← Тафсир

Тафсир · id 37455

سلسلة محاسن التأويل - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (789 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة طه [٧] ذكر الله تعالى في آخر سورة طه تكريمه وتفضيله لآدم ﵇، وأنه أسجد له ملائكته فسجدوا إلا إبليس أبى، وأدخله جنته، وحذره من إبليس، وأمره ألا يأكل من شجرة معينة، فوسوس إليه إبليس فأكل منها، فعاقبه الله بأن أخرجه من الجنة وأنزله إلى الأرض ابتلاءً وامتحاناً، ثم تاب الله تعالى عليه وهداه، ثم ختم الله السورة بأمره لنبيه بالصبر، وألا يمد عينيه إلى ما متع الله به غيره من الدنيا، وأمره بأن يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها، ثم ختمها بذكر كلام الكفار المعاندين الذين طلبوا من النبي آية، مع أن الله قد أعطاهم أعظم آية وهي القرآن، ولكنهم لا يرعوون ولا يؤمنون.

стр. 562

تفسير قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً) الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا اله الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. قال الله جل وعلا فيما: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]. هذا المقطع من سورة طه يتكلم عن عهد الله جل وعلا لأبينا آدم، وآدم قبل أن نتكلم عن قصته هنا يجب أن نصتصحب ما من الله جل وعلا به عليه، وفائدة هذه الاصتصحاب: أن الإنسان أحياناً إذا رأى كلام الله عن أحد أنه وقع منه خلاف الأولى، أو وقعت منه المعصية؛ يقع في نفسه شيء من دون أن يشعر من ذلك المذكور، فسداً لهذه الباب واتباعاً لسنه النبي ﷺ القائل: (لا يقول أحد أنا خير من يونس بن متى)، من هذا الباب نقول: إن آدم ﵇ فضله الله بأمور لم يعطها أحداً من الخلق، لا نبينا ﷺ ولا غيره، هذه الأمور منها: أن الله جل وعلا خلقه بيده، وهذه خصيصة له من دون سائر بني آدم، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء كلها، وهي أربع خصال لم تعط لأحد غيره ﵊ هذا أمر. الأمر الثاني: أن وجه آدم منتهى الكمال البشري، وقد ذكرنا أن يوسف أعطي شطر الحسن، إي: شطر حسن آدم ﵇. قال الله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا﴾ [طه:١١٥]، قوله: (عهدنا) عهد: لفظ يستخدم في التعظيم والتفخيم، ولا أحب أن يقول الفرد من الناس: عهدت إلى فلان أن يفعل كذا، وإن كان مستخدماً في اصطلاحات المؤرخين، لكن أرى ألا يستخدم، وأنه يتعلق بذات الله، لكني لا أجزم أنه لا يجوز. يقول الله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ﴾ [طه:١١٥] أي: من قبل موسى، من قبل هذا كله الذي قصصناه عليك. قال تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥] عبر الله هنا بالنسيان، وقال بعد آيات: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]، لا تنسب إليه، مع أن الله صرح بها، لكنني أقول: هناك كلام لـ ابن العربي في أحكام القرآن جيد عظيم فحواه: أن كلام الله عن آدم غير كلامنا نحن عن آدم، فكلام الله جل وعلا عتاب وفيه شيء من التثريب، لكنه خطاب رب لعبده، أما نحن فنتكلم عن أبينا آدم بالنبي، ونبوة آدم ثابتة فقد جاء في الحديث أنه قيل: (يا رسول الله! أكان آدم نبياً؟ قال: نعم، نبي مكلم) والحديث صحيح. يقول الله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]، ما هو العهد الذي عهده الله لآدم؟ بالاتفاق ألا يأكل من الشجرة.

стр. 563

تفسير قوله تعالى: (وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [طه:١١٦]، أي: امتنع كبراً. والخطايا أصولها ثلاثة: الكبر، والحسد، والحرص، فوالله ما عصى الله أحد إلا من باب واحدة من هذه الثلاث: الكبر، أو الحسد، أو الحرص، فالحرص باب للشهوات، والحسد باب للبغض، والكبر باب للبغي والشهوات، وباب لرد ما جاء الله جل وعلا به، فكل المعاصي تندرج في هذا الباب. يقول ربنا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا﴾ [طه:١١٦ - ١١٧]، أي: إبليس ﴿عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه:١١٧]، ولم يقل: ولزوجتك، والأفصح أن يقال في المرأة: زوج، فيقال: زوجه، ولا يقال: زوجته، ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا﴾ [طه:١١٧]، آدم وحواء ﴿مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧]، وقول الله: (من الجنة) إحدى الأدلة على أن المقصود بها جنة عدن؛ لأنه لا يستقر في الذهن هنا إلا جنة عدن، وقوله: (فتشقى) جاءت (فتشقى) بلفظ الإفراد، وهذا يدل على أن المرأة تبع للزوج، وأن الرجل هو المكلف بالسعي والكد. ومعنى الآية: أن الجنة يا آدم كفيت أن تعمل فيها وتكد على أهلك، فخروجك منها سيدفعك الى الكد والسعي في طلب الرزق، وقوت أبنائك وأهلك، وتصبح تبحث عن الرزق كما يقال بعرق الجبين، وتذهب وتكد، والنبي ﷺ يقول في حق جليبيب: (اللهم لا تجعل عيشهما كداً وصب عليهما الخير صباً). والمقصود: لم يقل الله: فتشقيا؛ لأن الرجل هو المكلف بالكد. قال الله جل وعلا: يرغب آدم في الجنة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه:١١٨ - ١١٩]، الجوع معروف وهو عدم الأكل، والعطش قرين له، يقال: فلان جائع وفلان عطشان، ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ [طه:١١٨]، بعد الجوع أتى بالعري، قال: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا﴾ [طه:١١٩]، أي: لا تعطش، ﴿وَلا تَضْحَى﴾ [طه:١١٩] ضحي الإنسان بمعنى: برز للشمس، ولهذا يقال لوقت ظهور الشمس واشتدادها: ضحى. وهذا عند البلاغيين يسمى: تطابق تضاد، والمعنى أنهم يقولون: إن الله عدل عن قول: ألا تجوع فيها ولا تظمأ، فما قال: لا تجوع فيها ولا تظمأ، ولم يقل: تعرى مقابل الظهور للشمس، قالوا: لأن العري جوع الظاهر، وعدم الأكل جوع الباطل، وعدم الشرب حر الداخل، والظهور للشمس حر الظاهر، فهذا يسمى: تطابق تضاد. وأهل اللغة إذا ذكروا هذا في القرآن يعرجون على بيتين للمتنبي، والمتنبي شاعر عباسي كان مشهوراً بالإغراق في الغرور والكبر عياذاً بالله، وهو القائل عن نفسه: أي عظيم أتقي وأي مكان أرتقي وكل ما خلق الله وما لم يخلق محتقر في همتي كشعرة في مفرقي ومن دون له سيرته -ولا أتحمل وزره- قال: إنه لم يسجد لله قط، فلا يعرف أن هذا الرجل كان يصلي؛ بل كانت به أنفة عجيبة، فكان ينشد شعره بين يدي سيف الدولة الحمداني وهو جالس، فودعه بقصيدة بعد أن اشتد عليه خصومه يقول فيها: واحر قلباه ممن قلبه شبم ومن بجسمي وحالي عنده سقم ما لي أكتم حباً قد برى جسدي وتدعي حب سيف الدولة الأمم إن كان يجمعنا حب لغرته فليت أنا بقدر الحب نقتسم والآن هو يتكلم بين يدي الأمير، فبدلاً من أن ينصرف الكلام إلى مدح الأمير صرفه إلى نفسه فقال: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي أنا الثريا وذان الشيب والهرم هذه جملة أبيات قالها بين يديه ثم ترك حلب وبني حمدان، واتجه إلى مصر أيام حكم كافور الأخشيدي وكان كافور فطناً سياسياً، وهذه الفطنة جعلت كافوراً يقرب المتنبي بالقدر الذي يستفيد منه، وكان المتنبي يلح عليه ويطلب منه الولاية فلم يعطه، فلما سأل بعض خواص كافور عن سبب منعه الولاية للمتنبي قال: انظروا ماذا يراه في نفسه وهو شاعر، فكيف لو أعطي ولاية، ماذا سيفعل؟ سيطغى، والمتنبي هو القائل: ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده تصيده الضرغام فيما تصيدا والعاقل لا يستخدم من هو أعظم منه؛ لأنه قد ينقلب عليك فيأكلك. نعود إلى قضية التضاد في التطابق فنقول: وقف المتنبي ذات يوم في حرب تسمى: الحرب الحمراء، لـ سيف الدولة الحمداني، وانتصر فيها، فقال قصيدته الشهيرة التي مطلعها: على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم حتى وصل إلى بيت يمدح ممدوحه فقال: وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم فقالوا: إن الحمداني استدرك على المتنبي هذا البيت، فأفهمه المتنبي بمراده الذي هو بين أيدنا الآن بما يسمى: تطابق التضاد، فجعل كل مصرع بيت بما يلائمه، وهذا مأخوذ من نسق القرآن، حتى يعلم أن القرآن في المرتبة الأعلى من الفصاحة، وما جاء أحد بأسلوب ولن يأتي أحد يرقى على أسلوب القرآن، فكلهم أصلاً مغترف من أسلوب القرآن سواء أنكر ذلك أو اعترف.

стр. 564

تفسير قوله تعالى: (فوسوس له الشيطان فتاب عليه وهدى) يقول الله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠]، وهذا حرص؛ لأن كل ثمار الجنة أباحها الله جل وعلا لآدم ما عدا شجرة، فدخل إبليس على أبينا آدم من باب الحرص فقال: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠]، فوافق آدم؛ لأن ما بعدها يدل عليها، قال الله: ﴿فَأَكَلا﴾ [طه:١٢١]، ألف التثنية أي: آدم وحواء، ﴿مِنْهَا﴾ [طه:١٢١] أي: من الشجرة، ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه:١٢١]، وتسمى العورة سوءة لأنه يسوء المرء إظهارها، الإنسان العاقل لا يرضى بظهورها، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾ [طه:١٢١]، (طفق) بمعنى: بدأ، وهو من أفعال الشروع عند النحويين، وهي تعمل عمل كان، إلا أنه يشترط في خبرها أن يكون جملة فعلية. قال الله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١]، فهذا نص خلاف الأول، وقد خرجه بعضهم على أنه قبل أن ينبأ، وقال بعضهم: إن صغائر الذنوب تقع من الأنبياء، وبكل قال العلماء، وأنا أجنب نفسي. لكن أقول: إذا تكلمنا عن الأنبياء نتكلم بنفس طريقة القرآن، ولا نقحم أنفسنا في الكلام عن أنبياء الله جل وعلا إلا بما حكاه الله جل وعلا عنهم، تأدباً مع أبينا ﵊ ومع غيره من إخوانه وأبنائه من الأنبياء. ثم قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢٢] هنا لا تفهم أن الأمر بالهبوط عاقبة للتوبة، وإنما قدم الله التوبة حتى يبين لك ألا تسترسل فيما بعد، فإن هذا النبي قد تاب الله عليه. ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه:١٢٣] [طه:١٢٣] ليس مفره على التوبة مفره على المسألة، لكن جعل الله التوبة قبلها والإجتباء والهداية حتى يريحك في تلقي الخبر، وأن هذا النبي الصالح تاب الله عليه، كمن تريد أن تخبره بأن قريباً له أصابه مكروه، فقبل أن تخبره أن ابنه دهته سيارة مثلاً قل له: ابنك بخير وعافية ولله الحمد الآن، ثم يمكن أن تقص عليه كيف دهته السيارة، لكن لا تبدأ بإخباره بالحادث، فإن هذا يجعله في رعب وينتظر النتيجة. فأسلوب القرآن قدم النتيجة، فالله يقول لنبيه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة:٤٣]، ثم أعطاه العتاب: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣]، لكن لا تخشى من هذا العتاب فقد قدمنا ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة:٤٣]، وهنا قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢٢]، فرفع الله مقامه وغفر الله خطيئته، وقبل الله توبته.

стр. 565

تفسير قوله تعالى: (قال اهبطا منها جميعاً إن في ذلك لآيات لأولي النهى) قال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤]، ضيق في العيش يكون في الحياة الدنيا، فلا يشعر بلذة ما هو فيه لو كثر أمواله وأولاده. ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٥]، وقد ذكر الله أنهم يحشرون عمياً وصماً وبكما: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه:١٢٦]، أي: بتركها ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦] أي: بأن تترك، وإلا فإن النسيان لا يجوز على الله تعالى، لكن هذا يسمى عند البلاغيين: مشاكلة. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧]، وهذه ظاهرة المعنى وقد مرت معنا كثيراً. ثم أمر الله بالتدبر فيما سبق فقال: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:١٢٨] والخطاب في المقام الأول لكفار قريش، يقول الله عن قوم لوط وحجر وصالح: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:٧٩]، وقال: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر:٧٦]، ما زالت آثاراً باقية تدل على أصحابها حتى يتعظ الخلق وحتى يتنبه من كتب الله جل وعلا له النجاة، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:١٢٨]. وقد مر معنا أن كلمة (أولي النهى) لم ترد في القرآن إلا مرتين كلاهما في سورة طه: هذا موضع، والموضع الذي قبله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:٥٤]، ذكر الله جل وعلا إنزال المطر من السماء، وأخبر أن في ذلك آيات لأولي النهى. وهنا تكرر نفس المعنى، وأولو النهى هم أهل العقول، وهذا يدل على أن الإسلام عني كثيراً بالعقل البشري، ومن أعظم الدلائل على عناية الإسلام بالعقل أن الله جل وعلا ذكر العقل مغيباً ومؤقتاً ومغيباً تغيباً جزئياً، فالمغيب كلياً يسمى: مجنوناً، والمغيب عارضاً هو النائم، والمغيب المؤقت هو الصغير الذي لم يصل عقله إلى النضج، وفي كلا الثلاثة الأحوال رفع الله قلم التكليف. إذاً: مناط التكليف هو العقل، والعقل أصلاً يدل على وجود الله، لكن لا تقوم الحجة بالعقل وحده.

стр. 566

تفسير قوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون) ثم قال جل وعلا: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٣٠]، التسبيح هنا الأظهر أنه بمعنى الصلاة، وقد ذكر الله في هذه الآية المواقيت الخمسة، وقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [طه:١٣٠]، الصبر قرين الصلاة في كلام الله، فقد قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، وكان النبي ﷺ يقول: (أرحنا بها يا بلال عند)، ولهذا أمر الله نبيه بقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [طه:١٣٠]، أي: من تكذيبك ورد رسالتك وقدحهم في إلهك، وزعمهم أن الأصنام تنفع وتضر، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [طه:١٣٠] متى؟ (قبل طلوع الشمس)، وهذه صلاة الفجر، (وقبل غروبها) صلاة العصر ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [طه:١٣٠] صلاة العشاء ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه:١٣٠]، للنهار طرفان: بعد زوال الشمس عندما تتوسط في كبد السماء، وعندما تجب وتسقط وقت الغروب، فالأول يتعلق به وقت صلاة الظهر، ووقت سقوطها يتعلق به وقت صلاة المغرب. فإن قال قائل: كيف عبر الله بأطراف ولم يعبر بطرفي؟ قلنا: إن هذا أسلوب عربي معروف، وإن العرب إذا أمنت اللبس تعبر بالجماعة عن الأفراد أو عن التثنية إذا أمن اللبس، كما في هذه الآية، ونظيره قول الله جل وعلا: ﴿إِنْ تَتُوبَا﴾ [التحريم:٤] بالتثنية ﴿إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، فجمع (قلوب) وليس لـ عائشة وحفصة إلا قلبان، لكن هذا أسلوب عربي، ولهذا نقول: إن من أهم الطرائق إلى معرفة كلام الله معرفة أساليب العرب في كلامهم. ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٣٠]، يحسن الوقوف عندها، والمعنى: أن هذه الصلوات سبب في رضوان الله عنك، فإذا رضي الله عنك أرضاك، ولهذا قال بعض أهل الفضل: ليس الشأن في أن نحب ربنا، فهذا حق له، ولكن الغاية والمطلب أن يحبنا ربنا ﷻ .

стр. 567

تفسير قوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم) ثم أدب الله تعالى نبيه فقال: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١]، هذه الآية تبين أن من أعظم ما يحال بين العبد وبين ربه النظر في ملذات الدنيا، وهذه الدنيا من حقارتها على الله أنه لم يأذن بالمعصية إلا فيها، ولو كانت تزن عند الله جل وعلا جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء، وهي على اسمها دنيا، أي: نازلة، والتعلق بها تعلقاً تاماً وجعلها في القلب من أعظم ما يحول بين العبد وبين ما يريد عند الله من الشرف العظيم والجنة والمعالي الكريمة. وقد حمى الله جل وعلا أنبياءه ورسله منها، فمن أعطاه الله منها كسليمان وداود ﵈ جعلها لهما عوناً على طاعته، كأصحاب المال والثراء من أصحاب نبينا ﷺ ، لكنها في الجملة لا ينبغي أن تستقر محبتها في القلب، ونبينا ﵊ خير ما بين أن يكون نبيناً ملكاً أو أن يكون نبياً عبداً فاختار الثانية، واختياره للثانية يعني أنه سيبتلى فيلتزم بها، فلما كانت تأتيه الغنائم لم يكن له منها حظ ولا نصيب صلوات الله وسلامه عليه إلا بقدر ما يقوت به أهله، وكان يقول: (أجلس كما يجلس العبد)، وعندما كان يأكل كان يأخذ الذراع فينهسها نهساً فعل من هو متشوق إليها لا من هو متعود عليها، ويدخل عليه عمر وقد أثر الحصير فيه فيحزن شفقة عليه، ويذكر كسرى وقيصر وما هو فيه، فيقول له: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طلباتهم في الحياة الدنيا). والتعلق بالدنيا يحول بين المرء وبين معالي الأمور؛ لأن من يروم مجداً لا ينبغي له أن يتعلق بالدنيا؛ لأن التعلق بالدنيا يورث أمرين: يورث الجبن، ويورث الحرص، وهو الطمع، ومن كان حريصاً أو جباناً لا يمكن أن يسود، قال القائل: لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال لكن من طلب معالي الأمور لا بد أن ينزع الدنيا من نفسه ويجعلها مطية لما يريد ولا يجعلها في ذاتها غاية، وانظر لمن عبد الدينار والدرهم وتعلق بهما كيف صارت أحوالهم، وانخفاض سوق الأسهم في الزمن القريب أكبر دليل على تعلق فئام كثير من الناس بالدنيا، صحيح أن الإنسان لا يتحمل الخسارة، وإذا وقعت لا يلام الناس لوماً وعتباً قاسياً، لكن لا ينبغي للعاقل أن يتعلق بها تعلق من يصل في مراحل حياته إلى أن الرزق له طريق واحد، والله يعلم عباده ويؤدبهم فيقول: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك:٢١]، ومن عرف الله جل وعلا حق المعرفة علم أن أسباب الرزق والعطاء ليست أبداً محصورة في طريق واحد؛ لكنها من رازق واحد هو الله، فالله يقول لنبيه: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه:١٣١]، وهذا يلزم من خلاله ألا يقلب الإنسان طرفه كثيراً في متاع أهل الحياة الدنيا قدر الإمكان، ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ [طه:١٣١]، ولماذا قال الله: (زهرة)؟ لأن الزهرة يراها السامعون التالون للقرآن، فيرون أنها ما تلبث أن تظهر قليلاً ثم تذبل وتنتهي. وقد قال بعض الصالحين: إنما الدنيا زهرة حائلة ونعمة زائلة، حائلة أي: تحول إلى ذوبان وذبول، ونعمة زائلة، وهذا أمر مشاهد محسوس. قال تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١]، ولا ريب أن الرزق كله من الله، لكن الإضافة هنا إضافة تشريف، والمقصود برزق ربك: أن الرزق قسمان: رزق لأهل الكفر، وهو من الله لكن لا يضاف إليه إضافة تشريف؛ لأنهم يشوبونه بطرائق محرمة، أهل الكفر والفجور والمعاصي يشوبون رزقهم بطرائق محرمة، فلا ينسب إلى الله، وأهل الصلاح وفي مقدمتهم نبينا ﷺ إنما رزقه مباح حلال طيب، فلذلك أضيف إضافة تشريف إلى الله: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١].

стр. 568

تفسير قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) بعد أن طمأن الله جل وعلا نبيه على الرزق، وأن ما كان لك سيأتيك على ضعفك، وما لم يكن لك لن تناله بقوتك قال له: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]، الاصطبار: حبس النفس على شيء معين، ومن أعظم ما يمكن أن تراه عيناك شخص قد احدودب ظهره، وظهر الشيب في مفرقه، يتكئ على عصاه يطوف في حيه أو في مقر سكنه يأمر أهله بالصلاة هذا المنظر إذا رأيته يفيء إلى ذهنك قول الله جل وعلا عن نبي الله إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم:٥٥]، وقد كان هذا المنظر يرى كثيراً في الأحياء القديمة وفي المشايخ الكبار سناً، فليس شيخ علم ولكنك تراه يذكر من حوله بالصلاة في غدوه ورواحه، وهذا فيه دلالة وأمارة على القرب من الرب ﵎. وقوله جل وعلا: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] فيه أن الصلاة تحتاج إلى نوع من المصابرة، ولهذا قال الله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥]. قال تعالى: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه:١٣٢]، نحن نسألك العبادة، فقد كلفناك بأن تعبدنا ووعدناك بأن نرزقك، فلا تنشغل بما وعدناك به عما طلبناه منك، وإنما انشغل بما يعينك على آخرتك -وهي العبادة- عما تكفل الله جل وعلا لك به، ولا يعني هذا أن الإنسان يبقى قعيداً في بيته، لكن إذا سعى يسعى بقدر، وإذا أعطي من الدنيا لا ينبغي أن تقع في قلبه موقعاً متأصلاً جداً يخرجه عن طاعة الله جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]، وعاقبة كل شيء مآله، لكنها تذكر في كلام الله في الغالب في الخير، ومعنى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] أي: أن التقوى سبيل للعاقبة الحسنة.

стр. 569

تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه) قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه:١٣٣]، (لولا) هنا بمعنى: هلا، وليست امتناع لوجود، وهذا قاله الكفار -عياذاً بالله- وكأنه لم يكفهم القرآن، ولهذا قال الله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٥١]. والمقصود: أنهم يقولون: نريد بينة، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه:١٣٣]، ما هو الذي فيه بينة ما في الصحف الأولى؟ هو القرآن، فالله جل وعلا جعل القرآن مهيمناً على الكتب التي سبقت، فكلها أخبرت بنزوله، والقرآن حوى مجملها وما دلت عليه وما أرشدت إليه، وهو المهيمن عليها، فإذا كان لم يكفيهم القرآن فلن يكفيهم شيء أبداً، وإنما يقولون هذا تعنتاً؛ بل القرآن هو خاتم الكتب السماوية المنزلة، وهو المهيمن عليها، نعته الله جل وعلا بقوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه:١٣٣]، والصحف الأولى هي ما سبق من التوراة والإنجيل والزبور، وبينتها والحجة المهيمن عليها هو القرآن.

стр. 570

تفسير قوله تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله ومن اهتدى) قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤]، هذه الآية تبين أن الحجة في بعث الرسل، وأنه لولا أن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب لكان للناس حجة على ربهم، ولهذا قطع الله المعاذير، وأقام الله جل وعلا الحجج بإرساله للرسل وإنزاله للكتب. قال تعالى: ﴿لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤]، فطالبوا بالرسل قبل أن يقع عليهم الذل والخزي، وقد أرسل الله الرسل فلم يبق لهؤلاء القوم أي حجة. ثم قال الله على لسان نبيه ليختم هذه السورة المباركة: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥]، هذه الآية من أعظم دلائل التوحيد، وذلك أن النبي ﵊ جعل نفسه ومن آمن معه مثل هؤلاء في الانتظار: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ [طه:١٣٥]، أنا وأنتم ننتظر، أنا وأنتم متحفز للنهاية، أنا وأنتم مترقب لما سيكون، ولا يترقب لما سيكون ويتحفز لما سيقع إلا من كان لا يملك من الأمر شيئاً، وإلا لو كان يملك من الأمر شيئاً لقضاه وانتهى، فأنت تدخل داراً أنت ورفقتك وليس مع أحدة منكم مفتاح، فكلكم مشتركون تنتظرون صاحب الإذن صاحب المفتاح ليدخلكم، ولو كان مع أحدكم مفتاح لفتح الباب وانتهى الأمر. فهذا النبي يقول: أنا عبد مثلكم، أنا بشر مثلكم، أنا انتظر كما تنتظرون، وذلك حتى يبقى الكمال المطلق لله ﷻ . ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ [طه:١٣٥]، فإذا انتظرتم وانتظرنا (فستعلمون) يقيناً ﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥]، ولا يفهم أن أصحاب الصراط السوي مغاير لمن اهتدى، فإن الله لا يتكلم عن فريقين، إنما يتكلم عن طريق وسالكين لذلك الطريق. والمعنى: أحياناً يوجد طريق سالك صحيح مستقيم، ولا يوجد سالكون له، فالله جل وعلا يقول لهؤلاء الكفار على لسان نبيه: ستعلمون الطريق السوي الحقيقي الذي هو طريق الإيمان، والسالكين لهذا الطريق الحقيقي الذين هم أهل الإيمان، فـ (من) يعبر بها للعاقل، وإنما كسرت هنا ((وَمَنِ اهْتَدَى)) كسرت لالتقاء الساكنين؛ لأن الهمزة التي بعدها همزة وصل، والهاء ساكنة. نعود فنقول: إن الله جل وعلا لا يتحدث عن فريقين، إنما يتحدث عن طريق ومن سلكه، وقد يأتي في أنفس الذين يقرءون القرآن -وهذا من ربط سور القرآن بعضها ببعض- قد يأتي في أنفسهم: متى ينتهي هذا التربص؟ إلى متى هذا الانتظار؟ متى سيكون؟ أسئلة ترد فستعلمون متى سوف نعلم؟ وقد ورد الجواب في أول سورة الأنبياء: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء:١]، هذا هو الجواب فليس ببعيد هذا التربص وهذا التحفز، ولهذا قال الله بعده في الأنبياء: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]، وهذا من التناسب ما بين سور القرآن الكريم.

стр. 571

فوائد مستنبطة من سورة طه هذا جملة ما يمكن أن يقال إجمالاً عن هذه السورة المباركة، وجملة الفوائد فيها: أن يعلم أن القرآن معجز في ذاته، وهذا الإعجاز ذكره الله جل وعلا هنا تشويقاً في ثلاث مراحل، فذكره في أول السورة: ﴿طه﴾ * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢]، وذكره قبل النهايات: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه:١١٣]، وذكره هنا ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه:١٣٣]، ففي هذه الثلاثة المواضع ذكر الله جل وعلا القرآن ليبين رفيع قدره وعظيم شرفه، وقد قال في شرف القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤] أي: وشرف لك ولقومك وسوف تسألون عنه هذه واحدة. الثانية: ذكر الله جل وعلا في هذه السورة المباركة إجمالاً خبر كليمه موسى ونبيه آدم عليهم الصلاة والسلام، ولم يذكر الله في هذه السورة قصة أحد من الأنبياء غير موسى وآدم، والعجيب أنه ليس في القرآن سورة اسمها سورة موسى، رغم أن موسى ﵇ ذكر في أكثر من موضع. وهذا -إن صح التعبير- يدخل فيما قلناه سابقاً: أن الله جل وعلا لا يعطي أحداً كل شيء، إنما ذكر يونس؛ لأنه عاتبه عتاباً شديداً فسميت سورة باسم يونس، وذكر موسى كثيراً في القرآن لكن لم تسم سورة باسمه ﵇، ونبينا ﷺ سميت سورة باسمه: سورة محمد، وتسمى أحياناً: سورة القتال، وتسمية سور القرآن تسمية توقيفية مبنية على فعل النبي ﷺ ، فهي مبنية على أمر الله من حيث الجملة، لكن عموماً ثمة ملحوظات يقع عليها المرء تبين له كيف أن الله جل وعلا يوازن بين عباده، والله يقول: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٢٧]. والمقصود: أنه حتى الناس لو تأملتهم فستجد من أعطي عافية ومالاً يحرم من أشياء أخر قد لا تظهر لك، ومن أعطي قلة مال قد يعطى أولاداً، وقد يوجد أحد عنده أموال ويتمنى الولد، وقد يوجد مبتلى لكنه معطى أموراً أخر غير التي فيها بلاؤه، وقل أن ترى عبداً إلا وفيه أثر النعمة وأثر الابتلاء، ولا نقول: نقمة، بل يبتليه الله جل وعلا به، فإن لم يحسن التعامل مع ذلك الابتلاء انقلب إلى نقمة، وإن أحسن التعامل انقلب إلى عافية ورفع درجات. لكن من العبد الخالص الذي يستحق أن يفوز بجائزة ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢]؟ هو من كان قلبه -بصرف النظر عن ماله وولده ومسكنه وجامعه وعلمه- من كان قلبه معلقاً بالله، لا يوجد أحد حي لا يملك قلباً، يتفاوت الناس في المال وفي الولد وفي العلم وفي الطول والقصر، لكن لا يوجد أحد حي لا يملك قلباً. إننا نريد منا جميعاً أن نعلم أن الغاية من خلقنا أن تعترف قلوبنا بخالقها وتذعن له وتعبده وحده: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله)، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. فلا يوجد أحد ساد وعنده ما ليس عندك، فعنده قلب وعندك قلب، وهو مقام التحاكم وموئل العبادة، وهو موضع محبة الله وبغضه عند أهل الكفر، وطاعته ومعصيته عند العصاة، فكل الأمور معلقة بمدى اتصال هذا القلب بالخالق، وما الجوارح إلا شواهد ودلائل وقرائن على مدى اتصال القلب بالخالق سبحانه. علمنا الله وإياكم ما ينفعنا، ونفعنا الله وإياكم بما علمنا، وصلى الله على محمد وعلى آله، وأرجو أن يكون فيما قلناه في سورة طه نفعاً لمن سمعنا وشاهدنا، نسأل الله لنا ولكم التوفيق. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد الله رب العالمين.

стр. 572

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة النور [ ١] تضمنت سورة النور بيان جملة من الأحكام الشرعية العظيمة، وبيان جملة أخرى من آيات الله تعالى ودلائل قدرته والتعريف به سبحانه، وقد صدر الله تعالى أحكامها بذكر حد جريمة الزنا الصادرة من الزاني غير المحصن، وما يجب على المؤمنين فعله في حقه، كما صدرها تعالى ببيان أن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، وكذلك الزانية، وذلك حرام على المؤمنين.

стр. 573

بين يدي تفسير سورة النور الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وحده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا الدرس قد يكون فيه نقلة نوعية؛ إذ قد اعتدنا على الحديث عن السور المكية، وكنا قد ذكرنا في أول هذه الدروس أننا سنعنى به بترتيب السور حسب نزولها على ما حرره أهل العلم في ذلك، لكننا عد لنا عن ذلك إلى أن نعرض السور المدنية، رغبة في أن يشمل الحديث الأحكام كما شمل العقائد. وبناءً على هذا فإن السورة التي سنعنى بها في هذا الدرس هي سورة النور، وهذا الاسم توقيفي لا يعرف للسورة اسم غيره، وقد نقل عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قال: علموا نساءكم سورة النور. ونقل عين هذا القول أو قريب منه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. والسورة مدنية بإجماع علماء المسلمين ممن يعنون بعلم التأويل.

стр. 574

تفسير قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها) وهذه السورة صدرها الحق جل وعلا بقوله: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١]، وهو افتتاح غير مألوف في القرآن، فلا يعلم أن سورة من القرآن افتتحت بمثل هذا الافتتاح. والسورة في اللغة: المنزلة الشريفة العالية، وحق لسور القرآن أن يقال لها ذلك؛ فقد شرفت وعظمت تنزيلاً ولفظاً ومعنى، والعرب تطلق ذلك على ما عظم وشرف، قال قائلهم: ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب فإنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب والقرآن كله منزل من عند الله، ولكن الله قال هنا: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ [النور:١]، وقد أجاب العلماء عن هذا بقولهم: إن هذا للفت الانتباه وإرشاد العناية إلى ما تتضمنه هذه السورة المباركة من عظيم الأحكام الشرعية. ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١] وقد قرئ هذا اللفظ بالتخفيف (فرضناها)، وقرئ بتشديد الراء (فرَّضاها). والقراءة الأخرى المقصود منها أن أحكامها نزلت منجمة، أي أن السورة لم تنزل كاملة، وأياً كان المعنى فإن الأفضل أن يقال جواباً عن هذا كله: إن هذه السورة عنيت بالأحكام وعنيت بتعريف العباد بربهم، فما يتعلق بالأحكام عبر الله جل وعلا عنه بقوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١]، وما يتعلق بالعقائد والتعريف بالرب عبر الله جل وعلا عنه بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١]. والقرينة التي تدل على صحة هذا المنحى في التفسير قول الله جل وعلا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١]؛ فإن الدعوة إلى تذكر الشيء يلزم منها أن يكون الشيء مستقراً من قبل، ومعلوم أن الأحكام لم يكن للمسلمين علم بها من قبل، فلا ينطبق عليها قول الله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١] وإنما ينطبق على الآيات التي عنيت بالتعريف بالرب والإرشاد إليه، ومنها في هذه السورة قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور:٤٣]، وقول الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور:٤٥]، والآية التي من أجلها سميت السورة بسورة النور، وهي قول الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]. فهذه الثلاث الآيات لا تحمل أحكاماً، فلا ينطبق عليها قول الله: ﴿َفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١]، وإنما ينطبق عليها قول الله: ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١] وقلنا: إن قرينة ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١] تؤيد هذا المنحى، فقد جاءت عقب الآيات البينات ولم تأت عقب قوله تعالى: (فرضناها). وهذه الآية التي صدر الله جل وعلا بها هذه السورة هي توطئة وتمهيد، فبدأ الله بالأحكام فقال: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١]، وأجل الحديث عن الآيات، ولهذا جاء ما بعدها مناسباً للتمهيد، فبدأ الله بالأحكام قبل أن يبدأ بأمور العقائد في هذه السورة، لا أن العقائد ليست أهم من الأحكام، بل الحديث هنا عن سورة مدنية نزلت بعد أن استقرت العقائد في أنفس المسلمين، ولا غنى للخلق عنها.

стр. 575

تفسير قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) قال سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]. إن من الأمور المطلوبة تصور الأشياء تصوراً كلياً يعين على فهمها، فهذه الآية تتحدث عن حد الزنا. وقبل أن أشرع في الحديث عن تفسير الآية أؤصل للمسألة فأقول: إن الإسلام جاء بحفظ الضرورات الخمس: الدين والعقل والمال والنفس والعرض. ثم شرع حدوداً تحفظ هذه الضرورات الخمس، فبحد السرقة يحفظ المال، وبالقصاص تحفظ الأنفس، وبحد الزنا والقذف تحفظ الأعراض، وبحد السكر يحفظ العقل، وبإقامة هذه الأربع جميعاً يحفظ الدين، هذا التحرير الأول. والحد: عقوبة مقررة شرعاً في معصية استيفاءً لحق الله جل وعلا، ويجري معه في ذلك القصاص، ولكن ثمة فارق بين القصاص وبين الحد، فالقصاص ترك الله جل وعلا أمره لأولياء الدم أو الجناية، فلا يصبح وضع ولي الأمر إلا التنفيذ، فلو أن رجلاً قتل رجلاً فإنه يتعلق بقتل ذلك الرجل ثلاثة حقوق: حق لله العلي الكبير، وهذا الحق يسقط بالتوبة. وحق للمقتول عينه، وهذا الحق لا يسقط أبداً، ويستوفى يوم القيامة. وحق لأولياء الدم، وهذا هو الذي يدور كلام الفقهاء في فلكه. فأولياء الدم مخيرون بين القصاص والقبول بالدية زادت أو نقصت بحسب التراضي، أو العفو، فيصبح دور ولي الأمر هو تنفيذ القصاص، أو إجراء آلية قبول الدية. وأما الحدود فتختلف عن القصاص في هذا المعنى، ونحن أن الحدود حق لله لا تسقط بعوض ولا بدون عوض، ولا تجوز الشفاعة فيها، بينما تجوز الشفاعة في القصاص، ونحن نسمع أنه قد يأتي ثري أو وجيه إلى أولياء الدم فيرضيهم بأموال تزيد على الدية رغبة في حفظ دم آخر، فهذا يجوز شرعاً؛ إذ يقول ربنا ﷻ : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨]. وأما الحدود فهي في منأى عن هذا، فلا حد الزنا ولا حد القذف ولا حد السكر ولا حد السرقة يدخل في شيء من ذلك، بل يجب استيفاء تلك الحدود إذا رفع الأمر إلى السلطان، ولا تجوز الشفاعة فيها. فهذا التمهيد موطأ ممهد مهم قبل أن نشرع في فهم الحدود. والحد المذكور في هذه السورة هو حد الزنا، والزنا أمر معروف، وإن من أكبر المعضلات توضيح الواضحات. والله تعالى لم يعرف الزنا؛ لأن الزنا معروف، ولم يعرف القتل؛ لأن القتل معروف من قبل أن ينزل القرآن.

стр. 576

تكييف أنواع قضاء الوطر وقبل أن نشرع في الفهم الفقهي أريد أن أبين مسألة مهمة، وهي أن الرجل له وطر يقضيه من المرأة، والمرأة لها وطر تقضيه من الرجل، وهذا الوطر -وهو الجماع والوطء- إذا تحقق عن طريق إيجاب وقبول ومهر وولي وشاهدين وأعلن سمي نكاحاً شرعياً، وكان من سنن الأنبياء والمرسلين، والغاية منه الوطء وقضاء الوطر. وإذا تحقق عن طريق إرغام الرجل المرأة تحت تهديد السلاح فإن الرجل يسمى مغتصباً زانياً يقام عليه الحد، والمرأة لا يلحقها شيء في الشرع؛ لأنها مجبرة مكرهة لا خيار لها. وإذا تحقق عن طريق التراضي بين رجل وامرأة سراً فإنه يسمى زنا، وفيه الحد عليهما. وإذا تم عن طريق التراضي من غير طريق النكاح واشترطت المرأة مالاً فإنه يسمى بغاء، فتعتبر المرأة التي تصنع هذا الصنيع بغياً، أما الأولى فتعتبر زانية. فالزانية من لا تطلب أجراً؛ لأنها تستفيد من قضاء وطرها، وأما من تشترط الأجر وتتخذه مهنة فإنها تسمى بغياً، والمقصود في الأحوال الأربعة هو المتعة الجنسية في المقام الأول، ومع ذلك فإن أحدها من أعظم السنن، وأحدها لا يلحق المرأة به شيء، وأحدها زنا يجلب الحد، والرابع زنا كذلك يجلب الحد، ولكن المرأة تسمى فيه بغياً. والمقصود من هذا أن الإنسان قبل أن يحكم على الشيء عليه أن يعرف واديه في الشرع، ومجراه في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولا يصح أن يعمل بنص ويهمل آخر، أو أن ينظر إلى نصوص الشرع نظرة جزئية فيجعل بعض النصوص مهيمناً على النصوص كلها، فهذا خطأ منهجي، بل قبل أن يتفوه الإنسان بالحكم الشرعي يجلب كل النصوص التي في الباب، وينظر إلى الشريعة إجمالاً، فيتبين له بعد ذلك الحق من غيره، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥].

стр. 577

حد الزاني والحد هنا هو حد الزنا الذي يتعلق بالزاني أو الزانية البكرين غير المحصنين، وإنما أخرجنا المحصن من هذه الآية لأن حد الزاني أو الزانية المحصن إنما هو الرجم بالسنة المتواترة التي لا تقبل الدفع عن رسول الله ﷺ ، رواها أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وخالد وجابر، وغيرهم من الصحابة. فهي سنة لا تقبل الدفع، خلافاً لمذهب الخوارج الذين لا يرون إقامة الرجم، ويحتجون بأنه لم يذكر في كلام الله، ونحن لا نريد أن ننحو بالتفسير منحىً فقهياً تاماً، فهذا خطأ منهجي في النظر إلى الآيات، ولكننا نعرج على ما نحتاج إليه من كلام الفقهاء، فنقول بداية: إن الحد المقصود به هنا هو حد الزاني أو الزانية البكرين غير المحصنين. وهذا الحد حدده الله نصاً ولم يترك لأحد تحديده، فقال ربنا ﵎: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وهذا أعلى حدود الجلد في الإسلام، وبعده حد القذف وقدره ثمانون جلدة.

стр. 578

جلد الزاني وكيفيته الشرعية قال ربنا ﵎: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢] بدأ الله بالمرأة هنا؛ لأن الزنا لا يتم لو لم توافق المرأة، ولذا يفرق بين الزنا والاغتصاب، فالاغتصاب زناً في حق الرجل وليس زناً في حق المرأة، فلا يقام عليها حد، ولكن الزنا الذي يكون بالتراضي لا يمكن أن يقام ويقع بدون رضاً من المرأة، فهي المطاوعة، ولهذا قدمها الله تعالى في الذكر فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]. والجلد يكون بسوط لا جديد ولا خلق؛ لأن المقصود التأديب وليس المقصود الإهلاك، فلا يكون السوط جديداً حتى لا يكون سبباً في هلاك المجلود، ولا يكون خلقاً فلا يتضرر منه، ومن ثم لا يبقى هناك معنى لإقامة الجلد، ثم إن من يقوم بعملية الجلد لا يرفع يده عالياً ولا يرخيها وإنما يفعل الوسط بينهما. وأما الذي يجلد فالأصل أنه الظهر؛ لقول النبي ﷺ : (أو حد في ظهرك)، ولكن قال أهل العلم: يتجنب مواطن المقاتل، ويتجنب الرأس والعورة وما يخشى أن يؤدى إلى إهلاكه، فيضرب في البطن مثلاً، أو يضرب في أعلى الظهر وأسفله وأوسطه وما أشبه ذلك، وفي أسفل رجليه، فهذه كلها مواطن يتم فيها الجلد.

стр. 579

حكم الرأفة بالحدود في دين الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢] الرأفة مصدر (رأف)، وهي حالة تنتاب الشخص إذا رأى ما يحزنه في المرءوف به، والمعنى أن إقامة حد الله جل وعلا وما ينجم عن ذلك من مصالح أعظم من المصلحة الناجمة عن الرفق بذلك الذي سيحد. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور:٢]، وهذا قيد المقصود منه إثارة ما في القلب من نصرة للدين، ولكنه لا يطبق حرفياً، بمعنى أنه يأتي أحد فيقول لمن أصابته رأفة على مجلود: إنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فيخرجه من الملة. فلا يمكن أن يقول عاقل بهذا، وهذه مسألة يقع فيها كثير من الفضلاء، حيث يأتون إلى القيد فيقلبونه فيحتجون به على مسائل عديدة، ولو استقام القلب لاستقام كل شيء، ولكنه لا يستقيم، فلا بد من أن ينظر في قرائن أخرى حول النص. فالآية هنا لا يمكن أن يقال بمفهوم مخالفتها، وهو أنه إذا أخذتنا رأفة بذلك المجلود فمعنى ذلك أننا لا نؤمن بالله واليوم الآخر، فهذا محال، ولكن نقول: إن كمال الإيمان هنا منتف؛ لوجود قرائن أخرى تمنع أن نقول بكفر من يصنع ذلك. والمقصود من هذا هو التريث قبل إطلاق الحكم، وهذا هو الذي دل عليه كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .

стр. 580

بيان المقصود بإقامة حد الزنى قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]. المقصود بإقامة الحدود زجر الناس وإيجاد مجتمع مسلم يمتثل أفراده لشرع الله، فإن كانت الحدود تطبق في السر وفي الخفاء فلا معنى لإقامتها؛ لأن المقصود من إقامتها لن يتحقق بذلك، ولهذا نص الله أمراً، حيث قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]. واختلف في مقدار هذه الطائفة، فقيل: يكفي الواحد، وقيل: اثنان، وأعدل الأقوال -والعلم عند الله- أن أقل شيء عشرة، وأحسب -والعلم عند الله- أن هذا يختلف باختلاف البلدة التي يقام فيها الحد، فما يقام في المدن غير الذي يقام في المحافظات، وغير الذي يقام في القرى القليلة السكان، فالكثرة قد تعتبر كثرة في مكان وتعتبر قلة في مكان آخر.

стр. 581

تغريب الزاني ولم يذكر الله هنا إلا الجلد، وجمهور أهل العلم والخلفاء الراشدون على أنه يضاف إليه تغريب عام، لنطقه ﷺ بهذا في قصة الأجير الذي زنى بامرأة مستأجرة، حيث قال ﵊: (على ابنك جلد مائة وتغريب عام) أي: النفي. وهذا قول جمهور أهل العلم. وقال بعض الفقهاء: إن التغريب يرجع إلى الإمام، وهذا قول أبي حنيفة. والسبب في ذلك أصل مذهب أبي حنيفة، وذلك أن أصله أن الزيادة في النص تعني النسخ، وهذا الأصل حاكم للمذهب. ثم إنهم اختلفوا بعد ذلك في تغريب المرأة، فذهب مالك ﵀ إلى أن التغريب لا يقع على المرأة، وحجته أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مع غير ذي محرم، أو بدون محرم) وغير ذلك من النصوص الحاكمة في هذا الباب. وقد يقول قائل: يجبر المحرم على السفر معها، وهذا لا دليل عليه، والأظهر -والعلم عند الله- أن التغريب يقع على الرجال دون النساء؛ لأنه يخشى من تغريب النساء مفسدة أكبر من الأمر الذي تغرب من أجله، لكن إن ثبت أن أبا بكر أو عمر فعله فلا ريب في أن رأيهما أو رأي أحدهما مقدم على رأي من بعدهما. وهذه المسألة إحدى مسائل الأصول، أعني اتفاق الشيخين أبي بكر وعمر على مسألة، فهل يعد قولهما حجة أم لا؟ والجواب أنه لا يعد قولهما حجة، ولكن نقول: من ذا الذي يقدر على أن يعارض قولاً اتفق عليه الشيخان؟! قال جرير يسخر من الأخطل: ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر

стр. 582

تفسير قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة)

стр. 583

ذكر قول من حمل النكاح على الوطء وقول من رده ثم قال ربنا جل وعلا بعد ذلك: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣]. هذه الآية هي من جملة آيات معدودات اضطربت فيها أقوال أهل العلم اضطراباً شديداً، بل هي من أعظم آيات القرآن إشكالاً باتفاق المفسرين، وكل من نحا في تفسيرها لا يستقيم كلامه على إطلاقه. والإشكال الوارد عندهم -أي: الأكابر الذين نظروا في كتاب الله من قبلنا- هو أنهم اختلف عليهم فهم كلمة (ينكح) في قول الله جل وعلا: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ﴾ [النور:٣] فهل المقصود بها عقد النكاح أو المقصود بها الجماع والوطء؟ بمعنى: هل المعنى أن الزاني لا يجوز له أن يتزوج إلا زانية أو مشركة، أو المقصود أن الزاني لا يجامع ولا يطأ إلا زانية أو مشركة من غير زواج، أي: لا يزني إلا بزانية أو مشركة. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما -كما صح عنه في نقل صحيح-: المقصود بالنكاح هنا الوطء. وقال ابن القيم ﵀: وينبغي أن ينزه كلام الله عن مثل هذا. فانظر إلى التعارض بين القولين. وقال الزجاج: إن القول بأن النكاح هنا بمعنى الوطء مخالف لكلام الله، بمعنى أنه لا يعرف في القرآن. ولكن الآخرين الذين لم يرتضوا هذا دافعوا عن قول ابن عباس بحجج عدة: أولها أنهم قالوا رداً على الزجاج: ثبت في كلام الله أن النكاح يراد به الوطء في قول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]، فقد فسرتها السنة بقوله ﷺ : (حتى تذوقي عسيلته) فعبر عن الوطء بالنكاح. وأجابوا عن قول ابن القيم ﵀: إن هذا القول يجب أن ينزه عنه كلام الله -كما قال الشنقيطي ﵀ وغيره من قبل- فقالوا: إن القائل بهذا القول هو ترجمان القرآن وحبر الأمة، وهو من أعلم الناس بكلام العرب. والذي دفع ابن القيم ﵀ إلى أن يقول: إنه يجب أن ينزه كلام الله عن مثل هذا هو أنه يرى -كما رأى غيره- أنه لا تتأتى على هذا التأويل أي فائدة من الآية؛ لأنه يصبح معنى الآية: الزاني لا يزني ولا يطأ إلا زانية أو مشركة، والزانية لا يطأها أصلاً إلا زان مثلها أو مشرك، فقالوا: أين الجديد في المعنى؟! فهذا شيء مألوف معروف. والذي دفع ابن عباس وأمثاله إلى منعهم القول بأنه النكاح هو الاتفاق على أنه لا يجوز للمؤمن أن يتزوج مشركة، ولا يجوز للمرأة الزانية المسلمة أن تتزوج مشركاً، فهذا هو الذي دفعهم إلى القول بعدم كون المراد به عقد النكاح المعروف.

стр. 584

ذكر قول من حمل الآية على معنى الرغبة الغالبة وبعض أهل الفضل من العلماء يقول: إن الآية مسوقة فيما يجري مجرى الغالب، والمعنى من الآية: أن الله أراد أن الزاني لا يرغب في نكاحه إلا الزانية مثله أو المشركة، والزانية لا يرغب في نكاحها إلا زان مثلها أو رجل مشرك لا يؤمن بالله واليوم الآخر. فقالوا: هذا يجري مجرى الغالب؛ لأنهم يحاجون بأنه يوجد في الزناة من يرغب في الحرائر العفيفات، ويوجد في النساء الزواني من ترغب في الرجل العفيف. ونقول: إن الذين يكثر فيهم الشك في بيوتهم هم الذين كانوا على طرائق محرمة من قبل، فقول هؤلاء الأفاضل بهذا المعنى ينافي الواقع.

стр. 585

ذكر قول من حمل المشترك على معنييه ولا بد من حل هذا الإشكال، ولذا قال ابن تيمية ﵀: إن النكاح هنا مشترك لفظي، أي: أن اللفظ إذا كان يحتمل معنيين فإننا نقبلهما جميعاً، فنحمل أحدهما على أمر والآخر على أمر آخر. فالنكاح هنا جاء بمعنى العقد وبمعنى الوطء، فالوطء نحمله على المشركات والمشركين؛ لأن النكاح لا يجوز بين مسلم وكافرة أو مسلمة وكافر، والنكاح نحمله على المؤمنين والمؤمنات. وهذا القول قال الشنقيطي معقباً عليه: ولا أعلم مزجاً واضحاً من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعض تعسف. ثم ذكره. وحمل المشترك على معانيه جائز في العربية، حيث يجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد، تقصد أن اللصوص عدوا على إحدى عينيه فعوروها، وعدوا على عين مائة فغوروها، وسلبوه الذهب والفضة، أي: عين ماله. والحق أن هذا القول بعيد جداً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]. وحمل المشترك اللفظي بهذه الأمثلة على كلام الله بعيد جداً، خاصة أن القرآن مخاطب به عموم الناس، والله يتكلم عن مسألة اجتماعية يحتاج إليها البر والفاجر وسائر الناس، ولا يتكلم عن مسألة عظيمة التعقيد، وإنما يتكلم عن مسألة اجتماعية يهذب بها المجتمع رجالاً ونساءً، فيبعد أن يكون هذا هو الحل.

стр. 586

ذكر القول بنسخ حكم الآية الكريمة وبقي هناك قول يبدو لنا أنه أقرب الأقوال إلى الصواب، ولكن الذين ردوه لم يتأنوا -والله- في الرد، ولو تأنوا لأبصروه جيداً. وهذا القول هو قول سعيد بن المسيب ﵀ وأخذه عنه الشافعي وأيده، وهو أن الآية منسوخة، فالله يقول: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] فالذين لم يرضوا بأنها منسوخة قالوا: الآية في الخاص؛ لأن وصف الزنا في المرأة والرجل وصف خاص، وقول الله جل وعلا: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى﴾ [النور:٣٢] عام، وقد اتفق الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة على أن العام لا ينقض الخاص ولا ينسخه، فقالوا: قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] لا يُنسخ آية الزاني؛ لأن آية ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور:٣] آية خاصة، والعام لا ينسخ الخاص. هذا هو قولهم، إلا أن هناك قرائن أخرى تدل على ما ذكرته تحتاج إلى تريث، وسأحاول بقدر الإمكان أن أبينها لك. فينبغي أن يفهم أن هذه السورة نزلت في العام الخامس، والعام الخامس كانت فيه حادثة الإفك في غزوة المريسيع، فسورة النور تحدثت عن الإفك، وإذا عرفت زمن نزول السورة عرفت أن نكاح المشركات من المؤمنين وقتها كان قائماً، ونكاح المؤمنات من المشركين كذلك كان قائماً، والدليل على ذلك أن الآية التي نسخت نكاح المؤمنات من المشركين في سورة الممتحنة، وسورة الممتحنة نزلت بالاتفاق بعد الحديبية، والآية هي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]. فالله عندما تكلم في سورة النور لم يكن في ذلك الوقت قد حرم جل وعلا نكاح المؤمنات من المشركات. وأما نكاح المؤمن من المشركة فإننا نقول: حرمه آية البقرة: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:٢٢١]. فأوجه الأقوال أن نقول: إنها نزلت بعد سورة النور، فعلى هذا نقول: إن النكاح هنا بمعنى العقد، وهو الكثير المستعمل في القرآن، فيصبح معنى الآية: أنه لا يليق بالمؤمن ولا يجوز له أن ينكح زانية، ولا يجوز للمؤمنة أن تنكح زانياً، فالزاني لا ينكح إلا زانية مثله أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان مثلها أو مشرك، ثم نسخ هذا الأمر جملة، أي: نسخ نكاح المؤمنات من المشركين بآية الممتحنة، ونسخ نكاح المؤمنين من المشركات بآية البقرة. وأما نكاح الزواني فالدليل على أنه جائز عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، وقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣]، وقوله جل وعلا: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] واضح؟ وهذا القول في ظني -والعلم عند الله- أظهر من غيره؛ لأن غيره يحتاج إلى تعسف قد يكون صعباً قبوله، وقد قلت: إن هذا هو مذهب الشافعي وسعيد بن المسيب، ويؤيده عقلاً أننا نقول: إنه ينبغي أن ينظر في حال القائل، فإن لحال القائل دوراً في القول لا يصح إلغاؤه بالجملة. وسعيد بن المسيب أحد أجلاء التابعين، وكان يحفظ كثيراً من الآثار المنقولة عن عمر، بل احتج بمراسيله الشافعي وبعض العلماء خاصة إذا حدث عن عمر، فـ سعيد بن المسيب يقبل قوله، ونقول: إن الذي دفع سعيداً إلى القول بأنها منسوخة علمه بالآثار، وقد تكون هذه الآثار ليست موجودة لدينا، ولكن نقول: إن غالب الظن أن لا يتجرأ سعيد ﵀ على القول بأنها منسوخة دون أن يعضده أثر قد سمعه؛ لما علم من تقوى الرجل. ثم إن الآخرين من الفضلاء الذين ردوا هذا النسخ ردوه بالقاعدة التي سبق أن بيناها وهي أن العام لا ينسخ الخاص، وقد حررنا أن العام ليس آية واحدة، بل هو عدة آيات تعاضدت فأخذنا بها وقلنا: إنها تنسخ الخاص. وبينا أنه ينبغي النظر في زمن نزول السورة بقدر الإمكان، ففهمنا من سورة الممتحنة أن نسخ نكاح المؤمنات من المشركين كان بعد الحديبية، وصحيح أننا في آية البقرة لا نعرف زمناً، ولكن نستطيع أن نقول بذلك من حيث الإجمال العام الذي يتفق مع تفسير هذه الآية. فهذا هو ما يمكن أن يحرر في قول الله جل وعلا: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣].

стр. 587

التغليظ في شأن الفواحش وقال بعضهم: إنما هذا خبر أريد به تشنيع الأمر وبيان فظاعة الزنا عند الله، وهذا كله يسوقنا إلى أن نقول: إن ما تكلمنا عنه سابقاً يعنى بتدوين المسألة فقهياً، والقرآن لا يخاطب العقل فقط، بل يخاطب العقل والقلب؛ فإن الله جل وعلا لم يتعبدنا بالمعرفة فقط، وإنما تعبدنا بالعلم بالمعرفة، فكل الناس يعلمون أن الخمرة تسكر، والإنسان لا يثاب على علمه بأن الخمر تسكر، ولا يعاقب على علمه بأن الخمر تسكر، ولكنه إذا تركها من أجل الله يثاب، وإذا فرط فيها وشرب منها ولم يعظم تحريم الله لها يعاقب، فالله لا يتعبد أحداً بالمعرفة. فما قلناه هو معارف، ولا بد من مخاطبة القلوب، بأن تفهم من سياق الآية أن الله يبدأ بسورة يَنزل بها ملكٌ عظيم مثل جبريل من السماوات السبع ويقول في التمهيد لها: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١] ويمهد للقول بها. ثم يشنع على أصحاب هذه المعاصي فيقول: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور:٢] وهو أرأف بنا من أنفسنا، ويقول: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور:٣]، ويقول في خاتمتها: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣]، كل ذلك يبصر المؤمن -إذا جمعه مع غيره من الآيات- بعظيم هذه الفاحشة، وقد قال الله في الإسراء: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]. وقد قال أهل العلم: إن هناك ثلاث معاصٍ حرمها الله جل وعلا في جميع الشرائع والأديان: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، والزنا، وجمعها الله في سورة الفرقان فقال: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨]. وعلى النقيض من قضية تعظيم الزنا تأتي نصوص شرعية ترغب في العفاف وتبين عظيم أجره ومآل أهله عند الله ترغيباً لهم في ترك هذه الفاحشة، حيث يقول ﷺ -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -: (سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله -وذكر منهم:- ورجلاً دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله). ويقول الله جل وعلا عن نبيه يوسف بن يعقوب ﵇: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٣ - ٢٤]. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]. وقد اشتهر عند العلماء أن الزنا أشبه بالدين، وأن الإنسان إذا صنعه في أهل بيت رد ذلك في أهل بيته، وينسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قوله: إن الزنا دين فإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلم والحق أنا لا نؤمن بقول الشافعي هذا على عظيم إجلالنا له وحبنا إياه؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]. ثم إن هذا القول يدفع الناس إلى باب شر عظيم، فقد يكون لأحد الناس سابقة في الزنا وفي الفواحش عياذاً بالله، ثم يمن الله جل وعلا عليه بالتوبة بعد أن ستره، فإذا قررنا ما قاله الشافعي ﵀ -إن صحت نسبة الأبيات إليه- أضحى ذلك الرجل شاكاً مرتاباً في زوجته أو بناته، وهذا غير حق وغير عدل، ولكن نقول من حيث الجملة: إن الزنا -والعياذ بالله- من أعظم الفواحش وأجل الكبائر، وقد حرمه الله وحرمه رسوله ﷺ . ومما جاء في التغليظ فيه أن النبي ﵊ رأى الزواني والزناة عراة في تنور ضيق من أسفله واسع من أعلاه توقد من تحته نار. قال بعض العلماء -كالحافظ ابن كثير وغيره-: هذا من جنس صنيعهم، فكما هتكوا ستر الله عليهم في الدنيا هتك الله عنهم الستر في حياة البرزخ.

стр. 588

أهمية سد الذرائع والزنا له طرائق، وأسباب تؤدي له، ومن أعظمها: كثرة رؤية الرجل للمرأة، وكثرة مخالطة المرأة للرجال. وسد الذرائع أمر مقرر شرعاً، ولكن بقدر، فلا يفتح باب سد الذرائع على إطلاقه، ولا يغلق أبداً، ولكن الأمور تختلف من بيئة إلى بيئة، ومن مكان إلى مكان، وتقيد بقيود الشرع، ولكن قد قالوا: إن السلامة من سلمى وجارتها ألا تمر على سلمى وواديها فما تبثه الفضائيات والقنوات والشاشات من صور خليعة وأفلام ماجنة وغيرها لا ريب في أنه من أعظم أسباب انتشار الفاحشة بين الناس عياذاً بالله. فالذي يكثر من النظر إليها يكون أقرب إلى الوقوع في الحرام، وقد أخبر النبي ﷺ بأن من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وهذا حق ولا ريب؛ لأنه قول النبي ﷺ ، ثم إن الواقع يشهد له شهادة عظيمة.

стр. 589

درء الحدود بالشبهات فهذه الثلاث الآيات ذكرت حد الزنا في فواتح سورة النور كما بيناها، وذكرنا في أولها الفرق بين الحد والقصاص. ومن الفوارق بينهما كذلك أن الله جل وعلا جعل الحد لا يسقط ولا تجوز فيه الشفاعة، ولكن يسر الله على لسان رسوله دفع الحد بالشبهات، حيث قال ﷺ : (ادرءوا الحدود بالشبهات). ومن جملة ذلك ما يروى عن جماعة من الناس أتوا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه يستعدونه شاعراً يقال له: النجاشي، فاسقاً في لسانه، فهجا قوماً يتهمهم بما ليس فيهم، فكان عمر يدرأ الحد عنه بالشبهة، فكان يقصد بالبيت شيئاً فيحمله عمر على معنى آخر مع أنه ضليع في لغة العرب، حيث قال يهجو بني العجلان: قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل فقال عمر: ليت آل الخطاب كذلك. فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنه يقول: ولا يردون الماء إلا عشية إذا صدر الوراد عن كل منهل فقال عمر: ذلك أخف للزحام وأصفى للماء. مع أنه أراد ضعفهم وعجزهم، وأراد عمر أن يغير المعنى، فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنه يقول: تعاف الكلاب الضاريات لحومهم وتأكل من كعب بن عوف ونهشل فقال عمر: أجن القوم موتاهم. يعني: هؤلاء قوم طيبون يدفنون موتاهم فلا تصل الكلاب إليهم. فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنه يقول: وما سمي العجلان إلا لقولهم خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل فقال عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه: كلنا عبد، وخير القوم خادمهم. وكلما ذكروا بيتاً خرج به عمر مخرجاً آخر، وهو يعلم مقصده، لكن هذا من باب: (ادرءوا الحدود بالشبهات) حتى وصلوا معه إلى أبيات لا يمكن دفعها، فجلده تعزيراً. والذي يعنينا أن الإنسان يدرأ الحدود بالشبهات بقدر الإمكان، ومن أجل هذا أيضاً علق عمر حد السرقة في عام الرمادة؛ لأن شبهة الجوع والفقر وحاجة الناس كانت طاغية عامة من البلاء العام، فلم يقم الحد في ذلك العام، ولا يقال: ألغى عمر الحد، فهذا ليس لعمر ولا لغيره، ولكن علقه ﵁ وأرضاه اجتهاداً لحاجة الناس آنذاك من باب قوله ﷺ : (ادرءوا الحدود بالشبهات). فهذا -أيها الأخ- ما تيسر قوله حول الثلاث الآيات الأول من سورة النور. وفي الدرس القادم سنعرج على قضيتين أخريين، وهما قضية حد القاذف وقضية الملاعنة، ونكتفي بهما بإذن الله ﵎. وهذا ما تيسر إيراده وتهيأ قوله وأعان الله على أن نمليه، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 590

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة النور [٢] من جملة أحكام الشريعة الواردة في سورة النور ما يتعلق بحكم قذف المؤمنين والمؤمنات، فقد أوجب الله تعالى في ذلك على القاذف الإتيان بأربعة شهود، وأوجب عليه عند العجز عن ذلك حداً في ظهره، فيجلد ثمانين جلدة تطهيراً للمجتمع وصيانة لأعراض المؤمنين عن المساس، ولما كان القذف -وهو تهمة المقذوف بالزنا- كان على الزوج إقامة البينة على قذفه امرأته أو الحد في ظهره، وفي ذلك مشقة عظيمة وحرج كبير على الأزواج، فشرع الله ﵎ حكم الملاعنة استثناء لقذف الزوج من الحكم العام في القذف.

стр. 591

تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء)

стр. 592

ذكر ما يترتب على القذف من أحكام بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له اعترافاً بفضله وإذعاناً لأمره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فغني عن القول أن يقال: إن هذا الدرس له ارتباط وثيق بالذي سبق، وقد شرعنا في الدرس الأول في تفسير فواتح سورة النور، وأخذنا الثلاث الآيات الأول منهن، وبينا أن الله جل وعلا قال: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١] إشارة إلى الأحكام، وتكلم الله جل وعلا فيها عن حد الزنا. ثم ينتقل بنا القرآن إلى حد آخر، وهو حد القذف، حيث يقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤]، وذكر تعالى أنه طلب منهم أربعة شهداء، فقال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] وهذا الحد يسمى حد القذف. وإذا تلبس المرء بجريمة الزنا فإنها تثبت عليه بواحد من ثلاثة: إما باعترافه بنفسه، وهذا هو الذي ثبت به الزنا في عهد النبوة، كقصة ماعز والمرأة التي من غامد. وإما بشهود أربعة، وهذا لم يقع في عهد النبوة. وإما بأن تحمل المرأة وليس لها زوج معروف، فهذا ما يتعلق بحد الزنا. أما الآية التي بين أيدينا فتتحدث عن حد القذف، والله جل وعلا قد أمر من قذف بأن يأتي بأربعة شهداء، فإن لم تقع تلك الشهادة على الوجه الذي أمر الله جل وعلا به ترتب على هذا الأمر ثلاثة أحكام: الأول: أن يجلد القاذف ثمانين جلدة. الثاني: ألا تقبل له شهادة أبداً. الثالث: أن يعتبر فاسقاً. ثم جاء الاستثناء بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران:٨٩].

стр. 593

أثر الاعتراف في إقامة الحدود وقبل أن نشرع في الآية أقول: ذكرنا أن الزنا يثبت بواحدة من ثلاث، ومنها اعتراف المرء، وهذا الاعتراف يحكم به على إطلاقه، إلا فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بأنه ارتكب ما يوجب عليه الحد، فأكثر العلماء من أهل التحقيق على أن الشاعر إذا اعترف في شعره بما يوجب الحد عليه لا يقام عليه الحد؛ لأن الله جل وعلا برأهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٥ - ٢٢٦]. ومما يستأنس به أن عمر رضي الله تعالى عنه ولى رجلاً يقال له: النعمان بن عدي نيسان من أرض البصرة، وذات يوم خلا النعمان بنفسه وكان يحب الشعر ويقوله، فطفح به الكيل وفق تعبيره فقال يتغنى شعراً: ألا هل أتى الحسناء أن حليلها بميسان يسقى من زجاج وحنتم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلم لعل أمير المؤمنين يسوؤه تنادمنا بالجوسق المتهدم فبلغ عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه ما قاله النعمان فقال: والله إنه ليسوؤني، ومن لقيه فليخبره أنني عزلته، ثم كتب إليه: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ. ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:١ - ٣]. أما بعد: فلقد بلغني قولك: لعل أمير المؤمنين يسوؤه تنادمنا بالجوسق المتهدم والله إنه ليسوؤني، وقد عزلتك. فقدم النعمان من أرض ميسان من أرض البصرة إلى المدينة فواجهه عمر بالشعر الذي بلغه، فقال: يا أمير المؤمنين! يعلم الله أنني ما شربتها قط، ولكنه شيء طفح به شعري. فقال عمر ﵁ وأرضاه: وأنا أظن ذلك -أي: أعتقد صحة قولك في أنك لم تشرب- ولكنك لن تلي لي عملاً؛ لأنك تحدثت في شعرك عن الخمر. قال أهل العلم: إن عمر ﵁ وأرضاه لم يقم الحد عليه رغم أن هذا الوالي في شعره كان صريحاً في أنه شرب الخمر، فهذا الاستثناء يخرج من قولنا: إن الزاني إذا اعترف بزناه يقام عليه الحد، فإذا اعترف في شعره لا يقام عليه الحد. وثمت رواية أخرى تؤيد هذا المنحى للفرزدق مع سليمان بن عبد الملك، ولكن الذي قاله الفرزدق ظاهر الفحش عظيم البذاءة. فهذا تحرير قضية استثناء الشعراء من الاعتراف.

стр. 594

فضيلة ستر معايب الناس إن الله جل وعلا يتكلم عما يحفظه المجتمع المسلم، فقد جعل لنا أعيناً وألسناً، وبمقدار ستر المرء لمعائب الناس يكون ستر الله جل وعلا لمعايبه، وقد نص أهل العلم -كما قال سعيد بن المسيب وغيره- على أنه لا يخلو أحد من أهل الفضل -مهما بلغت درجته- من معايب فيه، ولكن لا يحسن إشهارها للناس، وعلى هذا يجب أن تفهم أن كثيراً ممن أعلى الله قدرهم إنما أوقعهم الله على معايب لغيرهم، فلما ستروها وقد وقعوا عليها ورأوها قدراً ستر الله جل وعلا عليهم معايبهم. وكثير ممن تسلطوا على أخطاء الناس وعوراتهم سلط الله جل وعلا عليهم غيرهم. وهذا كائن في النهج العلمي، فـ ابن حزم رحمة الله تعالى عليه كان يقال عنه: إن لسان ابن حزم وسيف الحجاج صنوان، فـ ابن حزم في (المحلى) أجلب بخيله ورجله على الأئمة الأربعة وعلى مالك على وجه الخصوص، ولذا يقال: إن السبب في إعراض الناس عن مذهب الظاهرية من حيث الجملة، وكتب ابن حزم على وجه الخصوص ما جعل فيها من جلب على غيره من الأئمة، ولو كان منصفاً ﵀ مع أولئك لجعل الله له إنصافاً عند الناس، وهذه سنة لله جل وعلا ماضية، وإلا فإنه لا يختلف اثنان ممن ذاقوا رحيق العلم في أن ابن حزم كان إماماً عظيماً جليلاً، ولكن غلبت عليه هذه الصفة فنجم عنها نفرة الناس عن كتبه، وهذه سنن لله جل وعلا لو تأملتها بتؤدة وتريث لوجدت أموراً عظيمة وخبايا عديدة يمن الله علينا وعليك بفقهها.

стр. 595

شمول حد القذف للرجال والنساء يقول تعالى في حد القذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، ولا يمكن أن يغير هذا الحد الشرعي، فجعل الله حد القذف ثمانين جلدة، وجعل حد الزنا مائة جلدة. والمحصنات: العفيفات، وليس ذكر النساء هنا المقصود منه الحصر، فقذف الرجال كقذف النساء، وقذف المحصنين كقذف المحصنات، ولكن لما كان الغالب أن القذف يقال في حق النساء ذكرهن الله تعالى هنا دون الرجال، فإن حاجك أحد في أن الرجال لم يذكروا فقل له: أجمعت الأمة على أن الرجال داخلون في ذلك، وإذا أجمعت الأمة فلا سبيل إلى نقض ذلك الإجماع. ولهذا فإن من العلم إذا أردت أن تبحث ألا تبحث في مسألة أجمع الناس عليها، ولكن انظر في مسائل الخلاف فلعلك تجد دليلاً ترجح به قولاً تختاره، أما ما اتفق الناس عليه فليس بمجال بحث أبداً؛ إذ لا تجتمع الأمة على ضلالة، خاصة إذا كان الإجماع مشتهراً معروفاً مقرراً. فالإجماع منعقد على أن القذف يقع في حق الرجل كما يقع في حق المرأة، وإن لم يسم الله الرجل. على أن بعض أهل التأويل يقول: (المحصنات) هنا ليس المقصود بها النساء، وإنما المراد المحصنات من الأنفس رجالاً ونساء. وهذا تخريج جيد، ولو فرضنا بعدم قبوله فإننا محكومون بالإجماع الذي حررناه من قبل.

стр. 596

أحكام القذف وما ترفعه التوبة منها يقول الله تعالى في حكم القاذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، وقد حررنا مسألة الجلد من قبل. ثم ذكر الله تعالى الحكم الآخر فقال: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:٤]، و (أبداً) تأتي في نفي المستقبل، ويقابلها في نفي الماضي (قط)، تقول: لن أفعله أبداً، وتقول عن شيء محكي: ما فعلته قط. و (قط) أحياناً تزاد بفاء التزيين فيقال: (فقط). قال تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤]، ثم قال ربنا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٨٩]. وقد وقع الإشكال بين العلماء في هذا الاستثناء، حيث مرت ثلاثة أحكام، فأيها يرفع الاستثناء إذا تاب الإنسان؟ وقد اتفقوا على أنه لا يرفع الجلد؛ ولأن الجلد حق للمقذوف، فإذا رفعناه لا يستفيد المقذوف من توبة القاذف. قذف رجل رجلاً بالزنا فإن كونه يتوب إلى الله لا ينتفع منه المقذوف بشيء، فلا بد من إقامة الحد. واتفقوا كذلك على أن الفسق ينتفي إذا تاب، ووقع الإشكال في قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:٤]، فإذا تاب هذا الذي قذف بعد أن أقيم الحد عليه فهل إقامة الحد عليه ثم توبته بعد إقامة الحد تجعلنا نقبل شهادته بعد ذلك أم لا؟ للعلماء في ذلك قولان: فمذهب الجمهور أنه تقبل شهادته، ومذهب أبي حنيفة ﵀ أن شهادته لا تقبل، وجعل الاستثناء مخرجاً له من دائرة الفسق فقط.

стр. 597

تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم)

стр. 598

المخرج الشرعي للأزواج من حد القذف العام ثم قال الله جل وعلا بعدها: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦]، هذه الآية الثانية جعلها الله مخرجاً للأزواج؛ لأن الإنسان إذا رأى امرأة غير زوجته مع رجل فإنه قد يصيبه شيء من الغيظ، ولكن لا يصل إلى درجة رؤيته مع زوجته، وحينئذٍ فإنه إذا أراد أن يقام الحد لزمه الإتيان بأربعة شهود، وقد يتعذر عليه ذلك، فيقول: أنا لا استطيع أن آتي بشهود، وهذا أمر لا يخصني. فهذه مسألة ظاهرة، والأمر فيها ليس بالكبير على الرائي، ولكن الحرج -عافانا الله وإياكم- أن يرى الرجل رجلاً مع زوجته، فإن قتل قُتِل، وإن تكلم طولب بأربعة شهداء، وإن سكت سكت على أمر عظيم، فجعل الله تعالى له المخرج بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦] وهذا تخصيص بعد العموم السابق، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦]، أما إذا كان لهم شهود فالمسألة قد حلت من قبل في آية القذف، وهذه آية الملاعنة وليست آية القذف. فجعل الله جل وعلا آية الملاعنة فك خناق عن الأزواج؛ إذ لما نزلت آية القذف طولبوا بأربعة شهداء، فإذ لم يأتوا بهؤلاء الأربعة طبقت عليهم تلك الأحكام الثلاثة، فضيق ذلك على الناس. ويقال: إن عويمراً العجلاني أرسل رجلاً يقال له: عاصم بن عدي إلى النبي ﷺ يسأله بعد نزول آية القذف: كيف يصنع الإنسان لو رأى رجلاً مع امرأته؟ فذهب عاصم إلى النبي ﷺ فسأله فأغلظ له النبي ﵇ في الجواب، فلما رجع عاصم إلى عويمر سأله عويمر: ما الخبر؟ فأخبره عاصم بأنه لم يلق خيراً من سؤاله هذا، ولكن عويمراً لم يصبر، وكأنه كأن يرتاب في زوجته، فأتى النبي ﷺ وأخبره، فقال ﵊: (البينة أو حد في ظهرك). فلما رجع وجد الذي كان يخشاه، فعاد إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية المعروفة بآية الملاعنة، وفيها نصرة لـ عويمر؛ لأنه لما قذف عويمر زوجته ولم تنزل الآية في نفس الليلة باتت الأنصار تقول: ليقامن غداً حد القذف على عويمر. بناء على الآية التي قبلها في حد القذف، فلما نزلت هذه الآية فك خناق، فقال الحق سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٦ - ٧]. فجيء بـ عويمر وجيء بزوجته بعد أن نزلت الآية، فأقسم عويمر قائلاً: أشهد بالله إنني لمن الصادقين فيما رميتها به، وفي الخامسة -وهي الموجبة- قال: أشهد أن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به. وجيء بالمرأة فقالت: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به، وقالت في الخامسة: أشهد بالله أن غضب الله علي إن كان من الصادقين فيما رماني به. ونقل أنها قبل أن تقول الخامسة خوفت؛ لأنها هي الموجبة، فتلكأت ثم قالت: والله لا أفضح قومي سائر اليوم، ومضت في يمينها، فقال ﷺ -كما روى أنس -: إن جاءت به كذا وكذا، -ذكر أوصافاً لـ عويمر - فقد ظلمها، وإن جاءت به سابق الإليتين، خذلج الساقين، أكحل العينين فهو لما رماها به؛ لأن شريك بن سحماء الذي رماها عويمر به كانت هذه صفاته، ثم إنها وضعت حملها، فجاء الولد شبيهاً بمن رماها به، فقال ﷺ : (لولا كتاب من الله كان لكان لي معها شأن)، ومعنى هذا أن الحدود إذا أقيمت والقضاء إذا تم فإنه يفرغ من الأمر، والمقصود هو إقامة حد الله، أما إصابة عين الحق فليست بواجبة على البشر.

стр. 599

صور الفراق بين الزوجين وما يترتب عليها هذه الآية تسمى آية الملاعنة، وينجم عنها أن الإنسان إذا فارق زوجته فإن الفراق قد يكون بطلاق وقد يكون بلعان، والطلاق يقع في ثلاث صور فإما أن يقع طلاقاً رجعياً، وإما أن يقع طلاقاً بائناً بينونة صغرى، وإما أن يقع طلاقاً بائناً بينونة كبرى. فأما إذا طلقها طلاقاً رجعياً فإن له أن يراجعها ما دامت في العدة، وهو أولى بها، وهذا لا خلاف فيه. فإن طلاقها طلقة أو طلقتين وقضت العدة ولم يراجعها فقد بانت منه، ولكن هذه البينونة تسمى بينونة صغرى، بمعنى أن له أن يعود إليها، ولكن بعقد جديد ومهر جديد. وأما إذا طلقها ثلاثاً فإنها تبين منه بينونة كبرى، وهذه الحالة قال الرب فيها: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]. فلا بد من أن تتزوج غيره لتحل له. وأما الملاعنة فإنها إذا وقعت لا تحل المرأة للزوج بعدها أبداً ولا يحل لها، ولا يمكن أن يجتمعا مرة أخرى، ولو تزوجت عشرات الأزواج بعده؛ لأنه إذا وصل الأمر بهما إلى أن يتهم الرجل زوجته أو ينتفي الرجل من ابنه فإن هذا معناه أنه محال أن تعود المياه بعد ذلك إلى مجراها بينهما. وأما الصغير الذي تم التلاعن من أجله فإنه يلحق بأمه ولا ينسب إلى الزوج.

стр. 600

توجيه ذكر اللعن في حق الرجل والغضب في حق المرأة وبعض الفضلاء من أهل العلم يستعجل في فهم قضية اللعن والغضب، وكذلك بعض المعاصرين ممن هم إلى الثقافة أقرب منهم إلى التأصيل، فيقولون: إن الإسلام يشدد على المرأة؛ فالله تعالى قال في حق الرجل: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٧]، وقال في حق المرأة: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور:٨ - ٩]، فذكر في حق المرأة الغضب، وهو السخط، وهو أشد من اللعن، وهم يفقهون بادي الرأي أن المسألة فيها ميل إلى الرجل ضد المرأة. وليس الأمر كذلك لو تأملته، فالرجل إذا قذف امرأته فلو قدرنا أنه كان كاذباً فإن غاية ما يمكن أن يوصف به الرجل أنه كاذب قاذف فإن الحد في حقه هو حد القذف، فكذبه موازن لحد القذف، ولكن لو قدرنا أن الرجل كان صادقاً فيما رماها به وكانت المرأة كاذبة في البراءة فإنها تكون زانية، وأيهما أعظم: القذف أم الزنا؟ و الجواب الزنا، فاللعن مناسب للقذف ويلزم الرجل، والغضب مناسب للزنا، فليست القضية قضية تفريق بين رجل وامرأة، وإنما القضية أن الرجل إذا كان كاذباً في دعواه فغاية الأمر أنه قذف زوجته بما ليس فيها، فيصل إلى مرحلة القذف، وهذا حقه اللعن، ولكن المرأة إذا كانت كاذبة في دعواها البراءة فهي لا تصبح قاذفة كزوجها، بل تصبح زانية يقيناً. فإذا أصبحت زانية فإن الزنا أشد من القذف، إذ الزنا حده في المحصن الرجم، والقذف حده الجلد ثمانين، فاللعن يوافق حد القذف، والغضب يوافق حد الزنا. فليست القضية قضية ممالأة رجل ضد امرأة، وإنما القضية هي أن الغضب يوافق الزنا واللعن يوافق القذف، وهذا أمر يحسن تحريره.
следующие страницы →