← Тафсир

Тафсир · id 37455

سلسلة محاسن التأويل - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (789 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تفسير قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحمن على العرش استوى. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن على أثارهم اقتفى، وبعد: فهذا هو الدرس الثالث حول سورة الأنعام المباركة التي ذكر المفسرون أنها نزلت جملة واحدة. فنقول مستعينين بالله جل وعلا: قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأنعام:٤ - ٥]. هذا إخبار عن حال أهل الإشراك، والسورة مكية تصور حال أهل مكة، و (ما) في قوله تعالى: ﴿َمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:٤] نافية. وذكرت (من) هنا مرتين، حيث قال تعالى: ﴿َمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:٤]. وأما (من) الأولى فهي لاستغراق الجنس، أي: للعموم. وأما الثانية فتبعيضية. ومن تلك الآيات انشقاق القمر. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام:٤] أي: إننا أظهرنا لهم الآيات، ومن أعظمها القرآن، ومنها انشقاق القمر، فكانوا عنها معرضين، أي: أعرض أهل مكة عنها، وهذه ظاهرة المعنى.

стр. 247

تفسير قوله تعالى: (فقد كذبوا بالحق لما جاءهم) قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [الأنعام:٥] فبصنيعهم هذا ردوا الحق وهو ظاهر بين ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأنعام:٥]. و (سوف) هنا للتراخي؛ لأنا للمستقبل البعيد، وهذا من وعيد الله لهم بالهلاك في الدنيا والآخرة، أو بالثبور في الدنيا والآخرة، وقد وقع هذا يوم أحد، ووقع يوم الفتح، ويوم بدر، وسيقع أعظم منه وأشد لمن مات كافراً يوم القيامة. والنبأ في اللغة: الخبر المفجع الذي تفزع منه النفس، وجمع الأنباء ليعلموا أن الله جل وعلا أخفى لهم شتى أنواع الهلاك.

стр. 248

تفسير قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن) ثم قال الله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٦]. الهمزة هنا للاستفهام اتفاقاً، ولكن اختلفوا في الغرض من الاستفهام هنا. فقال بعضهم: إن الاستفهام هنا إنكاري، وهذا القول ذهب إليه الشوكاني رحمه الله تعالى في فتح القدير، وهو خلاف الصواب. والصواب أن الاستفهام هنا استفهام تقريري من جنس قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١]؛ لأن الاستفهام إذا دخل على نفي يفيد التقرير، و (لم) نافية بالاتفاق. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ [الأنعام:٦] معناه: ألم يعلموا، وليست رأى هنا هي البصرية، ومعلوم أن (رأى) إذا جاءت بمعنى (علم)، فهي من أخوات ظن. وأما إذا جاءت (رأى) بمعنى (أبصر بعيني رأسه) فإنها تتعدى إلى مفعول واحد، وأما الأولى فهي بمعنى (علم)، من أخوات ظن، تدخل على الجملة الاسمية فتنصب المبتدأ والخبر، وكلاهما يسمى مفعولا لها. ولقرينة على أنها علمية وليست بصرية أننا نعلم جميعاً أن الله جل وعلا قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام:٦]، وأن القرشيين لم يروا بأم أعينهم هلاك الأمم قبلهم، فلما انتفى الثاني وجب صرفها إلى الأول. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ [الأنعام:٦] (كم) هنا خبرية، وليست استفهامية. و (كم) الاستفهامية تحتاج إلى جواب، وأما (كم) الخبرية فلا تحتاج إلى جواب، وإنما يراد بها الكثرة، قال الفرزدق يهجوا جريراً: كم خالة لك يا جرير وعمة فدعاء قد حلبت علي عشاري قصد بها الكثرة ولم يقصد جواباً من جرير على سؤاله.

стр. 249

بيان معنى القرن قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام:٦]. كلمة (قرن)، فيها قولان: الأول: أن المراد بها المدة الزمنية، ومن قالوا بهذا اختلفوا في تحديد هذه المدة، فالأشهر على أنها مائة عام، وقال آخرون: إنها ثمانون، وقال آخرون: إنها ستون. والقول الثاني: أن القرن كل قوم عاشوا في عصر واحد طال أو قصر، فهم كل قوم عاشوا مقترنين مع بعضهم في عصر واحد، طال هذا العصر أو قصر، ومن الأدلة على صحة هذه القول قوله ﷺ : (خير القرون قرن) يقصد من عاش معه، ومعلوم أن النبي ﷺ لم يعش في عمره كله إلا ثلاثة وستين عاماً، منها ثلاثة وعشرون عاماً كان فيها نبياً ورسولا، فهذا معنى قوله ﷺ : (خير القرون قرني). فالله تعالى هنا يقول: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام:٦]. والمقصود أهل القرن، وهذا مما يسميه بعض البلاغيين بالمجاز المرسل، ويجعلون له علاقات.

стр. 250

بيان معنى قوله تعالى (مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم) قال تعالى: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٦] أي: تلك القرون ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام:٦]، أي: يا أهل مكة، وزيادة على ذلك ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأنعام:٦]، أي: على تلك القرون التي أهلكناها ﴿مِدْرَارًا﴾ [الأنعام:٦]. وهذا إيضاح بأن حال تلك القرون كان من حيث المعيشة الظاهرة أفضل من حال أهل مكة؛ لأن مكة بلد شحيح المطر ﴿وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ [الأنعام:٦] ومكة بلد جبلي.

стр. 251

بيان إهلاك الله تعالى المكذبين بعد بسط نعمته عليهم قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأنعام:٦]. أي: بسطنا لهم في الأموال والجاه والأجساد والبنين، فلم يحل ذلك بيننا وبين إهلاكهم ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام:٦]. أي: أوجدنا وخلقنا قوماً آخرين يعمرون الأرض بعدهم، ولا ريب في أن المسوغ لإهلاك أهل مكة أعظم من المسوغ لإهلاك من سبق، والمسوغ هنا هو أن النبي ﷺ أفضل ممن قبله من المرسلين، فإذا كان أولئك القوم كذبوا برسل؛ فقد كذبتم أنتم بأعظم رسول، فالهلاك في حقكم أكبر، ولكن الله جل وعلا أبقاهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣]. والآيات -وإن دلت على الزجر والوعد والوعيد لأهل الإشراك- قد تضمنت ثناء الله جل وعلا على نفسه، وأعلم أن القرآن دل على أن سبب هلاك الأمم أمران: الأمر الأول: التكذيب بالرسل ومعاندتهم. والأمر الثاني: البطر في المعيشة وغمط الحق، فغمط الحق وبطر المعيشة من أعظم أسباب هلاك الأمم، قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ﴾ [القصص:٥٨].

стр. 252

تفسير قوله تعالى: (ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس) ثم قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام:٧]. إن الكفر ملة واحدة، ومما توارثه أهل الكفر العناد والاستكبار، وادعا أن ما يقوله الرسل سحر، كما أخبر الله تعالى عن قوم فرعون أنهم قالوا لموسى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٣٢]. فهذا الأمر توارثته الأجيال من عهد نوح، فكل قوم يقولون لرسولهم: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢]. فربنا جل وعلا يقول: إن العناد شيء متأصل، وليست القضية -أيها النبي- أنك لم تحسن عرض الدين عليهم، والدليل -والله يعلم ما سيكون- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام:٧]. والحواس خمس: البصر، والذوق، والسمع، والشم، واللمس، وأقوى الحواس الخمس اللمس؛ لأن الإنسان قد يعتريه ما يضعف قوة شمه، أو يطعم الماء الزلال مراً، أو يُسحر سحر تخييل، أو يلتبس عليه سماع الكلمات لأجل اللغط، فأقوى حواسه ما يلمسه؛ إذ يقل أن يدخل شيء يؤثر على حاسة اللمس، بخلاف الحواس الأخر. فهنا ذكر الله أقوى الحواس، فقال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام:٧]. ولم يقل جل وعلا فرأوه؛ إذ لو رأوه ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر:١٥]، ولكن قال: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام:٧]. فذكر الله جل وعلا اللمس هنا ليثبت جل وعلا أن هؤلاء القوم تأصل العناد والاستكبار فيهم، فيقول تعالى: لو أنك -يا نبينا- أتيت بكتاب من عندنا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال اللذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين. على أنه ينبغي أن يعلم أن اللمس في القرآن له معنيان: المعنى الأول: اللمس بظاهر البشرة، وهو اللمس المعروف. والثاني: البحث، كما قال الله تعالى عن مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨]، والجن لم تمس السماء، وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:٣٢]. فالجن لم تلمس السماء، ولكنهم بحثوا في السماء فوجدوا أن السماء ﴿مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨]. والقرطاس اسم له نظائر، وهي الطرس والكاغد والورق، فالورق والطرس والكاغد بمعنى واحد، وهو ما يكتب عليه، فإذا كتب عليه سمي قرطاساً، فلا يسمى القرطاس قرطاساً إلا إذا كتب عليه. وتسميته ورقاً وكاغداً وطرساً تسمية فصحى، فجاء الله جل وعلا هنا بأرفع الأربعة فقال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام:٧]. أي: مكتوباً في قرطاس. والقاف في (قرطاس) مثلثة، فيجوز فيها الثلاث الحركات، فتقول: قُرطاس، وقَرطاس، وقِرطاس، وأفصحها بالكسر؛ لأن القرآن جاء بها. فاللغة فيها فصيح وأفصح، وتعرف الفصاحة بأسلوب القرآن، فاختيار القرآن هو الأفصح.

стр. 253

تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك) ثم ذكر الله اقتراحاً ذكره أهل الكفر فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ﴾ [الأنعام:٨]. فمن الاقتراحات التي اقترحها مشركوا قريش أن ينزل الله جل وعلا ملكاً على نبينا ﷺ . ولهم اقتراح آخر، وهو أن يكون الرسول نفسه ملكاً. و (لولا) تأتي للحض، فهم يظنون بجهلهم أن هذا أمر معجز، أي: يعجز الله عن أن يبعث ملكاً، ولذلك طلبوا هذه الآية على سبيل التعجيز. والعاقل لا يقبل أن يقع في الفخ الذي نصبه له عدوه، كما أن العاقل لا يسلم نفسه إلى عدوه أيا كان ذلك العدو، فالنبي ﷺ دخل على حمزة وهو ثمل قبل أن تحرم الخمر يعاتبه على أن نحر ناقتي علي ﵁، فدخل علي وزيد مع النبي ﷺ على حمزة وهو في نفر من الأنصار سكارى. فلما عاتب النبي ﷺ حمزة قال حمزة للنبي ﷺ وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟! ففهم عليه الصلاة السلام من العبارة أن حمزة ثمل، فرجع القهقراء حتى لا يغتر حمزة، فإذا رأى أظهرهم فقد يصيبه نوع من الإثارة فيؤذيهم، فخرج ﷺ ووجهه إلى حمزة حتى خرج من الدار. والمقصود أن الإنسان يحتاط لنفسه ولا يسلم نفسه لغيره من أعدائه، مع الفارق بين حمزة ﵁ وغيره. هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده في هذا الدرس المبارك حول سورة الأنعام، وفي الدرس القادم -إن شاء الله- سنعرج على كيفية رد الله جل وعلا في آياته المباركات على اقتراح القرشيين أن ينزل مع النبي ﷺ ملك. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 254

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [١٠ - ١١] يذكر الله تعالى في سورة الأنعام بعض مقترحات الكافرين على نبينا ﷺ ، ومن تلك المقترحات نزول ملك ليكون رسولاً أو عاضداً للرسول البشري، ولما كان منشأ هذا الاقتراح هو العناد والمكابرة، وهو الأمر الذي يحزن النبي ﷺ سلّى الله تعالى نبيه وتوعد المكذبين ببيان عاقبة المستهزئين، أمراً لهم بالسير والنظر في ما بقي من آثار أولئك الظالمين.

стр. 255

بيان أسباب ضلال المشركين عن اتباع الحق الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد انتهى بنا المطاف في الدرس السابق إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٨ - ٩]، والآيات من سورة الأنعام. وكنا قد قلنا في فواتح تفسيرها: إن هذه السورة المباركة أثبتت الأصول الثلاثة: الإلهية لله جل وعلا، والرسالة لنبينا محمد ﷺ ، والإخبار عن البعث والجزاء، وأنها تضمنت أسلوبين هما أسلوب التقرير وأسلوب التلقين. وإن استصحاب السيرة مهم في دراسة القرآن، فالمجتمع القرشي في مكة كان قد طبع على العناد وطبع على الأنفة، إضافة إلى حسدهم للنبي ﷺ ، وثمة عوامل مجتمعة كلها تدور حول فلك واحد، وهو أن الله جل وعلا لم يكتب لهم الهداية، ولكن أسباب عدم كتابة الهداية لهم كان لها عوامل كثيرة، ومن ذلك اعتراضات كانوا يعترضون بها على النبي ﷺ ، ومن هذه الاعتراضات أنهم اقترحوا أن يضم إلى النبي ﷺ ملك، أو قالوا: كان من المفترض أن الله إذا أراد أن يبعث رسولاً أن يبعث ملكاً يصدق ويقبل عند الناس، ولا يبعث رسولاً من الناس. فما جعله الله رحمة طالبوا بنقضه؛ لأن الله جل وعلا من رحمته بعباده أن جعل الرسل منهم، ولهذا قال الله جل وعلا ممتناً على أهل الإيمان: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٤]. فالنبي ﷺ من أنفسنا، وهذا من رحمة الله جل وعلا بنا، ولكن أهل الإشراك بما طبعوا عليه من العناد اقترحوا أن يكون مع الرسول ملك، أو أن يكون الرسول ملكاً، فحكى الله تعالى قولهم فقال: ﴿وَقَالُوا﴾ [الأنعام:٨] أي: أهل الإشراك ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:٨]، أي: على محمد، ﴿مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٨]، أي: يعضده ويكون معه حتى نصدقه بزعمهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ﴾ [الأنعام:٨]، أي: ثم لا يمهلون. وقول الله جل وعلا: ﴿لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [الأنعام:٨]، معناه من حيث الحرفية: انتهى الأمر، ومنه قول الله جل وعلا عن يوسف: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف:٤١]، أي: انتهى الأمر. ولكن ما معنى (قضي الأمر) إذا ارتبط بالملك؟ وما معنى (قضي الأمر) في الرسالة؟ إن لأهل العلم ﵏ في تحرير قوله تعالى: (لقضي الأمر) ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يقال: إن سنة الله جل وعلا في خلقه أن الأمم إذا اقترحت آية ثم لم تؤمن بها جاءهم عذاب استئصال، وقد مضى قدر الله أن هذه الأمة باقية؛ لأنها آخر الأمم، فلو جاء هذا الملك كما اقترحوا ولم يؤمنوا به وقد سبق في علم الله أنهم لن يؤمنوا به فستكون العاقبة تبعاً للسنن التي لا تتبدل ولا تتغير أنهم سيستأصلون. وهذا يتنافى مع ما قدره الله جل وعلا لهذه الأمة، وهو أن تبقى، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وهذه الأمة هي آخر الأمم، فلا يعقل أن تستأصل؛ لأن هذا يعني فناء الناس. وهذا وجه قاله العلماء في معنى قول الله جل وعلا: ﴿لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [الأنعام:٨]. والوجه الآخر: أن يقال: إن هؤلاء الناس لا تقدر قواهم على رؤية الملائكة، فيصبح قوله: (لقضي الأمر) يعني: بمجرد أنهم يرون الملائكة سيفنون. وهذا القول فيه شيء من الضعف، ولكن ثمة قرائن عند من قال به تؤيده، ومن قرائن ذلك قولهم: إن أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم -وهم الصفوة من الخلق الذين هم في كنف الله جل وعلا وحفظه ورحمته بهم- لما رأوا الملائكة على هيئتهم خافوا وفزعوا. واستدلوا بأن النبي ﷺ أصابته رعدة عندما رأى جبريل على صورته قد سد الأفق، وقال الله عن داود: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ [ص:٢١ - ٢٢]، قالوا: لأنهم كانوا ملائكة، فقالوا: إذا كان بعض أنبياء الله لم يقدر على أن يلقى الملك إلا بما آتاه الله فكيف لو مشى الملك بين الناس؟! فتوجيه قول الله جل وعلا: ﴿لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [الأنعام:٨]، عندهم: أن هؤلاء الناس لا تطيق قواهم رؤية الملائكة، وهذا عندي أضعف التوجيهات. والتوجيه الثالث: التكليف مبني على الاختيار، فرؤية الملائكة آية ملجئة ينتفي معها الاختيار، وإذا انتفى الاختيار انتفى التكليف، وإذا انتفى الاختيار انتفى التكليف. فالملائكة غير مكلفين؛ لأنهم ليس أمامهم إلا الطاعة، كما قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، والتكليف: أن تعرض على المكلف أمرين ويختار أحدهما بعد أن تخبره بعاقبة هذا وعاقبة هذا. فالعلماء يقولون: إن رؤية الملائكة آية ملجئة، فالإنسان إذا رأى الملائكة وقالت له: نحن من عند الله فإنه سيؤمن، ولن يكون أمامه خيار آخر ألا يؤمن، فإذا انتفى الخيار انتفى أس التكليف، والأصل أن الجن والأنس مكلفون.

стр. 256

تفسير قوله تعالى: (ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً)

стр. 257

بيان معنى قوله تعالى (وللبسنا عليهم ما يلبسون) ثم قال الله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٩]. المعنى: أن الرب جل وعلا يقولون: إن حكمتي تقتضي أنني لو أرسلت ملكاً أجعله في هيئة رجل، فيعود هؤلاء الأشرار بدءوا؛ لأن الملك إذا جاءهم في صورة رجل يبقى اللبس والاختلاط عليهم كما هم عليه الآن لماذا؛ لأنهم أرادوا الوصول من غير طريق الحق، فهم الآن يرون نبيهم، ومع نبيهم آيات ظاهرة ومعجزات باهرة أعظمها القرآن فلم يقبلوها ولم يقتنعوا بها ولم يلتمسوا التدبر فيها، فحادوا عن الطريق الذي يصلون به إلى معرفة الله إلى شخص الرسول فطلبوا أن يكون ملكاً. فلو أن الرب أجاب اقتراحهم وجعل الملك في هيئة رجل لعادوا من حيث بدءوا، فلا يدرون هل هو ملك أو هو رجل، فإذا أتاهم بالبينات وقعوا في نفس اللبس الذي وقعوا فيه مع محمد ﷺ ، وهذا أقوى توجيه للآية. وذكر توجيهان آخران: الأول: أن رؤساء أهل الإشراك يلبسون على الضعفاء دين محمد ﷺ ، فيكون معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٩]، أي: نعاملهم بالمثل، فنلبس عليهم الدين كما يلبسون الدين على من يتبعهم، وهذا ظاهر. والثاني ذكره بعض العلماء أخذاً بظاهر اللفظ، فقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٩] أي: هؤلاء الملائكة لو قدر أننا بعثناهم فإننا سنبعثهم في هيئة رجال، فسيلبسون ما يلبسه الرجال عادة.

стр. 258

تفسير قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام:١٠ - ١١]. هذا من تسلية الله لنبيه ﷺ ومن تثبيت قلبه ومن تعليمه سنة الله في الرسل من قبله، فليست -أيها النبي- أول من استهزئ به، والإنسان إذا عرف مصيبة غيره هانت عليه مصيبته، تقول الخنساء في رثاء أخيها صخر: يذكرني طلوع الشمس صخرا وأذكره لكل مغيب شمس ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي ولهذا جاء في الزخرف أن الله جل وعلا يعاقب أهل الكفر في النار بمنعهم من التأسي بمصائب بعضهم، فقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]. فالمقصود من قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام:١٠] تسلية النبي ﷺ وتثبيت جنانه، وهذا من أغراض القرآن ومقاصده الكبرى، وهو إخباره ﷺ بسنة الله جل وعلا في الأمم قبله. ومن يتتبع مناهج المفسرين يجد أن لهم طرائق في تفسير القرآن، فمن كان منهجه تفسير القرآن بالقرآن يجد في قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام:١٠]، طريقاً رحباً؛ لأنه سيعرج على الآيات والسور التي ذكر الله جل وعلا فيها استهزاء الأقوام برسولهم، وهذه طريقة الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان، ولذلك تجده في آيات لا يبحر، وتجده يترك آيات ويعرض عن تفسيرها؛ لأن كتابه أسماه: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن. ومن الطرائق العلمية في التأليف أن الإنسان إذا وضع قاعدة يسير عليها لا يستطيع أحد أن يلومه. ولذا فإنك إذا أردت أن تقرأ كتاباً فلا تبدأ بشيء قبل مقدمته، فمن مقدمة الكتاب يتضح لك قدرة المؤلف أو طريقته، وسيكون بينك وبين القراءة فصل خطاب، فإما أن تستمر وإما أن تترك؛ لأنك تعرف من المقدمة الذي أراد صاحب الكتاب أن يبلغك إياه. فـ السيوطي رحمه الله تعالى من أئمة العربية الكبار، ومن أئمة العلم الشرعي، فألف كتباً عديدة لا حصر لها من باب المبالغة في نفع الناس، وألف كتاباً أسماه: (همع الهوامع)، وفي هذا الكتاب يعتمد السيوطي على ثقافة من يقرأ الكتاب، فإذا جاء ببعض الأبيات فقد يأتي بها مجزوءة، أو يأتي بأول المثل ويكتفي به، وهو لا يجهله، ولكنه اعتمد على كونه ألف هذا الكتاب لكبار الطلبة، وكبار الطلبة مظنة حفظ هذا. ولما ضعف العلم بعده أخذ من يطلبون العلم يقرءون همع الهوامع فيجدون فيه إشكالاً من طريقين: أولهما أنه قل في الناس من يحفظ ما كان السيوطي يحفظه، وثانيهما أن بعضهم كان يقرؤه وهو لا يعرف منهج السيوطي في التأليف، حتى جاء علامة شنقيطي رحمه الله تعالى اسمه الشيخ محمد الشنقيطي توفي قبل اثنتين وتسعين سنة، فألف كتاباً أسماه: (الضوء اللامع على همع الهوامع) فما جزأه السيوطي رحمه الله تعالى ولم يفصل فيه فصله الشنقيطي ﵀ في كتابه هذا، وأبان في المقدمة أن السيوطي ﵀ ألف كتابه لكبار الطلبة. وبعد ذلك الاستطراد أعود فأقول: إن الله جل وعلا أراد أن يعلم نبيه سنته جل وعلا في خلقه وأنبيائه الذين سبقوا، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأنعام:١٠].

стр. 259

تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض) ثم قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام:١١]. والسير في الأرض إما بالأبدان، وإما بالقلوب والأبدان. فإذا سار الإنسان في الأرض ببدنه لا بقلبه فقد تقر عينه بما ترى، ولكنه لا ينتفع، وأما إذا سار ببدنه وقلبه انتفع فذوو الأبصار والألباب المحمودون والممدوحون شرعاً يسيرون في الأرض بقلوبهم وأبدانهم، وهذا السير هو المقصود في الخطاب الشرعي هنا، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١]، أي: بقلوبكم وأبدانكم ﴿ثُمَّ انظُرُوا﴾ [الأنعام:١١] بأبصاركم ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام:١١]. فإذا نظرتم بأبصاركم وقلوبكم اعتبرتم بما رأيتم، والله تعالى قد قال: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر:٧٦]، فذكر قوم لوط وأنهم أهلكوا، وقوم صالح وأنهم أهلكوا، ثم بين أن آثارهم ما زالت بطريق مقيم، أي: ما زالت باقية، مع أنه تعالى أذهب آثار بعض الأمم بالكلية ليظهر من ذلك عظيم قدرته، فكم من أمم ذكرها الله في القرآن لا نعلم أين كانت ولا نرى لها أثراً، وكم من أمة في القرآن ذكرها الله جل وعلا ما زالت آثارها باقية، ولهذا قال الله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ [هود:١٠٠]، يعني: منها ما زال قائماً، كآثار ثمود والبحر الميت الذي كان موضع قرى قوم لوط ﴿وَحَصِيدٌ﴾ [هود:١٠٠] أي: لم يدل عليه أثر. والمقصود من الآيتين: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام:١٠ - ١١]، تعليم النبي ﷺ ذكر العظة والاعتبار وتسليته، وهذه مقاصد شرعية تناولها القرآن واعتنى بها، ومن ذلك تعليم هؤلاء المخاطبين الأولين بالقرآن وهم كفار قريش بنحو قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام:١١].

стр. 260

بيان ما يجب على المرء فعله والعاقل من اتعظ بغيره ممن غلب عليهم الكبر وطغى عليهم العناد وبقي فيهم الشك والريب لأمور تختلف عواملها من شخص إلى آخر يجمعها كلها ما كتبه الله في الأزل وما خطه الله في القدر وما أراده الله من قبل ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:٣٤]؛ لأن الله جل وعلا كتبهم من أهل الشقاوة، ومصيرهم إلى النار، ومن هنا يعلم العبد أن الهداية بيد الله كما أن الضلالة بيده. فيجب على الإنسان أن يكون في قلبه سريرة حسنة يجدد فيها رغبته فيما عند الله ﵎، ولا يغره علمه ولا ثناء الناس عليه، ولا أنه يستطيع أن يصل إلى مقصوده أو أن يمنع من يريد أن يؤذيه، فالمرء في باب الهداية على وجه الخصوص يبقى معلقاً قلبه بالله يتقلب ليل نهار يخشى أن يصرفه عن صراط الله المستقيم، وأحداث الزمان المعاصر والتاريخ الذي شهدناه كان برهاناً على كثير ممن مضوا في هذا الطريق ثم رجعوا، وأقوام بدءوا بداية الله أعلم بها ثم ختم لهم بخير، وقد قال ابن تيمية ﵀: ليست العبرة بعثرة البدايات، إنما العبرة بكمال النهايات، وحفظ عن المعصوم ﷺ أنه كان يقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، هذا ما تحرر إيراده وأعان الله على قوله حول الآيات الأربع من سورة الأنعام. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 261

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [١٢ - ١٣] يبين الله تعالى في كتابه بأسلوب السؤال والجواب ملكه لجميع ما في السماوات والأرض، ملكاً مطلقاً، كما يبين تعالى عظيم منته على عباده بكتابته الرحمة على نفسه ولا ملزم له تعالى، ومن تمام ملكه لعباده أنه يجمعهم ليوم القيامة ليجازي المحسن بإحسانه والمسيء على إساءته، كما أن من تمام ملكه تعالى أن له ما سكن في الليل والنهار وما تحرك فيهما، وهو الموصوف بالصفات العلا، وله الأسماء الحسنى.

стр. 262

تفسير قوله تعالى: (قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد انتهينا في الدرس الماضي إلى قول الله ﵎: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام:١١]، وقلنا: إن السير يكون سير اعتبار إذا كان بالأبدان والقلوب، ثم قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١٢ - ١٣]. قلنا في درس سبق: إن السورة تتبع أسلوب التلقين والتقرير، ومن أساليب التقرير السؤال والجواب، فالله يقول لنبيه: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٢]، أي: سل هؤلاء، والجواب تكفل الله به؛ لأنهم سيجيبون به حتماً، ولكنهم سيمتنعون عن الإجابة حتى لا يقعوا في لوازمها، فقال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٢]، واللام هنا لام الملك المطلق، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٢]، فاللام هذه -وإن كانت جارة في الصناعة النحوية- هي لام الملك.

стр. 263

بيان معنى قوله تعالى (كتب على نفسه الرحمة) ثم قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]. وهذا من رحمة الله بعباده: فاللفظ نفسه مشعر برحمة الله جل وعلا بعباده، فعندما يأتي سؤال قرآني إلهي: ﴿لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٢]، ويأتي الجواب الإلهي: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٢] يصيب ذلك القلوب التي تعرف الله بالخوف، فلكي تسكن تلك القلوب وتطمئن يبين الله جل وعلا أن رحمته واسعة، فقد أخبر الله جل وعلا بلازم فضل ألزم به نفسه؛ لأن الله لا ملزم له، فقال: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]. وهذه الآية جاءت مصدقة بالأحاديث، فقد قال ﷺ -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -: (إن الله كتب كتاباً عنده فوق العرش أن رحمتي تسبق غضبي)، أو (أن رحمتي غلبت غضبي)، ومنهج كثير من العلماء المفسرين عند هذه الآية إيراد الآثار الثابتة عن النبي ﷺ في أن الله جل وعلا غلبت رحمته غضبه، فيوردون حديث المرأة التي رأت رضيعاً في السبي فضمته إلى صدرها، فقال ﷺ لمن حوله من الصحابة: (أتظنون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟! فقالوا: لا يا رسول الله، فقال ﷺ : لله أرحم بعباده من هذه بولدها)، وغيره من الآثار. والمهم بالنسبة لنا نحن -المخاطبين بالقرآن- أن نفهم ونفقه معنى قوله تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]، حيث يدفعك قول الله جل وعلا: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢] أول ما يدفعك إلى حسن الظن بالله جل وعلا، ومن حسن الظن بالله: أن تحسن الظن بالناس، فإن الإنسان أحياناً إذا رأى بعض الناس على معصية أساء الظن بهم، والدافع إلى سوء الظن هنا أنه يغلب على ظنه أن الله جل وعلا لن يرحمه، ويأخذ ويتصور ويتخيل هذا العاصي وهو يعذب؛ لأنه غلب على ظنه أن الله لن يرحمه، فيصبح يرى هذا العاصي كالعدو له، وتأتي منه ألفاظ وأفعال وأقوال يشعر منها الإنسان الآخر بالغلظة والجفاء، وهي ناجمة عن حالة نفسية تصورها؛ لأن هذا الرجل في الأصل لا يحسن الظن بربه. فلما رأى من تلبس بالمعصية لم يغلب عليه أنه قد يرحم، وإنما قطع جوانب الرحمة كلها، ولم يبق في ذهنه إلا أن هذا الرجل سيعذب لا محالة، فلما علم في نفسه أن هذا الرجل معذب لا محالة عاداه، وهكذا أحوال يتبع بعضها بعضاً، كالفتاوى المرتبة، حتى يصل إلى ألفاظ وأقوال وأفعال ناجمة في أصلها -لو بحثت فيها- عن سوء الظن بالله جل وعلا، والله يقول: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]. ولهذا أثر ونقل عن كثير من السلف عبارات تدل على عظيم حسن ظنهم بالله، فقد قيل لـ أبي حازم وقد أراد أن يتبع جنازة رجل مدمن خمر: أتتبع جنازة هذا؟! فقال: والله إني أستحي من الله أن أظن أن رحمته عجزت عن ذنب عبد مؤمن. فالله جل وعلا يقول عن نفسه: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]، وهذا أشبه بالتوطئة لما بعده، فما الذي بعده هو الوعيد، حيث يقول تعالى ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام:١٢]. وإذا كان الله قد كتب على نفسه الرحمة؛ فحري بالعبد أن يرحم نفسه وأن يرحم من حوله.

стр. 264

أثر الرحمة بالناس على قلوبهم تجاه راحمهم والإنسان يكون قريباً من الناس إذا شعر الناس بأنه موئل رحمة، فإذا شعر الناس بأنه موئل رحمة تعلقت قلوبهم به، وإذا شعر الناس بأن زيداً أو عمراً من الناس ليس فيه رحمة تمنوا خلاصه والانفكاك منه، ومما يستظرف في هذا أن الإنسان أحياناً من جهله قد لا يرحم نفسه، فقد ذكر الجاحظ الأديب المعتزلي المعروف في كتاب البخلاء عن رجل اسمه: الثوري -وهو غير سفيان الثوري المعروف- أنه كان فيه بخل شديد، فأصابته حمى هو وأهل بيته وغلمانه، فنجم عن هذه الحمى أن أهل بيته أصبحوا لا يستطيعون الأكل، فما كان مهيئاً مقدراً لأن يأكلوه في أيام لم يأكلوه، فزاد عنده شيء من الدقيق، فوجد أن الحمى قد نجم عنها غنيمة؛ لأن الدقيق قد زاد، فمن عدم رحمته بنفسه أصبح يقول: يا ليت منزلي بسوق الأهواز أو بنطاة خيبر أو في ديار الجحفة! والأهواز: منطقة في إيران حالياً مشهورة بأنها موبوءة كثيرة الحمى، وخيبر بلد حمى، ونطاة خيبر موضع في خيبر أشد خيبر حمى ووباء، والجحفة قد ثبت فيها أن النبي ﷺ دعا بأن تنتقل الحمى من المدينة إلى الجحفة، فهي أرض موبوءة بدعاء النبي ﷺ ، وهي خربة موجودة إلى اليوم، وهي ميقات، ولهذا يحرم الناس من رابغ؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يبقى في الجحفة، وإن كان فيها سكان قليلون. فالمقصود أن هذا الرجل لما وجد النفع من الدقيق الذي زاد تمنى أن يكون مسكنه في إحدى هذه الديار الثلاث؛ لأنها ديار حمى، لتكون الحمى فيه وفي أهله طيلة، لينجم عن ذلك زيادة في الطعام. وهذه القصة ذكرها الجاحظ في باب في كتاب دونه أسماه: (البخلاء) دون فيه أحوال أهل عصره، وقد كان من سير الأدباء آن ذاك أنهم يدونون أحوال عصرهم، فدون الجاحظ حال البخلاء ودون حال المعلمين ولكل طريقته في الأدب، وكان الأدب يوم ذاك في حالة تأسيس، وحين يكون الأدب في حالة تأسيس فإنك لا تستطيع أن تضبطه؛ لأنه بعد ذلك يأخذ طرائق ومناهج قددا. والذي يعنينا هنا أن هذا الرجل أتي من أجل رحمته بنفسه، ولكن الإنسان إذا رحم نفسه فأول ما يخط لها توحيد الله؛ لأن توحيد الله جل وعلا أعظم المنجيات، بل لا منجي غيره، فيكون من رحمة الإنسان بنفسه توحيد الله، ثم بعد ذلك ينتقل الإنسان إلى نفع الغير فيكون رحمة، ولهذا لما أراد الله أن ينعت نبيه قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. فمن كان ولياً في بيته -رجلاً كان أو امرأة- أو كان معلماً، أو مسئولاً في إدارة، أو أميراً في مدينته، إن لم ير الناس منه جانب الرحمة تمنوا زواله، ومن كان رحيماً فنه سيموت قطعاً، ولكن الرحيم في الناس إذا مات بكى الناس عليه دماً قبل أن يبكوا عليه دمعاً وذكر بخير.

стр. 265

بيان معنى قوله تعالى (ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه) ثم قال تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام:١٢]، والذي أقسم هنا هو رب العالمين، وهو -جل وعلا- أصدق القائلين. ويتحرر من هذا أن أصدق القائلين أقسم على أن هناك جمعاً، فمن أعظم اليقينيات الكبرى في حياتنا أن هناك بعثاً ونشوراً، فإن قيل لنا: لماذا؟ قلنا: لأن أصدق القائلين ﷻ أقسم على أن هناك جمعاً وبعثاً ونشوراً فقال تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام:١٢]، وهذه اللام هي لام القسم. وهناك لامات أخر، منها لام الجحود، ولام الجحود كائنة في القرآن كثيراً، تأتي في خبر كان المنفية، كقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾ [هود:١١٧]، فـ (كان) سبقت بـ (ما) النافية، فأصبحت (كان) هنا منفية، و (رب) اسمها، والكاف مضاف إليه، و (يهلك) خبرها جملة فعلية، فسبق الفعل باللام، وهذه اللام اصطلح أهل النحو على تسميتها بلام الجحود. وهناك لام أخرى اسمها: اللام المزحلقة، أي: استقر في الذهن أنها تحركت من من مكان إلى مكان، فيقولون: إن (إن) التوكيدية التي تنصب اسمها وترفع الخبر إذا جاءت اللام في خبرها فإن الأصل أن هذه اللام كانت موجودة في الاسم، فانتقلت من الاسم إلى الخبر، ولذلك أسموها اللام المزحلقة، وأحياناً لا تعمل (إن)، بل تخفف، فإذا خففت دخلنا في إشكال، وهو أنه يوجد (إن) نافية تعمل عمل (ليس)، فإذا خففت (إن) اشتبهت مع (إن) النافية، فوجب التفريق بينهما، فيأتون باللام في خبر (إن) المهملة، ويسمونها اللام الفارقة، قال الله -وهو أصدق القائلين- في القرآن: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون:٣٠]، فـ (إن) هنا ليست نافية، وإنما هي مخففة من (إن)، ولذلك جاءت اللام في خبرها، وأصلها هي اللام المزحلقة، ولكن لما خففت (إن) أصبحت اللام تسمى اللام الفارقة.

стр. 266

بيان معنى قوله تعالى (الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون) قال الله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام:١٢]، ثم قال: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢]، ومن جميل ما حرره السعدي هنا في المناسبة بين قول الله جل وعلا: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام:١٢]، وبين قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢] أنه قال: إن هذا اليوم الذي أقسم الله بوقوعه يؤمن به أهل الطاعة وأهل الإيمان، ويجحده أهل الكفر، ولهذا قال الله بعدها: الذين لا يؤمنون بي هم ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [الأنعام:١٢]، أما عبارة: ﴿خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [الأنعام:١٢]، فتحرير خسارة النفس من حيث الإجمال في الدنيا فساد الفطرة، ففساد الفطرة هو أعظم خسران للنفس، وبحسب فساد الفطرة وبلوغ المرء فيه يكون خسران النفس.

стр. 267

تفسير قوله تعالى: (وله ما سكن في الليل والنهار) قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١٣]، واللام: لام الملك. والمقصود منها: أن جميع العالم علويه وسفليه في قدرة الله ﵎ وتحت مشيئته ونفعه.

стр. 268

بيان وجه إفراد الساكن بالذكر دون المتحرك وهنا إشكال، وهو أن المخلوقات قسمان: ساكن ومتحرك، والله نص هنا على أحدهما فقال: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١٣]. وتوجيه هذا الإشكال عند العلماء ينقسم -كما حكاه ابن العربي - إلى ثلاثة أوجه: فقال بعضهم: لما كانت المخلوقات الساكنة أكثر من المتحركة اكتفى الله جل وعلا بذكر الساكن، فيندرج هذا التوجيه تحت ما يسمى بباب التغليب. فالذين ذهبوا إلى هذا التوجيه أصحاب صناعة تعتمد على التغليب، ولهم قرائن، ومنها أن التغليب موجود في اللغة. وقال بعضهم: إن الله جل وعلا نص على الساكن لأنه ليس كل ساكن يتحرك، ولكن كل متحرك يسكن، فنص الله على الساكن لأنه سيندرج فيه المتحرك لزاماً، ولهذا جاءت الظرفية في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام:١٣]، فما كتب الله له أن يتحرك نهاراً سيسكن ليلاً، وما كتب الله له أن يتحرك ليلاً سيسكن نهاراً، فقالوا: إن هذه الظرفية حلت الإشكال؛ لأن كل ساكن لا يلزم منه أن يتحرك، ولكن كل متحرك سيسكن، فإن لم يسكن ليلاً فسيسكن نهاراً، وهذا التوجيه يحتاج إلى إثبات؛ فنحن لا نعلم أن جميع المخلوقات لا بد من أن تسكن. وقال بعضهم: إن هذا يسمى وفق الصناعة البلاغية اكتفاء، والاكتفاء: أن تقول شيئاً تكتفي به، فلازمه محرر أصلاً لا حاجة إلى التلفظ به، فقالوا: إن الله جل وعلا اكتفى بذكر (ما سكن) اكتفاء بأن كلمة (ومتحرك) ستأتي لا محالة، ومن نظائر هذا في القرآن أن الله قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١]، ولم يذكر الله البرد، والناس يحتاجون إلى التوقي من البرد أكثر من الحر، فقالوا: هذا من الاكتفاء. فالله ذكر أحد الأمرين واكتفى به ودخول الآخر فيه لازم لا بد منه. وليس المقصود من الآية هذا الذي أطلقناه من باب اللغة والبلاغة، وإنما المقصود من الآية إثبات أن العالم كله تحت مشيئة الله جل وعلا، لا يقع فيه إلا ما أراد الله.

стр. 269

بيان معنى قوله تعالى (وهو السميع العليم) ثم قال الله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١٣]، السميع لأقوالهم، العليم بما تكنه ضمائرهم وسرائرهم. وهذا أمر نزدلف به إلى قضية الموعظة العامة، وهي أن الإنسان إذا علم أن كل ما سكن في الليل والنهار لله ﵎ وحده أذعن لله وأسلم لله جل وعلا قلبه.

стр. 270

أثر الاستشفاء بقوله تعالى: (وله ما سكن في الليل والنهار) وهناك علم يسمى العلم التجريبي، يقوم على التجربة، والآيات في القرآن حينما نتعبد الله بها نتعبده تعبداً محضاً لا يدخله التجريب، فنحن محكومون بالشرع ومحكومون بالأثر. ولكن نقول: إن الله تعالى قال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء:٨٢]، وقد دلت تجارب الناس وأهل الصلاح منهم على وجه الخصوص على أن هذه الآية: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١٣]، لها أثر حميد إذا تليت على الشيء الذي يؤذي، كألم الضرس أو أشباهه من آلام الأعصاب التي تتحرك ولا تجعل المرء يرتاح في مقامه، فإذا تلي عليها قول الله جل وعلا: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١٣]، يكون في ذلك أثر حميد. قلت: هذا يندرج تحت ما يسمى بالطب، والطب علم تجريبي، فلا يتنافى هذا مع قداسة القرآن، خاصة مع قول الله جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء:٨٢]. هذا ما تيسر إيراده وتحرر إعداده وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 271

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [١٨ - ٢١] لقد أخبر الله تعالى في كتابه الكريم أن مرد الأمور جميعها إليه، فكشف الضر، وإيصال الخير إلى العباد إنما هو بيده، كما أخبر تعالى بأنه علي على عباده ذاتاً ومكاناً وقهراً وغلبة، وأمر تعالى رسوله وأتباع رسوله شهادة أنه لا إله إلا هو، والبراءة من شرك المشركين، وبين تعالى عظيم الظلم، وهو افتراء الكذب على الله والتكذيب بآياته، وفاعل ذلك خاسر سالك غير سبيل الفلاح.

стр. 272

تفسير قوله تعالى: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو) الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو الدرس السابع حول سورة الأنعام، وكنا قد انتهينا إلى قول الله جل وعلا: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام:١٦] وحررنا أن الفوز يكون بنيل الثواب والنجاة من العقاب. ثم قال الله جل وعلا بعدها: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]. والضر يلحق الإنسان من ثلاثة أوجه: ضر في النفس، وضر في البدن، وضر في الحال. فالضر في النفس: كالجهل والحمق وما أشبه ذلك. والضر في البدن: كنقص بعض الأعضاء أو مرضها. والضر في الحال: كقلة الجاه والمال، فهذه الثلاثة يمكن أن يجمع بها أنواع الضر، وقد يكون هناك ضر لا تحويه هذه القاعدة. فالله يقول لنبيه في أسلوب شرط: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:١٧] فالله جل وعلا هو الولي، فلما كان جل وعلا هو الولي لم ينبغ لأحد أن يلجأ في كشف ضره إلى غير الله؛ لأنه لا يكشف الضر إلا الله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٧]. والنبي ﵊ هو أعظم المصدقين بكلام ربه، فعندما تنزل عليه آية كهذه لن يخشى بعد ذلك ضر أحد من أهل الإشراك. قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧].

стр. 273

ذكر مناسبة ختم الآية ببيان قدرة الله تعالى قال العلماء في بيان مناسبة ختم الله الآية بقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]: ذلك ليستقر في قلب المؤمن أن الله إذا أراد به خيراً وفضلا لا يقدر أحد على منعه منه، وقد قال تعالى في سورة يونس: ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧] والمعنى واحد. والمقصود من هذا كله أن سياق سورة الأنعام يتحدث عن القدرة الإلهية، ولذلك جاء التذييل فيها بذكر ما لله من صفات الجلال والجبروت والكمال، بخلاف غيرها من السور، فقال الله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧] والمراد والمقصود الأعظم من الآية تربية النفوس على ألا تتعلق بأحد غير الله جل وعلا، وأن الإنسان يرفع إلى الله حاجته ويبث إلى الله شكواه، ويرفع إلى الله نجواه، وهو يعلم أنه لا يقدر على نفعه ولا ضره إلا رب العزة ﷻ ، كما قال ﷺ لابن عمه ابن عباس: (يا غلام! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك) ثم قال له: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك).

стр. 274

تفسير قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده) ثم قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]. وبعض المفسرين يتجنب أن يقول: إن الفوقية مكانية، والحق الذي لا محيد عنه أن الآية يعنى بها تعظيم الله من وجوه ثلاثة، فالله جل وعلا علي في ذاته، علي في مكانه، علي في قهره لعباده؛ لأنه جل وعلا فوق عرشه مستو على عرشه بائن عن خلقه، والعرش فوق السموات، ولا مجال للتردد في نفي الفوقية المكانية عن الله جل وعلا. وقد استدل على ذلك بعض علماء الإسلام إضافة إلى النصوص الظاهرة بما هو في الفطرة؛ فإن الإنسان بفطرته -كما حرره الهمداني رحمه الله تعالى في محاورته لـ أبي المعالي الجويني - إذا أراد أن يبث شكواه إلى ربه يرفع بصره إلى السماء، وهذا أمر لا ينبغي أن يكثر النزاع فيه.

стр. 275

بيان معنى قوله تعالى (وهو الحكيم الخبير) قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]، فهو جل وعلا حكيم يضع الأمور في مواضعها الصحيحة، خبير بأحوال عباده مطلع عليها، وهذان اسمان من أسماء الله الحسنى، والله جل وعلا له الأسماء الحسنى والصفات العلى.

стр. 276

تفسير قوله تعالى: (قل أي شيء أكبر شهادة) وقد مر معنا أن السورة واردة في إثبات التوحيد والبعث والجزاء ورسالة النبي ﷺ ، وقلنا: إنها تضمنت أسلوبين: التقرير، والتلقين، فهنا يقول تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ [الأنعام:١٩] فالله يأمر نبيه أن يسألهم، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٩]، وقد علم الله أنهم سيقولون هذا، فالله جل وعلا أعظم الشهداء، وانظر إلى الانتقال والعرض في الحوار ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩] فأنتم تكذبونني وتقولون: إن هذا القرآن أساطير الأولين ومختلق من عندك، وإنك لست برسول، وإن هناك آلهة مع الله، وأنا أقول إنني رسول، وإن الله أمرني بأن أبلغكم بهذا القرآن، وأمرني بأن أقول لكم: إنما الله إله واحد.

стр. 277

طرق شهادة الله تعالى لنبيه بالرسالة وشهادة الله لنبيه ﷺ بأنه رسول لها ثلاث طرائق: الطريقة الأولى: الإخبار في كتابه الكريم بأن محمداً رسول الله، قال الله تعالى في سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] وقال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥] فهذا كلام الله جل وعلا شهد الله فيه لنبيه بأنه رسول، وقد مر معنا أن النص على أن محمداً رسول الله نزل بعد صلح الحديبية؛ فإن قريشاً لما صالحت النبي ﷺ على طريقة سهيل بن عمرو قال النبي ﵊ لـ علي: (اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو) فقال سهيل معترضاً وكان يوم ذاك مشركا وأسلم بعد ذلك: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب اسمك واسم أبيك، فأمر النبي ﷺ علياً بأن يمحوها فأبى علي أن يمحوها، فقال له النبي ﷺ : (أما إنك ستدعى لمثلها فتفعل). فأمر النبي ﷺ علياً بأن يخبره بموضعها، فالأمة كلها تتعلم منه ﵊ وهو لا يعلم أين موضع كلمة (رسول الله)، فالأمية في حقه رفعه ومنقبة وفي حق غيره مذمة، وصدق القائل: يا أيها الأمي حسبك رتبة في العلم أن دانت بك العلماء والقائل: أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم فمحاها ﷺ وكتب اسمه واسم أبيه، وتمت بعد ذلك كتابة شرائط الصلح، وانتهى الصلح، وحل النبي ﷺ من إحرامه وعاد قافلاً إلى المدينة، فأنزل الله عليه ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩]، فإن لم يشهد الكفار فالله يقول: أنا أشهد، والله خير الشاهدين ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩]، فهذا إحدى الطرائق في شهادة الله لنبيه بالرسالة. الطريقة الثانية: تأييده بالمعجزات الظاهرة، والله جل وعلا أجل وأعلم وأحكم من أن يأتي رجل يكذب على الله ويتقول على الله ويقول أنا رسول وهو ليس برسوله، ويقول أنا نبيه وهو ليس بنبيه، ويقول: هذا كلامه وهو ليس بكلامه، ويدعوهم إلى شيء فيقول: إن الله دعاهم إليه وهو غير صحيح، ثم بعد ذلك يؤيده الله بمعجزات ظاهرة وبراهين قاهرة، وينشأ نشأة حميدة، ويمن عليه بعطايا، فهذا محال يتنافى مع الحكمة، فتأييد الله له بالمعجزات الظاهرة والبراهين وإكرامه من دلائل أنه رسول الله، وهو الطريق الثاني في الشهادة من الله لنبيه ﷺ ؛ لأن الله قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦]. الطريقة الثالثة: ما أخبر الله به في كتبه التي سبقت القرآن، وما جاء على ألسنة رسله الذين سبقوا رسول الله ﷺ مما ذكر في الكتب، وبذلك تمت طرائق ثلاث في شهادة الله لمحمد بن عبد الله ﵊ بأنه رسول من عند الله. فلهذا قال ﷺ كما قال الله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام:١٩]، فذكر القرآن على أنه أعظم معجزاته.

стр. 278

بيان معنى قوله تعالى (لأنذركم به ومن بلغ) وهذه الأمة منذرة بالقرآن، حيث قال تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، ولهذا نقل عن بعض السلف أنه قال: كل من بلغه القرآن فكأنما لقي الرسول. ولا يقصد بذلك أنه أصبح صحابياً، ولكن يقصد أن الحجة أقيمت عليه، ولهذا قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان: ومن لم يبلغه القرآن ولا دعوة نبينا ﷺ ، ولو كان من أهل زماننا، فحكمه حكم أهل الفترة؛ لأن الأمر مبني على قضية وصول البلاغ من عدمه، ونحن نعلم أنه في مجاهيل أفريقا وبعض الدول وأمريكا الجنوبية وغيرها قد يوجد أمم لم يصلهم شيء عن الإسلام، فيحكم عليهم بأنهم من أهل الفترة؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وهذه مسائل لا ينبغي أن يجادل فيها، ولكن يجب أن تكون على يقين بأن الله لن يظلم أحداً، وأن الله جل وعلا أرحم بخلقه منا، فكل العباد إلى ولا تجعل بمثل هذه المسائل مادة مجلسك تخوض فيها ليل نهار، فيقسو قلبك ويكثر بحثك عن مواضيع لا تقدم ولا تؤخر ولن يسألك الله طرفة عين عنها.

стр. 279

بيان ما شهد به رسول الله وأتباعه وما شهد به المشركون نعود فنقول: قال الله ﵎: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ﴾ [الأنعام:١٩] أي: أيها القرشيون ﴿لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٩] فهؤلاء المشركون يقولون إن مع الله آلهة، ومعلوم أن هذه الآلهة موجودة في الواقع، ولكنها باطلة، قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم:٢٣]. قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ [الأنعام:١٩] فوصل الأمر الآن إلى فصل الخطاب بشهادة رسول الله بأن الله لا إله غيره، وشهادة هؤلاء المشركين أن مع الله آلهة، فأمر الله نبيه أن يقول: قل لا أشهد شهادتكم ﴿قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ﴾ [الأنعام:١٩] فشهد النبي ﷺ بأن الله لا رب غيره ولا إله سواه، وفي نفس الوقت تبرأ من صنيعهم ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٩] وهذا كله خطاب لي ولك ولو لم نخاطب به لفظاً، وهو أننا رأينا شهادة الله ورأينا شهادة أهل الإشراك، ورأينا ما ارتضاه الله لرسوله، فلم يبق لنا إلا أن نتبع رسولنا ونشهد بشهادة ربنا، فنقول: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، حتى تفقه كيف وصل الدين إليك، وما هو فصل الخطاب بينك وبين أهل الكفر، ولهذا كانت كلمة (لا إله إلا الله) كلمة عظيمة كريمة على الله. ومن جميل المقدمات التي يقولها بعض المؤلفين أو بعض الخطباء: وأشهد أن لا إله إلا الله، كلمة قامت عليها السماوات والأرض، ولأجلها كان الحساب والعرض، هي عماد الإسلام ومفتاح دار السلام، وهي أساس الفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. حتى يعلم كل واحد عظيم هذه الكلمة عند رب العالمين ﷻ .

стр. 280

تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه) ثم قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الأنعام:٢٠] وهم اليهود والنصارى ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [الأنعام:٢٠] التشبيه في قوله تعالى: (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) لبيان أن لديهم علماً جماً عن هذا المضمر، والخلاف عند العلماء كائن في عود الضمير، فقال بعضهم: هو عائد على النبي ﷺ ، أي: أن اليهود والنصارى يعرفون النبي ﷺ ، وهذا حق. وقال بعضهم: إن الضمير عائد على القرآن، فهم يعرفون أن القرآن من عند الله، وقال فريق من العلماء: إنه عائد على الشهادة، أي: على التوحيد. والآية تحتمل المعاني الثلاثة كلها، والترجيح هنا يصعب، ولكن ينبغي أن يعلم أن إثبات أي واحد منها إثبات إثبات للآخرين، فإذا قلنا: إنه عائد على الرسول فهو إثبات لكون الرسول من عند الله، وأنه جاء بالتوحيد، وإذا قلنا: إنه عائد على التوحيد فالتوحيد هو مفهوم أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإذا قلنا: إنه عائد على ربنا جل وعلا، فالله جل وعلا أخبر بأنه بعث رسوله بالتوحيد.

стр. 281

تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٢١]. (من) هنا للاستفهام، أي: لا أحد أظلم، فهو استفهام إنكاري. وقد جمع أهل الإشراك خصيصتين ملومتين: الأولى: تكذيبهم للرسول. والثانية: كذبهم على الله بزعمهم أن لله ولداً، وأن لله شريكاً، وأن الله جل وعلا ما أنزل القرآن، وما بعث محمداً ﷺ . فهذا كذب على الله، وفي نفس الوقت كذبوا من بعثه الله ليبلغ دينه ﵊، فقال الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ [الأنعام:٢١] أي: لا أحد أشد ظلماً ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٢١] وهذا من أعظم الذنب، ولذا ينبغي أن يعلم أن النبي ﷺ دعا أمته إلى الصدق.

стр. 282

أهمية صدق الإنسان مع نفسه وغيره وأعظم ما تنال به المراتب العالية: أن يكون الإنسان صادقاً مع نفسه، فإذا وصل الإنسان إلى مرحلة استعجال الثمرة الدنيوية واضطر إلى أن يكذب على نفسه فعما قريب سيقع في وبال عمله، وسينقطع به السبب؛ لأنه سبب لا يمكن أن يوصل، وقد أخبر ﷺ بأن الكذب يهدي إلى الفجور، وأن الصدق يهدي إلى البر، فالصادقون مع أنفسهم -جعلني الله وإياكم منهم- خطاهم في الأرض ثابتة، وأثرهم في الناس واضح، ولا يلتفتون يمنة ولا يسرة. لقد قال النبي ﵊: (من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة، فقال أبو ذر ﵁ وأرضاه: وإن زنى وإن سرق؟! قال ﷺ : وإن زنى وإن سرق، قال: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟! قال ﵊: وإن زنى وإن سرق، فقال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟! فقال ﷺ : وإن زنى وإن سرق رغم أنف أبي ذر). فـ أبو ذر لصدقه وجلالة قدره ورفيع مكانته وثقته بنفسه يحدث بهذا الحديث، فكان إذا أتى إلى الثالثة قال: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق رغم أنف أبي ذر) رغم أن جملة (أنف أبي ذر) زائدة في الخطاب ليس لها علاقة بالحكم الشرعي، فهو يقول: (وإن زنى وإن سرق رغم أبي ذر) لأنه ينقلها بصدق، وينقل للناس شيئاً ينفعهم، وأكثر ما نعانيه اليوم أننا نفتقد الصدق مع أنفسنا، فإذا افتقد الإنسان الصدق مع نفسه ولا يمكن أن يبني أحداً أو يبني أمة أو أن يسهم إسهاماً حقيقياً، فإن أسهم فإن إسهامه سيكون إلى أمد قريب ثم يقع، وقد لا يصل إلى شيء مما يريد، ولو ظهر ذلك شكلياً لنفسه أو لغيره، وليعلم أن ما عند الله لا يوصل إليه إلا بما شرع الله. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده وأعاننا الله على قوله. وصلى الله على محمد وعلى آله والحمد الله رب العالمين.

стр. 283

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [٢٢ - ٢٦] يذكر الله تعالى في سورة الأنعام ما يكون من المشركين حال معاينتهم العذاب، حيث يرون عفو الله تعالى عن أهل التوحيد فيبادرون إلى نفي الشرك عن أنفسهم كذباً على أنفسهم، وهم الذين أشركوا بالله في الدنيا وكذبوا رسله، فأعمى الله أعينهم عن إبصار الحق، وأصم أسماعهم عنه مع سماعهم لآيات القرآن، وطبع على قلوبهم، فدفعوا الحق بكل سبيل ونهوا غيرهم عن ابتاع الهدي وابتعدوا عن اتباعه، فضلوا وأضلوا.

стр. 284

بيان عظمة المنة بالقرآن بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو الدرس الثامن في تفسير سورة الأنعام، وقد سبقته -ولله الحمد- سبعة دروس، وآخر الآيات التي تأملنا فيها هي قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام:٢١]، وقلنا: إن الاستفهام هنا استفهام إنكاري، والمعنى: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته. وقبل أن أشرع في الآيات التي بعدها أذكر مقولة تكتب في سويداء القلب قبل أن تكتب في صفحات الواقع، وهي في قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٧ - ٨٨]. حيث يتحرر من الربط والمناسبة بين الآيتين مقولة تقول: من أوتي القرآن ثم ظن أن أحداً أوتي من الدنيا أعظم مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً. بمعنى أنه جعل للدنيا أكثر من قدرها، وصغر عظيماً فلم يعرف قدر القرآن؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧]، ثم نهى نبيه ﵊ عن أن يمد عينيه إلى متاع الدنيا، وقال له: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٥١]، فمن حمل القرآن حملاً صحيحاً حفظاً ووعياً وتدبراً فهو سيد العلماء بلا شك، وفي هذا مقولات ذكرها الأئمة كما نص عليها الزركشي رحمه الله تعالى في البرهان. والذي يعنينا هنا أن استصحاب هذا الأمر يهون على طالب علم التفسير الكثير من الصعاب إذا تفكر في كونه يتدارس كلام الله جل وعلا، ومن عظمة كلام الله أنه يمكن لأي رجل بحسب ما أعطاه الله من علم أن يبحر في شتى الفنون وجميع العلوم من خلال آيات الكتاب؛ لأن القرآن مهيمن، وكذلك علم التفسير مهيمن على سائر العلوم، وقد قال الشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: كل العلوم تفيء إلى القرآن، ثم قال: ما السنة كلها إلا في آية واحدة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].

стр. 285

تفسير قوله تعالى: (ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم) يقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:٢٢ - ٢٤]. التكذيب بالبعث والنشور من أعظم ما كان عليه أهل الإشراك، وإذا علمنا أن سورة الأنعام مكية فإنها ستعالج الخلل العقدي في أهل مكة، وأعظمه الشرك بالله وإنكار البعث والنشور، كما قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧]. فالله جل وعلا يقول لنبيه في غيب لا يعلمه ﵊، أذكر يا محمد، ونبئ هؤلاء القوم بأنه سيأتي يوم نحشرهم فيه جميعاً بلا استثناء، فالخلائق يحشرون جميعاً إنساً وجناً وملائكة ودواباً، (ثم نقول) أي: في يوم الحشر ﴿لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٢٢]، فهل تحشر أصنامهم معهم ثم يحال بينهم وبينها؟ إن هذا وارد يدل عليه قول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤]، فهذا دليل على أنهم كانوا يرونهم، ولكن لا سبيل إلى الوصول إليهم، وقيل: إنهم لا يحشرون، ولكن الذي أراد القرآن أن يثبته هو أن تلك الآلهة والأصنام التي كانوا يتعلقون بها ويعدونها لساعة ما تخذلهم يوم القيامة، ولهذا قال الله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٢٢]، وهذا لا شك في أنه استفهام توبيخي، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل زعم في القرآن فهو كذب.
следующие страницы →