← Тафсир

Тафсир · id 37455

سلسلة محاسن التأويل - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (789 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار أهل التقوى، وصلى الله على محمد وعلى آله. أما بعد: فما زلنا نتفيأ ظلال سورة الأنعام، والآية التي نحن بصدد الحديث عنها في هذا الدرس المبارك هي قول الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام:١٤١ - ١٤٢]. فنقول والله المستعان: إن القرشيين قالوا فيما سلف كما حكى الله عنهم: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ﴾ [الأنعام:١٣٨] أي: زرع ﴿حِجْرٌ﴾ [الأنعام:١٣٨] أي: ممنوعة، ﴿لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام:١٣٨]، وحكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام:١٣٩]، وهذا فيه منازعة لله جل وعلا في ربوبيته، والسورة تتكلم عن التوحيد، فهم أشركوا مع الله جل وعلا غيره بأن شرعوا حتى أقحموا أنفسهم في الأمر، فأراد الله جل وعلا أن يقيم عليهم الحجة ويثبت أنه وحده هو الخالق، وإذا كان هو وحده الخالق فهو وحده المشرع، فقال جل وعلا رداً عليهم: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ﴾ [الأنعام:١٤١] من غير اقتداء ولا احتذاء ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام:١٤١]، والمعروشات: ما لا يقوم على سوقه، أي: ما يحتاج إلى عيدان يلتف عليها، كالعنب، وغير المعروشات ما يستغني بنفسه، كالنخل، فقال الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ﴾ [الأنعام:١٤١] والنخل يدخل في غير المعروشات، ولكن هذا من باب ذكر الخاص بعد العام، ولأن النخل كان أكثر زرع عند العرب، قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام:١٤١]، متشابهاً في منظره وغير متشابه في طعمه، وهذه كلها ظاهرة لا تحتاج إلى تعليق.

стр. 352

بيان دلالة قوله تعالى (كلو من ثمره إذا أثمر) وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:١٤١] دلالة على أن الإذن بالأكل يبدأ من أول النضوج فلهذا يؤكل التمر بسراً ويؤكل رطباً ويؤكل تمراً، وليس الأكل مقصوراً على واحدة من هذه الثلاث؛ لأن الله قال: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:١٤١]، فإذا أثمر كان لكم الحق في أن تأكلوا منه.

стр. 353

بيان معنى قوله تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده) قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، والسورة مكية، والفقهاء يقولون: إن الزكاة لم تشرع إلا في المدينة، وعلى هذا اختلفوا في قول الله جل وعلا: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، فمن قائل: إنها الزكاة، وهذا مروي عن أكابر السلف، كـ سعيد بن المسيب، ومن قائل إنها الصدقة، والحق أن يقال -والعلم عند الله- إن هذه الآية مكية، وإنها أصلت للزكاة تعليماً، وجاء التفصيل في المدينة.

стр. 354

ذكر ما يجب في بعض أموال الزكاة ومن أموال الزكاة ما يجب فيه ربع العشر، ما يجب فيه وهذا في زكاة النقدين وعروض التجارة. وفي الثمار المدخرة العشر إن كانت تسقى بلا مئونة، وأما الثمار والمدخرات مثل الحبوب التي تسقى بمئونة ففيها نصف العشر. وفي الركاز الخمس؛ لأنه ألحق بالزكاة إلحاقاً. وأما المواشي فالزكاة فيها ليست مشاعة، وإنما هي مقدرة شرعاً. كلمة وتنقسم المواشي إلى ثلاثة أقسام: قسم فيه زكاة، وهو ما اتخذ للدر والنسل والتسمين، فهذا فيه الزكاة بنصابه. وقسم اتخذ لعروض التجارة فهذا نقدر فيه الزكاة، بمعنى أنه تعرف قيمته ثم نستخرج ربع العشر. وقسم لا زكاة فيه، وهو ما اتخذ للعمل والاستعمال، كرجل عنده بقرات يحرث عليها، فهذه ليست للدر والنسل والتسمين، وليست عروض تجارة، فلا زكاة فيها. يقول الله جل وعلا: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:١٤١]، فنهى الله جل وعلا عن الإسراف.

стр. 355

تفسير قوله تعالى: (ومن الأنعام حمولة وفرشا) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام:١٤٢]، الحمولة من الأنعام هي ما يركب عليه كالخيل والبغال والإبل، وأما الفرش فقال ابن جرير ﵀: إنه الغنم، ووجه تسميتها فرشاً عند ابن جرير هو دنوها من الأرض. ونقل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أحد المفسرين من السلف أن الحمولة ما اتخذ للركوب، والفرش من بهيمة الأنعام ما اتخذ للأكل والحلب. قال ابن كثير رحمه الله تعالى معقباً على قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وهذا القول يشهد له ظاهر القرآن. وذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧١ - ٧٢]، فالآيتين من سورة (يس) تشهدان بقوة لما ذهب إليه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من أن الحمولة ما اتخذ للكوب أياً كان، والفرش ما اتخذ للأكل والحلب. يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام:١٤٢]، أي: كما أنه جل وعلا أنشأ الجنات، فليس لكم حق في حجرها على أحد؛ كذلك أنشأ الأنعام وخلقها، فليس لكم حق في حجرها على أحد. قال تعالى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٤٢]، فلا يُجهَل تحريم ما أباحه الله جل وعلا من الطيبات لعباده.

стр. 356

بيان معنى قوله تعالى (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) ثم قال سبحانه: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنعام:١٤٢]، فبين سبحانه أن القرشيين بتحريمهم اتبعوا طرائق الشيطان؛ لأنهم افتروا على الله الكذب ووضعوا أنفسهم مقام المشرع، فمنعوا أقواماً وأعطوا آخرين، وجعلوا السائبة والوصيلة والحامي، وسموا أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، وقالوا: هذه لأزواجنا وهذه لنا، وهذه فيها شركاء وهذه ليس فيها شركاء، وأخذوا يشرعون ويفترون على الله الكذب وهم يعلمون. فلهذا نهى الله المؤمنين عن ذلك فقال: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام:١٤٢]. والشيطان يخفي عداوته ويزين، ولا يظهر عداوته، ومع ذلك سماه الله عدواً مبيناً، فالله جل وعلا كشف أمره وفضحه لعباده، وأخبرنا بأن الشيطان عدو مبين حتى نكون على حذر منه، ومع هذا كله يقع الكثير منا -إن لم نكن كلنا- في خطوات الشيطان، وقد نهى الله عن ذلك فقال سبحانه: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام:١٤٢].

стр. 357

ذكر بعض ما يتعلق بالمركوب من الدواب ونعود لقول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام:١٤٢]، فما يتخذ للركوب كان في الزمن الماضي يحمل أثقال الناس إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، كما قال الله جل وعلا. وقد كان للنبي ﷺ ناقة تسمى العضباء وتسمى القصواء، وهي التي حج عليها ﷺ ، وكان قد هاجر عليها، وقال يوم الهجرة: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة)، وفي يوم الحديبية بركت، فقال الناس: خلأت القصواء، فقال ﷺ : (والله ما خلأت، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)، ففهم ﷺ أن هذه الناقة ما خلأت إلا لأمر عظيم، فقال قبل أن يأتيه وفد قريش: (والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها)، ولهذا قبل ﷺ الصلح. وكان له ﷺ فرس اسمه السكب، وكانت له بغلة تسمى دلدل أهداها إليه المقوقس حاكم مصر صلوات الله وسلامه عليه. وما زال الناس في ذلك العصر يركبون الإبل والخيل والبغال حتى ظهرت دولة بني أمية، وصار هناك نوع من التلاقي الحضاري بين الشام وفارس، فعرف الناس البراذين ولم يكونوا يعرفونها والبغال الشهب ولم تكن مشهورة في الحجاز، فلما دخل معاوية ﵁ المدينة على بغلة شهباء افتتن الناس بها، كمن يركب اليوم سيارة غير مألوفة، ولذلك يروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قال: إن ابن الزبير إنما أعجبته الخلافة منذ أن رأى معاوية رضي الله تعالى عنه على بغلته الشهباء. وإن كان في إسناده إلى ابن عباس نظر. والذي يعنينا أن الناس جبلوا على حب المتاع الدنيوي، والإنسان يستطيع أن يستغني عن هذا بأن يربي نفسه على حب القرآن، فإذا تمكن القرآن منه من قلبه فإن أمثاله من المباركين ينفضون أيديهم عما في أيدي الناس، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر:٨٧ - ٨٨]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

стр. 358

بيان معنى قوله تعالى: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) قال تعالى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:١٤١]، أوغل بعض العلماء في تفسير هذه الجملة فقالوا: هي في الزكاة، ونسبوا إلى أحد الصحابة من الأنصار أنه كان إذا جاء يوم حصاده تصدق بماله كله وبقي فقيراً، وهذا القول مردود من باب أن هذه الآية مكية ولم تكن وقت إسلام الأنصار في المدينة، فلا يمكن حملها على الأنصار، ثم أنه ليس لها علاقة بما يؤتى الفقراء من الزكاة، فليست متعلقة بقوله جل وعلا: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، وإنما هي متعلقة بقوله جل وعلا: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:١٤١]. والفرق بين الإسراف والتبذير أن الإسراف: الزيادة في الشيء الذي له أصل، أما التبذير فهو الزيادة في الشيء الذي لا أصل له، فالتبذير أعظم من الإسراف، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:١٤١]، وقال في حق التبذير: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٧]. وإذا أردت دائماً أن تعرف الفرق بين أمرين فانظر في وصف الله جل وعلا لهما ولعاقبتهما، فالزنا ونكاح زوجة الأب كلاهما محرم شنيع، ولكن الزنا أهون من نكاح زوجة الأب، فإن قال قائل أين الدليل؟ قلنا: التفريق القرآني، حيث قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، ولما ذكر الله نكاح زوجة الأب قال: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢]، فزاد جل وعلا قوله: (مقتاً)، وهذا التدبر في القرآن والنظر في الفوارق بين آياته يضفي على كلامك عندما تنصح أو ترشد علماً جماً، فيورثك ثقة بنفسك، وهذا أمر مهم جداً، أعني أن تنطلق من قناعة عن نفسك؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فإذا كان من يتصدر للبحث العلمي وللكلام مزعزعاً لا يقف على أرضية صلبة فمحال أن يقتنع الناس به، ومحال أن يملك تأثيراً في القلوب، اللهم إلا في الضعفاء، فلتبدأ قوتك من ذاتك، والحصانة العلمية تعطيك القدرة على التصدر ومعرفة الشيء وإدراكه قبل التفوه به للناس. ولا تتعجل في كل شيء تسمعه فتنقله إلى غيرك قبل أن تمحصه؛ لأنك إن لم تمحصه لم تزل في دائرة في التقليد، ولكنك إن محصته وعرضته على عقلك المستند على شرع الله جل وعلا كنت قوياً حين عرضه، حتى لا يرد الناس عليك كلامك، وهذه هي حقيقة العلم. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى، وألبسني وإياكم لباسي العافية والتقوى. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 359

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [١٤٣ - ١٤٤] لقد ابتدع أهل الجاهلية بدعاً في الدين لم يكن لهم فيها من الله برهان، ومن جملتها تحريم بعض الأنعام، وهي كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فأبطل الله تعالى ما صنعوه لكونهم لم يأتهم بذلك نبي، ولم يتلقوه عن الله تعالى، وبأنه يلزمهم بتحريم بعض ذكور الأنعام تحريم جميع ذكورها، وبتحريم بعض إناث الأنعام تحريم جميع إناثها، وكل ذلك لبيان منزلة التشريع من العقيدة، وإذ لا يملكه غير الله تعالى، فليس للبشر الدخول في باب التشريع بأهوائهم.

стр. 360

تفسير قوله تعالى: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد ولياً مرشداً، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فهذا درس يتبع ما سبق من النظر والتأمل في كلام الله جل وعلا في سورة الأنعام تحديداً، وكنا قد انتهينا إلى قول ربنا تبارك اسمه وجل ثناؤه: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام:١٤٢]. وسنشرع هنا في قول الله جل وعلا: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:١٤٣ - ١٤٤]. هاتان الآيتان على وجه التحديد يلتبس معناهما على الناس كثيراً، خاصة إذا قرئتا في صلاة التراويح؛ لأن فيهما بعض الألفاظ غير الواضحة للعامة، ولكنها -بلا شك- واضحة لطلاب العلم؛ لأن هذا وعد قرآني، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]. وكلمة (زوج) في اللغة تطلق على الفرد الذي هو متعلق بغيره، ولا يقصد بالزوج التثنية ابتداء، فقول الله جل وعلا: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام:١٤٣] ليس المقصود منه أن العدد ستة عشر، فالإشكال يأتي في فهم هذه الآية إلى الناس عندما يقرءون أو يتلى عليهم قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍَ﴾ [الأنعام:١٤٣]، فيظنون أن العدد ستة عشر، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ [النجم:٤٥]، فيفهم بعض الناس أنها أربعة، وقد قال جل وعلا بعدها: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [النجم:٤٥]، فالذكر وحده لارتباطه بالأنثى يقال له زوج، والأنثى وحدها لارتباطها بالذكر يقال لها زوج. ففي الإبل يقال للجمل: زوج؛ لأنه لابد له من ناقة، والناقة يقال لها: زوج؛ لأنها لابد لها من جمل، فهذا أمر مهم في العبور إلى فهم الآية. أما الآية من حيث العموم فقد قال الله تعالى قبلها: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام:١٤٢]، فهذا إجمال، ثم فصل بعد ذلك.

стр. 361

بيان أوجه إبطال ما شرعه أهل الجاهلية في الأنعام وقد كان في العرب كان رجل يقال له عمرو بن لحي، قال ﷺ عنه -كما عند مسلم في الصحيح-: (رأيت عمرو بن لحي أخا بني كعب يجر قصبه في النار)، أي: أمعاءه، فـ عمرو بن لحي كان مكياً، وعاش أيام ولاية خزاعة على مكة قبل قريش، وكانت لهم السيادة والإمرة، والعرب تقول: الناس على دين ملوكها، أي: على دين سادتها وعلى دين من لهم الشرف، فخرج عمرو إلى الشام فرآهم يعبدون الأصنام، ورأى عندهم عادات في الأنعام بنيت على ضلال، فنقلها عمرو بن لحي إلى مكة، فلما نقلها إلى مكة جاء إلى الناقة فبحرها، أي: جدع أنفها، فسميت بحيرة، ثم حرم لبنها، ثم جاء إلى الفحل من الإبل، فإذا كان قد طرق الأنثى مراراً وتكراراً حتى توالد منه الكثير حرم أكله وسماه حاميا، ثم جاء إلى بعض بهيمة الأنعام فسيبها وأطلقها ومنع الناس من أن يأكلوا منها، فسيب السوائب، وأتى بشرائع من عنده مزجها بحضارة من لقيهم من أهل الضلالة، ثم قننها وجعلها شرعاً، والتشريع والتحليل والتحريم لا يكون إلا لله، فهذا عين الشرك، قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، وقد قال النبي ﷺ لـ عدي: (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحللون ما حرم الله فتحلونه؟! قال: نعم. قال: فتلك عبادتهم). فأقام عمرو حضارة في مكة على هذا المنوال، وتوارثها القرشيون عنه، فكانوا يأتون إلى الذكر من الإبل أحياناً فيحرمونه في مرحلة ويبيحونه في مرحلة، ويأتون إلى الأنثى ويصنعون معها مثل هذا الصنيع، ويقولون: (ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) فهذه الشرائع التي سنوها جاء الشرع بإبطالها رغم أن سورة الأنعام سورة مكية، ولكن لما كان هذا الخطأ خطأ عقدياً لم يؤجل إلى العهد المدني، وإنما جاء التحريم في العهد المكي؛ لأن هذا داخل في العقائد، والنبي ﷺ مكث ثلاثة عشر عاماً يبني العقيدة في مكة، وهذا حق، ومن العقيدة أنه لا أحد يملك التحريم والتحليل إلا إلا الله، وإذا فقه المؤمن هذا يفهم علة قول الله هذه الآيات، وبعض الناس يقول: أتعجب من إيرادها في سورة مكية لولا أنها قرآن، والعلماء يقولون لنا: إن السورة المكية تعنى بالعقائد. والحق أن هذا من أعظم ما يتعلق بالعقائد؛ لأنهم شرعوا وحللوا وحرموا، وليس لهم ذلك. فأراد الله بهذه الآية أن يبطل ما ذهبوا إليه، فجاءهم بما يسمى بالسبر ثم التقسيم، بمعنى أنه يُستقصى الموضوع ثم يبين بطلان كل شيء، فقال الله لهم جملة: إنه لا سبيل إلى صحة قولكم عقلاً ولا نقلاً. أما النقل فأن يكون نبي من أنبيائي أخبركم بهذا التحريم، وهذا ما ذكره الله في قوله: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام:١٤٣]، وأنتم لا تؤمنون بخير الأنبياء، فكيف تؤمنون بأنبياء قبله؟! ولم يأتكم نبي يخبركم بهذا التشريع الذي اتبعتموه، فهذه واحدة. والثانية أن تكونوا قد أخذتم هذا عن الله مشافهة، وهذا ذكره الله في قوله جل وعلا: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام:١٤٤]، فإذا انتفت مسألة كون النبي واسطة بينكم وبين الله لم يبق إلا أنكم أخذتموه عن الله مشافهة، وهذا لم يقع، فانتفى بهذين الدليلين النقليين ما فعلتموه. وبقي الدليل العقلي، وهو أن الله جل وعلا قال: إن الأنعام ثمانية أزواج، ثم فصلها فقال: من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الإبل اثنين، فهذه الثمانية لم يحرم الله جل وعلا شيئاً منها. ثم إن ما في البطون لا يخلو من أن يكون ذكراً وأنثى، ولم يحرم الله جل وعلا شيئاً منها، فإن حرمتم ذكراً وجب أن تحرموا جميع الذكران، وأنتم لا تحرمون جميع الذكران، فالذكر تارة تبيحونه وتارة تحرمونه، وإن حرمتم الأنثى -سواء أكانت في البطن أم خارج البطن- وجب أن تحرموا جميع الإناث؛ لأن الزوج لا يخلو من أن يكون ذكراً أو أنثى، وأنتم تحرمون نوعاً من الإناث وتدعون غيره، فانتفى بذلك كل دليل لهم على صحة ما ذهبوا إليه، فلم يبق إلا شيء واحد، وهو أنهم كذبوا على ربهم، وإذا كذبوا على ربهم أصبحوا ظلمة، والظلمة لا يفلحون، ولهذا ختم الله الآيتين بقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:١٤٤].

стр. 362

ذكر بعض ما ورد في الضأن والمعز قال الله جل وعلا: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام:١٤٣] وقد بينا مسألة الزوج ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣] الضأن الذكر منه يسمى كبشاً، والأنثى منه تسمى نعجة؛ فالنعجة يقول عنها بعض من له علاقة بمثل هذه العلوم: إنها من أكرم الحيوانات على الله؛ لدليل عقلي، وهو أن الله ستر عورتها، وقد ورد في شعر العرب إطلاق النعجة على المرأة، وهذا لم يرد إلا في بيت أو بيتين، ولم يكن شائعاً على الصحيح، وهذا ما تمسك به من يقول: إن آية ص: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص:٢٣]، المراد بالنعجة فيها المرأة، وهذا عندي بعيد، والأصل إجراء القرآن على ظاهره، لا أن يحمل على بيت قيل في الجاهلية، فهذا لا يتفق مع سنن فهم القرآن. وأما الكبش فيطلق أحياناً على السيد والرئيس، يقول عمرو بن معدي كرب: نازلت كبشهم ولم أر من نزال الكبش بدا هم ينذرون دمي وأنذر إن لقيت بأن أشدا كم من أخ لي صالح بوأته بيدي لحدا ما إن جزعت ولا هلعت ولا يرد بكاي زندا وموضوع الشاهد قوله: (نازلت كبشهم) أي: سيدهم وفارسهم والقائم على أمرهم، فيطلق على السيد والرئيس. والكبش هو ما فدى الله به؟ إسماعيل على القول الشائع بأن إسماعيل هو الذبيح، والله جل وعلا يقول: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧]، وهنا جاء خلاف بين العلماء في قضية أي الأضاحي أفضل، هل الكبش أم الإبل أم البقر؟ فمذهب مالك أنه الكبش؛ لأن الله اختار أن يفدي به إسماعيل، وهذا قول قوي، ويدل عليه من السنة أن النبي ﷺ مكث في المدينة يضحي عشر سنين فلم يضح إلا بالكبش من الضأن. فهذا الكلام كله عن الضأن ذكر وأنثى. ومن المعز التيس، وهو الذكر، والعنز هي الأنثى منه، وقد جاء ذكر العنز في حديث، وهو أن النبي ﷺ مر على أعرابي فأكرمه، أي أن الأعرابي أكرم النبي ﷺ وهو في سفر، فقال ﵊ للأعرابي وهو يعلم الأمة كيفية رد صنع المعروف: (ائتنا)، يعني: إن جاءتك فرصة لأن تأتي المدينة فتعال حتى نكرمك، فقدر للأعرابي أن يدخل المدينة، فاحتفى به ﷺ وقال: (سلني حاجتك؟)، وثقافة الأعرابي محدودة، والعلم والإيمان عنده لم يكن بذاك؛ لبعده عن موطن العلم، فقال: أسألك أعنزاً يحلبها أهلي. فقال ﷺ : (عجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل؟! فقالوا: يا رسول الله! وما عجوز بني إسرائيل؟ فقال ﵊: إن موسى لما أراد أن يخرج ببني إسرائيل من أرض مصر قال له علماؤها: إن يوسف أخذ علينا العهد والميثاق أن إذا خرجنا أن نخرجه معنا، فقال: ومن يدلني على قبر يوسف؟ قالوا: لا يعرفه إلا عجوز في بني إسرائيل. فأتى موسى ﵇ إلى تلك العجوز فقالت: لا أدلك حتى تؤتيني سؤلي؟ فقال: وما سؤالك؟ قالت: أن أكون مرافقتك في الجنة). فضرب النبي ﵊ هذه القصة لبيان أن الإنسان يجب عليه أن ترتفع همته كما ارتفعت همة عجوز بني إسرائيل، وهذا الأعرابي لقلة علمه لم يكن يطلب إلا أعنزاً يحلبها أهله. قال الله تعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣]، والله لم يحرم الذكر من الضأن ولا الذكر من المعز، ولا الأنثى من الضأن ولا الأنثى من المعز، ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣]، وليس في الرحم إلا ذكر أو أنثى ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام:١٤٣] هذا بينا أن هذا دليل نقلي ممتنع عندهم، وهو أنه لم يكن لديهم نبي يأخذون عنه علماً.

стр. 363

بيان معنى قوله تعالى (ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين) ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤]، والإبل جمع لا مفرد له من جنسه، والذكر منها يسمى جملاً والأنثى منها تسمى ناقة. قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤]، والبقر ذكره الثور وأنثاه البقرة، وهناك سورة في القرآن عظيمة جليلة تسمى سورة البقرة، وغالب الظن أن الحيوان إذا ذكر في سورة فإن السورة تسمى به في غالب الأمر، كالبقرة، مع أن البقرة لم ترد إلا في آيات معدودات في سورة البقرة على طول السورة، والعنكبوت، فلم ترد ذكره إلا في آية ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١]، والفيل سميت به سورة، والنحل لم يرد ذكره إلا في ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل:٦٨]. وقد ذكر النبي ﷺ الثور في أشراط الساعة، حيث يرتفع ثمنه ويقل ثمن الخيل؛ لأن الأرض يعمها الإيمان، فلا حاجة إلى الجهاد، وإذا كان الأمر كذلك كان الناس في نعيم، فيأكلون ويطعمون أكثر مما يركبون، فلا حاجة إلى شراء الخيل، فيقل تهافت الناس عليها، ويقل ثمنها، ويتسابق الناس على شراء ما يطعمون، فيرتفع ثمن الثور.

стр. 364

ذكر بعض ما يتصل بالثمانية من العدد قال الله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام:١٤٣]، كلمة (ثمانية) غالباً ما تقال في الأشياء المحمودة، فالنبي ﷺ أخبر أن أبواب الجنة ثمانية، في حين أن أبواب النار سبعة كما هو معلوم. وقد ارتبط هذا الرقم بالخليفة العباسي المعتصم كثيراً، فأي صاحب صنعة تاريخية إذا ذكر له رقم (ثمانية) يتذكر الخليفة العباسي المعتصم. فالمعتصم ثامن أولاد الرشيد، وثامن خلفاء بني العباس، وحكم ثمان سنين وثمانية أيام وثمانية أشهر، وولد في برج العقرب، والعقرب ثامن البروج، وخلف ثمانية ذكور وثمان إناث، وكان عمره عندما مات ثمانية وأربعين عاماً، فرقم (ثمانية) تعلق بحياته تعلقاً غريباً بقدر الله، وفي اليوم الذي مات فيه كان قد بقي من نهاية شهر ربيع ثمانية أيام، أي: مات لثمانية أيام بقين من شهر ربيع الأول، وهذا كله يدل على أن هذا الرجل سمي بالمثمن لارتباطه برقم (ثمانية) وقد كان دعبل الخزاعي على خلاف طويل مع المعتصم، فقال يهجو المعتصم: ملوك بني العباس في الكتب سبعة ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة خيار إذا عدو وثامنهم كلب وإني لأعلي كلبهم عنك رتبة لأنك ذو ذنب وليس له ذنب هذا ما قاله دعبل الخزاعي في هجاء المعتصم، وهذا يدخل على قضية الشعر السياسي. والمهم أن دعبلاً هذا كان خزاعياً، فأصابه الغبن؛ لأن بني العباس وهم يريدون أن ينزعوا الخلافة من الأمويين كانوا يدعون إلى الرضا من آل البيت دون تحديد، فلما آلت الخلافة إليهم نحوا أبناء علي وجعلوها في أبناء العباس، بحجة أن أبناء عمومة النبي ﷺ أولى من أبناء البنت؛ لأن فاطمة بنت النبي ﷺ ، فأصاب ذلك العلويين عموماً بالحنق، ومن أشهر من والاهم دعبل هذا الذي هجا المعتصم، فأهدر دمه، وأخذ يدور في الفيافي. ومتأخروا الشيعة الذين عاشوا في عصر بني العباس يعظمون دعبلاً تعظيماً شديداً لما قاله من أبيات في مدح أهل البيت، وهو القائل: ديار علي والحسين وجعفر وحمزة والسجاد ذي الثفنات أرى فيئهم في غيرهم متقسماً وأيديهم من فيئهم صفرات بنات زياد في القصور مصونة وآل رسول الله في الفلوات ألم تر أني مذ ثلاثين حجة أروح وأغدو دائم الحسرات وقد كوفئ على هذه القصيدة، وهذا الشعر يفتح باب الشعر السياسي، وأول من فتحه قبله الكميت الأسدي في مدحه لآل البيت واحتجاجه على بني أميه بأن الحكم يمكن أن يورث. هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله. وصلى الله على محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين.

стр. 365

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الإسراء [ ١ - ٣] أيد الله سبحانه نبيه ﷺ بالآيات والمعجزات والبراهين الدالة على صدق دعوته وما جاء به، ومن هذه الآيات: حادثة الإسراء والمعراج، فقد أسرى به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العلى، حتى سمع صريف الأقلام عند سدرة المنتهى، وقد كانت هذه الحادثة حقيقة بجسدة وروحه الشريفين ﷺ ، ولا ينكر هذه الحادثة إلا من هو أضل من حمار أهله، فإن الآيات القاطعات، والبراهين الدامغات، لتدل على قدره ﷺ عند ربه، فمن أراد التشكيك في محبة الله لنبيه فليناطح الجبل، وليسد عين الشمس بيده الحقيرة، وأنى له ذلك.

стр. 366

الكلام عن أسماء سورة الإسراء والإرهاصات التي سبقت الحادثة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فنشرع في هذا اللقاء المبارك -إن شاء الله تعالى- في تأويل سورة الإسراء، فنقول بداية: سورة الإسراء سورة مكية بالاتفاق، إلا بعض آيات منها كانت محل خلاف، ومنها قول الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥]. أما بالنسبة لاسمها: فلها اسم توقيفي، واسمان اجتهاديان، أما الاسم التوقيفي فهو: سورة الإسراء، وبه دونت كثير من المصاحف، أما الاسمان الاجتهاديان فأحدهما أشهر من الآخر، فالاسم الاجتهادي الأول: أنها تسمى سورة بني إسرائيل، وقد جاء هذا على أقوال بعض الصحابة، كقول عبد الله بن مسعود ﵁ -كما عند البخاري -: إن بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، لمن تلاد ومن العتاق الأول. والعتاق: جمع عتيق، والمقصود بها: إما ما بلغ الغاية في الجودة، أو ما كان حسناً قديماً، كما أن كلمة (تلاد) تأتي ضد كلمة طارف، فالعرب إذا ملكت شيئاً حاضراً جديداً تسميه طارفاً، وإذا تكلمت عن ملك قديم سمته تلاداً. ومقصود ابن مسعود بكلامه عن هذه السور المباركات: الإسراء، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: أنها من أوائل ما أنزل، ومن أوائل ما أخذه عن النبي صلوات الله وسلامه عليه. أما الاسم الأخير الاجتهادي فهو: سورة سبحان، وهذا وجد عند بعض المفسرين كـ ابن عطية والثعالبي، فقد أطلقوا عليها اسم: سورة سبحان، هذا بالنسبة لتحرير الأقوال في تسمية السورة. وقد سميت بالإسراء لأن الله جل وعلا ذكر في أول آياتها المعجزة التي كرم بها نبينا ﷺ ؛ وذلك بأن أسرى به جسداً وروحاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. نلج الآن إلى باب التأويل: قال ربنا وهو أصدق القائلين: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]، بداية نقول: إنه لا يمكن أن نفسر القرآن بمعزل عن السيرة، ثم لا بد أن نفسر القرآن ونحن نعلم أنه من عند الله مع استصحابنا لعظمة الله، فجمع هذه الأمور بعضها إلى بعض يعينك في التفسير. لقد بعث الله جل وعلا نبيه ﵊ بالهدى ودين الحق، فاضطهده قومه وأصحابه، لكنه قلب جميع الطرائق في الوصول إلى هداية الناس، ومن تلك الطرائق التي اتبعها أن ذهب إلى الطائف، فلما ذهب إلى الطائف رده أهلها، فلما عاد من الله عليه بسماع الجن له: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١]، ثم دخل مكة بعد أن منعته قريش بجوار المطعم بن عدي، وقد كان صاحبه في تلك الرحلة زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم صاحب تلك الأحداث موت خديجة كنصير داخلي، ومات عمه أبو طالب كنصير ظاهر رغم شركه. ومات عمك والأعداء في الأجم. في هذه الأجواء عرج به ﷺ إلى سدرة المنتهى، بعد أن أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقدم الله في القرآن هذا الخبر القرآني بقوله: ﴿سُبْحَانَ﴾ [الإسراء:١]، وهي: مصدر لازم للإضافة يراد به تنزيه الله جل وعلا عما لا يليق به، ولا يمكن لمن يفقه لغة العرب، ويرى أن الله قدم لهذا الحدث بقوله: ﴿سُبْحَانَ﴾ [الإسراء:١]، إلا يستبين له أن الحدث حدث عظيم، خارج عن المألوف، معجزة وكرامة لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا قدم الله جل وعلا بقوله: ﴿سُبْحَانَ﴾ [الإسراء:١]، وهذا يدفع قول من يقول: إن الإسراء والمعراج كان رؤيا، فالرؤيا المنامية التي يراها الإنسان -أياً منا- مهما عظمت وبلغت لا تعد أمراً خارجاً عن المألوف، فلا حاجة لأن يتصدر الخطاب القرآني بقوله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء:١]، والسرى: المشي ليلاً، يقال: أسرى، ويقال: سرى، تقول: أسريت وسريت. ولما كان الإسراء هو المشي في الليل ومع ذلك ذكر الله كلمة (ليلاً)، هذا دفع البلاغيين لأن يجيبوا عن هذا الإشكال بقولهم: إن كلمة (ليلاً) جاءت نكرة، فإما أن تكون للتقليل فيصبح المقصود: إظهار القدرة، بمعنى: أن هذا الإسراء تم في برهة وجيزة من الليل، وإما أن يكون المقصود من تنكيرها: التعظيم، والمعنى: ليل وأي ليل فيه دنا محمد ﷺ من ربه، هذا تخريج.

стр. 367

حادثة الإسراء والمعراج كما جاءت في السنة المطهرة بعد هذه الإطلالة نلج إلى موضوع الإسراء من السنة ثم نعود للآيات. - نقول إجمالاً مستنبطين ما في الإسراء والمعراج من دروس: إن النبي ﵊ كان نائماً، فجاء جبريل والملائكة ليأخذونه، وقد تخيروه ممن كان نائماً معه، وقد استفاد العلماء من هذه القضية: أن الملائكة تعرف أعيان بني آدم، ولهذا عرفوه من بين النائمين، هذه واحدة. الثانية: عندما شق صدره شقاً حسياً من النحر إلى أعلى مرقاة البطن، وأخرج القلب -وهذا ثابت في الصحيح- وغسل في إناء من ذهب، وملئ القلب إيماناً وحكمة، فهم منها العلماء: أن الحكمة أجل شيء يعطاه المرء بعد الإيمان، قالوا: لأن النبي مهد لأن يرقى الدرجات العلى، وأن يصعد إلى سدرة المنتهى، فملئ قلبه إيماناً وحكمة، ففهموا أن الحكمة أجل ما يعطاه بنو آدم بعد الإيمان، وهي إصابة الشيء، أو وضع الشيء في موضعه الصحيح. ثم إنه غسل قلبه بماء زمزم، وفيه دلالة: على فضل ماء زمزم، وقد شهدت بهذا آثار تكلمنا عنها مراراً، ثم إنه ﵊ قدم له البراق، وهي: دابة ينتهي حافرها حيث ينتهي بصرها، وكان معه جبريل، فأتى المسجد الأقصى، وهو مسجد إيليا، مسجد بيت المقدس، ويسمى: المسجد الأقصى الآن، وهذا اسم الشهرة، وكان قد جدد بناءه داود وسليمان ﵉، لكنه وضع في الأرض بعد أن بنيت الكعبة بأربعين عاماً. وقول الله جل وعلا في القرآن: ﴿الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] وهو يتكلم عن المسجد الحرام لا يجعل المعنى متفقاً، إلا إذا كان هناك مسجد ثالث بينهما، وهذا فيه إرهاص مبدئي على أن هناك مسجداً سيعمر، وهو الذي كان بعد ذلك المسجد النبوي، ثم صلى النبي ﷺ بإخوانه النبيين إماماً في المسجد الأقصى: في موطنهم، فالشام أرض النبوات، وفيها أكثر الأنبياء مع أن الإنسان لا يقدم عليه أحد في سلطانه، فلما تقدم النبي ﷺ عليهم في سلطانهم ومحلهم دل ذلك على فضله، وهو مراد شرعي عظيم من ربنا، يخبر الله من خلاله هؤلاء الأنبياء أن محمداً ﷺ وإن كان آخركم عصراً إلا أنه أرفعكم وأجلكم وأولكم شأناً وقدراً، وقد جاء في بعض الروايات التي لم تثبت سنداً: أنه التفت بعد أن صلى، فوجد مشيخة آبائه: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وعظماء الأنبياء، فقال لهم: إن الله أمرني أن أسألكم: أأمركم الله أن تدعوا إلى عبادة غيره؟ قالوا: لم يدعنا الله إلا أن نعبده، وندعو إلى عبادته وحده: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وفي قراءة: (يعبدون) فهذا الخبر يعضد سؤال هذه الآية، لكن لا أعلم سنداً صحيحاً في إثباته، لكن الثابت: أنه صلى بالنبيين إماماً، ولقيهم بعد ذلك كما سيأتي في السموات. وهنا سؤال مهم: هل صلى بهم أجساداً وأرواحاً، أم أجساداً دون أرواح، أم أرواحاً فقط؟ المترجح: أنه صلى بهم أرواحاً، وإن اختار بعض أهل العلم: التوقف، والتوقف أقوى.

стр. 368

والحق ما شهدت به الأعداء وقد ربط ﷺ دابته في مربط كان الأنبياء قبله يربطون فيه دوابهم، وهذه الفائدة جاءت عند أبي نعيم في الحلية، إذ جاء فيها خبر أبي سفيان: أنه قدم على هرقل قبل إسلامه، فأخذ هرقل يسأله -وهو قيصر الروم- عن محمد ﷺ ، وأبو سفيان يحاول أن يجد ثغرة يبين فيها كذب النبي ﷺ ، لكنه كان دبلوماسياً جداً، فقد خاف أن يقول كذبة يكتشفها هرقل فلا يصدقه فيما سيقوله بعد ذلك من حديث، وهو في قلبه مغبون على أنه مضطر لأن يصدق، حتى جاء عند هذه النقطة، فقال أبو سفيان لـ هرقل: إنه زعم -أي: محمد- أنه جاء مسجدكم في إيليا في برهة من الليل فصلى وعاد. لعله أن يجد بذلك تسفيهاً لرأي النبي ﷺ عند هرقل، لكن الله يقول وقوله الحق: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الفتح:٤]، فقد أنطق الله البطريق الواقف على رأس هرقل فقال بعد أن ترجم الكلام لـ هرقل من قبل أبي سفيان: وإني لأعلم أي ليلة تلك، فتعجب هرقل والتفت إلى بطريقه وأعرض عن أبي سفيان، قال: وما يدريك؟ قال: إنه لما كنت في إحدى الليالي أعمل ما جرت العادة أن أعمله، أغلق أبواب المسجد، فعجزت عن باب من أبوابها أن يغلق، فاستعنت عليه بخدمي وعمالي ومن حضرني من أهل تلك الليلة فعجزوا، فبعثت إلى النجاجرة -أي: المعنيين بإصلاح الأبواب- فلما قدموا قالوا: إن هذا الباب سقط عليه شيء من النجاف والأبنية، فإذا أصبحنا رأينا أين علته، فدعوه إلى الصباح، يقول: فتركته، فلما أصبحت بدأت بالباب فإذا بالصخرة التي توضع عندها الدواب مثقوبة، وفيها أثر مربط الدابة، فقلت لأصحابي يومها -أي: صبيحتها-: إن الباب ما حبس الليلة إلا على نبي، يعني: أن الله جل وعلا منعنا أن نغلق الأبواب إكراماً لنبي، والبطريق وقتها لا يعرف أي نبي سيأتي في تلك الليلة، لكن العلم الذي عنده من الكتاب ومعالجته لبيت المقدس وللمسجد من سنين عديدة جعله يفقه هذا الأمر. وفي هذا فوائد عظيمة جليلة من أهمها: أن الله رتب الأسباب على مسبباتها، فأنت تعلم -أيها المبارك- أن الله جل وعلا أسرى بنبيه في برهة من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والله لا يعجزه شيء، ومن أكرم نبيه بهذا الإسراء قادر على أن يفتح له الباب ولو كان مغلقاً، لكن الله أعجز البطريق عن فتح الباب؛ حتى يصبح البطريق بعد ذلك شاهداً على دخول نبينا ﷺ المسجد، وقد كان بالإمكان أن يغلق الباب فيأتي جبريل ويفتحه، لكن البطريق عجز عن الباب حتى يصبح فينظر في الباب، فإذا نظر في الباب رأى آثار النبي ﷺ ودابته البراق، فيكون شاهداً على صدق قوله، فأصبح البطريق شاهداً عند قيصر على صدق نبينا ﷺ .

стр. 369

العروج بالنبي إلى سدرة المنتهى ثم بعد ذلك عرج به إلى سدرة المنتهى، ومن المعلوم أن السموات أبنية وسقف محفوظ كما قال الله، ولهذا دخل القائلون باستحالة وصول الإنسان إلى القمر من باب القرآن، فقالوا: قد ذكر الله بأن القمر في السموات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح:١٦] أي: في السموات، وقال جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:٣٢]، فقالوا: لا سبيل إلى القمر؛ لأن القمر في السموات، والله يقول عن السموات أنها سقف محفوظ، لكن الذين يقولون بوصول الإنسان إلى القمر من علماء الملة يجيبون عن هذا الإشكال بأن (في) هنا لا تعني بالضرورة أن تكون ظرفية، أي: يكون القمر داخل السموات، وليس هذا المقام مقام التفصيل، لكنني استطردت قليلاً. ثم قابل ﷺ في السماء الأولى: أباه آدم، وآدم هو أبو البشر، وقد نسبنا الله إليه فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف:٢٦]، وحول آدم أسودة عن يمينه وشماله، فمن كتب الله لهم الجنة ينظر إليهم فيبتسم، ومن كتب الله عليهم النار ينظر إليهم فيحزن ويبكي، وحق له ذلك فهو أبوهم، وكان الذي عرف آدم بمحمد، ومحمد بآدم هو جبريل ﵇، فقد استفتح قبل ذلك جبريل، فسأله الخازن: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قال الخازن: أومعك أحد؟ قال: نعم، معي محمد، وقد فهم منها العلماء فائدة عظيمة وهي: أن الإنسان يجب عليه أن يستأذن إذا دخل على أصحاب دار ولو كان أفضل منهم؛ لأن جبريل ومحمداً ﵉ خير من خزنة السماء، ومع ذلك عرفا بأنفسهما، فقال: جبريل، ومعي محمد، وقد جاء الشرع بكراهة أن الإنسان إذا استأذن فسئل: من أنت؟ أن يقول: أنا، وليست كلمة أنا مكروهة لذاتها، إلا إذا خلت من التعريف، وبعض العامة اليوم يقول إذا تكلم عن نفسه: وأعوذ بالله من كلمة أنا، وهذا لا أصل له في الشرع، فقد ثبت عن النبي ﷺ وعن أصحابه أنهم كانوا يقولون: أنا، فمن ذلك قوله ﵊ لـ أبي بكر وعمر لما خرجا وقد أخرجه الجوع، قال: (ما الذي أخرجكما؟ قالا: أخرجنا الجوع، قال: وأنا أخرجني الجوع) فتكره في الاستئذان إن لم تكن أعقبت بالتعريف، أما في الأمور العادية فإن الله نقمها من فرعون لما بعدها، وليس لذاتها، فإنه قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ونقمها جل وعلا من إبليس لما قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فالإشكال عند إبليس وفرعون ما بعد كلمة أنا، ليس في لفظ كلمة أنا، إذاً ما تقوله العامة: وأعوذ بالله من كلمة أنا، ليس له دليل شرعي يعضده. إذاً: استأذن جبريل ومحمد فلقيا آدم، ثم ارتقيا إلى السماء الثانية فوجدا ابني الخالة: يحيى بن زكريا، وعيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام، فيحيى بن زكريا وعيسى بن مريم كثيراً ما يقرن الله بينهما في القرآن كما ورد في سورة مريم، وهما ابني خالة؛ لأن زكريا زوج لخالة عيسى بن مريم، ولذلك كفل مريم ﵊، ثم انتقل للسماء الثالثة فوجد يوسف ﵊ وقد أعطي شطر الحسن، وبينا مراراً في هذا الدرس المبارك وفي غيره من الدروس أن المقصود بأن يوسف أعطي شطر الحسن أي: شطر حسن آدم، فآدم أجمل خلق الله من بني آدم؛ لأن الله خلق آدم بيده، فيوسف ﵇ على الشطر والنصف من جمال أبيه، ولقي في السماء الرابعة أخاه إدريس وتلا: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧]، وإدريس لما رحب بالنبي ﷺ قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ففهم منها العلماء: أن إدريس ليس من عمود نسبه صلوات الله وسلامه عليه، أي: أن إدريس ليس جداً للنبي ﵊، إذ لو كان جداً في عمود نسبه لقال: أهلاً بالابن الصالح، لكنه قال: أهلاً ومرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، كما قال يوسف وكما قال عيسى بن مريم وكما قال يحيى، وكل هؤلاء ليسوا في عمود نسبه صلوات الله وسلامه عليه. ثم أتى السماء الخامسة فوجد هارون بن عمران أخو موسى وأكبر منه سناً، وقد جاء في بعض الروايات أنه قال: (وجدت رجلاً تكاد تلامس لحيته سرته، قلت: من هذا يا جبريل؟! قال: هذا المحبب في قومه هارون بن عمران)، وقد كان هارون شخصية محبوبة جداً لبني إسرائيل، ثم في السماء السادسة قابل كليم الله وصفيه موسى بن عمران، ورحب به: (أهلاً بالأخ الصالح والنبي الصالح، وبكى -أي: موسى- فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي)، وقد فهم منها العلماء: جواز الغبطة في الخير. ثم أتى السماء السابعة فقال: (فوجدت رجلاً لم أجد أحداً أشبه بصاحبكم منه ولا منه بصاحبكم، وقد أسند ظهره إلى البيت المعمور، قلت: من هذا يا جبريل؟! قال: هذا أبوك إبراهيم)، وإبراهيم أب للنبي ﷺ بالاتفاق، فرحب به قائلاً: (أهلاً بالابن الصالح والنبي الصالح)، وكل هذا الاحتفاء ليظهر الله لنا كرامة نبيه ﷺ عنده. ثم رأى البيت المعمور، وهو بيت في السماء السابعة، يقول العلماء -والعلم عند الله- إنه مواز للكعبة، وقد أقسم الله به في الطور، قال: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور:١ - ٤]. ثم إن الله جل وعلا قربه وأدناه وكلمه وناجاه، لكننا نجزم -وإن كان في المسألة خلاف- على أن النبي ﷺ لم ير ربه ليلة الإسراء والمعراج، وسيأتي معنا -إذا عدنا للآية- الدليل الظاهر على هذا، ثم إنه ﷺ رجع فسأله موسى عن الصلوات فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لن تطيق ذلك، وقد عالجت الناس قبلك، فما زال يتردد بين ربه وبين موسى، ثم قال ﵊ لموسى: (إنني استحييت من ربي) فنادى مناد: أنني أمضيت فريضتي وأبقيت أجري، فأعطى الله هذه الأمة خمس صلوات في اليوم والليلة بأجر خمسين صلاة. يقول العلماء: لقد اجتمع في النبي ﷺ أمران: حياؤه من ربه، وشفقته على أمته، فاختار الحياء من ربه على الشفقة على الأمة، فأكرمه الله بأن أبقى له الحياء مع ربه، وأعطاه سؤله في الشفقة على أمته، وتحقق ما كان يقصده ﷺ من شفقته على أمته. ثم بعد ذلك عاد ﵊ من ليلته إلى فراشه، وهذا مجمل ما ورد في السنة.

стр. 370

تفسير قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً السميع البصير) يقول ربنا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١] قلنا: إن ليلاً هنا نكرت للتعظيم، أي: ليل وأي ليل، ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:١] قلنا: إن المسجد الحرام يطلق في القرآن ويراد به واحد من أربعة: يراد به: مكة، ويطلق ويراد به: الحرم، وحدود الحرم جملة، ويطلق ويراد به: المسجد المحيط بالكعبة، ويطلق ويراد به: الكعبة. قال تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، وكلمة الأقصى وحدها لا تفيد تشريفاً بخلاف الحرام فتفيد تشريفاً، ولهذا قال الله بعدها: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، فشرف المسجد الأول بقوله: ﴿الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:١]، وفي الثاني بوصفه بقوله: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، أرض الشام أرض مباركة، قال: ((لِنُرِيَهُ)) اللام للتعريف، أي: لنري نبينا ﷺ ، ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]، وهنا نعود لما كنا قد أجلنا الحديث عنه، فنقول: لا ريب أن رؤية الله أعظم من رؤية آياته، فلو كان في رحلة الإسراء والمعراج أن نبينا ﷺ رأى ربه، والمقام مقام مدح وثناء وامتنان، لكان الذكر بأنه ﷺ رأى ربه أعظم من الثناء عليه والامتنان عليه بأنه رأى آيات ربه: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]، والسميع والبصير اسمان من أسماء الله الحسنى، وقد اختارهما الله هنا بالتحديد لأن هذه الرحلة التي أكرم الله بها نبيه جاءت بعد عودته من الطائف، وقد كان النبي ﷺ يدعو أثناء سيره من الطائف إلى مكة، فكانت مناسبة ذكر السميع: أن الله سمع دعاء نبيه واستجاب له: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي)، وأما البصير: فإن الرحلة كانت ليلاً، والله جل وعلا قادر على أن يحفظه ليلاً ونهاراً، لكن لما ذكر الليل كان أكمل؛ لأنه إذا قدر الله على حفظه بالليل فمن باب أولى أنه قادر على ذلك في النهار، والله على كل شيء قدير، ولهذا ذكر هذان الاسمان دون غيرهما في السياق: ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]. إليك بعض المقارنات، فإن العرب تقول: وبضدها تتميز الأشياء: كان رفيق النبي ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج هو جبريل، بدلاً من زيد، وهذا لا يقلل من شأن زيد، ثم إن الطائف كانت أرضاً مرتفعة ومع ذلك رده أهلها، وجبالها عالية على مكة يصطاف فيها الناس منذ القدم، وعن تلك الدار العالية عوضه الله بالسماوات السبع، وشتان بين سدرة المنتهى والطائف، ثم إنه دخل مكة بجوار المطعم بن عدي، يعني: لم يستطع أن يدخلها لوحده، بل دخلها في جوار رجل كافر مات على كفره، قال حسان: فلو كان مجد يخلد اليوم واحداً من الناس أبقى مجده الدهر اليوم مطعماً أي: لو حصل ذلك لكان هذا الشأن من شأن المطعم بن عدي. هذا المطعم بن عدي دخل النبي ﷺ مكة في جواره، لكن في السماوات السبع لم يحتج ﷺ أن يدخل في جوار أحد، إنما احتفى به الأنبياء والمرسلون لبيان كرامته عند ربه جل وعلا ولتكون معجزة ظاهرة له.

стр. 371

الإسراء والمعراج في أعين شعراء المسلمين وهذا الحدث الجليل تغنى به الشعراء الإسلاميون عبر التاريخ، قال البوصيري -وإن كان في ميميته ما فيها من الشركيات عياذاً بالله، لكن نأخذ منها بيتاً واحداً-: سريت من حرم ليلاً إلى حرم كما سرى البرق في داج من الظلمِ وإن كان قوله: إلى حرم غير صحيح؛ لأن المسجد الأقصى ليس بحرم، لكنه أرض مقدسة، وهناك فرق بين المقدس والمبارك والحرم، وقد تجتمع هذه الأوصاف في مكة والمدينة، وقد يكون مباركاً ومقدساً كالمسجد الأقصى، وقد يكون مقدساً مثل قوله تعالى لموسى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢] أي: في أرض سيناء، لكنه ليس حرماً، وقد يكون مباركاً؛ لأنه من لوازم التقديس أن يكون مباركاً، هذا ما قاله البوصيري. أما شوقي فله في الإسراء والمعراج ذكران، الذكر الأول في الميمية، مطلعها: ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم رمى القضاء بعيني جؤذر أسداً يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم والجؤذر بقر الوحش، تضرب به العرب المثل في جمال العينين لاتساعهما، والأسد معروف، وهو يقصد أن النساء وإن كن ضعافاً فإنهن يغلبن الرجال بأعينهن، وهذا من السياقات التي كانت العرب تعتمدها في شعرها، فهم يبتدئون أشعارهم بالغزل، كقول كعب: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول والقصيدة فيها ضروب شتى من مدح النبي ﷺ ، لكن الذي يعنينا منها ما تكلم عن حادثة الإسراء والمعراج، فقد ذكر رحمه الله تعالى قضية الإسراء والمعراج، وقال قبلها: الله قسم بين الخلق رزقهم وأنت خيرت في الأرزاق والقَسمِ إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم فخيرة الله في لا منك أو نعمِ أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدمِ لما رأوك به -أي بالمسجد- التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم -أي: من الأنبياء- كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتممِ ثم قال: جبت السماوات أو ما فوقهن دجى على منورة درية اللجم ركوبة لك من عز ومن شرفٍ لا في الجياد ولا في الأينق الرسم حتى بلغت سماءً لا يطار لها على جناح ولا يسعى على قدم ثم بين أن هذا كله منحة ربانية وعطية إلهية: مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتُّهمِ وفي الهمزية قال ﵀: يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاءُ يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراءُ بهما سموت -أي: روحاً وجسداً- مطهرين كلاهما رَوُحٌ وريحانية وبهاء تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراءُ والذي يعنينا: أن هذا الأمر وإن كان معجزة ظاهرة وكرامة لنبينا ﷺ إلا أن أمته يلحقها من هذه الكرامة شيء؛ لأن إكرام النبي إكرام للأمة، وإكرام الأمة إكرام لنبيها. هذا ما يتعلق بقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١].

стр. 372

تفسير قوله تعالى: (وآتينا موسى الكتاب من دوني وكيلا) ثم قال الله بعدها: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء:٢] وموسى هذا: موسى ابن عمران، والكتاب هنا: التوراة بالإجماع، ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ [الإسراء:٢] أي: التوراة، ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء:٢]، وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وإليه ينسب أبناؤه فيسمون بني إسرائيل، والذين منهم موسى ﵊. قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٢] أي: وقلنا لهم: لا تتخذوا من دوني وكيلاً، ومن هنا يفهم: أن اللواء الأعظم الذي حمله الأنبياء عبر التاريخ البشري كله هو: ألا يعبد أحد من دون الله جل وعلا، وهذا يعيدنا إلى الآية الأولى؛ لأن من أخطائنا في دراسة السيرة: أننا ندرس الإسراء والمعراج لنبين مقام نبينا ﷺ ، وهذا حق، لكن ينبغي قبل أن نعرف الناس بفضل الله على نبيه ﷺ وبيان مكانته أن نبين عظيم قدرة الله جل وعلا، وحتى يشعرك -وهذه هي الغاية من ذكر الإسراء والمعراج- أن أولياء الله لا يمكن أن يكون عليهم خوف ولا حزن، أنت تقوم الليل وتقول في دعائك: اللهم إنه لا يعز من عاديت، ولا يذل من واليت، وهذه الأخيرة فقط استمسك بها جيداً وتأمل دائماً وأنت تراجع معنى: ولا يذل من واليت، فكل مكان دخلته، وكل طريق سلكته، خفت فيه من الذل لن ينالك ذل إن كان وليك الله، وليس بين الله وبين أحد من خلقه إلا الأعمال الصالحة، وأنا أعرف بعض من أثق في رشدهم إذا دعوا يقولون: اللهم ارزقنا رضاك؛ فإنه لا يضر مع رضاك سخط أحد، وارزقنا ولايتك؛ فإنه لا يذل من واليت، فإذا تولاك الله فلا يمكن أن تذل أبداً. فنبينا ﷺ ضربته العرب عن قوس واحدة، فأكرمه الله جل وعلا بهذه الكرامات الجليلة حتى نفقه -عندما يخبرنا الله بها- أي خير نؤمل فيه إذا تولانا سبحانه، وهذا المقصود الأسمى من ذكر مثل هذه الأخبار في القرآن بصورة أولية، وهي بيان عظمة الجبار ﷻ ، ولذلك استفتح الله الآيات بقوله: ﴿سُبْحَانَ﴾ [الإسراء:١]. قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ﴾ [الإسراء:٢] أي: التوراة، ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء:٢] وسيأتي معنا في درس قادم -إن شاء الله- التفريق ما بين قول الله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] وبين قوله: ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء:٢ - ٣] يقول أكثر المفسرين هنا: إن معنى الآية: يا ذرية من حملنا مع نوح! يقولون في نصبها: إنها منادى لحرف نداء محذوف، والمعنى: يا ذرية من حملنا مع نوح! والحق: أن هذا عندي غير مقنع، لكنني لا أملك بديلاً عنه، لكن قولهم: إنها منادى لحرف نداء محذوف أراه منسجماً مع بلاغة القرآن، فنقول: ذرية من حملنا مع نوح، ونوح ﵊ أول الرسل إلى الأرض، وهو الذي حمله الله جل وعلا في السفينة ونجاه كما قال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت:١٥]، فكل من جاء بعدهم -أي: بعد من نجوا- هو من ذرية من حمل الله جل وعلا مع نوح، لكن هذا تعميم، وتشكل علينا هنا آية الصافات، وهي قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧]، فهنا حصر للخليقة بعد نوح في أبنائه الثلاثة؛ لأن أبناء نوح أربعة: يافث، وكنعان، وسام، وحام، فكنعان على المشهور هلك في الطوفان، فبقي الثلاثة: سام، وحام، ويافث، فعلى آية الصافات: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧]، فالناس ينسبون إلى هؤلاء الثلاثة، لكن آية الإسراء لا تساعد على هذا؛ لأن الله قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء:٣]، وممن حمل مع نوح أبناؤه وغيرهم، وليس مقصوراً على أبنائه فقط: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣]، وهذا من نعت الله جل وعلا لهذا النبي الكريم ﵇؛ لأنه كان شاكراً، وقد مر معنا أن قواعد الشكر عديدة، لكن من أهمها: أن تعلم أن النعمة من الله، هذه أول قاعدة في الشكر. القاعدة الثانية: أن تثني على الله بها. والثالثة: أن تستعملها فيما يحب الله. والرابعة: أن تحدث بها غيرك. قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣]، هذا ما يتعلق بالتفسير.

стр. 373

نظرة على الصناعة النحوية في الآيات السابق تفسيرها ثم نأتي بعد ذلك إلى الصناعة النحوية فنقول: إن (سبحان) مصدر ملازم للإضافة، ويضاف للضمير كما يضاف للاسم الظاهر، فمثال إضافته للضمير قولنا: الله سبحانه، فأضفنا المصدر إلى الهاء وهي ضمير، أو نقول: سبحان الله، فأضفناه إلى اسم ظاهر، أو عندما تناجي ربك فتقول: لا إله إلا أنت سبحانك، فأضفته إلى ضمير، لكن الذي ينبغي أن يعلم: أن كلمة (سبحان) مصدر لا يخاطب به غير الله، ونظيره في الأفعال فعل: (تبارك)، فإن تبارك لا يخاطب به غير الله. قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]، قليلاً: ظرف زمان، وجاء منكراً إما للتقليل -كما مر معنا- فيكون المعنى: برهة العظمة، أو للتفخيم فيكون المعنى: ليل وأي ليل، والعلماء يقولون في كلمة (عبد) إنها من الأدلة على أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد، قال: ﴿بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ﴾ [الإسراء:١]، قلنا: إن اللام لام التعريف، ولذلك نصب الفعل بعدها: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]. ثم قال: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء:٢] هدى: مفعول ثان لجعلنا، والمفعول الأول: هو الهاء في قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ [الإسراء:٢]. وقد جاءت هدى هنا منونة، والاسم الذي ينصرف ينون، أما الاسم الذي لا ينون فهو الممنوع من الصرف وهدى هذه -كفائدة نحوية-: إذا أطلقت على امرأة، وأردت به علماً على امرأة كما تسمى بعض النساء: هدى، فلا تنون؛ لأنها ممنوعة من الصرف لسببين: للعلمية والتأنيث، أما إذا جعلناها مصدراً ولم نطلقها على علم بعينه من الإناث فيجوز تنوينها كما قال الله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٢] فجاءت منونة. ثم قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء:٣]، قلنا: إن الجمهور يقول: إنها منادى بحرف نداء محذوف، أي: يا ذرية من حملنا مع نوح! وفيه نظر. قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٣]، هذه واضحة: فإن: حرف ناسخ، والهاء: اسمها، وكان وما بعدها واقعة في خبرها، ونوح: اسم كان محذوف مرفوع، وعبداً خبرها، لذلك جاءت منصوبة، وشكوراً: صفة لعبد. هذا ما تيسر إيراده، وأعاننا الله جل وعلا على قوله، خضنا فيه شيئاً من التاريخ، وختمناه ببعض الصناعات النحوية على عجل، سائلين الله لنا ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 374

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الإسراء [٤ - ١٤] لقد تحدث الله في كتابه عن علوين وإفسادين يقعان ببني إسرائيل، واختلف أهل العلم في زمن حصول هذين العلوين والإفسادين، ثم أخبر تعالى عن مصير هؤلاء في الآخرة والدنيا، وأخبر عن هداية هذا القرآن وما فيه من الحكم الدامغة، والبراهين الشاهدة على تفرد الله ووحدانيته، فلا إله غيره، ولا رب سواه، وهو أرحم الراحمين سبحانه.

стр. 375

تفسير قوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب إلى قوله: وليتبروا ما علوا تتبيراً) الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسائر من اقتفى آثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: كنا قد انتهينا إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء:٢ - ٣]. ثم قال الله جل وعلا بعد هاتين الآيتين الكريمتين: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء:٤ - ٨]. نقول بداية: الله جل وعلا يخلق ما يشاء ويختار، ونحن متفقون مع بني إسرائيل على أنهم في حقبة من الدهر اختارهم الله، فلا نرد كلام الله لأي عاطفة في قلوبنا، قال : ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]، أي: عالم زمانهم. وهذا كقول الله جل وعلا في حق كليمه موسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤]، أي: أهل زمانه، فموسى ليس أفضل من إبراهيم وهو قبله، وليس أفضل من محمد وهو بعده. نعود فنقول: إن الله جل وعلا يعطي الرايات لأمم يختارها، وهذه الرايات تسوق بها هذه الأمة الأمم، وليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب، فكلما كانت أمة من الأمم أقرب إلى الله ديناً أناط الله بها قيادة العالم. فلما كانت الأرض في زمانهم مليئة بالوثنيين والطواغيت، وأخرج الله منهم كليمه موسى بن عمران واتبعوه وآمنوا به جعل الله جل وعلا الولاية في الأرض لهم دينياً، وهذا معنى قول الله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]. فلما غيروا وبدلوا، وسفكوا الدماء، وردوا على الله قوله، وقتلوا أنبياءه، أخذ الله منهم الولاية والزعامة، وأعطاها لأمة محمد ﷺ ، إلا أنهم ما زالوا على أحلامهم، فهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم مصطفون، وعلى أن غيرهم أميون على حد زعمهم، ولهذا قال الله حكاية عنهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥]. قال الله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا﴾ [الإسراء:٤]، والقضاء -أيها المبارك- في القرآن ورد بصيغ يجب أن تحررها حتى تفهم: فقد ورد القضاء بمعنى: الخلق في قوله سبحانه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت:١٢] أي: فخلقهن سبع سماوات. وورد القضاء بمعنى: الحكم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ [النمل:٧٨]، أي: يحكم بينهم. وورد القضاء بمعنى: الأمر، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، أي: أمر ربك. هنا الله جل وعلا يخبر أنه قدر وأخبر بني إسرائيل: أن لهم علوان في الأرض يصحبهما إفسادان، وأن الله جل وعلا سيعليهم ذات مرة ثم يرد كيدهم بواسطة عباد له، ثم يجعل الغلبة مرة أخرى لبني إسرائيل، ثم يرد الكرة عليهم، وتكون كرة أخيرة؛ إذ ظاهر القرآن أنه لا يكون لهم بعدها ظهور. وقد اتفق المفسرون: أن بني إسرائيل سيعلون مرتين، وهذا نص القرآن: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤]، وأنهم سيقهرون مرتين كذلك، فإن قيل: هل وقع لهم العلوان أم لا؟ ف الجواب بكل قال العلماء، وسنذكر بعض الأقوال دون النظر إلى من قال بها، ثم نبين موضع الإشكال في الآية الذي يردها. قال بعض العلماء: إن كلا الأمرين وقعا قبل الإسلام، وهذا الجواب يرد عليه بالقرآن: فقد ذكر الله المسجد، ولا يعلم حسب تاريخ اليهود أن فريقاً واحداً حاربهم حول المسجد؛ لأن الله يقول: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٧]، فالله تكلم عن طائفة واحدة. وبعضهم يقول: إنه جالوت، وقول: إنه نبوخذ نصر ملك بابل، ستة قرون تقريباً قبل الميلاد. وبعض الناس يقول: إنه حصل الأول، لكن الثاني لم يحصل، بل سيحصل في زماننا هذا، على ما نحن فيه من علو بني إسرائيل الموجود عالمياً اليوم. وهؤلاء يقولون: إن العلو الأول قد ظهر لكن يبقى السؤال على يد من قهروا؟ فإذا قلنا: إنه قبل الإسلام، فهذا لا يستقيم مع القرآن؛ لأن القرآن - كما قلنا - يتكلم عن طائفة واحدة، لأن الله يقول: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء:٤ - ٦] أي: على الأولين الذين جاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً. ثم قال جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء:٦] ثم ذكر الثانية: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٧] فهم نفس الطائفة الأولى. إذاً: يفهم من الآية أن الآية تتحدث عن صراع اليهود مع طائفة واحدة، ومعلوم قطعاً: أن عمر بن الخطاب فتح القدس سلماً، ولم تكن القدس أيام عمر تحت حكم اليهود، وإنما كانت تحت حكم النصارى. وهناك قصيدة ذائعة أظنها للشاعر الفلسطيني خالد أبو العمرين التي يقول فيها: اضرب تحجرت القلوب فما لها إلا الحجر اضرب فمن كفـ ـيك ينهمر المطر في خان يونس في بلا طة في البوادي والحضر من فتية الأنفال والشورى ولقمان وحفاظ الزمر ثم يقول: في القدس قد نطق الحجر لا مؤتمر لا مؤتمر أنا لا أريد سوى عمر يقصد بلا مؤتمر لا مؤتمر: أي: للسلام هذا قصد الشاعر، لكن الشاعر هنا في ما أعلم أنه فلسطيني ولست متأكداً، لكنه يدل على أنه لم يحفظ السياق التاريخي؛ لأن قوله: لا مؤتمر لا مؤتمر، أنا لا أريد سوى عمر خطأ علمي؛ لأن عمر دخلها سلماً ولم يدخلها حرباً، ولم ينزعها من اليهود بالحرب، وأنت تتحدث عن اليهود والحرب، فهذا يجب استصحابه. وقال آخرون: الإشكال كذلك في قول الله جل وعلا: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨]، وعسى من الله واجبة. يقول المفسرون: وهذا يدل على أنهم داخلون في الرحمة، ومعلوم أن اليهود بعد الإسلام لا يسمون يهوداً إذا آمنوا، بل يسمون: مسلمين، ولا يمكن أن تصلهم رحمة بمفهومها الخاص وهم كفار. والله يقول: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] فقال بعضهم: إنهم كلما عادوا للإفساد عاد الله جل وعلا للتذليل والتنكيل بهم، ويستشهدون بأنهم في عصرنا هذا ظهر إفسادهم فسلط الله عليهم هتلر. هذه كلها أقوال منثورة، لكنها إذا طبقت على الآية ومع السياق التاريخي فلا يمكن أن تتفق، والذي يترجح عندي: أن ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء:٨] ليس لها علاقة باليهود، ولا تتحدث عن بني إسرائيل؛ لأن عسى من الله واجبة، والله قد علم أن اليهود لن تعود لدين الإسلام، والتاريخ يشهد بهذا، وسنقاتلهم حتى قبيل قيام الساعة، ولو عادوا لما سموا يهوداً. فـ ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨]، المخاطب بها: كل من آمن بالقرآن، هذا الذي أفهمه من الآية. وإن قلت في بعض الدروس: إن المفسرين يقولون: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] أي: كلما عدتم إلى الإفساد عدنا للتنكيل والعذاب، واستشهدوا بقضية هتلر، وقالوا: فسدوا في أول الزمان فسلط الله عليهم نبيه وأصحابه فأخرجوا بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة، لكن قلنا: هذا لا يستقيم مع الآيات، الآيات تتحدث عن مسجد ولا تتحدث عن شيء عام.

стр. 376

الكلام على العلوين والإفسادين اللذين يحصلان لبني إسرائيل هذا يدفعنا للحديث في أمور كثيرة، والذي يظهر ولا أستطيع أن أجزم به: أن كلا الإفسادين والعلوين لم يقعا، وربما -والعلم عند الله- وقد قال به بعض المؤرخين المعاصرين: أن ما يحصل الآن هو العلو الأول لبني إسرائيل، ثم في ما يبدو - والعلم عند الله - أنه يتم إخراجهم من المسجد الأقصى دون أن تذهب دولتهم بالكلية بمعنى: إلى حدود سبع وستين. ثم بعد ذلك فيما يظهر: أنهم يستعينون بقوى العالم فتعينهم فيخرجون المسلمين من المسجد الأقصى، ثم إن الله جل وعلا يهيئ للأمة آنذاك من يرد كيد اليهود وهي الملحمة الأخيرة التي فيها الحديث: (ستقاتلون اليهود، وفيها ينطق الحجر والشجر إلا الغرقد) هذا الذي يبدو والعلم عند الله. دولة إسرائيل المعاصرة سميت بإسرائيل: نسبة إلى يعقوب الذين هم من ذريته، وقد أعلنت عام ١٩٤٨م، والذي أعلن من رؤساء إسرائيل قيام الدولة: بن غوريون أول زعيم إسرائيلي، وهناك مطار باسمه. بعد إحدى عشر دقيقة من إعلان بن غوريون قيام دولة إسرائيل أعلن ترومان الرئيس الأمريكي آنذاك اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بقيام دولة إسرائيل، مما يدل على أن الأمر كان متفقاً عليه، وهذا لا يحتاج إلى شواهد ولا إلى دلائل. حينذاك لم يكن المسجد الأقصى تحت حكم دولة إسرائيل، ففي عام ٤٨م كانت تل أبيب وما حولها، ولم تدخل ما يسمى الآن بالضفة الغربية وقطاع غزة في الحكم الإسرائيلي. ثم حدثت حرب ٥ حزيران ٦٧م، في تلك الحرب دخلت القدس وبالتالي المسجد الأقصى في حكم بني إسرائيل، فيصبح الإفساد المقصود به في الآية: الحيلولة بين الناس وبين المسجد الأقصى. قال: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤] أنت ترى الآن أن أكثر قرارات رؤساء العالم في الغرب في أمريكا يتحكم فيها اليهود، لكننا نقول ونتكلم بإنصاف حتى نستفيد: الله جل وعلا له سنتان: قدرية وشرعية، وله حبلان: حبل متصل به، وحبل متصل بالناس، والتمكين في الأرض يكون بالأخذ بالسنتين والحبلين، الله يقول: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٢] فقطعاً اليهود حبلهم مع الله ضيعوه بكفرهم، فبقي الحبل مع الناس. قبل مائة عام تقريباً كان يمنع اليهود من دخول مواطن معينة في أمريكا، ينظر إليهم على أنهم أراذل الناس، ولا يقبل أن يدخلوا أماكن يرى أصحابها أنه من العار أن يدخلها اليهود، فأخذوا بحبل من الناس. من الذي أعطى الإسرائيلين الفكر الصهيوني أصلاً؟ من الذي أعطاها وعداً بأن تقوم دولة إسرائيل في فلسطين؟ بريطانيا، وكلنا درسنا في التاريخ وهذا ما يعرفه عوام المسلمين ما يسمى بوعد: بلفور، لكن الصهاينة كانوا يقرءون التاريخ السياسي قراءة صحيحة، فما تمسكوا ببريطانيا رغم أنها هي التي أعطتهم الوعد. بل كانوا يقرءون أن الرياح العالمية تميل نحو الولايات المتحدة، فضربوا أوتاد خيامهم في أمريكا وأصبحوا يحاولون أن يصلوا إلى صناع القرار في الكونجرس والبيت الأبيض، وتركوا بريطانيا لعلمهم في القراءة السياسية أن القوة ستميل ناحية أمريكا. فالمقصود: أن الصهاينة قرءوا السياسة جيداً، وعلموا أن القرار العالمي سيصبح مصدره الأول في الولايات المتحدة، فسحبوا بساط النفوذ من بريطانيا، وجعلوه في أمريكا، وأصبحوا ينيخون مطاياهم هناك، فتصور بلداً أو قوماً أو قلة من شذاذ الآفاق يدخلون بلداً كانوا قبل عام ممنوعين من دخول مواطن معينة فيه لأنهم عار، ثم بعد مائة عام من حياة الأمم يصبح القرار الأمريكي قلما يصدر إلا عن طريقهم، ويطلب رضاهم جميع من حكم الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا حبل من الناس، أما حبل الله فليس لهم عنده من حبل؛ لأن الكفر يقطع كل شيء. وبنو الإسلام -للأسف- ضيعوا حبل الله وحبل الناس، لكن لو وجد حبل الله كاملاً ووجد مع اليهود حبل الناس فقط فسيغلب حبل الله، لكن الولاية العامة لا بد فيها من حبل الله وحبل الناس، والنبي ﷺ -وأنت تعلم أنه القدوة والأسوة وعليه أنزل القرآن- كان يتآلف العرب بالزواج منهم، وهذا من حبل الناس، (حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) وهذا من حبل الناس كما قال ﷺ . ولما خرج إليه زعيم أحد القبائل في قريش التي تعظم الهدي في صلح الحديبية قال: (هذا من قوم يعظمون الهدي أخرجوا الهدي من مكانه) فأخرج الهدي، والهدي ضامر لأنه محبوس، والله يقول: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح:٢٥]؛ لأن الهدي قطع مسافات من المدينة إلى مكة وحبس من دخول الحرم فأصبح معقوداً ضامراً ولا مرعى. فلما جاءه رجل من قوم يعظمون الهدي أمرهم بأن يطلقوا الهدي حتى يرى هذا، فهذا من مجرد ما رأى الهدي رجع قبل أن يلقى النبي وقال: ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، ورجع إلى قريش يحذرها، هذا كله داخل في حبل الناس، والأخذ بالأسباب المشروعة، لكن الإنسان لا يؤجر على حبل الناس، بل يؤجر على حبل الله، لكن الحبل العظيم حبل الله بلا شك، فإذا أخذت بحبل الله كاملاً فخذ بحبل الناس قدر الإمكان. الذي يعنينا: أن المسجد الأقصى قلنا دخل في حكم اليهود بعد حرب ٦٧ وهو باق إلى يومنا هذا، نسأل الله له الخلاص.

стр. 377

معنى قوله تعالى: (جئنا بكم لفيفاً) قال الله: ﴿اسْكُنُوا الأَرْضَ﴾ [الإسراء:١٠٤] هذه من الإشكالات التي لا تجعلني أجزم؛ لأن الله قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤] يعني: عندما نريد أن نهلككم نجمعكم. قال: ﴿اسْكُنُوا الأَرْضَ﴾ [الإسراء:١٠٤] ولم يحدد الله مكان الأرض؛ ولهذا فاليهود قبل قيام دولة إسرائيل كانوا منتشرين في أكثر بقاع العالم، فالحكومة التي حكمت بقيادة بن غوريون أول ما حكمت وضعت أموالاً باهظة لمن يأتي من اليهود إلى إسرائيل؛ لأن اليهودية ملة، أما إسرائيل فدولة. والذي يعنينا: أنه يوجد يهود الآن في أمريكا ممن يحملون الجنسية الأمريكية أو غيرها، لكن يوجد يهود في إسرائيل معه جنسية إسرائيلية، فجاء يهود الدونما ويهود الفلاشا من اليمن وحدها، فقد ثبت أنه خرج أربعة آلاف يمني يهودي ممن يقطنون اليمن، ويهود الدونما جاءوا من الاتحاد السوفيتي، ويهود الفلاشا أتو من الحبشة مصداقاً لقول الله جل وعلا: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء:١٠٤] أي: بحصادهم. فقد يكون هذا العلو والإفساد متتابعاً، وهذا من الإشكالات. قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء:٤] أي: في الكتاب الذي عنده. ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء:٤]، والله لا يتكلم عن فساد أفراد وإنما يتكلم عن فساد أمم. ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤] أي: أمراً ظاهراً. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ [الإسراء:٥] أي: أولى المفسدتين. ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا﴾ [الإسراء:٥]، وجاسوا هنا: تسمعون في الاصطلاحات العسكرية الآن بما يسمى: تمشيط المنطقة، فجاسوا تأتي بنفس المعنى، والتمشيط لا يكون إلا من ذوي قدرة، أي: أن الذي سيغلب اليهود سيكون له سلطان، وسينقب تنقيباً حثيثاً عنهم: ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء:٥]. قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَليْهِم﴾ [الإسراء:٦] والذي رد الكرة رب العزة، لكن لا بد أن يكون هناك أسباب، وهو جل وعلا الذي جعلها. قال: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [الإسراء:٦] وعلى القول الأول أياً كان الأمر هذا -يعني: العلو هذا، أو هذا الثاني- وهذا ما نراه من تظافر الأمم معهم. قال: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ﴾ [الإسراء:٦] لاحظ تعبير القرآن، قال: ﴿نَفِيرًا﴾ [الإسراء:٦] وكأنه يمثل البوق الإعلامي، ما قال: وجعلناكم أكثر عدداً؛ لأن اليهود أقلية لا يمكن أن يصبح عددهم كثرة هائلة، مستحيل حتى في التوالد، يعني: أنهم بضعة ملايين في العالم كله يمكن عدهم؛ ولهذا ما قال الله: أكثر عدداً، بل قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء:٦ - ٧] وكلمة الآخرة تدل على أنه لا ثالث بعدها، قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء:٧] أي: وجوه اليهود. ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٧] والمسجد قطعاً هنا المقصود به: المسجد الأقصى. ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء:٧] قلت: إلى هنا نقول: انتهى الحديث عن اليهود.

стр. 378

تفسير قوله تعالى: (عسى ربكم أن يرحمكم وكان الإنسان عجولاً) ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ [الإسراء:٨] وعسى من الله واجبة، لكن أكثر المفسرين على أن لها علاقة بما مضى. ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] قال المفسرون: إن عدتم للإفساد عدنا للتنكيل. ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء:٨] حصيراً بمعنى: مطوقة لهم لا تنفك عنهم، فتلازمهم ولا يستطيعون أن يخرجوا منها. نقول في جملة ما يمكن أن نبين حول ما ذكرناه على غير قواعد المفسرين: أن الإنسان يجب عليه أن ينصر الله ورسوله، لكن نصرة الله ورسوله تحتاج إلى وعي وإدراك، فليست القضية قضية دعاو، ولا أن يتخبط الإنسان في طريقه، وإنما لا بد من فهم وإدراك تام للكيفية التي ينصر العبد بها دين ربه جل وعلا، أن ينظر نظرة بعين القدر وعين الشرع، وهذا حررناه مراراً، النظر إلى المصالح والمفاسد، فليس الطبيب الحاذق -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من يهدم مصراً ليبني قصراً. والآنية في التفكير، وعدم الاستعجال في الثمرة، وأنه ليس شرطاً ولا لزاماً ولا تزكية لنا أن تحرر القدس في أيامنا، فإن الله جل وعلا أخبر نبيه في آيات كثيرة أنه عليك البلاغ وقد نتوفاك وما أريناك الذي وعدناهم، قال تعالى: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف:٤٢]. والمعنى: أن الدين ليس مرتبطاً بجيل معين ولا بشخص بعينه، وإنما الإنسان يسعى سعياً على بينة وبصيرة في نصرة دين الله جل وعلا، فكلما كان الإنسان ساعياً للم الشمل وجمع كلمة الأمة والحفاظ على مكتسباتها ومقوماتها كان هذا أثخن في صدر العدو. وكلما كان الإنسان سبباً في التفريق والشتات وضياع وحدة الأمة ومكتسباتها ومقوماتها كان ذلك أرضى لأعداء الله، قال الله: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] هذا من جملة ما أردنا بيانه. ونعود للآيات من باب الصناعات غير التاريخية: قال الله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤] العلو هنا يعرب عند النحويين: مفعولاً مطلقاً، وهو يأتي على ثلاثة أنواع: إما مؤكداً لعامله، وإما مبيناً لنوعه أو عدده، وهو هنا مبين للنوع؛ لأنه جاء موصوفاً: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٤ - ٥] وكلمة بأس في القرآن وردت بعدة معان منها: الحرب، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨] أي: ولا يأتون الحرب. قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [الإسراء:٥ - ٦] مر معنا أن كلمة: بنين ملحقة بجمع المذكر السالم، فترفع بالواو وتنصب وتجر بالياء. ومن الملحقات بجمع المذكر السالم كلمة: أهلون، وقد وردت في القرآن: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح:١١]، وكلمة: أرضون، ولم ترد في القرآن بل وردت في السنة: (طوق من سبع أرضين). قال الله تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء:٥ - ٧] هذه كلها ليس فيها شيء ظاهر. نعود للتفسير، قال الله بعدها: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٩] الآن أنخ مطاياك وقارن؛ قال الله في أول السورة: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء:٢]، فالتوراة مخصوصة، أما القرآن فعام، ولهذا قال الله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] أي: أن أي أحد يهتدى به، فلم ينزل لقوم بعينهم كما أن التوراة هدى لبني إسرائيل. قال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] كل ما دعا إليه القرآن فهو قويم وسبيل مستقيم، وهذا أمر حرر فيه العلماء مطولات لكني أذكره إجمالاً. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء:٩ - ١٠] أي معنى الآيتين: أن القرآن فيه وعد ووعيد. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١٠ - ١١] معنى الآية: أن الإنسان أحياناً يضجر فيدعو على نفسه وماله وولده إذا غضب بالهلاك مثلما يدعو لنفسه بالخير، بمعنى: أنه إذا ضجر من دابته دعا عليها، وإذا ضجر من ابنه دعا عليه، وإذا ضجر من ماله دعا عليه، فالله جل وعلا يقول: لو كنت مستجيباً في دعائه بالشر كاستجابتي له في دعائه بالخير لهلك الإنسان، ولهذا قال الله بعد: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١١] قال ابن عباس: أي: ضجراً، لا يرضى ولا يتحمل لا سراء ولا ضراء. والواو في (يدعو) ثابتة لفظاً لكنها حذفت كتابة، على خلاف بين العلماء لماذا حذفت؟ لكن الذين رسموا القرآن في الأول نلحظ فيهم أن العين إذا جاءت بعدها واو مستقبلة اللام الساكنة يحذفون الواو، ونظيرها قوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق:١٨] فهي مكتوبة من غير واو لنفس القاعدة، وهناك قرائن أخرى: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١١]. من الفوائد الحياتية يقولون: إن العجلة مكروهة على العموم إلا في أحوال ست، نحاول أن نتذكرها سوياً، العجلة مكروهة في بني آدم إلا في أحوال ست: أولها: الصلاة إذا دخل وقتها، فيعجل بأدائها. والميت إذا حضر موته يعجل بدفنه. والبكر إذا أدركت يعجل بزواجها. والضيف إذا نزل يعجل بإطعامه. والدين إذا وجد يعجل بقضائه. والذنب إذا وقع يعجل بالتوبة منه. وآكدها: الصلاة؛ لأن من قواعد الشرع: أن ترك المأمور أعظم من ارتكاب المحظور، مع أن كليهما عظيم، لكن ترك المأمور أعظم من ارتكاب المحظور.

стр. 379

تفسير قوله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً) ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء:١٢] الآيتان ظاهرتان. والقرآن -أيها المبارك- فيه محكم ومتشابه، والقرآن كتاب مسطور تقرأه، قال الله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [الإسراء:٩] وقال بعدها: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء:١٢] فالليل: متشابه، والنهار: محكم، فكما توجد في القرآن آيات محكمة ومتشابهة توجد في الكون آيات تدل على ربنا محكمة ومتشابهة، فالمتشابه: الليل، والمحكم: النهار. وكذلك في القرآن آيات محكمة ومتشابهة، ولا غنى للناس عن الليل والنهار سوياً، فكذلك لا غنى للمؤمنين عن المحكم والمتشابه، قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٠] وهنا قال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء:١٢] ولم يقل: آية؛ لأن عيسى ومريم ﵉ يمكن الجمع بينهما في وقت واحد، تراهما في وقت واحد عيسى مع أمه، لكن الليل والنهار محال أن يجتمعا في وقت واحد، فإما أن نكون في ليل وإما أن نكون في نهار، فهما ضدان لا يجتمعان، فلما كانا لا يجتمعان ثنى الله جل وعلا فقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء:١٢]. ولما كان يمكن الجمع بين عيسى وأمه، وأنه يمكن لأي شخص أن يراهما سوياً؛ قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٠]. قال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢] أي: الشمس، وآية الليل هي: القمر. قال: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء:١٢] جعل الله جل وعلا في النهار ابتغاءنا الفضل من الله: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ:١١]. وجعل بالليل قيام الحساب والمواقيت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]. نعود فنقول: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء:١٢] ثم قال الله: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤]. العرب كانت تستخدم الطائر في الخير والشر تتفائل به وتتشاءم، فورد عنهم لفظ: سارحة وبارحة، يتفاءلون ويتشاءمون بالسارح والبارح، الذي يأخذ ذات اليمين، أو الذي يأخذ ذات الشمال، يقول الكميت الأسدي: ولا السارحات البارحات عشية أمر غراب البين أم مر أعضب ولكن إلى أهل الفضائل والتقى وخير بني حواء والخير يطلب بني هاشم رهط النبي فإنهم بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب يقول العلماء البلاغيون: خاطب الله العرب بجنس كلامهم، معنى الآية: أن الله جل وعلا كتب على بني آدم حظهم من الخير ومن الشر، فهو ملازم له ملازمة الطوق على العنق، وإنما يسمى ما على العنق طوقاً أو قلادة، وما على الساعد: أسورة، وما على الإصبع: خاتماً، وما على الساق: خلخالاً. وفي المثل العربي الشهير يقال: شذ عمرو عن الطوق، وعمرو هذا رجل شاب وكان ابن أحد الملوك، فكانت أمه عندما كانت تربيه وتعنى به تلبسه طوقاً أو قلادة أو تزينه في الجاهلية، فلما بلغ مبلغ الرجال ترك الطوق. فيقال في الرجل الشاب إذا أدرك معالي الأمور وتجاوز مرحلة المراهقة وحياة البحث عن الذات: شذ فلان عن الطوق، تجاوز تلك المراحل، تجاوز تلك الأيام. الذي يعنينا: أن الله جل وعلا شبه عمل بني آدم أنه ملازم له لا ينفك عنه كما أن الطوق لا ينفك عن العنق، ثم يوم القيامة يعرض له. قال: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء:١٣] أي: مفتوحاً، وقد مر معنا: سيف مشهور، وكفن منشور، وقبر محفور. قال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] هنا المفسرون يأخذون عبارة شهيرة للحسن البصري أبي سعيد ﵀ وهو قوله: قد أنصفك من جعلك حسيب نفسك. ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء:١٤ - ١٥] وهذه ظاهرة. هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 380

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الإسراء [١٥ - ٣٦] من قواعد الشرع الحكيم: أنها لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يحمل المرء ذنوب شخص آخر، بل إذا أراد الله إهلاك قرية جعلها تعمل بالمعاصي، وتنجر وراءها ثم أخذها أخذ عزيز مقتدر، عظيم متكبر، جليل متجبر، وما الأمم الماضية عنا ببعيد، ثم ذكر الله عظم جريمة الشرك واتخاذ الند مع الله، ثم شرع في بيان الحقوق الواجبة على المسلم، من طاعة الوالدين، ومراعاة الحقوق، وحرمة الزنا والقتل وأكل مال اليتيم وغيرها من الحقوق التي يجب على المسلم أن يأتيها.

стр. 381

تفسير قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى إلى قوله: وما كان عطاء ربك محظوراً) إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من أقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: هذا اللقاء الثالث حول سورة الإسراء، وكنا قد انتهينا عند قول ربنا جل وعلا: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، أما أول الآية فهي جملة شرطية ظاهرة المعنى، أن الإنسان إذا وفق للهدى فإن ثواب تلك الهداية عائد عليه، وكذلك إذا حاد الإنسان عن الهدى وسلك طريق الضلالة فإن عاقبة ذلك ووباله وخسرانه عليه. قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء:١٥] هذا من قواعد الشرع التي أخبر الله عنها في الحساب يوم القيامة، ذلك أن العرض الأكبر على الله له قواعد، ومن أهم القواعد: أنه لا تؤخذ نفس بجريمة نفس أخرى، قال الله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء:١٥]، من قواعد الحساب: إقامة الشهود: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر:٦٩]، ومن قواعد الحساب: أن الله جل وعلا لا يظلم الناس مثقال ذرة. ثم قال الله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] أول ما نستفيده من هذه الخاتمة: أن ما هنا: نافية. ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] دلالة ظاهرة على أن الدين يجب بالسمع لا بالعقل، فمن يقول: إن الناس يكفيهم بالعقل أن يناط بهم التكليف، هذا خلاف الصواب، وإنما لا بد من السمع عن الله عن طريق الرسل؛ ولهذا قال الله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] أي: لا تكون حجة حتى يكون هناك رسول، وهذا الخبر القرآني هنا أثبته الله جل وعلا في أكثر من موضع، قال الله جل وعلا: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] معنى الآية: أنه لو لم يكن رسل لكان للناس على ربهم حجة، والله جل وعلا ذكر أهل النار وذكر أنهم يلقون فيها أفواجاً، قال سبحانه: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك:٨ - ٩] وهذا هو نظر العلماء للحديث عمن لم تبلغهم الرسالة، والآية محكمة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وأنا لا أستطيع أن أقف حكماً بين العلماء، ولكني أعطيك طرائق العلماء. الإشكال الوارد: أنه ثبت في نصوص صحيحة: الإخبار عن أفراد أنهم في النار، رغم الاتفاق أنه لم تصلهم رسالة، كإخبار النبي ﷺ عن عمرو بن لحي الخزاعي: أنه يجر قصبه في النار، وإخباره ﷺ عن صاحب المحجن، وإخباره عن غيرهما، مع أن الآية ظاهرة في أنه لا تعذيب بدون إقامة حجة إذا ضممناها إلى آية تبارك: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك:٨] وبعض أهل العلم يقول: نتوقف ونأخذ بالحديث الصحيح: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، وهذا لعله أقرب؛ لأن القول بأن أهل الفترة الذين قبل النبي ﷺ هم مطالبون برسالة إبراهيم وإسماعيل أمر يرده القرآن؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ:٤٤]، فربنا يبين أن ليس لهم كتاب وليس لهم نذير، وقال: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٦] فالله جل وعلا يخبر أنه لا نذير سبق إليهم، فهذا هو مجال البحث في الآية، وقلت: إنني أقف حكماً بين أقوال العلماء، قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقد قرئت (أمرنا) بالتشديد وبالتخفيف، وقراءة التخفيف مجمع عليها، والصواب حملها على التخفيف ليصبح معنى الآية: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ [الإسراء:١٦] أي: سبق في قضائنا وقدرنا أن قرية ما ستهلك. ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء:١٦]، لكن الله لم يذكر الذي أمروا به، لكن دل العقل عليه، أي: أمرناهم بالطاعة. ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء:١٦] أي: خرجوا عن الطاعة. ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦] فيصبح معنى الآية: أن الله جل وعلا إذا سبق في قضائه وقدره الأزلي أن قرية ما ستهلك، فإن الله جل وعلا يأمرهم بأوامره، والأسباب مرتبة على مسبباتها، فيفسقون ويخرجون عن الطاعة ويحيدون عن الهدى، فيحق عليهم العذاب بذلك، قال الله: ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦]. ثم قال الله بعدها: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء:١٧]، والقرن: هو الجيل، وبعضهم يقول: إنه قرابة مائة عام، وكم هنا: خبرية وليست استفهامية، وقلنا في دروس سبقت وأيام مضت: إن الفارق الأشهر بين (كم) الخبرية و (كم) الاستفهامية: أن كم الخبرية لا تحتاج إلى جواب، وكم الاستفهامية تحتاج إلى جواب، ولا بد أن تلم بلغة العرب حتى تملك الآلة في فهم القرآن، ويتفقان -أي: كم الخبرية والاستفهامية- في أمور أشهرها: أن كلاهما مبني، وكلاهما له الصدارة في الكلام. قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء:١٧]، ولم يذكر الله أمماً وقروناً أهلكها من قبل نوح؛ لأنه لم يكن هناك شرك قبل نوح، ولم يكن هناك رسل حتى يكذبوا، وإنما نوح هو أول الرسل: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء:١٧]. ثم قال الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٨ - ١٩]، عبر الله عن الدنيا بالعاجلة من باب الكناية، قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء:١٨]، لكن الله ذكر قيداً وهو قوله سبحانه: ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨] والقيد هنا يجري حكمه وتحقيقه على ما أطلقه الله في آيات أخرى، قال الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥]، لكن هذا الإطلاق مقيد بآيات الإسراع بقوله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨] و (ثم) للتراخي والتعقيب، (ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً)، ولما ذكر الله بغاة الدنيا، ذكر طلاب الآخرة فقال: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء:١٩] والمعنى: أن هناك سعي خاص بالآخرة، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء:١٩] والسعي الخاص بالآخرة: هو موافقة شرع نبينا ﷺ ، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء:١٩] وهذا تحقيق للإخلاص، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩] أي: أن الله جل وعلا يثيبهم على صنيعهم، ثم قال: ﴿كُلًّا﴾ [الإسراء:٢٠]، والتنوين هنا: عوض عن محذوف، أي: كلاً ممن يريد العاجلة، وكلاً ممن يريد الآخرة، ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ﴾ [الإسراء:٢٠] طلاب الآخرة، ﴿وَهَؤُلاءِ﴾ [الإسراء:٢٠] بغاة الدنيا، ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء:٢٠] أي: من رزق ربك، ثم قال الله: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠] يجب أن نقول: إن حكمه (عطاء) هنا المقصود بها: الرزق في الدنيا، قال: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠] أي: ممنوعاً، فإن قال لك قائل: ما هو دليلك على هذا؟ نقول: إن الكافر ليس له حظ في الآخرة، فلا يعقل أن يقال عنه: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠] لكن الله في الدنيا يرزق المؤمن ويرزق الكافر، ويرزق الشقي ويرزق السعيد، ويرزق البر ويرزق الفاجر. ثم جاء الخطاب لسيد الخلق وصفوتهم: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:٢١] وهذا أمر مشاهد في الدنيا، فإنه حتى طلاب الآخرة يتفاضلون فيما أعطوا من الإيمان والعمل الصالح، وطلاب الدنيا يتفاضلون فيما أعطوا من غنىً ونحوه، قال: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء:٢١] ثم لا تحسبن أن هذا هو نهاية المطاف، قال تعا

стр. 382

تفسير قوله تعالى: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض إلى قوله: فإنه كان للأوابين غفوراً) قال تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١] والجنة مائة درجة، وهناك تفاضل عظيم ما بين أهلها، كما أن النار دركات، إلا أن الله برحمته ينزع الحزن أبداً عن أهل الجنة، وإن كان صاحبها أقل أهل الجنة ثواباً ومنزلة، أما النار فإن أدناهم منزلة عياذاً بالله يظن أنه لا أحد أشد عذاباً منه، وهذا وحده غاية النكال. قال: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١] ثم قال تجديداً لقضية إيمانية تتردد في القرآن كثيراً وهي: أن توحيد الله هو المقصود الأعظم، قال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢] ونسب الفعل (تقعد) لأنه جاء بعد فاء السببية التي سبقها فعل مسبوق بنهي؛ ولذلك جزم بالسكون، قال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]، ثم جاءت في الآيات سلسلة من الأخلاق، وسورة الإسراء سورة مكية لم ينبه الله فيها إلا على أمور مقررة فقهياً في كل الملل التي سلفت، قال الله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء:٢٣]، وهنا (قضى) بمعنى: أمر، وقد مر معنا: أن قضى تأتي بمعنى: خلق، كقوله سبحانه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت:١٢]، وتأتي بمعنى: حكم، كقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل:٧٨]. قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء:٢٣] أي: أمر، ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] وهذا تحقيق للتوحيد الذي تحدثنا عنه مراراً، وهو الغاية من خلق الثقلين، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]. ثم قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] قال العلماء - وهذا ظاهر لكل أحد -: إن الله قرن بر الوالدين بوحدانيته؛ ليبين عظيم المنزلة للوالدين، وهذا إجمال ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، ثم بين: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] فنهى عن الأدنى تنبيهاً للأعلى، ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣] والقول الكريم: هو ما يستطيبه السمع، وتستريح له النفس، وترغب بسماعه الأذن، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] هذا عند البلاغيين يسمى: استعارة؛ ذلك أن الطائر إذا أراد أن يعلو خفض بجناحيه، فإذا أراد أن يهبط خفضهما، لكن الله قال -وهذا من دقائق التعبير والفوارق القرآنية- قال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥] لكنه هنا قال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] فكلمة الذل زائدة في حق الوالدين عن عموم الناس؛ لأن حق الوالدين ليس كحق بقية الناس، فأنت مطالب بأن تخفض جناحك للمؤمنين، لكن يكون خفضك لجناحك في تعاملك مع والديك أشد وأعظم؛ قال الله جل وعلا: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤] وهذا تنبيه لك، ليس المقصود منه: أنه لو فرضنا أن أحدهما مات ولم ينل مشقة تربيتك أنك لا تدعو له هذا محال، لكن هذا قيد أغلبي؛ لأن الأصل أن الوالدين هما اللذان يقومان بتربية الأبناء، ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤]. قال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥] من أخطاء الأئمة أنهم يقرءونها: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ [الإسراء:٢٥] ثم يقول: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥] فالله أعلم بما في نفوسنا كنا صالحين أم لم نكن، لكن ما معنى الآية: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ [الإسراء:٢٥] شرطية، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥] جواب الشرط، وأحياناً هذا يقع لو راجعت كثيراً من أوراقك القديمة أو حتى في أيامك هذه، أحياناً تريد أن تبر والديك أو أحدهما فتقع في خلاف الذي تريد، فتقع منك كلمة لا يرغبانها، وأنت لا تقصد عقوقهما إنما تقصد برهما، أو أن تقدم لهما شيئاً ترى أنهما يحبانه، فإذا هما يكرهانه، فالموقف العام لا يساعدك على أن تظهر كل ما في قلبك، أو على أن تقول الأمر بجلاء، فأنت تريد أن تبره، وهو يرى أنك عاق له، مثاله: قد يكون أحد والديك يشعر بوهم كبير أنه مريض، فيلح عليك أنه مريض، ويريد أن تذهب به إلى الطبيب، وأنت تمتنع لا عقوقاً له، وإنما لأنك لا تريد أن تعينه على نفسه حتى لا تزيد وهمه؛ لأنك لو أخذته واستجبت لندائه ولئن ذهبت به إلى الشيخ فلان ليقرأ عليه، وغداً ذهبت به إلى الطبيب ليكشف عليه زدت من قناعة الوالد أو الوالدة بأنه مريض، وأنت تعلم أن الوالد أو الوالدة إنما هي قضايا نفسية لا أكثر ولا أقل، فكونك تمتنع عن الذهاب به إلى ما يريد، إنما تعينه على نفسه حتى ينتصر على أوهامه، وإن كان الأب أو الوالد ينظر إليك على أنك عاق، وربما أسمعك كلاماً لا يرضيك، وربما قال لجيرانه أو لأصدقائه أو لبعض إخوانه: إنني قلت لابني فلان مرة ومرتين لكنه لا خير فيه ولا يريد أن يذهب بي إلى الطبيب؛ لأنه يجهل مصلحته وأنت لم تقصد إلا الخير، فهذا خفي على الوالد وخفي على الوالدة، لكنه لا يخفى على رب العالمين، هذا معنى قول الله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء:٢٥] بعد ذكره لبر الوالدين، ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥] تقصد خيراً، تريد صلاحاً فبر بوالديك، فإنه جل وعلا كان للأوابين غفوراً.

стр. 383

تفسير قوله تعالى: (وآت ذا القربى حقه إلى قوله: فقل لهم قولاً ميسوراً) ثم قال الله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٦ - ٢٧] والقرآن يربي فينا فقه الأولويات، ثلاث آيات تتحدث فقط عن الوالدين مقرونة بالتوحيد، ثم ثلاثة حقوق تأتي في آية واحدة، فالقريب له حق، والمسكين له حق، وابن السبيل له حق؛ لأن المسكين في الغالب يكون ابن بيئتك، وابن السبيل غريب، فحق القريب مقدم، ثم ابن القرية والمدينة التي تسكنها، ثم المسافر الغريب، أما قول ربنا: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء:٢٦] فهذه أشبه بالجملة المعترضة إذا نظرت فيما بعدها، ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٦ - ٢٧] هناك تبذير وهناك إسراف؛ فالإسراف: الشيء في أصله يكون صواباً، فإذا زدت عن حده سمي: إسرافاً، أما التبذير: فهو الشيء الذي في أصله باطل، وهو الإنفاق أو البذل في شيء لا أصل له، نأتي بمثال معاصر: من لوازم الحياة اليومية: أن يكون لهذا الإنسان جوال، فكونه يخرج ليشتري جوالاً لنفسه لا يسمى هذا إسرافاً، فقد يحتاج إلى أكثر من جوال بحسب وضعه الاجتماعي، لكنه إذا زاد عن هذا الحد يسمى: مسرفاً. ولهذا فالإسراف لم يأت به إلا في الذنوب بخلاف التبذير، قال الله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧] ولكنه قال في الأعراف: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١] لكن هنا أغلظ قال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧] أي أوليائهم، ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٧] هذه الأخيرة جملة اعتراضية، ثم عاد الكلام للأول، ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء:٢٦] قال بعدها: وإما، وهي مركبة من: إن وما، ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ [الإسراء:٢٨] قلنا: إن المبذرين إخوان الشياطين هذه جملة اعتراضية، ما الذي قبلها؟ ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ [الإسراء:٢٦] زالوالدان انتهت قضيتهم بقوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥] ثم ذكر أيها المباركون حقوق ثلاثة: لذي القربى، والمسكين، وابن السبيل، ثم أطنب بفائدة في الكلام عن التبذير، ثم عاد السياق: لآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل فقال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء:٢٦] ثم قال: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ [الإسراء:٢٨] أي: عن هؤلاء الثلاثة، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨] مثاله: بين يوم ٢٠ و ٢٥ موعد استلام الناس للرواتب، ويقل ما في أيديهم، فإن جاءك مسكين سائل أو قريب أو ابن سبيل يستدين منك مائة أو مائتي ريال، فأنت هنا لا تجد، فماذا يرشدك ربك؟ الله يقول: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ [الإسراء:٢٨] ليس عندك شيء تواصلهم به، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ [الإسراء:٢٨] ما الرحمة هنا؟ الراتب الذي سيأتي بعد يوم ٢٥، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨] لاطفهم بالقول حتى تأتيك الرحمة، قال: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ [الإسراء:٢٨] أي: أنت موعود بها، ﴿فَقُلْ لَهُمْ﴾ [الإسراء:٢٨] أي: لهؤلاء السائلين ﴿قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨] لاطفهم بالخطاب حتى يأتي اليوم الذي تتمكن من برهم كما أمر الله: لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعد الحال هذا بيت للمتنبي، لكن أين قول المتنبي من قول الله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ [الإسراء:٢٨] فيها فائدة: أن المؤمن دائماً يعلق رجائه بالله، وأنه لا يقول: إنني سأبقى معدماً إلى أن أموت، فإن رحمة الله جل وعلا قريبة، كما ينبغي على من أغناه الله ألا يعتقد أنه ربما سيبقى ثرياً غنياً إلى أن يموت، يعني: فلا ييأسن فقير، ولا يبطرن ويفخرن غني، يقول أبو العتاهية في هجاء سلم بن عمرو: تعالى الله يا سلم بن عمرو أذل الحرص أعناق الرجال هذه الدنيا تساق إليك عفواً أليس مصير ذلك للزوال والشاهد ليس في هذين البيتين، لكن في بيت آخر لـ زيان بن سيار الفزاري يقول: يؤمل أن يعمر عمر نوح وأمر الله يحدث كل ليلة يعني: أن أمر الله يقع بين عشية وضحاها.

стр. 384

تفسير قوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك إنه كان بعباده خبيراً بصيراً) قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨]. ثم قال الله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٩]، والحسير: الدابة في السفر، فإذا عجزت وانقطعت عن تكملة طريقها سميت: حسيراً، وقد عجزت؛ لأنها بذلت جهداً فوق طاقتها في أول السفر، فلا أرضاً قطعت ولا ظهراً أبقت، فربنا يقول: لا تكن شحيحاً كمن يده مغلولة إلى عنقه؛ لأن الذي يده مغلولة إلى عنقه لا يستطيع أن يضعها في جيبه حتى ينفق، ثم قال: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩] أي: ولا تنفق إنفاقاً كاملاً لأنك ستحتاج إليه فلا تجده، ودائماً كلا طرفي الأمور ذميم، والعبرة بالطريق الوسط. نبينا ﷺ حل ضيفاً على أبي الهيثم بن التيهان ﵁ وأرضاه الأنصاري المعروف، فالرجل بدأ بعذق من النخلة فيه بسر ورطب وتمر، ووضعه بين يدي النبي ﷺ وأخذ السكين، فأبصره النبي ﷺ والسكين في يده، فعرف أنه يريد أن يذبح طعاماً لنبي الله، والنبي جاء بالمنهج الوسط، فقال له: (إياك والحلوب)، الآن افهم مقصوده ﵊، هو لم يقل له: لا تذبح لي؛ لأن في هذا منعاً للمضيف أن يكرم ضيفه، ولم يرخص له في أن يذبح أي شيء حتى لا يتضرر أهل الدار، فلو ذبح حلوباً لتضرر أهل الدار لأنهم يشربون من لبنها، وربما انتفع بها ولدها، فالنبي ﵊ لجأ إلى حل أمثل يجعل الرجل يكرم ضيفه دون أن يتضرر أهله، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩] فإن قال قائل: ما تقول في فعل الصديق عندما قال: تركت لهم الله ورسوله. نقول: هذا فعل عارض أولاً، الأمر الثاني: أن أبا بكر كان رجل تجارة، ومعلوم أن صاحب التجارة قد يكون أحياناً في يده مال وأحياناً لا يكون، وقد ينفق اليوم ثم يأتيه بيع آخر يدر عليه. قال تعالى: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء:٢٩ - ٣٠] الرزق بيد الله، وما كتبه الله لك سيصل على ضعفك، وما لم يكتبه الله لك لن تناله بقوتك: (إن روح القدس نفث في روعي: أن النفس لن تموت حتى تستوفي أجلها، وتستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، ثم قال ﵊: (ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن ما عند الله إنما يطلب بطاعته ولا يطلب بمعصيته).

стр. 385

تفسير قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق إنه كان منصوراً) ثم قال الله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٣١] الآيات مكية تخاطب الظواهر الاجتماعية المعيبة المشينة التي كانت في المجتمع المكي، ومن أعظمها: أنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر؛ ولهذا جاء في الحديث: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] أنتم لا تشتكون فقراً لكنكم تزعمون أن الولد إذا جاء ضيق عليكم، فلهذا قدم الله ذكر الولد بقوله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١] ثم قال: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٣١] ذنباً وأي ذنب! يكفي أن فيه إساءة الظن برب العالمين جل وعلا، وأن الله عاجز عن رزقه، وهذا وحده عين الكفر، فإذا ظن العبد أن الله عاجز عن أن يرزق أحداً والله يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] ويقول: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت:٦٠] فهذا أكفر الكفر. هنا يقول ربنا: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣١ - ٣٢] أي: أي طريق يدني من هذه الفاحشة المحرمة في جميع الشرائع، ثلاث أمور نهى الله عنها: الشرك، وقتل النفس بغير حق، والزنا، وقد ذكرها الله جميعاً في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] فهذا محرم في الشرائع كلها، قال الله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢] ثم قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء:٣٣] والحق: أن يكون القتل قتلاً شرعياً، وقد بين ﷺ موجبات القتل بقوله: (كفر بعد إيمان، وزنىً بعد إحصان، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء:٣٣] ثم قال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، قال هنا: فلا يسرف، ولم يقل: فلا يبذر، والأصل أن يقتل واحد بواحد، وهذا حق، لكن إذا زاد فهذا إسراف، ولم يسمه الله: تبذيراً؛ لأنه قائم في أصله على وجه حق، قال: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، فقد كان بعضهم يرى أن فيه أنفة وأن فلان بن فلان لا يمكن أن يقتل بواحد، ومر معكم في حرب البسوس: لما قتل جساس كليباً، وأخبر مهلهل أخو كليب بأن جساساً قتل أخاه، وقامت حرب البسوس بين بكر وتغلب، وبكر وتغلب كلاهما من ربيعة، وكان فيهم أنفة، الشاهد أن أحدهم من الزعماء آنذاك أظنه الحارث بن عباد أراد أن ينهي المسألة، فبعث ابنه ليقتل بدلاً من كليب، فيستريح مهلهل وتنتهي المسألة -وكان الحارث زعيماً- فبعث ابنه فرفض مهلهل وقتل الابن وقال له: ذوء بشسع نعل كليب، وشسع النعل أي: ما يخرج من النعل الذي يضع فيه الإصبع، فهو يرى أن هذا الرجل لا يساوي إلا شسع النعل وليس النعل كاملاً. فالله يقول: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣] ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣] واختلف العلماء: في الضمير: هل هو عائد على أولياء الدم أم على المقتول؟ والعامة تقول: النفس منصورة، يعني: لا بد أن يظهر قاتلها، لكن الأقرب -والعلم عند الله- أنه يعود على أولياء الدم، وقد استنبط ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من هذه الآية -وهذا من دقائق الفهم وعجيب العلم- أن معاوية ﵁ سيلي الخلافة؛ لأن معاوية طالب بدم عثمان؛ لأنه من قرابته، فأصبح معاوية ولياً لدم عثمان، والله يقول: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣] وفراسة ابن عباس وتأويله ظهر جلياً بأن معاوية ﵁ وأرضاه تولى الحكم بعد ذلك، بصرف النظر عن كيفية وصول الحكم إلى معاوية، لكن الذي يعنينا هنا من الخطاب القرآني: أن الله جل وعلا حرم الدماء، وقد مر معنا في قوله تعالى في البقرة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩] ولا حاجة للتكرار، لكن من أعظم الخطايا: أن يتجرأ الإنسان على دم مسلم، والنبي ﷺ يقول -نقل هذا عن ابن عمر -: (لهدم الكعبة أهون عند الله من قتل مسلم) على عظيم حرمة الكعبة؛ لأن الكعبة لو تسلط عليها من تسلط بقدر الله فهدمها فإنها تبنى، لكن المسلم إذا قتل وسفك دمه فلا سبيل إلى إعادة الحياة إليه؛ فلهذا حرم الله جل وعلا الدماء وأغلظ فيها وهي أول ما يقضى فيه من حقوق العباد يوم القيامة، عافانا الله وإياكم من دماء المسلمين. قال الله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣] أي: له الحق أن يتكلم وله برهان أن يطالب، ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣]. ثم قال الله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤] مال اليتيم ذكره الله جل وعلا مجملاً هنا تمهيداً لآيات ستأتي في سورة البقرة؛ لأن الخطاب هنا خطاب للمجتمع المكي، وحتى يبلغ أشده يتحقق بطريقتين: طريقة بدنية، وطريقة عقلية، الطريقة البدنية بالقدرة على النكاح، والطريقة العقلية عبر الله عنها: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:٦] فإذا بلغوا النكاح هذه قدرة بدنية، والإنسان يحتاج إلى قدرة بدنية وقدرة عقلية حتى إن كان يتيماً استطاع أن يملك ماله، واليتيم: من مات أبوه دون البلوغ، وهذا في بني آدم، أما في الحيوان: فهو من ماتت أمه؛ لأن الحيوان لا يعرف أباه، وأما في الطير: فمن مات أبوه وأمه، الآن: الطفل مثلاً أبوه الذي يتولاه، يأخذه للخياط ويفصل له ثياباً، يأخذه المدرسة يسجله، يأخذه إلى الأحوال ليخرج له بطاقة، وفي الحيوانات (بهيمة الأنعام) الأم هي التي ترعى الابن، أما الطير فتشترك الأم مع الأب في رعاية ولدهما، فيسمى من فقد والديه من الطير يتيماً، ومن فقد والده من بني آدم يتيم، ومن فقد أمه من الحيوانات وبهيمة الأنعام يتيم، وهذه استفرادات لغوية لا تنفع ولا تضر. الله حذر من أموال اليتامى، وهذا بيناه وسيأتي بيانه تفصيلاً، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠] لكن هذه آيات مكية كتمهيد لما سيأتي من أحكام تفصيلية في المجتمع المدني.

стр. 386

تفسير قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن كل أولئك كان عنه مسئولاً) ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤] والعهود يجب إيفائها مع الكافر أو مع المؤمن، وسيسأل الإنسان عنها كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] وبعض العقود تلزم ديانة ولا تلزم قضاءً، وبعضها يلزم ديانة وقضاءً، مثلاً: إنسان قال لإنسان: أنا أريد أن اشتري سيارة لكن لا أملك أموالاً، وأنت رجل ذو ثراء ولك في التجارة، فيقول له الآخر: إن اشتريت سيارة بنية بيعها لك فهل تشتريها؟ فقال الأول: نعم، فاشترى الرجل السيارة غير راغب فيها، لكنه يريد أن يبيعها، فلما اشتراها بمائة ألف قال لصاحبه: قد اشتريتها وهي الآن في حوزتي وأريدك أن تشتريها، فرفض الأول وقال: لا أريدها، فهذا لا يلزم قضاءً، لكن ديانة قد يأثم عند كثير من العلماء، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء:٣٤ - ٣٥] وهذا من حقوق الناس وقد جاء فيها: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:١]، ثم قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء:٣٥]. ثم قال الله وهي الآية التي نختم بها هذا اللقاء: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] يسأل الإنسان عن سمعه وبصره وفؤاده، ومن أعظم ما يسأل عنه: إذا تجرأ على القول على الله جل وعلا بلا علم، وقد مر معنا أن عامراً بن الضرب أحد العرب في الجاهلية كانت الناس تأتيه وفوداً يحتكمون إليه في مسائل، فجاءه ذات مرة قوم في ميراث خنثى، هل يعطى من الميراث على أنه ذكر أو يعطى من الميراث على أنه أنثى؟ وكان عنده جارية تقوم على غنمه وفيها تأخر شديد إذا ذهبت بالغنم، فهي لا تستيقظ باكراً ولا تعود في حينها، وكان عامر يعاتبها واسمها سخيلة، فذات مرة جاء هؤلاء العرب يحتكمون إليه باعتباره رجلاً تشد إليه الرحال في مثل هذه المسائل، فأقامهم في داره وأخذ يذبح لهم حتى كادت تفنى غنمه؛ لأنهم يطعمون والمسألة لم تنته، فسألته سخيلة وهي ترى سيدها يغدو ويروح في البيت، فأخبرها الخبر ساخراً منها، وقد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، فقالت له متعجبة: أتبع الحكم المبال، يعني: إن كان مع هذا الخنثى آلة الذكورية فهو رجل، وإن كان معه آلة الأنوثة فهو امرأة، وأعطه الحكم على هذا السياق، فأصبح يرددها فرحاً بها، وحكم بينهم بعد أربعين يوماً وهم في ضيافته وانصرفوا، فسار وهو يقول: صبحي أو مسي يا سخيلة! يعني: تأخري أو لا تتأخري فأنت معذورة. قد يقول قائل لك: ما علاقة هذا بقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] وهذه قلادة علمية، قال الإمام الأوزاعي معلقاً على القصة قال: هذا رجل جاهل لا يرجو جنة ولا يخشى ناراً توقف في حكم أربعين يوماً فكيف يأتيك أحد يتجرأ على مسألة ويفتي فيها ما بين عشية وضحاها، وربما كان لا يملك الآلة العلمية على الحكم فيها، ويوقع فيها عن شرع الله جل وعلا؛ لأنه لم يفقه معنى قول الله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]. وقد قلت مراراً: إن شيخنا الأمين الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه في آخر أيام حياته وهذا من أخباره المكررة، لكن أحياناً الفوائد تلزم بالإعادة، جاءه وفد من الكويت يسألونه والشيخ ﵀ في أخريات حياته توقف كثيراً عن الفتوى، فأخذوا يلحون عليه بالسؤال وقد ضربوا له أكباد الإبل، فالشيخ بعد إلحاح قال: أجيبكم بكلام الله، ففرحوا، وأصلح من جلسته ثم قال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، فلما ألحوا عليه زيادة قال: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، وقال فلان كذا، وأنا لا أحمل ذمتي من كلام الناس شيئاً. والمقصود: أن يؤسس طالب العلم نفسه أولاً على خشية الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] لكن إن طلب العلم وهو ينظر إلى الساعة التي يتصبر فيها فيسأل ويجيب حتى لو تكلف ما لا يعلم من أجل أن يسد فراغاً في نفسه، فهذا قد يهلك من حيث لا يشعر، وكان الأخيار قبلنا -نسأل الله أن يغفر لنا- يربي أحدهم نفسه على أن يقول: لا أدري، حتى لا تصاب مقاتله، والآية ليست محصورة في هذا؛ لأن الله قال بعدها: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]. نسأل الله أن يحفظنا في أسماعنا وأبصارنا وسائر جوارحنا، إن ربي لسميع الدعاء. هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله على قوله. وصلى الله على محمد وعلى آله. والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 387

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الإسراء [٣٧ - ٤٨] بعد أن ذكر الله مجملاً للحقوق التي يجب على المسلم أن يتحلى بها، عاد مرة أخرى للتنويه على قضية اتخاذ مع الله إلهاً آخر، أو ادعاء أن مع الله أولاداً تعالى الله عن ذلك، فهي الجريمة الشنعاء والوحيدة التي تحبط العمل، وتبعد رحمة الله وغفرانه عنك، ثم بين الله تعالى عظم جحود الكافرين، وموقفهم في رد الحق مع ما بين أيديهم من الشواهد والبراهين الدالة على وحدانية الله وتفرده بالخلق.

стр. 388

تفسير قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم سيئه عند ربك مكروهاً) الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا اللقاء الرابع المتعلق بسورة الإسراء، وكنا قد انتهينا في اللقاء الثالث إلى قول ربنا جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]. وذكرنا أن الآية دلت على وجه الخصوص بصورة أولية على أن القول على الله جل وعلا بلا علم من أعظم الأمور المحرمة، فإن كان القول بلا علم على إطلاقه ممنوع، فكيف بالقول على الله؟! وذكرنا قصة عامر بن الضرب، وقلنا: إن عامراَ كانت العرب تفد إليه وتحتكم، فجاءه قوم يسألونه عن ميراث الخنثى؟ ثم إنه حار فيهم أربعين يوماً، وهم آنذاك كانوا أضيافه، فقالت له جارية عنده: أتبع الحكم المبال، فأخذ بقولها، قال الإمام الأوزاعي معلقاً على القصة: فإذا كان هذا رجل في الجاهلية لا يرجو جنة ولا يخشى ناراً توقف في الحكم أربعين يوماً لما لم يثبت عنده، فكيف بمن يتجرأ على القول على الله تعالى بلا علم؟ وفي ذلك عظة وعبرة لكل أحد. ثم قال ربنا: ﴿إنَ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ﴾ [الإسراء:٣٦]، الإشكال عند اللغويين: التعبير بأولئك عما لا يعقل، وهم يقولون في أغلبهم: إن أولئك تطلق على العقلاء، لكن كفى باستخدام القرآن دليلاً على أنها تستخدم لغير العاقل، فالقرآن أو اللفظ القرآني هو الذي يقوم مقام الاستشهاد، ولا يستشهد للقرآن بقول أحد، على أن جواب الإشكال بصورة أوضح من جهتين: أن الله جل وعلا أقام السمع والبصر والفؤاد مقام العقلاء؛ لأنها شواهد على أصحابها، ومسئولة عن ذاتها. والأمر الثاني: أنه عرف في بعض كلام العرب إطلاقهم لها على غير العقلاء، ويحتج القائلون بهذا بقول جرير: ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأقوام فالأيام غير عاقلة، وعبر عنها بأولئك، لكن المانعين يقولون: إن البيت أصله: والعيش بعد أولئك الأقوام، فإذا كانت الرواية الصحيحة بعد أولئك الأقوام فلا جديد في بيت جرير؛ لأن الأقوام عقلاء، وبالتالي فالتعبير عنها بأولئك ملائم، لكن على القول أن الرواية الصحيحة هي: والعيش بعد أولئك الأقوام يصبح الاستشهاد قائماً؛ لأن الأيام غير عاقلة، لكن نقول: أياً كان فإن الله جل وعلا أقام السمع والبصر والفؤاد مقام العقلاء؛ لأنها مسئولة عن ذاتها، وشواهد على أصحابها، ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]. ثم مضى الأدب القرآني المبدوء أولاً بآية: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، ثم جاءت سلسلة من مكارم الأخلاق يدعو إليها، وسلسلة من سيء الأخلاق ينهى عنها، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، وهنا قال: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]. الإنسان يحيى بين جمادين، ما بين أرض يمشي عليها، وما بين جبال تحيط به، فالله جل وعلا يقول لنبيه -والمخاطب أمته من باب أولى كما يقال: إياك أعني واسمعي يا جارة! يقول: إنك مهما علوت وارتفعت فإنك لن تستطيع أن تخرق الأرض، وكلمة (تخرق) تحتمل معنيين: الخرق المعروف، والخرق الآخر بمعنى: قطعها، وقد جاء في كلام العرب: أن الخرق بمعنى: القطع، يعني: لن تستطيع أن تمضي في الأرض كلها، وحمله على الأول أقرب، وهو الخرق المعروف من الدوس، فيصبح معنى قوله تعالى: ﴿َلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]: أن الله نهى نبيه عن الكبر، وعن مشية الفخر والخيلاء، فإذا قلنا: مشية بفتح الميم فهذا اسم مرة، يقول: ضربته ضربة أي: ضربة واحدة، أما على وزن فعلة بكسر الميم فهو اسم هيئة، المقصود: أن الله نهى نبيه عن مشية الجبارين المتكبرين، الذين يختالون في الأرض فرحاً وبطراً، هذا المنهي عنه: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]، كلمة (طولاً) عند النحويين تمييز محول عن فاعل، ومعنى الكلام: لن يبلغ طولك الجبال، تقول في الكلام العادي: ازدانت المدينة مدخلاً، وأصلها: ازدان مدخل المدينة، وتقول: طاب عمرو نفساً، وأصلها: طابت نفس عمرو، فالتمييز هنا محول عن فاعل، ومثله قوله جل شأنه: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]، أي: ولن يبلغ طولك الجبال، والمقصود: النهي عن الكبر؛ لأن أصل الكبر: شيء يقع في النفس، فإذا وقع في النفس ولو كان مثقال ذرة نجم عنه أثر في الظاهر، وبحسب تمكن ذلك الكبر في القلب يكون ذلك الأثر، فمن ألجم نفسه بلجام التقوى منعه ما في قلبه من طلب العلو، ومن لم تمنعه التقوى انطلق في عنانه ومضماره كما قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]؛ لأنه لا لجام للتقوى عنده يمنعه من أن يقول هذا القول، وإلا فبذرة الخير والشر في كل أحد موجودة: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٧ - ٣٨]. قرئت (سيئةً) وقرئت (سيئهُ)، فعلى قراءة سيئة يصبح المعنى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُة عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]، فتنصرف (كل) إلى ما نهى الله جل وعلا عنه. أما على قراءة (سيئه) يصبح (كان سيئه) تخصيصاً من كلمة كن؛ لأننا أمرناك بأحاسن الأخلاق: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء:٢٦]، ﴿َبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣]، ونهيناك عن سيئها، ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الأنعام:١٥٢]، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ [الإسراء:٣١]، فيما مضى من الآيات، فيصبح (كان سيئه) أي: ما مضى خاصة السيئ منه مكروهاً عند الله، فيفهم منه: أن غير السيء ليس مكروهاً عند الله. قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]، ذلك جملة ما علمناك مما أوحى إليك ربك من الحكمة، وهنا نربط الآية بما حررناه في السنة في أول لقاء حول سورة الإسراء، فقد قلنا: إن قلب النبي ﷺ ملئ إيمانا ًوحكمة، وعقبنا على ذلك بأن الحكمة أجل ما يعطاه بنو آدم بعد الإيمان، وعلى هذا فقول الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء:٣٩]، يعضد هذا الاستنباط من السنة، وهو أن الحكمة أعظم شيء بعد الإيمان، ثم بين الله جل وعلا المرء بالحكمة، والحكمة عند البعض تقوم على ثلاثة أركان: العلم، والحلم، والأناة.

стр. 389

تفسير قوله تعالى: (ذلك مما أوحى إليك ربك وما يزيدهم إلا نفوراً) ثم قال ربنا: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]، قبلها بآيات قال في فاصلة ما بين آيات وآيات: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١]، ثم أتى بآية بعدها سأتركها: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]. ما بين هاتين الآيتين قال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]، وهنا قال: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]، فتحررت أربعة أوصاف: الآية الأولى قال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢] هذان وصفان، وفي الأخرى قال: ملوماً مدحوراً، وسنبين معاني هذه الأوصاف، ثم نبين لماذا قال الله: ﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩] وقال: ﴿مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]؟ أما الملوم: فهو الذي يقال له: لم فعلت كذا وكذا من قبيح الأفعال؟ وأما المذموم: فهو من يخبر بقبيح ما فعل. وأما المخذول: فهو الضعيف الذي لا ناصر له. وأما المدحور: فهو المطرود المبعد عن كل خير. الآن نجمع شتات الآيات، بداية نقول لغوياً: إن القعود يعني: العجز، فقعد عن الشيء أي: عجز عنه، قال الحطيئة يهجو أحدهم: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فالتعبير بلفظ: اقعد يدل على أن هذا المهجو عاجز عن أن ينال مراتب الشرف، وينافس في الإطعام والكسوة والخيرات فشبهه بالنساء، والطاعم الكاسي هنا أي: مطعوم مكسي، هذا أصل الكلام، فالعرب تستخدم اقعد في العجز؛ ولهذا جعل الله القاعدين ضد المجاهدين في سورة النساء، وكذلك القواعد من النساء اللاتي إذا كبرن لم تكن لهن رغبة في الرجال. هنا ربنا يقول: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ﴾ [الإسراء:٢٢] يعني: تصبح عاجزاً، قال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]، والآية التي بين يدينا: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]، نقول: ينبه الله في الآيتين -وإن جاءتا متفرقتين- على أن التوحيد رأس الدين ورأس الحكمة، ومبدأ الأمر ومنتهاه؛ ففي الآية الأولى: رتب الله آثار الشرك الدنيوية، فقال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾ [الإسراء:٢٢] من الناس، ﴿مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢] من ربك، وهذا في الدنيا، وفي الآية الثانية: أعاد الله الآيات بقوله: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]، فذكر آثار الشرك في الآخرة. إذاً: لا يوجد تكرار كما يفهمه البعض بادي الرأي، وإنما نهى الله عن الشرك في الآية الأولى، ورتب عليه الآثار الدنيوية، وذكر الشرك ونهى عنه في الآية الثانية، ورتب عليه الآثار الأخروية، قال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]. ثم قال الله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء:٤٠]، هذا عود على بدء، فقد ذكر ما كانت بعض العرب تزعمه من أن الملائكة بنات الله، وعبارة (اتخذ) توحي بأن القرشيين قائلون بهذا، لا يقولون: إن الله ولد بنات، لكنهم يزعمون أن الله خلق الملائكة على هيئة بنات ثم اتخذهم بنات له؛ لأن لفظ (اتخذ) لا يساعد على القول بأنهم يدعون أن الله ولد البنات، تعالى الله على كل حال عما يقول الظالمون علواً كبيراً. فالله جل وعلا يقول: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء:٤٠]، هذا استفهام إنكاري توبيخي، كيف تجرءون على أن تنسبوا لله الولد جملة، ثم تنسبوا إليه أبخس الولد وهي الأنثى؟ ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء:٤٠]. وهذا التعبير القرآني فيه شدة إنكار، ومبالغة في الرد عليهم، أي: لو كانت لكم قلوب تفقه، وعقول تعقل، لما تكلمتم بهذا القول العظيم؛ ولهذا قال الله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء:٤٠]، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤١]. وتصريف الرياح معناه: انتقالها من مكان إلى مكان، والمعنى: أن القرآن فيه وعد ووعيد، وأوامر ونواه، وقصص وزواجر، فالله جل وعلا لم يجعله على نسق واحد، بل صرف فيه الآيات كل ذلك ليكون أدعى لهم لأن يتعظوا ويعتبروا، لكن لما فطرت قلوبهم على الشرك عياذاً بالله ما زادهم هذا التصريف في آيات الله إلا نفوراً وبعداً عن الحق، ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤١].

стр. 390

تفسير قوله تعالى: (قل لو كان معه آلهة إنه كان حليماً غفوراً) ثم عاد الله جل وعلا لإبطال دعواهم بتعدد الآية، ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا * تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٢ - ٤٤]، تصور الآيات جملة على النحو التالي: هؤلاء القرشيون يقولون بتعدد الآلهة، ثم إنهم في تعدد الآلهة يزعمون أنهم عندما يعبدون تلك الآلهة التي اتخذوها إنما هي شفعاء لهم عند الله تعالى، هذا زعمهم، فالله جل وعلا الآن أراد أن يرد عليهم بطلان قولهم بوجود تعدد الآلهة، فقال ربنا قل -أي: يا محمد! ﷺ فهي تدل على زيادة اختصاص، وفيها تربية للمؤمن على فقه الأولويات: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢]، بداية: لو: حرف امتناع لامتناع؛ أي: لا توجد آلهة حتى تجد سبيلاً إلى ذي العرش، فالأمر برمته باطل إلا في ألسنتكم، لكن الآن هنا تصور فرضي لكيفية رد الله عليهم، ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ [الإسراء:٤٢]، فالأمر برمته غير موجود إلا في قلوب هؤلاء الكفرة، فيقول الله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢]، ابتغاء السبيل المقصود منه: طلب السعي إلى شيء ما، والآية هنا تحتمل معنيين: الأول: ربنا يقول لهم: لو فرضنا جدلاً بحسب منطقكم الكافر أن هناك آلهة معي، وهنا نحمل الآن على الرأي الأول: أن كلمة: (إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا) أي: سبيل رغبة وخضوع، أنتم لماذا تعبدون هذه الآلهة، قالوا: نعبدها حتى تكون شفعاء بيننا وبين الله، فالله جل وعلا يقول: إذا كانت هذه الآلهة بزعمكم تخضع لي وتتشفع لكم عندي فهذا يمنع بتاتاً أن تسمى آلهة؛ لأن الإله لا يكون خاضعاً، نجيب مثال من واقع الناس اليوم: أنت تعرف رجلاً يعمل في الديوان الملكي، فأعطيته أوراقاً ليعرضها على الملك، فهذا الموظف في الديوان الملكي هو وسيط لك عند الملك، حتى يعرض موضوعك على الملك، فلا بد هو نفسه أن يكون خاضعاً للملك، ويتشفع لك عنده بذل وتواضع حتى يقبل الملك شفاعته، إذاً: هذا الشفيع ليس بملك؛ لأن الملوك لا تخضع بعضها لبعض، إذاً: بطل ما زعموه وادعوه، أنتم تقولون: إن هذه المعلقة حول الكعبة شفعاء بينكم وبين الله، وتقولون: إنها آلهة: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف:٥٨]، على عيسى بن مريم، فكيف تسمى آلهة وهي تخضع لغيرها؟ الإله لا يخضع لأحد، فبطلت دعواكم بأنها آلهة، هذا على القول أن معنى قوله: ﴿لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢]، أي: سبيل خضوع وتذلل ومحبة. القول الثاني: (لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا)، ليس سبيل تذلل وخضوع، بل على العكس، سبيل مغالبة ومنازعة، أي: لو كانت هذه الآلهة آلهة كما تزعمون أنتم فالآلهة لها قدرة وسلطان، فستنازع الله جل وعلا في سلطانه، وأي شيء حوله تنازع ينجم عنه خلل، أي بلد فيها أربعة رؤساء أو خمسة يحدث خلل في نظامها؛ لأن كل رئيس يريد أن يمضي كلامه، تسمعون الآن أمراء الحرب في الصومال، لا يمكن لهم أن يصيروا أمراء على بلد واحد، لا بد أن يحصل نزاع، فلا بد أن يكون الحاكم واحداً حتى يستقر الأمر، وأنتم ترون بأعينكم أن الكون منتظم، شمسه وقمره، وليله ونهاره، ولا يوجد فيه أي خلل، ولا أي فساد، فدل عقلاً على أن الإله واحد، وهذه الآية رأيان، وكل القرآن يشهد لهذا ويشهد لهذا، أما القول الأول: على الخضوع والتذلل فيشهد عليه قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] في نفس السورة. والقول الثاني -وهو الأرجح، والعلم عند الله- يشهد له قول الله جل وعلا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، وقول الله جل وعلا: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١]. فبكلا الطريقين أو الرأيين الناجمين عن فهم الآية تبطل دعوى الكفار القرشيين أن مع الله جل وعلا آلهة، قال الله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء:٤٢]، وقول الله جل وعلا: ﴿كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء:٤٢]، هذه زيادة المقصود منها: أن هذا أمر لا يقوله عاقل، لكنهم تجرءوا عليه وقالوه: ﴿إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢]، من حيث الصناعة النحوية: إذاً: أتي بها لتأكيد الجواب، وهو جواب لولا الممتنع تحقيقه؛ لأن (لولا) حرف امتناع لامتناع. ثم أنشأ الله جملة تنزه فيها عما يزعمه هؤلاء الكفرة، قال الله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤٣]. قال بعض أهل العلم: كبيراً هنا بمعنى: الكامل، والمقصود: أن الله جل وعلا ينزه ذاته العلية عما زعمه هؤلاء الكفار، وما تبنوه من معتقد فاسد، وأن الله جل وعلا قد تعالى أن يكون له شريك، ثم ذكر الله آيات تدل على وحدانيته فقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الإسراء:٤٤]، يدخل فيه الجمادات والحيوانات والنباتات ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]، ولما كان هذا التسبيح من لدن كل الأشياء دقيقاً لا يصل إليه أحد، قال ربنا: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ﴾ [الإسراء:٤٤]، ولم يقل: ولكن لا تعلمون، وإنما عبر بلفظ (تفقهون)؛ لأنها مسألة دقيقة، ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، وقد مر معنا مراراً: (أن نوحاً ﵊ لما حضرته الوفاة دعا بنيه، فقال: إني أوصيكم باثنتين، بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو كن كحلقة مفرغة لقصمتهن لا إله إلا الله، وبسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق)، والحديث عند أبي داود بسند صحيح. (فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق)، وهذا محل الشاهد؛ فالله جل وعلا يسبح له الحوت في بحره، والطير في وكره، بل وإن من شيء إلا يسبح بحمده. قال ربنا: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]، لماذا اختار الله هذين الاسمين الجليلين ليختم بهما هذه الآية؟ قلنا في اللقاء الأول حول سورة الإسراء: إن الله قال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]، قلنا: اختار الله كلمة السميع -استذكاراً لما سلف- لأنه سمع نبيه وهو عائد من الطائف، واختار البصير لأنه كان في الليل. وهنا قال الله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]؛ لأن مقالتكم هذه -أيها المشركون- تستوجب العذاب العاجل، لكن حلم الله عليكم أخر عنكم العذاب. أما قوله: (غفوراً) فهذا فتح باب لهم أن يئوبوا ويتوبوا، أي: أن المقالة التي تزعمونها، والمعتقد الذي تبنيتموه تستحقون عليه العقاب العاجل، لكن حلم الله أخر عنكم العذاب، والأمر عند الله أعظم من ذلك، فإن باب التوبة مفتوح؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]، وهذه ظاهرة جلية لمن أراد أن يتدبر القرآن.
следующие страницы →