يقول: الحمد لله على كل حال ونعوذ بالله من حال أهل النار، ويعلم أن خيرة الله له خير من خيرته لنفسه.
هذا فائدة إيمانية.
стр. 690
لا تؤمل في الناس خيراً أكثر من اللازم
فائدة دنيوية: لا تؤمل في الناس خيراً أكثر من اللازم، فقد تحسن إلى إنسان فلا يكافئك على إحسانك، فلا تتعجب، فمن الناس من يكشف الله عنه الضر فيمر كأن الله لم يكشف عنه شيئاً، فإذا كان هذا تعامله مع خالقه فمن باب أولى أن يكون تعامله مع عبد مثله ومخلوق مثله أردى من ذلك وأسوأ.
والعاقل أصلاً لا يؤمل مما في أيدي الناس شيئاً، وإنما يزرع الجميل ولو في غير موضعه، فإن الجميل يحصد في أي مكان وينفع، والعرب تقول: لا يذهب العرف بين الله والناس، فإن أضاعه الناس فإنه يبقى عند الله، لكن الذي يعنينا في الآية أن من دلائل أهل الإيمان أن لهم مع الله طريقين، وكل طريق لهم فيه مطية، فطريق الابتلاء مطيتهم فيه الصبر، وطريق النعماء مطيتهم فيه الشكر والحمد، وهما في كلا الحالتين معترفون مقرون لله جل وعلا بالحمد والفضل والمنة.
هذا ما أردنا بيانه هذه الليلة على عجل حول سورة يونس، فعسى أن أفرغ فيما بقي من الوقت لأسئلتكم.
стр. 691
سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة يونس [٢]
في هذه المادة تجد الكلام على الولاية وكيف تكون، والفرق بين الولاية الرحمانية والولاية الشيطانية، وتجد أيضاً الكلام على البشرى وأنواعها.
وكذلك قصة غرق فرعون، وسبب عدم قبول الله تعالى لإيمانه حال الغرق، وغير ذلك من التفريعات.
стр. 692
سبب تسمية سورة يونس بهذا الاسم والحالات التي ورد فيها ذكر النبي يونس
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا هو اللقاء الثاني المتعلق بتعليقنا وتأملاتنا على سورة يونس، وكنا كما سبق قد انتقينا في الأسبوع الماضي وتحدثنا عن هذه السورة، وقلنا: إنها سميت بهذا الاسم لما ورد فيها ذكر اسم النبي الكريم يونس بن متى ﵊ في قوله جل شأنه: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٩٨].
ويونس بن متى أحد الأنبياء والمرسلين بنص القرآن، وقد ذكره الله جل وعلا في القرآن باسمه الصريح، وذكره في القرآن بكنيته أو بلقبه، ذكره باسمه الصريح في النساء والأنعام، وفي يونس وفي الصافات، وذكره جل وعلا بلقبه مرتين: في الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء:٨٧].
وفي القلم: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨].
стр. 693
السور التي سميت باسم نبي
وسميت هذه السورة باسمه، وقلنا في الدرس الماضي: إنها أول سورة في القرآن -إذا التزمنا بترتيب المصحف- سميت باسم نبي، ثم تلتها سورة هود، ثم يوسف، ثم سورة إبراهيم، ثم سورة نوح.
فهذه السورة مسماة بأسماء الأنبياء، وذكرنا أن من غير الأنبياء ممن سميت السور بأسمائهم من الصالحين ثلاثة: آل عمران، ومريم، ولقمان، فهذه جملة ما تكلمنا عنه إجمالاً حول تسمية السورة.
стр. 694
السور التي أمر الله نبيه فيها بأن يقسم
ثم انتقلنا إلى أن هذه السورة هي أول سورة في القرآن أمر الله فيها نبيه أن يحلف، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣]، وبقيت اثنتان: الأولى في سبأ، والثانية في التغابن، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧].
стр. 695
الولاية الرحمانية والولاية الشيطانية
والآن ندخل على درس الليلة، وسنقف أولاً عند قول الله جل وعلا: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٥].
ومن المقرر شرعاً: أن الله جل وعلا أمر الخلق بعبادته، وحذر الناس من عبادة الشيطان، فمن عبد الله فهو بالجملة ولي من أولياء الله، ومن عبد الشيطان عياذاً بالله وكفر فهو ولي من وأولياء الشيطان، والشيطان يوم القيامة يتبرأ من أوليائه، كما ذكر الله عنه وعن إبليس أنه يقوم خطيباً يوم القيامة في أتباعه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢] إلى آخر الآية في سورة إبراهيم.
وأما أولياء الله فحتى لا يترك المجال للناس في تعريف الولي فقد فسر الله الولي في القرآن نفسه، وهذا من إيضاح القرآن بالقرآن، فيسألك إنسان ما الحطمة؟ وتجيب بالقرآن: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة:٥ - ٦] إذاً فالحطمة: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة:٦]، ولا يمكن أن يأتي أحد فيفسر الحطمة بأفضل من أن تقول نار الله الموقدة، وهنا قال الرب سبحانه: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، ففسره الله جل وعلا بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣].
فمن آمن بالله واتقى فهو ولي من أولياء الله، وهذه الولاية درجات ومنازل عدة، لكن بالجملة: كل من آمن واتقى الله فهو ولي بنص القرآن، وقد أغرق الناس في هذا الباب -أي: في باب الولاية- في شئون ومداخل ومخارج لا يعلمها إلا الله، فمنذ أن ظهرت الصوفية في القرن الثالث في الأمة إلى يومنا هذا والناس في قضية هذا ولي، وهذا غير ولي، فيركبون الصعب والذلول في إثبات أمور قد أثبتها الله من قبل، ولا حاجة لخوض الناس فيها كما يخوضون فيه اليوم، فالصحابة على عهد النبي ﷺ لم يكونوا يعرفون اسماً للناس إلا مسلم أو مؤمن، أو اسم تاريخي فيقال: فلان بدري؛ لأنه شهد بدراً، أو يقال: فلان من أهل الشجرة؛ لأنه شهد البيعة، أو يقال: فلان تابعي؛ لأنه رأى الصحابة، فهي أمور تتعلق بأحداث تاريخية ولا تتعلق بأعمال القلوب، والنبي ﵊ قال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).
стр. 696
عدم الافتتان بأحد من البشر مهما بلغ صلاحه
ومن حسن إسلام المرء بناءً على هذا الحديث: ألا يدخل الإنسان في تصنيف الناس، وألا يفتن أحداً بأحد، ولا تفتتن بأي أحد من البشر مهما رأيت فيه من الدين، أو من البكاء والخشية، أو من حسن الصوت بالقرآن، أو من العلم، أو ما إلى ذلك، فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقبلها كيف يشاء، وكما أنك لا تفتتن بأحد فلذلك تخشى الفتنة على نفسك، فلا يغرنك عملك، أو ثناء الناس عليك، أو أشياء كثيرة، لا تصل إلى بك، قد تصبح لك مشجعة كما سيأتي، لكن لا تصبح لك مهلكة، وتظن أنك أنت تستحق هذا، أو أنك قادر، أو أن تزكي نفسك قلبياً.
стр. 697
الفرق بين التزكية القلبية وبين التزكية لأعمال الجوارح
وفرق جم ما بين أن يزكي الإنسان نفسه قلبياً، وبين أن يزكي الإنسان نفسه كموهبة أعطاه الله جل وعلا إياها.
فتزكية القلوب لا تجوز قال الله: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]، فلا يجوز لأحد أن يزكي نفسه قلبياً، وأما تزكية الصنعة التي تحسنها فهذا لا ضير فيه، ومنه قول نبي الله يوسف: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، فهو هنا يتكلم عن أحوال الجوارح، يتكلم عن قدرته في إدارة شئون الدولة اقتصادياً، ولا يتكلم عن إيمانه وتقواه وقربه من الله، وإنما يتكلم عن أمر دنيوي محض، ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥].
فإذا كنت تريد أن تركب بأصاً تسافر به إلى مكة، وأمامك أربعون فرداً أنت مسئول عنهم، فمن حقك أن تسأل من يريد أن يقود: أيكم يحسن القيادة؟ فلو قام أحد الناس وقال: أنا أحسن، أو يتكلم عن خبرة سابقة، فهذا ليس تزكية للنفس، وإنما هذا إخبار بالعمل فلا يذم صاحبه؛ لأن فيه منجاة للناس، وإلا لو ترك الأمر على غير ذلك لهلك الناس، لكن التزكية المحرمة شرعاً: هي تزكية أعمال القلوب، فهذه اجعلها بينك وبين الله، ولا تكترث بمدح الناس ولا بذمهم، وسيأتي التفصيل أكثر من ذلك.
قال الله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢].
قلت: من المهم جداً أن يخشى الإنسان على نفسه الفتنة، والعبد البصير السعيد من يتعظ بغيره، وقد ذكر الله جل وعلا نماذج في القرآن، وجاء في السنة، وفي أحوال الناس المعاصرة وغير المعاصرة نماذج فتن الناس بها، ثم انقلبت على أعقابها عياذاً بالله، والله جل وعلا يقول: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] بعد أن منّ الله جل وعلا عليه بالعلم، وأصبح ذا قدرة وذا مكانة، أخلد إلى الأرض واتبع هواه، كما قال الله جل وعلا، فعلى هذا فهناك أمران: أمر في نفسك يتعلق بغيرك، وأمر في نفسك يتعلق بنفسك.
فأما أمرك الذي يتعلق بغيرك: ألا تفتن بأحد، والأمر الذي يتعلق بغيرك: أن تخشى على نفسك الفتنة، فإن الإنسان مطلوب منه أن يعبد الله حتى يلقى الله، قال الله لنبيه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] أي: حتى يحل بك الموت، وتفارق الروح الجسد، وهناك ينتهي وقت التكليف وزمنه، وبعد ذلك لو مدحت شخصاً قد أفضى إلى ربه في حدود الشرع فلا ضير، وأما والإنسان حي فلا تبالغ في مدح أحد، ولا تفتن في مدح أحد.
стр. 698
مثال على افتتان الإنسان بنفسه وافتتان الناس به
وقد كان هناك رجل -وهذا من باب العبرة- يقال له: عبد الله القصيمي، وكان يسكن في القصيم، ثم سافر إلى الأزهر قديماً وعمر إلى التسعين، ومات قبل عدة سنوات في الأردن، وكتبت الصحافة عنه شيئاً كثيراً، لكن نتكلم هنا على الفتنة، فلما سافر من القصيم درس في الأزهر، فجاء أحد علماء الأزهر كتب كتاباً يقال له: الدَّوَجي، وهذا الكتاب في قضايا جواز التبرك بالأضرحة ودعاء الأولياء، فرد عليه هذا الشيخ آنذاك وهو طالب في الأزهر، فلما رد عليه قرر الأزهر فصله بعد جلسات علمية لمجلس الجامعة، وكان الشيخ محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار حياً آنذاك فحاول أن يقف معه، وأن يعضده، لكنه لم يستطع أن يفعل له شيئاً، لكن الشاب آنذاك لم ييأس وألف كتباً جعلت له مكانة علمية آنذاك، ثم ظهرت سوريا رجل شيعي ألف كتاباً يخاصم فيه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فرد عليه صاحبنا بكتاب اسمه: (الصراع بين الإسلام والوثنية) في ٢٥٠٠ صفحة أظهر فيها قدرة علمية خارقة، وحججاً عقلية قلما يصنعها أحد من أهل زمانه، ففتن الناس بعلمه، حتى إنه في إحدى خطب الحرم المكي ذكره الإمام على المنبري يثني على الكتاب، وعلى صاحبه.
صراع بين إسلام وكفر يقوم به القصيمي الشجاع إلى آخر القصيدة.
وقال العلماء آنذاك للملك عبد العزيز ﵀ وكان حياً: قالوا له: إن القصيم بكتابه هذا دفع مهر الجنة، بناءً على ما في الكتاب من قدرات في الرد على الوثنية، وإعلاء لشأن الإسلام، ففتن الناس به فترة ثم خابوا، فكأنه كان يرجو أن يكون له عند الناس مكانة أعظم مما تلقاها من الناس، فبعد ذلك رجع إلى مصر وسكن فيها وخالط قوماً من أهل الفساد: فساد الفكر، فألف كتاباً يتبرأ فيه نسبياً من كلامه الأول، ثم عياذاً بالله ارتد صراحة وألف كتاباً أسماه: (هذه هي الأغلال)، واتهم الدين كله بأنه غل، وتكلم حتى في الرب ﷻ .
وجلس ذات يوم أمام رئيس الوزراء المصري آنذاك وكان موجوداً الشيخ محمد متولي الشعراوي العالم المصري المعروف، وكان يومئذ في أول زمانه، فجلس يتناقشان فإذا بهذا القصيمي الذي ألف كتاب الصراع بين الإسلام والوثنية، يسخر حتى من الله، فلم يستطع الشعراوي أن يرد عليه؛ لأن هذا الإنسان الذي أمامك لا يريد حق، فهو صاحب جدل، والله يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، فإن لم تنفع فاخرج، فخرج الشعراوي رحمة الله عليه وهو يتلو: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء:١٤٠].
ثم مكث هذا الرجل يؤلف كتباً كلها سب للدين، وسخرية بالله ورسوله بعد أن ألف كتاباً أثني عليه في حرم مكة، فأمر الملك عبد العزيز العلماء آنذاك في الصحافة أن يتبرءوا منه، وأصدر العلماء في ذلك العصر كثيراً من الكتب التي ترد عليه عياذاً بالله، ثم عاش في الأردن فترة حتى قبل عدة سنوات مات عن قرابة تسعين عاماً، فجاءت الصحف هنا للأسف تتكلم عنه، وقد كان له كتب في الروايات، فله رواية اسمها: مدن ملح، ممنوعة سياسياً، والصحفيون غالبهم ينشأ متأخراً، ولم يقرأ شيئاً من القديم ولم يطلع، وبعضهم -عفا الله عنا وعنهم- ليس لديه غيرة عن الدين، لعدم العلم، فالمقصود: أن هذه نظرة للإنسان في أن يتأمل ما حوله؛ حتى تستريح ولا تفتن نفسك بأي مخلوق، ولا تعلق قلبك بأي مخلوق؛ لأن الله لما ذكر أهل الولاية قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣]، فنسب الولاية الشرعية إلى الإيمان به جل وعلا، وإلى تقواه .
стр. 699
تكفل الله بأوليائه بعدم خوفهم ولا حزنهم
قال الله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، فالخوف يكون في أمور مستقبلية، والحزن يكون على الشيء الماضي، فالله كتب لأهل تقواه من أهل الولاية كتب لهم: ألا خوف يعتريهم على ما هو قادم، ولا حزن يعتريهم على ما فات، وهذا قد يقع في الدنيا، وقد يقع عند سكرات الموت، وقد يقع يوم يقوم الأشهاد ويحشر العباد، وقد يقع الثلاثة في عبد صالح، لكن أولياء الله يختلفون، وقد تكلم العلماء كيف يعرف الولي، ولا نتكلم فيه، لكن يكفي أن الله قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣].
وجاء في الحديث القدسي: (ما تقرب إلي عبدي بأحب مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي سمعه، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، وقدمه التي يمشي عليها).
والمقصود هنا: التوفيق من الله، التوفيق في السمع، والتوفيق في البصر، والتوفيق في الأخذ والعطاء، والتوفيق في الغدو والرواح، فالتوفيق من الرب جل وعلا، فيجعل الله له نوراً، ويجعل الله له بينة، يجعل الله له فرقاناً يميز به الأشياء؛ لأنه قريب من الله ﵎، ومحبوب منه، ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣].
стр. 700
البشرى وأنواعها
قال الله عنهم بعد أن ذكر نعتهم بالجملة: قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٤] فلما قال ربنا في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فهمنا أن البشارة قسمان؛ لأن الله ذكر زمنين، وهذه البشرى تكلم العلماء فيها كثيراً، والأصل الذي نرى أنه لا يحسن ولا يجمل قصرها ولا حصرها على شيء واحد، وإنما تبقى البشرى مفتوحة في الحياة الدنيا، ومن أعظم البشرى الرؤيا الصالحة؛ لأن النبي ﷺ قال -كما في البخاري - وهو لا ينطق عن الهوى قال: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات.
قالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها المؤمن)، وفي زيادة: (أو ترى له) (يراها المؤمن أو ترى له)، فهذا معنى قوله ﵊: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات الرؤيا الصالحة).
стр. 701
الرؤيا الصالحة نوع من البشرى
فالرؤيا نوع من البشارة، فقد يخرج الإنسان من موطن أو من مكان، أو من عمل كئيباً حزيناً على ما أصابه، ويكون له عند الله مقام وعمل صالح، فيراه أحد فيخبره أنه رأى له رؤيا يكون بهذه الرؤيا بشارة لنجاته، أو يكون هو قد غفا أو نام في ليل أو في نهار، فيرى رؤيا تدل على أمر حسن، وقد قلنا مراراً إن يعقوب ﵊ لما قال له بنوه وأخبروه أن يوسف هلك كان واثقاً أن يوسف لم يهلك، فقال كما قال الله جل وعلا عنه قال: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨].
والذي جعل يعقوب يطمئن على أن يوسف لم يهلك هي الرؤيا التي رآها يوسف من قبل، فلما قصها على أبيه فهم يعقوب أن هذا الابن سيكون له شأن، قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤]، وهذا يظهر علو مكانه؛ لأن خضوع الأب والأم والأبناء له يدل على ارتفاع قدره، فلما جاءه الإخوة وقالوا: إنه هلك لم يقبل يعقوب هذه الدعوة، لكن ضَعْفه آنذاك اجتماعياً هو الذي جعله يصبر ويحتسب عند الله، وقد تحقق له الأمر، ولذلك قال كما قال الله جل وعلا عنه: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٩٦].
стр. 702
الكلمة الطيبة يسمعها المرء من البشرى
ومن البشارة الكلمة يسمعها الإنسان، من غير أن يبيّت حسباناً لها، يعني: من غير أن يبيّت أن يسمعها، فيلقاها في طريق أو حدث يراه بعينه، وهذه أمور دقيقة لا يمكن شرحها، لكن تراها في حياتك العامة، فالنبي ﵊ أقبل على خيبر، فلما صلى الفجر قريباً من خيبر ونظر إلى خيبر وكانت اليهود محمية لهم خيبر، ويخشى على المدينة منهم، رأى أهل خيبر بيدهم المساحيق، وهي أداة هدم، فلما رآها استبشر ﷺ ، فهذا من البشرى، ففرح وقال: (الله أكبر خربت خيبر)؛ لأن رأى في أيديهم أداة هدم، وهو جاء ليهدم خيبر، فتحققت تلك البشرى، فلما رآهم قال: (الله أكبر خربت خيبر)، فخربت خيبر كما قال ﵊.
وقيل: إنه لما قدم ﵊ إلى المدينة رأى قوماً لا يعرفهم، ومعه أبو بكر وهو هارب من مكة وخارج من قومه يريد الأمان في المدينة، فقابل رجلاً قال له: (من أنت؟ قال: بريدة)، فاستبشر ﷺ ، والتفت إلى أبي بكر وقال: (برد أمرنا) ثم قال: (ابن من؟ قال: ابن أسلم.
قال: أبشر يا أبا بكر سلمنا) أخذها من الاسم، فهذا نوع من البشارة يحصل في الإنسان وهو قادم، أو رائح، ولما أقبل سهيل بن عمرو في معركة الحديبية والنبي ﵊ يعرف سهيلاً من قبل، وهو قادم للصلح، وكان النزاع قد اشتد، ودعا النبي ﵊ إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة لما أشيع أن عثمان قد قتل، فلما رآه النبي ﵊ وعرف أن قريشاً بعثت سهيلاً قال لأصحابه: (أبشروا؛ سهل أمركم)، أخذها من اسم سهيل، فهذا نوع من البشرى الذي يعطاه المؤمن في الحياة الدنيا، فهذه أمور لا يمكن حصرها في شيء معين، لكنها أمور عديدة تحصل للمؤمن، وقد وعد الله جل وعلا المؤمنين بها بنص القرآن، قال سبحانه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٤].
стр. 703
البشرى للمؤمن في الدنيا والآخرة
وَفِي الآخِرَةِ)) [يونس:٦٤] أي: أن المؤمن لا يموت حتى يرى مقعده من الجنة، وكذلك يبشر في القبر، فيأتيه عمله الصالحة في صورة شاب حسن الوجه، ويقول له: (من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح)، فهذه كلها من المبشرات، حتى يدخل المؤمن الجنة فيجد الراحة التامة الكبرى التي وعدها الله جل وعلا عباده، أدخلنا وإياكم الجنة.
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٤] وحتى لا ترتاب القلوب قال الله بعدها: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس:٦٤] وهي هذه أوامر الله وقضاؤه وقدره، ولا يمكن لأحد أن يغيرها ولا أن يبدلها، ولا أن يجري في الكون أمراً لم يكتب الله منذ الأجل أن يقع، ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٤] لمن تمسك بالإيمان، والعمل الصالح، واجتهد في أن يقترب من الله، واجتهد في أن يبتعد عن السيئات، وصاحب عمله الاستغفار، والخوف من الله، والطمع في رحمته، ووصل إلى الجنة، فهذا إجمالاً وبلا شك: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٤].
ثم قال الله لنبيه: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس:٦٥] ويجب وجوباً أن تقف؛ لأنه لا يستقيم المعنى أن تقرأ: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس:٦٥] بدون وقف، فهذا كفر.
﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس:٦٥] أي قول القرشيين: إنك كافر، وإنك ساحر وإنك كاهن، وإنك مجنون، فهذا لا يحزنك، ثم تقف؛ لأن الجملة تمت، ثم تقرأ: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس:٦٥] فليس قولهم: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس:٦٥] يجب ألا يحزنك، فهذا يفرح فـ (لا) هنا ناهية، ويحزنك فعل مضارع مجزوم بلا، ثم تقف هنا، أي: قول ما سلف في القرآن من اتهام القرشيين لنبينا ﵊ بعدة أمور، ثم تقول: لماذا لا يحزنك؟ إن العزة لله جميعاً، ولا يوجد عاقل لا يطلب العزة، لكن الله قال: إن العزة كلها أولها وآخرها، مبدأها ومنتهاها ملك لله، وقد مرت معنا هذه اللام، وهي لام الملك، في كلمة للفقراء، ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠].
لكن الفرق أن ملك بني آدم لما تحت يده ملك صوري، وملك الله جل وعلا ملك حقيقي، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان:٢٦]، فيفنى الملك الصوري، ولا يبقى إلا الملك الحقيقي، ولذلك حصره الله جل وعلا في يوم القيامة، ومنه قول الله في آخر الانفطار: ﴿وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩]؛ لأن الأمر الصوري ينتفي فيبقى الأمر الحقيقي، والأمر الحقيقي ليس إلا لله جل وعلا وحده.
﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس:٦٥] أي: هو السميع لأقوالهم، العليم بأعمالهم، وما دام جل وعلا يسمع أقوالهم، ويعلم أعمالهم، فهو جل وعلا القادر على جمعهم، والقادر على حسابهم، وكل هذا سيكون لا محالة كما أخبر الله ورسوله صلى الله وعليه وسلم عنه.
ويفهم من الآية عموماً: أن المؤمن ينبغي عليه وهو يسير في طريقه إلى الله: ألا يصل به الحزن إلى اليأس، وإن كان الحزن لابد منه، فالرسول ﷺ يقول: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن) لكن لا يصل بك الحزن إلى اليأس الكامل والقنوط من رحمة الله ﵎.
وأما أن يعتريك حزن، وتعتريك دمعة، ويعتريك أسف، فهذا لا مفر منه، لكن لا يعني ذلك التشكيك في قدرة الله، أو الاعتراض على قدره، فقد بكى من هو خير منا، وحزن من هو خير منا، لكن الحزن والدمع والشكوى تبث إلى الله، كما قال الله عن الصديق يعقوب: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي﴾ [يوسف:٨٦].
فأثبت له حزناً، لكن هذا الحزن أسنده إلى ربه جل وعلا، وشكاه وبثه إلى ربه جل وعلا، ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦].
وأما الحزن الذي نفاه الله جل وعلا عنه هنا فهو الحزن الذي يصيب الإنسان بالقعود، والشلل التام في حياته، فهذا منفي عن أهل ولاية الله؛ لأن ثقتهم في الرب ﵎ يعلمون بها أن الله سيجد لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كرب تنفيساً، وأن الله جل وعلا قادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وثقتهم بربهم ﵎ تجعلهم مطمئني البال، وعلى يقين بأن الله سيجد لهم المنجى والمخرج، ولو زاد عليهم البلاء فإن هذا أكثر عظمة لأجورهم، وتكفيراً لخطاياهم، فهم يتقلبون ما بين أجر يعطونه، أو سيئة يكفر بها عنهم.
ثم ذكر الله في هذه السورة ثلاثة من الأنبياء: ذكر نوحاً، وموسى، ويونس.
وقد مر معنا تفصيل أكثر من هذا في الأعراف، وفي النساء، وفي غيرها مما ورد فيه ذكر الأنبياء، وقلت: إنني لا أكرر ما وقفت عنده، لكنني سأقف هنا عند قضية غرق فرعون في آخر أيام موسى في أرض مصر؛ حتى تعلم البلاغة العظيمة لكلام الرب جل وعلا.
قال الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ [يونس:٧١] وذكر فيها فضل نبي الله نوح، وقد مر معنا ذكر نوح في أكثر من مرة، ثم ذكر الله جل وعلا أنه أرسل رسلاً ولم يسمهم في هذه السورة إجمالاً، ثم قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [يونس:٧٥]، فذكر موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، وقلنا: إن موسى أخ شقيق لهارون، وأن هارون أكبر من موسى، وأن هارون ولد في العام الذي لا قتل فيه، وولد موسى في العام الذي فيه قتل، لكن الله جل وعلا لحكمة أراد جعل موسى خيراً من هارون.
وذكر الله جل وعلا قضية السحر، وهذه تكلمنا عنها تفصيلاً، ونصل إلى أنه بعد أن انتصر موسى على سحرة فرعون وآمن السحرة مكث موسى في مصر ولم يخرج منها؛ لأنك إذا أردت أن تفسر القرآن لابد أن تجمع بعضه إلى بعض، وفي هذه الفترة جاءت الآيات الباقية، قال الله في الأعراف: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، والآيات شيء خرج عن المألوف، والآن يوجد جراد، ويوجد قمل ويوجد ضفادع، ولا تسمى آيات؛ لأنها تعيش حياة طبيعية، لكن قول الله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣] يدل على أن الآيات شيء غير مألوف وغير معهود.
وقول الله جل وعلا: ﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣] يدل على أنها لم تكن مجتمعة، ولم تكن جملة واحدة، فآية تنتهي وتأتي آية ثانية، وهذا يدل عموماً على أن موسى وقومه مكثوا فترة طويلة في أرض مصر قبل أن يخرجوا منها، قال الله في يونس: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٨٧].
стр. 704
أنواع الوحي
الوحي من الله يأتي على صور، فالوحي للأنبياء غير الوحي للصالحين، والوحي للصالحين غير الوحي للمخلوقات، فهذه الثلاثة كلها جاءت في القرآن، والوحي للمخلوقات كما في قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:٦٨].
والوحي للصالحين غير الأنبياء كما في: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص:٧].
والوحي للأنبياء كثير وهذه منها: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس:٨٧]، ومصر هو البلد المعروف، لكنها ليست القاهرة قطعاً؛ لأن القاهرة أسست بعد ذلك في عهد دولة بني عبيد، وإنما كانت أحداث موسى لما دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، وهي مدينة عين شمس وليست القاهرة، فالذي يعنينا هو كلمة مصر، وهي كلمة مؤنثة وعلم، والمؤنث العلم يمتنع من الصرف إلا إذا كان ساكن الوسط فإنه يجوز صرفه، كنوح وهند ومصر، ولذلك جاءت كلمة مصر في القرآن مرة موقوف بالراء، ومرة منونة، أي: مرة مصروفة ومرة غير مصروفة؛ لأنها ساكنة الوسط يجوز فيها الصرف ويجوز فيها عدمه؛ لأنها علم، ثلاثي ساكن الوسط ومؤنث.
يقول الله لنبيه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا﴾ [يونس:٨٧] أي: اتخذا، ﴿لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس:٨٧].
وقال الله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧]، واختلف العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧] فذهب الإمام الطبري ﵀ -وهو شيخ المفسرين نبدأ به- وجمهور العلماء من المفسرين إلى أن المعنى: اتخذوا بيوتكم مساجد، أي: صلوا في بيوتكم، وهو عندهم أي: عند هؤلاء العلماء ﵏: أن بني إسرائيل كانوا يصلون في الكنائس والبيع، فشد عليهم فرعون فأوحى الله إليهم أن انقلوا الصلاة إلى البيوت.
هذا ما قاله جمهور المفسرين.
وقال بعضهم -ويحكى هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما-: إنها (واجعلوا بيوتكم قبلة) أي: جهة الكعبة، أي جهة اجعلوها جهة الكعبة.
ونحن نقول والله أعلم: إن المعطيات التاريخية والقرآنية لا تساعد على أي من القولين، أما الأول فإننا نقول: لا يعقل أن فرعون يسمح بمدة من الزمن لبني إسرائيل أن يصلوا في المساجد والبيع ظاهرين، فالذي ذكره الله في القرآن من سوم فرعون لبني إسرائيل بالعذاب يتنافى عقلياً مع القول إنه يمكن أن يكون بنو إسرائيل قد اتخذوا مساجد ظاهرة علانية كالبيع والكنائس يصلون فيها، إلا إذا وجد دليل صريح من القرآن أن هذا موجود قلنا به، فإذا جاء سيل الله بطل سيل معقل، لكن لا يوجد دليل صريح من القرآن أنهم كانوا يصلون في مساجد ظاهرة، وإنما هذا فهم للآية، ولابد أن تفرق بين كلام الله وبين فهم العلماء لكلام الله، فالمقدس هو كلام الله، وأما فهم العلماء فليس بمقدس، فالذي لا يدخله التبديل ولا التحريف ولا التكذيب هو النص، وأما فهم العلماء للنص فإنه يدخله الخطأ، فأي إنسان قابل قوله للصواب وللخطأ، هذا هو رد القول الأول، وأما رد القول الثاني فنقول: إنه لو قلنا كما قالوا إن: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧] أي: متجهة إلى الكعبة، فهذا يعني: أن اليهود كانوا يتجهون إلى الكعبة؛ لأن الكعبة قبلتهم، وهذا ينافي ما ثبت في السيرة الصحيحة من أن النبي ﷺ مكث في مكة يصلي إلى بيت المقدس، ومكث ستة عشر شهراً في المدينة يصلي إلى بيت المقدس، فلا يعقل أن يكون النبي ﷺ يصلي إلى بيت المقدس وهو يعلم أن الكعبة أصلاً متخذة قبلة من قبل اليهود من قبل، فهذا يتنافى مع القرآن، والله يقول: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:١٤٤].
ثم ذكر أهل الكتاب فقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة:١٤٥]، وقال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٥]، وقال: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة:١٤٥] أي: منذ أن كانوا كان لليهود قبلة، وللنصارى قبلة، وللمسلمين قبلة.
هذا هو الرد على الثاني.
وسبق أن قلنا: عندما ترد الأقوال لابد أن تأتي ببديل، فلا يصح أن تقول: هذه آية ليس لها معنى، ونقول كما قال بعض العلماء من قبل قالوا: وهذا أرجح الأقوال عندنا، وإن كان ضعيفاً في كتب التفسير، نقول: إن معنى قبلة أي: يقابل بعضها بعضاً، أي: مميزة بالمعنى العامي، حتى إذا جاء النفير أن يخرجوا من أرض مصر فإن البعض سيميز بيت الآخر، فيسهل أن ينادي بعضهم بعضاً، فيكون معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧] أي: متقابلة في مكان واحد، متجاورة لكم، وهو مصطلح يعرف فيها بعضكم بيوت بعض، هذا الذي ندين الله أنه نختاره من أقوال المفسرين، وإذا قلنا: نختاره فلسنا أول من قاله، فهذا كلام المفسرين في كتب التفسير، ونحن نرجحه؛ لأن معطياته العلمية أقوى.
ومما يدل على صحة هذا القول: أن الله قال بعدها: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [يونس:٨٧]، فمعناه: أنه لم يكن يتكلم عن الصلاة من قبل، ففهموه أنها الصلاة في المساجد والبيوت، ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٨٧]، وهذه الأظهر أنها خاصة بقوم بني إسرائيل أنه سيأتيهم البشارة والنجاة.
وأنت كطالب علم لست ملزماً بما يقوله الشيخ، فنحن نتكلم من باب الأمانة العلمية، وأما أنت فلك قدراتك وإمكانياتك فتختار من أقوال العلماء ما تراه صواباً.
стр. 705
حكم الصلوات في البيوت
وإذا قلنا على قول العلماء إن: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس:٨٧] بمعنى: المساجد، فهذا ينقلنا إلى مسألة فقهية يبحثها العلماء، وهي: الصلاة في البيوت.
فالصلاة إما أن تكون فرضاً، وإما أن تكون نفلاً.
الصلاة في البيت الصلاة الفرض لابد أن تكون وين؟ في المساجد، وهذا أمر ينبغي أن يرفع الخلاف فيه، إلا بعذر.
بقينا في النوافل، النوافل من حيث الجملة تنقسم إلى قسمين: نافلة يجمع لها، ونافلة لا يجمع لها، فالنوافل التي يجمع لها مثل التراويح، والاستسقاء، والكسوف، والخسوف، فهذه تصلى في المساجد أو في المصليات، ولا تصلى في البيوت، ويصح صلاتها في البيوت، لكن الأولى أن تصلى في المساجد.
وأما النوافل التي لا يجمع لها مثل النوافل الرواتب، فهي تصلى في البيوت؛ لحديث البخاري العام أن النبي ﵊ قال: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً) أي: البيوت.
وأوكد ذلك ركعتا المغرب، فهي أوكد الصلوات أن تصلى في البيوت، لأن النبي ﷺ كما في حديث كعب بن عجرة عند أبي داود بسند صحيح ذهب إلى بني عبد الأشهل، وهم فخذ من الأوس قوم سعد بن معاذ، فصلى فيهم صلى الله وعليه وسلم المغرب، فلما صلى والتفت قام الناس يسبحون -أي: يصلون النافلة- أي: أن أهل بني عبد الأشهل قاموا يصلوا السنة، فتعجب صلى الله وعليه وسلم وقال: (هذه صلاة البيوت).
وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (ما أحصي كم سمعت من النبي صلى الله وعليه وسلم يقرأ في ركعتي المغرب وركعتي الفجر بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد).
ولو جاء إنسان وقال: هذا حجة على أن ركعتي المغرب تصلى في المسجد،
و
الجواب
أن ابن مسعود كان يدخل ويخرج على رسول الله كثيراً، وهو صاحب سواكه ووضوئه، فكان من الخدم الخاصين بالنبي صلى الله وعليه وسلم، ففقه معرفة أحوال الصحابة تساعد على فهم السيرة وعلى فهم القرآن، وهذا من معطيات التفسير: أن يكون للإنسان علم متنوع حتى يستطيع أن يفهم كلام الله.
فالصلاة النوافل في البيوت أفضل منها في المساجد، لكن إذا كان الإنسان وراءه عمل، أو عنده موعد في زيارة مريض، أو يغادر إلى مكان ماء، ولم يكن بمقدوره أن يرجع إلى البيت، فليس بمعقول أن نقول له: اذهب إلى البيت واخرج صل في المسجد، كمن يجلس في الحرم النبوي بين المغرب والعشاء، لكن هنا نقول: إذا كنت إذا خرجت من المسجد وتعلم أنك ستعود إلى البيت فأد النافلة في البيت باتفاق الأئمة.
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨].
الداعي هو موسى، وقال الله بعده: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس:٨٩] فذكر شخصين وهما: موسى وهارون، والذي دعا هو موسى، فكيف عد هارون داعياً؟ لأنه كان يؤمن، فأصبح المأموم في تأمينه يأخذ حكم، وبتعبير أصح: المؤمن في تأمينه يأخذ حكم الداعي؛ لأن الله قال بنص القرآن: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨].
ثم قال جل وعلا: ﴿وَلا تَتَّبِعَانِّ﴾ [يونس:٨٩] لا هنا ناهية، فقد نهاهما أن يتبعا سبيل المفسدين، وبما أنها لا الناهية فكيف وجدت النون، أصل الفعل: تتبعانن، فهناك نونان: نون الأفعال الخمسة، ونون التوكيد، ولما دخلت لا الناهية فإنها تجزم بحذف النون؛ لأنه من فعل مضارع اتصل بألف الاثنين، وحذفت نون وبقيت نون، فالنون الباقية هنا ليست نون الأفعال الخمسة؛ لأنها حذفت، وإنما هي نون التوكيد، ﴿وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٩].
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠].
هذه هي الآيات الثلاث إلى قوله تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس:٩١]، من أعظم بلاغة القرآن، وقول الله: ﴿وَجَاوَزْنَا﴾ [الأعراف:١٣٨] فالأمر بيد الله، فالذي نجا موسى هو الله، ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، والذي خافه فرعون من موسى أن يُذهب ملكه، ففرعون سمع من الكهنة أن هلاك ملك سيكون على يد رجل من بني إسرائيل، فهذا الرجل الذي أنت تخاف منه والذي هو سيذهب ملكك، هو نفسه شرد وخرج ولم يجلس في مصر، إذاً: كان العقل المفروض أنه ما دام أن الذي أنا أخاف أن يُذهب ملكي هو باختياره خرج، وذهب عني، وهرب وترك مصر كلية، وترك البحر إذاً: فلا يوجد داعي لأن أتبعه، ولذلك قال الله: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ [يونس:٩٠]، البغي: هو تجاوز الحد، والعدو: الإصرار على الباطل، ففرعون كان المفروض أن يكون أعقل من هذا، لكن الشر والعدوانية موجودة في قلبه، فلم تطب نفسه حتى يريد أن يهلك موسى، لكن الإنسان إذا غلب عليه التفكير في قضية واحدة فإنه ينسى قضايا كثيرة، ولذلك أحياناً أعرض المشكلة على غيرك؛ لأنك أنت تعيش في شيء مقوقع مهما كان عقلك ورأيك وفضلك، فتنظر بعين واحدة: والعين ترى ما دنا منها ونأى ولا ترى نفسها إلا بمرآة فهي ترى ما دنا منه ونأى، وترى البعيد والقريب، لكن العين لا ترى نفسها، ففرعون لما وصل جاوز الله جل وعلا ببني إسرائيل البحر، ومعلوم أن الله أمر موسى أن يضرب بعصاه البحر فانفلق، فلما انفلق أصبح البحر اثني عشر فرقاً، فمر موسى والذين معه، وقلنا مراراً: إن فرعون لم يدخل البحر حتى خرج موسى، فرعون لا يعقل؛ لأنه لما رأى موسى نجا كان من المفروض أن يعلم بداهة أنه يستحيل أن يتحول البحر إلى يابس إلا بقدرة الله، وإن الذي نجا موسى من البحر من الغرق قادر على أن ينجيه منه، فالذي نجى موسى بهذه الطريقة وجعل له البحر يابساً فإنه قادر على أن ينجيه منه، فكان يرعوي ويرتفع، لكن ما زال الانفعال العدواني في قلبه، فنسي حتى هذه، لكنه كما قال الله: بغياً وعدواً.
فلما خرج موسى من البحر كله وفرعون ينظر اطمئن فرعون إلى أن البحر لن يرجع، فأراد موسى -كما قلنا مراراً- أن يضرب البحر، فأمر الله موسى أن يترك البحر على حاله.
قال الله في الدخان: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان:٢٤] أي: ساكناً، فتركه موسى، فلما تركه موسى اطمئن فرعون على أن البحر سيبقى، فجاء بجيشه، فلما جاء بجيشه أمر الله البحر أن يعود إلى حاله، قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ [يونس:٩٠]، والغرق غير عاقل، وهذا عند البلاغيين يسمى تشخيصاً، وهو أن يعطى غير العاقل حكم العاقل، فالغرق لا يعقل حتى يدرك موسى، وحتى يدرك فرعون بالغرق، لكن الله هنا يصور الموقف على أن هذا الغرق جند من جند الله، له حواس، وله قدرات، وله إمكانات، حتى أضحى يتبع فرعون حتى أدركه وأحاط به من كل جانب، وقلنا: هذا أسلوب عربي يسمى التشخيص.
قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ﴾ [يونس:٩٠] أي: فرعون، ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، فقد آمن، فالله ما أنكر إيمانه، ولكن أنكر وقت الإيمان، ولذلك قال الله بعدها: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ [يونس:٩١]، وقد جاء في الخبر الصحيح أن جبريل ﵇ لما سقط فرعون في البحر يغرق جاء جبريل بوحل البحر وأخذ يضعه في فم فرعون، لأنه خشي أن فرعون يثني على الله فتدركه رحمته، وهذا فعله جبريل لسببين: السبب الأول: علم جبريل بعظيم رحمته.
والسبب الثاني قاله جبريل: ففي الحديث الذي رواه الطبراني قال: (يا محمد! ما أبغضت أحداً من خلق الله كبغضي لفرعون عندما قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]) فلما قال فرعون لأهل مصر سابقاً: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] أبغضه جبريل، فلما جاء فرعون في هذا الموقف بقي البغض في قلب جبريل، فأخذ يضع الطين في فم فرعون؛ خشية أن يثني على الله ثناءً يستدر به رحمة الله، قال: حتى لا يثني على الله ثناءً فيغفر الله له.
قال الترمذي ﵀: والحديث صحيح بالجملة، وصححه كثير من العلماء كـ الألباني والأشقر وغيرهما من علماء الملة.
والذي يعنينا: أن فرعون لم يقبل الله إيمانه؛ لأنه كان إيمان اضطرار لا إيمان اختيار، وقلنا: إن هذه السنة: أن الله لا يقبل إيمان الاضطرار، ولا يقبل إلا إيمان الاختيار، مستثناة في قوم يونس، قال الله: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٩٨].
فنعود إلى الآية، قال الله: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس:٩١ - ٩٢].