← Тафсир

Тафсир · id 37455

سلسلة محاسن التأويل - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (789 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من ارتد ثم آمن فما حكم عمله في حال الإسلام الأول ؟ ثم قال جل وعلا: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]، والكلام عن الردة قد لا يتسع له الوقت لكن نتكلم عنه إجمالاً؛ حتى يستفيد الناس، فإذا كان هناك مؤمن قد ارتد فإن بقي على ردته حتى لاقى الله فلا خلاف أنه في النار خالد مخلد فيها، لكن الإشكال لو أنه ارتد ثم آمن فهل عمله الأول يحبط أو لا يحبط؟ فمن قال: إنه يحبط استدل بقول الله جل وعلا: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]. ومن قال: إنه لا يحبط احتج بقول الله جل وعلا بالقيد: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة:٢١٧]، قالوا: فهذا عائد للإيمان، وأثر الخلاف في المسألة لو أن رجلاً آمن وحج، ثم ارتد، ثم آمن فهل يطالب بالحج أو لا يطالب؟ فمن قال: إن المطلق يحمل على المقيد قال: إن حجه الأول لا يحبط؛ لأنه لم يمت على الكفر، ومن قال: لم يحمل المطلق على المقيد جعله كأنه لم يحج، وألزمه بالحج بناء على أن الله قال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة:٥]. والذي أختاره -والعلم عند الله- أنه لا يطالب بالإعادة، لكن لا أجر له على ما قد مضى؛ جمعاً بين الأدلة؛ لأنه أحبط أجره بالكفر، لكنه لا يطالب بالإعادة؛ لأنه عاد إلى الإيمان ولم يمت على الكفر، لخصتها إجمالاً مراعاة للوقت. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، شكر الله لكم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 212

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [٢١٨ - ٢١٩] ذكر الله تعالى في هذه الآيات أن القتال في الأشهر الحرم منكر كبير، وأن أكبر من ذلك هو الصد عن سبيل الله تعالى، والكفر به سبحانه. وذكر أيضاً أن من كان مسلماً ثم ارتد على عقبيه إلى الفكر فإن أعماله تحبط في الدنيا والآخرة. وذكر سبحانه أن الذين آمنوا وجاهدوا في سبيله وهاجروا يرجون رحمته ورضوانه، وأنهم يتاجرون تجارة لن تبور. ثم ذكر الله تعالى الخمر والميسر وذكر ما فيهما من الإثم والفساد. وقد فُسرت الآيات بأسلوب سهل شيق رائع يشد القلوب، ويأسر الألباب.

стр. 213

تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا لقاء متجدد من برنامجنا محاسن التأويل، وكنا قد انتهينا في اللقاء الأول إلى قول الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، إلى آخر الآيات، فنجمل الآن ما حررناه في ذلك الوقت، ثم نزدلف إلى قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]، وهي الآية التي سنبدأ بها تفسير حلقة هذا اليوم، والأشهر الحرم أربعة: ثلاثة سرد وهن: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وواحد فرد وهو رجب، والآية جاءت في أن النبي ﷺ بعث سرية بإمرة عبد الله بن جحش ولم يأمرهم بقتال، ثم تعرض لهذه السرية قوم من قريش فأقدمت السرية على قتلهم دون أن يدروا أو يعلموا أنهم دخلوا في الشهر الحرام، وكان ذلك في آخر جمادى الذي هو قبل رجب، ورجب شهر حرام، فلما تبين بعد ذلك أن القتال كان في الشهر الحرام جعلت قريش ذلك سبة وعاراً على المؤمنين, وقالوا: كيف يدعو محمد إلى مكارم الأخلاق وقد نقض شيئاً العرب كانت متفقة عليه من قبل وهو عدم الاقتتال في الشهر الحرام!! فهذا هو مجمل سبب النزول، فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:٢١٧]، الذي نريد أن نصل إليه هنا هذا كله تم تفسيره، لكن ما سيأتيك بعد ذلك مصدر بقوله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ [البقرة:٢١٧]، أو: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ [البقرة:٢١٩]. فحتى يتمكن طالب العلم من فهم كلام الله لا بد -كما قلت قديماً- من الإجمال، ثم من الإجمال ندرج إلى التفصيل، والسؤال في القرآن يأتي دائماً بحسب سائله، ولما كان السائلون يختلفون كان لا بد أن يكون الغرض من السؤال يختلف، فلما سألت اليهود عن الروح فهذا سؤال للتعنت، وهذا أول مقاصد السؤال، وهناك سؤال للاحتجاج وهو سؤال أهل الإشراك هنا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، فإذا انتهينا من أسئلة اليهود وأسئلة أهل الإشراك لم يبق إلا أسئلة أهل الإيمان، وأهل الإيمان يسألون للاسترشاد؛ حتى يكونوا على بينة من أمرهم عندما يأتيهم الجواب الإلهي. إذا تحرر هذا فقول الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:٢١٧] الأصل أنه جاء على لسان كفار قريش، فهو سؤال للاحتجاج، وقول الله ﵎ في الإسراء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥] هذا للتعنت؛ لأن السائلين هنا هم اليهود، وأما قول الله جل وعلا كما سيأتي عن الخمر والمحيض ماذا ينفقون، فهذه أسئلة المؤمنين الذين كانوا يحيطون بالنبي ﷺ في المدينة، فهذه أسئلة للاسترشاد.

стр. 214

حكم عمل الإنسان حال إسلامه إذا ارتد بعد ذلك انتهينا في اللقاء الماضي إلى قول الرب ﵎ في نفس آية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:٢١٧]، إلى قضية الردة، وقلنا: إن الله جل وعلا قيدها بقوله ﵎: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة:٢١٧]، وقلنا: إن العلماء اتفقوا في أن الإنسان لو ارتد ومات على الردة كافراً فلا ريب أن أعماله جميعاً قد حبطت؛ لأن هذا نص كلام الله، وقد قلنا في تحرير سابق: إن الآيات المحكمة لا يمكن أن يختلف العلماء فيها؛ لأنها ظاهرة، ولهذا لم يأتينا أحد من أهل العلم يقول: إن الإنسان إذا مات كافراً بعد أن كان مؤمناً أن شيئاً من علمه يبقى؛ لأن هذا أمر قد أوضحه القرآن، فالله جل وعلا يقول: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة:٢١٧]، ويقول في آيات أخر: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥].

стр. 215

من ارتد ثم آمن فما حكم عمله في حال الإسلام الأول لكن الإشكال في أن إنساناً كان مؤمناً ثم ارتد، ثم تاب عن ردته وعاد إلى الإيمان، فهل العمل الذي كان قبل الردة يبقى أم يحبط؟ هذا هو السؤال، فمن أخذ بالقيد قال: إن العمل يبقى؛ لأن الله قيده بقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة:٢١٧]. ومن جعلها مطلقة قال -وهذا الأظهر-: إن الإنسان يكتب له الأجر، لكن لا يسقط ذلك الشيء المفروض عليه، مثال ذلك: لو أن إنساناً حج ثم ارتد ثم تاب وعاد إلى الإسلام فهل حجته الأولى يلزم عليه أن يعيدها أو لا يعيدها؟ هذا التي فيها تنازع بين العلماء.

стр. 216

تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله) والآن نزدلف إلى قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨]، بدءاً قال ابن سعدي رحمة الله تعالى عليه: هذه الثلاث هي قطب رحى الدين، وعنوان السعادة، فمن وفقه الله للقيام بالإيمان والهجرة والجهاد فقد وفق لقطب رحى الدين، وعنوان السعادة؛ لأن أي عمل صالح بعد هذه الثلاث أهون منها، ومن قدر على العظيم قدر على اليسير، فأما الإيمان فأكبر دلائل فضله أن الله جعله قسيماً بين أهل الجنة وأهل النار، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، وأما الهجرة فليس المراد بها هجران الذنوب، ولكن المراد هجرة الشيء المألوف المحبوب، كهجرة الوطن، والمال، والخلان، ومن تركن إليهم؛ من أجل الله، وأما الجهاد فإن التلبس به من أعظم ما يدل على أن الإنسان يقمع أعداء الدين، وبوده أن ينتشر الإسلام، فالصورة الأولى لانتشار الإسلام هي الجهاد، وهذا أمر لا ينبغي أن يتغير بالظروف وبالأحوال؛ لأن من تتبع السنة الصحيحة والسيرة العطرة لرسولنا ﷺ سيجد عياناً بياناً أن السبب الأعظم لانتشار الدين هو الجهاد في سبيل الله، فيقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨].

стр. 217

كيفية ظهور التقويم الهجري قبل أن أزدلف إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]، نحن الآن نسجل هذه الحلقة وفق التقويم الهجري للثامن والعشرين من شهر ذي الحجة، وبقيت ليلتان على نهاية عام هجري وهما ليلة التاسع والعشرين وليلة الثلاثين إذا كان الشهر تاماً، فحسب التقويم وحسب الرؤيا فإن اليوم هو اليوم التاسع والعشرين وهذه ليلة الثلاثين، والهجرة قطعاً كانت في ربيع الأول باتفاق المسلمين، ولكن الصحابة ﵃ في عهد عمر أرادوا أن يصطلحوا على حدث يؤرخون به، فبعد مشورة منهم عرضوا، ولا يمكن أن يكون هناك تشاور إلا إذا كان هناك عرض، لكن إذا كان هناك خيار واحد فلا يمكن أن يكون هناك تشاور ولا مشورة، فلا بد أن يكون هناك آراء متعددة يختار الناس منها، فوضعوا البعثة والمولد والهجرة والوفاة، يعني: هل يؤرخون بمولده ﷺ ؟ أو يؤرخون ببعثته؟ أو يؤرخون بهجرته؟ أو يؤرخون بوفاته؟ فاستقر أمرهم -وهم أمثل جيل وأكمل رعيل- على أنهم يؤرخون بالهجرة، ولا ريب أن اتفاقهم دليل صوابهم ﵃ وأرضاهم. ونقول مزيداً على هذا: إن الإسلام ما ظهرت عزته ولا نقول: لم يكن عزيزاً فهو عزيز من أول يوم، لكن ما ظهرت عزته إلا بعد الهجرة، بدليل أن النبي ﷺ استطاع أن يبني مسجد قباء أول مسجد أسس على التقوى، لكنه قبل ذلك لم يستطع أن يبني مسجداً واحد، ثم بنى مسجده ﷺ بعد أن بنا مسجد قباء، فاختاروا الهجرة، فلما اختاروا الهجرة أرادوا أن يبدءوا، فلم يختاروا شهر ربيع، ووضعت عروض أخر من أي الشهور نبدأ؟ فاستقر أمرهم أن الناس بعد ذي الحجة ينصرفون إلى ديارهم: فيعود أهل الشام إلى شامهم، وأهل العراق إلى عراقهم، وأهل اليمن إلى يمنهم، وأهل نجد إلى نجدهم، ويعود أهل الأقطار، فقالوا: إن شهر محرم يكون فيه استقرار الناس في أوطانهم، فجعلوا من شهر الله المحرم بداية للعام الهجري، إذاً ليس معنا آية ولا حديث يقول: إن العام الهجري يبدأ من محرم، وليس معنا آية ولا حديث تقول: إنه إذا ختم ذو الحجة ختمت صحائف الأعمال، فالدين لا يؤخذ من فقه الوعاظ، وإنما يؤخذ من نصوص الكتاب والسنة المحكمة، فلا يوجد دليل لا من قريب ولا من بعيد، ولا بإشارة ولا بتصريح تدل على أن صحائف الأعمال تطوى مع نهاية هذا العام، فعندما تقرأها قراءة دنيوية سياسية يصح أن تقيم أحداثاً مضت من عام إلى عام، لأن المسألة أصلاً سياسية، فاختيار عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه هذا مندرج في السياسة الشرعية، ومنبثق مما يسمى بالمصالح المرسلة، وهذا ليس له علاقة بقضية أن صحائف الأعمال تطوى، فلا يوجد شيء في الدين يدل على أن صحائف الأعمال تطوى مع نهاية كل عام، هذا أمر يجب أن ننتبه إليه، لكن قول الوعاظ في محاسبة النفس له مدخل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر:١٨]. فإن محاسبة النفس مطلوبة في كل آن وحين، ولئن كان التجار أرباب الأموال يحاسبون أنفسهم مع نهاية العام مالياً فليس هناك حرج على المؤمن أن يحاسب نفسه دينياً فيما مضى، لكن لا يقول: لأن صحائف الأعمال تطوى فأنا أحاسب نفسي لا؛ لأنه لا يوجد دليل على أن صحائف الأعمال تطوى مع نهاية العام الهجري، هذا مهم.

стр. 218

فضل المهاجرين الأولين كذلك في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ [البقرة:٢١٨] دليل صريح على فضل المهاجرين الأولين، والقرآن دل على ذلك في مواطن عدة، قال الله في التوبة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]. وقال في الحشر: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر:٨]، ثم قال في الآية التي بعدها: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩]. فذكر الطائفتين ولم يذكر إلا طائفة واحدة بعدهم وهي الثالثة، وهم من اتبعوهم بإحسان، فهذا تعبير القرآن في التوبة، وعبر عنه القرآن في الحشر بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠].

стр. 219

الهجرة قرينة البعثة والهجرة في سيرة النبي ﷺ قرينة البعثة، لكن الهجرة تأخرت واقعاً وحدثاً، وإلا فقد قال ورقة بن نوفل لنبينا ﷺ : (يا ليتني أكون جدعاً إذ يخرجك قومك، قال: أومخرجي هم؟) وهذا كان في أول أيام البعثة. فعلم ﷺ بما أخبره به ورقة بن نوفل أن الهجرة ستكون قائمة واقعة لا محالة، وذلك عندما قال: (أومخرجي هم).

стр. 220

الفرق بين الهجرة إلى المدينة والهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى الحبشة كانت هجرة إلى أرض أمن، فهناك ملك صالح يعدل ولا يضام في ملكه، فخرج المسلمون إليه، وأما الهجرة إلى المدينة فكانت هجرة إلى دار إيمان وفق تعبير القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩]، وقصد الأنصار. فالمدينة كانت دار إيمان قبل أن يدخلها نبينا ﷺ ، بخلاف الحبشة آنذاك فإنها لم تكن دار إيمان، وإنما كانت دار أمن. قال ربنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨]. وفي هذا دليل على أن الإنسان مهما زكا عمله، واشتد صلاحه، وتتابعت حسناته إلا أن المعول الأكبر يكون على رحمة الله، وهذا دليل كذلك على أن الإيمان بالعمل لا بالتمني ولا بالتحلي، فإذا قال الله جل وعلا عن هؤلاء الأخيار الذين جمعوا بين الإيمان والهجرة والجهاد قال عنهم: ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨] فما عسى من دونهم، لكن لا يعني ذلك أن يقنط أحد من رحمة الله، ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:٢١٨]، وهذه ظاهرة وقد مرت معنا كثيراً، والغفور الرحيم اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى.

стр. 221

تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير) ثم قال الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩]، وهذا قد يحتاج وقتاً طويلاً فسأبدأ فيه تمهيداً في هذا اللقاء وأكمل في اللقاء القادم.

стр. 222

تعريف الخمر وذكر ضررها نبدأ أولاً في معرفة الخمر والميسر، ومنهجنا في التفسير أن الآية هي الحاكمة في طريقة التفسير، فالآيات تختلف فبعضها في العقائد، وبعضها في الأخبار والقصص، وبعضها في التشريع، فلا يعقل أن تتعامل معها جميعاً بطريقة واحدة، وإنما من أوتي حظاً في فهم كلام الله ينبغي أن ينوع الطرائق التي يتناول بها كلام الرب ﵎ دون أن يخرجه ذلك من علم التفسير، فالبيئة الجاهلية كانت بيئة لا ترجو جنة ولا تخشى ناراً، بل يمشون كما تفرضه العادات والتقاليد والذائع والشائع، والفراغ في الوقت كان أكثر ما يعاني منه الجاهليون، ولهذا انصرفت هممهم إلى اللذات؛ لأن اللذات بها تقضى الأوقات، فكانت الخمر مشروباً ذائعاً عندهم للغني والفقير، ولا يكادون يتركونها في ليل ولا في نهار، وليس أدل على ذلك من أن الصحابة وهم الصحابة مكثوا يشربونها حتى بعد الهجرة، فكان أنس يسقي كبار الصحابة كـ عبد الرحمن بن عوف وأبي أيوب الأنصاري قبل أن تنزل آية تحريم الخمر كما سيأتي. وهذا يدل على كرامة الله لهذه الأمة، فالله لما علم أن الناس يوم ذاك قد بلغ منهم شرب الخمر مبلغاً عظيماً جاء بالتدرج في تحريمها كما سيأتي. والخمر في اللغة: ما خامر العقل، أي: خالطه أو غطاه، فالتغطية من باب قوله ﷺ : (خمروا آنيتكم) بمعنى غطوها، وتأتي خامر بمعنى خالط، فيخالط السكر العقل فيكاد يغطيه، ولا يكون هناك تغطية إلا بعد مخالطة، قال كثير عزة: هنيئاً مريئاً غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت فقوله: هنيئاً مريئاً غير داء مخامر، أي: غير دائن مخالط. ولا نحتاج أن نقول في الخمر: هي مشروب يسكر؛ فلا يكاد يجهله أحد، وفي عصرنا هذا أخذ أنواعاً عدة، لكنه سابقاً كان أكثر ما يأخذونه من التمر ومن الأعناب، وهو من العنب أكثر منه من التمر، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل:٦٦ - ٦٧]. وسيأتي لماذا قال الله: (سَكَراً) وقال: (رزقاً حسناً) بعد قليل، لكن نبقى فيما يؤخذ منه الخمر، وقلنا: إنه يؤخذ من ثمرات النخيل والأعناب. فإذا شربوها فإن الفقير منهم يرى نفسه غنياً، والجبان منهم يرى نفسه شجاعاً، قال حسان: ونشربها فتتركنا ملوكاً وأسداًَ لا ينهنهنا اللقاء وكانت في الشام قصران اسمهما: الخورنق والسدير يضرب بها المثل، كما تقول الآن: البيت الأبيض والكرملن فكانت في أذهان الناس في ثقافتهم أن هذين القصرين لا يدخلهما أحد، فكان الفقير منهم راع الغنم الذي لا يملك شيئاً إلا بضع غنيمات يقول: وإذا شربت فإنني رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير يعني: وأنا في عالم السكر أذهب في خيالات عدة، فأحسب نفسي صاحباً وملكاً على الخورنق والسدير وهما قصران في الشام، وإذا فقت من سكري وعدت إلى حقيقتي فأنا لا أملك إلا بضع شويهات وبضعة من الإبل أو غيرها. والمقصود أنهم كانوا يفرون من مشاكلهم وقضاياهم إلى الخمر، ويسمون من يشرب معهم ويحتسي يسمونه: نديماً، ويدار الكأس بينهم، وهذا جل حياتهم، قال الأعشى: في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل نازعتهم قضب الريحان متكئاً وقهوة مزة راووقها خضل فثقافته أنه يريد هؤلاء ألا يعبئوا بشيء، والآن في الثقافة الغربية أكثرهم وإن كان مسيحي الديانة لكن طغت عليهم العلمانية، فزلفت بهم إلى الإلحاد، فلما زلفت بهم إلى الإلحاد ضعف يقينهم بالجنة والنار، فإذا ضعف اليقين بالجنة والنار فإنه لا يبقى إلا التشبث بالدنيا، فهم يعظمون نهاية الأسبوع؛ لأنه إجازة لهم، ويستمتعون بحياتهم على أقصى حد، والذي يدفعه إلى أن يستمتع بحياته إلى أقصى حد إيمانه الخاطئ أنه لا حياة بعد هذه الحياة، فيتشبث بهذه الحياة، فـ الأعشى يقول: وفتية كسيوف الهند يعني: يقصد نحول أجسامهم وتثنيها. كسيوف الهند قد علموا والمهم عنده: أن هالك كل من يحفى وينتعل أي: أن الناس موتى لا يبقون، فيقول: ثقافتنا تنطلق من قناعتنا أننا سنموت وسنبلى ولن يبقى أحد لا غني ولا فقير، ولا حافي ولا منتعل، فإن كنت أعلم أنني لا أبقى وأنه لا حياة بعد حياتي -فالقرشيون كانوا لا يؤمنون بالبعث والنشور- فعلامَ أنا أحبس نفسي عن متع الدنيا، فيكون هذا دافعاً قوياً لأن يحتسي الخمر، قال: نازعتهم قضب الريحان متكئاً وقهوة مزة راووقها خضل والقهوة كانت تطلق عندهم على الخمر.

стр. 223

تعريف الميسر وصورته وبيان ضرره فحديثي هذا كله حول الخمر، وبقينا في الميسر، والميسر مشتق من أحد أمرين: إما مشتق من اليسر وهو السهولة، وهذا بسبب أنهم يحصلون على المال من غير كد ولا تعب، وهي مغامرة يأتي بها فينجم عنها مال. وإما مشتق من اليسار وهو الغنى، أي: أنه يغنى بعد فقر، والمعاني متقاربة جداً. والقرشيون لهم طرائق عدة في الميسر، وقد نشأت كلمة الميسر كما يلي: الياسر في اللغة هو الجزار الذي يذبح الجزور، فيأتون بالجزور فيذبحونه ويجعلونه ثمانية وعشرين قسماً، والآن سندخل في الرياضيات فمهم أن تفهم ذلك، ثم يأتون بكيس، وهذا الكيس يضعون فيه عشرة أقداح، وهي على هيئة أعواد، وكل قدح من هذه الأقداح له اسم، فسبعة منها تعمل وثلاثة لا تعمل، أي: سبعة فيها حظ، وثلاثة لا يجعلون فيها حظاً، فيسمون التي ليس فيها حظ غفلاً، ويسمونها الوغد والسفيح والمنيح، والسبعة سآتيك بأسمائها، ثم يضعون العشرة في هذا الكيس ويخلطونها، ثم يأتون برجل أمين فيقول مثلاً: هذا حظ عبد الرحمن ويأخذ قدحاً، فإذا طلع يقرؤه فإن كان سفيحاً أو منيحاً أو وغداً فلا يأخذ شيئاً، وليتهم يقفون عند هذا الحد، فإنه لا يأخذ شيئاً وعليه قيمة شراء الجزور، والسبعة الباقون يأخذون نصيبهم. والأقداح السبعة يسمون أحدها الفذ، ويأخذ واحداً، والثاني يسمونه التوأم، ويأخذ اثنين، والثالث يسمونه الرقيب ويأخذ ثلاثة، فيصبح قد ذهب ستة، والرابع يسمونه الحلس ويأخذ أربعة، والخامس يسمونه النافس، ويأخذ خمسة، فيصير المجموع خمسة عشر، والسادس يسمونه المسبل، ويأخذ ستة، فيصير المجموع واحداً وعشرين. والسابع يسمى القدح المعلى، فالناس إذا مدحوا أحداً يقولون: له القدح المعلى، ويأخذ سبعة، فتصير مع واحد وعشرين ثمانية وعشرين، انتهت كلها، ولهذا تسمع في التعبيرات الأدبية: أن فلاناً له القدح المعلى، أي: أوفر أهل الميسر حظاً، فهذه نشئت فكرة الميسر، وفي اللقاء القادم إن شاء الله تعالى نكمل الارتباط ما بين الخمر والميسر، والحد الذي في الخمر، والتعزير الذي في الميسر بإذن الله تعالى، والله تعالى أعلم. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 224

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [٢١٩ - ٢٢١] ذكر الله تعالى في هذه الآيات أن الإثم في الخمر والميسر كبير، وقد كانت هناك مراحل عدة لتحريم الخمر، فلم يحرمه الله مرة واحدة، وذلك لأن الناس في الجاهلية كانوا قد أدمنوا عليه بصورة كبيرة، فمن رحمة الله بهم أن تدرج في تحريمه عليهم. ثم ذكر الله تعالى مرشداً لعباده أن ينفقوا ما زاد على حاجتهم وما فضل على ذلك، فلا يكلفوا أنفسهم ما لا يطيقون. ثم ذكر اليتامى وأنه يصلح لهم في جميع أحوالهم من الناحية المالية والتربوية وغيرها.

стр. 225

تفسير قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير) الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فما زلنا وإياكم نتفيأ كلام ربنا جل وعلا، وقد انتهينا في اللقاء الماضي إلى قوله جل ثناؤه وتباركت أسماؤه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٩]، وحررنا لغوياً معنى الخمر ومعنى الميسر، وحال أهل الجاهلية مع هذين الإثمين الكبيرين.

стр. 226

مراحل تحريم الخمر والآن ننتقل إلى الارتباط بين الخمر والميسر، لقد كانت الأجواء في الجاهلية كما بيّنا في اللقاء الماضي يغلب عليها الفراغ في الوقت والفراغ الروحي من باب أولى، فكان التغامر بينهم والمغامرة والشرب يذهب الكثير من أوقاتهم، وينجم عنه نوع من التسلية، ويجازفون بأهليهم وأموالهم عياذاً بالله؛ لهذا جاء القرآن بتحريم الخمر تدريجياً، وهذه الآية التي بين أيدينا هل هي الأولى أم الثانية؟ على قولين للعلماء: فمن جعل من العلماء تحريم الخمر مر بثلاث مراحل يجعل هذه الآية هي الآية الأولى، والثانية هي: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣]، والثالثة وهي الخاتمة ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] والتي صدرها: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠]. وفريق يقول: الأصل أنها أربع مراحل بدأت من القرآن المكي؛ لأن القرآن المكي فيه سورة النحل، والله قال في سورة النحل: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل:٦٧] ولم ينعته، ولم يصفه بأنه حسن، ثم قال: ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل:٦٧]، فأثنى على الرزق وقيده ووصفه ونعته بالحسن ولم يصف ولم يقيد السكر، فكأن هذا إرهاصاً أن ثمة أمر سيأتي في مسألة السكر. وعلى هذا فنحن نعتد بهذا القول ونرى أن هذه الآية هي الثانية في مراحل التحريم. هذا من حيث تحريم الخمر.

стр. 227

حد شرب الخمر لقد أوجب الله جل وعلا في الخمر الحد، والأصل في حد الخمر أنه أربعون جلدة، ويجوز للإمام تعزيراً رفعها إلى ثمانين، فمن الحدود الشرعية المعروفة حد الخمر، وحد الزنا، وحد السرقة، وحد القذف، وحد البغي، والقتل ليس حداً وإنما يسمى قصاصاً، فالحد حق لله، والقصاص حق لأولياء الدم، والتعزير حق لولي الأمر.

стр. 228

الحدود لا تدخلها الشفاعة والحدود لا تدخلها الشفاعة أبداً؛ ولهذا جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن قريشاً أهمها شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يجترئ -بمعنى من له القدرة- على أن يخاطب النبي ﷺ ، فقد كان الصحابة مؤدبين، فقالوا: وهل يجرئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ، فبنو مخزوم لشرفهم في قريش جعلوا من أسامة شفيعاً لهم عند النبي ﷺ ، فقال ﵊: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة!)، ثم خطب الناس فقال: (أيها الناس! إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها).

стр. 229

الحالات التي يجوز فيها تأخير إقامة الحد وهذا معناه: أن الشفاعة لا تدخل في الحدود، لكن يجوز تأخير الحدود لا إلغاؤها، فإلغاءها لا يجوز البتة، لكن يجوز تأخيرها لمصلحة عارضة، وهذه المصلحة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: مصلحة للإسلام، كتأخير إقامة حد أثناء لقاء العدو، وهذا ظاهر السبب؛ حتى لا يشمت الأعداء بالمسلمين، فمثلاً كتيبة مسلمة أرادت أن تلاقي كتيبة كافرة ساعة حرب ومعركة، فقدِّر أن أحد هؤلاء المجاهدين -وهذا ربما يقع لأن المجاهدين بشر- زنى وهو بكر، أو سرق، فهذا عليه الحد، لكن الإمام لا يريد أن يقيم الحد الآن، فليس له أن يسقطه لكن يؤخر إقامته حتى تنتهي المعركة؛ حتى لا يُعطل ذلك من قوة المسلمين، ولا يشمت بهم أعدائهم، فهنا يجوز تأخيره لمصلحة الإسلام. الحالة الثانية: لمصلحة تعود لمن أقيم عليه الحد، مثاله: هذه الأيام التي نعيشها فهي أيام برد، فلو أن أحداً حكم عليه بحد القذف مثلاً ثمانين جلدة، فالجلد مع شدة البرد يؤذيه أكثر من اللازم، فتأخيره حتى يعتدل المناخ مصلحة شرعية يجوز للإمام فعلها، وهي تعود لمصلحة من أقيم عليه الحد. الحالة الثالثة: مصلحة تعود لمن له علاقة بمن يراد أن يقام عليه الحد، مثاله: امرأة حامل وعليها أحد، فلا ريب أنه يؤخر إقامة الحد عليها لا شفقة عليها وإنما رحمة بالجنين، فالمصلحة هنا لا تعود عليها مقصودة كأصل، وإنما تعود على الجنين.

стр. 230

بماذا يثبت إقامة الحد على شارب الخمر مسألة أخرى: بم يثبت إقامة الحد على شارب الخمر؟ بأحد أمرين: شهادة عدلين أنه شرب الخمر. والثاني: باعترافه هو، فإذا اعترف أحد أنه شرب الخمر أقيم عليه الحد، أو شهد عدلان من المسلمين على أحد أنه شرب الخمر يقام عليه الحد، وهذا ظاهر.

стр. 231

مفاسد شرب الخمر ولعب الميسر قال الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩]، والمنافع هنا أول ما تنصرف إلى التجارة، والإثم الكبير هو ما ينجم عنها عياذاً بالله عن شربها من تلوث للعقل، وجنوح لأعمال لا يقبلها ولا يقرها أحد، وكذلك في الميسر يحدث بينهم الضغائن، ويفقد الإنسان ماله بكل يسر وسهولة بعد أن كد فيه أعواماً وشقي فيه سنين، ويناله من لا كد عليه ولا تعب، ((قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)). ثم قال الله ﵎: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] قل العفو، وهذه كما نقول باللغة الدارجة: ما تيسر، وهذه دلالة على أن الشرع ليس فيه تشديد على أتباعه، فالصحابة يسألون: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩]، والعفو في اللغة: الزيادة والفضل، والمراد هنا ما تيسر من فضول أموالكم ولا تكلفوا أنفسكم مالا تطيقون.

стр. 232

تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢١٩ - ٢٢٠] واليتيم قد مر معنا في اللغة، وهو في الاصطلاح: من انفرد عمن يرعاه، هذا في الاصطلاح، وقد مر معنا أن اليتيم من بني آدم هو من فقد أباه، ومن الطير: من فقد أمه وأباه، ومن البهائم: من فقد أمه دون أبيه؛ لأن البهائم لا تجد أباً يعولها، فالمعيار فيها والمناط جميعاً هي قضية الرعاية، فلما كان عالم الطيور يشترك الذكر والأنثى في الرعاية سُمي من يفقد الاثنين يتيماً. نعود للآية ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى)) قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠]، وأنزل الله جل وعلا قبلها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠] فشق ذلك على الصحابة، فعزلوا أموالهم عن أموال اليتامى، فأنزل الله جل وعلا بعدها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠] ولغة القرآن واسعة، ومظلة عظيمة، فالإصلاح هنا يندرج فيه أمور عدة: إصلاح قلبي بمعنى أن تشفق عليه وترحمه ولو كان غنياً؛ لتجبر كسره في فقد والده؛ ولهذا قال ﷺ : (خير بيوت المسلمين بيت فيه يتيم يُحسن إليه، وشر بيوت المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه)، رواه البخاري في (الأدب المفرد)، وجعل ﷺ من أسباب لين القلوب وذهاب قسوته المسح على رأس اليتيم، وهذه كلها منافع تعود على اليتامى قلبياً ونفسياً وروحياً، ومن حيث الإصلاح الاقتصادي، وهو المقصود بالآية ﴿قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠]. فقد أباح الله لأولياء اليتامى أن يُخالطوا أموالهم إلى أموالهم، لكنه بيّن جل وعلا أن العبرة كل العبرة في ذلك بالمقصد، ومن هنا فهم العلماء من قول الرب ﵎: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة:٢٢٠] أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فمن خالط اليتيم في ماله رجاء أن يصلح مال اليتيم وينفعه فهذا يؤجر، ومن خالط اليتيم في ماله رجاء أن يأكل مال اليتيم ويستولي عليه فهذا يأثم، وإن كانت الحال الواحدة؛ لأن المخالطة تنقسم إلى قسمين: مخالطة يُراد بها الإفساد، ومخالطة يُراد بها الإصلاح، ومن هنا فهم العلماء من قول الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة:٢٢٠] أن الوسائل لها أحكام المقاصد، ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٠] أي: لشق عليكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٠].

стр. 233

نظرة تاريخية في اليتامى وأحوالهم ندخل الآن تاريخياً في عالم اليتامى إن صح التعبير، فأشهر اليتامى هو محمد ﷺ ، وكانت قريش تعرفه بأنه يتيم أبي طالب؛ لأنه نشأ في بيت أبي طالب، فـ أبو طالب كفل النبي ﷺ بعد وفاة جده عبد المطلب، قال شوقي: ذُكرت باليتم في القرآن تكرمة وقيمة اللؤلؤ المكنون في اليتم فاللؤلؤ إذا له نظائر لا يُصبح له مزية، لكن انفراده يجعل له مزية، فأنت أيها النبي الكريم إنما كان تفردك لأن الله جل وعلا هو الذي آواك، قال الله ﵎: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى:٦]، فأشهر يتيم هو نبينا ﷺ . ثم وجد في العلماء والمشاهير عبر التاريخ يتامى كان لهم حض كبير، ومن أشهرهم الإمام أحمد رحمة الله تعالى عليه، فقد نشأ يتيماً، والذي يعنينا هنا أن عصور التربية الحديثة تقول باصطلاح التربويين -وهذا كذلك لـ شوقي فيه باع-: إن اليتيم ليس الذي فقد أباه، هذا في الاصطلاح الشرعي، لكن في الاصطلاح الحقيقي: هو الذي لا يرعاه أبوه وإن كان موجوداً وإن كان حياً، قال شوقي: ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا فأصاب في الدنيا الحكيمة منهما وبحسن تربية الزمان بديلا إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولا

стр. 234

طرق تربية الأولاد هذا ولا أريد أن أخرج عن عظمة كلام الله لكنني أزدلف تربوياً، حتى وأنت تربي لا تُعلِّق من تربيه بك، فإن الإنسان لا يتعلم من شيء أكثر من شيء يكتشفه بنفسه، وإنما الصواب عندنا في التربية أن يكون المربي والراعي والقائم على الأمر موجه من علو ومن بعد، ولا يحاول أن يجعل ممن يربيه صورة منه، ثم إن العاقل في تربيته يتغافل عن أمور، ولا يحسن التنقيب عن كل شيء، فدع من دونك أو من تحت يدك، بل دع صديقك، بل دع زوجتك يُخطئ أو تُخطئ وتعود لوحدها أو يعود لوحده إلى صوابه، فذلك أبقى لماء وجهه عندك، أما إن اكتشفت أنت خطأه وثرَّبت عليه ولمته فلو عاد فإن ماء وجهه قد أُريق من قبل يوم أن أخطأ، وعلم أنك اطلعت على خطأه، فإنه يخشى أن تُعيره يوماً به، فإذا أذن لي من يراني من الآباء والأمهات فليس من الصواب في ظني -وهذا مسألة من باب الاجتهاد- أن يتفقد الإنسان أو الوالد أو الوالدة في كل آن وحين جوال ابنه، بحجة أن يخشى عليه من المهالك؛ فإنه لا بد أن نُبقي من دوننا أو من تحتنا في عالم خصوصية لهم، وأما كون المرء يطّلع على خصوصية كل أحد فهذا يتنافى مع ما دل الشرع عليه. ولقد شُرع الاستئذان في الدخول على أطهر بيت وهو بيت رسول الله ﷺ ، وليس في بيت النبوة ما يُخفى ولا يُستحيى منه، فالنبي ﷺ قدوة في كل أمره، لكن من باب أن الإنسان أحياناً لا يُحب أن يطّلع أحد على بعض شأنه، وحتى أنت أيها المبارك! في إقامة العلاقات مع غيرك فثمة أمور لا تحاول أن تصل إليها بالسؤال! فإن من معك: أستاذك أو شيخك أو قرينك أو من دونك إذا كان ذا عقل فإنه إذا أراد أن يُطلعك فسيُطلعك من غير أن تسأله، وما كتم الأمر عنك إلا لأنه يرغب ألا تطّلع أنت عليه، فلو قدِّر أنك اطّلعت عليه فلا تُظهر له أنك قد اطّلعت عليه. وقد ذكروا أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بعث أحد رسله -يعني: أحد حشمه وخدمه- إلى ابنه عبد الملك، وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز شامة في جبين الدهر، وقد مات قبل أبيه، ولهذا قال عمر لما مات ابنه عبد الملك قال: الحمد لله الذي جعلك في ميزاني ولم يجعلني في ميزانك. وموضع الشاهد أنه حصل بينه وبين من بعثه أبوه نوع من الكلام، وأراد الرجل أن يُخفي هذا عن عمر، فقال له عبد الملك: لا تُخبر أمير المؤمنين بهذا، فقال الرسول المبعوث: وإن سألني أمير المؤمنين؟ فقال عبد الملك: لا تخبره فإن أبي لن يسألك عن شيء لم تخبره به، أي: أنه أعرف الناس بأبيه، فإذا علم أبي يعلم مني أنني إذا أريد أن أُطلعه أطلعه، وهو لن يتفقد بالطريقة التي يصل بها إلى الحد الذي يخرجه عن مكنون التربية الحقة، واعتماده على نفسه. ونحن نلحظ من بعض الفضلاء الذين حولنا -وهم كثر- أنه من حرصه أجزل الله مثوبته على تربية ابنه أنه إذا سافر يتصل بأولاده؛ ليطمئن أنهم أقاموا صلاة عظيمة كشعيرة الجمعة، وهذا حق ومسئولية لكن يمكن أن تتأكد من أنهم صلوا الجمعة من غير أن تجرحهم، وذلك إما بعض الفضلاء يسأل ابنه ليتأكد، فيقول له: ماذا قال الخطيب؟ وأما أنت فقد جعلت ابنك أمام خيارين: إما أن يتجرأ ويقول: لم أذهب، وإما أن يكذب، وفي كلا الحالتين أقررته على خطأ، لكن مثل هذه الأمور تغفل عنها، ولا يعني ذلك أبداً ولا يقول بهذا عاقل أن تترك تربيته، لكن بطريقة أخرى تُقنعه وتبين له أهمية صلاة الجمعة من غير أن تجعل المسألة بينك وبينه بهذه الطريقة؛ لأن السؤال على قسمين: سؤال اتهام لا يقبله حر، وسؤال استفهام وهذا أمر مفتوح، فقد تقابلني ولا أعرفك فتسألين: أين الطريق إلى المكان الفلاني، فأخبرك، فهذا سؤال استفهام، أما أن يتأتي أحد إلى شخص أكبر منه أو دونه ويسأله سؤال اتهام ويريد إجابة؛ فالحر الأبي هنا لا يجيب؛ لأنه لا يقبل أن يسأل أسئلة اتهام، وليس من التربية في شيء أن تسأله أسئلة اتهام، فمن تحبه علّقه بالله، وأول طرائق أن تُعلّقه بالله أن تقطع علائق تعلقه بك؛ لأنه ما دام أنه متعلقاً بك فلن يكمل تعلقه بالله، لكن ابدأ بأن تعلقه بالله. وقد يقول قائل: وكيف أطمئن عليهم؟ فمن الممكن أن تقول حتى تبين له فضل صلاة الجمعة وعظيمها: أنا يا بني الآن في سفر، ووالله إني متعب لكن تعرف يا بني أن صلاة جمعة ليس هناك عاقل يتركها، فقد ذهبت إليها وحضرتها وأنا في سفر متعب جداً؛ لأنه ليس هناك مسلم يترك صلاة الجمعة فصليت ثم جئت، ثم وأنتم كيف أنتم؟ وكيف أموركم؟ فثق تماماً أن الرسالة قد وصلت، وسيجلّك لأدبك، وسيأتي في أيامه القادمة يخشى أن تطّلع عليه على عورة أو مثلبة، فيقول في نفسه إن لم يكن صلى: الحمد لله الذي ستر عليّ ولم يسألني أبي أصليت أم لم أصلي، ويتداركها فيما سيأتي، وأما إن تجرأ اليوم وكذب فإن السيئة تقول: أختي أختي، وسيأتي بكذبات بعد، وإن تجرأ اليوم وقال: لن أصلي، فإذا انتصر عليك وبينك وبينه مفازات، فماذا ستفعل به أكثر من أن توبخه وتعنِّفه في الهاتف؟ فهي دقائق! ساعات! ثم لا يلبث أن تضع سماعتك، فيصبح الشيء الذي يخشاه قد وقع، وإذا وقع على المرء الشيء الذي يخشاه فلا يضره بعد ذلك أي شيء، فإن من يخشى منك أن تصفعه لا يزال منحياً، فإذا صفعته رفع رأسه. أيتها النفس أجملي الجزع إن الذي تخشين قد وقع هذا استطراد في قول الله ﵎: ﴿قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠]، والكلام عن اليتامى وتربيتهم، وقد تكلمنا فيه كثيراً، وهذا منهج قرآني ندين الله جل وعلا به.

стр. 235

تفسير قوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير) نعود للآيات قال الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٠]، ثم قال ربنا: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١]. كما فعلنا في اللقاء الماضي نزدلف عن النكاح عموماً ثم نفصّل في الآيات في اللقاء القادم، النكاح فطرة جعلها الله في قلوب الناس، وهو سنة عظيمة من سنن الأنبياء، وقد تزوج الأنبياء وتزوج نبينا ﷺ ، وهو من أعظم المباحات، وأهل الصناعة الفقهية يقولون: إن النكاح تجري عليه الأحكام التكليفية الخمسة، فيكون واجباً في أحوال، ومكروهاً في أحوال، ومندوباً في أحوال، ومباحاً في أحوال، ومحرماً في أحوال، وهذا اجتهاد فقهي منهم، لكن من حيث الجملة هو من أعظم المباحات، قالت العرب: سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السلام فإن كان النكاح أحل شيء فإن نكاحها مطراً حرام فطلقها فلست لها بكفء وإلا يعلو مفرقك الحسام فهذه الأبيات فيها عدة شواهد نحوية لكن الذي يعنينا هنا قوله: فإن كان النكاح أحل شيء فإن نكاحها مطراً حرام فالنكاح سنة فطر الله جل وعلا عباده عليها، قال ﷺ : (النكاح من سنتي)، وما تشرئّب إليه أعين الرجال من النساء شيء يطول ذكره، ولا نجد له ضابطاً والنبي ﷺ حدد أربعة معايير، فقال: (تنكح المرأة لجمالها) وهذا سبب عظيم، وقال: (تنكح لحسبها)، وقال: (تنكح لمالها)، وقال: (تنكح لدينها)، ثم أوصى فقال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك). قلت: هذا الكلام يطول، وهو تمهيد للقاء قادم لكن من حيث الجملة لا يمكن جمع الناس على شيء واحد، والأعين المشاهدة تختلف، فقد يزين في عين زيد ما لا يزين في عين عمرو، وأحدهم يقول: تعلقتها شمطاء شاب وليدها وللناس فيما يعشقون مذاهب يعني: لا يستطيع أن يلومني أحد على هذا الحال، ولو علمت أخبار عشاق العرب قديماً لعرفت أن من تعلقوا بهن من النساء لم يكنّ أجمل أهل زمانهم، لكن زينها الله جل وعلا في عينيه؛ وهذا أمر يجب التسليم به، وقد لا يقع من المرأة تسليم هي منها لذلك الآخر وإن كان أعظم، قال المجنون: فيا رب إن صيرت ليلى هي المنى فزني بعينيها كما زينتها ليا وفي الخبر الصحيح أن مغيثاً كان يجري وراء بريرة، فكان قد امتلأ قلبه حباً لها وفتنة وإعجاباً بها، وهي لم تكن ترغب منه في شيء، فلما كلمها فيه النبي ﷺ قالت: هل أنت شفيع أم هذا أمر لا أستطيع رده؟ فأخبرها النبي ﷺ أنه شفيع، فقالت وهي صحابية: لا حاجة لي به، فهو كان يمشي وراءها كما يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الأسواق ويبكي، فهذه أمور بقدر الله، لكن عموماً النكاح من أعظم المباحات، فبه يكثر سواد الأمة، ويُغض البصر، ويُحفظ الفرج، وسيأتي في اللقاء القادم التفصيل لقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:٢٢١]. هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين

стр. 236

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [ فاتحة السورة] مما يعجب المرء له أشد العجب أن يرى الله ﵎ قد أقام الحجج الدامغة، والبراهين المعجزة، والآيات الباهرة، الشاهدة بألوهيته وربوبيته، ثم يجد بعد ذلك كله من يعدل بالله شريكاً قد لا يسمع ولا يبصر، بل ولا يغني عنه شيئاً، وهذا هو الظلم العظيم، والضلال المبين، فلا إله إلا الله، ولا معبود سواه، ولا مألوه إلا هو سبحانه ﷻ .

стр. 237

الكلام على تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى, وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. فهذه أوبة حميدة وعودة مباركة بإذن الله لبرنامجنا ولقاءاتنا الموسومة: بمحاسن التأويل، والتي مضت السنة فيها ولله الحمد والفضل والمنة ونحن نتأمل كلام ربنا جل وعلا، ولا مجلس أعظم ولا ملتقى أشد وأكثر بركة وفضيلة من مجلس وملتقى يتأمل فيه كلام رب العالمين ﷻ ، وقد من الله علينا بفضله ورحمته بالشفاء، وهانحن نعود معكم -أيها المباركون- فنسأل الله جل وعلا ألا يكلنا لأنفسنا طرفة عين، وأن يجعلنا من الشاكرين لنعمته، المثنين عليه ﵎. ونقول: إننا في هذه الأوبة سنشرع في التأمل في سورة الأنعام، وسنأخذها إن شاء الله تعالى في لقاءات تكون أقل وقتاً مما سبق وجرت العادة عليه، فنقول: قال الله جل وعلا وهو أصدق القائلين مستفتحاً سورة الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]. بداية: سورة الأنعام سورة مكية وقد ذكرنا أن الانطلاقة في الوصول إلى أي غاية تبدأ بالعموم، وعما يقال فيها: إنها سورة مكية تظافرت روايات ليس فيهن رواية لها سند صحيح، لكنها متنوعة الطرائق، ولهذا قبلها المفسرون وهي أن السورة نزلت في مكة جملة واحدة وشيعها سبعون ألف ملك، وهذا لا نجزم به، لكن نقول: أكثر أهل العلم من المفسرين عليه، والصناعة الحديثية لا ينبغي أن تطبق بالكامل في مثل هذا المنحى، ما دمنا لم ننسب ولم نرفع إلى النبي ﷺ قولاً.

стр. 238

ذكر السور التي افتتحت بالحمدلة والتي اختتمت كذلك بالحمدلة قال أهل العلم: والسورة هذه أصل في الاحتجاج على المشركين، وقد تضمنت أسلوبين: أسلوب التقرير، وأسلوب التلقين، وسيأتي تفاصيل ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه، استفتحها ربنا جل وعلا بحمده والثناء على ذاته العلية فقال ﷻ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام:١]، وهنا نقول: إنه من باب الاتفاق لا من باب الإلزام جاءت في القرآن خمس سور استفتحهن الله بحمده، وخمس سور ختمهن الله بحمده، فأما الخمس سور التي استفتحهن الله جل وعلا بحمده فهي: سورة الفاتحة، وسورة الأنعام، وسورة الكهف، وسورة سبأ، وسورة فاطر، فهذه السور الخمس افتتحهن جل وعلا بحمده، قال ربنا في الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وقال تباركت أسماؤه في الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام:١]، وقال جل وعلا في الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف:١]، وقال تبارك اسمه في سبأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:١]، وقال جل وعلا في فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١]. وختم خمس سور بحمده: قال جل وعلا في الإسراء: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء:١١١]، وقال جل وعلا في النمل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [النمل:٩٣]، وقال جل وعلا في الصافات: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨١ - ١٨٢]، وقال جل وعلا في الزمر: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥]، وقال جل وعلا في الجاثية: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ﴾ [الجاثية:٣٦]. فهذه خمس سور: الإسراء والنمل والصافات والزمر والجاثية ختمهن الله جل وعلا بحمده ﵎. نعود للسورة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام:١]، أهل الصناعة النحوية يقولون: إن الألف واللام هنا للجنس، فإذا ابتدئ بها تضمنت معنى الحصر، فتصبح الألف واللام في الحمد هنا على سبيل الحصر أي: لا يستحق الحمد أحد غير الله، فإذا قلنا: معنى الحصر أي: لا يستحق الحمد أحد غير الله ﵎، والحمد يمكن تحرير معناه بالقول: أنه ما يصدر من فعل على وجه التعظيم للمنعم، وقولهم: للتعظيم احترازاً من الإهانة؛ لأن الله جل وعلا قال في باب التهكم بمن عصاه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، فهذا ليس فيه حمد ولا إجلال وإنما جرى مجرى التهكم ولهذا قالوا: هو فعل أو قول يصدر على وجه التعظيم للمنعم، ولا يستحق الحمد أحد غير الله، ويمكن صرف الشكر إلى غير الله. قال ﷺ : (من لا يشكر الناس لا يشكر الله). قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، المعنى العام للآية: أن الله ﵎ يثني على ذاته العلية، ويبين أن من عظيم قدرته وجليل حكمته وسعة رحمته خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ومع هذه القرائن الظاهرة والأدلة الباهرة هناك من يجعل معه غيره، أي: يجعل له نظيراً ومثيلاً ونداً وهو صنيع أهل الإشراك، هذا المعنى العام للآية، لكن جرت العادة أننا لا نتوقف عند هذا، بل نبحر في الآية ونستنبط ما فيها، ونحرر المعنى على الوجه التالي: فهم العلماء من الآية: أن الجمع مقابل الإفراد يدل على فضيلة الفرد، ودليلهم: أن الله جمع الظلمات وأفرد النور، ومما يؤيده في أسلوب القرآن: قول الله جل وعلا في سورة النحل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ﴾ [النحل:٤٨]، أفردها، ﴿وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل:٤٨]، فجمع الشمائل مع الاتفاق على فضل اليمين على الشمال. هذه واحدة. ثم اختلف العلماء هنا في معنى كلمة: يعدل، وهو فعلها الأصلي، عدل -أيها المبارك- تأتي على معنيين إذا قلنا عدل عن الشيء أي: مال عنه وانحرف، وإذا قلنا: عدل به أي: ساواه بغيره، فأي المعنيين أراده الله مبدئياً حتى لا تتحمل ثقلاً على ظهرك وتخشى أن تقع في محظور؟ أي المعنيين اخترت فهو صحيح؛ لأن أهل الإشراك عدلوا عن عبادة الله إلى عبادة غيره، وهذا هو المعنى الأول. وعدلوا مع الله غيره بأن جعلوا له شركاء وأنداداً فكلا الأمرين وقعا من أهل الإشراك، ولا ريب أن الإنسان إذا خشي أن يقع في محظور دفعه هذا إلى التقدم والمجازفة في الكلام؛ لأنه أمن الوقوع في المحظور، لكن تحرير الكلام علمياً يأتي على كلمة ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:١] فالباء هنا: هل هي للإلصاق أو بمعنى عن؟ فإذا أخذنا أن عدل بمعنى: انحرف ومال، فستصبح بمعنى: ثم الذين كفروا عن ربهم يعدلون. وقد جاء في القرآن وفي كلام العرب: أن الباء تأتي بمعنى عن، قال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج:١]، والمعنى: سأل سائل عن عذاب واقع، فالباء هنا بمعنى عن، وجاء في لغة العرب قول عنترة الشاعر الجاهلي المعروف: هلا سألت الخيل يا ابنة مالك وهي عبلة محبوبته وابنة عمه. إن كنت جاهلة بما لم تعلم وجاهلة خبر لكان، بما لم تعلم أي: عما لم تعلم، أي بمعنى: عن، وهو الذي نبحث عنه الآن.

стр. 239

أثر الإسلام على الشعر العربي إذا خرجنا عن هذا الشاهد قليلاً من باب السياحة الثقافية نقول: إنك تلحظ في بيت الشعر هنا الشعور بالخصوصية وعنترة يتكلم عن نفسه، ولهذا قال في نفس المعلقة: ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم وهذه الفردية والأنانية كانت ذائعة عند الجاهليين، فلما جاء الإسلام أثر في الخطاب الشعري عند العرب، ولهذا جاء في أبيات حسان: عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء وقوله: فإما تعرضوا عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء وقوله: وجبريل أمين الله فينا فروح الجماعة والاتحاد والإخاء موجودة في شعر حسان خلافاً لما كان عليه شعر الجاهليين، وهذا من أثر الإسلام على العرب، ونقلهم من حياة الجاهلية الفردية إلى حياة الإخاء والإخوة في الإسلام سياحة ثقافية بعض الشيء. قال : ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، فعدل إذا قلنا: إنها بمعنى: مال وانحرف تصبح الباء بمعنى عن، وإذا قلنا: إنها بمعنى: الإشراك أي: يجعلون مع الله نداً فتبقى الباء على أصلها، وهناك فرقة خرجت عن المألوف الذي عليه أهل الإشراك، فأهل الإشراك وإن كانوا يعبدون مع الله غيره إلا أنهم يعترفون أن الخالق والرازق هو الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، هذا الأصل في أهل الإشراك فشركهم شرك عبادة، وليس شرك ربوبية، لكن ليس هذا حال جميع أهل الكفر، فهناك فرقة تسمى: المانوية، وهي في العراق أكثر ظهوراً، وهؤلاء ينسبون كل خير إلى النور، وينسبون كل شر وأذى إلى الظلمة، ولا يقولون بوجود الله، وأحياناً يرد عليهم، لكن ليس كل من يرد عليهم ينتصر لعقيدته، وإنما بعض الناس يحكي تجاربه: فـ المتنبي يرد عليهم بقوله: وكم لظلام الليل عندك من يد تُخبِّر أن المانوية تكذب هو أراد أن يقول: كم من نعمة حصل عليها في الليل وكان الليل شفيعاً له في النجاة من محظور، فهو بالتجربة يقول: إن هذه التجارب التي عشتها وعاشرتها تخبر أن ادعاء المانوية: أن الظلمة سبب كل شر لا أصل له، فـ المتنبي رد عليهم لكن من منطلق ذاتي وليس من منطلق عقدي، ومشكلة المتنبي أنه يخرج أو يبعث شعره أو يتكلم من مشكاة نفسه لا من مشكاة معتقدات دينية يحملها، وإنما ما تمليه عليه تجاربه أو ما تمليه عليه قراءته فيقولها للناس.

стр. 240

تأثر العرب والمسلمين بحضارة اليونان وتأثيرها على علومهم وأنت تعلم -أيها المبارك- أن الترجمة جاء ذكرها في أيام العباسيين لكن العرب عندما ترجموا عن الكتب اليونانية أكثر ما عنوا به: علم المنطق، وما يعنى بالأدب، فلهذا استفاد الأدباء من تجارب اليونان فظهر في شعرهم ذلك وهو في شعر المتنبي أظهر، واستفاد النحاة في تحرير النحو وتقسيمه ونشوئه من علم المنطق الذي أخذوه عن اليونانيين، فارتقى علم النحو وساد وتفرعت مدارسه، وأغفل العرب آنذاك عمداً أو جهلاً علمين في النقل عن اليونانيين كانا شائعين في الحضارة اليونانية: وهما الفن والسياسة، فلم يترجموا شيئاً في السياسة، ولم يترجموا شيئاً في الفن، ولهذا فالحضارة العباسية بقيت ضعيفة في قضية السياسة؛ لأن علم السياسة لم يؤخذ من اليونانيين، ولم يترجم، فما ارتفعت حياة العرب السياسية في عهد العباسيين، ولهذا لما جاء هولاكو لم يجد دولة قائمة على سوقها لا خليفة يأمر وينهى، ولا جيش منظم يدافع، وإنما هي الخيانة؛ وزير ينتمي إلى مذهب الرافضة تضيع دولة بأكملها بسببه، ولو كانت هناك قوة سياسية منظمة لما أمكن لهم ذلك، ومن أسباب عدم الارتقاء السياسي أمران: أولاً: عدم اللجوء إلى الاستفادة من أحداث الصدر الأول وهذا السواد الأعظم. والأمر الثاني: عدم الاستفادة من الحضارة اليونانية في علم السياسة، أما الفن فخيراً فعلوا في أنهم لم ينقلوا ولم يترجموا تقدم اليونانيين فنياً. هذا استطراد دخلنا فيه من باب قول الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]، وذكرنا أن المانوية فرقة تؤمن بأن الظلمة أصل كل شر، وأن النور أصل كل خير. على التعريج بالظلمة والنور أهل الشرع الباحثون في كلام الله -جعلنا الله وإياكم منهم- يقولون: إن الله جل وعلا خلق الليل قبل النهار، واستدلوا بآية يس، قال الله ﵎: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس:٣٧]، فأخبر الله جل وعلا أن الليل هو الأصل في النهار، وأن النهار مأخوذ منه، لكن الآية التي بين أيدينا الآن في سورة الأنعام لا تدل على هذا، بل تدل على الاقتران، قال الله ﵎: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، (ثم) المستقر ذهنياً وفق صناعة النحو أنها: للتراخي، تقول: حضر عبد الرحمن ثم طارق فهذا تراخ زمني، لكن العلماء يقولون هنا: ليس المقصود منه التراخي الزمني؛ لأن هناك بوناً شاسعاً بين خلق السموات والأرض وبين كفر كفار قريش؛ لأن كفار قريش آخر الأمم، والله جل وعلا خلق السموات والأرض قبل أن يخلق أبانا آدم، فجاء على هذا: أن التراخي هنا المقصود به التراخي بين الرتبتين، أي: على طريق الاستبعاد، بمعنى: أن الآيات ظاهرة، والدلائل قائمة، والشواهد واضحة، في أن الله لا ينبغي أن يعبد معه غيره، ثم مع هذا الظهور الجلي الواضح يأتي أهل الإشراك فيعدلون مع الله غيره أو يعدلون عن عبادة ربهم، فالتراخي هنا للتراخي بين رتبتين، وليس للتراخي الزمني، وإن كانت تتضمن التراخي الزمني لزاماً؛ لأن هناك تراخ زمني كبير ما بين خلق السموات والأرض وكفر كفار قريش.

стр. 241

معنى كلمة (جعل) في القرآن قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، قلنا: إن يعدل هنا تأتي بالمعنيين، وقلنا: إنه لا حرج في اتخاذ أحد هذين المذهبين، كذلك في قوله ﵎: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١]، هنا جعل بمعنى: خلق، لكنها ليست دليلاً للمعتزلة في: أن جعل تأتي بمعنى: خلق على الإطلاق، وهذا حررناه في لقاءات سابقة، لأن المعتزلة الفرقة المعروفة تقول: إن جعل في القرآن كله بمعنى: خلق، وهذا مما يحاولون به الوصول إلى أن القرآن مخلوق، والقرآن قطعاً منزل، لكن جعل تأتي أحياناً بمعنى: خلق، وتأتي أحياناً بغير معنى خلق، قال الله ﵎: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩]، فهذه ليست بمعنى خلق اتفاقاً، فلا يمكن لأهل الكفر أن يكونوا خالقين للملائكة، لكنهم اعتقدوا هنا أن الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، فقول الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] إنما هو تفنن في الخطاب، وإلا فخلق السموات والأرض هو عين خلق الظلمات والنور. هذا ما تحرر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، حول الآية الأولى التي افتتح الله جل وعلا بها سورة الأنعام. سائلاً الله لي ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله، لحمد لله رب العالمين.

стр. 242

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [٢ - ٣] يبين الله جل وعلا في هذه الآيات عظم جحود المشركين وكفرهم، ويذكرهم بأصل خلقهم، وأنه التراب، ويذكرهم بالآجال التي يتبعها البعث والنشور، ويذكرهم بعلمه المحيط بالسماوات والأرض، وأنه إله من في السماء وإله من في الأرض، ثم يأبى هؤلاء إلا أن يشكوا في قدرة الله وقوته على البعث والحساب، بل ويشركون معه من لا يسمع ولا يعقل ولا يغني لهم شيئاً.

стр. 243

تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من طين ثم أنتم تمترون) الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا اللقاء الثاني المخصص لسورة الأنعام: وكنا قد تحدثنا في اللقاء الأول عن فاتحة السورة، وهي قول الله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]. فالآية الأولى هذه كانت تتحدث عن إثبات الألوهية، ثم انتقلت الآيات الآن إلى إثبات غرض آخر مما يتعلق بعقائد الناس وهو: البعث والنشور، قال الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام:٢]. وهذا انتقال إلى غرض آخر تريد السورة إثباته وإقامة الحجة به على أهل الإشراك وهو: البعث والنشور. بقي في اللقاء الأول: أن نعرج على كلمة (يعدل)، وقد تحدثنا عنها تفصيلاً لكن ينبغي أن تعلم -أيها المبارك- أن كلمة (يعدل) بمعنى: يوازي ويماثل ويجعله نداً، فإذا كنا نتكلم عن مثيل من نفس الجنس فإنها تكسر فيقال: (عِدل)، ومنه قول مهلهل ربيعة يعير قاتلت أخاه كليباً: على أن ليس عدلاً من كليب أي: لا مثيل لـ كليب من جنسه. أما إذا فتحنا العين وقلنا: (عدل)، فلا يقصد بها المثيل من الجنس، وإنما يقصد بها: الفدية، والله جل وعلا ذكر الصيد، وأنه محرم في حال الإحرام، ثم قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة:٩٥] ففتح العين؛ لأن الصيام ليس من جنس الصيد، ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة:٤٨] أي: ولا يؤخذ منها فدية. ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام:٢]، هنا يمتن الله جل وعلا عليهم وهو يحاورهم في قضية: إنكارهم للبعث والنشور، قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام:٢] نأن، والخلق في القرآن على ضربين: إما تذكير بخلق آدم، وهنا يقول: (خلقكم من طين)، أي: من تراب من صلصال، وأحياناً يتكلم عن الإنسان الناشئ عن أبيه آدم، فيتكلم الخلق عن ماء أو عن نطفة، فيأتي الله بذكر الخلق عن ماء أو عن نطفة. لكن ما السر في قول الله تعالى هنا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام:٢] نأن. قلنا: إن الغاية من الآية: إثبات البعث والنشور، وأهل الإشراك يستبعدون إذا أصبحوا تراباً أن يبعثوا، فذكرهم ربهم ﵎ بأن أصل خلقهم من الطين، فهذا الطين أو التراب الذي تزعمون أننا نعجز أن نعيدكم منه نحن خلقناكم منه أصلاً، قال تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق:١٥]. وقد حررنا في دروس مضت، وأيام خلت الكثير من قضايا البعث والنشور، مما لا حاجة إلى تكراره، لكن نؤكد هنا على قضية السر في إيراد كلمة (طين). قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام:٢]، وقد مر معنا: أن آدم ﵇ مر ثلاث مراحل: خلق من تراب، ثم مزج هذا التراب بالماء فأصبح طيناً، ثم ترك هذا الطين حتى يبس فأصبح فخاراً، وهي: المرحلة الفخارية، فهي ثلاث مراحل مر بها خلق أبينا آدم ﵇. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام:٢]، هنا ذكر الله أجلين اختلف العلماء في تحديدهما، وجمهور أهل التفسير على أن الأجل الأول في الآية: هو الموت. والأجل الثاني: هو المدة ما بين الموت إلى البعث والنشور. وقال آخرون: إن المقصود بالأجل الأول: النوم. والأجل الثاني: الموت. وهذا القول حكاه ابن كثير وعقب عليه بقوله: وهذا قول غريب. قال: (ثم قضى أجلاً) أكثر أهل التفسير: يرى أن (قضى) هنا بمعنى: قدر وحكم، واعترض الطاهر بن عاشور رحمة الله تعالى عليه في (التحليل والتنوير) على هذا المفهوم وقال: إن قضى هنا بمعنى: أنهى وأمات، وقوله وأدلته أظهر من قول من سبقه؛ لأن التقدير إن لم يكن مقترناً بالخلق فهو سابق عليه، والآية هنا لا تشعر بهذا؛ لأن الله قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ [الأنعام:٢]. فجعل التقدير -على اعتبار أن قضى بمعنى: قدر- متأخراً عن الخلق، وهذا غير مقبول، فما ذهب إليه ابن عاشور رحمة الله تعالى عليه أقرب إلى الصواب، فجعل قضى هنا بمعنى: أنهى، واستدل بإتيان مثل هذا في القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ [سبأ:١٤]، أي: أنهيناه بالموت، والمعنى هنا يستقيم مع الآية: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام:٢]، و (عند) هنا: تفيد الحصر، والضمير عائد على ربنا جل وعلا، والمعنى: أن هذا الأجل الثاني لا يعلمه أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل. مثاله: عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، صحابي جليل، كان سنه عند موته ٦٣عاماً؛ وهذا لا يخفى على أحد، فكلنا نعرف بعد موت عمر أن أجله كان ٦٣عاماً؛ فلهذا لم يقل الله في الأجل الأول: إنه عنده؛ لأنه أصبح ظاهراً للناس، لكننا لا نعلم أجله الثاني، من موته إلى قيام الساعة، فهذا أمر أخفاه الله عنا واستأثر بعلمه، وبهذا يتحرر معنى قوله سبحانه: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ [الأنعام:٢]. ثم انتقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب، وهذا يسمى: التفافاً في الصناعة البلاغية، قال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام:٢]، لكن ينبغي أن تقيد أن قول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام:٢] من الامتراء وهو: الشك، وليست من المماراة: وهي الجدال والمحاورة، والمعنى: أنكم مع خلقي لكم من طين، وجعلي الأجلين لكم، ما زلتم تشكون في مسألة البعث والنشور، وعدم الإيمان بالبعث والنشور من أعظم ما تلبس به أهل الإشراك: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧].

стр. 244

تفسير قوله تعالى: (وهو الله في السموات والأرض ويعلم ما تكسبون) ثم نأتي إلى آية من متشابه القرآن حيث يقول الله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:٣]، الأصل: أننا نؤمن أن الله جل وعلا له علو ذاتي، وأنه ﵎ مستو على عرشه، بائن من خلقه، قال العلامة ابن عثيمين رحمة الله تعالى عليه: أجمع السلف على إثبات علو الذات لله، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وللعلماء في الآية ثلاثة أقوال: القول الأول: أن معنى الآية: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣]، أي: وهو المألوه المعبود في السماء والأرض، أي: يعبده أهل السماء وأهل الأرض، وهذا القول عليه جماهير أهل التفسير، ورجحه العلامة الشنقيطي في أضواء البيان، واختاره من قبله الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن. ومن الآيات التي تؤيد هذا المعنى: قول الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، أي: هو إله من في السماء وإله من في الآرض. القول الثاني -واختاره النحاس النحوي المعروف- يقول: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣] أي: في السموات وفي الأرض، فجعلها متعلقة بـ (يعلم)، فيصبح معنى الآية: وهو الله يعلم سركم في السموات وفي الأرض. قال النحاس: وهذا أفضل ما يقال في الآية، لكننا قلنا: إن الجمهور على خلاف ذلك. ومما يؤيد هذا المعنى من القرآن: قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفرقان:٦]. القول الثالث -وهذا اختيار إمام المفسرين: ابن جرير رحمة الله تعالى عليه- يقول: إن هناك وقفاً تاماً عند قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الأنعام:٣]، ثم نستأنف: ﴿وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣]، يعني: يعلم سركم وجهركم في الأرض، رغم أنه مستو على عرشه في السماء، ومن أدلة هذا القول: قول الله ﵎: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦]. نعود فنقول: ذهب الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه إلى القول الأول، لكنه استشهد على صحة الأقوال بما ذكرناه من الآيات، ونحن نقول، إن هذه الطريقة غير صحيحة؛ بصحة ما ذهب إليه هؤلاء الكبار، لكن لا يلزم من صحة المعنى صحة الطريقة، كمن تعطيه مسألة في الرياضيات فيأتيك بالحل، لكنه لم يتخذ الطريقة الصحيحة، فأنت تقر له بأن الحل صحيح، لكنك لا تقر له بصحة الطريقة، فنقول: إن المسلك الذي سلكوه فيه نوع من التكلف، والأصل: بقاء الآية على معناها الظاهر الذي يتبادر أول الأمر، والعجب أن ابن جرير رحمة الله تعالى عليه ممن يأخذ بظواهر الآيات أولاً، ومع ذلك لجأ في هذه المسألة إلى القول بالوقف التام في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الأنعام:٣]. نعود فنقول: إن المعنى الحقيقي للآية في ظننا: أن الله جل وعلا إله من في السماء، وإله من في الأرض، لكن هذا المنحى يدخل على مستوعب التفسير إشكالاً يجب الرد عليه: وهو أننا قلنا في مثل قول الله تعالى في سور كثيرة: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]: إن ذكر اليسر نكرة مرتين يدل على أن هذا اليسر خلاف اليسر الأول، وأنتم تقولون: إن النكرة إذا تكررت تغايرت، ثم من القواعد المشتهرة -كما قال السيوطي في منظومته- أن النكرة إذا تكررت تغايرت، فعلى هذا المعنى يكون قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، دالاً على وجود إلهين وليس إلهاً واحداً؟ فنقول: لا يلزمنا هذا أبداً؛ لوجود الأصل العام أولاً وهو أن الله إله واحد. والأمر الثاني: أن القاعدة تقول: إن هذا تغير في الصفات لا في الذوات، قال ربنا يثني على نفسه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]. ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:٢]. وقال: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٣]، فليست الصفات صفات لغير الله، وإنما هي صفة لله، لكنها صفة أخرى لغير الله، فيحتاط المرء عندما يفهم أن التغاير يكون في الصفات لا في الذوات. قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:٣]، سركم أي: ما تخفون، وجهركم أي: ما تظهر الجوارح، وما تكسبون، الكسب: هو ما يقع حقيقة من فعل أو قول، وحتى تتضح الصورة يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤]، ثم قال: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤]، ولم يقل: وما تدري نفس ماذا تعمل غداً؛ لأن الإنسان يبيت سلفاً ما سيعمله، لكنه يجهل إمكانية وقوع هذا العمل الذي بيته، هذا الذي يجهله الإنسان ولا يعلمه إلا الله، فنحن قبل أن نصل إلى هنا مدركون منذ البارحة أو قبلها بأيام أننا إن شاء الله سنلتقي هاهنا لنؤدي هذه الحلقة المباركة، هذا عمل، لكن حصوله يعد كسباً لا عملاً، فما تضمره السرائر، وتكنه الضمائر يعلمه الله، ويعلم كذلك إن كان هذا الذي أكننته سيقع أم لا؛ ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:٣]. وقد مر معنا: أن الله يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون، ويعلم جل وعلا ما لم يكن لو كان كيف يكون. والمقصود من هذا كله: إظهار قدرة الله، أما الآية الأولى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام:٢] ففيها: إقامة الحجة على أهل الإشراك في قضية البعث والنشور، وقد حررنا أن الله ذكر الطين حتى يذكرهم بأصل خلقتهم. مما يمكن اقتباسه من الآيات: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ * وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:٢ - ٣]: أن الإنسان كلما ازداد علماً ومعرفة بعظمة ربه جل وعلا كان أقدر على طاعته، وأبعد عن معصيته، وقد حررنا هذا الكلام مراراً في دروس سلفت، وأيام خلت، لكن التأكيد عليه من أعظم اللوازم؛ فليس المقصود من تفسير القرآن: إظهار القدرات، وبيان ما يملكه الإنسان من ملكات، لكن القرآن في المقام الأول واعظ وهاد إلى أعظم سبيل، فأحياناً ينبغي على الإنسان أن يفرق ما بين الشيء نفسه والغاية من الشيء، مثاله: النبي ﷺ مدحه ربه، ومدحه الخلق، لكن مدح الخلق للنبي ﷺ ليس بزائد في مدحه ﷺ شيئاً؛ إذ يكفيه مدح ربه له ﷺ ، لكن ينجم عن هذا: أن هؤلاء الناس الذين مدحوه ﷺ هم أنفسهم ينتفعون. فالإنسان إذا قدر له أن يعطى علما جماً في علم الآلة ينبغي أن يوظف ذلك العلم في إظهاره للناس، ثم لا ينسى الحقيقة الهامة، والغاية الجليلة من الأمر، وهي: أنه يجب أن تكون تلك الملكات سائقة له -قبل أن يعلم الناس- إلى أن ينتفع بالقرآن. لو كان في العلم غير التقى شرفاً لكان أشرف خلق الله إبليس والله نعى على أهل الكفر: أنهم يعلمون -كاليهود مثلاً- لكنهم لا ينتفعون بعلمهم، نفعنا الله وإياكم بما نقول. هذا ما تحرر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وصل الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 245

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [٤ - ٩] يذكر الله تعالى نبأ الكفار الذين عميت قلوبهم عن إبصار الحق فأعرضوا عن آياته وكذبوا بالحق لما جاءهم، واقترحوا على رسول الله ما ظنوا أنه معجز له عن الإتيان به، وكل هذا سببه تأصل العناد في قلوبهم، وحيادهم عن طلب الحقيقة بالتجرد إلى الإصرار على الباطل، وقد توعدهم الله تعالى مجازاتهم على صنيعهم مذكراً لهم بحال من سبق من المكذبين وعاقبتهم، وما هؤلاء بأكرم على الله منهم.

стр. 246

تفسير قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحمن على العرش استوى. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن على أثارهم اقتفى، وبعد: فهذا هو الدرس الثالث حول سورة الأنعام المباركة التي ذكر المفسرون أنها نزلت جملة واحدة. فنقول مستعينين بالله جل وعلا: قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأنعام:٤ - ٥]. هذا إخبار عن حال أهل الإشراك، والسورة مكية تصور حال أهل مكة، و (ما) في قوله تعالى: ﴿َمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:٤] نافية. وذكرت (من) هنا مرتين، حيث قال تعالى: ﴿َمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:٤]. وأما (من) الأولى فهي لاستغراق الجنس، أي: للعموم. وأما الثانية فتبعيضية. ومن تلك الآيات انشقاق القمر. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام:٤] أي: إننا أظهرنا لهم الآيات، ومن أعظمها القرآن، ومنها انشقاق القمر، فكانوا عنها معرضين، أي: أعرض أهل مكة عنها، وهذه ظاهرة المعنى.

стр. 247

تفسير قوله تعالى: (فقد كذبوا بالحق لما جاءهم) قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [الأنعام:٥] فبصنيعهم هذا ردوا الحق وهو ظاهر بين ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأنعام:٥]. و (سوف) هنا للتراخي؛ لأنا للمستقبل البعيد، وهذا من وعيد الله لهم بالهلاك في الدنيا والآخرة، أو بالثبور في الدنيا والآخرة، وقد وقع هذا يوم أحد، ووقع يوم الفتح، ويوم بدر، وسيقع أعظم منه وأشد لمن مات كافراً يوم القيامة. والنبأ في اللغة: الخبر المفجع الذي تفزع منه النفس، وجمع الأنباء ليعلموا أن الله جل وعلا أخفى لهم شتى أنواع الهلاك.

стр. 248

تفسير قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن) ثم قال الله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٦]. الهمزة هنا للاستفهام اتفاقاً، ولكن اختلفوا في الغرض من الاستفهام هنا. فقال بعضهم: إن الاستفهام هنا إنكاري، وهذا القول ذهب إليه الشوكاني رحمه الله تعالى في فتح القدير، وهو خلاف الصواب. والصواب أن الاستفهام هنا استفهام تقريري من جنس قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١]؛ لأن الاستفهام إذا دخل على نفي يفيد التقرير، و (لم) نافية بالاتفاق. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ [الأنعام:٦] معناه: ألم يعلموا، وليست رأى هنا هي البصرية، ومعلوم أن (رأى) إذا جاءت بمعنى (علم)، فهي من أخوات ظن. وأما إذا جاءت (رأى) بمعنى (أبصر بعيني رأسه) فإنها تتعدى إلى مفعول واحد، وأما الأولى فهي بمعنى (علم)، من أخوات ظن، تدخل على الجملة الاسمية فتنصب المبتدأ والخبر، وكلاهما يسمى مفعولا لها. ولقرينة على أنها علمية وليست بصرية أننا نعلم جميعاً أن الله جل وعلا قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام:٦]، وأن القرشيين لم يروا بأم أعينهم هلاك الأمم قبلهم، فلما انتفى الثاني وجب صرفها إلى الأول. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ [الأنعام:٦] (كم) هنا خبرية، وليست استفهامية. و (كم) الاستفهامية تحتاج إلى جواب، وأما (كم) الخبرية فلا تحتاج إلى جواب، وإنما يراد بها الكثرة، قال الفرزدق يهجوا جريراً: كم خالة لك يا جرير وعمة فدعاء قد حلبت علي عشاري قصد بها الكثرة ولم يقصد جواباً من جرير على سؤاله.

стр. 249

بيان معنى القرن قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام:٦]. كلمة (قرن)، فيها قولان: الأول: أن المراد بها المدة الزمنية، ومن قالوا بهذا اختلفوا في تحديد هذه المدة، فالأشهر على أنها مائة عام، وقال آخرون: إنها ثمانون، وقال آخرون: إنها ستون. والقول الثاني: أن القرن كل قوم عاشوا في عصر واحد طال أو قصر، فهم كل قوم عاشوا مقترنين مع بعضهم في عصر واحد، طال هذا العصر أو قصر، ومن الأدلة على صحة هذه القول قوله ﷺ : (خير القرون قرن) يقصد من عاش معه، ومعلوم أن النبي ﷺ لم يعش في عمره كله إلا ثلاثة وستين عاماً، منها ثلاثة وعشرون عاماً كان فيها نبياً ورسولا، فهذا معنى قوله ﷺ : (خير القرون قرني). فالله تعالى هنا يقول: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [الأنعام:٦]. والمقصود أهل القرن، وهذا مما يسميه بعض البلاغيين بالمجاز المرسل، ويجعلون له علاقات.

стр. 250

بيان معنى قوله تعالى (مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم) قال تعالى: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام:٦] أي: تلك القرون ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام:٦]، أي: يا أهل مكة، وزيادة على ذلك ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأنعام:٦]، أي: على تلك القرون التي أهلكناها ﴿مِدْرَارًا﴾ [الأنعام:٦]. وهذا إيضاح بأن حال تلك القرون كان من حيث المعيشة الظاهرة أفضل من حال أهل مكة؛ لأن مكة بلد شحيح المطر ﴿وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ [الأنعام:٦] ومكة بلد جبلي.
следующие страницы →