← Тафсир

Тафсир · id 37454

تأملات قرآنية - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (705 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

بيان معنى قوله تعالى (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧]. والعمل يحسن بأمرين: الإخلاص والمتابعة، فالعمل إذا توافر فيه هذان الشرطان -الإخلاص للرب ﵎، والمتابعة لنبينا ﷺ كان هو العمل الحسن، وهو العمل الصواب، وهو العمل المقبول، فالعمل إن كان غير خالص -ولو كان متقنتاً- لا يقبل، وإن كان مخلصا ولكنه على غير هدي محمد ﷺ فلا يقبل. قال ابن القيم ﵀ في الإخلاص: هو دين رب العالمين وشرعه وهو القديم وسيد الأديان هو دين آدم والملائك قبله هو دين نوح صاحب الطوفان هو دين إبراهيم وابنيه معاً وبه نجا من لفحة النيران وبه فدى الله الذبيح من البلى لما فداه بأعظم القربان هو دين يحيي مع آبيه وأمه نعم الصبي وحبذا الشيخان ثم قال ﵀: وكمال دين الله شرع محمد صلى عليه منزل القرآن فالإنسان إذا قدر له أن يخلص النية ويتبع هدي محمد ﷺ ، كان هذا هو العمل الذي أراده الله جل وعلا من عباده، وهو المقصود بقول الله هنا: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧].

стр. 632

بيان معنى قوله تعالى (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت) قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ﴾ [هود:٧] والمخاطب النبي ﷺ ﴿إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ [هود:٧]. والمخاطب بها كفار قريش، ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود:٧]، أي: يردون على القرآن بأنه سحر، كما قال الوليد بن المغيرة: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢٤].

стр. 633

بيان معنى قوله تعالى (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود:٨]. الأمة هنا الوقت والزمن، وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود:٨]. وكلمة (أمة) في القرآن وردت على عدة معان: فوردت بمعنى الزمن والوقت، كما في هذه الآية، وفي قوله جل وعلا: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:٤٥] أي: بعد زمن. وتأتي بمعنى الرجل المقتدى به، قال الله جل وعلا ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠]. وتأتي بمعنى الجماعة من الناس رجالاً ونساء، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل:٣٦]. فالأمة هنا الجماعة من الناس من الرجال والنساء. وتأتي بمعنى الجماعة من الرجال دون النساء، قال الله جل وعلا عن موسى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص:٢٣] أي: رجالاً يسقون ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص:٢٣]. وتأتي بمعنى الملة والدين، قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢].

стр. 634

التفريق بين قوله تعالى (ليقولَن) وقوله (ليقولُن) قال تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [هود:٨]. يلحظ هنا مجيء لام (ليقولن) مضمومة، وقد سبق قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [هود:٧] بفتح اللام في (ليقولن). فقوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [هود:٧] جاء فيه (الذين كفروا) فاعلاً، فهنا لا يوجد ضمير، فأصل الفعل (يقول) وأسندت إليه نون التوكيد الثقيلة، والقاعدة: إن نون التوكيد إذا أسندت إلى الفعل المضارع يبنى على الفتح، فجاءت مفتوحة وفقاً. وفي الآية التي بعدها قال الله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود:٨]. وأصلها (ليقولون)، ففيها واو الجماعة، والقاعدة أن الفعل المضارع إذا أسند إلى واو الجماعة يبنى على الضم، فبنيت اللام على الضم لوجود واو الجماعة، ولكن واو الجماعة لا تنطق هنا، بل حذفت لالتقاء الساكنين، والساكنان هنا هما نون التوكيد الأولى وواو الجماعة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت اللام على البناء على الضم.

стр. 635

تفسير قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) يقول ﵎: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]. إن مزية دروس التفسير أنها تدلك على كل العلوم، فالله تعالى يقول هنا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود:١٥] أي: يطلب الدنيا وزينتها ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود:١٥] أي: في الدنيا ﴿وَهُمْ فِيهَا﴾ [هود:١٥] أي: في الدنيا: ﴿لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]. والواقع أن كل من طلب الدنيا لا يُعطاها. وعليه فإن هذا الإطلاق قيده الله جل وعلا في الإسراء فقال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]. فهذا الإطلاق الوعد المطلق هنا قيد بآية ماذا؟ بآية الإسراء واضح. ونحو ذلك قول الله في البقرة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، هذا إطلاق، ولكن هل كل من دعا الله يجيب الله دعوته؟ فهذه الآية مقيدة بقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام:٤١].

стр. 636

ذكر أحوال الإطلاق والتقييد والمطلق والمقيد ينقسمان إلى أربعة أقسام: فقسمان اتفق عليهما العلماء، وقسمان اختلفوا فيهما، فنقول: أولاً: يحمل المطلق على المقيد إذا اتفقا في السبب والحكم، ومثال ذلك قوله ﵊ في زكاة الغنم: (في أربعين شاة شاة)، وقال: (في سائمة الغنم زكاة) فالحكم في النصين هو الزكاة، فهو واحد، والسبب واحد، وهو بلوغ النصاب، وقوله ﷺ : (في أربعين شاة شاة) لم يذكر فيه السائمة، ولكن لا نقول لكل من ملك أربعين شاة: إنه تجب عليك فيها الزكاة، حتى تكون سائمة، فأتينا بشرط السوم من حديث آخر، للاتفاق في السبب والحكم. فنقول على هذا: إذا اتفق المطلق والمقيد في السبب والحكم يحمل المطلق على المقيد. ثانياً: إذا اختلفا في السبب واتفقا في الحكم، فإن مثالهما كما في الظهار وقتل مؤمن خطأ، فالسبب يختلف، ولكن الحكم واحد، وهو العتق، وقد قال الله جل وعلا في القتل: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، وقال في الظهار ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:٣]. ولم يقل: مؤمنة، فالإطلاق في آية الظهار، والتقييد في آية القتل، فاتفقا في الحكم وهو العتق، واختلفا في السبب، إذ الظهار والقتل مختلفان، فهل يحمل المطلق على المقيد؟ هذا محل نزاع بين العلماء. ثالثاً: إذا اتفقا في السبب، واختلفا في الحكم، فمثال ذلك في الوضوء والتيمم، فالإنسان إذا لم يجد الماء يرفع حدثه التيمم، فالتيمم غير الوضوء، ولكن السبب واحد، إذ المقصود رفع الحدث؛ لأنه لا يكون وضوء ولا تيمم إلا لرفع الحدث. فالله جل وعلا قال في آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦]. فقيد غسل اليد بقوله: (إلى المرافق)، وفي التيمم قال: ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦] ولم يقل: إلى المرافق، فهذا إطلاق، فهل يحمل هذا على هذا؟ هذا فيه خلاف، ولكن ذلك فسر بالسنة بفعل النبي ﷺ . رابعاً: إذا اختلفا في السبب والحكم، فمثاله قول الله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]. فالحكم هو القطع، والسبب السرقة. وقال تعالى في آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة:٦]. فالسبب هو رفع الحدث، وهناك السبب هو السرقة، وهناك الحكم القطع، وهنا الحكم الوضوء، فالوضوء غير القطع، والسرقة غير رفع الحدث، فاختلفا في السبب، واختلفا في الحكم، فلا نقول: إن السارق تقطع يده من المرفق، لأن آية الوضوء نصت على أنه يكون إلى المرفق؛ لأنهما اختلفا في السبب وفي الحكم.

стр. 637

تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه) قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ [هود:٢٥ - ٢٧] أي: أشراف الناس ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود:٢٧] أي: ومن أعظم ما أخذه الأنبياء على رسلهم أنهم بشر، ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود:٢٧]. وكل دين أول من يدخل فيه هم الضعفاء؛ لأن الضعفاء غالباً مضطهدون من الوجهاء والأعيان، فيكون هؤلاء الضعفاء في أحوج شيء إلى من يأتي ويغير الحال الذي يعيشونه، فإذا جاء الأنبياء بالصلاح وغيروا النظم الاجتماعية القائمة على الظلم والقهر في أقوامهم، كان هؤلاء الضعفاء أول من يتبعهم، ويكون الوجهاء المستفيدون من ذلك الحال أول من يحارب الأنبياء. قال تعالى: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧]. قيل: المعنى: أول الأمر. أي: هؤلاء أصحاب مهن وضيعة لا يفكرون ولا يتريثون، وإنما تبعوك عجلة من دون تفكر، ومن دون تمعن، ومن دون أخذ ولا عطاء ولا روية. قال تعالى عنهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود:٢٧].

стр. 638

بيان الهلاك بتعظيم غير الله والله جل وعلا قد أرسل كل الأنبياء بالتوحيد، والتوحيد: أن لا يعظم إلا الله، ولا يأتي الناس بسبب للهلاك أعظم من تعظيم الناس فوق قدرهم، ولذلك حرص الأنبياء ﵈ على أن يبرءوا من كونهم لهم فضل على الناس، وكل من ادعى أن له فضلاً قصمه الله، وهذه سنة لله جل وعلا في سائر خلقه في الأبرار والفجار، ففرعون قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] فقصمه الله وأغرقه في البحر. واليهود ما أضلهم إلا أنهم قالوا نحن شعب الله المختار، فلما ظنوا أنهم لهم مزية هلكوا. وهتلر الزعيم النازي الألماني كان يرى أن للألمان عرقاً يرتفع به عن سائر أعراق الناس، وقسم العالم، وجعل العرق الألماني في أعلاها وأشرفها، وجاء بالنازية القائمة على العنصرية، وما ضيَّع ألمانيا إلا النازية التي جاء بها أدولف هتلر، ثم هلكت ألمانيا بعده، وإلى اليوم تدفع ألمانيا ثمن مقولة هتلر أن لألمانيا فضلاً على الناس، فليست هي عضواً في مجلس الأمن ولا في غيره، وقضايا العقوبات عليها في تصدير السلاح مما لا يخفى على أحد، كل ذلك بسبب تلك الكلمة أو تلك المقولة أو الحكمة أو النظرية التي جاء بها هتلر. فكل من بغى قصمه الله جل وعلا، والنبي ﷺ يقول: (ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه).

стр. 639

تفسير قوله تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [هود:٢٨]. أي على برهان واضح ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ [هود:٢٨] والرحمة: النبوة، ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود:٢٨]. وقوله تعالى: ﴿هذه َنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود:٢٨] فيه عشرة أحرف، ولكن هذه الكلمة ليست أطول كلمة في القرآن، ففيها فعل وفاعل ومفعول به أول ومفعول به ثان. ولكن أطول منها بحرف قوله تعالى: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر:٢٢] في الحجر.

стр. 640

تفسير قوله تعالى: (ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً) قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [هود:٢٩ - ٣١]. في هذه الآيات بيان كيفية دعوة الأنبياء، وهذا من أعظم الفقه في الدعوة، فأي نبي كان يحرص وهو يدعوا الناس على أن يبين أنه لا يريد من الناس أن يتبعوه لشخصه، وإنما يتبعونه لأنه يبلغ عن الله، ولهذا قال نوح ﵇: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [هود:٣١] أي: فتتبعونني رجاء أن أعطيكم، فلا أريدكم أن تتبعوني من أجل هذا الأمر ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [هود:٣١] فتفرحون فتقولون: هذا يعلم الغيب، فنتبعه حتى يبين لنا مستقبل أيامنا ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود:٣١] أي: ولا أقول: إنني من جنس أفضل من جنسكم. فكان ينأى عن أن يشعر قومه بأنه له فضل عليهم غير فضل النبوة وفضل الهداية وفقه الأمر كله قائم على أن أنبياء الله لا يريدون من الناس أن يتبعوهم لذواتهم، وإنما يتبعونهم لأنهم يبلغون عن الله.

стр. 641

تفسير قوله تعالى: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) ثم قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود:٣٢]. هذا الطلب المقصود منه الاستهزاء والسخرية، فقال نوح ﵊: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ﴾ [هود:٣٣] فأسند الأمر إلى الله، وهذا هو التوحيد والعبودية الحقة التي حققها الرسل أعظم تحقيق. قال تعالى: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] فالهداية أولها وآخرها بيد الله.

стр. 642

تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه) قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود:٣٥]. وهذا من دقائق الكلام في القرآن، فنوح ﵇ يقول: ﴿إِن﴾ [هود:٣٥] على سبيل الافتراض ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ [هود:٣٥]. ولما تكلم عنهم قال: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود:٣٥]. فتكلم عن نفسه على سبيل الفرضية، وتكلم عنهم على سبيل التحقيق.

стр. 643

تفسير قوله تعالى: (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) فلما كان الأمر كذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود:٣٦]. وقد مكث نوح يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، فأصبح الناس على حالين متميزين، فتميز الكافر من المؤمن، فأوحى الله جل وعلا إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فلما أوحى الله جل وعلا إليه بهذا الأمر قال دعاءه المشهور: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦]. فلو قال داع اليوم: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦] فإنه لا يصح ذلك؛ لأنه لا يدري من يكتب الله له الهداية ممن لا يكتبها. فالإنسان يتقيد بالشرع، أما نوح فكان يعلم؛ لأن الله قال له: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود:٣٦].

стр. 644

بيان سخرية قوم نوح بنبيهم وسخريته منهم فأمره الله جل وعلا بأن يصنع الفلك -أي السفينة- وعلمه الله جل وعلا كيف يصنعها، فكان يمر عليه قومه فيسخرون منه قائلين: بالأمس كنت نبياً واليوم أصبحت نجاراً. فيقول: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨]. وهذا يسمى عند البلاغيين بالمشاكلة، حيث قال: ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود:٣٨ - ٣٩].

стр. 645

ذكر ما حمله نوح في السفينة قال تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود:٤٠]. وكلمه (زوج) في قول أهل الرياضيات تدل على اثنين، هذا كلام أهل الرياضيات، وهو في اللغة غير صحيح، فكلمة زوج تدل على واحد له مثيل من جنسه، ولو كانت تدل على اثنين لما قال الله: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود:٤٠]. فكلمة زوج تدل على واحد، والدليل قوله تعالى: في حواء: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١]. وزوجها هو آدم ﵇. فالشيء إذا كان له مثيل سمي زوجاً، مثل النعل فكل واحدة من النعلين يقال لها: زوج، فإذا قلت: زوجين اثنين فإنها تصبح في عددها الفردي أربعة. فكلمة زوج تدل على واحد له مثيل، والدليل من القرآن كذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ [النجم:٤٥] ولما فسرهما قال: ﴿الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [النجم:٤٥]. فالله تعالى قال لنوح: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود:٤٠]، فأخذ من الأُسْد أسداً ولبؤة، وأَسَدا ولبؤة.

стр. 646

بيان معنى فوران التنور وبعد أن أمره تعالى بذلك أعطاه أمارة فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود:٤٠]. واختلف العلماء في المقصود بقوله: (فار التنور)، فجمهور العلماء من السلف والخلف على أن المقصود نبع الماء في الأرض، أي: تتفجر عيون الأرض، وهذا قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعليه الجمهور. واختار ابن جرير الطبري شيخ المفسرين أن هذا غير صحيح، وقال ﵀: إن التنور إذا أطلق يراد به المكان الذي يخبز فيه، وكلام الله يحمل على الأشهر والأغلب، فقال: هذه علامة بين الله وبين نوح في الموقد الذي يوقد فيه نوح النار، فإذا فار فتلك علامة أعطاه الله إياها، فحينئذٍ يكون الأمر كما قال تعالى: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ﴾ [هود:٤٠].

стр. 647

بيان حكمة حمل نوح من كل زوجين اثنين ولم يحمل نوح من أهله زوجته واعية، وابنه كنعان، على ماقاله المفسرون. فحمل نوح من كلٍّ زوجين اثنين؛ لأن الله جل وعلا كتب أن تهلك الدنيا، فحفظاً لبقاء الحياة الإنسانية وما ينفعها أمر الله نوحا بأن يحمل فيها من كلّّّّّّّّ زوجين اثنين. وقال العلماء: إنها كانت ثلاثة أدوار، فما كان أعلاها كان للطير، والوسط كان للدواب، والأسفل كان لبني الإنسان، ويقولون: إن من كانوا في السفينة كان عددهم قرابة ثمانين شخصاً، وإن السفينة رست في العاشر من شهر محرم يوم عاشوراء، وإن نوحا صامه وصامه أهل السفينة، وإنه لم يكن فيها بعض المخلوقات كالخنزير، ولكن لما خرجت العذرات من الدواب والإنسان في السفينة، فأزكم الناس ريحها لأمر أراده الله، اشتكى نوح إلى ربه من عذرات الناس، فأمره الله بأن يمسح على الأسد، فأخرج منه الخنزير، والخنزير يأكل العذره، فارتاح أهل السفينة من العذرات؛ لأن الخنزير كان يأكلها. وذكروا أشياء قريبة من هذا، والله تعالى أعلم بصحتها. ولكن العقل لا يمنعها، ولا يوجد دليل نقلي صحيح على صدقها. قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، وأهل الخير في الغالب قلة.

стр. 648

ذكر مراحل قصة نوح ﵇ ثم قال نوح لقومه: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود:٤١] أي إجراؤها ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ [هود:٤١] أي: أرساها فحملتهم. والله جل وعلا صور الموقف على عدة مراحل: المرحلة الأولى: مرحلة دعوة نوح ومواجهته سخرية قومه. والمرحلة الثانية: صناعة السفينة، وقد صنعها في ثلاث سنين؛ لأن سفينة تحمل هؤلاء الخلق كلهم لابد من أن تكون عظيمة، فصنعها ولم يكن يعرف صنعها، ولكن الله قال: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧] أي: برعايتنا وأمرنا. فكان لا يضع شيئاً إلا بأمر الله. والمرحلة الثالثة: أمره للناس بأن يركبوا السفينة. والمرحلة الرابعة: إخراج الأرض ماءها، وإمطار السماء، قال الله جل وعلا: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ [القمر:١٢]. أي: ماء السماء وماء الأرضُ ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ﴾ [القمر:١٢ - ١٣] أي نوح ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر:١٣].

стр. 649

ذكر ما حصل من ابن نوح فأخذت السفينة تجرى بهم، فرأى ابنه كنعان فأخذ يناديه، حيث أدركته عاطفة الأبوة، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢]. فالابن نسي أن المسألة مسألة عقوبة، وأعظم من الذنب الذي ترتكبه عدم شعورك بأن الله سيعاقبك عليه، كإنسان تحته أجراء يظلمهم ليل نهار ولا يعطيهم حقهم، أو كان تحته طلاب لا يحسن تعليمهم، أو زوجات يظلمهن، أو جيران يؤذيهم، أو عنده كذا وكذا من المظالم، ثم يبتلى بمرض خبيث، أو بحرق، أو غير ذلك، فيأتيه من يواسيه فيقول: هذا رفع درجات، وهو لا يدري ما حاله، ولكن العاقل يعرف ذنوبه ومعاصيه، وقد كان السلف لقلة ذنوبهم تأتيهم المصيبة فيعرفون الذنب الذي بسببه أصابتهم. فابن نوح أخذ يتكلم بأشياء بدهية، فل وحصل السيل ونحن بمكان فإنا سنذهب إلى الجبل، فقول ابن نوح: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ [هود:٤٣] قول بدهي. إلا أن الطوفان لم يكن شيئا طبيعياً، بل كان عقوبة لأهل الكفر واستجابة لدعوة نوح: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦]. قال تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود:٤٣]. و (عاصم) هنا فاعل بمعنى مفعول، يعني لا معصوم اليوم إلا من رحم الله، والعرب تعبر بالفاعل عن المفعول، وتعبر بالمفعول عن الفاعل، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم:٦١] أي: آتيا، وليس مفعولا به، ويقال: فلان قتيل، أي: قاتل، ويقال فلان قتيل، بمعنى: مقتول. والمقصود أن (عاصم) هنا بمعنى معصوم، أي لا معصوم اليوم إلا من ﵀. قال تعالى: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ [هود:٤٣] أي: بين الأب وابنه: ﴿فَكَانَ﴾ [هود:٤٣] أي: الابن ﴿مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣].

стр. 650

تفسير قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي) قال تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٤]. وهذه أبلغ آية في كتاب الله وكل القرآن بليغ، وقد روي أن ابن المقفع -وهو فارسي كان ذا بلاغة وبيان، وكانوا يقولون: إنه أفصح أهل زمانه- قرر أن يعارض القرآن، فكتب كلاماً وقسمه على هيئة سور، وكان ذكياً فصيحاً، ولا ريب في ذلك، وله كتب مشهورة منها: الأدب الكبير والأدب الصغير، وغير ذلك، فمر على غلام يقرأ هذه الآية: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٤] فرجع وقال: أشهد أن هذا كلام لا يعارض أبدا، وأحرق ما كان يكتبه. فهذا الأمر صرف النظر عن بلاغته؛ إذ لا يقدر على أن يقوله إلا الله، فلا يوجد أحد يقول للسماء توقفي، وللأرض: ابلعي، وللماء: غض، وللسفينة: استوي، فينفذ هذا كله ويقع، إلا الله جل وعلا. واقرأ القرآن بكل أموره، ففيه ما يدل على جلال الله، وفيه ما يدل على جمال الله، فالألفاظ تدلك على جمال الله، والقدرة تدلك على جلال الله، وبأيهما بكيت -جمالاً أو جلالاً- أصبت قوله ﷺ (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).

стр. 651

ذكر ما كان بعد هلاك الكافرين قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤١ - ٤٣]. طافت السفينة بالأرض حتى قيل إنها طافت بالكعبة، ثم أمرها الله بأن تستقر، فأوحى الله إلى الجبال أن السفينة ستستقر على أحدكم، فتطاولت الجبال كلها إلا جبل الجودي في أرض الموصل جهة الكوفة في العراق، فهذا الجبل تواضع ولم يرتفع كما قال العلماء، فأمرها الله بأن تستوي على جبل الجودي، لأن من تواضع لله زاده الله عزاً ورفعة، وهذه سنة الله جل وعلا في خلقه. قال تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود:٤٤]. والبلع يكون للشيء الذي لا يتريث الإنسان في مضغه، ويستقر في الجوف، فكأن الله أمر الأرض بأن يعود ماؤها الذي خرج منها إلى جوفها. ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود:٤٤] أي: توقفي فتوقفت. ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود:٤٤] أي: ذهب في الأغوار هنا وهناك بحيث لا يراه أحد، وفي البادية يقولون: فلان يغيض ويعيض. ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [هود:٤٤] أي: أمر إهلاك الكافرين ﴿الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [هود:٤٤]. ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤] أي السفينة. ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٤] وهذا البعد زماني ومكاني، فلا يوجد لهم أثر، وهو بعد مستمر زماناً إلى أبد الآباد. فلما رست السفينة قالوا: إن نوحاً ﵇ أراد أن يطمئن أن الأرض فيها حياة، فبعث الغراب، فوجد الغراب جيفة من جيف الكفار الذين أهلكهم الطوفان فربض عندها، ولذلك يقولون: إذا كان الغراب دليل قوم دلهم على جيف الكلاب ثم بعث الحمامة، فلما ذهبت الحمامة لطخت قدميها بالطين، حتى تبين له أن الأرض ليس فيها ماء، ثم حملت غصن زيتون في فمها وقدمت به إلى نبي الله نوح، ولذلك فالشعار العالمي اليوم المتفق عليه بين الأمم هو أن الحمامة وغصن الزيتون رمز السلام، وهذا مأخوذ من هذه القصة.

стр. 652

تفسير قوله تعالى: (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي) ثم إن نوحا أدركته عاطفة الأبوة، فلما انتهى الأمر نادى فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] أي: أنك ستنجي أهلي ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥]، وهذا توسل إلى الله. فوعظ الله نوحاً وأدبه: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦]. فالذي فرق بين نوح وابنه هو الكفر؛ وإن كان ابنه من صلبه؛ كما قال ابن عباس: (والله ما خانت زوجة نبي قط)، فيستحيل أن تخون زوجة نبي الله زوجها في عرضه، ولكن يقع منها الكفر، والأمر قد يعظم من جهة ويهون من جهة أخرى، فكونها تكفر بالنسبة لنوح أهون من أن تزني، وإن كان الزنا أقل جرماً من الكفر. قال تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] وفي قراءة: (إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ) ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦]. فتأدب ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا﴾ [هود:٤٧ - ٤٨]. والسلام هنا تام؛ لأنه لا يوجد وقتها على ظهر الأرض كافر. قال تعالى: ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود:٤٨] حتى سائر الدواب التي كانت مع نوح أدركتهما البركة. وقوله تعالى: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ [هود:٤٨] أي: سيأتون بعد أجيال ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود:٤٨]. قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩]. فما أمر الله نبيه بأعظم من الصبر، وبالصبر ينال الإنسان -بفضل الله- ما يريد. هذا ما أردنا بيانه وتهيأ إيراده، والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله.

стр. 653

سلسلة تأملات قرآنية _ تأملات في سورة هود [٢] في سورة هود من العبر والعظات ما ينفع كل مؤمن يتأمل في آيات الله، فقد ذكر الله فيها ما حدث بين لوط وقومه وما لاقاه من الأذى منهم كما أخبر الله فيها عن أصحاب الجنة وأصحاب النار أنهم خالدون كل في مستقره الذي أعد له. ثم بشر الله سبحانه المذنبين ببشرى عظيمة وهي أن الحسنات يذهبن السيئات، وفي ذلك دعوة منه سبحانه إلى المسارعة في التوبة وعمل الصالحات وهو الغفور الرحيم سبحانه.

стр. 654

تأملات قرآنية في قصة إبراهيم مع ابن أخيه لوط ﵉ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، فجزاه الله بأفضل ما جزى به نبياً عن أمته، اللهم صلّ وسلم وبارك وأنعم عليه، وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره، وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثاني حول تأملات قرآنية في سورة هود، بلغنا الله العلم بكتابه والعمل به، وكنا قد شرعنا في اللقاء الماضي مبينين، أن هذه السورة مكية إلا بعض آياتها، وذكرنا أن النبي ﷺ صح عنه قوله: (شيبتني هود وأخواتها)، وقلنا: هذا إجمال فسرته رواية أخرى. وهي قوله ﷺ : (شيبتني هود والواقعة والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت). وقلنا: إن الجامع بين ذلك كله، هو أنها تتحدث عن أهوال اليوم الآخر، كما ذكرنا في تعليقاتنا، أن الله جل وعلا قال فيها: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]، وقلنا: إن هذا إطلاق، وهذا الإطلاق قيده قول الرب ﵎ في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨]، وقلنا: من قواعد العلم عند أهل الأصول: أن المطلق والمقيد له أربعة أنواع: الحالة الأولى: يتفق فيها السبب والحكم، وهذا يحمل فيه المطلق على المقيد. والحالة الثانية: يختلف فيها الحكم ويتحد السبب، وهذه مسألة خلافية، والحالة الثانية: يتحد الحكم ويختلف السبب، وهذه كذلك مسألة خلافية، والرابعة: أن يختلف السبب والحكم، وهذه اتفقوا على أنها لا يحمل المطلق فيها على المقيد هذا بعض ما ذكرناه في اللقاء الماضي. وفي هذا الدرس سنختار التعليق على كلمات أو آيات هي في الغالب مظنة إشكال عند من يقرأ القرآن، وبعض الآيات سوف نعرج على الفوائد التي فيها. والمهم هو الشيء الذي يثير الإشكال عند من يسمعه، فتنزيل الإشكال قدر الإمكان، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩]، المقصود بالرسل هنا الملائكة، والملائكة كانت ذاهبة إلى قوم لوط للعذاب، فمرت على إبراهيم ﵇ قبل أن تذهب إلى لوط، ولوط ابن أخ إبراهيم. فإبراهيم عم للوط نسباً -وبمثابة الوالد حقيقة؛ لأن الله قال: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، فبعث الله لوطاً نبياً في حياة إبراهيم، بعثه إلى قرية سدوم، وحصلت منهم الفاحشة كما سيأتي، فجاءت الملائكة بالعذاب على أهل سدوم، وهم مارون في طريقهم إلى القرية مروا على إبراهيم بالبشارة، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [هود:٦٩]، البشرى هنا: المقصود بها -إجماعاً- البشارة بالولد إسحاق، قال الله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١] وهذا ظاهر، والعلماء يقولون: كون إبراهيم يولد له وهو في هذا السن، وكون سارة يولد لها وهي في هذا السن مع كونها عاقراً منذ أن خلقت هذا يقال له: معجزة نبي وكرامة ولي، نظيره زكريا، فإن زكريا رزق ولداً كما رزق إبراهيم على كبر، فهي بالنسبة لزكريا معجزة وبالنسبة لزوجته كرامة؛ لأن المعجزة تلحق بالرسول والكرامة تلحق بالأولياء.

стр. 655

إلزام أمة محمد باتباع ملة إبراهيم نقف هنا وقفة يسيرة: إن كل ما في القرآن مما حكاه الله جل وعلا أو قصه عن إبراهيم، فإن أمة محمد ﷺ ملزمة شرعاً به، وهذه الحالة لا تكون إلا مع إبراهيم اتفاقاً، والدليل على هذا: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل:١٢٣]، وقوله جل وعلا: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨]، والمعنى: الزموا ملة أبيكم إبراهيم، وهذا من الدلائل على أن هذه الأمة مطالبة شرعاً بقضية بما أوحي إلى إبراهيم، ولذلك لما استغفر إبراهيم لأبيه جاء النهي مستثنى: أن لا تفعل. ولا يكون الاستثناء إلا في شيء الأصل فيه أن يفعل. فمثلاً عندما تأتي لشخص تسلمه بيتاً، فتقول له: إلا هذه الغرفة لا تدخلها. معنى الكلام: أن كل البيت مباح له، فلذلك قال الله جل وعلا في قضية استغفار إبراهيم لأبيه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة:١١٤]، فهذه ليس لنا علاقة بها، لا نتبعه فيها. هذا الفائدة الأولى. الأمر الثاني: عند قول الله جل وعلا عن سارة: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١]. الضحك إذا أطلق يراد به انفراج الفم عن الأسنان، وهذا هو الضحك المعروف الذي لا يختلف عليه اثنان. موضع الإشكال: أن بعض العلماء كما نقل عن مجاهد وعكرمة وبعض السلف، قالوا: ضحكت هنا بمعنى: حاضت، وأن الحيض من الدلائل على أن المرأة إذا حاضت تكون عرضة لأن تحمل، فقالوا: إن المقصود: حاضت، وهذا وإن قال به أئمة أجلاء، لكن لا يوجد في اللغة -فيما نعلم- شيء يدل عليه، وحكيت بعض الأبيات ذكرها بعض العلماء في مواطنها في التفسير، لكن أئمة اللغة كـ أبي عبيدة والفراء وغيرهما من أئمة اللغة قديماً قالوا: إنا لا نعرف في لغة العرب أن ضحكت تأتي بمعنى: حاضت، وإن نسب هذا أحياناً للشافعي، ونحن نحتج بقول الشافعي في اللغة؛ لأن الشافعي أصلاً عاش في هذيل كثيراً وأخذ عنهم اللغة، فيبقى قوله في اللغويات له مكانته العلمية؛ لكننا نقول: لا يوجد في اللغة ما يدل على أن ضحكت بمعنى: حاضت. فالمعنى -والله تعالى أعلم- الذي اختاره كثير من المفسرين: إن سارة كانت واقفة بالخدمة مع زوجها، فلما علمت بهلاك قوم لوط سرت وفرحت وضحكت، والأصل أن البشارة حاصلة، لكن جعلت الضحكات تمهيداً لها، فلما سرت بنجاة لوط ومن معه من المؤمنين، بشرها الله جل وعلا بإسحاق، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١].

стр. 656

الحمل بشارة وهم نأتي لقضية أخرى، وهي قضية حمل النساء، قال الله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود:٧١]، فالحمل الذي تحمله المرأة إذا حملته في أول الأمر يصبح بشارة، وفي آخر الأمر ينقلب إلى هم، ولا شك أنه يستبشر الرجل أو المرأة في الشهور الأولى من الحمل، وفي أي بيت تحدث بشارة في البيت يتناقل أهل الدار والأقارب أن زوجة فلان حملت، وهذا أمر لا خلاف فيه بين الناس، ولذلك قال الله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود:٧١]، لكن الله قال: ((حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ)) أي: الحمل ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، فآخر الحمل يكون هماً؛ لأن النفاس مظنة الموت؛ ولذلك جعل النبي ﷺ . المرأة إذا ماتت في نفاسها شهيدة، وعند بعض العلماء كالمالكية مثلاً وهي رواية في المذهب: أن المرأة إذا وصلت إلى الثلاثة الأشهر الأخيرة من حملها لا يجوز لها أن تتصرف في أكثر من ثلث المال؛ لأن الإنسان إذا دخل في مرض يخاف عليه فيه الموت يقل سلطانه على ماله، ويبقى السلطان للورثة، فلا يجوز للمرأة في آخر حملها وهي مظنة ولادة أن تتصرف في أكثر من ثلث المال؛ لأنها مظنة مرض مخوف حتى لا يتضرر الورثة من تصرفها. هذا من التعليق على قول الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١].

стр. 657

حل الإشكال الوارد في قول الله تعالى عن لوط (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) القضية الثانية في قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٧ - ٧٨]. وهذه القصة معروفة وهي بالجملة أن الملائكة دخلت على لوط في صورة شباب حسان، فلما رآهم قال الله عنه: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود:٧٧]، يعني: سيكون فيه من المشاق ما الله به عليم وقد وقع ذلك. قال الله: ((وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ)) أي: يتسابقون ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:٧٨] يعني: أمر تعودوا عليه ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨]. نقف عند قول الله على لسان نبيه لوط (هؤلاء بناتي)، وهذا الإشكال سوف نحاول أن ندفعه قدر الإمكان في هذا الدرس. لما أراد قوم لوط أذية الشباب الذين هم الملائكة في الأصل، أراد لوط أن يدفع هؤلاء عن ضيوفه، قال: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨] فأهل كثير من المفسرين يقولون: إنه قصد بقوله: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي﴾ [هود:٧٨] بنات القرية، وأنه أراد بالمعنى أن يتشفع لهؤلاء الرجال في أن يتزوجوا بنات القرية؛ حتى يكون ذلك دفعاً لهم عن الفاحشة، وقالوا: إن أي نبي يعتبر كالأب لأمته، هذا حجة من قال: إن قوله: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي﴾ [هود:٧٨]، عائدة على بنات القرية. وقال آخرون: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود:٧٨]، أراد أن يزوجهم بناته اللواتي من صلبه. ونحن نقول والله أعلم: كلا هذين الرأيين صعب أن يقال به؛ لأن القرآن نزل باللغة على ما يوافق العقل، وهذا الكلام لا يوافق اللغة ولا يوافق العقل. أما لماذا لا يوافق اللغة؟ فإن كلمة هؤلاء في اللغة تكون للإشارة إلى الشيء الحاضر، ولا تكون للشيء الغائب، فكلمة: (هؤلاء) لا تطلق على شخص غير موجود، وإنما تطلق على شخص حاضر، فانتفى بذلك القول بأنه قصد بنات القرية، هذا الأمر الأول، والذي يدفع القول بأن النبي يعتبر كالأب لبنات القرية أن النبي لا يعتبر كالأب للبنات الكافرات، والقرية كلها كافرة إلا من كان في بيت لوط، قال الله: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٦] وهو بيت لوط، فلا يوجد في القرية أحد مؤمن، حتى نقول: إن لوط أباً لهم. القول الثالث وهو الذي نختاره، وقد نسبه العلامة الآلوسي ﵀ في (روح المعاني) إلى غير أحد، حيث قال: قال به أجلاء المفسرين، ونص عليه العلامة ابن سعدي ﵀ في كتابه (قصص الأنبياء). وهذا القول هو أنه قصد بناته عيناً، وقصد أن يأذن لهم بالزواج أو بدون زواج، فإن قيل: كيف يعقل أن النبي يعرض بناته لأهل الفواحش، قلنا: هذا من باب إقامة الحجة على المعاند، ومن باب علمه اليقيني أن هذا لن يكون، ونظير ذلك، وهو أعظم القرائن على صحة ذلك ما جاء في الحديث الصحيح: (أن سليمان ﵇ اختصمت عنده امرأتان في ابن لهما، كل تدعي أنها أمه، فقال ﵇: ائتوني بالسيف، ثم قال: أنا أقطعه قطعتين وأعطي كل واحدة نصفاً، فقالت أمه الحقيقية: لا تفعل، أعطه فلانة)، تطلب نجاة ابنها. الشاهد من القصة: أنه لو وافقت المرأتان أن يقطع سليمان الطفل فإنه يستحيل ذلك، لكن هذا من باب علم سليمان أنه لن يقع. ومثال آخر: لو أن رجلاً له خصوم وأعداء، ينتظر منذ مدة أن يظفر بهم، وخصومه هؤلاء بينك وبينهم علاقة متوادة. فإذا جاء هؤلاء بيتك فعلم هذا العدو أنهم في بيتك وجاء ومعه سلاحه وأراد أن يقتلهم فأخذت تذكره بالله وأنهم ضيفك، ومع ذلك لم يرتدع، فقلت له: إذ كان ولابد فاقتلني وأبنائي بدلاً منهم. من الناحية الشرعية لا يجوز أن يدعو الإنسان أحداً إلى قتله ولا إلى قتل أبنائه، لكن هو ما قال هذا من باب أنه يجوز أو لا يجوز، وإنما ليبين لهذا الخصم أنه أحرجه أمام ضيوفه، وهو يعلم يقيناً أن هذا العدو لن يقتله؛ لأنه لن يستفيد لو قتل الرجل وأبناءه، فهو إنما يريد خصومه. فمثلها تماماً لوط، فإنه يعلم يقيناً أنه لو عرض بناته حتى بالزنا على هؤلاء لن يقبلوا ذلك لأنهم لو أرادوا الزنى، ولو أرادوا الزوجات لما جاءوا إلى بيت لوط، فكلهم متزوجون، ويستطيعون أن يأتوا الفاحشة كما يريدون، لكنه يعرف أنهم لا يريدون هذا، ومما يدل على صحة هذا القول: أنهم هم أنفسهم عرفوا ذلك فقالوا: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود:٧٩]، أي: أنت تعرف أننا لا نريد بناتك إنما نريد هؤلاء. لكن لوطاً ﵇ أراد أن يبين لضيفه -وهو لا يدري أنهم ملائكة- أنه فعل كل ما يمكنه ليدفع عنهم الفاحشة. هذا القول رجحه العلامة ابن سعدي في قصص الأنبياء، ونسبه الآلوسي إلى أجلاء من أهل العلم، لكنه لم يذكر أسماءً. وهو إلى ساعتنا هذه هو الذي نختاره، والعلم عند الله ﵎. هذا حل الإشكال الوارد في قوله تعالى: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود:٧٨].

стр. 658

تأملات في قول الله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود:٩٦ - ٩٩].

стр. 659

طرفة حول قول الله (وما أمر فرعون برشيد) نذكر أولاً طرفة حول قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود:٩٧]، ثم ندخل في القضية العلمية. الملك فيصل رحمه الله تعالى: كان عنده مستشار اسمه: رشاد فرعون، كان رجلاً طيباً عاقلاً صالحاً، فالملك ﵀ زار المدينة وأراد أن يزور الجامعة الإسلامية، وكان يدرِّس في الجامعة الإسلامية آنذاك العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ -وليس هذا خبراً ملفقاً فأنا سمعته من عالم كان طالباً آنذاك بأذني ورأيته بعيني- فجاء الملك غفر الله له ورحمه، وزار الجامعة، وصار يزور المحاضرات، فلما دخل المحاضرة التي فيها الأمين الشنقيطي ﵀ وهو يشرح، توقف الشيخ الأمين ﵀ عن الشرح، والطلاب حاضرون، وكان الملك معروفاً أنه متواضع، ويعرف أن هذا هو الأمين الشنقيطي العلامة المعروف، فأراد الملك ﵀ أن يعرف مستشاره للشنقيطي فقال: هذا مستشارنا رشاد فرعون، فقال الشيخ الشنقيطي ﵀: أعوذ بالله! الله يقول: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود:٩٧]، وأنت تقول: رشاد فرعون! بمعنى الكلام: غير اسمه. وهذا يدل على أن الشيخ رحمه الله تعالى ربي على حفظ القرآن وعلى شرح القرآن فيأتي بهذه اللطائف سجية، ولا يحب أن يعبث أحد في القرآن.

стр. 660

طرفة أخرى عن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ويقال عنه ﵀: أنه كان يدخل من باب معين في الحرم، فكان إذا دخل الحرم يضع يده في جيبه ويخرج ما تيسر ويضعها في يد البواب. وكان يدخل من هذا الباب؛ لأنه من جهة سكنه، واعتاد هذا البواب أن يأخذ من الشيخ هذا المبلغ -تقريباً- في كل دخلة، وكان الشيخ يدخل بعد العصر ويجلس ليدرس إلى بعد العشاء، فدخل مرة وكان بجواره شخص يسأله، فالشيخ انشغل عن إعطاء المال للبواب، فالبواب غفر الله له -والله إذا أراد منع شيء هيأ أسبابه- قال للشيخ: (أدخل يدك في جيبك) آية موسى، فتمعر الشيخ لأنه قالها من باب السخرية، وصار لا يعطي هذا الرجل شيئاً، ولم يعد يدخل من ذلك الباب، فهذا حرم نفسه؛ لأنه لم يعرف بشخصية الشيخ العلمية، فهو رجل عاش حياته كلها للقرآن، فقد كان يدرس التفسير رغم أنه كان يجيد أكثر العلوم، فقيل له ذلك، فقال: كل العلوم مردها إلى القرآن، وهذا أحد أسباب شرحنا لكتاب الله.

стр. 661

من أحكام اللعن قال الله عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود:٩٨ - ٩٩]، اللعنة -أعاذنا الله منها-: الطرد والإبعاد من رحمة الله. وسوف نتكلم علمياً وفقهياً وأصولياً حول كلمة اللعنة، وأمرها في الكتاب والسنة لاشتهارها بين الناس اليوم. اللعنة قلنا: هي الطرد والإبعاد من رحمة الله. ولها حالات: الحالة الأولى: لعن المسلم، فهذا باتفاق العلماء لا يجوز لأحد أن يلعنه. الحالة الثانية: لعن الأوصاف العامة، وهذا جائز بالاتفاق، مثل أن تقول: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]، ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، هذا يسمى لعن ذوي الأوصاف العامة وهو جائز بالاتفاق. الحالة الثالثة: لعن الأوصاف الخاصة، تقول: لعن الله آكلي الربا، لعن الله السراق، لعن الله من يلعن والديه، فهذا جائز جاءت به السنة. الحالة الرابعة: لعن الكافر الذي ثبت أنه مات على الكفر، فهذا جائز، كلعن أبي جهل ولعن فرعون. الحالة الخامسة: لعن الكافر الذي لم يتحقق موته على الكفر، فهذا ينظر فيه، فإن كان غالب الظن أنه مات على الكفر فيلعن وتركه أولى، وإن كان لا يعلم أنه مات على الكفر أو مات على الإيمان، فإنا نتوقف في لعنه. فالكافر الذي لا يوجد دليل على أنه أسلم، ولا توجد قرينة على إسلامه يلعن إذا مات على الكفر، لكن من كان هناك قرائن أو شبهات على أنه أسلم وتوقف الناس فيه فالأصل أن لا يلعن أو يتوقف عن لعنه احتياطاً. الحالة السادسة: لعن الكافر المعين الحي، مثل لعن شارون فهذا لا يجوز، فالله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة:١٦١]، فجاء الله بقيد وهو ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [البقرة:١٦١]، فمن لعن كافراً حياً خالف العمل بهذا القيد، وهذا قول جماهير العلماء. ونقل عن أبي بكر ابن العربي المفسر المعروف في كتابه (أحكام القرآن) القول: بأنه يجوز لعن الكافر الحي المعين، فيجوز لعن شارون على قول أبي بكر ابن العربي، لكن الأدلة التي قالها غير صحيحة، فقد أتى بحديث أن النبي ﷺ لعن عمرو بن العاص أيام كفره، لكن الحديث ضعيف جداً، ولم يقل أحد بصحته، ولذلك قال (وروي)، وكلمة (روي) يؤتى بها لصيغة التمريض، ويؤتى بها لضعف الحديث، هو أراد أن يفر منه. وهناك أمور لا يقتدى بالأنبياء فيها، فالنبي قد يعرف حال الملعون عن طريق معين لا يعرفه الإنسان العادي. فنقول: إن لعن الكافر المعين في قول أكثر أهل العلم لا يجوز إلا إذا مات على الكفر؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة:١٦١]. وما دام أنه لا يجوز لعن الكافر المعين، فمن باب أولى لا يجوز لعن المسلم العاصي المعين. الجهة الثانية من الكلام حول اللعنة: أن المؤمن ينبغي عليه أن يفر من اللعن قدر الإمكان، فلا يعود نفسه على اللعن، فإن النبي ﷺ قال -كما في حديث أبي الدرداء وهو صحيح-: (إن العبد إذا لعن تصعد اللعنة إلى السماء، تسد أمامها أبواب السماء ثم تعاد إلى الأرض فلا تجد لها مساراً فتلتفت يميناً وشمالاً -كما قال ﷺ ثم تذهب إلى من لعن، فإن كان أهلاً ولا رجعت للذي لعن)، ويؤيده كذلك ما في سنن أبي داود وهو حديث صحيح: أن عبد الله بن مسعود الصحابي المعروف كان صديقاً لرجل يقال له أبو عمير، فذهب عبد الله بن مسعود لزيارة أبي عمير فلم يجده فأدخلته أم عمير زوجة أبي عمير الدار، فدخل وجلس في المجلس. فبينما هو ينتظر صاحبه سمع امرأة أبي عمير تقول بعد أن بعثت جارية: لعنها الله أبطأت عليّ فخرج ابن مسعود من البيت وجلس خارج البيت، فجاء أبو عمير فوجد ابن مسعود خارج الدار، فقال: ما منعك أن تدخل بيت أخيك، قال: قد دخلت ولكني سمعت امرأتك تلعن جارية لها أبطأت عليها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن اللعنة إذا خرجت من فيّ -يعني: فم- قائلها تذهب إلى من لعن، فإن كان لذلك أهلاً وإلا رجعت إلى من لعن، فكرهت أن أكون بسبيل اللعنة) والمعنى: كرهت أن أكون في طريق اللعنة فخرجت. فاللعن لا يجوز أبداً أن يكثر الإنسان منه. ثبت أن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي المعروف، استضاف أم الدرداء ﵂ وأرضاها فسمعته في الليل وهو قي قصره يلعن، فلما أصبحت قالت له: إنني سمعتك تلعن بعض خدمك، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يكون اللعانون يوم القيامة شهداء ولا شفعاء)، ومما يدل على أن كثرة اللعن من أسباب دخول النار. أن النبي ﷺ قام يخطب في عيد فطر أو أضحى -كما في حديث أبي سعيد - ثم قال ﵊ -يوجه كلامه إلى النساء-: (معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة جزلة فقالت: بِمَ يا رسول الله؟ قال: إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير)، تكفرن العشير: يعني: تنكرن حسنات الزوج عليكن. الشاهد: قوله ﷺ : (إنكن تكثرن اللعن)، فجعل النبي ﷺ الإكثار من اللعن سبب من أسباب دخول النار. فالعاقل ينبغي عليه أن لا يلعن شيئاً لا دابة ولا غيرها. إن البعض يكثر من لعن أبنائه، وهذه أشد إثماً، فعلى الإنسان أن يحفظ لسانه فلا يلعن إلا اللعن العام إذا اضطر إليه، كأن يقول: لعنة الله على الظالمين لعنة الله على الكافرين. كذلك من قواعد العلم أن الإنسان لا يأتي مثلاً إلى شخص يعمل في بنك ربوي فيحكم على هذا الرجل بأنه ملعون، فهذا لا يجوز، وإنما تقول: لعن الله آكل الربا، فقد لعن النبي ﷺ آكل الربا فقال: (لعن الله آكل الربا)، لكن لا تحكم على شخص بعينه أنه ملعون، فهذا لا يجوز شرعاً؛ لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله شارب الخمر، فجيء له بصحابي قد شرب الخمر، فلما لعن، قال: لا تلعنوه، فإني ما علمته إلا محباً لله ورسوله)، مع أنه ﵊ قال: (لعن الله شارب الخمر). ووقوع اللعنة على آكل الربا وعلى السراق وعلى الزناة وعلى أمثالهم ممن لعن الله أو لعن رسوله، ليس كوقوعها على أهل الكفر، وما ذكر ملعون في القرآن أكثر من فرعون عياذاً بالله، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص:٤٢]. نعوذ بالله جل وعلا من موارد لعنه.

стр. 662

بعض من لعنهم الله ورسوله سنذكر على سبيل الإجمال بعض من لعنه الله أو رسوله: لعن الله شاهد الزور، الراشي، المصورين، غير منار الأرض، النامصة، الواصلة، المستوصلة، من ذبح لغير الله، شارب الخمر، لعن الله من لعن والديه، لعن الله آكل الربا، من أحدث في المدينة حدثاً، أو آوى فيها محدثاً. وهذه كلام شرعي يقوله النبي ﷺ ، ولم يقله لتحفظه وتمليه، بل لتطبقه وتعمل به كما أمر نبينا صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 663

تأملات في قوله تعالى: (وما نؤخره إلا لأجل معدود) قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود:١٠٤] أي: يوم القيامة، ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٥ - ١٠٨]. الإشكال في قوله تعالى: (إلا ما شاء ربك)، وهذا الإشكال أجاب عنه العلماء بأجوبة كثيرة، ذكر منها أبو العز الحنفي في شرح (العقيدة الطحاوية) أكثر من ثمانية أقوال، وغيره من المفسرين، وسردها الآلوسي في روح المعاني وغيره من العلماء. والذي يظهر والله أعلم: أنها كلها أجوبة متكلفة، لا تستقيم، وإنما نختار الذي نراه صواباً فنقول: إن هذا القول من ربنا جل وعلا: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] المراد به: بيان القدرة والمشيئة ودفع توهم أن يكون هذا واجباً على الله. أما ما ذكره العلماء كقولهم: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] يعني مدة بقائهم في أرض المحشر، أو مدة بقاء العصاة في الحساب وأمثال ذلك فهذا كله يصعب القول به، حتى من نقله قال: هذا أمر لا يستقيم. فقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] مسألة مطلقة لله جل وعلا، والقرآن فيه محكم وفيه متشابه، ويرد المتشابه إلى المحكم، وقد أخبر الله في أكثر من آية محكمة وأخبر نبيه ﷺ : أن أهل النار خالدين فيها أبد الآباد -عياذاً بالله- وأهل الجنة خالدين فيها أبد الآباد، قال الله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨]، أي: غير مقطوع، فلا ينقطع ولا ينتهي، وهذا أمر أجمع الناس عليه، وقد ذكر النبي ﷺ أهل الجنة، وقال: (لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم)، فهم خالدون فيها كما قال الله جل وعلا. فالحق أن أهل النار خالدين فيها، وأهل الجنة خالدين فيها، أما قول الله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٧] فلبيان أن هذا الأمر غير لازم على الله ﵎، ودفع توهم أن يكون واجباً على الله، ولبيان أن الأمر كله يرجع إلى قدرته ومشيئته وأمره ونفوذ ذلك منه، ﵎.

стр. 664

وقفة مع قول الله تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار) ٧ قال الله جل وعلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:١١٤ - ١١٥]. هذه الآية مدنية، والمقصود منها كما قال أهل العلم: إن رجلاً من آحاد المسلمين في المدينة وقع في أمر يتعلق بالنساء دون الزنا، فقبل أو ضم -وما أشبه ذلك- امرأة محرمة، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره فيما وقع منه تائباً نادماً، فسكت النبي ﷺ عنه، ثم أنزل الله عليه هذه الآية، فقال ﷺ : (أين الرجل؟ فقال: أنا يا رسول الله، قال: صليت العصر معنا؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد غفر الله لك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:١١٤ - ١١٥]). إذاً: كلنا ذوو خطأ، ولا يخلو إنسان من معصية، ولا يذهب السيئات مثل الحسنات، وكل بني آدم الخيرون منهم يريدون التوبة، فإن أقبلت على الله جل وعلا وأنت تريد التوبة وغسل ما كان من الذنوب، فإنه لا يغسلها ويذهبها مع الاستغفار والتوبة أعظم من كونك تكثر من الحسنات؛ لأن الله يقول: وهو أصدق القائلين وأعلم بخلقه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، وهذا فسرته السنة. فالحج يقول فيه ﵊: (من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)، وقال ﵊: (الجمعة إلى الجمعة والعمرة إلى العمرة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن من الذنوب، إذا اجتنبت الكبائر)، فالإنسان يكثر من عمل الصالحات، كلما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإن هذا كفيل برحمة الله أن يذهب السيئات ويطهر قلبه، ولابد من الميزان، فمن كثرت حسناته ترجح بسيئاته. إذا وقعت في خطيئة أحسست فيها بالندم فليس الحل أن تخبر بها زيداً أو عمرو، وإنما الحل أن تكثر من فعل الخيرات، وعمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه راجع النبي ﷺ في يوم الحديبية، وقال: (علام نعطي الدنية في ديننا)، فكأنه أغلظ على نبينا ﷺ ، يقول عمر: (فما زلت أعمل لذلك اليوم)، يعني: أكفر عن تلك الخطيئة بأن أكثر من الصلاة والصيام والصدقة؛ رجاء أن يغفر عني ذنب ذلك اليوم. فالمؤمن الذي يتبصر بالقرآن ويعمل به يأخذ بهذه الأمور، فيكثر من الحسنات رجاء أن يغفر الله جل وعلا له: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:١١٤ - ١١٥].

стр. 665

الأسئلة

стр. 666

دفع توهم التكرار في قول الله (وقيل يا أرض ابلعي ماءك) السؤال يقول السائل: قول الله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود:٤٤]، يقول: ليس هناك ترادف، وكأن المعنى واحد، فما المقصود بذلك؟ الجواب إن أمر الله لا يكون فيه تكرار، وهذا ليس فيه تكرار، وإنما المعنى: أن الأرض أخرجت ما عندها من الماء، والسماء أمطرت ماء، فقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود:٤٤] أي: الماء الذي أخرجته، وأما ماء السماء فقال الله عنه: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود:٤٤]، فالأرض بلعت ماءها الذي أخرجته؛ لأن الله قال: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٢] * وقال: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر:١١]، فالتقى ماء السماء وماء الأرض، فقول الله: ﴿ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود:٤٤] عائد على الأرض في الماء الذي أخرجته، وقوله: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود:٤٤] في الماء الذي نزل من السماء، وعلى ذلك فلا تكرار في الآية.

стр. 667

دخول الرجل بيت صديقه في غيابه السؤال هل يجوز للزوجة أن تستضيف صديق زوجها في غيابه حتى يحضر، وخاصة في زماننا هذا؟ الجواب هذا مرده إلى أمور كثيرة، فإن كان في البيت أطفال وخدم كبيوت العرب قديماً، فهذا لا حرج فيه، أما إن لم تكن إلا الزوجة لوحدها فلا يجوز قطعاً؛ لأنه سيحدث نوع من الخلوة، خاصة في الشقق وفي الفلل البعيدة، فهذا كله لا يجوز؛ لأنه مظنة شبهة وتهمة، ولا يفعله عاقل؛ لأنه يفتح باب شر عظيم، حتى لو لم يحصل شيء فقد يأتي الزوج ويدخل في قلبه ما الله به عليم. أما العرب قديماً فقد كانت بيوتهم فيها خدم، وغلمان وعبيد وجواري يدخلن ويخرجن، فإذا كان الأمر كذلك فلا بأس، وكذلك في زماننا لو أن الإنسان يدخل على رجل من أهل الثرى، وعنده خدم وحشم فيدخل المجلس وزوجة صاحبه في الدور العلوي، ويأتي أبناؤه وخادمه ويدخلون ويخرجون فهذا كله لا حرج فيه، فتقدر الحالة بقدرها والله أعلم.

стр. 668

الرد على من يحذر من الشيخ عائض القرني السؤال ما رأيكم فيمن يحذر من الشيخ عائض القرني؟ الجواب الشيخ عائض القرني لا نعلم عنه إلا خيراً، وكونه يخطئ ويصيب، فكل الناس يخطئون ولا يخلو أحد من الخطأ، لكن الشيخ من أهل السنة معروف بفضله، ولا نعلم عليه -والله تعالى أعلم- أمراً يقدح في دينه أو في علمه أو في عقيدته، أما كونه يخطئ، فكلنا يخطئ ويصيب. وأنت عندما تسمع لزيد وعمرو لا يعني ذلك أنك ملزم بما يقول، وإنما خذ من كل إنسان ما ينفعك منه، ودع الباقي.

стр. 669

سبب كون سورة هود مكية إلا آية واحدة السؤال يقول: ما سبب كون سورة هود كلها مكية إلا آية واحدة مدنية؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب إن ما نزل قبل الهجرة من القرآن مكي، وما نزل بعد الهجرة مدني، فأكثر آيات القرآن كسورة هود نزلت في مكة، فلما نزل قول الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ﴾ [هود:١١٤] قال النبي ﷺ لأصحابه: (ضعوها في موضع كذا)، في موضعها الذي هي فيه اليوم، فأصبحت بذلك مدنية.

стр. 670

الأعراب السؤال يقول الله تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة:٩٧] منهم الأعراب؟ الجواب الآية يقصد بها من كان حول النبي ﷺ ، فمن سكن البادية ورفض الانتقال ودخول المدن، فهذا يقال له: أعرابي، لكن ليس كل أعرابي مذموم، قال الله: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:٩٩]، والذي يستشهد بالقرآن عليه أن يستشهد به كاملاً.
следующие страницы →