Полный текст (789 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
أحكام القذف وما ترفعه التوبة منها
يقول الله تعالى في حكم القاذف: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، وقد حررنا مسألة الجلد من قبل.
ثم ذكر الله تعالى الحكم الآخر فقال: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:٤]، و (أبداً) تأتي في نفي المستقبل، ويقابلها في نفي الماضي (قط)، تقول: لن أفعله أبداً، وتقول عن شيء محكي: ما فعلته قط.
و (قط) أحياناً تزاد بفاء التزيين فيقال: (فقط).
قال تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤]، ثم قال ربنا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٨٩].
وقد وقع الإشكال بين العلماء في هذا الاستثناء، حيث مرت ثلاثة أحكام، فأيها يرفع الاستثناء إذا تاب الإنسان؟ وقد اتفقوا على أنه لا يرفع الجلد؛ ولأن الجلد حق للمقذوف، فإذا رفعناه لا يستفيد المقذوف من توبة القاذف.
قذف رجل رجلاً بالزنا فإن كونه يتوب إلى الله لا ينتفع منه المقذوف بشيء، فلا بد من إقامة الحد.
واتفقوا كذلك على أن الفسق ينتفي إذا تاب، ووقع الإشكال في قول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور:٤]، فإذا تاب هذا الذي قذف بعد أن أقيم الحد عليه فهل إقامة الحد عليه ثم توبته بعد إقامة الحد تجعلنا نقبل شهادته بعد ذلك أم لا؟ للعلماء في ذلك قولان: فمذهب الجمهور أنه تقبل شهادته، ومذهب أبي حنيفة ﵀ أن شهادته لا تقبل، وجعل الاستثناء مخرجاً له من دائرة الفسق فقط.
стр. 597
تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم)
стр. 598
المخرج الشرعي للأزواج من حد القذف العام
ثم قال الله جل وعلا بعدها: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦]، هذه الآية الثانية جعلها الله مخرجاً للأزواج؛ لأن الإنسان إذا رأى امرأة غير زوجته مع رجل فإنه قد يصيبه شيء من الغيظ، ولكن لا يصل إلى درجة رؤيته مع زوجته، وحينئذٍ فإنه إذا أراد أن يقام الحد لزمه الإتيان بأربعة شهود، وقد يتعذر عليه ذلك، فيقول: أنا لا استطيع أن آتي بشهود، وهذا أمر لا يخصني.
فهذه مسألة ظاهرة، والأمر فيها ليس بالكبير على الرائي، ولكن الحرج -عافانا الله وإياكم- أن يرى الرجل رجلاً مع زوجته، فإن قتل قُتِل، وإن تكلم طولب بأربعة شهداء، وإن سكت سكت على أمر عظيم، فجعل الله تعالى له المخرج بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦] وهذا تخصيص بعد العموم السابق، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [النور:٦]، أما إذا كان لهم شهود فالمسألة قد حلت من قبل في آية القذف، وهذه آية الملاعنة وليست آية القذف.
فجعل الله جل وعلا آية الملاعنة فك خناق عن الأزواج؛ إذ لما نزلت آية القذف طولبوا بأربعة شهداء، فإذ لم يأتوا بهؤلاء الأربعة طبقت عليهم تلك الأحكام الثلاثة، فضيق ذلك على الناس.
ويقال: إن عويمراً العجلاني أرسل رجلاً يقال له: عاصم بن عدي إلى النبي ﷺ يسأله بعد نزول آية القذف: كيف يصنع الإنسان لو رأى رجلاً مع امرأته؟ فذهب عاصم إلى النبي ﷺ فسأله فأغلظ له النبي ﵇ في الجواب، فلما رجع عاصم إلى عويمر سأله عويمر: ما الخبر؟ فأخبره عاصم بأنه لم يلق خيراً من سؤاله هذا، ولكن عويمراً لم يصبر، وكأنه كأن يرتاب في زوجته، فأتى النبي ﷺ وأخبره، فقال ﵊: (البينة أو حد في ظهرك).
فلما رجع وجد الذي كان يخشاه، فعاد إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية المعروفة بآية الملاعنة، وفيها نصرة لـ عويمر؛ لأنه لما قذف عويمر زوجته ولم تنزل الآية في نفس الليلة باتت الأنصار تقول: ليقامن غداً حد القذف على عويمر.
بناء على الآية التي قبلها في حد القذف، فلما نزلت هذه الآية فك خناق، فقال الحق سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٦ - ٧].
فجيء بـ عويمر وجيء بزوجته بعد أن نزلت الآية، فأقسم عويمر قائلاً: أشهد بالله إنني لمن الصادقين فيما رميتها به، وفي الخامسة -وهي الموجبة- قال: أشهد أن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به.
وجيء بالمرأة فقالت: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به، وقالت في الخامسة: أشهد بالله أن غضب الله علي إن كان من الصادقين فيما رماني به.
ونقل أنها قبل أن تقول الخامسة خوفت؛ لأنها هي الموجبة، فتلكأت ثم قالت: والله لا أفضح قومي سائر اليوم، ومضت في يمينها، فقال ﷺ -كما روى أنس -: إن جاءت به كذا وكذا، -ذكر أوصافاً لـ عويمر - فقد ظلمها، وإن جاءت به سابق الإليتين، خذلج الساقين، أكحل العينين فهو لما رماها به؛ لأن شريك بن سحماء الذي رماها عويمر به كانت هذه صفاته، ثم إنها وضعت حملها، فجاء الولد شبيهاً بمن رماها به، فقال ﷺ : (لولا كتاب من الله كان لكان لي معها شأن)، ومعنى هذا أن الحدود إذا أقيمت والقضاء إذا تم فإنه يفرغ من الأمر، والمقصود هو إقامة حد الله، أما إصابة عين الحق فليست بواجبة على البشر.
стр. 599
صور الفراق بين الزوجين وما يترتب عليها
هذه الآية تسمى آية الملاعنة، وينجم عنها أن الإنسان إذا فارق زوجته فإن الفراق قد يكون بطلاق وقد يكون بلعان، والطلاق يقع في ثلاث صور فإما أن يقع طلاقاً رجعياً، وإما أن يقع طلاقاً بائناً بينونة صغرى، وإما أن يقع طلاقاً بائناً بينونة كبرى.
فأما إذا طلقها طلاقاً رجعياً فإن له أن يراجعها ما دامت في العدة، وهو أولى بها، وهذا لا خلاف فيه.
فإن طلاقها طلقة أو طلقتين وقضت العدة ولم يراجعها فقد بانت منه، ولكن هذه البينونة تسمى بينونة صغرى، بمعنى أن له أن يعود إليها، ولكن بعقد جديد ومهر جديد.
وأما إذا طلقها ثلاثاً فإنها تبين منه بينونة كبرى، وهذه الحالة قال الرب فيها: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠].
فلا بد من أن تتزوج غيره لتحل له.
وأما الملاعنة فإنها إذا وقعت لا تحل المرأة للزوج بعدها أبداً ولا يحل لها، ولا يمكن أن يجتمعا مرة أخرى، ولو تزوجت عشرات الأزواج بعده؛ لأنه إذا وصل الأمر بهما إلى أن يتهم الرجل زوجته أو ينتفي الرجل من ابنه فإن هذا معناه أنه محال أن تعود المياه بعد ذلك إلى مجراها بينهما.
وأما الصغير الذي تم التلاعن من أجله فإنه يلحق بأمه ولا ينسب إلى الزوج.
стр. 600
توجيه ذكر اللعن في حق الرجل والغضب في حق المرأة
وبعض الفضلاء من أهل العلم يستعجل في فهم قضية اللعن والغضب، وكذلك بعض المعاصرين ممن هم إلى الثقافة أقرب منهم إلى التأصيل، فيقولون: إن الإسلام يشدد على المرأة؛ فالله تعالى قال في حق الرجل: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٧]، وقال في حق المرأة: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [النور:٨ - ٩]، فذكر في حق المرأة الغضب، وهو السخط، وهو أشد من اللعن، وهم يفقهون بادي الرأي أن المسألة فيها ميل إلى الرجل ضد المرأة.
وليس الأمر كذلك لو تأملته، فالرجل إذا قذف امرأته فلو قدرنا أنه كان كاذباً فإن غاية ما يمكن أن يوصف به الرجل أنه كاذب قاذف فإن الحد في حقه هو حد القذف، فكذبه موازن لحد القذف، ولكن لو قدرنا أن الرجل كان صادقاً فيما رماها به وكانت المرأة كاذبة في البراءة فإنها تكون زانية، وأيهما أعظم: القذف أم الزنا؟
و
الجواب
الزنا، فاللعن مناسب للقذف ويلزم الرجل، والغضب مناسب للزنا، فليست القضية قضية تفريق بين رجل وامرأة، وإنما القضية أن الرجل إذا كان كاذباً في دعواه فغاية الأمر أنه قذف زوجته بما ليس فيها، فيصل إلى مرحلة القذف، وهذا حقه اللعن، ولكن المرأة إذا كانت كاذبة في دعواها البراءة فهي لا تصبح قاذفة كزوجها، بل تصبح زانية يقيناً.
فإذا أصبحت زانية فإن الزنا أشد من القذف، إذ الزنا حده في المحصن الرجم، والقذف حده الجلد ثمانين، فاللعن يوافق حد القذف، والغضب يوافق حد الزنا.
فليست القضية قضية ممالأة رجل ضد امرأة، وإنما القضية هي أن الغضب يوافق الزنا واللعن يوافق القذف، وهذا أمر يحسن تحريره.
стр. 601
فائدة نحوية
ومن القضايا التي يتكلم عنها في هذه الآية المباركة جملة من القضايا النحوية، حيث يقول الله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، فـ (جلدة) تمييز؛ لأنها تزيل الإبهام المتصل بالعدد، ويسمى عند النحويين: تمييزاً ملفوظاً، والتمييز الآخر يسمى بالتمييز الملحوظ.
فالتمييز الملفوظ: يزيل إبهاماً في عدداً، أو مساحة، أو كيل، أو وزن.
وأما الثاني فإنه يدخل في باب المعاني غالباً، فتقول: ازدانت المدينة مدخلاً، وطاب محمد نفساً.
وهذا التمييز الملحوظ يصح فيه القلب، فتقول: طابت نفس محمد، وازدان مدخل المدينة.
فهذه قضايا نحوية نراها مهمة في فهم كلام الله ﵎.
стр. 602
حكم قذف الوالد ولده
قلنا: إن الله جل وعلا تكلم في الآية الأولى عن حد القذف، وتكلم في الآية الثانية عن الملاعنة، وقلنا: إن الملاعنة إنما هي تخصيص عن حد القذف.
وهنا مسألة تتعلق بالقضية، وهي ما لو قذف الوالد ولده، فحق الوالد على الولد عظيم، وفي الحديث: (أنت ومالك لأبيك)، ولما ذكر الله تعالى البيوت في آخر السورة ذكر بيوت الآباء وغيرهم من القرابة، ولم يذكر بيوت الأبناء؛ لأن بيت أبيك حق مشاع بالنسبة لك، فلم يذكره الله جل وعلا، فحق الأب شيء عظيم.
فإذا قذف الوالد ولده فهل للولد أن يطالب بالحد أم ليس له ذلك؟ اختلف العلماء على قولين: فمنهم من قال: إنه يطالب أخذاً بعموم الآيات، ومنهم قال: إنه لا يطالب، أخذاً بالآيات الدالة على وجوب الإحسان إلى الوالدين، ولا شك في أن إقامة حد على والد بسبب ولده يعارض الإحسان.
وإنك لتعجب من بعض الأقوال في هذه المسألة حين تقرؤها، ولكن العجب ينتفي إذا علمت أن الله كتب النقص على عباده.
فقد قال بعض المالكية: إن له أن يطالب بحد القذف، ثم إذا أقيم الحد على الوالد يعتبر الولد عاقاً والعقوق كبيرة، فهل يعقل أن يقول قائل: إن حدود الله إذا نفذت تقود إلى الكبائر؟! هذا محال، فالقول هنا لا يستقيم.
وعليه فإن على الإنسان إذا أراد أن يملي قولاً أو أن يظهر رأياً أو أن يحرر مسألة عليه قبل أن يعرض المسألة على الناس أن يعرضها على نفسه، فيدخل عليها الخوارم، ويحاكم نفسه بنفسه، وينصب العداء لنفسه في هذه المسألة، ويأتيها من كل شق، ويرميها بكل نبل، فإن ثبتت وتحررت وبقيت أخرجها للناس، وذلك خير له من أن ترمى.
والناس يصنعون هذا جبلة من غير أن يشعروا، فقل أن يشتري أحداً دابة، أو يشتري قلماً إلا وقد حرره أو جربه قبل ذلك، وما يقال في الأمور المحسوسة ينبغي أن يقال في الأمور العلمية.
стр. 603
حكم تنصيف حد العبد القاذف
وهنا قضية أخرى في قضية القذف، وهي أن العلماء ذكروا أن العبد إذا زنا يقام عليه الحد إذا كان بكراً نصف الجلد، أي: خمسون جلدة، فإذا قذف العبد أحداً فهل ينصف حد القذف أم لا؟ فذهب الجمهور إلى الأخذ بالقياس على حد الزنا، ونقل عن عمر بن عبد العزيز -واختاره الإمام الشنقيطي في تفسيره- أن القياس هنا غير صحيح، وأنه لا يقاس حد القذف على حد الزنا، وقالوا: إن الله تعالى قال في الإماء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥]، فهذا أصل في حد الزنا فقسنا عليه الرجال، وأما حد القذف فهو غير حد الزنا، وهذا هو رأي عمر بن عبد العزيز، فلا يرى أن حد القذف ينصف، وإنما يرى أن يجلد العبد إذا وقع منه القذف ثمانين جلدة كما يقع على الحر.
стр. 604
النظرة الشرعية إلى ولد الزنا
وهنا مسألة أخرى، وهي الوليد الذي ينشأ من الزنا، وهذه مسألة تكثر في كل زمان ومكان، وقد ساد أقوام من هذا الصنف، ومن أشهرهم تاريخياً زياد بن أبيه أحد أمراء العرب في عصر بني أمية، وقد استعمله علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكان جباراً فتاكاً، فلما آل الأمر إلى معاوية طلبه وألحقه بهم وقال: إن أبا سفيان هو الذي كان سبباً في ولادته من امرأة كان يأتيها في الطائف، فكان يعرف بـ زياد بن أبيه؛ لأنه لا يعرف له أب، ثم عرف بـ زياد بن أبي سفيان.
وقد ولي زياد العراق في أيام بني أمية، وهو صحاب الخطبة المشهورة بالبتراء، والبتراء هي المقطوعة، حيث صعد المنبر وقال دون أن يحمد الله أو أن يثني عليه أو أن يصلي على رسوله: أما بعد: فإن الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء ما عليه سفهاؤكم، واشتمل عليه علماؤكم وأخذ يهدد ويوعد.
وتسمى هذه الخطبة عند اللغويين بالموقف اللغوي الكامل، وذلك أن المواقف اللغوية تتكون من ثلاثة عناصر مرسل ورسالة ومستقبل، فإذا استطاع المرسل أن يتقن الرسالة وصلت الرسالة إلى المرسل إليه.
فالرجل صعد على المنبر في قوم ذوي ثورة وتمرد على ولاتهم، فلا يحسن معهم الشفقة، فالموقف القوي يطلب منه أن يقدم رسالة يظهر فيها حزمه، فلهذا بدأها بغير حمد الله والثناء عليه.
وإنما فعل ذلك لمناسبة الموقف، وهذا مثل ذبح الأضحية يوم العيد، فإنه لا يقال معه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأننا لو قلنا: (الرحمن الرحيم) لما نحرنا ما بين أيدينا من الضأن.
ولكن نقول: (باسم الله، الله أكبر) لمناسبة الموقف.
وقد زعموا أن أبا عمرو بن العلاء كان راكباً على دابته، فمر بسوق النخاسين، وجملة من في السوق قوم لا يفقهون من اللغة إلا اليسير، وكان قد اختلط العرب بالعجم، وهو ضليع في النحو مغرق في مسائل الألفاظ العويصة، فسقط من فوق دابته فاجتمع الناس عليه خوفاً من أن يكون قد أصابه مكروه، فقال لهم: ما لكم تكأكأتم كتكأكؤكم على ذي جنة، افرنقعوا.
فلم يقم أحد؛ لأن الموقف اللغوي هنا ناقص؛ إذ النحاة العالمين بـ (عسى) ولـ (عل) يفهمون مراده، فكيف يفهمه العامة؟! وقد أراد أن يقول: ما لكم تجمعتم علي كتجمعكم على رجل مجنون، انصرفوا.
ولكن الناس لم ينصرفوا، ولم يتحركوا عنه؛ لأنهم لم يفقهوا شيئاً مما يقول.
وغاية ما أردت بيانه هو شأن أمثال زياد، فهذا الصبي الذي حصلت فيه الملاعنة جاء في المسند بسند فيه ضعف ولكنه يقبل في مسائل الأخبار أنه رؤي أميراً على إحدى الولايات في مصر.
وبعض العلماء وهو يفسر القرآن نجده يلحظ هذه القضية، وذلك في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]، والمراد: بكتابهم؛ لأن الإمام ورد في اللغة بمعنى: الكتاب، وفي القرآن ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢].
فقال بعض المفسرين -وأظنه محمد بن كعب القرظي -: (بإمامهم) يعني: بأمهاتهم.
فقيل له: لماذا لا يدعون بآبائهم؟! فقال: ستراً على أبناء الزنا؛ لأنه لا يعرف لهم آباء، وإظهاراً لشرف الحسن والحسين في نسبتهما إلى فاطمة؛ لأن فاطمة بنت نبينا ﷺ .
والمقصود أن هذه الاستحضارات يستحضرها الناس أحياناً في الكلام عن القضايا، والتفسير علم مفتوح تلتقط أوراقه من هنا وهناك، وهذا كله يدخل في باب المعرفة.
стр. 605
فضيلة الكف عن معايب الناس
وبقي الآن ذكر ما أراده الله من تحريك القلوب بذكر القذف وإيجاب الحد فيه، وذكر الملاعنة، فنقول: إن الإنسان كلما من الله جل وعلا عليه بحفظ لسانه من الخوض في أعراض الناس كان أقرب إلى ربه وأدنى إلى شرف المعالي.
ولا يليق برجل يأمل يوماً أن يكون ذا شأن أن يشغل نفسه بالآخرين، وليس زعيم القوم من يحمل الحقد، والذين يحملون الحقد والحسد هم أكثر الناس حديثاً عن غيرهم؛ لأنه يضيرهم ما يرون من نعم الله جل وعلا على غيرهم، فيدفعهم ذلك الحسد الذي في قلوبهم إلى أن يلفقوا الأخبار ويصطنعوا الأحاديث على سواهم، فينجم عن ذلك انتقاص الناس، فيسلط الله جل وعلا عليهم من يكشف عيوبهم.
ولكن العظيم الشأن الذي أرجو الله أن نكون مثله يترفع عن مثل هذه الأمور ولا يعبأ بها ولا ينظر إليها، وإنك لن تغيظ عدوك بأكثر من أن تظهر عدم مبالاتك به، يقول المتنبي: أفي كل يوم تحت إبطي شويعر ضعيف يقاويني قصير يطاول لساني بنطقي صامت عنه عادل وقلبي بصمتي ضاحك منه هازل وأتعب من ناداك من لا تجيبه وأغيظ من عاداك من لا تشاكل فالإنسان إذا أراد أن يقهر عدوه فلن يجد شيئاً يقهره به مثل ترفعه عن مجاراته، وقد قال أبو تمام: إذا جاريت في خلق دنيئة فأنت ومن تجاريه سواء رأيت الحر يجتنب المخازي ويحميه عن الغدر الوفاء فهذه جملة من الآداب واللافتات المعرفية والعلمية حول هاتين الآيتين المباركتين من سورة النور يسر الله جل وعلا أن نقوله ونمليها، والله المستعان وعليه البلاغ.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 606
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة النور [٣]
حفلت سورة النور بذكر حادثة الأفك المفترى على الطاهرة المطهرة الصديقة بنت الصديق الأكبر عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد تضمنت آياتها براءة عائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهما، وذكر من تولى كبر الحادثة، وهتك أستار المنافقين، وبيان الواجب على المؤمنين في هذه القضية ونحوها، وبيان جوانب الخير في الحادثة، كما تضمنت الدعوة إلى الصفح والعفو عن المسيء، وبيان جرم قاذف المؤمنات المحصنات، وغير ذلك من الأمور العظيمة.
стр. 607
ذكر حادثة الإفك
الحمد لله وحده حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذا الدرس تابع لما كنا قد تكلمنا فيه من سورة النور، وقد ذكرنا في درسين سابقين ما كان فيهما من أحكام في صدر السورة.
والآن ننتقل إلى الآيات المعنية بقصة الإفك: وهي آيات تنتهي عند الآية السادسة والعشرين من هذه السورة المباركة، وقصة الإفك تناولها أصحاب السيرة كما تناولها المفسرون، لعلاقتهما بالأمرين في حق النبي ﷺ ، ولأن القرآن هو الذي نزل ببراءة عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وقبل أن أشرع في التفسير، وبيان ما ذكره العلي الكبير في كلامه أقول: إن النبي عليه الصلاة السلام جاء بدين جديد على خلاف ما كان عليه قومه، فواجهه قومه بأن اتهموه بالسحر والكهانة والجنون وغير ذلك، ومثل هذه الاتهامات قد وطن النبي ﷺ نفسه على مقابلتها، فهي من جنس ما كان يتوقعه من أذى وصدود ورد لدعوته ممن لم يؤمن بها، ولكن حديث الإفك كان ابتلاء من نوع آخر، ولا يوجد ابتلاء في السيرة العطرة والأيام النضرة في حياته ﷺ مثيل له، ولهذا قال الله: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور:١٧].
فهو حدث لم يتكرر، ونوع من البلاء لم يقع إلا مرة واحدة في غزوة المريسيع، واستصحاب هذا عند تفسير القرآن أو تفسير هذه الآيات المعنية بحديث الإفك أمر مهم جداً لطالب العلم في التأمل في كلام الله جل وعلا، فبعض الآيات والأحداث تتكرر؛ لأن الابتلاء فيها ينضوي تحت خيمة واحدة، أما هذا الابتلاء فلا ينضوي تحت أي خيمة، وإنما هو مستقل لوحده، لم يعهده النبي ﷺ في مكة، ولم يعهده في المدينة، إلا ذلك الحين، ثم انجلى بعد شهر من الأسى بإنزال الله جل وعلا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١]، وهو أول ما سنفسره، إلى قوله : ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٦].
هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: أن الناظر في القرآن لا ينبغي له أن يحكمه شيء واحد، وإنما هي معانٍ تقرب للناس، بحسب فهمنا لكلام الله، وإلا فلن يصل تعبيرنا عن مراد الله إلى المعنى المقصود الأسمى؛ لأن تعبيرنا وفهمنا لكلام الله لن يصل أبداً إلى نص القرآن نفسه، فنص القرآن مقدس، ومقاربة العلماء لذلك النص غير مقدسة.
стр. 608
الشخصيات المذكورة في قصة الإفك
سنتكلم ابتداءً عن الشخصيات التي تتعلق بقصة الإفك، حتى إذا شرعنا بعد ذلك في تفسير الآيات كانت الصورة واضحة جلية.
فأول تلك الشخصيات رسول الله ﷺ ، وهو غني عن التعريف، ثم الصديق لكونه والداً لـ عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ثم أم رومان أم عائشة ﵂، وزوجة أبي بكر، وهؤلاء الثلاثة قد لا يكونون مقصودين بالأمر، وإنما ينصرف الأمر أول ما ينصرف إلى عائشة وإلى صفوان بن المعطل.
فأما عائشة فهي الصديقة بنت الصديق، رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي أشهر من أن تعرف بها، ولكن نعرف بالشيء الذي تعلق بالقضية، فقد رزق النبي ﷺ حبها، وأتاه جبريل بصورتها سرقة من حرير، وفي رواية: في كفه، فعرف النبي ﷺ أنها ستكون زوجته، وقال: (إن يرد الله خيراً يمضه)، أو: (أن يرد الله شيئاً يمضه)، ثم كانت زوجته رضي الله تعالى عنها وأرضها، فبعد الهجرة بنى بها النبي ﷺ في شوال.
وهذه المباركة أنزل الله جل وعلا فيها هذه الآيات بياناً لبراءتها، وتوفي النبي عليه الصلاة السلام بين سحرها ونحرها، ودفن في حجرتها رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وأما من رميت به فهو صفوان بن المعطل السلمي، أحد خيار الصحابة، ومما يدل على أن الله جل وعلا أراد به خيراً أنه مات شهيداً، والظفر بالموت شهادة ليس بالأمر الهين، فقل ما يعطاه أحد، والله تعالى يقول: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠]، وليس كل أحد يتخذ شهيدا.
فـ صفوان بن المعطل لما رآها قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فكان ذلك سبباً في نجاته كما سيأتي.
ومن الشخصيات شخصيات خاضت في الأمر بشدة، وبعضها تولى كبر الأمر، وهو عبد الله بن أبي المنافق الخزرجي النسب، قدم النبي عليه الصلاة السلام المدينة وكان القوم من الأوس والخزرج قد أجمعوا أمرهم على أن يولوه ملكاً عليهم، ولهذا اغتاظ من قدوم النبي عليه الصلاة السلام إلى المدينة.
ومن تلك الشخصيات حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ ، والمشهور عند العلماء أنه وقع في الأمر، وشارك في نشره، وحمنة بن جحش أخت زينب بنت جحش زوجة النبي ﷺ ، المنافسة لـ عائشة في الخطوة عند رسول الله عليه الصلاة السلام، فلو قدر أن زينب هي التي شاركت لكان الأمر فيه بعض العذر، لا بعض الجواز؛ لكونها منافسة لـ عائشة، ولكن الورع عصمها، ولم تقل كلمة واحدة في عائشة.
لكن حمنة أختها انتصرت لها، والإنسان قد تغلب عليه العاطفة، فيريد أن ينفع غيره فيضر نفسه ويضر غيره، وربما لا يصل إلى ضرر غيره، كما فعلت حمنة، فـ حمنة لا علاقة لها بـ عائشة؛ إذ هي زوجة لـ طلحة، ولكنها أرادت أن تنصر أختها، فشاركت في النقل لعلها تصيب من ذلك نقصاً في عائشة، ولا تعتقد صحة ذلك؛ لأن الله قال: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [النور:١٥] فلا يوجد من ذلك شيء مستقر في القلب، ولكنها أرادت نصرة أختها، فنصرتها لأختها أعمت بصيرتها عما تنظر إليه.
ومن تلك الشخصيات مسطح بن أثاثة أبن خالة لـ أبي بكر، كان فقيراً مستضعفاً، وكان أبو بكر ينفق عليه، فشارك في قضية إشاعة الأمر، وهو بدري، وقد قال النبي ﷺ : (لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وليس المعنى: إنني قد أذنت لكم بالمعاصي.
إذ لو كان المقصود هذا لما عوتب مسطح هنا، ولما أقيم عليه الحد.
وأبو أيوب الأنصاري كان أحد الذين عصمهم الله هو وزوجته، فقالا خيراً، وقالا عن ذلك الإفك: هو الكذب بعينة.
ومنهم الجارية التي سألها النبي عليه الصلاة السلام، فبعض أهل العلم يقول: إنها بريرة، وبعضهم يقول: إن بريرة لم تكن بعد في عهدة عائشة، وكيفما كانت تلك الجارية فإنها امرأة عصمها الله، فقالت: يا رسول الله! أهلك ولا أعلم إلا خيراً.
وذكرت عن عائشة أنها امرأة تغفل عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله.
ومنهم أسامة بن زيد مولى رسول الله ﷺ ، فقد كان من الشخصيات الحاضرة في القصة، استشاره النبي عليه الصلاة السلام فقال: يا رسول الله! أهلك ولا نعلم إلا خيرا.
وعبارة (ولا نعلم إلا خيرا) تدل على كمال عقل، فهي ليست مفرطة في المدح، ولا تقارب الذم أبداً، ولكنها في نفس الوقت فيها شيء من التزكية، وهي عبارة لو استخدمها المزكون اليوم لكان ذلك جيداً.
ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، خاتم الخلفاء الأربعة، ورابع الحنفاء ﵁ وأرضاه، وقد قال: يا رسول الله! النساء غيرها كثير.
وليس المقصود اتهام عائشة، ولكن علياً ليس كـ أسامة، فـ أسامة مولى لا يلحقه عيب لو وقع الأمر حقاً، أما علي فهو ابن عم لرسول الله ﷺ ، وكلاهما ينتسب إلى بني هاشم، فهو عصبة لرسول الله، والرسول ﷺ عصبة له، فهو ينظر من باب أن الأمر يتعلق ببني هاشم وزوجاتهم، فأراد أن يغلق الباب، ويسد على الناس طرائق أقوالهم، ولم يرد أن يتهم عائشة، ولكنه ملف أراد أن يغلقه، وقضية لا يريد لها أن تثار، هذا هو المقصود من قول علي رضي الله تعالى عنه: (النساء غيرها كثير) يعني إن تعلق قلبك بها حباً، فتزوج غيرها ينسيك إياها، وانفك من مسألة أن يقدح الناس فيها، هذا هو مقصود قول علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد قالت الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها وأرضاها بعد سنين من هذه الحادثة: إن علياً لم يكن بيني وبينه إلا ما يكون ما بين المرأة وأحمائها، أي: قرابة زوجها.
فهذه هي الشخصيات التي يأتي خبرها في قصة الإفك، وهناك شخصيات غير مسماة، وهم عامة المؤمنين، وعامة المنافقين، ولكن هؤلاء أفراد مميزون جاء ذكرهم في القصة.
وقد وقعت الحادثة في غزوة المريسيع -غزوة بني المصطلق- في السنة الخامسة تقريباً، قبل دخول المدينة في منطقة تسمى العشيرة إلى الآن، تبعد عن المدينة قرابة عشرين أو ثلاثين كيلو متر، بعد الخروج من المدينة بطريق الهجرة الجديد، فهذا هو المكان، وهذا هو الزمان، وأولئك هم أفراد القصة.
أما القصة إجمالاً فحاصلها أن النبي عليه الصلاة السلام كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه ابتغاءً للعدل، وفي هذه الغزوة جاءت القرعة لـ عائشة بقدر الله، فخرج ﵊ بـ عائشة وأتى المريسيع، فحصل ما حصل من سبي وبعض قتال، واقتتال على الماء ومناوشة بين المهاجرين والأنصار أراد أن يثيرها عبد الله بن أبي، فأراد النبي ﷺ أن ينهي القضية، فأمر الركب بالرحيل في غير ساعة يرحلون فيها، ففقدت أم المؤمنين عقداً كان عليها، والعقد هو ما يحيط بالعنق، يراد به الزينة، فإذا أحاط بالمعصم سمي سواراً، فإذا أحاط بالإصبع يسمي خاتماً.
فلما فقدت أم المؤمنين عقدها ذهبت إلى ذلك المكان الذي يرجى أن يكون فيه، وفي تلك اللحظات رحل الجيش، وكان هناك أناس مسئولون عن هودج أم المؤمنين، وكانت امرأة نحيلة؛ إذ كانت في قرابة الرابعة عشرة من عمرها، وقليلاً ما تأكل اللحم، ولم يمض على زواجها إلا ثلاث سنين أو أربع على الأكثر، فالهودج التي هي فيه، لا يكاد يختلف على أشداء الرجال، وإنما يختلف عندما يكون الذي يحمله ضعيفاً، ولكن أشداء الرجال الذين يحملون امرأة في الرابعة عشرة لم يظهر لهم فرق، فحملوا الهودج وهم لا يشكون في أن أم المؤمنين فيه، فعادت فلم تجد نبي الله عليه الصلاة السلام، ولم تجد القوم جميعاً، ولا يمكن لها أن تنطلق، فذهبت إلى شجرة في نفس المكان، فوضعت عليها لثامها وجلست، فغلبها النوم بقدر الله، وكان صفوان بن المعطل قد كلف بساقة القوم، فتأخر عن الجيش ليمضي قدر الله، فلما أتى إلى المكان الذي كان فيه الجيش وجد الجيش قد ذهب، وهو يعلم ذلك، ولكنه وجد خيالاً، فاقترب منه فإذا هو أم المؤمنين، وكان يرها قبل الحجاب، فعرفها، ولن تخفى عليه، إذ كان مجتمع المدينة صغيراً، وقد لا يعرف كل صغيرة وكبيرة، ولكن الإنسان لا يجهل أن تكون هذه امرأة فلان إذا رآها مرة أو مرتين، فاقترب منها، وألهمه الله تعالى أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا أراد الله شيئاً هيأ له أسبابه، ومن أراد الله أن يرحمه فتح له طرائق الرحمة، وألهمه ما يقول، وأعانه على ما يفعل، وينبغي أن تعلم أنه ما يرفع شيء من الأرض إلى السماء أعظم من الإخلاص، ولا ينزل شيء من السماء إلى الأرض أعظم من التوفيق.
فلما سمعت عائشة استرجاع صفوان أفاقت على استرجاعه، فلم تتكلم، فأناخ الناقة، وركبت أم المؤمنين، ولم يكلمها ولم تكلمه، وهو يعلم قطعاً أنه سيتعرض للبلاء، أما هي فكانت صغيره في الرابعة عشرة، فربما لم يدر بخلدها أن يتكلم فيها.
وقبل أن يصل الجيش إلى المدينة أناخوا المطايا في عز الظهيرة في منطقة تسمى العشيرة الآن, وكانوا في منطقة مكشوفة، فإذا بـ صفوان يقبل وأم المؤمنين على ناقته، وهو يقود الناقة، فرآهما عبد الله بن أبي، فطار فرحا، فقال بصوت يسمع ولا يسمع -أي: يسمعه الضعفاء الذين لا يمكن أن يشهدوا ب
стр. 609
تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم)
قال الحق ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١].
قوله: (جاءوا بالإفك) أي: ابتدعوه؛ لأنه ليس له أصل، والإفك: الكذب، وهو أقبح الكذب؛ لأن الإفك هو القلب، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم:٥٣]، والمؤتفكة: قوم لوط، وسموا مؤتفكة لأن الله قلب عليهم بلدتهم فجعل عاليها سافلها، فـ الصديقة ﵂ وأرضاها أهل لكل فضيلة، فكيف ينسب إليها أعظم شيء في الرذيلة؟! فهذا قلب للحقائق، ولهذا سماه الله جل وعلا إفكا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١]، والعصبة: الجماعة دون الأربعين.
стр. 610
بيان معنى قوله تعالى (لا تحسبوه شراً لكم)
قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١].
كما قال تعالى في سورة القمر: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر:٣] فالعبرة بالنهايات، فالنقص في البدايات لا يدوم، بل العبرة بما استقر عليه الأمر، وهو المطلوب والمقصود، وقد استقر الأمر على براءة عائشة وصفوان قال الله تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور:١١].
وبعض العلماء ﵏ يقول: إن المقصود صفوان وعائشة، ولكن الله جمع من باب ما هو كائن في أساليب لغة العرب، وهذا بعيد، وإن كان هذا الأسلوب موجوداً في لغة العرب، ولكن لا يمكن حمل المعنى هنا عليه، بل المعنى أن الأمة كلها تستفيد من هذا الحديث، فأما الذين ظُلِموا في الإفك فهو رفع لدرجاتهم، وشرف لهم أن يذكروا في القرآن، وأن تنزل براءتهم في القرآن.
وأما الذين لم يذكروا من المؤمنين المعاصرين للحدث، أو المؤمنين الآتين بعد نزول الآيات، فإن في ذلك موعظة وأدباً لهم لاختيار هدي الله جل وعلا في تربية المجتمع، على أنه ينبغي أن يعلم أنه لا يوجد خير محض ولا شر محض، بل الأمور بالغالب، وأما الخير المحض ففي الجنة، والشر المحض في النار.
قال تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ [النور:١١] أي: من الذين خاضوا في الإفك ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ [النور:١١].
و (اكتسب) توافق (كسب) إلا أن العرب في فصيح كلامها تستعمل (كسب) في الخيرات، و (اكتسب) في الآثام.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ منهم﴾ [النور:١١] أي: تولى أصل القضية وحرص على إذاعتها وتبنى إشاعتها ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١] والمقصود به عبد الله بن أبي بن سلول.
стр. 611
تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً)
وأما الآداب الناجمة عن الحدث فقد جاء تفصيلها بعد أن ذكر الله الحدث جملة وبين أن الأصل فيه أنه خير للناس، فقال جل ذكره: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢].
وكلمة (أنفس) هنا دلالة على أن المجتمع المسلم مجتمع واحد، وهذه طريقة القرآن كما قال تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١]، ﴿اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٦٦].
وقوله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:١٢] هذا الذي وقع من أبي أيوب الأنصاري.
وإذا كان الإنسان أصلاً يظن بنفسه الخير، فكيف الظن بأم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها؟! قال تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢].
أي: كان الواجب أن يقال: إن هذا إفك واضح ظاهر بين، لا أن يخاض فيه.
стр. 612
تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء)
وبعد أن خاطب الله جل وعلا المؤمنين بما ينبغي عليهم أن يفعلوه خاطب جل وعلا أولئك الذين تولوا الأمر، فقال الله ﵎: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣].
وقد بينا أن هذا مرتبط بأول القصة، لأن الله ذكر في أول السورة قضايا القذف، وأن القذف يشترط فيه أربعة من الشهود، وإنما استثنى الله جل وعلا من هذا الإجمال الزوج إذا رمى زوجته، وليس هنا زوج يرمي زوجته، وإنما هم أناس يرمون زوجة نبيهم.
فالاعتبارات والمعايير الشرعية المطلوبة هنا هي أربعة شهداء، حيث قال الله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣]، والكذب على الله أعظم الذنوب، ثم الكذب على رسول الله ﷺ ، ثم الكذب على الناس.
стр. 613
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته)
قال الله جل وعلى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤].
(لولا) حرف امتناع لوجود، ويليها عند سيبويه المبتدأ، ويحذف خبرها غالباً، كما حرره ابن مالك بقوله: وبعد لولا غالباً حذف الخبر حتم وفي نص يميز ذا استقر وذلك كقولك: لولا زيد في هجر، أي: لولا زيد موجود في هجر.
فـ (فضل) هي المبتدأ، وجواب لولا هو قول الله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤].
أي أن الله جل وعلا رحمكم، وأعطاكم مهلة للتوبة، وعفا عنكم في كونكم لم تنكروا إنكاراً جلياً واضحاً على من خاض في الإفك، وإلا فإن ما وقعتم فيه أمر يستوجب أشد العذاب، ولكن رفع عنكم بسبب فضل الله جل وعلا ورحمته لكم.
стр. 614
تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم)
قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥].
معلوم أن الإنسان يتكلم بفمه، وهنا يقول تعالى: (وتقولون بأفواهكم) والحقيقة أن الله تعالى لم يريد أن يبين الجارحة التي نتكلم بها، إنما أراد أن يبين أن هذه الأمر لم يكن مستقراً في القلوب، ولا توجد له حقيقة، بل شخص ينقله وشخص يحمله وشخص يذيعه وشخص يزيد عليه، شأن أكثر الناس، وقد خاض في هذا الأمر كبار المنافقين، وبعض الصحابة، وقد عفا الله ﵎ عنهم، والكلام عن الصحابة -ولو أخطئوا- يجب أن يكون مقيداً بتعبير القرآن، ولا نقذف أنفسنا في أمواج لا نستطيع أن نواجهها، ونترضى عنهم أجمعين، فاللهم ارض عنهم.
стр. 615
تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا)
يقول تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور:١٦] وهذا تأديب للناس ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦].
والأصل في التسبيح تنزيه الله جل وعلا عما لا يليق به، والمقصود بذكره هنا: سبحانك ربنا أن تكون زوجة نبيك امرأة فاجرة.
قال ربنا ﵎: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور:١٦].
أي: بهذا الإفك ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦].
стр. 616
تفسير قوله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله)
ثم يقول تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور:١٧] ولا يكون العود لمثله إلا بقذف عائشة رضي ﵎ عنها أو قذف إحدى أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن.
ثم قال الله بعدها: ﴿إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور:١٧].
فهل يجري هنا الحكم الجاري على ما ورد في السنة في قوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، فلو لم يكرم ضيفة لا ينفي عنه كل الإيمان، وكذلك قوله: (ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فلو زنى فإنه يبقى مؤمناً، ولكنه ليس كامل الإيمان، فهل هذا هو المقصود بالآية؟!
و
الجواب
هذا الذي عليه جمهور أهل التفسير، وذهب بعضهم إلى أن العودة إلى قذف إحدى أمهات المؤمنين كفر بالله، فجعلوا الشرط على مفهومه الواضح.
стр. 617
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة)
ثم قال الله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٨ - ١٩].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ [النور:١٩] المحبة: شيء يقع في القلب، خفي كامن، فناسب أن يقول الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩].
فقد يوجد بيننا من يحب الفاحشة، ومن يحب أن تنتشر، ولكنه لا يتصرف تصرفاً يدل على تلك المحبة المستوطنة في قلبه، فلا سبيل لنا عليه، بأن ننكر أو نؤدب أو نعزر، وربما بوأناه مكاناً قيماً، فنجم عن تبويئه ذلك المكان إفساده في الأرض؛ لذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩].
فإذا كان الذين في قلوبهم محبة لإشاعة الفاحشة في المؤمنين قد توعدهم الله جل وعلا بهذا، فكيف بمن يحمل الأمر برمته، ويسعى في الناس -والعياذ بالله- بإشاعة الفاحشة، كأرباب القنوات التي تبعث الشرور، وتنشر الفجور، أو أصحاب المجلات، أو أصحاب الصحف التي تنشر المحرمات، فهؤلاء يدخلون في هذا من باب أولى.
وكذلك الذين يحبون أن يقيموا أسواقاً أو غيرها يقصدون من ورائها أن يكون هناك نوع من الفاحشة ظاهر، واختلاط بين الرجال والنساء، ودعوات إلى الفجور، فهؤلاء يدخلون بصورة أولية في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩].
стр. 618
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم)
ثم قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٠].
وقد قال تعالى في الآية الأولى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ﴾ [النور:١٤]، وهنا لم يذكر جواباً، فجواب (لولا) هنا محذوف لم يذكره الله جل وعلا، واختلف العلماء في تقديره، والأظهر: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهلكتم.
وبعض أهل العلم يقول: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لشاعت الفاحشة وذاعت، ولكن الله جل وعلا برحمته بكم منع الفاحشة أن تشيع.
стр. 619
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان)
ثم قال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١].
بعد أن بين الله جل وعلا أن الفاحشة لا يجوز نشرها ولا محبة نشرها، بين جل وعلا أن السبيل إلى الخلاص من إشاعة الفاحشة عدم اتباع خطوت الشيطان؛ لأن في اتباع خطوات الشيطان وصولاً إلى الفواحش.
والمقصود بخطوات الشيطان: طرائقه ومسالكه وما يدعو إليه، هذا المقصود بخطواته، و (خطوة) تفتح فيها الخاء إذا كانت مفردة، فإذا جمعت ضمت الخاء كما هو نص القرآن.
فالله تعالى يقول: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] لأن الشيطان لا يدعو إلا إلى الفحشاء، والفحشاء تطلق على العمل الرذيل إذا كان فعلاً، أما إذا كان قولاً فإنه يسمى عوراء.
ومنه قول بعضهم في مدح أحد الفضلاء الصالحين: ولا استعذب العوراء يوماً فقالها
стр. 620
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد)
قال ربنا جل شأنه: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١].
العمل الزاكي هو العمل الذي يرضى الله عنه، وهو العمل الذي يجلب رضوان الله، والشخص المزكى هو من عمل عملا ﵁ به، ولا سبيل إلى معرفة هذا، فلهذا لا نستطيع أن نزكي أحداً، ولا سبيل إلى معرفة رضا الله عن صاحب هذا العمل بذلك العمل، وعلى هذا يمتنع أن نزكي أحداً تزكية باطنة وظاهرة، ولكن عندما نحرر ورقة أو نقول قولاً في تزكية أحد فإنما نزكي ظاهره، ونكل سرائره إلى الله جل وعلا.
стр. 621
تفسير قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة)
ثم قال جل شأنه: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [النور:٢٢].
أجمع المفسرون على أنها نازلة في حق أبي بكر، وهذه الآية تأخر نزولها، وعليه نعرف أنه لم تنزل هذه الآيات الست عشرة جملة واحدة، بدليل أن أبا بكر أولاً سكت ولم يتصرف، فلما نزلت الآيات ببراءة عائشة تصرف أبو بكر، فمنع إنفاقاً ورزقاً كان يسوقه إلى مسطح؛ لأن مسطحاً كان ممن شارك في القضية، وهذه ظاهر، والكل يعرفه، وإنما تكمن هنا فريدة من فرائد العلم، وذلك أن الله عاتب الصديق لما منع مسطحاً من رزقه، فقال أهل العلم ساجعاً: ما صنعه مسطح ينزل النجم من أفقه، فمنعه الصديق من رزقه، فعاتب الله الصديق في حقه.
أي: ما صنعه مسطح وتقول به ينزل النجم من أفقه، بمعنى: يحط من أي شرف، فمنعه الصديق من رزقه الذي كان ينفقه عليه، فعاتب الله الصديق في حق مسطح.
والفائدة من هذا ألا تكون سبباً في منع أرزاق الناس، فإذا أردت أن تؤدب أحداً فأدبه بأي طريقة كانت، إلا أن تمنعه رزقه؛ لأنه لو كان منع الرزق سائغاً لساغ في حق مسطح، ولكن الله جل وعلا عاتب الصديق فيه حين أقسم على أنه لا ينفق على مسطح، فقال ربنا ﵎: ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ [النور:٢٢] وجمهور المفسرين على أن (يأتل) هنا بمعنى (يحلف): ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢] وهذه تزكية من الله للصديق؛ لأن الله ذكره في أولي الفضل.
ويلحظ هنا المعنى العظيم في تعبير القرآن حيث قال الله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢] وما قال: والنعيم، أو: الترف، أو: الثراء والغنى، وكلها مفردات قد تؤدي نفس المعنى، ولكن قال: (السعة) وكأنه يشير إلى أن يوسع على نفسه ويوسع على غيره.
قال العلماء: إن التقوى قرينة العفو، فالناس الذين فيهم خصيصة العفو قريبون من التقوى، فالعفو والتقوى متلازمان، وسيأتي تحرير هذا.
стр. 622
الدلالة على كون الكبائر لا تحبط العمل
قال الله جل وعلا: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [النور:٢٢].
والمقصود مسطح، وهذا دليل ظاهر بَيِّن على أن الكبائر لا تحبط العمل الصالح، إذا لو كانت الكبائر تحبط العمل الصالح لكان أولى المؤمنين بأن يحبط عمله مسطح؛ لأنه خاض في عرض أم المؤمنين ﵂ وأرضها، ومع ذلك اسماه الله جل وعلا مهاجراً، فأبقى الله جل وعلا على هجرة مسطح وجعلها عملاً صالحاً زاكياً له وأقرها ولم يحبطها، ففيه دلالة على أن الكبائر مهما بلغت لا تحبط العمل الصالح.
стр. 623
دعوة إلى الصفح عن المسيء
قال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢].
والخطاب لـ أبي بكر، وقد قال الله لنبيه في سورة أخرى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة:١٣].
قال العلماء: خاطب الله أبا بكر بما خاطب به نبيه حتى يبين للخلق أن الصديق ثاني اثنين.
فهذا استنباط ولكن لا أجزم به.
قال الله تعالى: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢].
وهذه فيها ملاطفة من الله لـ أبي بكر، ففيها دعوة وفيها حجة، أي: أنت تريد العفو والمغفرة من الله، وكذلك الناس يريدون منك أن تعفوا عنهم، وأن ترزقهم، فعامل الناس بما تحب أن تعامل به.
فإذا أرادت أن تتعامل مع أحد فعامله بما تحب أن يعاملك الله جل وعلا به، ولا تستدر رحمة الله بشيء أعظم من هذا.
стр. 624
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات)
ثم قال جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣].
للعلماء في هذه الآية قولان: الأول: أنها عامة في كل قاذف، وهذا قول الجمهور، وهو الأظهر.
فإذا قلنا بأنها عامة في كل قاذف فإن معنى اللعن هنا إقامة حد القذف عليهم، فيصبح معنى اللعن هنا إقامة حد القذف عليهم.
والقول الآخر: الذي قاله بعض العلماء هو أن الآية في عائشة وأمهات المؤمنين، وأن المخاطبين بهذا الآية هم المنافقون، فقالوا: لعنهم في الدنيا بطردهم من رحمة الله، ولعنهم في الآخرة بعذاب النار.
فجعلوا هذه الآية خاصة فيمن قذف أمهات المؤمنين، ولذلك قالوا: لم يذكر الله جل وعلا بعدها توبة، فكون الله لم يذكر بعدها توبة قرينة تؤيد قول من قال: إنها في أمهات المؤمنين، ومن قال إنها عامة فلكون هذا هو الأصل في الخطاب الشرعي.
стр. 625
حكم لعن المعين
وهنا مسألة تتعلق باللعن اختلف الناس فيها كثيراً، وهي لعن المعين، وأرجح الأقوال ما قاله الحافظ ابن حجر رحمة الله تعالى وحرره، وهو قول جيد لمن تدبره، وهو أن اللعن إذا أريد به الدعاء وإخراج الإنسان من رحمة الله فهذا لا يقع على معين، إلا على كافر مات على كفره، أما إذا أريد به شدة النكال وشدة التضييق عليه فإنه يجوز.
ومثال ذلك في رجل آذى المسلمين كثيراً في العصر الحاضر كـ شارون، فـ شارون لم يمت بعد، فإذا أردت بلعنه التشديد عليه والتضييق وشدة النكال فذلك جائز، وإذا أردت أن تدعو بألا يرحمه الله -بمعنى أنه يموت على الكفر- فذلك لا يجوز؛ لأنه ليس لأحد أن يذهب ليحدد جهة وقوع رحمة الله.
وهذا القول من ابن حجر قول محرر يحل إشكالاً قائماً في القضية، فجزاه الله خيراً وعفا الله ﵎ عنا وعنه.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٣ - ٢٤].
وهذا يكون يوم القيامة، وقد حررنا له قرائن كثيرة.
стр. 626
تفسير قوله تعالى: (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق)
ثم يقول تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور:٢٥].
ومحال أن يكون دين الكفار حقاً، فكلمة (دين) هنا معناها: الجزاء، فيصبح المعنى: يومئذ يوفيهم الله جزائهم الحق، وكيف يكون جزاؤهم حقاً؟ إن معاقبة المسيء على إساءته هي عين الحق، كما أن الإحسان إلى المحسن لإحسانه كذلك هو عين عين الحق.
ثم يقول تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦].
وللعلماء فيها قولان: قول يقول: إنها في الأقوال.
وقول يقول: إنها في المشاكلة.
ومعنى أنها في الأقوال أن الخبيثات من الأقوال تليق بالخبيثين والخبيثات من الرجال، والطيبات من الجمل المادحة المعبرة تعبيراً حسناً تليق بالطيبين من الرجال والطيبات من النساء، وهذا قول الجمهور.
وقال آخرون: إن من سنن الله الإلهية الملاءمة بين كل متفق، فالخبيثات من النساء لا يلائمهن إلا الخبيثون من الرجال، والخبيث من الرجال لا تلائمه إلا الخبيثة من النساء، والطيبات من النساء لا يلائمهن إلا الطيبون من الرجال، والطيب من الرجال لا تلائمه إلا الطيبة من النساء.
وهذا المعنى عندي أقرب، ولكن يرد إشكال عند الناس منعهم من هذا القول، حيث يقولون: إنك ترى الآن امرأة صالحة صوامة قوامة محسنة إلى أولادها، وزوجها فيه من الخبث والشرور ما الله به عليم، بل ربما يتاجر في المخدرات، ويسعى في المسكرات، فيكف تقول: الطيبات للطيبين بهذا المعنى؟ ونقول: يجب أن تفرق، وإلا فهذا القول فيه نوع من المجازفة؛ لأني لا أعلم أحداً نص بهذا التعبير، فينبغي أن يفرق بين حياة المعايشة وحياة الملائمة، فالزوجات الطيبات الصالحات المقترنات بأزواج مرتكبين للكبائر لا يكون هناك تلائم روحي بينهم، وإنما المرأة هنا صابرة من أجل بنيها، أو تحتسب تغيير زوجها.
وإذا كان الرجل هو الطيب والمرأة هي السيئة فإنه يمنعه من طلاقها خوفه على أبنائه، ولا توجد ملائمة روحية.
أما ما كان ما بين رسول الله ﷺ وعائشة فقد كان تآلفاً جماً وتلاؤماً تاماً، ومحبة قائمة بين الطرفين، ولهذا قيل له: من أحب الناس إليك فقال: عائشة فهذا الأمر يستبعد الإشكال القائم على أن الذي منعهم هو أن الواقع -وهو أعظم الشهود كما يقولون- يمنع أن يكون المعنى التلائم، وقلنا: يفرق بين التعايش وبين التلائم، وقد قال المتنبي: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بد
стр. 627
فضيلة قول: (حسبنا الله ونعم الوكيل)
وهنا فائدة عظيمة، وهي ما قالته عائشة عندما ركبت، وهو أمر لا يحتاج إلى أن تجربه.
يقولون: إن زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها كانت تنافس عائشة، وأحياناً يحصل بينهما تفاخر محمود، وعندما يحصل بين أمهات المؤمنين تحاور ينجم عن ذلك علم، فقد نشأن في بيت النبوة، فقالت زينب: أنا التي أنزل الله تزويجي من فوق سبع سماوات.
فقالت عائشة ﵂ وأرضاها: وأنا الذي أنزل الله براءتي لما حملني صفوان بن المعطل على راحلته.
وهنا نسيت زينب المحاورة، فقالت: يا عائشة! ما قلت عندما ركبت الراحلة؟ فقالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل.
وهذا الأمر لا يحتاج إلى تجربة، فوالله الذي لا إله غيره إن هذه الكلمة تهد الجبال، فإذا أغلق عليك أمر فلن تجد مثل: (حسبنا الله ونعم الوكيل).
وأنا أعرف رجلاً صالحاً كان عنده طالب علم، فكان دائماً يوصيه بـ (حسبنا الله ونعم الوكيل)، وفي ذات يوم استقل الطالب هذه الكلمة، فعاتبه قائلاً: يا بني! (حسبنا الله ونعم الوكيل) تهد الجبال.
فكل واحد منا إذا وقع في معضلة أو رأى شيئاً أقبل عليه مما لا يطاق، فليعتصم بقول (حسبي الله ونعم الوكيل)، فإنه لن يكفيك أحد مثل الله، ولا وكيل بعد الله، جعلنا الله وإياكم ممن توكل عليه فكفاه، واستهدى به فهداه.
فهذا ما تيسر إيراده وأعان الله على إملائه، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 628
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة النور [٤]
من جملة أحكام سورة النور العظيمة إرشاد الله تعالى عباده وتأديبه لهم وذلك ببيان آداب دخول بيوت الآخرين، فقد بين تعالى ما يجب على الداخل فعله، وما يفعله من لم يُجب عند استئذانه، وما يحل دخوله بغير إذن من البيوت.
كما أن من جملة أحكامها أمر الله تعالى عباده المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار، وحفظ الفروج، وخص تعالى المؤمنات بنهيه لهن عند إبداء الزينة لغير الزوج والمحارم، ولعلمه تعالى بقصور عباده -وإن امتثلوا- أمرهم بالتوبة صقلاً لقلبوهم وتحصيلاً لمغفرة ربهم.
стр. 629
بيان صلة آداب دخول البيوت بالكلام عن الزنا وأحكام القذف
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فهذا هو الدرس الرابع من دروسنا في سورة النور، وقد بينا من قبل أنها سورة قد جمعت أحكاماً وآداباً، وكان الصحابة -كما هو المنقول عن عمر وعائشة - يوصون الناس بتلاوتها وتدبرها، وقد مضى الحديث في الدروس الأولى أكثر ما كان يتعلق بقضية فاحشة الزنا، فذكر الله جل وعلا أحكام فاعليها ومآلهم وحد القذف، ثم ذكر الله بعد ذلك براءة الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وقد ناسب الكلام عن الزنا والفواحش أن يكون بعده آداب تبين للمؤمنين الطرائق المثلى للنجاة من تلك الفواحش، والقرآن مفزع أهل الملة يلجئون إليه؛ لأن الله جل وعلا جعل فيه خبر الغابرين وأنباء السابقين، وأحكاماً أنزلها على سيد المرسلين ﷺ .
فلما كان الزنا بريده الخلوات والنظر والاطلاع على العورات، ناسب بعد ذلك أن يبين الله جل وعلا الطرائق المثلى والسبل العليا في غض البصر وحفظ الفرج وسلامة البيوت وستر العورات؛ حتى يكون المؤمنون على بصيرة من أمرهم.
والرب جل وعلا يقول في كتابه العظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦]، ومن أراد أن يبين للناس الحق ويدلهم على الرشد فإنه لا يستحيي من أمر دون آخر، وإنما يكشف الأمور بجلاء، وكذلك القرآن تنزيل رب العالمين ﷻ ، فقد يقول قائل: كيف يتكلم الله عن العورات، وكيف يتكلم الله عن البيوت، وكيف يتكلم الله عن المحيض؟! والجواب أن هذا الكتاب جعله الله جل وعلا هدى بين فيه للناس ما يهمهم في أمر دينهم ودنياهم.
ولما كان يوم القيامة يوم حساب ويوماً تعرض الأعمال فيه على الله كان حقاً على الله من قبل ذلك -ولا ملزم لله- أن يبين لخلقه كل أمر؛ حتى يكون الحساب على ذلك، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥].
стр. 630
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم)
стр. 631
كرامة المؤمن على الله
والآية التي نحن بصددها هنا هي قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧].
فالياء حرف نداء، والمنادى هم الذين آمنوا، والنداء بـ (الذين آمنوا) يسمى نداء كرامة، في حين أن النداء بقوله: (يا أيها الناس) أو: (يا بني آدم) نداء علامة بحسب ما اتصفوا به، فـ (يا أيها الذين آمنوا) نداء كرامة، والمؤمن كريم على الله.
ومن أعظم الدلائل على أن المؤمن كريم على الله ما روي من أن خلف بن عمرو قرأ على أحد الصالحين القرآن، فلما وصل إلى قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] بكى الرجل الذي كان يقرأ عليه القرآن، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: يا خلف! انظر كرامة المؤمن عند الله، نائم على فراشه وتستغفر له حملة العرش!
стр. 632
المراد بإضافة البيوت في قوله تعالى: (لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم)
قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧] الملكية هنا ليست مراده، فقوله تعالى: (غير بيوتكم) أي: غير التي تسكنون، وهذا واقع في هذا العصر، فإضافة البيت هنا ليست إضافة تمليك، والمقصود البيت الذي تسكنه، فالبيت الذي تملكه إذا أجرته من غيرك فسكنه فإنه لا يعتبر في عرف الآية ودلالتها بيتاً لك، فالله يخاطبك فينهاك عن البيوت التي لا تسكنها، بصرف النظر عن تملكها، وكونك في بيت ملك أو في بيت مستأجر، فالعبرة هنا بالسكنى.
стр. 633
بيان المراد بالاستئناس
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] (حتى) تأتي لابتداء الغاية، وتأتي لانتهاء الغاية، وقد قال أحد النحاة: أموت وفي نفسي شيء من (حتى)، وأظنه أبا عمرو بن العلاء، فقد درس النحو وتعمق فيه، وكان من الأقدمين من شيعة سيبويه الأولين، يقول: أموت وفي نفسي شيء من (حتى)؛ لأن ما بعدها يصلح له كل شيء، فلم يستبن له الأمر فيها.
فـ (حتى) هنا لانتهاء الغاية أو لابتدائها، وهذا كله يظهر حسب سياق القرآن.
فقوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] هذا أدب رباني يعلم الله فيه المؤمنين، ولكن الإشكال قائم عند العلماء في معنى الاستئناس، فالسلام معروف، واختلفوا في الاستئناس، فقال قوم: الاستئناس هو الاستئذان نفسه.
وقال آخرون: إن الاستئناس أن تحدث صوتاً قبل أن تستأذن، كأن تتنحنح أو ترفع من صوت سيارتك إذا قربت، أو تغلق بابها بقوة لتشعر أن هناك رجلاً قادماً.
والعلماء يقولون: إن الاستئذان ثلاث مرات: فالمرة الأولى حتى لينصت أهل الدار، والمرة الثانية ليستصلحوا، ويغيروا في أثاث البيت، والمرة الثالثة ليأذنوا أو ليقولوا لك: ارجع.
وبعض العلماء يقول: إن الاستئناس لا هذا ولا ذاك، وإنما هو ضد الاستيحاش، والاستيحاش: الوحشة، والقادم على أي دار يجد في نفسه وحشة وغربة، فهل سيقبله أهلها أم لا، فإذا قبل زالت عنه تلك الوحشة، ولذلك كان حرياً بمن يستقبل أن يقول: مرحباً أهلاً وسهلاً، فغربتك تشفى بكلمة (أهلاً)، أي: وجدت لك أهلاً يذهبون عنك الوحشة، فهذا هو الذي دفع أقواماً إلى أن يقولوا: إن الاستئناس هو من الأنس وإبعاد الوحشة.
يعني: لابد أن يتبين لك أن أهل الدار راغبون في استقبالك أو غير راغبين، فإن فهمت منهم -ولو أذنوا- أنهم غير راغبين؛ فالأولى والأحرى أن تنصرف.
وهذه المعاني لم تتعرض لها الآية، ولكنها استنباطات العلماء، وفرق بين النص وبين تعليق العلماء على النص، فالتقديس يذهب إلى النص، وعدم التقديس يذهب إلى غير النص.
نقول: ويدل على أن معنى الاستئناس ما ذكره قول الله جل وعلا: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص:٢٩]؛ فإن موسى ﵇ كان في حالة وحشة، فلما رأى النار ورأى النور زالت تلك الوحشة، كإنسان غريب ضائع تائه في صحراء مظلمة يخشى ويستوحش، فحين يرى عن بعد شيئاً ما تزول عنه تلك الوحشة تدريجياً.
قال تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] أي: أهل الدار، وقد قلنا: إن الاستئذان قد دلت السنة على أنه ثلاث، كما في حديث عمر لما استأذن على النبي ﷺ وقد اعتزل النبي ﷺ نساءه في تلك المشربة، فإنه بعث عبداً يستأذن النبي ﵊، فرده مرتين فلم يجب وفي الثالثة قبله.
قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧].
أي: هذا التشريع الرباني والنص الإلهي والأدب القرآني خير لكم، ولابد من أن يكون فيه خير؛ لأنه من عند الله، والتذكر والتبصر لا يكون إلا بتعاليم الكتاب وتعاليم السنة.
стр. 634
ذكر قصة عمر في الاستئناس
وتذكر في هذا الباب قصة عمر رضي الله تعالى عنه في قضية الاستئناس والاستئذان، وذلك عمر رضي الله تعالى عنه مر على حائط فيه فتية من الأنصار يشربون الخمر، فتسور الحائط بعد أن تبين له أن هناك سكارى خلفه، فداهمهم وأنكر عليهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين! قد جئنا بواحدة -وهي شرب الخمر- وجئتنا بثلاث: وهي أنك تجسست، والله قد نهى عنه، وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] ولم تستأنس، وقال: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة:١٨٩] وأنت تسورت علينا الحائط، فرجع عنهم وهو يقول: كل الناس أفقه منك يا عمر.
وقد قيل: إن عمر رضي الله تعالى عنه قبل قولهم من باب أنهم استندوا إلى القرآن، ومن علامة التقوى أن يقبل الإنسان الأمر الرباني ولو جاء من أقل منه، وقد قال حافظ رحمه الله تعالى يصور هذا الموقف: وفتية أولعوا بالراح فانتبذوا لهم مكاناً وجدوا في تعاطيها ظهرت حائطهم لما عَلِمَت بهم والليل معتكر الأرجاء ساجيها قالوا مكانك قد جئنا بواحدة وجئتنا بثلاث لا تباليها فأتِ البيوت من الأبواب يا عمر فقد يُزَّنُّ من الحيطان آتيها ولا تجسس فهذي الآيُ قد نزلت بالنهي عنه فلم تذكر نواهيها فعدت عنهم وقد أكبرت حجتهم لما رأيت كتاب الله يمليها وما أنفت وإن كانوا على حرج من أن يحجك بالآيات عاصيها فما دام أن من يخاطبك ويجادلك يخاطبك بهذا النور المبين فإنه يجب عليه أن تقبله، ولو كان هو لا يعمل به؛ لأنه قد أقام الحجة إليك ودعاك بهذا القرآن.
وهذه القصيدة تسمى بالعمرية، وهي موجودة في ديوان حافظ في أكثر من مائتي بيت، كنا نحفظها في زمن الصبا وقد قسمها حافظ باعتبارات جملة أحداث، فقد قال في قصة نصر بن حجاج، الذي كان وسيماً فنفاه عمر إلى الكوفة أو إلى البصرة: جنا الجمال على نصر فغربه عن المدينة تبكيه ويبكيها ثم ذكر الأبيات.
وذكر قضية رسول كسرى حين قدم على عمر فقال في أولها: وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها ثم لما قال صاحب كسرى: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر، قال حافظ: أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها وفي تاريخ عمر عزله لـ خالد، فقال: سل قاهر الفرس والرومان هل شفعت له الفتوح وهل أغنت تواليها وذكر عمر وجوعه في عام الرمادة، فقال: يا من صدفت عن الدنيا وزينتها فلم يغررك من دنياك مغريها وقد استطردنا في هذا وإن كنا في كتاب التفسير، ولكن المنهج في تعليمنا للناس هو أننا نفرع كثيراً؛ حتى نبين أن جماع التفسير هو العلم بشتى الفنون، فذلك يقودك إلى أن تكون إماماً في التفسير، وأما من كان معتمداً على فن واحد دون سواه فقل ما يستطيع أن يجري في مضمار علم التفسير؛ لأنه إذا كان القرآن أم العلوم كلها فلابد من أن يكون القائم به مطلعاً على شتى الفنون، قال الشيخ الشنقيطي ﵀: بل السنة كلها في آية واحدة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
стр. 635
بيان معنى قوله تعالى (فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها)
قال ربنا جل وعلا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] يعني: البيوت، ولم يقل الله: (فإن لم يكن) بل قال: (فإن لم تجدوا)، فبين الجملتين فرق، فلو قال جل وعلا لو قال جل وعلا: (فإن لم يكن) فمعنى ذلك: أن البيت لا يوجد أحد فيه، ولكن لما قال: (فإن لم تجدوا) فمعنى ذلك أنه قد يكون فيه أحد، ولكنه لم يتبين لك هل فيه أحد أو لا، فإذا أتيت إلى بيت أحد أصدقائك فطرقت الباب وهم موجودون، فهم إما نائمون وإما منشغلون، وإما سمعوا الطرق ولا يريدوا أن يجيبوا، فلا تدري هل هم موجودون أو لا، فبعد طرقة أو طرقتين أو ثلاث تكاد تقتنع بأنهم غير موجودين.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا﴾ [النور:٢٨]، فلو قدر أن رأيناها مفتوحة فإننا لا ندخل؛ لأنها مغلقة بأمر الشرع لا بالمفتاح، وهو قول الله جل وعلا: ﴿فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]، فالبيوت عورات، فلا يجوز لأحد أن يقتحمها، وإذا استضافك أحد في قعر البيت فلا تلتفت ميمنة ولا ميسرة ولا تنظر فيما لا يعنيك، بل ادخل مطأطئاً رأسك غاضاً بصرك حتى تصل إلى المكان الذي أدخلك فيه.
والإنسان إذا كان في سلطان أحد فإن من الأدب الإلهي والنبوي أن يأتمر بأمر ذلك الذي بيده السلطان، بمعنى أن صاحب البيت أدرى أين يضعك، فلو وضعك في صدر المجلس فاجلس فيه، ولو وضعك في ميمنة أو ميسرة فاجلس حيث وضعك؛ لأنه أدرى بالمكان.
следующие страницы →