Полный текст (789 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
تفسير قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن كل أولئك كان عنه مسئولاً)
ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤] والعهود يجب إيفائها مع الكافر أو مع المؤمن، وسيسأل الإنسان عنها كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] وبعض العقود تلزم ديانة ولا تلزم قضاءً، وبعضها يلزم ديانة وقضاءً، مثلاً: إنسان قال لإنسان: أنا أريد أن اشتري سيارة لكن لا أملك أموالاً، وأنت رجل ذو ثراء ولك في التجارة، فيقول له الآخر: إن اشتريت سيارة بنية بيعها لك فهل تشتريها؟ فقال الأول: نعم، فاشترى الرجل السيارة غير راغب فيها، لكنه يريد أن يبيعها، فلما اشتراها بمائة ألف قال لصاحبه: قد اشتريتها وهي الآن في حوزتي وأريدك أن تشتريها، فرفض الأول وقال: لا أريدها، فهذا لا يلزم قضاءً، لكن ديانة قد يأثم عند كثير من العلماء، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء:٣٤ - ٣٥] وهذا من حقوق الناس وقد جاء فيها: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:١]، ثم قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء:٣٥].
ثم قال الله وهي الآية التي نختم بها هذا اللقاء: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] يسأل الإنسان عن سمعه وبصره وفؤاده، ومن أعظم ما يسأل عنه: إذا تجرأ على القول على الله جل وعلا بلا علم، وقد مر معنا أن عامراً بن الضرب أحد العرب في الجاهلية كانت الناس تأتيه وفوداً يحتكمون إليه في مسائل، فجاءه ذات مرة قوم في ميراث خنثى، هل يعطى من الميراث على أنه ذكر أو يعطى من الميراث على أنه أنثى؟ وكان عنده جارية تقوم على غنمه وفيها تأخر شديد إذا ذهبت بالغنم، فهي لا تستيقظ باكراً ولا تعود في حينها، وكان عامر يعاتبها واسمها سخيلة، فذات مرة جاء هؤلاء العرب يحتكمون إليه باعتباره رجلاً تشد إليه الرحال في مثل هذه المسائل، فأقامهم في داره وأخذ يذبح لهم حتى كادت تفنى غنمه؛ لأنهم يطعمون والمسألة لم تنته، فسألته سخيلة وهي ترى سيدها يغدو ويروح في البيت، فأخبرها الخبر ساخراً منها، وقد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، فقالت له متعجبة: أتبع الحكم المبال، يعني: إن كان مع هذا الخنثى آلة الذكورية فهو رجل، وإن كان معه آلة الأنوثة فهو امرأة، وأعطه الحكم على هذا السياق، فأصبح يرددها فرحاً بها، وحكم بينهم بعد أربعين يوماً وهم في ضيافته وانصرفوا، فسار وهو يقول: صبحي أو مسي يا سخيلة! يعني: تأخري أو لا تتأخري فأنت معذورة.
قد يقول قائل لك: ما علاقة هذا بقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] وهذه قلادة علمية، قال الإمام الأوزاعي معلقاً على القصة قال: هذا رجل جاهل لا يرجو جنة ولا يخشى ناراً توقف في حكم أربعين يوماً فكيف يأتيك أحد يتجرأ على مسألة ويفتي فيها ما بين عشية وضحاها، وربما كان لا يملك الآلة العلمية على الحكم فيها، ويوقع فيها عن شرع الله جل وعلا؛ لأنه لم يفقه معنى قول الله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
وقد قلت مراراً: إن شيخنا الأمين الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه في آخر أيام حياته وهذا من أخباره المكررة، لكن أحياناً الفوائد تلزم بالإعادة، جاءه وفد من الكويت يسألونه والشيخ ﵀ في أخريات حياته توقف كثيراً عن الفتوى، فأخذوا يلحون عليه بالسؤال وقد ضربوا له أكباد الإبل، فالشيخ بعد إلحاح قال: أجيبكم بكلام الله، ففرحوا، وأصلح من جلسته ثم قال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، فلما ألحوا عليه زيادة قال: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، وقال فلان كذا، وأنا لا أحمل ذمتي من كلام الناس شيئاً.
والمقصود: أن يؤسس طالب العلم نفسه أولاً على خشية الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] لكن إن طلب العلم وهو ينظر إلى الساعة التي يتصبر فيها فيسأل ويجيب حتى لو تكلف ما لا يعلم من أجل أن يسد فراغاً في نفسه، فهذا قد يهلك من حيث لا يشعر، وكان الأخيار قبلنا -نسأل الله أن يغفر لنا- يربي أحدهم نفسه على أن يقول: لا أدري، حتى لا تصاب مقاتله، والآية ليست محصورة في هذا؛ لأن الله قال بعدها: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
نسأل الله أن يحفظنا في أسماعنا وأبصارنا وسائر جوارحنا، إن ربي لسميع الدعاء.
هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله على قوله.
وصلى الله على محمد وعلى آله.
والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 387
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الإسراء [٣٧ - ٤٨]
بعد أن ذكر الله مجملاً للحقوق التي يجب على المسلم أن يتحلى بها، عاد مرة أخرى للتنويه على قضية اتخاذ مع الله إلهاً آخر، أو ادعاء أن مع الله أولاداً تعالى الله عن ذلك، فهي الجريمة الشنعاء والوحيدة التي تحبط العمل، وتبعد رحمة الله وغفرانه عنك، ثم بين الله تعالى عظم جحود الكافرين، وموقفهم في رد الحق مع ما بين أيديهم من الشواهد والبراهين الدالة على وحدانية الله وتفرده بالخلق.
стр. 388
تفسير قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم سيئه عند ربك مكروهاً)
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا اللقاء الرابع المتعلق بسورة الإسراء، وكنا قد انتهينا في اللقاء الثالث إلى قول ربنا جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
وذكرنا أن الآية دلت على وجه الخصوص بصورة أولية على أن القول على الله جل وعلا بلا علم من أعظم الأمور المحرمة، فإن كان القول بلا علم على إطلاقه ممنوع، فكيف بالقول على الله؟! وذكرنا قصة عامر بن الضرب، وقلنا: إن عامراَ كانت العرب تفد إليه وتحتكم، فجاءه قوم يسألونه عن ميراث الخنثى؟ ثم إنه حار فيهم أربعين يوماً، وهم آنذاك كانوا أضيافه، فقالت له جارية عنده: أتبع الحكم المبال، فأخذ بقولها، قال الإمام الأوزاعي معلقاً على القصة: فإذا كان هذا رجل في الجاهلية لا يرجو جنة ولا يخشى ناراً توقف في الحكم أربعين يوماً لما لم يثبت عنده، فكيف بمن يتجرأ على القول على الله تعالى بلا علم؟ وفي ذلك عظة وعبرة لكل أحد.
ثم قال ربنا: ﴿إنَ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ﴾ [الإسراء:٣٦]، الإشكال عند اللغويين: التعبير بأولئك عما لا يعقل، وهم يقولون في أغلبهم: إن أولئك تطلق على العقلاء، لكن كفى باستخدام القرآن دليلاً على أنها تستخدم لغير العاقل، فالقرآن أو اللفظ القرآني هو الذي يقوم مقام الاستشهاد، ولا يستشهد للقرآن بقول أحد، على أن جواب الإشكال بصورة أوضح من جهتين: أن الله جل وعلا أقام السمع والبصر والفؤاد مقام العقلاء؛ لأنها شواهد على أصحابها، ومسئولة عن ذاتها.
والأمر الثاني: أنه عرف في بعض كلام العرب إطلاقهم لها على غير العقلاء، ويحتج القائلون بهذا بقول جرير: ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأقوام فالأيام غير عاقلة، وعبر عنها بأولئك، لكن المانعين يقولون: إن البيت أصله: والعيش بعد أولئك الأقوام، فإذا كانت الرواية الصحيحة بعد أولئك الأقوام فلا جديد في بيت جرير؛ لأن الأقوام عقلاء، وبالتالي فالتعبير عنها بأولئك ملائم، لكن على القول أن الرواية الصحيحة هي: والعيش بعد أولئك الأقوام يصبح الاستشهاد قائماً؛ لأن الأيام غير عاقلة، لكن نقول: أياً كان فإن الله جل وعلا أقام السمع والبصر والفؤاد مقام العقلاء؛ لأنها مسئولة عن ذاتها، وشواهد على أصحابها، ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
ثم مضى الأدب القرآني المبدوء أولاً بآية: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، ثم جاءت سلسلة من مكارم الأخلاق يدعو إليها، وسلسلة من سيء الأخلاق ينهى عنها، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، وهنا قال: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧].
الإنسان يحيى بين جمادين، ما بين أرض يمشي عليها، وما بين جبال تحيط به، فالله جل وعلا يقول لنبيه -والمخاطب أمته من باب أولى كما يقال: إياك أعني واسمعي يا جارة! يقول: إنك مهما علوت وارتفعت فإنك لن تستطيع أن تخرق الأرض، وكلمة (تخرق) تحتمل معنيين: الخرق المعروف، والخرق الآخر بمعنى: قطعها، وقد جاء في كلام العرب: أن الخرق بمعنى: القطع، يعني: لن تستطيع أن تمضي في الأرض كلها، وحمله على الأول أقرب، وهو الخرق المعروف من الدوس، فيصبح معنى قوله تعالى: ﴿َلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]: أن الله نهى نبيه عن الكبر، وعن مشية الفخر والخيلاء، فإذا قلنا: مشية بفتح الميم فهذا اسم مرة، يقول: ضربته ضربة أي: ضربة واحدة، أما على وزن فعلة بكسر الميم فهو اسم هيئة، المقصود: أن الله نهى نبيه عن مشية الجبارين المتكبرين، الذين يختالون في الأرض فرحاً وبطراً، هذا المنهي عنه: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]، كلمة (طولاً) عند النحويين تمييز محول عن فاعل، ومعنى الكلام: لن يبلغ طولك الجبال، تقول في الكلام العادي: ازدانت المدينة مدخلاً، وأصلها: ازدان مدخل المدينة، وتقول: طاب عمرو نفساً، وأصلها: طابت نفس عمرو، فالتمييز هنا محول عن فاعل، ومثله قوله جل شأنه: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]، أي: ولن يبلغ طولك الجبال، والمقصود: النهي عن الكبر؛ لأن أصل الكبر: شيء يقع في النفس، فإذا وقع في النفس ولو كان مثقال ذرة نجم عنه أثر في الظاهر، وبحسب تمكن ذلك الكبر في القلب يكون ذلك الأثر، فمن ألجم نفسه بلجام التقوى منعه ما في قلبه من طلب العلو، ومن لم تمنعه التقوى انطلق في عنانه ومضماره كما قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]؛ لأنه لا لجام للتقوى عنده يمنعه من أن يقول هذا القول، وإلا فبذرة الخير والشر في كل أحد موجودة: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٧ - ٣٨].
قرئت (سيئةً) وقرئت (سيئهُ)، فعلى قراءة سيئة يصبح المعنى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُة عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]، فتنصرف (كل) إلى ما نهى الله جل وعلا عنه.
أما على قراءة (سيئه) يصبح (كان سيئه) تخصيصاً من كلمة كن؛ لأننا أمرناك بأحاسن الأخلاق: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء:٢٦]، ﴿َبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣]، ونهيناك عن سيئها، ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الأنعام:١٥٢]، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ [الإسراء:٣١]، فيما مضى من الآيات، فيصبح (كان سيئه) أي: ما مضى خاصة السيئ منه مكروهاً عند الله، فيفهم منه: أن غير السيء ليس مكروهاً عند الله.
قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]، ذلك جملة ما علمناك مما أوحى إليك ربك من الحكمة، وهنا نربط الآية بما حررناه في السنة في أول لقاء حول سورة الإسراء، فقد قلنا: إن قلب النبي ﷺ ملئ إيمانا ًوحكمة، وعقبنا على ذلك بأن الحكمة أجل ما يعطاه بنو آدم بعد الإيمان، وعلى هذا فقول الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء:٣٩]، يعضد هذا الاستنباط من السنة، وهو أن الحكمة أعظم شيء بعد الإيمان، ثم بين الله جل وعلا المرء بالحكمة، والحكمة عند البعض تقوم على ثلاثة أركان: العلم، والحلم، والأناة.
стр. 389
تفسير قوله تعالى: (ذلك مما أوحى إليك ربك وما يزيدهم إلا نفوراً)
ثم قال ربنا: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]، قبلها بآيات قال في فاصلة ما بين آيات وآيات: ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١]، ثم أتى بآية بعدها سأتركها: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣].
ما بين هاتين الآيتين قال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]، وهنا قال: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]، فتحررت أربعة أوصاف: الآية الأولى قال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢] هذان وصفان، وفي الأخرى قال: ملوماً مدحوراً، وسنبين معاني هذه الأوصاف، ثم نبين لماذا قال الله: ﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩] وقال: ﴿مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]؟ أما الملوم: فهو الذي يقال له: لم فعلت كذا وكذا من قبيح الأفعال؟ وأما المذموم: فهو من يخبر بقبيح ما فعل.
وأما المخذول: فهو الضعيف الذي لا ناصر له.
وأما المدحور: فهو المطرود المبعد عن كل خير.
الآن نجمع شتات الآيات، بداية نقول لغوياً: إن القعود يعني: العجز، فقعد عن الشيء أي: عجز عنه، قال الحطيئة يهجو أحدهم: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فالتعبير بلفظ: اقعد يدل على أن هذا المهجو عاجز عن أن ينال مراتب الشرف، وينافس في الإطعام والكسوة والخيرات فشبهه بالنساء، والطاعم الكاسي هنا أي: مطعوم مكسي، هذا أصل الكلام، فالعرب تستخدم اقعد في العجز؛ ولهذا جعل الله القاعدين ضد المجاهدين في سورة النساء، وكذلك القواعد من النساء اللاتي إذا كبرن لم تكن لهن رغبة في الرجال.
هنا ربنا يقول: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ﴾ [الإسراء:٢٢] يعني: تصبح عاجزاً، قال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢]، والآية التي بين يدينا: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]، نقول: ينبه الله في الآيتين -وإن جاءتا متفرقتين- على أن التوحيد رأس الدين ورأس الحكمة، ومبدأ الأمر ومنتهاه؛ ففي الآية الأولى: رتب الله آثار الشرك الدنيوية، فقال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾ [الإسراء:٢٢] من الناس، ﴿مَخْذُولًا﴾ [الإسراء:٢٢] من ربك، وهذا في الدنيا، وفي الآية الثانية: أعاد الله الآيات بقوله: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩]، فذكر آثار الشرك في الآخرة.
إذاً: لا يوجد تكرار كما يفهمه البعض بادي الرأي، وإنما نهى الله عن الشرك في الآية الأولى، ورتب عليه الآثار الدنيوية، وذكر الشرك ونهى عنه في الآية الثانية، ورتب عليه الآثار الأخروية، قال: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:٣٩].
ثم قال الله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء:٤٠]، هذا عود على بدء، فقد ذكر ما كانت بعض العرب تزعمه من أن الملائكة بنات الله، وعبارة (اتخذ) توحي بأن القرشيين قائلون بهذا، لا يقولون: إن الله ولد بنات، لكنهم يزعمون أن الله خلق الملائكة على هيئة بنات ثم اتخذهم بنات له؛ لأن لفظ (اتخذ) لا يساعد على القول بأنهم يدعون أن الله ولد البنات، تعالى الله على كل حال عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
فالله جل وعلا يقول: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الإسراء:٤٠]، هذا استفهام إنكاري توبيخي، كيف تجرءون على أن تنسبوا لله الولد جملة، ثم تنسبوا إليه أبخس الولد وهي الأنثى؟ ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء:٤٠].
وهذا التعبير القرآني فيه شدة إنكار، ومبالغة في الرد عليهم، أي: لو كانت لكم قلوب تفقه، وعقول تعقل، لما تكلمتم بهذا القول العظيم؛ ولهذا قال الله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء:٤٠]، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤١].
وتصريف الرياح معناه: انتقالها من مكان إلى مكان، والمعنى: أن القرآن فيه وعد ووعيد، وأوامر ونواه، وقصص وزواجر، فالله جل وعلا لم يجعله على نسق واحد، بل صرف فيه الآيات كل ذلك ليكون أدعى لهم لأن يتعظوا ويعتبروا، لكن لما فطرت قلوبهم على الشرك عياذاً بالله ما زادهم هذا التصريف في آيات الله إلا نفوراً وبعداً عن الحق، ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤١].
стр. 390
تفسير قوله تعالى: (قل لو كان معه آلهة إنه كان حليماً غفوراً)
ثم عاد الله جل وعلا لإبطال دعواهم بتعدد الآية، ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا * تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٢ - ٤٤]، تصور الآيات جملة على النحو التالي: هؤلاء القرشيون يقولون بتعدد الآلهة، ثم إنهم في تعدد الآلهة يزعمون أنهم عندما يعبدون تلك الآلهة التي اتخذوها إنما هي شفعاء لهم عند الله تعالى، هذا زعمهم، فالله جل وعلا الآن أراد أن يرد عليهم بطلان قولهم بوجود تعدد الآلهة، فقال ربنا قل -أي: يا محمد! ﷺ فهي تدل على زيادة اختصاص، وفيها تربية للمؤمن على فقه الأولويات: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢]، بداية: لو: حرف امتناع لامتناع؛ أي: لا توجد آلهة حتى تجد سبيلاً إلى ذي العرش، فالأمر برمته باطل إلا في ألسنتكم، لكن الآن هنا تصور فرضي لكيفية رد الله عليهم، ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ [الإسراء:٤٢]، فالأمر برمته غير موجود إلا في قلوب هؤلاء الكفرة، فيقول الله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢]، ابتغاء السبيل المقصود منه: طلب السعي إلى شيء ما، والآية هنا تحتمل معنيين: الأول: ربنا يقول لهم: لو فرضنا جدلاً بحسب منطقكم الكافر أن هناك آلهة معي، وهنا نحمل الآن على الرأي الأول: أن كلمة: (إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا) أي: سبيل رغبة وخضوع، أنتم لماذا تعبدون هذه الآلهة، قالوا: نعبدها حتى تكون شفعاء بيننا وبين الله، فالله جل وعلا يقول: إذا كانت هذه الآلهة بزعمكم تخضع لي وتتشفع لكم عندي فهذا يمنع بتاتاً أن تسمى آلهة؛ لأن الإله لا يكون خاضعاً، نجيب مثال من واقع الناس اليوم: أنت تعرف رجلاً يعمل في الديوان الملكي، فأعطيته أوراقاً ليعرضها على الملك، فهذا الموظف في الديوان الملكي هو وسيط لك عند الملك، حتى يعرض موضوعك على الملك، فلا بد هو نفسه أن يكون خاضعاً للملك، ويتشفع لك عنده بذل وتواضع حتى يقبل الملك شفاعته، إذاً: هذا الشفيع ليس بملك؛ لأن الملوك لا تخضع بعضها لبعض، إذاً: بطل ما زعموه وادعوه، أنتم تقولون: إن هذه المعلقة حول الكعبة شفعاء بينكم وبين الله، وتقولون: إنها آلهة: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف:٥٨]، على عيسى بن مريم، فكيف تسمى آلهة وهي تخضع لغيرها؟ الإله لا يخضع لأحد، فبطلت دعواكم بأنها آلهة، هذا على القول أن معنى قوله: ﴿لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢]، أي: سبيل خضوع وتذلل ومحبة.
القول الثاني: (لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا)، ليس سبيل تذلل وخضوع، بل على العكس، سبيل مغالبة ومنازعة، أي: لو كانت هذه الآلهة آلهة كما تزعمون أنتم فالآلهة لها قدرة وسلطان، فستنازع الله جل وعلا في سلطانه، وأي شيء حوله تنازع ينجم عنه خلل، أي بلد فيها أربعة رؤساء أو خمسة يحدث خلل في نظامها؛ لأن كل رئيس يريد أن يمضي كلامه، تسمعون الآن أمراء الحرب في الصومال، لا يمكن لهم أن يصيروا أمراء على بلد واحد، لا بد أن يحصل نزاع، فلا بد أن يكون الحاكم واحداً حتى يستقر الأمر، وأنتم ترون بأعينكم أن الكون منتظم، شمسه وقمره، وليله ونهاره، ولا يوجد فيه أي خلل، ولا أي فساد، فدل عقلاً على أن الإله واحد، وهذه الآية رأيان، وكل القرآن يشهد لهذا ويشهد لهذا، أما القول الأول: على الخضوع والتذلل فيشهد عليه قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] في نفس السورة.
والقول الثاني -وهو الأرجح، والعلم عند الله- يشهد له قول الله جل وعلا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، وقول الله جل وعلا: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١].
فبكلا الطريقين أو الرأيين الناجمين عن فهم الآية تبطل دعوى الكفار القرشيين أن مع الله جل وعلا آلهة، قال الله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء:٤٢]، وقول الله جل وعلا: ﴿كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء:٤٢]، هذه زيادة المقصود منها: أن هذا أمر لا يقوله عاقل، لكنهم تجرءوا عليه وقالوه: ﴿إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٢]، من حيث الصناعة النحوية: إذاً: أتي بها لتأكيد الجواب، وهو جواب لولا الممتنع تحقيقه؛ لأن (لولا) حرف امتناع لامتناع.
ثم أنشأ الله جملة تنزه فيها عما يزعمه هؤلاء الكفرة، قال الله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤٣].
قال بعض أهل العلم: كبيراً هنا بمعنى: الكامل، والمقصود: أن الله جل وعلا ينزه ذاته العلية عما زعمه هؤلاء الكفار، وما تبنوه من معتقد فاسد، وأن الله جل وعلا قد تعالى أن يكون له شريك، ثم ذكر الله آيات تدل على وحدانيته فقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الإسراء:٤٤]، يدخل فيه الجمادات والحيوانات والنباتات ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]، ولما كان هذا التسبيح من لدن كل الأشياء دقيقاً لا يصل إليه أحد، قال ربنا: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ﴾ [الإسراء:٤٤]، ولم يقل: ولكن لا تعلمون، وإنما عبر بلفظ (تفقهون)؛ لأنها مسألة دقيقة، ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، وقد مر معنا مراراً: (أن نوحاً ﵊ لما حضرته الوفاة دعا بنيه، فقال: إني أوصيكم باثنتين، بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو كن كحلقة مفرغة لقصمتهن لا إله إلا الله، وبسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق)، والحديث عند أبي داود بسند صحيح.
(فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق)، وهذا محل الشاهد؛ فالله جل وعلا يسبح له الحوت في بحره، والطير في وكره، بل وإن من شيء إلا يسبح بحمده.
قال ربنا: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]، لماذا اختار الله هذين الاسمين الجليلين ليختم بهما هذه الآية؟ قلنا في اللقاء الأول حول سورة الإسراء: إن الله قال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]، قلنا: اختار الله كلمة السميع -استذكاراً لما سلف- لأنه سمع نبيه وهو عائد من الطائف، واختار البصير لأنه كان في الليل.
وهنا قال الله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]؛ لأن مقالتكم هذه -أيها المشركون- تستوجب العذاب العاجل، لكن حلم الله عليكم أخر عنكم العذاب.
أما قوله: (غفوراً) فهذا فتح باب لهم أن يئوبوا ويتوبوا، أي: أن المقالة التي تزعمونها، والمعتقد الذي تبنيتموه تستحقون عليه العقاب العاجل، لكن حلم الله أخر عنكم العذاب، والأمر عند الله أعظم من ذلك، فإن باب التوبة مفتوح؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:٤٤]، وهذه ظاهرة جلية لمن أراد أن يتدبر القرآن.
стр. 391
تفسير قوله تعالى: (وإذا قرأت القرآن رجلاً مسحوراً)
ثم قال ربنا وهو أصدق القائلين: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء:٤٥ - ٤٧].
الله يقول: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ [الإسراء:٤٦] تحتمل معنيين: إما وصفته بصفات التوحيد والتمجيد، وأنه لا إله معه، وهذا القول يدل عليه ظاهر القرآن: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥] أي: إذا ذكرت ربك موحداً إياه نافياً عنه الشرك: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤٦]، لم يقبلوا منك هذا القول ونفروا منك.
والمعنى الثاني -ولا مانع من أخذ المعنيين- أن يكون المقصود: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ [الإسراء:٤٦]، أي: كان حديثك عن الله وحده غير مختلط بأمور الدنيا، لكن قلنا: إن الأول أقوى في حق أهل الكفر، ودليله: أن الله يقول: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]، والمقصود: هؤلاء الكفرة، يقول الله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء:٤٥]، هذه مفعول أصلها فاعل، يعني: حجاباً ساتراً، لكن أهل العلم يقولون: هل كان الحجاب حجاب بصر أم حجاباً على القلب؟ ظاهر الآية: أنه حجاب على القلب، ومن قال: إنه حجاب على البصر احتج بالقصة المعروفة، (أن أم جميل لما أنزل الله جل وعلا قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] أتت إلى أبي بكر وبجواره رسول الله ﷺ وفي يدها فهر - يعني: حجر كبير - وتريد أن تضرب به النبي ﷺ ، فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه ليحذر النبي ﵊ فقال: إنها لن تراني)، وقرأ آيات منها هذه الآية: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء:٤٦] إلى أن قال: حجاباً مستوراً، فلما جاءت: سألت أبا بكر قائلة: إنه بلغني أن صاحبك يهجوني، فأخبرها أنه لا يهجوها، فقالت: مذمماً أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا فهي تقول: مذمماً، وهو محمد ﷺ ، فكأن الكلام لا يقع عليه.
والذي يعنينا هنا: أن الذين قالوا بحجاب الرؤية قالوا بهذا، لكن هذه حالة فردية، ولا أظنها تأخذ الحكم، وإنما هؤلاء لما في قلوبهم من الكفر منعهم الله جل وعلا أن يفقهوا كلامه، وأن يعتبروا بعظاته، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء:٤٦ - ٤٧].
وردت في هذا آثار منها: أن بعض قريش كان إذا أمسى يأتي إلى بيت النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن فيتخذ مكاناً لا يراه فيه أحد، يسمع منه قراءة النبي ﵊، ففعل هذا بعض صناديدهم، ثم لما انصرفوا آخر الليل، جمعهم الطريق، فأخذوا يتناجون فيما بينهم ويتلاومون على أنهم قبلوا أن يسمعوا، وقالوا: لو رآنا عامة الناس لاحتجوا بنا؛ ولهذا مكثوا على هذا يومين أو ثلاثة ثم تعاهدوا ألا يفعلوه، فأخبر الله نبيه بهذا فقال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء:٤٧].
ولا ريب أن قولهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء:٤٧]، واحداً من الأمثال التي ضربوها، وإلا فقد قالوا: إن النبي كاهن، وإن النبي مجنون، وإن النبي غير ذلك، كل ذلك يحاولوا أن يردوا به ما سمعوه من كلام الله، لذلك قال الله متعجباً من صنيعهم: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا﴾ [الإسراء:٤٨] أي: لم يجدوا حيلة، ولم يهتدوا سبيلاً في وصفك، فلهذا قال الله بعدها: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٨].
بقيت نقطة مهمة في هذا الأمر كله: القلوب أوعية، وخير ما يملؤها ذكر الله، والإنسان يجد في قلبه ميلاً إلى شيء ما، فمن كان على الفطرة، ورزق العلم، وعرف السنة، وأحكم فهم القرآن، فإنه يجد في نفسه ميلاً إلى تلك المجالس التي يعظم فيها الله، ومن كان في قلبه ضد ذلك كله لم يبق قلبه على الفطرة، ولم ينهل من رحيق السنة، ولم يتدبر القرآن، ولم يرجو جنة، ولم يخش ناراً، فقد ختم على قلبه وطبع، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، فقد جبل قلبه وطبع على حب الهوى، والانصراف إلى الأحاديث التي لا يكون فيها ذكر للرب جل وعلا، فينجب عن هذا قسوة قلب لا يعلمها إلا الله، وقد قال بعض أهل الفضل: إن من أعظم الطرائق لمعرفة مكان قلبك من الله: أن تجد راحة قلبك في المجالس التي يعظم الله جل وعلا فيها ويذكر، وأنت ترى في زماننا هذا على وجه الخصوص أن كثيراً من الناس شغل، إما بصوارف مادية محسوسة تجاوزت حدها، كانصراف البعض إلى سوق الأسهم، وإن كان أصل التجارة مباحاً.
والأمر الثاني -وهو أشد وأنكى- الانصراف إلى الأقوال والمناظر التي تستهوي من تستهويه، بما يسمى: بالفيديو كليب أو الأفلام، أو الأغاني، حتى تصبح شغل الإنسان الشاغل، فكلما زاد تعلق القلب -عياذاً بالله- بمثل هذه الصوارف كان بمنأى عن الله، ولما كان بمنأى عن أن يرق قلبه إلى ذكر الله، وإلى المجالس التي يعظم فيها الله، دل هذا على قربه من طرائق أهل الإشراك، وبعده عن رحمة الرب ﵎، وما نعى الله جل وعلا على أحد شيئاً بأعظم من نعيه على اشمئزاز قلبه إذا ذكر الله، وهذا -والعياذ بالله- منتهى الكفر، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥]، وهذا نعي على قلوب لا تحن ولا ترق إذا ذكر الله جل وعلا، والقرآن قبل أن نخوض في قواعده النحوية، وطرائق البلغاء، ومسالك الفقهاء، يجب أن نفقه أن الله أنزله حتى يؤثر في قلوبنا، وقد مرت معنا علمياً -كما قال الزركشي وغيره- مرت معنا آيات منسوخة: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣]، وأنت تعلم أن هذه الآية منسوخة لا يعمل بها، وكم في القرآن من آيات منسوخة، لكن لماذا بقيت لفظاً؛ لأنها كلام الله، فهي وإن كانت منسوخة عملاً، لكن كفانا شرفاً أن نعرف أنها كلام الله، فيكون لها تأثير وواقع على قلوبنا، والإنسان يجب عليه أن يكون رقيباً حسيباً على نفسه، يرقى بنفسه إلى معالي الأمور، فيجعلها تقرب دائماً من القرآن، تتأدب بآدابه وتعمل بأحكامه، وتؤمن بمتشابهه، وأعظم من ذلك الآيات التي يخبر الله فيها عن ثنائه على نفسه، ومدحه لذاته العلية، هذا الذي يدنيك من مسالك الكمال، يدنيك من الكبير المتعال، يقربك من ربك، ويجعلك على صراط مستقيم بين، إذا كان القرآن هو الشيء الذي تأنس إلى تلاوته، وتحب أن تسمعه.
كما أن من أخطائنا في التربية: أن نربي أنفسنا على ألا نسمع إلا لقارئ أو قارئين أو ثلاثة، وهذا وإن كان أحياناً قد لا نستطيع الانفكاك منه؛ لأن الصوت الحسن له دور، كما قال ﷺ : (زينوا القرآن بأصواتكم)، لكن من أراد المنتهى في الكمال فليتعظ بما يتلى لا بمن يتلو.
من هنا يفهم سياق الآيات الحقيقي: وهو أن الله جل وعلا ينعى على أهل الإشراك بغضهم لله، حتى إنهم لا يجدون لهم مكاناً في مواطن يعظم الله جل وعلا فيها، فينفرون ويبتعدون وينسبون فاعلها إلى السحر.
وعلى النقيض من ذلك: فأهل الإيمان إذا سمعوا القرآن حنت قلوبهم، ذرفت عيونهم، اقشعرت جلودهم؛ لأنه لا كلام بعد كلام الله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انظُرْ﴾ [الإسراء:٤٦ - ٤٨]، هذه مسوقة على سبيل التعجب والإنكار، ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ﴾ [الإسراء:٤٨]، أي: تشتتوا.
فلا يدرون ماذا يقولون فيك، يبهرهم كلامك، يعلمون عظيم خطابك، لكنهم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم؛ ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٨]، أي: لم يجدوا حيلة ولا طريقاً لوصفك بالوصف الحق؛ لأن الوصف الحق أنك نبي ورسول، وهؤلاء حال كفرهم وفجورهم وبغضهم لربهم أن يصفوك بالوصف الذي وصفك الله جل وعلا به.
إلى هنا ينتهي خطابنا؛ لأن الآيات التي بعدها مرتبطة بعضها ببعض، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئ
стр. 392
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الإسراء [٤٩ - ٦١]
لقد أنكر المشركون البعث بعد الموت زاعمين بعقولهم المريضة استمالة عودة الأجسام حية بعد أن أصبحت عظاماً ورفاتاً، فكان ذلك أحد أسباب كفرهم، وما عرف هؤلاء أن الخالق على غير مثال سابق من السهل عليه أن يعيد ما خلقه مرة أخرى، كما أخبر بذلك سبحانه في أكثر من آية، ولقد أخبر الله كذلك في هذه الآيات عن مشهد يوم القيامة والبعث بعد الموت، ثم حذر المؤمنين عباده من اتباع طرائق الشيطان، وبين أنه فضل بعض الأنبياء على بعض، ثم بين عناد الكافرين واستكبارهم، وأن تكذيبهم مانع من إرسال بعض الآيات الدالة على صدق رسله فيما يبلغونه عنه سبحانه، ثم ختم هذه الآيات ببيان أن الشيطان لا سبيل له على المؤمنين، وإنما سلطانه على مواليه وأتباعه فقط، والله أعلم.
стр. 393
تفسير قوله تعالى: (وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً إلى قوله: قل عسى أن يكون قريباً)
إن الحمد لله نحمده ونستينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا اللقاء الخامس حول سورة الإسراء، وكنا قد انتهينا إلى قول ربنا جل وعلا: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء:٤٩ - ٥١].
نقول مستعينين بالله جل وعلا: إنكار البعث مسألة تأصلت عند المشركين الأوائل، ولهذا قال الله عنهم: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧]، وفي هذه الآية يقول الله جل وعلا عنهم أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء:٤٩]، يتساءلون تعجباً واستنكاراً، وإلا فهم لا يؤمنون بالبعث أصلاً، أي: كيف يعقل أن تدب فينا الحياة ونبعث وقد أضحينا عظاماً ورفاتاً؟! قال الله: ﴿قُلْ كُونُوا﴾ [الإسراء:٥٠]، وقل هنا: مزيد اختصاص، والآية تتكلم عن البعث والإيمان بالبعث واليوم الآخر أحد أركان الإيمان: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء:٥٠] قد يقول قائل: ما علاقة الحجارة والحديد بالعظام والرفات؟ عقلياً: هذه العظام وهذا الرفات أصلاً كان خلقاً تدب فيه الحياة، ثم ماتوا ثم أصبحوا عظاماً ورفاتاً، أما الحجارة والحديد فلم تكن أصلاً أحياء، فالله يريد أن يقول لهم: إن الأمر ليس بمعجز لله تعالى، فلو فرضنا جدلاً: أنكم كنتم حجارة ليست فيها حياة أصلاً من قبل، أو كنتم حديداً ليس فيه حياة من قبل لاستطاع الله جل وعلا أن يحييكم ويبعثكم، فكيف وقد كنتم أصلاً أحياءً؛ لأن هذا العظام أصلاً خارج عن حي.
إذاً: ليست القضية قضية أنكم كنتم أمواتاً فأحياكم الله، بل القضية قضية قدرة إلهية لا يعجزها شيء، أي: أن قدرة الله لا يستعصي عليها شيء، والله جل وعلا لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فكونكم كنتم عظاماً أو رفاتاً أو كنتم حجارة أو حديداً أو ما يخطر ببالكم ويقع في أفئدتكم: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ﴾ [الإسراء:٥١]، أي: يعظم ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء:٥١]، فكل ذلك بالنسبة لله جل وعلا لا يعجزه، ومع ذلك فإن دلائل العقل بالنسبة إلى عقولكم: أن من قدر على الخلق الأول على غير مثال سبق قادر على الإحياء مرة أخرى من باب أولى، قال: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء:٤٩ - ٥١] ليس فقط عظاماً ورفاتاً، بل كونوا أي شيء فإن الله قادر على أن يبعثكم.
قال: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ [الإسراء:٥١]، طبعاً سؤالهم سؤال تهكم، لكن كلما تهكموا وحادوا عن المجادلة ردهم الله إلى المجادلة الحق، هم يقولون ذلك تهكماً: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ [الإسراء:٥١] فلم يقل: قل الله، لكن حتى يذكرهم بمبدئهم قال: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء:٥١] والمعنى واحد.
﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ [الإسراء:٥١] أي: يحركون رءوسهم استهزاءً: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ [الإسراء:٥١] وكل ذلك سخرية، لكن الخطاب القرآني معهم يبقى جاداً كلما حادوا ردهم إلى الجادة فلا يجعل لهم مفراً، قال الله جل وعلا: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء:٥١] وعسى من الله واجبة، والبعث قريب آت، فلذلك عبر الله عنه بقوله: ﴿قَرِيبًا﴾ [الإسراء:٥١].
стр. 394
تفسير قوله تعالى: (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده إلى قوله: إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً)
ثم قال ربنا: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ [الإسراء:٥٢] للبعث، ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٥٢]، أي: يوم يدعوكم عن طريق ملائكته، ينفخ إسرافيل في الصور ويدعوهم الرب للبعث والنشور.
قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٥٢] الباء هنا للإلصاق، قال سعيد بن جبير: إنهم ينفضون التراب عن رءوسهم ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لكنها لا تنفعهم يومئذ، وقال بعض العلماء ولعله أظهر: إنهم إذا بعثوا علموا أن الله هو الحق وتبين لهم ما كانوا يردونه من قبل فيقولون: الحمد لله، كما قال الله جل وعلا في خاتمة الزمر: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥]، ولا ريب أن في يوم القيامة ثمة كلمات تخرج من أهل الكفر لا يقصد منها التعبد ولا يثابون عليها، لكنهم يقولون ذلك لما رأوه من حقائق، ولما انكشف عندهم من غطاء.
قال: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٥٢]، وهذا اللبث القليل ذكره الله جل وعلا في أكثر من آية: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣] والمقصود: أن أيام الدنيا تطوى حتى يراها الناس عشية أو ضحاها، قال: ﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٥٢].
قال الله بعدها: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء:٥٣]، العلماء في هذه الآية مختلفين؛ لأن السورة مكية، فاستصحبها البعض على القول بأن الخطاب للمؤمنين وأنتم في مجتمع قرشي كافر، فاختاروا الخطاب الجميل معهم وإن أغلظوا عليكم؛ حتى لا تهيجوا الشر في أنفسهم، وحتى يكون ذلك أدعى لأن يدخلوا في دينكم، وهؤلاء قالوه مستصحبين قضية أن الآيات مكية في مجتمع قرشي، ولا يبدو لي أن هناك قرينة تدعو إلى هذا القول.
والأظهر: أن الآية مخاطب بها المجتمع المؤمن، أما كيف تحمل على المجتمع المكي: فإن المؤمنين في مكة كانوا قلة، فهم أحوج إلى التكاتف والترابط، فالله جل وعلا يدعوهم في هذه الآيات إلى أن يبتعدوا عن الأقوال التي لا طائل من ورائها، والتي تحتمل الشر فينجم بعد القول فعل، فيكون خطاب المؤمن للمؤمن متحل بالصدق والاستعطاف، حتى لا يكون سبيلاً للشيطان في أن ينزغ بين المؤمنين فيضعفهم وهم أصلاً قلة في مجتمع الإشراك، ويمكن تطبيق هذه الآية حتى على المجتمع الأكثر.
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي﴾ [الإسراء:٥٣] والإضافة إضافة تشريف، ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٥٣]، يختاروا الجميل من الخطاب، وقد أيدت السنة هذا المنحى، فجاء في السنة: المنع عن أن يشير الإنسان بالسلاح إلى أخيه المؤمن خوفاً أن ينزغ الشيطان فيه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء:٥٣] وأصل النزغ في اللغة: الطعن بسرعة، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء:٥٣].
стр. 395
تفسير قوله تعالى: (ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم إلى قوله: وما أرسلناك عليهم وكيلاً)
ثم قال ربنا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء:٥٤]، وهذا تأديب للجماعة المسلمة في زمن الإشراك وفي كل آن وحين على ألا تتعجل بالحكم على أحد، قال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٥٤] والجملتان شرطيتان، والمعنى: إن يشأ يرحمكم بتوفيقكم للطاعة، وإن يشأ يعذبكم بخذلانكم عن الوصول للإيمان والطاعة والعمل الصالح.
والمقصود من الآية: أن المؤمن لا يتعجل في الحكم على أحد؛ لأن العبرة بالخواتيم: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٥٤]، فليست مهمة الرسل إلا البلاغ، فأنت لا تستطيع أن تجبر الناس قسراً على أن يدخلوا في الدين، وعليك وأنت في طريق دعوتك -أيها المبارك المتبع لآثار الأنبياء- ألا تعجل على الحكم على أحد، وثمة شواهد في هذا العصر قد لا يحسن فتح صفحاتها دلالة على أن العبرة بالخواتيم، وعلى أن الإنسان قد ينصرف قلبه إلى الطاعة ولو في أخريات حياته، قال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٥٤].
стр. 396
تفسير قوله تعالى: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض إن عذاب ربكم كان محذوراً)
ثم قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥]، وتفضيل الله جل وعلا النبيين بعضهم على بعض ثابت بالكتاب والسنة، لكن دائماً الإشكال يكون في قول النبي ﷺ : (لا تفضلوني على الأنبياء)، وما ورد من آثار في النهي عن التفاضل حمله بعض العلماء على أن هذا قبل علمه ﷺ ، لكن للعلماء فيه أقوال تصل إلى أربعة أظهرها: أن التفضيل في أصل النبوة غير موجود، فكلهم أنبياء، لكن ما أعطاهم الله من خصائص بعد ذلك وكرامات هذا الذي يوجد فيه التفضيل، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة:٢٥٣] والمشهور الذي عليه أكثر الناس: أن أفضل الأنبياء الخمسة من أولي العزم من الرسل: محمد ﷺ ، ثم إبراهيم، ثم اختلف في الثالث فقيل: نوح، وقيل: موسى، وقيل: عيسى، ويدور الأمر بين هؤلاء الثلاثة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ثم قال الله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥] والإشكال: هو لماذا أقحم داود هنا؟ والأجوبة في هذا تختلف كلاً بحسب رؤيته، لكن خذ سورة مكية أخرى وهي سورة الأنبياء، فقد قال الله فيها: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، والزبور أنزل على داود، فكأن الله يقول للمؤمنين تأييداً وللمشركين توبيخاً: إنني عندما ذكرت داود هنا لأنبأكم أنني أنزلت على داود أن من القدر المحكم الذي سيبرم: أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، والعباد الصالحون الآن هم: محمد ﷺ وأمته، فاضطهادكم -أيها الكفار- لهؤلاء المؤمنين لن يغير من الواقع شيئاً فهم الذين سيرثون الأرض.
هذا ما قاله البعض في سبب ذكر داود، وقال آخرون: إن الأمر غير ذلك، وجوابه عندهم: أن من علم سيرة داود علم أن أصله كان شاباً يرعى الغنم ثم ما لبث أن انخرط في جيش طالوت ثم آل الملك إليه ثم أعطاه النبوة والكتاب، كما قال الله: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٥١]، فتفضلنا على داود الذي كان مجرد راع غنم، ثم جند في جيش حتى آل به الأمر إلى أن أصبح نبياً والداً لنبي، وملكاً يتبعه ملك، هذا المقصود منه، أصبح المقصود منه: أن الله تعالى تفضل على محمد ﷺ ، وكانت قريش تستكبر أن يكون يتيم أبي طالب نبياً رسولاً، ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] هذان الوجهان اللذان ذكرهما أكثر العلماء حول مناسبة ذكر داود دون غيره من الأنبياء في قوله جل وعلا: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥].
ثم قال الله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦ - ٥٧] هناك كشف، وهناك تحويل، والكشف: إزالة الضر بالكلية، أما التحويل: نقله من أحد إلى أحد، أو النقل من حالة إلى حالة، من غنى إلى فقر، من صحة إلى مرض، أو من مرض إلى صحة، الله جل وعلا يقول لهؤلاء القرشيين ناعياً على بعضهم ممن يعبد الصالحين أن الطريق الذي رسمتموه لأنفسكم طريق ضلال؛ لأن الذين أنتم تتوسلون إليهم هم في أنفسهم يطلبون الوسيلة من الله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]، وهذه الآية أحياناً بعض العلماء يطنب في تفسيرها، حتى قال بعضهم كما ذكره الطاهر بن عاشور في التحرير يقول: لم أجد فيها ما يشبع النهم، ويشفي الغليل.
يعني: من أقوال المفسرين، لكن الحق: أنها ظاهرة المعنى، وأن الله جل وعلا يتعجب من صنيعهم هذا، وهذا نظير قول الله جل وعلا قبل قليل: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء:٤٢] هذه قريبة بعضها من بعض.
стр. 397
تفسير قوله تعالى: (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً)
ثم قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨] هناك قيد لا بد من وجوده دلت عليه قرينة، فقوله: وإن من قرية أي: (كافرة) فلا بد من هذا القيد الذي فهمناه من سياق القرآن، والقيد أحياناً نأتي به إما لقرينة قريبة أو قرينة بعيدة، نأتي بمثال على القرينة القريبة: الله جل وعلا يقول في سورة الكهف: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩] فقيد لازم: أن نقول في كل سفينة (صالحة)، والقرينة: أنه قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] وإلا فلا فائدة من أخذه لكل سفينة.
وهنا القيد غير موجود في الآية، لكنه بعيد نسبي، يعني: في آيات أخرى ليس في نفس السورة، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ [الإسراء:٥٨] وقد دل القرآن على أن الإهلاك بمعناه الشديد أو العذاب النازل لا يكون إلا على أهل الظلم، قال ربنا: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩]، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] فكلها دلائل وقرائن على أن الإهلاك لا يقع إلا على قرية ظالمة كافرة، فإن سئلنا: لماذا أتينا بهذا القيد؟ قلنا قرائن القرآن تدعو إليه ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨] أي: أن من أرسلنا له آيات -كما سيأتي- واختبرناه وبلوناه وبقي على ظلمه وكفره أهلكناه، إما بالإهلاك العام، أو بالإهلاك الجنسي: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨].
ثم قال الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء:٥٩] والتقدير: فأهلكناهم، ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩] والمعنى العام: أن قريشاً طلبت من النبي ﷺ آية وقالت: أنت تزعم وتقرأ علينا في كتابك أن الأنبياء من قبلك يأتون بالآيات فنحن نطلب آية: وهي أن تجعل لنا الصفا ذهباً، وأزح عنا الجبال حتى تكون أرضنا أرض زرع، فسأل النبي ﷺ ربه ذلك، فجاءه جبريل يخيره بين أن يجعل لهم الصفا ذهباً ويحقق لهم أمانيهم، لكنهم إن لم يؤمنوا أهلكهم عن بكرة أبيهم.
وقد علم الله جل وعلا أن هذه الأصلاب الكافرة سيخرج منها أقوام يدعون إلى الله، فـ الوليد بن المغيرة والقرآن يذمه ليل نهار خرج منه: خالد بن الوليد، وأبو جهل نظيره خرج منه عكرمة بن أبي جهل، والخطاب كان كافراً وخرج منه عمر، وأكثر الصحابة كان آباؤهم مشركين، فاستمهل ﷺ وانتظر ورضي أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً؛ لأن النبي بما أنه خاتم الأنبياء فلا بد أن يكون له أتباع يحيون بعده ويحملون دينهم، وحفظ النوع من البشر والناس يكون بالتوالد والبقاء، فإهلاكهم عن بكرة أبيهم ضياع لجيل سيأتي بعدهم يحمل تلك الراية، فأبقاهم الله جل وعلا لسببين: إما لفئام ستؤمن منهم كما وقع لأكثر الصحابة كـ أبي سفيان وغيره، وإما من مات منهم سيدرك ابنه الكبير فيؤمن بالله جل وعلا فيصبح ناصراً للدين، فاختار النبي ﷺ هذا المنحى، وهذا ما فطر عليه ﵊ من شفقة ورحمة على المؤمنين وأهلك قومه في الأرض نوح بدعوة لا تذر أحداً فأفنى ودعوة أحمد ربي اهد قومي فهم لا يعلمون كما علمنا نعود لما نحن فيه: الله يقول جل وعلا: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:٥٩]، هو لا يريد أن يقول: إن هذه الناقة تبصر، لكن معنى الآية: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:٥٩] أي: ذات دلالة واضحة، لكنهم -كما هو معلوم- كفروا بها كما حرره القرآن في مواضع أخرى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩].
стр. 398
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا لك إن ربك فما يزيدهم إلا ظغياناً كبيراً)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠] فجميع الخلق تحت مشيئته لا يخرجون عن قدرته ﵎، ومادام الخلق في قبضته فلن يسلطهم عليك، ولهذا قال بعض العلماء: إن الآية فيها إخبار عن عصمة الله لنبيه ﷺ : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠]، رد هذه الآية إلى صدر السورة: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] تكلمنا عن حديث الإسراء تفصيلاً، ومر النبي ﷺ على المسجد الأقصى ورأى في الملكوت الأعلى ما أعطاه الله جل وعلا له، وهو في جميع أحواله ملتزم بالأدب، يقول الله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، فلما أصبح أخذ ناحية من نواحي البيت -والعرب في الجاهلية تجعل البيت موئلاً، والبيت مكاناً لاجتماع الناس؛ ولهذا قال أبو جهل: إني لأكثر أهل هذا الوادي نادياً، يعني: مجيباً النبي ﵊ في صبيحة الإسراء والمعراج- ولم تكن الصلوات الخمس قد بدأت، فكان يصلي ركعتين قبل طلوع الشمس وركعتين قبل غروبها، فجاء وتنحى لوحده، فجاءه أبو جهل وكأنه رأى أن النبي على غير عادته فسأله فأخبره النبي بما وقع له ﵊، وهذا الرجل لما جبل عليه من الإشراك كان يملك جبروتاً عجيباً، وكان نحيلاً دقيق الشارب حاد النظر قلما يثبت أحد أمام ناظريه من قوة شخصيته، أدخلته قريشاً دار الندوة -وفي قوانين الجاهلية السابقة: أن دار الندوة لا يدخلها رجل دون الأربعين- وأدخل أبو جهل دار الندوة بعد سن المراهقة بقليل في العشرينيات؛ لأنفته وتوسمهم فيه قوة الشخصية.
فجاء النبي ﷺ وكأنه لمح أن النبي على غير عادته -وقد كان ذاك- فأخبره النبي بما وقع، فقال اللئيم: يا محمد! أرأيت إن دعوت لك قومك تخبرهم بما أخبرتني به، والنبي ﵊ كان حريصاً على أن يبلغ دعوة ربه، قال: نعم، فأضحى ينادي الناس ليستمعوا لمحمد صلوات الله وسلامه عليه على خلاف عادته في أنه يطرد الناس عنه، كل ذلك يريد المكر برسول الله، والله قد علم أن المجتمع المكي سينتقل إلى المجتمع المدني فالجيل الذي سيهاجر إلى المدينة لا بد أن يمحص فلا بد من اختبار عظيم يمحص هذا الجيل الذي سيرحل إلى المدينة؛ لأن الإسراء كان قبيل الهجرة بفترة قريبة، فوقف ينادي: يا بني قصي! يا بني كعب بن لؤي! يا بني عبد مناف! هلموا إلي فاجتمعوا، فقال أبو جهل: استمعوا إلى أخيكم فحدثهم النبي ﷺ فكان قوله فتنة عظيمة لهم.
ولهذا قال الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء:٦٠] أي: ما رأيته بعينيك في رحلة الإسراء والمعراج من عظائم الأمور التي قل ما يثبت لها قلب إلا من ثبتناه، وما أخبرت الناس به كافرهم ومؤمنهم كان فتنة لهم، ولهذا لما كان الصديق ﵁ أعظم من ثبت في تلك الفتنة قلد القلادة العظمى فسمي بـ الصديق؛ لأنه تجاوز أعظم امتحان وأكبر فتنة وهي: فتنة الإخبار عن الإسراء والمعراج، قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء:٦٠].
ثم قال الله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٦٠] والشجرة الملعونة في القرآن: هي شجرة الزقوم، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤]، جاء أبو جهل وأمثاله من كفار قريش وقالوا: قد وقع محمد في شر كذبه يقول لنا: إن النار التي يتوعدنا ويتهددنا بها تحرق الحجارة ثم يزعم أن بها شجرة يخرج منها طعام، والنار لا يثبت أمامها الشجر، فأخذوا يتهكمون وتناسوا أن الله قادر على ذلك؛ لأن خاصية الحرق عند النار يسلبها الله ﵎ من هذه الشجرة.
ومن يعرف الله جل وعلا يعلم أنه يملك الأسباب ومسبباتها، وقد مر معنا أن التحريم قسمان: تحريم منع، وتحريم شرع، فتحريم الشرع ما أمرنا به: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠]، أما تحريم المنع: فما أذن الله فيه لسبب أن يقع فيمنعه الله جل وعلا، مثاله: الأصل في الأرض: أنها تأكل أجساد بني آدم، فلما قال النبي ﷺ لأصحابه: (فإن صلاتكم تبلغني) تعجبوا وقالوا: كيف نصلي عليك وقد أرمت؟ فقال: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) وهذا ليس تحريم شرع، بل تحريم منع، والأصل في شفتي الطفل أن تقبل ثدي المرضع: لكن الله قال في حق كليمه موسى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢] أي: منعنا شفتيه أن تقبل أثداء النساء.
والنار يدخلها العصاة الموحدون فيحرم الله على النار أن تأكل من بني آدم مواضع السجود، فهذا كله داخل في تحريم المنع، وهذه الحادثة مثلها: فقد تناسوا أن الله جل وعلا له القدرة المتناهية، وانشغلوا بحدود تفكيرهم التي لا تعترف بقدرة ربهم ولا بعظمته.
ولهذا من أخطاء الناس في التعليم: أنهم يقولون عند الحاجة أحياناً لا تبقى ملحة في توحيد الربوبية.
والحق: أن قريشاً وإن كانت تعلم أن الله هو الخالق الرازق كما نطق بذلك القرآن، لكنها تقف عند هذا الحد فقط، ولا تعرف لله جل وعلا صفات الجبروت والملكوت والعظمة فلم يؤثر فيها هذا العلم، يعني: لا يكفي فقط أن نقول للناس: إن الله جل وعلا هو الخالق الرازق المنعم المتفضل، لكن ينبغي الحديث عن صفات الله جل وعلا، والإغراق في الحديث عن صفات الله ﵎ وآثارها في الخلق، حتى يعرف الناس حقيقة عظمة ربهم.
فالجاهليون القرشيون الأوائل لما جهلوا هذا تهكموا بتلك الشجرة، قال الله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٦٠] أي: جعلنا ذكر الشجرة فتنة للناس ليقولوا هذا الجواب متناسين أن الله جل وعلا خالق الأسباب والمسببات، وخالق كل شيء، ولما نظر المشركون في بابل بنفس الطريقة أتوا بإبراهيم فقيدوه بحبال ورموه في النار؛ لأن الأصل أن النار تأكل الأجساد فتلك الخاصية التي في النار سلبها الله منها وقال: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فكانت النار برداً وسلاماً وانقلبت خصيصتها من كونها تحرق إلى كونها تحمي، وهذا لا يقدر عليه إلا الله، والنار مخلوق استجاب لأمر خالقه، فلما استجابت النار لأمر خالقها لم تضر إبراهيم ولم تحرق منه شيئاً، والله قال: (على إبراهيم) ولم يقل: على غيره، فحرقت القيد الذي هو مقيد به، وكان قد ألقي في النار عرياناً، فلم يخرج بقيده، بل خرج يمشي على رجليه فانقلب الضرر نفعاً، والنفع ضرراً عليهم؛ لأن الأمور كلها يدبرها العلي الكبير في الملكوت الأعلى، وتلك حقائق قلما يجهلها مؤمن، لكن القليل من يحاول أن يستذكرها مرة بعد مرة، وهي ما يبني الإيمان بحق في القلوب.
قال تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠]، وقد قلنا: إنه مر معنا قبل قليل أن الله جل وعلا أراد أن يستبقيهم فأبقى على التخويف ولم ينتقل معهم إلى مرحلة الإهلاك استبقاء لأصلهم؛ حتى يكون بعد ذلك منهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً كما وقع من كثير من أبناء الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
стр. 399
تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم وكفى بربك وكيلاً)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١] ذكر الله جل وعلا هنا قضية سجود الملائكة لآدم وامتناع إبليس، وهذه القصة مرت معنا كثيراً نأخذها هنا بما يناسب واقعها في سورة الإسراء: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء:٦٢]، ومر معنا: أن الله جل وعلا كرم آدم بأمور أربعة: أولها: أنه خلقه بيده، والأمر الثاني: نفخ فيه من روحه، والأمر الثالث: أسجد له ملائكته، والأمر الرابع: أنه علمه أسماء كل شيء.
فلا نقول إن الله جل وعلا كرم آدم بدخوله الجنة، وإن كان هذا تكريم، لكن كل مؤمن سيدخل الجنة، ولكن لن يقع لأحد من الخلق أنه خلقه الله بيده من بني آدم إلا آدم؛ فلهذا قلنا: إن يوسف على الشطر من جمال آدم: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة:٩] ونسب الروح هنا إلى الله من باب إضافة التشريف، وأسجد له ملائكته والسجود هنا: سجود تحية لا سجود عبادة، وعلمه أسماء كل شيء، وهذا لا يعلم أن الله جل وعلا أعطاه أحداً من الخلق: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء:٦٢ - ٦٣] وهذا مر معنا كثيراً: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٤].
ثم بين الله فضيلة التوحيد فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٥]، يفهم منها أن المقصود أي: ليس له سلطان عام، بمعنى: ليس له أي نزغات على بني آدم، وهذا خلاف الصحيح حتى تظهر القضية؛ لأن هذه قضية قل الحديث عنها.
النبي ﷺ علم أمته حديثاً وذكراً يقال عند الجماع، وأخبر أنه إذا قدر في تلك الليلة ولد فإن الشيطان لا يضره، وليس المعنى: أنه لا يضره ألبته؛ لأنه لو قلنا: إن الشيطان لا يضره ألبتة فالمعنى: أن هذا المولود لن يعصي الله قط، وهذا محال، لكن المقصود هنا: أنه لا يصل به إلى الشرك.
والله جل وعلا لم يعط أصلاً سلطان قوة للشياطين، فما قاله بعض القراء من نفوذ أمر الجن على بين آدم بهذا التوسع الذي نشاهده غير صحيح؛ لأن الله قال حكاية عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]، فليس لإبليس ولا للجن سلطان ظاهر قوي على بني آدم كما يزعم وعاظ القراء.
وإنما هي أمور مقدرة بقدر وحدود لا يمكن للجن أن يتجاوزوها وإلا لاضطرب ميزان الكون وناموس الدنيا، قال الله هنا: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ [الإسراء:٦٥] إضافة تشريف ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء:٦٥] أي: لا سبيل لك ممن كتبت لهم النجاة أن تجعلهم مشركين بي؛ لأن كونهم إذا أشركوا لن ينجوا فلن يكونوا عباداً لله.
فالله جل وعلا حافظهم ألا يقعوا في الشرك، أما ما دون ذلك فقد يقع منهم؛ ولهذا قال ﷺ : (إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم)، وحتى البدريون وهم أعلى الأمة مقاماً وقعت منهم معاص، لكنهم ماتوا على التوحيد وهم أجلاء الخلق بعد الأنبياء والمرسلين، لكن لا مانع من وقوع المعاصي منهم، كما وقع من قدامة بن مظعون عندما شرب الخمر متأولاً، والذي يعنينا: الفهم الجيد للآية؛ فأحياناً الإنسان يبالغ في تزكية الناس، فإذا زكى أحداً قال له: هذا لا يقربه الشيطان، والدين ليس بالألفاظ العامية، ولا بالمدح، ولا بالقناعات، قال جل وعلا: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء:٦٣] والآية هنا في مقام التخليد؛ لأن الخطاب لشيطان وأتباعه، والشيطان مخلد في النار، فهو يتكلم عن أهل الكفر ولا يتلكم عن أهل المعاصي.
ولهذا فبعض العلماء عندما جاءت قضية يوسف ﵊ قال: إن يوسف لن يقع منه الهم، ونحن نؤمن أن يوسف لن يقع منه الهم يقيناً، لكنها العبرة بالدليل يعني: عندنا أدلة تكفي بأن يوسف لن يقع به الهم فلا يحتاج إلى أدلة ضعيفة؛ لأنك إذا سقت أدلة ضعيفة مع وجود دليل قوي ضعفت الدليل القوي، فمثلاً: بعض من ينتسب للدين يبالغ في مدح النبي ﷺ ، مع أنه ما ورد من آثار صحيحة في الكتاب والسنة عن حب الله لنبيه كافٍ في حقه ﷺ ، فلا نحتاج لأن نجلب أشياء موضوعة نمدح بها النبي ﷺ ؛ لأن هذا يضعف تلك القوة، فقالوا: إن إبليس شهد أن يوسف لم يهم بالزنى، قالوا: إن الله قال في حق يوسف: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] وقال في مناظرته لإبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء:٦٥] إذاً: إبليس ليس له سلطان على يوسف في أن يبتليه، ولو كان للشيطان على يوسف سلطان لدفعه للمعصية، فإذا لم تكن في قلبه نوازع خير وشر فليست له منقبة في أنه امتنع؛ لأن المنقبة في التزام التكليف؛ ولهذا قال الله جل وعلا على لسان امرأة العزيز: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف:٣٢] واستعصم: تظهر أن هناك مغالبة من يوسف ليدفع الشر عن نفسه والأذى والفجور، ولما دافع عن نفسه الفجور ودافع عن نفسه الهم وحاربها وبعد عن نزغات الشيطان علي مقامه، وارتفع ذكره، وخلد الله جل وعلا عفافه ﵊.
نعود للذي نريد أن أن نحرره: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء:٦٥] ليس المعنى: لا سلطان لك عليهم ألبتة، وإنما المقصود: سلطان الإشراك، وإلا فكل أحد تقع منه المعصية إلا الخلاف حول الأنبياء، والذي يرجح أن الأنبياء معصومون من الصغائر والكبائر على السواء قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٥] وقد يندرج تحت الآية: أن من تقع منهم المعاصي من عبادي الذين كتبت لهم الخير والفضل والمآل الحسن تقع منهم بعد ذلك توبة، فينجم عن تلك التوبة قبولهم وبعدهم عن الشيطان، قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١].
ثم جاءت الآيات بعد ذلك تعرف بالله جل وعلا، وهذا سنلتقي به في اللقاء السادس إن شاء الله.
هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله جل وعلا على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد الله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 400
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الإسراء [٦٥ - ٧٢]
يتكلم الله ﵎ في هذه الآيات عن حال الكفار إذا ضاقت بهم السبل، وجاءتهم الأعاصير، واضطربت بهم الدنيا، وكيف أنهم يلجئون إلى القهار وحده ﷻ ، ويكفرون بما كانوا بهم يشركون، وهو حليم عليهم، يمهل الظالم، ولا يدري هذا المسكين أنه إذا أخذه لم يفلته، فإنه قوي شديد العقاب، ثم يذكر سبحانه أنه كرم هذا الإنسان، وسخر له من شواهد ربوبيته ما يدل عليه، وما يجعل القلب يصبو بحبه ، ثم يذكر حال الإنسان يوم القيامة، وكيف أن الناس يوم القيامة فريقان، فريق فرح مستبشر، وفريق منكسر مفضوح متحسر، وشتان بين الفريقين.
стр. 401
تفسير قوله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: ففي هذا اللقاء المتجدد من هذا البرنامج المبارك: محاسن التأويل، كنا قد انتهينا إلى قول الله جل وعلا في اللقاء الماضي: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٥].
وهذه الآية جاءت بعد أن ذكر الله جل وعلا قصة إبليس وامتناعه عن السجود، ثم بين الله جل وعلا تلك القصة بقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٤]، وهذا كله وضحناه في موضعه.
ثم قال الله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٥]، المقصود بالسلطان هنا أي: ليس لك عليهم سلطان في أن يقترفوا ذنباً يكون سبباً في خلودهم في النار على أن هذا لا يعلمه كل أحد بعينه، فالذين سبقت لهم من الله الحسنى إنما يعملون لما يسرهم الله جل وعلا أن يعملوا له، ولا يعلم أحد إن كان ممن سبقت له من الله الحسنى أم لا، إلا ما دل الشرع الحنيف عليه في كلام الله، أو على لسان نبينا ﷺ .
ثم قال الله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٥]، من حيث صناعة المعنى: هذه الآية تحتمل في المخاطب ثلاث جهات: إما أن يكون المخاطب إبليس، وإما أن يكون المخاطب عموم الإنسان، وإما أن يكون المخاطب النبي ﷺ .
فعلى الوجه الأول -أن المخاطب بالآية إبليس- يؤيده: أن السياق يتحدث عن المحاورة بين الرب جل وعلا وبين إبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء:٦٥]، فنحن متفقون على أن المخاطب إبليس.
قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٥]، وإذا أبقينا الآية في سياقها أصبح المخاطب إبليس، لكن الإشكال القائم في أن الله قال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ [الإسراء:٦٥]، وهذا يشعر بالقرب وهو ما يتنافى مع خطاب الله مع إبليس.
وهذا الإشكال يدفع بشيء آخر، فالذين أثبتوه دفعوا هذا الإشكال بشيء آخر وهو قولهم: إن المقصود من ذكر الربوبية هنا: بيان أن إبليس وإن خرج بكفره من طاعة الله، إلا أنه لم يخرج عن سلطان الله، أي: بكفره ومعصيته خرج من رحمة الله لكنه لم يخرج عن سلطان الله، فلهذا قالوا: إن لفظ الربوبية هنا ليس المقصود منه: التشريف، ولكن المقصود منه: بيان أن إبليس تحت سلطان الله جل وعلا وقهره.
هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: قول بعضهم: في الآية التفات، ومعنى الالتفات: أن يتحول الخطاب وهو منحى بلاغي.
فقولنا في الأول: إن المخاطب إبليس لا يسمى التفاتاً؛ لأنه كان مخاطباً من قبل، لكن لما أدخل مخاطب آخر سميت القضية: قضية التفات عند البلاغيين، وقالوا: إن الملتفت إليه هو الإنسان عموماً، فيصبح المخاطب بقول الله جل وعلا: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٥]، وكأن الآية نقلت القضية إلى المسئولية الفردية في أن على كل إنسان أن يتعظ ويعتبر ويعلم أن الله جل وعلا وكيل وكفيل على كل شيء.
الوجه الثالث: أن يكون المخاطب النبي ﷺ ، وهذا يثبته أصل عام، وهو أن الأصل في المخاطب بالقرآن أولاً: نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا الذي يبدو ظاهراً لي من الآية؛ لأن لفظ: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ) [الإسراء:٦٥]، يشعر بالقرب، والنبي ﷺ أولى الناس بهذا القرب، هذا من حيث صناعة المعنى.
أما من حيث الصناعة النحوية: فإن الفعل (كفى) يجيء في القرآن وفي العربية على ضربين: متعدياً ولازماً، فمن تعديه ما ذكره الله جل وعلا مثلاً في سورة الأحزاب: ((وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]، فكفى: فعل، ولفظ الجلالة: فاعل، والمؤمنين: مفعول به أول، والقتال: مفعول به ثاني، وهذا معنى التعدية: أن الفعل يتجاوز الفاعل إلى مفعول به.
أما عندما نقول في الاصطلاح النحوي: فعل لازم؛ فإنه لا يتعدى الفاعل إلى مفعول به، وإنما يكتفي بفاعله فقط، وهو هنا كقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٥]، فكفى هنا: فعل لازم، ورب: هو فاعلها، لكن الباء التي جرت لفظ رب جيء بها لزيادة التوكيد، وعلماء العربية يقولون: إنها تكثر في فاعل كفى، وبعضهم يقول: إنها لازمة في كل فاعل، وقد وجد في الشعر العربي ما يرد القول بلزومها في كل فاعل.
стр. 402
تفسير قوله تعالى: (ربكم الذي يزجي لكم الفلك)
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا * رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٦٥ - ٦٦]، بعد أن بين جل وعلا أنه الوكيل الكافي ذكر شواهد ربوبيته، فالآية مناسبتها لما قبلها: أنها جاءت لتبين شواهد تلك الربوبية التي أشار الله إليها بقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٥]، فقال الله: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ [الإسراء:٦٦]، ويزجي من حيث المفردات بمعنى: يسوق، لكن ينبغي أن يعلم أن تفسير القرآن ليس معاني مفردات، لكن هناك غايات مراده لله جل وعلا في طيات كتابه، والمفسر الحق من يوصل مراد الله إلى من يستمع إليه، وهذا أمر يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار.
قال تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الإسراء:٦٦]، وهنا تأمل عظمة الله، في حياتك الدنيا والدك يعطيك مصروفاً ثم يبعث بك إلى المدرسة لتتلقى علماً غير المصروف الذي هو منه، فالمصروف من الوالد، والعلم من المعلم، وتأخذ مالاً لتذهب إلى تاجر، فالمال منك أو من سيدك أو ممن يقوم على إعالتك، لكن ما تقتنيه وتشتريه فمن التاجر، وهذا في حياة المخلوقين بعضهم، وهذه هي قضايا القرآن التي يجب إخراجها للناس، لكن الله يقول هنا: إنه نفسه جل وعلا سخر لكم الفلك لتذهبوا في البحر، لكن في البحر لا تطعمون طعاماً من أحد غيره، فالمبتغى في البحر هو رزقه ﵎.
فأنت بما سخره لك تذهب إلى ما هيأه لك، وهذا من أعظم الشواهد وأجل القرائن على عظمة الرب ﵎، وأنه القائم على كل نفس.
قال: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الإسراء:٦٦]، والفلك معروف أنها: السفينة، ثم علل ذلك بما يناسبه فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء:٦٦]، وهذه الرحمة من الرحمة العامة التي يندرج فيها البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وليست خاصة بأهل الإيمان، فإن الله يرزق من يطيعه ومن يعصيه، قال: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء:٦٦].
стр. 403
تفسير قوله تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً)
ثم انتقلت الآيات إلى شيء أخص وإلى موضوع أقصر، قال ﵎: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء:٦٧ - ٦٩].
من حيث الإجمال العام ربنا يقول: إن الضر كلمة عامة وهي في البحر أخوف منها في البر، وقد مر معنا أن عمراً بن العاص رضي الله تعالى عنه لما وصف البحر لـ عمر بن الخطاب ﵁، وعمر لم ير البحر ونبينا ﷺ لم يركب البحر ولم يره، فلما وصفه له قال عمر رضي الله تعالى عنه: لا يسألني الله أنني حملت عليه مسلم.
فرفض أن يغزو المسلمون وأن يركب البحر في عهده.
هنا يقول الله لعباده: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧]، وقد مر معنا أن ضل تحتمل معاني كثيرة، لكن ضل هنا بمعنى: غاب واضمحل، لكنه لم يغب واقعاً بحيث أن هذا الإله الذي تعبدون عجز أن يصل إلى البحر، المسألة أعظم من ذلك، بل المقصود: أنه ضل حتى عندكم، فأنتم العاكفون على أصنامكم والمعظمون لها إذا رأيتم الضر في البحر كنتم أول من ينساها.
قال: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧]، فيخلصون الدعاء لله كما قال الله في سورة أخرى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، وتبرءوا من كل آلهة يعبدونها من غير الله، وخلفوها وراء ظهرهم في معابدهم جثثاً هامدة، وأصناماً ثابتة لا تنفع ولا تضر.
قال تعالى: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٦٧]، أي: من حيث أصل الإنسان، لكن هناك من عصمه الله من الكفر.
ثم قال الله لهم مخاطباً أكباداً غليظة وعقولاً سقيمة: ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء:٦٨]، أي: إنكم إن ظننتم أنكم صادقون في أنكم خرجتم من الخوف إلى الأمن، من جانب الرهبة إلى جانب الأمان، فخروجكم من البحر إلى البر لن يخرجكم من سلطانه ، قال: ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنتُمْ﴾ [الإسراء:٦٨ - ٦٩]، وهذه لا يقولها إلا الله سبحانه.
قال: ﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ [الإسراء:٦٩]، وهذا يكون بأن يبعث في نفسك بعد نجاتك الطمأنينة فتعود إلى البحر، فيسوقك إلى هلاكك، ويزجيك إلى قدرك، وهذا لا يقدر عليه إلا الله.
﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء:٦٩]، المعنى الحرفي أي: لا تجدوا أحداً يطالب الله بما صنعه بكم.
لكن الآن تأمل فيما تشاهده في نشرات الأخبار، يأتي في التلفاز -مثلاً- نموذج يتسلط اليهود فيه على الفلسطينيين، فيحصل قتل، وسفك دماء، وأسر، فإذا بقيت الكاميرا ثابتة نقلت لك أصوات نساء أو صبيان أو غيرهم، يحاولون أن يخرجوا شيئاً من أضغانهم يتبعون بها ذلك المحتل، فإما أن المرأة تلعن، أو الصبي يصرخ، أو أحدهم يقذف بالحجارة، بل إن بهيمة الأنعام إذا ذكيتها وذبحتها تريد أن يكون فيها شيء من التبيع فتحرك أعضاءها، وكأن تلك الأعضاء تلومك على ما صنعت، وهذا التبيع يستطيع كل أحد أن يمتلكه إذا كان خصمه بشراً؛ مثلاً: رجل دخلوا عليه في بيته فقتلوا أبناءه وزوجته، وأخذوا كل شيء وتركوه، هو لن يخسر شيئاً إذا أتبعهم بلعنة أو قال بعدهم صرخة، فهذا هو التبيع.
لكن إذا كان المنتقم والله فإن هذا التبيع ينتفي، وهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء:٦٩]، هذا تحرير الآية من حيث الإجمال.
أما من حيث ما فيهن من فوائد؛ فإن الله يقول: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ [الإسراء:٦٧]، ولم يقل: وإذا أمسكم الضر لسببين: السبب الأول: يعلمنا الله جل وعلا التأدب في الخطاب معه، فلا ننسب الشر إليه مع يقيننا أن الله خالق كل شيء.
والسبب الثاني -وهو سبب جلي-: أن هناك معنىً خفياً يعلمنا فيه الله التبرؤ من الشر، وأن ننأى بأنفسنا عن مواطن الأذى، فهذا هو المقصود من عدم نسبة الشر إليه سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا * أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء:٦٧ - ٦٨]، الخسف: الهلاك من الأسفل.
﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الإسراء:٦٨]، أي: ريحاً محملة بالحصباء وهي: الحجارة الصغيرة.
﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ [الإسراء:٦٨ - ٩٦]، والريح إذا كانت في البحر سميت: قاصفاً، وإذا كانت في البر سميت: عاصفاً، وبعض العلماء يقول: إنها تطلق على الاثنين.
قال الله جل وعلا: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ [الإسراء:٦٩]، وهذا بيان لسبب الإغراق، لكن هذا في حالة الانتقام، وإلا فقد يغرق المؤمن في البحر ولا يكون المقصود منه النكال به، لكن يجري هذا بقدر الله: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء:٦٩].
стр. 404
تفسير قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم ممن خلقنا تفضيلاً)
ثم قال الله بعدها: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠].
يدل منطوق الآية على أمرين: الأول وهو ظاهر: أن الله جل وعلا فضل بني آدم على كثير من خلقه.
ويدل منطوق الآية في نفس الوقت: أن هناك خلائق لا يفضلها بنو آدم.
وفي المسألة نزاع، لكن تحرير الأمر فيها على وجه الإجمال ما يأتي: بنو آدم أفضل من الجن ومن سائر المخلوقات سوى الملائكة.
الأمر الثاني: عامة الملائكة أفضل من عموم بني آدم.
الثالث: صالحوا بني آدم قد يرقون إلى منزلة الملائكة.
الرابع: والأنبياء والمرسلون إلى بني آدم أفضل من عموم الملائكة، لكن هل هم أفضل من خواص الملائكة؟ وعندما نقول: خواص الملائكة ينصرف الأمر إلى جبريل، وإسرافيل، وميكائيل، فهل هم أفضل من خواص الملائكة؟ الأفضل: التوقف في المسألة لغياب الدليل الصريح الصحيح.
وقد أثبت الله هنا الكرامة لبني آدم، وهذه الكرامة لا يجوز حصرها في شيء واحد، ولكن أعظم ما كرم الله به بني آدم: العقل؛ لأنه مناط التكليف، ومن ذلك: العلم وإنزال الكتب وإرسال الرسل، هذا كله مما كرم الله جل وعلا به بني آدم.
﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ﴾ [الإسراء:٧٠]، على بهيمة الأنعام وأمثالها مما أفاء الله على أهل زماننا.
﴿وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٧٠]، بأن سخر الله جل وعلا لهم الفلك.
﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء:٧٠]، دلالة على فضل الله جل وعلا، والآية ظاهرة واحدة.
﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠]، لغوياً ننيخ المطايا عن كلمة (كثير) باحثين عن معناها؛ فبعض العلماء يراها على ظاهرها، وهو الذي حررناه وأخذنا المفهوم منه وقلنا: إن ظاهر الآية: أن هناك خلائق لا يفضلها بنو آدم.
وبعض العلماء يقول: كثير هنا بمعنى: كل، ومن زعم قولاً لزمه الدليل، ودليلهم، هو أن كلمة قليل جاءت بمعنى العدم، فكذلك كلمة كثير تأتي بمعنى الكل، يقول الله جل وعلا: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٨٨]، قالوا: إن المقصود انعدام إيمانهم بالكلية.
وأصحاب هذا القول يقولون: كما جاءت كلمة قليل بمعنى العدم، فكلمة كثير هنا تعني الكل.
وعلى هذا القول لا حاجة لما حررناه آنفاً من قضايا التفضيل، لكن هذا القول بعيد وإنما ذكرناه لوجوده في طيات الكتب.
стр. 405
تفسير قوله تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً)
ثم قال الله بعدها: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]، والسؤال هنا: ما هي المناسبة بين الآيتين؟ عندما يقول الله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠] هذا يشعر بوجود التفضيل لكن هذا التفضيل هو في الدنيا، فانتقل الله في الآية بعدها إلى تفضيل أعظم يكون يوم القيامة بالأعمال، فقال: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]، اختلف الناس في معنى (إمامهم) على أقوال تحريرها ما يلي: قال بعض العلماء: إن الإمام هنا بمعنى: الكتاب، ودليلهم: آية يس: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]، وهذا القول قال به ابن كثير، واختاره الإمام الشنقيطي ﵀ في تفسيره.
وقال آخرون: إن الإمام هنا بمعنى: النبي، وحجتهم: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١]، وأمثالها من الآيات.
وقيل: إمام بمعنى: الكتاب الذي أنزل على تلك الأمة، ليس الكتاب الذي دونت فيه أعمالهم، وإنما الكتاب الذي أنزل على نبي تلك الأمة، وهذا القول قال به ابن زيد -وهو أحد التابعين- واختاره ابن جرير.
وبقي قول رابع ينسب إلى محمد بن كعب القرظي أحد أئمة التفسير، فقد قال: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]، أي: بأمهاتهم.
وذهب ﵀ وهذا القول بعيد - إلى أن السبب في ذلك: صوناً لأولاد الطرائق غير الشرعية، وإكراماً للحسن والحسين في أنهم ينادون باسم أمهم فاطمة، وهذا كله فيه نوع من التكلف، وإن كان مقام الحسن والحسين لا يحتاج إلى دليل، لكن هذا القول فيه شيء من التكلف، وقد قلنا: إن القائل هو: محمد بن كعب القرظي، وهذا يرد عليه حديث صحيح صريح في أن النبي ﷺ قال: (يقال: هذه غدرة فلان بن فلان)، على أن الرجل ينسب إلى أبيه، لكننا حررنا الأقوال الأربعة.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ [الإسراء:٧١]، وهذه قرينة ظاهرة لمن ذهب إلى أن الإمام هنا بمعنى: الكتاب الذي يستنسخ فيه العمل، على أنك ينبغي أن تعلم أن الإمام في اللغة: المقدم، وهي كلمة لا تحمل مدحاً ولا ذماً إلا بقرينة لصاحبها.
стр. 406
(فرحين بما آتاهم الله من فضله)
قال الله: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ [الإسراء:٧١]، ولاحظ الآن الانتقال من الإفراد إلى الجمع، قال في الأول: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإسراء:٧١] ثم قال: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ [الإسراء:٧١]، والصورة تتضح في أن أهل اليمين -جعلنا الله وإياكم منهم- يأخذ أحدهم كتابه بيمينه، وبمجرد أن يأخذه بيمينه يعرف أنه على خير.
فإذا عرف أنه رزق خيراً أحب أن يطلع الناس عليه، ليس كمن تلبس بالعار، فيأتون جماعات بعضهم إلى بعض، ولهذا جمع الله بعدها فقال: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ [الإسراء:٧١]؛ لأنهم فرحون بما يقرءون، فيصبح تلقيهم للكتاب فردياً، وقراءتهم للكتاب جماعية، ولم يذكر الله هنا أصحاب الشمال، قال بعض العلماء: إنهم لا يستطيعون قراءته.
وبعضهم يقول: ولو قرأه فلن يستطيع أن يظهره لأحد؛ ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦].
قال الله: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء:٧١]، والفتيل هو: النتوء الظاهر في شق النواة، والمقصود منه: لا ينقص من أجورهم شيئاً.
ثم قال الله بعدها: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ [الإسراء:٧٢]، أي: في الدنيا.
﴿فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٧٢]، مبدئياً: فإن العمى المقصود به هنا: عمى القلوب، لكن النحويين عند هذه الآية يظهر لهم إشكال، يقولون: إن الصناعة النحوية تأبى أن يصاغ فعل التعجب أو التفضيل على وزنه من غير فعل مساعد مؤنث، وصفة الفعل على وزن أفعل فعلاء، مثلاً يقال: رجل أعمى وامرأة عمياء، يقولون: في مثل هذه الحالة لا يصاغ منه تعجب، ولا يصاغ منه تفضيل.
وهذه الآية: هي قول الله جل وعلا بعدها: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٧٢]، فهناك قرينة على أن القضية قضية تفضيل، أي: أشد عمىً، ولهم في ذلك مخارج أسلمها أن يقال: إن هذا من باب السماع الذي لا يقاس عليه، وأنت تعلم أن الأصل في اللغة: هو السماع، وهذه قاعدة مهمة جداً في طلب النحو وفي طلب اللغة عموماً، فقالوا: مثل هذا سمع من العرب، وهو موجود في القرآن أصلاً، ولا يمكن أن يقاس عليه.
وبعضهم يخرجها تخريجاً أجمل من ذلك فيقول: إن المقصود هنا ليس عمى البصر، وهو الذي يمتنع فيه التفاضل، أما عمى القلب فيصح فيه التفاضل، لكن هذا يحتاج إلى شاهد من كلام العرب، ولا أعلم له شاهداً.
стр. 407
يوم القيامة يوم الخزي والندامة
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ﴾ [الإسراء:٧٢]، أي: يوم القيامة.
﴿أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٧٢]، وهنا اختلف الناس في ما هو أعمى عنه؛ فبعض العلماء يقول: إذا قسناها على ما قبلها فإنه لا يستطيع أن يقرأ كتابه، فجعل القرينة الأولى دافعة لهذا القول.
وبعضهم يقول: من كان أعمى عن طريق الطاعات فسيكون أعمى عن طريق الجنة، ولا ريب أن المقصود من حيث الإجمال: أن من لم يوفق للطاعة ولم يحسن العمل في الدنيا فهو في يوم القيامة أشد ضلالة وبعداً، وأعظم فسقاً وجرماً، وهو بعيد عن رحمة الله تعالى وجنته، وقريب جداً من غضبه وسخطه ونيرانه، هذا مجمل ما دلت عليه الآية: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٧١ - ٧٢].
إذاً تحرر من هذا: أن الآيات تأتي في مقام التفضيل، فذكر الله جل وعلا تفضيل بني آدم، ثم انتقل إلى التفضيل الأعم والأشمل والأكمل وهو ما يكون في عرصات يوم القيامة، وبين جل وعلا أن الحالة الأخروية إنما هي صورة للحالة الدنيوية، فمن تلمس طرائق الطاعات ولم يعمَ قلبه عن طرائق الهدى وفق يوم القيامة، وكان الاحتفاء به احتفاء جماعياً كحال الناس في الدنيا.
وأما من تلبس بالخزي والعار فإنه يتوارى ويحاول أن يستر فضيحته ويغطي جرمه، وهذا ما يقع من أهل المعاصي في الآخرة فلا يأتون لأحد بكتاب ولا يفرحون به، بل يكون منهم الويل والثبور، كما ذكره الله جل وعلا في أكثر من آية.
هذا مجمل ما تهيأ إيراده، وأعان الله جل وعلا على قوله حول هذه الآيات المباركات من سورة الإسراء، ثم إننا إن شاء الله تعالى نزدلف في اللقاء القادم إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء:٧٣].
فلما كانت هذه الآية وأضرابها تدخل فيما يسمى بعتاب النبي ﷺ في -القرآن إن صح التعبير- فإنا نفردها في حلقة تامة لوحدها، فما مضى كان مترابط الأجزاء حررناه في مجلس واحد، والله المستعان، وعليه البلاغ، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 408
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الإسراء [٧٣ - ٨١]
محمد ﷺ خليل الله تعالى، وخاتم النبيين، وسيد ولد آدم على الإطلاق، ولذلك قرن الله طاعته بطاعته، ومحبته باتباعه، ولذلك كان جديراً أن ينال عطية ربه ومنحته المتمثلة في المقام المحمود الذي أعطاه الله إياه في الآخرة، ولذلك أرشد الله نبيه إلى وسائل الثبات في الدنيا، ونصره ورفع رايته، وجعل جنده هم الغالبون، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره وهدي نبيه ﷺ .
стр. 409
تابع الحديث على آيات العتاب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فقد تحدثنا عن بعض آيات العتاب، التي عاتب الله فيها نبيه ﷺ ، والآن نواصل الحديث كذلك عما يسمى بآيات العتاب، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٧٣ - ٧٥].
نقول بداية: مر معنا أنه لا بد لنا من استصحاب السيرة حتى يفهم القرآن جيداً, فلا افتكاك بين الكتاب والسنة, والقرآن إنما كان يصور صراعاً قائماً بين الحق والباطل.
والنبي ﷺ كان يحمل في قلبه شفقة ورحمة على أمته وخصومه من القرشيين، وهؤلاء بدورهم كانوا يحملون في قلوبهم أنفة ومحاولة لصرفه ﷺ عما هو عليه من الحق, وهذه أصل المسألة.
الذي ينبغي أن يفهم ويعض عليه بالنواجذ ولا ينطلق إلى غيره ولا يقبل سواه: أن الآيات إنما تتحدث عن تأييد الله وحفظه ونصرته لنبيه ﷺ ، ولا تتحدث أبداً أن هناك ميلاً منه ﷺ ولو مثقال ذرة أو أقل إلى قومه وما كانوا يعبدون, هذا أمر يجب حسمه قبل أن نشرع في إثبات هذه القضية, وحتى لو عجزت أن تجد الدليل أو البرهان أو الآلة التي تفهم بها الآية, فإنك لن تعجز أن يستقر في قلبك أن هذه الآيات إنما هي بيان لتأييد الله ونصرته وتوفيقه لنبيه ﷺ ، ولا تتحدث إطلاقاً عن شيء منه ﷺ أنه كان يميل إلى قومه، هذا أمر لا نزاع فيه ولا خلاف، ولا يمكن دفعه بأي شبهة.
قال الله: ﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ [الإسراء:٧٣] أي: قاربوا، ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء:٧٣] أي: يصرفونك، ﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء:٧٣] أي: القرآن، ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء:٧٣]، وهذا القرآن ذم آلهتهم وعاب أصنامهم, وهم يريدون قرآناً ليس فيه ذماً وليس فيه قدحاً في عبادتهم وآلهتهم وأصنامهم، ﴿وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٣] أي: أنه لو وقع هذا ولن يقع، فلن يجدوا خليلاً مثلك، فأنت رجل كامل الصفات البشرية، فإذا ظفروا بك فقد ظفروا بشيء عظيم، ولهذا لن يفرطوا فيك، قال: ﴿وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٣].
﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء:٧٤] ولولا: حرف امتناع لوجود، والموجود هنا: التثبيت؛ ولذلك امتنع الميل والركون لوجود التثبيت، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤].
﴿إِذًا﴾ [الإسراء:٧٥] والتنوين في (إذاً) عوض عن جملة, أي: لو وقع منك هذا ﴿لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٥] أي: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة مضاعفاً؛ لأن مقامك ليس كمقام غيرك.
ولذا خاطب الله نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء، وأن الأمر يضاعف عليهن لقرابتهن من النبي ﷺ واندراجهن في بيته, فكيف به هو صلوات الله وسلامه عليه؟! ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٧٥]، وهذا يبين عظيم سلطان الله جل وعلا وقهره لعباده.
هذا من حيث الإجمال، أما من حيث المفردات: فيقول تعالى: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء:٧٣] بمعنى: يصرفوك.
﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء:٧٣] أي: القرآن.
﴿لِتَفْتَرِيَ﴾ [الإسراء:٧٣] أي: لتختلق وتبتدع قولاً من عندك.
﴿وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٣]، والخليل مرتبة عالية في الصداقة والقربى والزلفى.
﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء:٧٤] بما قذفناه في قلبك من الهدى والنور والسكينة, والإيمان الحق بالله وآياته.
﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ﴾ [الإسراء:٧٤] أي: تميل.
﴿إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥]، نضرب بمثال على هذه الآية بعيداً عن المنحى اللغوي لها: الآن لو أن إنساناً في شاطئ البحر أوشك على الغرق, ثم أخذ يناديك ويستغيث بك، فملأ قلبك رحمة لأن تنقذه، فأعطيته حبلاً أو رميت له ما يعينه على أن ينجو من الغرق، ثم إنك من شدة عاطفتك وحرصك على أن ينجو كدت تغرق معه، وأنت لا تريد أن تهلك نفسك، لكنك تريد أن تنقذه، فلما رآك الرائي من غيرك وعاتبك وخشي عليك وخاف، قال لك: كدت أن تقتل نفسك، وأنت لم ترد قتل نفسك، بل حملتك شفقتك وعاطفتك على ما صنعت.
وبعض الفضلاء يقول: إن هذا المعنى في هذا المثال هو نفسه هذه القضية، فالنبي ﷺ لم يمل قط مثقال ذرة ولا حبة خردل إلى ما هم فيه, لكنه يقع منه ما ظاهره الميل إليهم، بسبب الشفقة والرحمة بهم، وحرصه على هداهم, وإلا فليس في قلبه ﷺ إلا التوحيد الخالص، والنبذ التام لما كان عليه القرشيون وقومه من عبادة الأوثان، والعكوف على الأصنام.
وقول هذا مقبول من حيث الجملة, لكننا قلنا: إن الآلة الأولى إلى فهم القرآن هي اللغة، وقد بينا معنى لولا، وقلنا: إنها حرف امتناع لوجود، وأثبتنا وجود التثبيت, وعلى هذا انتفى وامتنع أن يكون النبي ﷺ ركن إلى قومه.
стр. 410
سنة الله ﵎ في نصرة رسله
ثم قال الله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٦]، والأرض هنا تحتمل معنيين: المعنى الأول وهو الظاهر: أرض مكة.
والمعنى الثاني: أرض المدينة والجزيرة بصفة عامة.
فإذا قلنا: إن الأرض أرض مكة, فالذين يحاولون استفزازه ﷺ هم كفار قريش.
قال: ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء:٧٦]، ولم يحدد إلى أين, لكن المقصود: إلى أي مكان, وهذا القول هو الراجح لسببين: السبب الأول: التمسك بالأصل؛ لأن سورة الإسراء مكية، ولأن ما قبلها من الآيات يتحدث عن أهل مكة، فهاتان قرينتان ظاهرتان على أن المراد بالأرض هنا أرض مكة, وعلى أن الذين هموا بإخراج النبي هم كفار قريش.
القول الآخر: يقول إن هذه الآية مدنية في سورة مكية, فيصبح القائل هم اليهود, فهم يريدون أن يخرجوه إلى أرض الشام, بمعنى أنهم يقولون له: لو كنت نبياً حقاً فليس هذا مقامك, وإنما اخرج إلى أرض الشام حتى نتبعك؛ لأنها أرض أنبياء حتى نتبعك, فهناك الأرض التي هي معقل الأنبياء، لكن هذا القول بعيد، وإن كانت القرائن الآن ترجح هذا وتضعف الأول, مع أن القرينتين في الأول ترجح أنها أرض مكة.
ثم قال الله بعدها: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء:٧٧] فما هي سنة من أرسلنا قبلك من رسلنا؟ هي قول الله بعدها: ﴿وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٦] فالله يقول: إن سنتنا الماضية التي لا تتبدل ولا تتحول ولا تتغير فيمن أخرج نبيه أنني أذهبه؛ لأن الله قال: ﴿وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٦].
أجاب عن هذا القائلون بأن الأرض أرض مكة -كما حرره ابن كثير - فقالوا: إن القرشيين منذ أن وقعت الهجرة وأخرج النبي ﷺ ما لبث الله بعدها بعامين أو أقل أو أكثر بأشهر إلا واستحصدوا في بدر, فمضى قول الله ﴿وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٦].
والقائلون: بأن الأرض هي أرض المدينة، وأن الاستفزاز إلى أرض الشام قالوا: لم يقع هذا من اليهود، ولم يخرج النبي ﷺ من المدينة إلى أرض الشام, فلهذا لم يقع استئصال، والقول الأول هو المراجع، والله أعلم.
стр. 411
إرشاد الله نبيه إلى الأسباب التي تعينه على الثبات
وبعد أن بين الله جل وعلا لنبيه وسائل الثبات وما يكاد حوله، دعاه جل وعلا إلى الأخذ بالأسباب التي تعينه على الثبات في ظل هذا الصراع الذي يراه من قومه فقال له: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، واللام في قوله تعالى: (لدلوك) تحتمل معنيين أيها المبارك! فإما أن تكون اللام هنا: للتأقيت, فيصبح معنى اللام هنا: بعد أو عند, يعني: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [الإسراء:٧٨] عند دلوك الشمس, أو بعد دلوك الشمس, هذا إذا قلنا: إن اللام للتأقيت.
وإما أن يكون معناها: التعليل، فيصبح المعنى: أن وقت دخولها موجب لها, أي: وقت دخولها موجب لفرضية الصلاة.
قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:٧٨]، اختلف العلماء من السلف في معنى الدلوك, والأكثرون وهو قول ابن تيمية ﵀: أن الدلوك زوال الشمس, وقال الشنقيطي: وهذا الذي عليه أهل التحقيق, ولا ينبغي القول بغيره وإن وجد.
قال تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨]، أي: ظلمته، ابتداؤه واشتداده.
ثم أفرد الله الفجر بقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] أي: وصلاة الفجر, ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، يتحرر من هذا ما يلي: أولاً: أن الصلاة لا تجب قبل دخول وقتها.
ثانياً: أن هذه الآية أصل في جواز الجمع، ومنها انطلق الفقهاء سواء من قال بالجمع أم لا؛ لأن الله جعل دلوك الشمس كالوقت الواحد للظهر والعصر، وجعل غسق الليل كالوقت الواحد للمغرب والعشاء، لكن السنة فصلت لنا وقت جواز الجمع من عدمه، وقد اختلف فيه الفقهاء اختلافاً ليس هذا وقت تحرير بيانه.
وفي قوله سبحانه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، دلالة على أنها لا تجمع مع غيرها؛ لأن لفظ الفجر جاء مفرداً، وعلى أن القراءة فيها ركن؛ لأنه استقام شرعاً أنه لا يجوز تسمية الشيء ببعضه إلا إذا كان هذا البعض ركناً فيه, مثل قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩]، فعبر عن الصلاة بالسجود، والسجود ركن من أركان الصلاة, وقال: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣]، فعبر بالركوع والركوع -أيها المبارك- ركن من أركان الصلاة, فقراءة القرآن من حيث الأصل في صلاة الفجر ركن عرف من خلال الآية، أما ركنية القراءة في المغرب والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقد عرفناها من تفاصيل السنة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] أي: صلاة الفجر ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، أي: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار.
وقد مر معنا تاريخياً: أن صلاة الفجر آخر صلاة صلاها النبي ﷺ قبل أن يعود من حجته في مكة, وصلاة الفجر أيضاً هي آخر صلاة صلاها النبي ﷺ قبل يوم بدر, وصلاة الفجر آخر صلاة صلاها المسلمون والنبي ﷺ حي بين أظهرهم.
لكن أول صلاة صلاها النبي ﷺ على أنها فرض: صلاة الظهر, فقد نزل جبريل ظهر اليوم الذي كانت في مسائه أو في ليلته حادثة الإسراء والمعراج, فبدأ جبريل يعلم النبي ﵇ صلاة الظهر.
стр. 412
عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وقد ذكر التهجد هنا مع أنه أسبق من صلاة الفجر؛ لبيان فرضية صلاة الفجر ووجوبها، لكن هل التهجد واجب عليه ﷺ ؟ قال تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء:٧٩] , ونافلة بمعنى: كرامة، فبعض العلماء ذهب إلى عدم وجوبها في حقه ﷺ مستدلاً بهذه الآية، وبعض العلماء ذهب إلى الوجوب استصحاباً للأصل، وبقاء على الظاهر.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٩] ومن: هنا بعضيه, تقول عائشة: لا نعلم أن النبي ﷺ قام ليلة بأكملها, ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء:٧٩]، أي: بالقرآن, فالصاحب الحق للمؤمن هو القرآن، ثم انظر هنا عظمة البلاغة القرآنية، يقول تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وقد سبق معنا أن الله تعالى سمى البعث: خلقاً جديداً، إلا أنه هنا لا يتحدث عن البعث الذي هو الخروج من القبور، بل يتكلم عن البعث الذي بعده المقام المحمود.
ولقد عبر الله هنا السر عظيم، وكأن هذا المقام لا يناله بشر أبداً، ولو كان أعيد, الله لا يتكلم هنا عن خروج الناس من قبورهم, يتكلم عن إتيان الله لنبيه المقام المحمود, ما قال حتى: أن خاتم النبيين محمداً ﷺ ، وإنما هو عطية وهبة ربانية له ﷺ ، يعطيك ربك مقاماً محموداً, قال: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] وقلنا: إن وكأن الله يخلقه من جديد ليهيئه لهذا المقام المحمود، وليعطيه هذه الكرامة، ولهذا عبر بالفعل ﴿عَسَى﴾ [الإسراء:٧٩] لأمرين: الأول: أن ﴿عَسَى﴾ [الإسراء:٧٩] من الله واجبة, ثم إن فعل الرجاء يبعث في النبي ﷺ الأمل والطمع في أن ينال هذا المقام, والمقام المحمود هو: الشفاعة العظمى التي يؤتاها النبي ﷺ يوم القيامة, وهذه منزلة لا تعدلها منزلة، ولذلك يغبطه عليها الأولون والآخرون صلوات الله وسلامه عليه, ورزقنا الله وإياكم شفاعته.
стр. 413
إن الباطل كان زهوقاً
ثم قال الله بعدها: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٨٠]، جملة الآية تدل على التوفيق, لكن إذا خصصناها بالهجرة أصبح معنى: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء:٨٠]: إتيان المدينة, و ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء:٨٠]، يعني: الخروج من مكة, قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٨٠]، وفيها: حاجة الإنسان إلى النصير من الله جل وعلا والسلطان والبرهان.
أما قوله سبحانه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء:٨١]، هذا نوع من الاستبشار، فإنك إن خرجت اليوم طريداً, فسيأتي يوم يزهق فيه الباطل ويقوم فيه الحق؛ لأن الباطل وإن راج حيناً إلا أنه زهوق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، وهذا هو المعنى العام لهذه الآية.
أما المعنى التفصيلي فنقول: إن الآية تدل على أن الله يأمر نبيه أن يلتمس من ربه التوفيق في أموره الظاهرة والباطنة, وأن يسأله النصرة فلا غنى لأحد عن الله, وقد قلت مراراً: إن الأمور ثلاثة: ما لا يكون بالله لا يكون.
وما يكون لغير الله لا يبقى ولا يدوم.
وما يكون لله هو الذي يبقى ويدوم, وإن ذهبت عينه بقي في الآخرة أثره.
نعرج هنا -أيها المباركون- إلى مفارقات في الهجرة خفيت على الناس؛ لأن الآية تتحدث من حيث الإجمال عن الهجرة.
مقارنة بين الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة: الهجرة إلى الحبشة كانت هجرة إلى دار أمان وأمن, وأما الهجرة إلى المدينة فكانت هجرة إلى دار إيمان, فمجتمع الحبشة لم يكن مجتمعاً مؤمناً بخلاف مجتمع المدينة, ولهذا قال الله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩]، فعبر الله عن الأنصار بأنهم تبوءوا الدار والإيمان, فالهجرة إلى الحبشة هجرة إلى دار أمن وأمان, أما المدينة فهجرة إلى دار إيمان, وأعظم العطايا أن يسكن الإنسان في دار أمن وإيمان.
والمسلمون الذين يعيشون في الغرب الآن يتكفل لهم النظام السياسي هناك بالأمان في ظل الديمقراطية التي يعيشونها, لكنه لا يكفل لهم دار الإيمان، فلا يسمع المسلم صوت المؤذن ولا يغدو ويروح في أسواق المؤمنين, ولا يحتكم إلى شريعة الإسلام, فقد أعطي الأمان وحرم حياة مجتمع الإيمان، وإلا فالإيمان في قلبه موجود لا يعد كافراً, لكنه حرم مجتمع الإيمان, كحال المسلمين الأوائل الذين هاجروا إلى الحبشة, ومن يعيش في بلادنا مثلاً -حرسها الله- فهو يعيش في دار أمن ودار إيمان أشبه بالمجتمع المدني الذي هاجر إليه الصحابة, هذا الأول.
الأمر الثاني: من أخطاء بعض الفضلاء من أجلاء العلماء أنهم إذا ذكروا الهجرة النبوية ذكروا الهجرة من الذنوب, وعندي هذا لا يستقيم, يقول ﷺ : (والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)، لكن مثل هذا لا يقال إذا ذكرنا الهجرة؛ والسبب في ذلك يلي: أنت عندما تهجر ذنباً أو تترك رفقة سيئة فأنت تهجرهم وأنت مبغض لهم, وهذا سبب هجرانك لهم، فأنت تبغض الذنب ثم تهجره وتتركه، وتبغض الرفقة والمكان السيئ لتذهب إلى المساجد, فأنت تستبدل شيئاً سيئاً بشيء أحسن منه, أما النبي ﷺ فلا تنطبق هذه القاعدة العامة عليه, فهو لم يهاجر من مكة رغبة عنها, وإنما هاجر لأن قومه أخرجوه, وقد قال ﷺ وهذا يدل على أن الهجرة ولدت في يوم البعثة, وذلك لما ذهبت به زوجته خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وأخبره بأن قومه سيخرجوه, قال ﷺ في أول أيام البعثة: (أومخرجي هم؟!) فالإخراج كان من القرشيين, وهجرته ﷺ من مكة ليست هجرة مبغض حاشاه صلوات الله وسلامه عليه, بل قال: (ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت)، لكن أراد الله لأهل المدينة خيراً, وهذا أمر يجب استصحابه.
قال الله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء:٨١]، هذا نوع من الاستبشار أعطاه الله لنبيه وهو خارج من مكة, وبقي يحمل تلك البشارة حتى مرت ثمانية أعوام فدخل بتلك البشارة عينها مكة، وقال ﷺ وهو ينظر إلى الأصنام، ويقول وهو يتلو الآية: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، ويشير إلى تلك الأصنام فتهوي وتتساقط على وجوهها, وهذا يدل على جمال الشيء إذا وقع في وقته, فهو ﵊ لم يستعجل سقوط الأصنام منذ سنوات, وإنما بقيت الأصنام معلقة على أطهر بيت وأكمله إحدى وعشرين سنة, والنبي ﷺ يعلم هذا, فلما أزالها من عقولهم، وأزال محبتها من قلوبهم أشار إليها فتساقطت، ولم يبق منها شيء.
والأمر الآخر: أنه يجب إزالة الأوثان والمعابد والأضرحة وما يعبد من دون الله إذا كنا نتمكن من إزالتها, بل إن ذلك من أعظم الواجبات, والنبي ﷺ لما ذكر نزول عيسى بن مريم وأراد أن يعدد صفاته قال في أولها: (ليكسرن الصليب)، فشعارات أهل الكفر لا يجب أن تبقى أبداً, وأعظم الكفر: ما يعبد مع الله ﵎ كالمشاهد والقبور والأضرحة, فهذا من الشرك الذي ليس بعده مفسدة، كما أن التوحيد مصلحة ليس بعدها مصلحة, قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١].
هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله ﵎ على قوله حول هذه الآيات المباركات التي تكلمنا فيها عن عتاب النبي ﷺ إن صح إدراجه في العتاب, ثم ذكرنا قضية إرشاد الله لنبيه إلى إقامة الصلاة في وقتها, وإلى تفضيله بقيام الليل, وإلى المقام المحمود الذي وعد الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه.
هذا والله تعالى أعز وأعلى وأعلم, وصلى الله على محمد وعلى آله, والحمد لله رب العالمين, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 414
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الإسراء [٨٢ - ٨٨]
لقد أيدَّ الله ﵎ رسوله ﷺ بمعجزة خالدة وهي القرآن الكريم، وجعله سبحانه هدى وشفاءً وروحاً للمؤمنين، بل وتحدى الإنس والجن على أن يأتوا بمثله أو آية منه، وهذا دليل على عظمته، وقوة صحته، وعظيم بلاغته، ولقد تحدث الله ﵎ في سورة الإسراء عن حال الإنسان في حالتي السراء والضراء، وأن غالب الناس يفرح بالنعمة، ويعرض وينأى حال النقمة، ثم ختم الشيخ بالكلام على مسألة عتاب الله تعالى لنبيه ﷺ ، واختلاف الناس فيه.
стр. 415
(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد انتهينا إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، واليوم نستفتح بقول ربنا جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢].
يخبر ربنا جل وعلا أنه أحيا بالقرآن قلوب البشر، وجعله أعظم معجزة لنبيه ﷺ ، وهو يعاود الحديث عنه حيناً بعد حين في هذه الآيات العظيمة من سورة الإسراء -السورة المكية- ليبين لهؤلاء القرشيين أن دعواكم في نقض هذا القرآن، أو طلبكم من النبي ﷺ أن يفتري غيره طلب لا سبيل إليه، فيكرر عليهم ما يغيظ قلوبهم، ويثبت قلب نبيه.
يقول تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ﴾ [الإسراء:٨٢]، وهذا إشعار إلى أن الأمر متتابع.
﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٨٢]، (من) هنا هل هي بيانية أم تبعيضية؟ بكل قال العلماء، ورجح ابن القيم رحمة الله تعالى عليه على أنها هنا بيانية، فيصبح كل القرآن بهذا المعنى شفاءً ورحمة.
وإذا قلنا: بأنها تبعيضية؛ فإن المعنى يكون أن القرآن كله رحمة بالاتفاق، س وكله شفاء لأمراض القلوب، من الشك والجهل والريب بالاتفاق، لكن الخلاف يكمن في كون القرآن شفاء كله لما يصيب الأبدان من جراحات وأسقام وأضرابها، وهذا محل النزاع.
فذهب بعض العلماء إلى أنه شفاء كله، وجعلوا (من) هنا بيانية، وأخذوا بعموم الآية ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء:٨٢]، لكن هل يلزم من قول البعض أن (من) بعضية أن بعض القرآن ليس بشفاء؟ هذا لا يلزم، وقد قال ابن عطية به رحمة الله تعالى عليه في (المحرر الوجيز)، وهو أن ذلك لا يكون ذلك قدحاً في القرآن.
والذي تطمئن إليه النفس: أن يعلم أن القرآن رحمة وشفاء بلا شك لكل أمراض القلوب المعنوية، وأنه لا توجد رحمة أعظم منه؛ لأن فيه الهدى والنور، ثم تأتي أمراض الأبدان بعد ذلك تبعاً لا قصداً، إذ لو كانت مقصودة لما أذن النبي ﷺ لبعض الصحابة أن يتطببوا عند بعض من عرف بالطب عند العرب؛ لأنه لا يعقل أنه يجوز العدول عن الأمثل إلى ما هو دونه، كما أنه لا يجوز لأحد أن يبحث عن دواء لقلبه وريبه وجهله وشكه أعظم من القرآن، فلو كان القرآن كذلك في نفس المنزلة لمرض الأبدان لما جاز لأحد أن يذهب إلى الأطباء، لكن القرآن أنزل لأمراض الشك والريب والجهل، وليكون رحمة تنفع المؤمن في دنياه وآخرته، فالذي نرجحه: أن (من) هنا تبعيضية، والعلم عند الله.
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢]، والخسارة التي ينالها الكافر بسبب القرآن ليست ناجمة عن القرآن نفسه، وإنما ناجمة عن كفر الكافر، أي: أن عدم أهليته لتقبل رحمة الله هي التي جعلته يزداد خسارة، ويزداد خسراناً بأن يصبح القرآن أعظم حجة عليه فيزداد خسرانه؛ لأنه يلقى الله جل وعلا بلا حجة، وقد قامت عليه الحجج والشواهد والبراهين كما أثبت الله، وهذه الآية ظاهرة.
стр. 416
(قل كل يعمل على شاكلته)
ثم قال الله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإسراء:٨٣] أي: جنس الإنسان في أصله، وإلا فإنه يوجد من عباد الله من هو شاكر ضال.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء:٨٣]، أما جملة (ونأى بجانبه) فهي توكيد لجملة (أعرض)، فالإعراض -أيها الأخ المبارك- يكون أولاً بصفحة الوجه، وإذا ازداد الإنسان تكبراً، وعظم الطغيان في نفسه أعطاك ظهره، س فانتقل من الإعراض بصفحة الوجه إلى الإعراض بالكلية، وهذا معنى قول الله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء:٨٣].
ومثل هذه الآيات -وإن كانت تعرف ببعض البشر- إلا أنها تدلك من باب أولى على أنه قد يوجد في الناس من تحسن إليه، ويقابل إحسانك بالإساءة أو بالجحود.
أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني وكم علمته نظم القوافي فلما قال قافية هجاني فإذا كان الناس في تعاملهم مع ربهم ﵎ يعرضون بعد الإنعام، فمن باب أولى أن يوجد منهم من يعرض عنك بعد أن تتفضل عليه بشيء من الإحسان.
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء:٨٣]، ولماذا دب اليأس في قلبه؟ لجهله بالله، وإلا فمن عرف الله حقاً فإنه لا يمكن أن ييأس من رحمته، أو أن يقنط من روح الله، لكن ذلك القنوط واليأس دب إلى قلبه لجهله بالله؛ ولهذا قال الله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء:٨٣].
ثم قال الله بعدها حتى يبين أن الناس ليسوا جميعاً على هذا المنوال والمنحى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء:٨٤].
التحليل اللغوي للمسألة: الشكل -أيها المبارك- بالفتح معناه: المثيل والنظير والضرب، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص:٥٨] في سورة ص.
أما الشكل بكسر الشين: فهي الهيئة.
قال سبحانه: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء:٨٤]، والألفاظ التي قالها السلف في معنى الآية تتباعد وإن كان المعنى قريباً في الحقيقة.
والذي يظهر لي -والعلم عند الله- أن الله يقول لهم: ينبغي لكل إنسان أن يناسب عمله سريرته، وينبغي أن يوافق عمله ما هو عليه من الأخلاق والطباع، وفي هذا حث لأهل الفساد، فإن كنتم تدعون استقامة أنفسكم فلتثبتوا ذلك بالأعمال الصالحة؛ لأن من صلحت سريرته وجب أن يكون شكله -أي: نظيره وضريبه ومثيله- من العمل موافقاً لتلك الشخصية.
قال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٨٤]، وبعض العلماء إذا ذكر هذه الآية يتكلم عن قضية عفو الله جل وعلا ورحمته وفضله.
стр. 417
أرجى آية في القرآن
وقد حكي أن الصحابة ﵃ في تدارسهم للقرآن أخذوا يتباحثون: أي آية في كتاب الله أرجى؟ فقال الصديق ﵁ وأرضاه: قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره فلم أر آية أعظم وأرجى من قول الله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء:٨٤]، ثم علل فقال: إن العصيان يشاكل العبد، والغفران يشاكل الرب ﵎؛ لأن الغفران أليق بالرب، كما أن العصيان أقرب إلى العبد، وهذا يروى كذلك عن علي من وجه آخر: أنها أرجى آية في كتاب الله؛ لأنهم قالوا: إن الله جل وعلا سبقت رحمته غضبه.
وفي نفس الرواية قال عمر رضي الله تعالى عنه: قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره فلم أر آية أعظم وأرجى من قول الله جل وعلا: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر:١ - ٣]، قال: فقدم غفران الذنب على قبول التوبة.
فقال عثمان: وأنا قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره فلم أر آية أرجى من قول الله جل وعلا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر:٤٩].
وقال علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه: وأنا قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره فلم أر آية أرجى من قول الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]، فهذه أربع روايات عن أكابر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
قال القرطبي ﵀: وأنا قرأت القرآن كله من أوله إلى آخره فلم أر آية أرجى من قول الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، ولكل دليله، وهذه عظمة القرآن أنه كتاب مفتوح تجري في مضماره أفكار العلماء.
стр. 418
سبب نزول قوله تعالى: (ويسألونك عن الروح)، واختلاف الناس في حقيقة الروح
ثم قال الله بعدها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥]، ونلحظ من صيغة الآية أن فيها تجهيلاً لمن سأل ولم يرد له ذكر؛ لأن سبب سؤاله التعنت والمراء الذي لا طائل من ورائه، ولهذا أجابهم الله جل وعلا عن سؤالهم، لكنه عاملهم بالتجاهل لهم فلم يذكرهم.
وفي الصحيح وغيره: أن النبي ﷺ كان معه عبد الله بن مسعود، فمر على ملأ من يهود -هذا على القول: أن هذه الآية مدنية، وقول آخر: أنها نزلت مرتين- فمر على يهود فقال بعضهم لبعض: سلوه؟ فسألوه يا: أبا القاسم! ما الروح؟ فاتكأ ﷺ على عسيب نخل، قال ابن مسعود: فعلمت أنه يوحى إليه، ثم تلا عليهم الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥].
وسنتكلم عن هذه الآية من وجوه: الأول: ما المقصود بالروح؟ قال بعض العلماء: المقصود بالروح هنا: القرآن، وحجتهم: أن الله سمى القرآن روحاً، كما قال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢].
وقال بعضهم: إن الروح هنا بمعنى: عيسى بن مريم، فيصبح السؤال عن عيسى، ومن أدلة ذلك: أن الله جل وعلا سمى عيسى بن مريم روحاً، قال تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، في تسميته لعيسى ﵇.
وآخرون قالوا: إن الروح هنا ملك عظيم الخلقة، وعنوا به قول الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ:٣٨].
وقال آخرون: بل هو جبريل ﵇، واستدلوا بقوله سبحانه: ﴿سفَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم:١٧].
والذي يترجح -والعلم عند الله- أن الروح هنا بمعنى: القرين بالبدن، وهي النفس.
قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]، وهذا اختصاص علمي، وليس اختصاصاً خلقياً.
فإن قيل: فما معنى: الاختصاص العلمي، والاختصاص الخلقي؟ ف
الجواب
الآن كون آدم ﵇ خلقه الله بيده هذا اختصاص خلقي، فخص الله جل وعلا آدم بخصيصة لم يعطها سائر الخلق؛ لأنه خلقه بيده، حتى نبينا ﷺ لم يخلقه الله بيده، فهذا اختصاص خلقي، وأما الروح فليس لها مزية في خلقها عن سائر المخلوقات، لكن لها اختصاص علمي؛ في أن الله جل وعلا أخفى كنهها، فلا يعرف سرها أحد.
فهذا معنى سقول الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] ثم قال الله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، وما هنا: نافية قطعاً، وفيها دلالة على فضل العلم، وعلى أن علم بني آدم مهما امتد ففيه ضآلة جداً أمام علم الله، وأعظم شاهد على ذلك قصة موسى والخضر، وذلك الطير الذي نقر في البحر فقال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك من علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر.
стр. 419
مثال على عدم نفوذ مشيئة الله في بعض الأحيان بإرادته سبحانه
ثم قال الله بعدها: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء:٨٦]، وهو القرآن.
﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٨٦]، وهذا من مشيئة الله التي لم تقع، ولم يأذن الله بها، لكن القضية بيان أن الله جل وعلا هو صاحب الفضل المحض على رسوله ﷺ ، ولكن القرآن سيرفع في آخر الزمان.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا * إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الإسراء:٨٦ - ٨٧]، ويجب أن نقول: إن الاستثناء هنا منقطع، فيصبح المعنى: لكن رحمة الله جل وعلا عليك واسعة، فلا يمكن أن يقع مثل هذا الأمر.
ثم قال: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٨٧] وهذا تعميم، وفضل الله جل وعلا على نبيه واسع جداً دلت عليه آيات عدة أعظمها وأقربها: قول الله قبلها بآيات: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وكذلك إنزال الكتاب عليه، وكونه خاتم الأنبياء والمرسلين، وكذلك صاحب رحلة الإسراء والمعراج التي تكلم الله عنها في أول السورة، فكل ذلك مندرج تحت قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٨٧].
стр. 420
(ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً)
ثم قال الله -وهي الآية التي نختم بها-: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] فكما أن ذات الله لا تشبهها ذات، فكلام الله لا يشبهه كلام، وهنا قدم الإنس على الجن؛ لأنهم أفصح لساناً وأوضح بياناً، وإلا فقد قدم الجن على الإنس في مواطن كثيرة؛ لأنهم أسبق خلقاً من الإنس، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣]، وهذا في معرض القوة.
يقولون: إن أبا العلاء المعري المسمي نفسه: رهين المحبسين، وهما: العمى، والمكث في البيت، وهو رجل كف بصره وهو صبي، فأقبل على العلم ينهل منه، وساعده على الحفظ كونه كفيفاً؛ لأن الكفيف لا يتشعب ذهنه، وهو لا يرى شيئاً يزاحم حفظه، فيكون أقدر من غيره على الحفظ، فأقبل على العربية وشعر العرب وتاريخهم وأيامهم حتى بلغ فيها شأواً بعيداً، وكان أحياناً يشوبه شيء من الإلحاد.
فيقولون: إنه ذات يوم أراد أن ينظم أبياتاً يعارض فيها القرآن، فذكر أبياتاً يقوم محورها على ذكر الفتاة، وأن الوالدين يحفظان الفتاة ويحرزانها، ثم لا تلبث أن تموت وهي صغيرة رغم حرص الوالدين على بقائها، فتنتقل من حرز الوالدين إلى القبر، وسمى القبر حرزاً حريزاً، ثم قال في آخر بيت: يجوز أن تبطئ المنايا والخلد في الدنيا لا يجوز ثم إنه تذكر قول الله في سورة هود: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٤ - ١٠٥] فجثا على ركبتيه وبكى بكاءً طويلاً ثم رفع رأسه وقال: سبحان من تكلم بهذا في القدم! سبحان من هذا كلامه! وهذه شهادة معتبرة، لا لفضل الرجل نفسه فهو أقرب إلى الإلحاد، لكن لكونه رجلاً عالماً بالعربية، وإماماً في سبك الكلام، فالاعتراف من مثله له وضعه واعتباره في أن كلام الله جل وعلا لا يعدله كلام أبداً، فقد تلا قول الله: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٤ - ١٠٥]، فبكى بكاء شديداً، وجثا على ركبتيه ثم رفع رأسه وقال: سبحان من تكلم بهذا في القدم! سبحان من هذا كلامه! والذي يعنينا -أيها المباركون- أن كلام الله جل وعلا لا يمكن أن ينازع ولا أن يعارض، ولا أن يلحق شأوه أحد كائناً من كان، وقد قال ربنا وهو أصدق القائلين: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٨٨ - ٨٩] وعد، ووعيد، وأخبار، وأوامر، وشرائع، ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء:٨٩]، لكن من غلب عليه الكبر والعناد فمن البديهي أن يعرض وأن يتكبر، قال: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء:٨٩]، أي: رداً لقول خالقهم، وصداً عن هداية بارئهم، وهذا واقع أصلاً بقدر الله، مما يدل على أن الله جل وعلا خالق كل شيء ومالكه، وله ﵎ عليه السلطان الأعظم.
стр. 421
عتاب الله لنبيه واختلاف العلماء في وقوعه
وقد كنا ذكرنا -أيها المباركون- قضايا العتاب، سوأختم بها هذا اللقاء؛ لأنني ضربت الذكر عنها نسياناً لا صفحاً في لقاء قد سبق.
فنقول: العلماء في هذا على ثلاثة أقسام: قسم ينفيه، ويستحي سأن يسمي كلام الله لنبيه عتاباً.
وقسم في بعض الأحيان يثبته إثباتاً غير مقبول، كقول الزمخشري في تفسيره عن قول الله جل وعلا: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣]، قال: هذه كناية عن الجناية؛ لأن العفو ملازم لها.
قال أبو حيان في تعقبه على الزمخشري: وقول الزمخشري هذا مما يجب اطراحه فضلاً على أن يرد عليه؛ لأن هذا سوء أدب مع النبي ﷺ .
وآخرون يأخذون طريقاً وسطاً فيقولون: وقع في القرآن عتاب للنبي ﷺ ، لكن المقصود به -أي: هذا العتاب- بيان أنه ﷺ كان من الممكن أن يأخذ الأولى والأفضل، وليس هناك خطأ يلام أو يعاتب عليه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 422
مثال على عتاب الله لنبيه ﷺ
والآن سنقف على بعض ما عاتب الله به نبيه سواء في الكتاب أو السنة، أو فيما دل الأمر عليه: قال الله جل وعلا: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، هذا في أمثال عبد الله بن أبي، وقد كان الإجماع قد استقر في المدينة على جعله أميراً عليهم، وذلك قبل مقدم النبي ﷺ ، فلما قدم النبي ﵊ المدينة انصرف الناس عنه فبقي في صدره شيء كتبه الله، فأخذ يظهر حب اليهود، ويظهر النفاق، وهو الذي ولغ في عرض عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وفي السنة التاسعة من الهجرة خرج النبي ﷺ إلى تبوك، فلما عاد اشتد مرض الوفاة على عبد الله بن أبي، فجاء ابنه إلى النبي ﷺ ، فعاد النبي ﵊ عبد الله بن أبي في مرضه الذي مات فيه، وأراد النبي أن ينجو به فقال: قد كنت نهيتك عن حب يهود، فقال هذا الوقح!: قد كان أسعد بن زرارة يبغضهم فمه.
فالنبي يريد أن يبين له أن ما أصابك من سوء الخاتمة إنما هو لحبك الشديد لليهود وبغضك لأهل الإيمان، فولم يقصد أن حب اليهود سبب في الوفاة؛ لأن الكل سيموت، فرد عدو الله بهذه المقالة؛ لأنه أراد أن يخرج بالخطاب عن مساره، فتركه المصطفى ﷺ .
فلما مات عبد الله بن أبي جاء ابنه في ملأ من الصحابة فأخبر النبي ﷺ بوفاة أبيه، وطلب الابن من نبينا ﷺ أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه قميصه، فكفن عبد الله بن أبي في قميص رسول الله ﷺ ، وقد مات على الكفر، ونزل ﷺ في قبره وصلى عليه أما الصلاة فلم يكن قد ورد النهي في قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة:٨٤]، فإنها نزلت بعد هذه الحادثة.
فإن قيل: فلماذا أعطى النبي ﷺ قميصه لـ عبد الله بن أبي؟ والجواب ذو شقين: الأول: إجابة لابنه، فإن المروءات يجب أن ينافس فيها أهل الفضل، فإن ذوي الفضل يستحيون أن يردوا السائلين، فأجاب رجلاً مؤمناً إلى سؤاله، هذا الشق الأول.
والأمر الثاني وهو الأهم والأبرز: أنه في يوم بدر كان من الأسارى العباس عم النبي ﷺ ، وكان طويل القامة، عظيم الجثة، فلما أسر لم يكن عليه إلا ما يستر عورته، فأرادوا له قميصاً وثوباً فلم يجدوا قميصاً أو ثوباً يلائم جسده إلا قميص عبد الله بن أبي، فأخذ النبي ﷺ في يوم بدر ثوب عبد الله بن أبي وأعطاه عمه، فأصبحت لـ عبد الله بن أبي يد على النبي ﷺ ، فأعطى النبي قميصه لـ عبد الله يوم وفاته ليكافئه على تلك اليد.
قال سفيان بن عيينة ﵀: كانت له يد على رسول الله ﷺ ، فأحب رسول الله أن يكافئه عليها.
فالله يقول لنبيه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠]، هذه الآية تتضمن الخبر والإنشاء؛ لأن كلام العرب خبر وإنشاء، فالخبر: ما يحتمل التصديق والتكذيب، والإنشاء: ما يكون بمعنى الطلب، والآية معناها: استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن ينفعهم استغفارك شيئاً، وهذا خبر، وقوله سبحانه: (استغفر) هذا أمر، والنبي ﷺ خير، فاختار ما يناسب سجيته وشفقته ورحمته.
هذه من جملة الآيات التي ظاهرها العتاب، لسيد ذوي الألباب، صلوات الله وسلامه عليه.
هذا ما ذيلنا به هذا الدرس المبارك، وقد تكلمنا فيه عما أرجئنا الحديث عنه في لقاء ماضٍ عن العتاب القرآني لنبينا ﷺ ، وهو طويل جداً عرجنا على بعضه ونكمل بعضه حيناً آخر، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 423
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الكهف [ ١ - ١٦]
كتاب الله العزيز أعظم المعجزات، وأكبر الآيات، أنزله ﵎ سليماً من الاعوجاج والخلل، معافى من أي نقص، فاستحق الحمد جل شأنه على ما أنزل.
ثم قرر حقيقة هي من أجل الحقائق ومن أعظم البراهين وهي أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وقد أعظم الفرية من قال بهذا؛ لأنه لا يملك في حوزته دليل على مثل هذا الشيء.
وأخبر جل في علاه عن فتية في غابر الزمان آمنوا بربهم ففروا بدينهم إلى كهف ليستحيل بعد ذلك إلى حصن منيع، فآواهم ربهم فيه أعظم الإيواء، ورعاهم برعايته، وحرسهم بعينه التي لا تنام.
стр. 424
القضايا التي عنيت بها سورة الكهف وسبب نزولها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا رب غيره ولا إله سواه.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: سنشرع -بإذن الله ﵎ في تفسير وتوضيح وبيان محاسن التأويل في سورة الكهف، ونحن بدراستنا لسورة الكهف نأخذ نوعاً من الانتقاء، فما مضى من الدروس كان يعنى بقصار السور، ومعلوم أن هذا البرنامج أو هذا اللقاء العلمي المبارك، إنما يعنى بتفسير القرآن بحسب ترتيب نزوله قدر الإمكان، ولا نعلم ضابطاً يضبط كل ما أنزل حسب ترتيبه لكننا -كما قلنا- حسب الإمكان العام، وحسب ما تبين لكثير من أهل العلم، وقد مضى القول في سورة (اقرأ) و (المدثر) و (القلم) و (الضحى) و (المسد) (والشمس وضحاها) ثم ننتقل اليوم إلى سورة الكهف.
وسورة الكهف مكية باتفاق إلا آيتين منها اختلف فيهما، لكن الأظهر أن جميع السورة مكية، هذه السورة من التلاد القديم، وفق تعبير عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهو أحد كبار الصحابة الذين أخذوا القرآن رطباً من فيّ رسول الله ﷺ ، فآراؤه في القرآن قوية معتبرة أكثر من غيره؛ لأنه كان يأخذ القرآن من فيّ رسول الله ﷺ ، وله في ذلك أقوال تبين رسوخ قدمه في علم القرآن.
سورة الكهف عنيت بعدة قضايا، ومن أجلها بلا شك: موضوع العقيدة، وهذا شأن السور المكية كلها، لكن عندما نقول: أن موضوع العقائد هو شأن السور المكية لا يعني ذلك أن السور المدنية لم تعنَ بالعقائد، وإنما المقصود: أن السور المكية قلما يكون فيها تشريع، والسور المدنية تعنى بالعقائد كذلك وهي محتوية على تشريع؛ لاستقرار الإسلام ووجود المجتمع المسلم والدولة الآمنة التي يمكن إجراء الأحكام الشرعية على أفرادها.
يقال في سبب نزول أول سورة الكهف: أن قريشاً بعثت إلى يهود تسألهم عن النبي الذي خرج عندهم ومن بين أظهرهم، وكانت قريش تقول لليهود: إنه فقير يزعم أن بين كتفيه خاتم النبوة، وأنه يتيم إلى غير ذلك، وكانوا يذكرونه بأوصافه التي يرون أنها معيبة ومنقصة، وحاشاه ﷺ أن يكون فيه شيء من ذلك.
فقالت لهم اليهود من باب الإرشاد: سلوه عن فتية ضاعوا في الزمن الأول، وسلوه عن ملك طواف، وسلوه عن الروح، فإن أجاب عنها فهو نبي وإلا فهو رجل يتقول، فلما عاد ذلك البعث القرشي إلى مكة سأل النبي ﷺ عن: فتية ضاعوا في الزمن الأول، وعن ملك طواف، وعن الروح، فأجاب القرآن عنها في هذه السورة.
стр. 425
سبب تسميتها بسورة الكهف
سميت بسورة الكهف؛ لذكر اسم الكهف فيها، قال جل شأنه: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩]، لكنها تعرضت لجملة من القضايا العديدة غير قصة أصحاب الكهف، لكن القرآن -كما بيناً- أحياناً يسمى بالقضية الأشهر في السورة، والله جل وعلا يتعرض لقصة أصحاب الكهف في القرآن الكريم وإنما ذكرها في هذه السورة فقط، نظيره في القرآن قصة يوسف، فإن الله لم يتعرض ولم يذكر في القرآن قصة يوسف بالتفصيل كما جاء في سورة يوسف، وإنما جاء ذكر يوسف كنبي فقط في سور متعددة كما في غافر وكما في الأنعام وغيرهما، وهذا نظيره سورة الكهف.
جاء في فضلها أنه يستحب قراءتها في يوم الجمعة، كما جاء في فضلها: (أن من قرأ أولها -في رواية أخرى- أن من قرأ أواخرها حفظ من فتنة الدجال)، وقد قال العلماء في بيان العلة في هذا: أن هؤلاء الفتية منّ الله عليهم بالوقوف أمام ملك جبار طاغية، فكان من قرأ أوائل سورة الكهف التي تذكر خبرهم جعل هذه القراءة سبباً في العصمة من الدجال، فـ الدجال نظير ذلك الطاغية في الزمان الأول وقراءة سورة الكهف نظير الأخذ بالسبب الذي فيه عصمة من فتنة الطغاة.
من فوائد السورة: أنها تبين أن أحوال المؤمنين تختلف، فإذا كانت العصبة المؤمنة لديها قدرة على محاربة أهل الإشراك، والعدد شبه متكافئ والقوة شبه متقاربة فإنه يتأكد الجهاد في حقهم، أما إذا كان هناك بون شاسع ما بين الفئتين فلا يتأكد الجهاد، إلا أن يكون هناك أمر رباني بعينه، لكن الأصل أنه لا يتأكد الجهاد، وفي هذه الحالة فإنه يحسن الفرار، وليس الفرار هنا هو الفرار من الزحف، ولكن الفرار بالدين، والفرق بين الأمرين هو أن هذا الفرار ما يسمى بالهجرة أو الاعتزال، لكن بعض العلماء كما صنع السيوطي ﵀ في الإكليل أبعد النجعة، فجعل أن مجرد وجود الفساد داع إلى العزلة وهذا غير صحيح، ولا يسلم بهذا الإطلاق؛ لأن الفساد لا يخلو منه زمان، لكن الإنسان ينظر إلى الأمر بجملته، وينظر إلى قدراته على التكيف مع الأمر، وإلا فإن الفساد لا يخلو منه زمان ولا مكان، وقد كان حتى في عهد النبوة شيء من ذلك، هذا المستسقى الأول من معين هذه السورة، ولعلنا إذا دخلنا في طيات التفسير يتضح لنا أشياء أكثر من ذلك.
следующие страницы →