← Тафсир

Тафсир · id 37455

سلسلة محاسن التأويل - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (789 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

تفسير قوله تعالى: (وإن كان كبر عليك إعراضهم) ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ﴾ [الأنعام:٣٥] أي: عظم وشق ﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾ [الأنعام:٣٥] أي: إعراض أهل الكفر، حيث كانوا يطالبونه بالآيات، فالله يقول له: ليست القضية قضية آيات، فهؤلاء كتب أزلاً أنهم لن يؤمنوا، فقال الله لنبيه: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]. والنفق: السرب في الأرض، والسلم في اللغة المصعد والمرقاة. والآية تدلل على عظيم شفقة النبي ﷺ بأمته، وحرصه على هداية الناس، فالله جل وعلا يقول له: إن استطعت ذلك فافعل، ولو فعلت فلن يجدي ذلك شيئاً؛ لأن الله قد كتب عليهم الكفر، وهذه الآية مر معنا نظيرها، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام:٢٥]، ولكنها تبين حرصه ﷺ وشفقته بأمته.

стр. 317

بيان معنى قوله تعالى (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام:٣٥] هذا كله من تأديب الله لنبيه، فالله اقتضت حكمته ومشيئته أنه لا يمكن أن يؤمن الناس جميعاً، ولو أراد الله أن يؤمن الناس جميعاً لجمعهم على الهدى. إذاً: أنخ مطاياك، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، وكن على بينة من أنه لابد من أن يكون في الناس مؤمن وكافر وعاص وطائع، وبر وفاجر، والإنسان العاقل ينظر إلى ما حوله بعين القدر وبعين الشرع، فبعين الشرع يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وبعين القدر يعلم أن الله جل وعلا قد كتب أنه لابد من أن يكون في النار كافر ومؤمن، وقد أمر عمر بن عبد العزيز بتنقيص الجباية عن أهل الذمة، فكتب له الوالي: إن هذا يضر ببيت مال المسلمين، فقال: إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً. فكتب إليه مرة أخرى فكتب عمر: إن عمر ليعلم أنه أحقر عند الله من أن يهدي الخلق كلهم على يديه. وهذا يمنح الإنسان سكينة وعدم انفعال وهو يدعو إلى الله جل وعلا.

стр. 318

بيان معنى قوله تعالى (فلا تكونن من الجاهلين) ثم قال الله: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]، ولم يقل: فلا تكن جاهلاً، والمعنى: إظهار كرامة النبي ﷺ عند ربه، ولطف مخاطبة الله جل وعلا لنبيه ﷺ ، فإذا جمعت هذا مع ما سلف من حرصه ﷺ وشفقته بأمته تبين لك أنه ﵊ لا يمكن أن يضره بعد مدح الله وملاطفته له ما يقوله أهل الكفر فيه، سواء ممن سبق وأدرك حياته ﷺ ككفار قريش، أو من تراه في عصرنا هذا، فكل يوم ينعق في إحدى الدول ناعق. والله لن يصلوا إليك ولا إلى ذرات رمل من تراب خطاكا كنت الخشاش على الثرى ومقامكم مثل السماء فمن يطول سماكا وإذا كان مدح الناس له ﷺ لا يحتاج إليه لأن الله مدحه، فكيف يضره ذم الناس؟! والله جل وعلا قد عصمه. وهنا مسألة عقدية، وهي أن الله جل وعلا لا يضره ذم أحد ولا ينفعه مدح أحد ولا طاعته؛ لأن الله استغنى بذاته ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، والنبي ﷺ لا ينفعه مدح أحد ولا يضره ذم أحد، وليس ذلك لذاته، بل لأن الله جل وعلا مدحه، ولأن الله جل وعلا حماه، فماذا سيقول المادحون فيه وقد مدحه الله؟! وماذا سيذمه الناس وقد عصمه الله، وقال له: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥]؟! فالله جل وعلا لا يبلغ مدحه قول قائل، ولا يجزي بآلائه أحد؛ لأن الله هو الغني الحميد.

стр. 319

ضرورة الأدب في مخاطبة الآخرين يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥]، ولم يقل تعالى: ولا تكونن جاهلاً. وعلى هذا ينبغي على الإنسان أنه إذا خاطب غيره، خاصة من يحب عليه أن يتأدب في الخطاب معه، والمعلومة قد تكون واحدة، لكن سياقها للناس قد يكون مختلفاً. ولذلك يروى أن ملكاً رأى في رؤيا أن أسنانه جميعاً سقطت، فاستدعى معبراً، فجاءه المعبر فقال: ماذا تقول؟ فقال: كل أهلك يموتون. فاشتاط غضباً، ثم قال: هل من معبر آخر، فجيء بمعبر آخر، فقال: هنيئاً لك طول العمر يا أمير المؤمنين، أنت آخر أهلك موتاً، والمعنى واحد، ولكن العبارة اختلفت.

стр. 320

أهمية التأني في الحكم على الخطاب ويستفاد من الآية أن الإنسان يجب أن يعرف مراد المتكلم قبل أن يتعجل في الحكم؛ لأن الحكم ببادي الرأي لا يصلح، فأحد العرب ضاعت غنمه فقال: (يا رب سلط عليها الذئب والضبع)، فهل دعا لها أم دعا عليها؟ وهنا يقف الإنسان بهدوء، فيقول: إن كان قد قصد أن يسلط عليها الذئب والضبع في وقت واحد فقد دعا لها؛ لأن الذئب والضبع لا يتفقان، فيدفع كل منهما الآخر، فإذا التقيا والغنم حاضرة تدافعا وهلكا ونجت الغنم، وإن قصد أن يسلط عليها الذئب والضبع متفرقين فقد دعا عليها بالهلاك والثبور. فكل عاقل يلقى عليه خطاب يجب عليه أن يتأتى فيه. وهنا فائدة لغوية، وهي أن العرب لها نظم لا يختل وسنن لا تتبدل في طريقة تقديمها الذكر على الأنثى، فهم يقولون: القمران، يقصدون الشمس والقمر، وإنما قالوا: القمران؛ لأن القمر مذكر والشمس مؤنث؛ إلا في حالتين قدموا فيهما الأنثى على الذكر، وهذا من نفائس العلم: الأولى: فإذا ثنوا الضبع، فيقدمون الأنثى على الذكر؛ لأن الضبع اسم للأنثى، والذكر يقال له: ضبعان، فإذا ثنو على اسم الذكر اجتمعت الألف والنون مرتين، فاسمه ضبعان وهو فرد، فكيف إذا ثني؟! فتحرجوا من هذا التكرار، ولجئوا إلى تثنيته على اسم الأنثى، فقالوا: ضبعان ويقصدون الذكر والأنثى، فاختاروا اسم الأنثى، ولم يختاروا اسم الذكر، فاختل هنا نظم كلامهم في أنهم يقدمون الذكر على الأنثى. الحالة الثانية: في التاريخ، فإنهم يقدمون ويؤرخون بالليلة دون اليوم؛ لأن الليلة تسبق اليوم. هذا ما تحرر إيراده وتهيأ إعداده وأعان الله على قوله. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 321

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [٦٥ - ٦٦] لقد بين الله تعالى في كتابه الكريم عظيم قدرته على هلاك الأمم وعذابها، ولذا أشفق النبي ﷺ على أمته من ذلك، فدعا الله تعالى ألا يصيب أمته بعذاب استئصال فأجابه، ومنع الله تعالى إجابته في دعوته بألا يصيب الله أمته بعذاب إذاقة بعضهم بأس بعض، فوقع في الأمة أحداث قتل عظيمة ولا زالت تقع إلى يومنا هذا. كما بين تعالى في كتابه الكريم موقف كفار قريش مما جاء به رسوله ﷺ وهو التكذيب، آمراً نبيه بأن يعلن أنه ليس عليه إلا البلاغ، وعلى الله الحساب.

стр. 322

تفسير قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو الدرس الثاني عشر في تأملات في سورة الأنعام؛ إلا أن الأحد عشر درساً التي مضت كنا نتوخى فيها ترتيب الآيات في السورة، أي: أننا نعرج على جميع الآيات دون استثناء. أما في هذه المرحلة من التأملات فإنه قد تبين لنا مما سلف أن السورة تعنى بالجانب العقدي، وأن التوحيد أصل عظيم فيها كما هو أصل الدين، وعلى هذا فإننا سنختار بعض الآيات التي سنتأمل فيها ولا نلتزم الترتيب في عرضها، والآيات التي سيكون فيها درسنا -بإذن الله تعالى- هي قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ * وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام:٦٥ - ٦٦]. وينبغي أن تعلم أن لله جل وعلا قضاء كونياً قدرياً، وقضاء شرعياً، وقد يجتمعان في آن واحد، ولكن لا يلزم اجتماعهما.

стр. 323

ذكر مناسبة الآية لما قبلها ومناسبة الآية لما قبلها أن الله جل وعلا ذكر في الآيتين السابقتين لطفه وكشفه لكربات من يسأله فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٦٤]، فلما ذكر الله لطفه ذكر الله هنا عظيم قدرته.

стр. 324

ذكر صنيع النبي ﷺ عند تلاوة جبريل الآية عليه وقد ثبت أن النبي ﷺ لما قرأ عليه جبريل هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: (أعوذ بوجهه) أي: استعاذ بوجه الله جل وعلا من هذا، ثم تلا جبريل: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فقال ﷺ : (أعوذ بوجهه) ثم تلا جبريل يكمل الآية: ((أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ))، فلم يجر الله على لسان نبيه ﷺ أن يستعيذ كما استعاذ في الأوليين، وإنما قال: (هاتان أهون وأيسر)، وذلك لأن الأولى كانت تتكلم عن عذاب استئصال بالكلية، أي: لا يبقي على الأمة، وأما الثالثة فليست من عذاب الاستئصال، ثم إن الله جل وعلا كتبها في الأزل، فستجري لأن الله كتبها، فما كان الله ليمنعها لدعوة أحد كائناً من كان، ولو كان الداعي نبينا ﷺ .

стр. 325

ذكر ما منع النبي ﷺ إجابته من دعوته لأمته وقد ثبت عنه ﷺ -كما في الصحيح وغيره- أنه قدم من عالية المدينة حتى أتى مسجد بني معاوية، ومسجد بني معاوية هو المعروف اليوم بمسجد الإجابة في جهة شمال غرب الحرم تقريباً، وهو إلى الشمال أقرب منه إلى الغرب، بجوار مستشفى يسمى مستشفى الأنصار، وهو مبني على طراز حديث، ويعرف عند الناس بمسجد الإجابة. وبنو معاوية بطن من الأوس، وكان أكثر البطون من الأوس والخزرج لهم مساجد، فالنبي ﷺ دخل هذا المسجد ودخل معه أصحابه، فصلى صلاة طويلة، ثم دعا دعاء طويلاً ثم انصرف إلى الناس بوجهه وقال: (إني سألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت الله ألا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها، وسألت الله ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألت الله ألا يذيق بعضها بأس بعض فمنعنيها)، فانظر كيف أن الله جل وعلا منع نبيه ﷺ هذه الدعوة ليجري قدره، والنبي ﷺ أراد الحدب والشفقة على الأمة، والله جل وعلا أجرى هذا الأمر لحكمة، فالله جل وعلا حكيم عليم، وهو أرحم بنا من نبينا ﷺ ، ونبينا رحمته من رحمة الله بنا، ولكن علم الله أعظم وأجل من علم نبيه ﷺ ، بل لا علم له ﷺ إلا ما علمه الله، والنبي ﵊ في تربيته لأمته يتوخى أسلوب الوضوح، ولهذا قال: (فمنعنيها)، ولم يدر بخلده ﵊ أن الناس سيتكلمون في منع الله جل وعلا نبيه دعوةً؛ لأنه ﵊ عبد لربه جل وعلا، فهو عبد الله ورسوله، يبلغ دعوة ربه كما أتته، قالت عائشة ﵂ وأرضاها: لو كان النبي ﷺ مخفياً شيئاً من القرآن لأخفى قول الله جل وعلا: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧]، وهذا عتاب من الله لنبيه لاتباعه خلاف الأولى، ومع ذلك تلاه ﷺ على الناس، ومكث شهراً لا ينزل عليه الوحي في أمر عائشة، فلم يستطع أن يدلي بدلوه في إثبات براءتها أو تهمتها حتى نزل الوحي من السماء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١]، وهذا يدل على أنه ﷺ أدى الأمانة وبلغ الرسالة على الوجه الأتم والنحو الأكمل.

стр. 326

بيان عظيم قدرة الله تعالى فالله جل وعلا كما بين لطفه في الآية التي سلفت بين هنا عظيم قدرته فقال: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] كالرجم، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥]، كالخسف والزلازل، ونحن لا نتكلم عن الخسف والزلازل المحدودة بمكان ما، وإنما نتكلم عن عذاب الاستئصال، كما أن الله ﵎ أهلك قوم نوح بالطوفان فكان استئصالاً، وأهلك قوم لوط بأن جعل قريتهم عاليها سافلها، فكان استئصالاً لهم. وهذه الأمة هي آخر الأمم، فكان بدهياً أن الله جل وعلا يبقيها.

стр. 327

بيان صور من إذاقة الله تعالى بعض الأمة بأس بعضها والمهم من ذلك أنه بقيت الثالثة، وهي قوله تعالى: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥] أي: يقع القتل في الأمة، وهذه مسألة منع الله نبيه ﷺ أن يؤتاها رغم حرصه ﷺ . وعلى هذا جرى ما جرى في التاريخ الإسلامي منذ أن قتل عمر رضي الله تعالى عنه، فبدأت الأمة يذيق بعضها بأس بعضاً بدءاً من يوم الدار، فالذين تسوروا الدار مسلمون يدعون الإسلام، ولا يستطيع أحد أن يقول: إنهم كفار، رغم أنهم قتلوا عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأصوب القول أن يقال: إن عثمان مات وهو أمير البررة، أي: المؤمنين، والذين قتلوه يصعب أن نقول: إنهم كفار، ولكن نقول: إنهم قتلة فجرة، فالذين قتلوه قتلة فجرة، فمن الصعب أن يقال: إنهم كفار، بل قيل: إن بعضهم كانت له صحبة، كـ عمرو بن الحمق. ثم كان بعد قتل عثمان موقعة الجمل، لما اجتهدت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وخرجت من المدينة ومعها ركب من مكة حتى أتت العراق، فكانت المقتلة بين فريقين كلاهما مسلم. ثم كانت موقعة صفين بين علي في أهل العراق ومعاوية في أهل الشام، وقتل فيها خلق كثير على رأسهم عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والنبي ﷺ يقول: (اهتدوا بهدي عمار)، ومع ذلك قتل ﵁ وأرضاه، فليس قتله على يد فارس ولا الروم، ولا على يد اليهود والنصارى، وإنما على يد مسلمين؛ لأن الله قال: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥]. ثم جرت أحداث وأحداث، منها موقعة الحرة، سلط فيها يزيد بن معاوية على المدينة رجلاً يقال له: مسلم المري، وأهل المدينة آنذاك كان يسمونه مسرفاً، فتسور مدينة النبي ﷺ ودخلها من ناحية الشرق، وفعل الأفاعيل في أهلها، وقتل خلقاً كثيراً، ومنهم كثير من الصحابة، حتى إنهم دخلوا على أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأبو سعيد صحابي جليل معروف القدر، ومع ذلك أمسك ذلك الرجل بلحيته حتى كاد أن ينزعها كلها لا يعرف لـ أبي سعيد قدراً للجهل الذي فيه. واستطراد تاريخ أهل الشام خارج عن الشأن، ويقال: إن فيهم ثلاثة أمور: شدة الطعن، وشدة الطاعة لمن يتولاهم، وفي بلدهم أمراض الطاعون، فأهل الشام في الغالب أكثر الناس طاعة للأمراء، ويقال: إنهم أشد الناس معصية للخالق، وهذه لا أتحملها، وإنما يقولها المؤرخون، ولكن فيهم سمع وطاعة عجيبة لمن يتولى أمرهم، ولذلك رضخوا لـ معاوية عشرين عاماً، في حين كان العراقيون يخالفون علياً بين الحين والآخر، رغم أن علياً أفضل من معاوية، وفي كل خير ﵃ أجمعين. كما أن فيهم شدة الطعن، أي: في الحرب والقتال، وفي بلادهم تكثر الطواعين، كطاعون عمواس الذي مات فيه كثير من الصحابة، ومنهم أبو عبيدة ومعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما. والذي يعنينا هنا أن أهل الشام لما دخلوا المدينة كانوا أشد الناس سمعاً لأمرائهم، فكانوا يفعلون ما يقول لهم الأمراء، ولم يرفع الأذان في مسجد رسول الله ﷺ ثلاثة أيام، فهذا كله لقول الله جل وعلا: ((وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ)). ثم كانت دولة بني العباس، وفي أولها دخل عبد الله بن علي عم أبي جعفر المنصور على دمشق حاضرة بني أمية، فقتل في ضحى ذلك اليوم أكثر من أربعين ألفاً كلهم مسلمون، والقاتل مسلم، وأسس دولة للإسلام، وهذا كله تحقيق للأمر القدري الذي منع الله نبيه ﷺ أن يؤتيه إياه. وعلى هذا لو قرأت تاريخنا المعاصر ستجد في آخره ما وقع بين فتح وحماس، وكلهم مسلمون، وقبل ذلك ما سمي بأحداث أيلول الأسود التي وقعت في الأردن بين الفلسطينيين والأردنيين، وقبله ما حصل بين العراق والكويت، وهم في الجملة مسلمون، فهذه كلها أحداث تبين لك أن الله جل وعلا قضى قضاء، وقد قال لنبيه: (إنني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد)، ولهذا كان النبي ﷺ يعلم عاقبة هذا، فسأل ربه، ولكن الله جل وعلا منعه لحكمة أرادها جل وعلا، وهو العليم الخبير والعزيز الحكيم ﷻ . والمقصود: أن هذه الإطلالة التاريخية تعين طالب العلم على فهم هذه الآيات، وعلى فهم أن لله جل وعلا سنناً لا تتبدل، وصبغة لا تتغير، والناظر في التاريخ والمتأمل فيه يكون أقدر من غيره على نفع الناس وعلى قيادتهم وعلى توجيههم؛ لأنه من تلك الأحداث والأيام والليالي والصروف يستلهم الإنسان العظات والعبر، فيكون ما يوجه به أو يقرره أو يرشد به أو ينصح به متوافقاً في الغالب مع الوجهة الحقيقة؛ لأن هذه ثروات يجب اكتنازها، وموروثات يجب الاطلاع عليها، وهذا أمر مستفيض يطول ذكله، ولكنني اقتبست منه بعضاً، وأنا أتكلم عن قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥].

стр. 328

بيان معنى قوله تعالى (أو يلبسكم شيعاً) وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام:٦٥] الشيعة في الأصل: كل قوم اجتمعوا على أمر، ولكنها في المصطلح العام أصبحت تطلق على كل من يوالي علياً رضي الله تعالى عنه وأرضاه وآل بيته موالاة غير شرعية، فالذين والوا علياً وآل بيته موالاة غير شرعية يطلق عليهم الشيعة من باب الاصطلاح. ولكن الشيعة في اللغة: كل قوم اجتمعوا على أمر ما، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] في آخر سورة الأنعام كما سيأتي. والذي يعنينا هنا أن قول الله جل وعلا: ((أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا)) أي: يخلط بعضكم ببعض خلط اختلاف وافتراق واضطراب لا خلط اتفاق، فينجم عن ذلك أن تكونوا شيعاً، كما قال الله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢].

стр. 329

موقف العاقل من سفك الدماء فالعاقل هنا إذا استذكر هذا كله يعرف أن رفع السيف على أهل الإسلام من أعظم كبائر الذنوب، ولهذا حذر النبي ﷺ منه، ومن كمال نصح المسلم لدين الله ولرسوله ولكتابه وللأئمة المسلمين وعامتهم ألا يرفع سيفاً على الأمة، ولا يتجرأ على أن يتسبب في سفك دمائها، ولهذا كان عثمان رضي الله تعالى عنه مظلوماً، واجتمع الخوارج على داره، وهب كثير من الصحابة وأبناء الصحابة للدفاع عنه، ومع ذلك أمرهم بأن يتركوا الدار ويخلوا بينه وبين أعدائه خوفاً من أن يسفك دم بسببه رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ لعلمه أن سفك الدماء شيء شديد غلَّط الشرع فيه، فالعاقل يسمع ويطيع ولا يرغب عن جماعة المسلمين، ويكون فرداً منهم له ما لهم وعليه ما عليهم.

стр. 330

بيان معنى قوله تعالى (انظر كيف نصرف الآيات) قال الله جل وعلا: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام:٦٥]. قوله تعالى: ((نُصَرِّفُ الآيَاتِ)) أي: في القرآن، فيكون هناك تنويع في ذكرها بالانتقال بين الوعد والوعيد والأمر والنهي والترغيب والترهيب، كل ذلك لعله يكون سبباً في أن يفقهوا عن الله كلامه جل وعلا.

стр. 331

تفسير قوله تعالى: (وكذب به قومك وهو الحق) ثم قال الله ﵎: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام:٦٦]. قوله تعالى: ((قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)) أي: لا أملك جبركم على اعتقاد أن القرآن حق، فالنبي ﷺ ليس عليه إلا البلاغ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧]، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [النحل:٣٥]. وأما قوله تعالى: ((وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ)) فالأصل أنه ينصرف إلى القرشيين؛ لأن الآية المخاطب بها في المقام الأول كفار مكة، وإن كان كل من كذب النبي ﷺ ورد على الله قوله يدخل في قوله تعالى: ((وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ)).

стр. 332

ذكر بعض ما ترشد إليه الآية الكريمة فالآية ترشدنا من حيث الإجمال إلى أن الإنسان عليه أن يعلم أن هذا الكتاب المبين نور جعله الله جل وعلا في الأرض، وأن الإنسان حظه من العلم والفهم والإدراك والفوز بقدر حظه من القرآن، وينبغي أن يعلم أن إجلال القرآن ليس وقفاً على أهل القرآن وليس وقفاً على العلماء، بل على كل مسلم أن يجله. فقد ذكروا أن أبا عثمان المازني كان نحوياً شهيراً في البصرة، فجاءه رجل عربي من أهل الذمة، أي: ليس بمسلم، بل نصراني، فأراد أن يتعلم كتاب سيبويه، وكان أبو عثمان ممن يحسن شرح كتاب سيبويه، وكان ذا فاقة وضيق وقلة ذات يد، فجاءه الذمي وكان موسراً، فقال: اشرح لي كتاب سيبويه، فرفض، فقال: أعطيك مائة دينار، وهو مبلغ عظيم آنذاك مع حاجة الرجل، فسأله أبو العباس المبرد أديب زمانه عن عدم قبوله ذلك، فقال: إن في كتاب سيبويه أكثر من ثلاثمائة آية، وإنني -والله- لم أُرِد أن أمكن ذمياً منها غيرة على كتاب الله وحمية له. ثم إنه قدر أن الواثق الخليفة العباسي كان في مجلسه، فأنشدته إحدى جواريه بيتاً للعرجي وأوله: يا ظلوم إن مصابكم رجلاً فاختلف النحاة الموجودون عند الواثق في نصب كلمة رجل، وأصرت الجارية على إنشادها بالنصب، فلما سئلت قالت: إن أبا عثمان المازني أنشدني إياها هكذا. فأمر الواثق بإشخاصه إليه، فأتي به من البصرة إلى بغداد، فلما وقف بين يدي الواثق أخذ الواثق يسأله، والقصة طويلة، وفيها عرف الواثق حذاقته، وأنه متمكن في اللغة فأعجب به، فقال له: عندما خرجت من البصرة هل تركت أولاداً؟ قال: نعم، بنية، فقال: ماذا قالت عندما خرجت، فأخبره بأنها تمثلت ببيت للأعشى يذكر فيه الوداع، فقال له الواثق: بماذا أجبتها؟ فقال: أجبتها ببيت جرير: ثقي بالله ليس له شريك ومن عند الخليفة بالنجاح فقال له الواثق: لقد وفقت، وأعطاه ألف دينار، فلما عاد إلى البصرة نادى أبا العباس المبرد الذي نصحه بأن يقبل المائة، فقال: انظر يا أبا العباس: رددنا لله مائة -أي: من أجل الله- فعوضنا الله ألف دينار. أي: عوضه الله عشرة أضعافها. ومن هذا تفقه أن المؤمن ينبغي عليه أن يعظم كلام ربه جل وعلا ويجله، ولا ينتظر شيئاً من الناس، فإنك إن أخلصت النية وأحسنت السريرة فإن الله جل وعلا أعلم بك، وربك يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة:١٢٠]. هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده وأعان الله على قوله حول هاتين الآيتين المباركتين من سورة الأنعام. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 333

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [٨٣ - ٨٦] يذكر الله تعالى في سورة الأنعام ما أفاء الله تعالى به من الفضل على إبراهيم ﵇، حيث وهبه الحجة في مقارعة قومه، ورفعه درجات، وجعل النبوة في ذريته، وذكر بعض أبنائه من الأنبياء، جامعاً لكل عدد منهم اختصه بمزية في آية، وخاتمهم هو ابنه نبينا وحبيبنا محمد ﷺ ، وكفى به رفعة وشرفاً.

стр. 334

علة إيراد قصة إبراهيم ﵇ في سورة الأنعام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فما زلنا نتفيأ ظلال سورة الأنعام، والآيات التي سنتحدث عنها في هذا الدرس هي قول الله جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٣ - ٨٦]. هذه الآيات من سورة الأنعام جاءت بعد قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام:٧٤]. والسورة تتحدث عن التوحيد، وإبراهيم هو أعظم الموحدين، فالله تعالى نسب الملة إليه فقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨]، فكان بدهياً أن تتحدث السورة كثيراً عن إبراهيم. وقد ذكرت الآيات قضية محاجة إبراهيم لأبيه آزر، ثم محاجته لقومه، وقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ [الأنعام:٨١]، إلى أن قال إبراهيم ﵇ وهو يحاج قومه ويثبت لهم التوحيد: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٨١]. وهنا نأتي إلى قضية أساسية، وهي أن إبراهيم لم يقل: فأينا أحق بالأمن بل قال: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ [الأنعام:٨١]، قال العلماء في بيان هذا: أراد إبراهيم أن يبين أن المقابلة مقابلة عامة تشمل كل موحد ومشرك، وليست محصورة في والذي فصل وحكم في أحق الفريقين بالأمن هو الله تعالى، حيث أنزل قوله: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)) أي: بشرك ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]. وهذا ما دفع القرطبي ﵀ إلى أن يقول: إن هذه الآية أرجى آية في كلام الله؛ لأن الله أثبت فيها أن من مات على التوحيد ولم يشرك بالله شيئاً تكفل الله له بالأمن يوم القيامة، وبالهداية في الدنيا فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].

стр. 335

تفسير قوله تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام:٨٣]. معنى: (وتلك حجتنا) أي: هذه الحجة الدامغة المظهرة للحق المضيعة للباطل إنما آتاها الله جل وعلا إبراهيم. ثم ذكر تعالى ما وهبه لإبراهيم من الأنبياء من ذريته، والمذكورون هنا ثمانية عشر نبياً، وفي القرآن خمسة وعشرون نبياً، منهم سبعة في غير هذه الآية نظمهم الشاعر فقال: في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهم إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ففي القرآن خمسة وعشرون نبياً ورسولاً، منهم ثمانية عشر مذكورون في سورة الأنعام في آية: (تلك حجتنا)، وسبعة في مواطن متفرقة، كما أن هؤلاء الثمانية عشر ذكروا كذلك في آيات أخر.

стр. 336

تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) قال الله جل وعلا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ [الأنعام:٨٤] أي: لإبراهيم ((إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ)) ولم يذكر الله هنا إسماعيل ((كُلًّا هَدَيْنَا)) أي: إسحاق ويعقوب ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:٨٤] ونوح ليس من ذرية إبراهيم، وإنما هو جد لهم، فأراد الله أن يبين أنه أعطى إبراهيم شرف الأجداد وكرم الأبناء، وأكرم أبنائه نبينا ﷺ ، ونبينا ﷺ أفضل من إبراهيم مع أنه منه ﵊. وأحياناً تفتخر القبيلة كلها بواحد، يقول ابن الرومي -وهو شاعر عاش في عصر بني العباس- وكان رجلاً يتقلد الشؤم ويتطير-: كما علت برسول الله عدنان فعدنان عزها هو كون النبي ﷺ منها، ولذلك يقال: النبي الهاشمي العدناني.

стр. 337

بيان مرجع الضمير في قوله تعالى (ومن ذريته) قال تعالى: ((كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ)) يحتمل أن يعود الضمير إلى إبراهيم ويحتمل أن يعود إلى نوح، فالذين قالوا: هو عائد على إبراهيم قالوا: إن الكلام عن إبراهيم، وما قول الله جل وعلا: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:٨٤] إلا جملة اعتراضية. والذين قالوا: إن الضمير يعود على نوح قالوا: دليل ذلك الصناعة النحوية، وذلك أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو نوح، واحتجوا كذلك بأن الله جل وعلا ذكر لوطاً، ولوط ليس من ذرية إبراهيم؛ لأنه ابن أخيه. فأجاب الأولون فقالوا: إن كون لوط ابن أخ له لا يمنع أنه ابن له، فإن الله سمى في كتابه العم أباً، قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٣]، ومعلوم أن القائلين هنا هم أبناء يعقوب، وإسماعيل عم ليعقوب؛ لأن أباه إسحاق، فسمى الله العم أبا في كتابه العظيم، وهذه حجة من قال: إن الضمير يعود على إبراهيم. ولا يوجد مرجح نجزم به في الآية، فالآية تحتمل هذا وتحتمل هذا، وإن كان أكثر العلماء على أنها عائدة على إبراهيم باعتبار أن السياق يتحدث عن إبراهيم.

стр. 338

ذكر أوجه تصنيف الأنبياء في الآيات ونلحظ في الآيات أن الله ذكرهم على ثلاث مراتب، والآيات لم تقصد الترتيب الزمني قطعاً، فقد قال الله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾ [الأنعام:٨٦]، وقبله قال: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام:٨٥]، ومعلوم أن عيسى بعد لوط. إذاً: لم تعن الآيات بالترتيب التاريخي، ولم تعن الآيات بترتيب الفضل ومنازلهم؛ لأن الله جل وعلا ذكر داود وسليمان ثم ذكر عيسى، وعيسى أفضل من داود وسليمان؛ لأنه من أولي العزم من الرسل، فإما أن يقال: إن الآية لم يكن يقصد منها التصنيف، وإما أن يقال: يقصد منها تصنيف تاريخي، وقد نفيناه، أو تصنيف حسب الفضل، وقد نفيناه. فإن قال قائل: يقصد منها التصنيف فلابد من أن يقول لنا: على أي شيء صنفت. والأظهر -والعلم عند الله- أنها صنفت على القياس التالي: فالله يقول عن المجموعة الأولى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأنعام:٨٤]، فهؤلاء الخمسة يجمعهم شيء واحد، وهو أن الله أعطاهم سيادة في الدنيا، فداود وسليمان كانا حاكمين، وموسى وهارون كانا حاكمين لبني إسرائيل، وأيوب كان مريضاً مبتلى ثم أصبح غنياً مطاعاً، قال الله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الأنبياء:٨٤]، انتهى به الأمر إلى الثراء، وجاء في الحديث: أن الله أنزل عليه رجل جراد من ذهب، فهؤلاء أعطوا حظاً كبيراً من الدنيا. ثم قال الله بعدها: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام:٨٥]، وهؤلاء يجمعهم الزهد وترك الدنيا، والانقطاع التام إلى الله، والانقطاع التام إلى الله حاصل في كل الأنبياء، ولكن هؤلاء لا يعرف عنهم ثراء، ولا يعرف عنهم جاه باعتبار الأمر والنهي والقضاء بين الناس. ثم قال الله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٦]، فهؤلاء ليسو معدودين فيمن أوتي حكماً وسلطاناً وليسو معدودين في الزهاد من الأنبياء الذين انقطعوا، فجاءوا في المرحلة الوسطى، ولهذا أفرد الله ذكرهم فقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٦]. إذاً: أصبح التقسيم بحسب ما أفاء الله جل وعلا به عليهم وما خصهم به، وليس بقضية الفضل ولا بقضية التأريخ، وهذا التقسيم ارتضاه المراغي في تفسيره، وهو تقسيم جيد، والعلم عند الله.

стр. 339

حكم عد ابن البنت ابناً وهنا مسألة، وهي أن الله جل وعلا قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ [الأنعام:٨٤] أي: إبراهيم، وذكر منهم عيسى ابن مريم، ومعلوم أن عيسى ابن مريم ابن بنت وليسب ابن ابن. وعلى هذا تتحرر مسألة، وهي هل ابن البنت يعد ابناً أو لا يعد ابنا؟ أما كونه يعد ابناً من حيث العموم فهذا ظاهر دلت عليه الآية، وقول النبي ﷺ في الحسن بن علي: (إن ابني هذا سيد). وتظهر فائدة الخلاف في مسائل الوقف، فلو أوقف موص مالاً على أبنائه، فهل يدخل ابن البنت أو لا؟ والفصل هنا عند القضاء، فطائفة من العلماء قالت بدخوله، وطائفة من العلماء لم تقل بدخوله، وقد قيل: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد هذا كلام العرب، يقول أحدهم: الابن الحقيقي هو ابن ابني، أما ابن بنتي فليس ابناً لي، بل هو ابن رجل بعيد، فأبناؤنا الحقيقيون هم بنو أبنائنا، وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد. ليسوا أبنائي واضح؟ مع أن المرأة تقرب -كما هو معلوم- لكن من حيث العموم هؤلاء قوم يقولون: إن ابن البنت لا يسمى ابناً، وفصل الخطاب في هذه القضايا في المحاكم الشرعية بحسب ما تختار من فتوى، ولكننا نحرر هنا أن الآية لما ذكر فيها ابن مريم ﵇ ذكر فيها قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ [الأنعام:٨٤]، فهو من ذرية إبراهيم رغم أنه ابن بنت.

стр. 340

أقسام المخلوقين من الآدميين فالله جل وعلا خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من آدم، وخلقنا من أب وأم، وخلق عيسى من أم من غير أب. ويروى أن عمر رضي الله تعالى عنه كان له ابن اسمه عبيد الله بن عمر، فجاءته ذات يوم امرأة تقول له: إن زوجي لا يطعمني ولا يكسوني، فقال: ومن زوجك؟ قالت: أبو عيسى، فقال مازحاً: سبحان اللهَ! وهل لعيسى أب؟! ثم قال لها: من زوجك؟ قالت: ابنك عبيد الله. فغضب، وأرسل أسلم غلامه، وقال: اذهب إليه وقل له: إن أباك يريدك، فذهب أسلم إلى عبيد الله بن عمر فوجده يتغدى على دجاجة وديك هندي، فقال له: إن أباك يريدك، وكان عمر إذا بعث أحداً إلى أحد أبنائه يقول له: لا تقل له ما يريدك له أبوك حتى لا يلقنه الشيطان كذبه، فإذا عرف ما يريد منه أبوه بيت ما يجيب، ولكنه إذا قدم بين يدي أبيه وسأله أبوه فجأة لا يستطيع أن يحتال لنفسه، ولكن عبيد الله فطن لها، فقال لـ أسلم أخبرني، فقال: إن أمير المؤمنين منعني. فقال: أعطيك الدجاجة والديك. فطمع أسلم وهو يومئذٍ غلام فيهم، فقال: على ألا تخبر أمير المؤمنين. فقال: على ألا أخبر أمير المؤمنين. فأخبره بالقصة، وهي أن زوجته جاءت تشتكي إلى عمر، فعاد أسلم إلى عمر، فسأله عمر: أوجدته؟ قال: نعم، ففطن عمر لكون أسلم أخبر عبيد الله، فقال: أخبرته؟ فمن هيبة عمر لم يستطع أسلم أن ينفي، فقال: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: أرشاك؟! قال: نعم يا أمير المؤمنين، فضربه بالدرة، ثم لما قدم إليه ابنه عبيد الله عاتبه عمر وقال له: تتكنى بـ أبي عيسى، وهل لعيسى أب؟! وذلك لأن الله سماه عيسى ابن مريم، فالكنية هنا غير ملائمة.

стр. 341

فضل الأنبياء على سائر المخلوقات وأنبياء الله جل وعلا هم سادة الخلق، والذروة في الناس، وهم أفضل الخلق أجمعين، والدليل على ذلك أن الله جل وعلا قال: ((وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا)) يعني: ممن تلي ذكرهم ﴿فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٦]، وكلمة (العالمين) تطلق على كل أحد سوى الله ﷻ . فأنبياء الله جل وعلا هم في الذروة من الخلق، وأفضل من الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 342

الصلة بين اليهود والعرب وقد ذكر الله جل وعلا إسحاق، وذكر إسماعيل، وإسحاق ﵊ أخ لإسماعيل، وبين إسماعيل وإسحاق يدور الخلاف حول الذبيح؛ والاتفاق قائم على أن الذبيح ابن لإبراهيم، ولكن هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ وفي المسألة خلاف مشهور، ولا نريد أن نرجح. ومن ذرية إسحاق جاء يعقوب ﵊، ويعقوب هو المسمى في القرآن إسرائيل، وبنو إسرائيل أبناء ليعقوب، وهم أبناء لإسحاق، وإسحاق أخ لإسماعيل، والعرب من ذرية إسماعيل، وفي الحديث: (ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً). وبذا أصبح اليهود والعرب أبناء عمومة؛ لأن إسحاق ﵇ كان أخاً لإسماعيل على الخلاف في أيهما الذبيح، وهذا لا يعنينا هنا.

стр. 343

الملوك من الأنبياء وممن ذكر الله جل وعلا هنا: داود وسليمان، وهذان نبيان صالحان من أنبياء بني إسرائيل، وسليمان ورث عن أبيه الملك والنبوة كما هو ظاهر. وذكر تعالى أيوب ويوسف وموسى وهارون، ويوسف ﵊ وصل إلى مرتبة الوزارة، ولكنه وصل بخلاف وصول داود وسليمان، فقد وصل إليها بعد ابتلاء، وحلقات دامية من العناء، حتى أجلسه الله جل وعلا على الكرسي فاشتاق إلى ربه فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:١٠١]. وبقي أن نختم بفائدة، وهي أن إخوة يوسف صنعوا بيوسف ما صنعوا ثم استعطفوه فقالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١]، ومع ما صنعوه معه عفا عنهم، فإذا كانت هذه رحمة يوسف بمن صنع معه ذلك، فكيف برحمة من خلق يوسف؟! فالذل والانكسار والاعتراف لله بالتوحيد والإذعان لله جل وعلا مع الاستغفار باب عظيم لنيل رحمته ﵎، قال الله جل وعلا عن نبيه الصالح: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦]، فنستغفر الله ونتوب إليه. هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده وأعاننا الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 344

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [١٢١] من الأحكام التشريعية التي تضمنتها سورة الأنعام نهي الله تعالى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه، وللفقهاء مذاهب في اشتراط التسمية حال التذكية، كما تضمنت السورة بيان ما ألقاه كفرة الفرس على كفرة مكة حول تحريم أكل الميتة، وإذ إن ذلك إنما هو من صنيع الشياطين الذي توحي به إلى أوليائها.

стр. 345

تفسير قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فما زلنا نتفيأ ظلال سورة الأنعام، وكنا قد بينا أن لنا سنناً جديداً في التأمل فيها، فسنتعرض للآيات فرادى أو مثنى، وندع التوخي الفردي للآيات المتتابعة محاولة للوصول إلى أكثر معاني هذه السورة المباركة. والآية التي نحن بصدد التأمل فيها في هذا الدرس المبارك هي قول الله ﵎: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، فنعوذ بالله من الشرك. ومن الآية يظهر أن هناك إطلالتين تفرضان نفسيهما علينا ونحن نتأمل: الإطلالة الفقهية والإطلالة التاريخية، أما الإطلالة الفقهية فهي ضرب لازم؛ لأننا نتحدث عن حلال وحرام؛ لأن الله قال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١] و (لا) هنا ناهية بالاتفاق، و (تأكلوا) فعل مضارع مجزوم بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والأفعال الخمسة سميت بذلك؛ لأنها تأتي على خمس صيغ: (تفعلان، ويفعلان، وتفعلون ويفعلون، وتفعلين)، وهذا كله استطراد. والآية صريحة في النهي عن أكل ما لم يسم الله جل وعلا عليه عند ذبحه وتذكيته، حيث يقول تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، وذيلت تذييلاً مبدئياً بقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١].

стр. 346

ذكر خلاف العلماء في حكم التسمية عند التذكية واختلف العلماء رحمة الله تعالى عليهم في اشتراط التسمية عند التذكية على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن التسمية شرط في التذكية؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٨]، وقال هنا: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، وهذا القول ينسب إلى الجمهور، وهم يقولون: إن تارك التسمية -أي: الذابح التارك للتسمية- لا يجوز أكل ذبيحته، سواء أترك التسمية عمداً أم نسياناً، فالإنسان إذا لم يذكر اسم الله -سواء كان عامداً أم ناسياً- تدخل ذبيحته في قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، وهذا مروي عن أكابر السلف وكثير من الصحابة. والقول الثاني هو قول الشافعي ﵀، والشافعي أحد الأئمة الأربعة، وكان موصوفاً بالذكاء، وإليه ينسب تأسيس علم أصول الفقه، فـ الشافعي رحمه الله تعالى حمل هذه الآية على ما ذبح وأهل به لغير الله، ورأى أن التسمية عند التذكية مستحبة وليست شرطاً، وما دام قد جعلها مستحبة فالتارك لها عمداً أو سهواً يجوز أكل ذبيحته، فمن تركها عند الشافعي عمداً أو سهواً جاز أكل ذبيحته؛ لأنه يرى ﵀ ومن وافقه من أصحابه أن التسمية مستحبة وليست شرطاً كما فهمها الأولون. والأولون لهم أدلة، منها حديث عدي بن حاتم وغيره، وإذا كان القرآن قد نص على المسألة فلا حاجة إلى ذكر كثير من الأحاديث، ولكن الأحاديث الواردة تعضد القول الأول. وقول الإمام الشافعي هو بعده عن أحمد رحمه الله تعالى ذكرها عنه حنبل، وأنت تعلم أن الإمام أحمد متأخر زمناً قليلاً عن الشافعي، ولكن أحمد ﵀ أدرك الشافعي، كما أنه رواية عن مالك، نص عليها أشهب بن عبد العزيز أحد أئمة المذهب المالكي. القول الثالث: هو قول أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه وأصحابه، وهذا القول كذلك مروي عن أكابر الصحابة، وهو أنه إن تركها عمداً فذبيحته لا تحل، وإن تركها نسياناً فنسيانه لا يضر. وقول أبي حنيفة هذا يميل إليه أكثر المتأخرين؛ لأنه يجمع بين الآيات وبين قوله ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فيمكن الاستشهاد بالآية والحديث لقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وبعض الفقهاء له تفريق جيد، فيقول: ننظر في الذبيحة، فإن كانت الذبيحة ذبيحة صيد، فنسي أن يسمي، فإنه لا يؤكل منها، وإن نسي وهي ذبيحة غير صيد، فذكاها تذكية شرعية؛ فإنه يؤكل منها. ووجه التفريق عنده: أن الذبيحة من غير الصيد حصلت فيها الذكاة الشرعية من أولها. أما الصيد فلم يذك في أول الأمر ذكاة شرعية، فقد يكون صيد عن طريق جارحة، وقد يكون عن طريق رصاص كما في عصرنا الحاضر. والمقصود أنه يقول: إذا لم يسمّ اجتمع فيها أنه لم يكن أصلها ذكاة شرعية، وفي نفس الوقت تركت التسمية، فمن باب أولى أن يترك، وللنص الوارد في حديث عدي بن حاتم: (إذا أطلقت كلبك فصد وسم الله وكل)، فذكر النبي ﷺ في حديث عدي وغيره التسمية. والذي ينبغي على طالب العلم أن يفهم أن النصوص في الغالب واحدة، ولكن طرائق فهمها والاستنباط منها تختلف، والله جل وعلا ما جعل العقول على سنن واحد، وما جمع الناس في عقولهم على شيء واحد، وهناك مثل عند العامة، حيث يقولون: (إن الناس في رزقهم كلهم معترضون)، فكل واحد يرى أنه فقير، فيريد زيادة، (وفي العقول أغلبهم راضون بعقولهم) والذي يعنينا هنا: أن العلماء رحمة الله تعالى عليهم أرادوا خيراً، وأمة محمد ﷺ في جملتها أمة خير، فكيف بعلمائها، ولكن لهم طرائق في الاستنباط، وقد يعطى إنسان حظاً من فهم في مسألة لا يعطاه آخرون، وقد قال الله جل وعلا في نبيين كريمين: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩]. فمثل هذه المسائل لا إنكار فيها باختلاف الأكابر من صالح الأسلاف فيها، فلا ينكر أحد على أحد، لكن الإنسان يحاول أن يستبصر أدلة كل فريق ويحاول أن يفقه النظرة التي يعتمدها الإمام زيد دون الإمام عمرو في الوصول إلى المسائل، وكيف يجمع بين هذا وهذا. قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١]، وبعض الفقهاء أراد أن يقول بصحة مذهب الشافعي، فجعل الواو هنا واو حال، وقال: إنه لا يصح مطلقاً أن تكون الواو واو عطف، فقال هذا لأننا لو قلنا: إن الواو هنا حالية لأصبح المعنى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١] حال كونه فسقاً أهل لغير الله به، فيكون المقصود ما يذبح للأوثان، وما يذبح لغير الله، فهذا المحتج قال في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١]: لا يصلح أن تكون الواو عاطفة قولاً واحداً، واحتج بأن الآية طلبية؛ لأن قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَأْكُلُوا﴾ [الأنعام:١٢١] طلب، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١] ليس بطلب، بل هذه جملة خبرية، فقال: إن الجملة الخبرية لا تعطف أبداً على الجملة الطلبية. ويحتج عليه بالآية التي بعدها، فإن الله جل وعلا قال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٢١]، وهو يقول عن هذه الجملة: إنها معطوفة، فوقع في نقيض قوله؛ لأنا متفقون على أن جملة: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٢١] خبرية، ومتفقون على أنها لا يمكن أن تكون حالاً، فالاستدلال هنا بالطريقة النحوية طريقة غير صحيحة.

стр. 347

بيان فضل التسمية والذي يعنينا قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، وهذا يبين لك فضيلة وبركة ذكر اسم الله على الأشياء، بصرف النظر عن وجوب التسمية أو عدم وجوب، وقد قال ﷺ لما ذكر حديث البطاقة: (ولا يثقل مع اسم الله شيء). وقال ﵊ لـ عمرو بن سلمة: (سمِّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك)، وعمرو بن سلمة هو ربيب النبي ﷺ ، لأن النبي ﷺ تزوج أمه أم سلمة، والمقصود أن التسمية بركة وشيء عظيم جليل.

стр. 348

بيان معنى قوله تعالى: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]. الآيات التي سلفت في سورة الأنعام -وهي سورة مكية- حرمت الميتة، وأوجبت التذكية وذكر اسم الله، ولما علم بعض الكفار في فارس -حيث كان العرب يترددون على العراق- قالوا لكفار قريش: جادلوا محمداً وقولوا له: ما ذبحته أنت وأصحابك وقتلتموه حلال، وما قتله الله غير حلال؟! يعنون أن الميتة إذا ماتت فقد قتلها الله، فقالوا: كيف يكون ما قتله الله حراماً، وما قتلته أنت وأصحابك حلالاً؟! فهذا أمر نسبه الله جل وعلا إلى الشياطين، فقد يكون المراد شياطين الإنس وقد يكون المراد شياطين الجن، ولكنه أُلقِمَه القرشيون ليحاجوا به النبي ﷺ . والجواب عنه ظاهر، وهو أن ما قتلناه بأيدينا ذكرنا اسم الله عليه، وما قتل رغم أنفه ومات رغم أنفه لم يذكر اسم الله عليه، فالذي سوغ الأكل ليست قضية الموت وكيفيته، وإنما سوغ الأكل أن ذلك ذبح وذكر عليه اسم الله، وذلك لم يذكر عليه اسم الله، فالفاصل والفارق هو ذكر اسم الله.

стр. 349

ذكر استدلال ابن عباس بالآية رداً على كذب المختار بن أبي عبيد ويروى أن ابن عباس حبر الأمة رضي الله تعالى عنهما جاءه رجل بعد مقتل الحسين، وبعد مقتل الحسين حدث في الأمة فتن، لأن قتل الحسين ليس بالشيء اليسير، بل هو أمر جلل وخطب عظيم؛ لأن النبي ﷺ كان يجل الحسين إجلالاً عظيماً، وقطع خطبته من أجل الحسن والحسين، ومع ذلك قتل الحسين ظلماً وعدواناً بلا شك. جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد متزملاً في دمائه تزميلا فكأنما بك يا ابن بنت محمد قتلوا جهاراً عامدين رسولاً قتلوك عطشاناً ولم يترقبوا في قتلك التنزيل والتأويلا ويكبرون بأن قتلت وإنما قتلوا بك التكبير والتهليلا وعندما تأتي مظلمة يتسلق في الحدث عشرات الناس، هذا يريد الحق، وهذا يريد الباطل. فجاء رجل اسمه المختار بن أبي عبيد الثقفي، وأوهم الناس بأنه يدافع عن آل رسول الله ﷺ وأنه ينتقم لقتلة الحسين، وما زال يشيع ذلك في الناس حتى زعم أنه يوحى إليه، حتى زاره بعض الناس وكان عنده وسادة، فكان ينظر إليه يريد أن يرمي له بالوسادة، فقال: والله لولا أن جبريل قام من عليها لأعطيتك إياها! يعني: أنها طاهرة مقدسة لا تصلح إلا للأنبياء. فجاء رجل إلى ابن عباس وقال له: إن المختار بن أبي عبيد يزعم أنه يوحى إليه! فقال: صدق، فانتفض الرجل، فقال: أقول لك: إن المختار بن أبي عبيد يزعم أنه يأتيه الوحي؟! قال: صدق! الوحي -يا بني- وحيان: وحي رحمن ووحي شيطان، فوحي الرحمن على محمد ﷺ وإخوانه من النبيين، ووحي الشيطان على المختار بن أبي عبيد وأمثاله، ثم تلا ما نحن فيه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]. فهذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٢١]، يحفظها كل من يحفظ سورة الأنعام، فـ ابن عباس حين قال له الرجل: إن المختار بن أبي عبيد الثقفي يزعم أنه يوحى إليه استحضر الآية مباشرة، وأجاب، فلما نفر الرجل وتعجب هدأ ابن عباس من روعه بالقرآن؛ لأن ابن عباس حبر الأمة، فالنبي ﷺ قد دعا له، فتلا الآية ليسكن الرجل ويقتنع بكلامه. فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، وذلك لأنهم ذكروا قضية تحليل وتحريم سيأتي بيانها إن شاء الله في درس آخر. وطاعة الناس في قضايا تحليل وتحريم إشراك بالله جل وعلا، فالتحليل والتحريم ليس لأحد غير الله. فالمقصود أن المختار بن أبي عبيد فتن الناس في زمنه، وكان متزوجاً بنت النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ثم إن مصعب بن الزبير لما هزم المختار بن أبي عبيد جاء إلى بيته فأمّن أهله ثم قتله، وكان ممن قُتل بنت النعمان بن بشير زوجة المختار بن أبي عبيد، ثم قُدر أن رجلاً يأتي فيقتل مصعب بن الزبير ويحمل رأسه إلى عبد الملك بن مروان، وعبد الملك بن مروان كان خليفة، وهناك أناس يتاجرون في الأحداث. فعندما قتل مصعب بن الزبير جاء رجل وحمل رأس مصعب بن الزبير وقدمه هدية لـ عبد الملك بن مروان، وكان مصعب بن الزبير بالنسبة له خصماً ينافسه في الملك، فلما رأى رأس مصعب خر ساجداً، لأنه يبحث عن ملك. وهذا الذي قتل مصعباً ما قتله حباً في عبد الملك بن مروان، فلما سجد عبد الملك بن مروان جاء في باله أن يقتل عبد الملك بن مروان، ليقول الناس: إنه قتل ملكي العرب في يوم واحد. أفألقيتها في النار بكر بن وائل وألحقت من قد خر شكراً بصاحبه يعني: ألحقت هذا الذي يسجد بصاحبه الأول، فقام عبد الملك بن مروان من سجوده قبل أن يعزم هذا على ما خطر بباله. والمقصود أن الفتنة إذا جاءت يأتي معها أناس كثيرون، فهذا يريد الإصلاح، وهذا يريد أن يتكسب، وهذا يريد أن ينتفع، وهذا لا يدري أين يرمي الله به. فالعاقل لا يقبل أن يكون كلما ارتفعت راية متحمساً لها جارياً وراءها. ولست مقاتلاً رجلاً يصلي على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعليّ إثمي معاذ الله من جهل وطيش وإذا أراد الله بعبد خيراً علمه السكينة والروية وتدبر القرآن، جعلني والله وإياكم من أهل ذلك. هذا ما تهيأ إيراده، وأعاننا الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 350

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [١٤١ - ١٤٢] يرد الله تعالى في كتابه الكريم على المشركين في تشريعهم ما لم يأذن به الله في شأن بهيمة الأنعام ببيانه تعالى تفرده بخلق الأشجار المختلفة المتنوعة، وإذا كان كذلك فإنه لا يحق لغيره أن يشرع، وفي معرض بيان ذلك يمتن الله تعالى على عباده بخلق تلك الأشجار وإيجادها لهم ليأكلوا منها، ثم يشكروا نعمة الله عليهم بأداء ما أوجب الله في ثمارها عند الحصاد. كما امتن تعالى على عباده تسخيره الأنعام للركوب والأكل والاحتلاب، ناهياً لهم عن اتباع خطوات الشيطان، ومنها سلوك مسلك التشريع والقول على الله بغير علم.

стр. 351

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار أهل التقوى، وصلى الله على محمد وعلى آله. أما بعد: فما زلنا نتفيأ ظلال سورة الأنعام، والآية التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا الدرس المبارك هي قول الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام:١٤١ - ١٤٢]. فنقول والله المستعان: إن القرشيين قالوا فيما سلف كما حكى الله عنهم: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ﴾ [الأنعام:١٣٨] أي: زرع ﴿حِجْرٌ﴾ [الأنعام:١٣٨] أي: ممنوعة، ﴿لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام:١٣٨]، وحكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام:١٣٩]، وهذا فيه منازعة لله جل وعلا في ربوبيته، والسورة تتكلم عن التوحيد، فهم أشركوا مع الله جل وعلا غيره بأن شرعوا حتى أقحموا أنفسهم في الأمر، فأراد الله جل وعلا أن يقيم عليهم الحجة ويثبت أنه وحده هو الخالق، وإذا كان هو وحده الخالق فهو وحده المشرع، فقال جل وعلا رداً عليهم: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ [الأنعام:١٤١] من غير اقتداء ولا احتذاء ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام:١٤١]، والمعروشات: ما لا يقوم على سوقه، أي: ما يحتاج إلى عيدان يلتف عليها، كالعنب، وغير المعروشات ما يستغني بنفسه، كالنخل، فقال الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ﴾ [الأنعام:١٤١] والنخل يدخل في غير المعروشات، ولكن هذا من باب ذكر الخاص بعد العام، ولأن النخل كان أكثر زرع عند العرب، قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام:١٤١]، متشابهاً في منظره وغير متشابه في طعمه، وهذه كلها ظاهرة لا تحتاج إلى تعليق.

стр. 352

بيان دلالة قوله تعالى (كلو من ثمره إذا أثمر) وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:١٤١] دلالة على أن الإذن بالأكل يبدأ من أول النضوج فلهذا يؤكل التمر بسراً ويؤكل رطباً ويؤكل تمراً، وليس الأكل مقصوراً على واحدة من هذه الثلاث؛ لأن الله قال: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:١٤١]، فإذا أثمر كان لكم الحق في أن تأكلوا منه.

стр. 353

بيان معنى قوله تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده) قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، والسورة مكية، والفقهاء يقولون: إن الزكاة لم تشرع إلا في المدينة، وعلى هذا اختلفوا في قول الله جل وعلا: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، فمن قائل: إنها الزكاة، وهذا مروي عن أكابر السلف، كـ سعيد بن المسيب، ومن قائل إنها الصدقة، والحق أن يقال -والعلم عند الله- إن هذه الآية مكية، وإنها أصلت للزكاة تعليماً، وجاء التفصيل في المدينة.

стр. 354

ذكر ما يجب في بعض أموال الزكاة ومن أموال الزكاة ما يجب فيه ربع العشر، ما يجب فيه وهذا في زكاة النقدين وعروض التجارة. وفي الثمار المدخرة العشر إن كانت تسقى بلا مئونة، وأما الثمار والمدخرات مثل الحبوب التي تسقى بمئونة ففيها نصف العشر. وفي الركاز الخمس؛ لأنه ألحق بالزكاة إلحاقاً. وأما المواشي فالزكاة فيها ليست مشاعة، وإنما هي مقدرة شرعاً. كلمة وتنقسم المواشي إلى ثلاثة أقسام: قسم فيه زكاة، وهو ما اتخذ للدر والنسل والتسمين، فهذا فيه الزكاة بنصابه. وقسم اتخذ لعروض التجارة فهذا نقدر فيه الزكاة، بمعنى أنه تعرف قيمته ثم نستخرج ربع العشر. وقسم لا زكاة فيه، وهو ما اتخذ للعمل والاستعمال، كرجل عنده بقرات يحرث عليها، فهذه ليست للدر والنسل والتسمين، وليست عروض تجارة، فلا زكاة فيها. يقول الله جل وعلا: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:١٤١]، فنهى الله جل وعلا عن الإسراف.

стр. 355

تفسير قوله تعالى: (ومن الأنعام حمولة وفرشا) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام:١٤٢]، الحمولة من الأنعام هي ما يركب عليه كالخيل والبغال والإبل، وأما الفرش فقال ابن جرير ﵀: إنه الغنم، ووجه تسميتها فرشاً عند ابن جرير هو دنوها من الأرض. ونقل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أحد المفسرين من السلف أن الحمولة ما اتخذ للركوب، والفرش من بهيمة الأنعام ما اتخذ للأكل والحلب. قال ابن كثير رحمه الله تعالى معقباً على قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وهذا القول يشهد له ظاهر القرآن. وذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧١ - ٧٢]، فالآيتين من سورة (يس) تشهدان بقوة لما ذهب إليه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من أن الحمولة ما اتخذ للكوب أياً كان، والفرش ما اتخذ للأكل والحلب. يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام:١٤٢]، أي: كما أنه جل وعلا أنشأ الجنات، فليس لكم حق في حجرها على أحد؛ كذلك أنشأ الأنعام وخلقها، فليس لكم حق في حجرها على أحد. قال تعالى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٤٢]، فلا يُجهَل تحريم ما أباحه الله جل وعلا من الطيبات لعباده.
следующие страницы →