← Тафсир

Тафсир · id 37455

سلسلة محاسن التأويل - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (789 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) عاد الحديث الآن إلى الكلام عن بني إسرائيل الحاليين والسابقين، قال الله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة:٨٣] وهذا مر معنا كثيراً أن الدعوة إلى عبادة الله وحده هي أس دعوة الرسل، وكل الرسل جميعاً دعوا إليها. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣] وهذه أول آية في القرآن ذكر الله جل وعلا فيها -حسب ترتيب المصحف- بر الوالدين. ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣] القرآن يربي في الناس فقه الأولويات، فمن لم يعط حق الله لن يعطي حق الخلق، ومن منع الوالدين لن يعطي القريب، ومن منع القريب لن يعطي اليتيم، ولذلك من الفقه الخاطئ أن يوجد في الرجل صفة تدل على كذب الأول؛ لأن من ضيع حق الله وحق والديه والله لن يؤدي حق الناس، فإن صنع ذلك ورأيته بعينك بحيث لا يمكن لك أن تنكره فاعلم أن ما فعله لغرض دنيوي محض لا لهدي هو يقوم عليه، فرتب ربنا حقه ثم حق الوالدين ثم حق ذوي القربى، والعرب كانت تأنف من الرجل الذي يكون شره على قرابته، قال طرفة: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند والله قال لنبيه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، ونوح ﵊ لما دعا قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨] ثم قال الله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ [البقرة:٨٣] هذا جمع يتيم وقد مر معنا الحديث عنه، والمساكين جمع مسكين، وهو من أذله الفقر وأعجزه فأصبح ساكناً. ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣] الناس عامة المؤمنين والكفار، وهذا من تأديب الله للأمم السابقة واللاحقة أن الإنسان يكون قوله هيناً ليناً حتى يقبل منه، وقد قالت العرب: أبني إن البر شيء هين وجه طليق ولسان لين وأعجز الناس من عجز أن يحوي الناس بلسانه، قال المتنبي: لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعد الحال فالإنسان العاقل يحتوي الناس بكلامه حتى عندما يقول: لا، فيقولها بأسلوب مقبول تبين أنه لا يجد شيئاً، النبي ﷺ عندما أتاه ضعفاء المهاجرين والأنصار في غزوة العسرة قال الله عنه: ﴿قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٩٢]، فالتعبير النبوي في الرد تعبير لطيف، وهذا مندرج تحت قول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣] وقد كانت العرب تضرب الأمثال برجال معدودين يحسنون الخطاب، وبعضهم كان إذا أتاه سائل يقول له: الآن لا أجد، لكن أعطيك ورقة أن لك علي كذا، فإذا أصابتني حالة يسر عدت فأخذتها بمقتضى هذه الورقة! خالد بن سعيد بن العاص كان من أكرم العرب، أصابته فاقة وعزل من منصبه من المدينة، فذهب إلى قصره في وادي العقيق في عروة من بعض أودية المدينة جهة الغرب، وكان هذا الوادي يسيل وعليه قصور أكثر الناس من أهل الثراء كقصر سعد بن أبي وقاص، وهو راوي حديث: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) كان يقصد نفسه لما جاءه ابنه وأخبره أن الناس يقتلون على الخلافة وهو في قصره، وعندما مات سعد بن أبي وقاص حمل من قصره في غرب المدينة إلى الحرم على أعناق الرجال. الذي يعنينا أن خالداً هذا لما عزل وكانت دار الإمارة بجوار المسجد النبوي رجع، فلك أن تتصور أميراً يعزل، لن يرجع معه أحد، الناس كانوا يلتفون حوله لإمرته، والآن لا مال ولا إمرة، لكن بعض الناس لا يقدر السلاطين على مناكفتهم بالكلية، فعندما رجع سار معه شاب فطن حتى وصل معه إلى باب القصر، فلما وصل معه إلى باب القصر قال: يا أخي! سم حاجتك، فإنك منذ اليوم ترافقني. قال: والله! لا أريد شيئاً، قال: ولماذا سرت معي؟ قال: رأيت مقصوص الجناح فأحببت أن أعضدك. فوقعت هذه الكلمة في قلب خالد موقعاً عظيماً، فقال له: أخرج ورقة، فأخرج ورقة فكتب له أن له عليه عشرين ألف دينار ديناً، ونادى غلاماً له ليشهد، ثم ختمها وأعطاها الغلام، فذهب الغلام، فمات خالد بعدها بقليل، وكان رجلاً من وجهاء بني أمية في عهد معاوية، وقد قال لابنه قبل أن يموت: اذهب إلى معاوية فإنه سيتكفل بديني، وأخبره أنت بنبأي، فلما مات خالد ذهب ابنه إلى الشام وأخبره بموت أبيه، ومعاوية وخالد كلاهما من بني أمية، فلما أخبره قال له: ما أوصاك؟ قال: أوصاني أن آتيك وأخبرك. فقال: خيراً فعل أو حسناً دلك عليه، فأعطاه آلاف الدنانير ليقضي بها دين أبيه خالد. فعاد ابن خالد إلى المدينة وأعلن في الناس بطريقة الإعلان آنذاك، حيث ينادي مناد أن يأتي الدائنون ليأخذوا ديونهم، فجاء التجار الذين كان بينهم وبينه معاملات، ثم جاء هذا الشاب ومعه هذه الورقة وفيها عشرون ألف دينار، وهو مبلغ كبير جداً، فلما أخذه الابن قال: ما أظن أبي يكتب هذا، أنت لست بتاجر، وإنما أنت صعلوك من صعاليك المدينة، كيف استحققت أن تأخذ على أبي هذا المبلغ؟ فجاء الشاهد وقال: أنا أشهد أنه صحب خالداً إلى قصره فسأله خالد: لم صحبتني؟ قال: رأيتك مقصوص الجناح فأحببت أن أعضدك فكتب له هذه الورقة، فأعطاه العشرين ألف دينار. موضع الشاهد: من هذه القصة نص الله عليه في آية مكية؛ لأن البقرة مدنية، والقصة متأخرة في عهد بني أمية، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ﴾ أي: المساكين ﴿قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨]، ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ [الإسراء:٢٨] أي: شيء تؤمله من الله، ولا يوجد مؤمن عاقل يعرف الله إلا وهو يؤمل شيئاً من الله، فمقطوع الأمل من الله لا يعرف الله، الذي يعرف الله على حال استعداد أن تأتيه نعمة الله. ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ [الإسراء:٢٨] أي المساكين. ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٨] أي أجلهم إلى حين، قل لهم: ائتوني بعد غد ائتوني آخر الشهر لعلك تأتيني آخر السنة لعلك تأتيني في رمضان، وما أشبه هذه الكلمات التي تندرج في قول الله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]. قال الله جل وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة:٨٣] وهذه ظاهرة مر معنا كثيراً مثلها.

стр. 72

تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٤ - ٨٥]. الخطاب لليهود المعاصرين للنبي ﷺ ، وهم ثلاث طوائف، وكانت الحرب قبل الإسلام مشتعلة بين الأوس والخزرج، وتنبه جيداً لما سيأتي فلن تفسر الآية إلا إذا عرفت التاريخ، فقد كانت قبائل اليهود تلتزم الحياد، والحرب كانت بين الأوس والخزرج، وكانت الغلبة للخزرج كثيراً، والآن ضع نفسك مغلوباً مكان الأوس، تضطر أن تشرك الذين في الحياد وتجرهم إلى المعركة جراً، فذهبت الأوس تستنصر باليهود فرفضت اليهود وذكروا حيادهم، ولما علم الخزرج أن الأوس تستنصر باليهود ذهبوا إلى يهود قريظة والنضير وقالوا: نخشى أن تكونوا مع أبناء عمتنا، فأعطوهم المواثيق أنهم سيبقون على الحياد، فما اطمأنت الخزرج فطلبوا رهائن، فأعطت اليهود للخزرج أربعين غلاماً منهم حتى يضمنوا أنهم لن يشتركوا في الحرب، وفعلاً لم تشترك اليهود في الحرب، وبقي الأربعون غلاماً مع الخزرج. والله يقول: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] فلما شعر الخزرج أن أربعين من اليهود تحت أيديهم، وقد غلبوا إخوانهم من الأوس أرادوا أن يتحولوا إلى مواطن سكن بني قريظة وبني النضير، فقد كانت أخصب أرضاً وأكثر نخلاً، فجاءوا لليهود وقالوا: زيحوا عنا قليلاً، نريد أن نسكن دياركم، فغم ذلك على اليهود، وقد هددهم الخزرج فقالوا: إن لم تقبلوا قتلنا الأربعين، فرجع اليهود إلى رجل عاقل فقال هذا الرجل واسمه كعب: يا قومي ابقوا على دياركم ونخلكم وأموالكم ولا تبرحوا منها، أما الغلمان فلا يلبث الرجل منكم أن يأتي أهله فيولد له غلام مثله. أحد العرب كان مسافراً وترك وراءه زوجه وولدة وأباه وأخاه وجيرانه، فلما جاء قال: كيف حال الأب؟ قالوا: مات، قال: ملكت أمري، قال: أين الزوجة؟ قالوا: ماتت. قال: تجدد فراشي. قالت: أين ابني؟ قالوا: مات. قال: آتي أهلي الجدد ويأتيني الله بغيره. قال: أين أخي؟ قالوا: مات. قال: قصم ظهري. من أين يأتيه أخ؟ الذي يعنينا الآن أنه قال هذا العاقل: الغلمان تلد الأزواج غيرهم، لكن الأرض والديار والنخل ما الذي يعوضها؟ فقتلت الخزرج الأربعين، ودخلوا في حلف بني قينقاع، فاضطر بنو النضير وقريظة أن يدخلوا مع الأوس، وبمقتضى هذين الحلفين أصبح اليهود يقاتل بعضهم بعضاً؛ لأن بني النضير وبني قريظة في كفة، وبنو قينقاع في كفة أخرى. والحرب لابد أن تنتهي وترتفع، قال الله عن هذا بقوله: ﴿تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤]، ولا يعرف هذا التعبير قبل القرآن، فلما وضعت الحرب أوزارها لجأ اليهود إلى أن يفدوا أسراهم، ففدوا أسراهم، ما علاقة هذا بالآيات؟ أوجب الله عليهم في التوراة فداء الأسرى، وحرم عليهم أن يقتل بعضهم بعضاً، فمحرم أن يهودياً يقاتل يهودياً، فهم بصنيعهم هذا قاتلوا بعضهم، ففعلوا ما نهوا عنه، وقاموا بما وجب عليهم من فداء الأسرى، فعاتبهم الله ﵎ فقال: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]، فأصبحوا فعلوا شيئاً وتركوا شيئاً، وما كان ينبغي عليهم أن يقاتلوا بمقتضى التوراة التي بين أيديهم. فذكر الله ﵎ أنه حرم عليهم أن يخرجوا أنفسهم، والمعنى الملة الواحدة، والله جل وعلا جعل كل ملة كالنفس الواحدة، قال ﵊: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو) إلى آخر الحديث. قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [البقرة:٨٥] من ناحية الصناعة النحوية (تظاهرون) أصلها تتظاهرون بتائبين فحذفت إحداهما، ولا ريب أن هناك تاء زائدة وتاء أصلية، لكن اختلف النحاة البصريون والكوفيون في أيهما التي حذفت هل هي الأصلية أو الزائدة؟ فقال البصريون وإليهم نميل في الغالب: إن المحذوف الأصلية؛ لأن التاء الزائدة دخلت لمعنى، فلا معنى لحذفها، كيف أدخلها لسبب ثم أخرجها؟! وأما الأصلية فلا معنى لها لأنها من الأصل باقية. وقال الكوفيون: إن المحذوف هو التاء الزائدة؛ لأنها أضعف، والأصلية هي الأقوى، فلا معنى لحذف الأقوى وبقاء الأضعف، واضح؟ وهذا كثير في القرآن، قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر:٤]، والأصل تتنزل، وهذا تعريج نحوي على قول الله تعالى: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] ثم قال جل وعلا: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٥]. (فما جزاء من يفعل ذلك منكم) اختلف في (ما) هذه هل هي استفهامية أو نافية؟ والحق أنها تحتمل الاثنين، ولا أستطيع أن أجزم بإحداهما، تحتمل أن تكون نافية، وتحتمل أن تكون استفهامية. ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٨٥] هذه فيها قرينة ودلالة وشاهد على أن من الذنوب ما يعجل الله جل وعلا عليه العقوبة في الدنيا، وما كان سبباً في الذنب لا يمكن أن يكون سبباً في الرفع، فالذنب الذي هو أحد أسباب الابتلاء لا يمكن أن يكون هو نفسه سبب الرفع، مثلاً عندما يحصل الآن حرب أو يحصل أذى للمسلمين في أي قطر في أي مكان، وفي أي زمان، يأتي مجموعة من أهل الفن ومن دعاة الفجور العلني فيقيمون المظاهرات أو يقولون: سنفعل ونفعل، هذا بشرع الله لا يستقيم؛ لأن وجود هذه الأعمال التي يتبناها أولئك الأقوام هي من أسباب تسلط العدو، فلا يمكن أن يرفع البلاء بسببهم هم، إنما الذي يمكن أن يقدموه التوبة، عليكم أنتم أن تتخلصوا من ذنوبكم فيرفع الله عنا البلاء، ولا يعقل أن تكونوا أنتم مقدمين في قضية رفع البلاء عن الأمة! هذا محال؛ لأن أي عذاب وأي ابتلاء وتسلط عدو أو جدب ديار أو غيره هو بسبب الذنوب، ولا يلزم أن تكون محصورة في ذنب واحد، لكن ليس من المعقول أن يكونوا هم السبب في نزول البلاء ويكونوا هم أنفسهم سبباً في رفعه إلا أن يتوبوا، وهذه نقطة يجب أن يتنبه لها الإنسان، ولا يغتر بكثرة النفير الظاهر في الفضائيات والقنوات، علمنا الله وإياكم ما ينفعنا ونفعنا وإياكم بما علمنا. وقوله تعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة:٨٦] الأفضل حملها على عذاب الدنيا لأن عذاب الآخرة مستقر. ﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٨٦] هذه يجب حملها على عذاب الآخرة؛ لأن النصرة قد تقع في الدنياـ فقد يسلط أهل الكفر حيناً على أهل الإيمان. هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 73

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [٦] موسى وعيسى ﵉ من أعظم الرسل، وقد آذى اليهود موسى وكفروا بعيسى، مع أن الله آتى موسى التوراة وقفى من بعده بالرسل لبني إسرائيل، وآتى عيسى البينات وأيده بروح القدس، ولما جاءهم النبي محمد ﷺ الذي يعرفونه كفروا به فلعنة الله عليهم، ما أشد كفرهم! وما أقسى قلوبهم! وما ألأم طباعهم!

стр. 74

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل) الحمد لله رب العالمين، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: ففي هذا اللقاء المبارك نتبع ما كنا قد تكلمنا عنه من تفسيرنا لسورة البقرة، وقد انتهينا في اللقاء الماضي إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٨٤] والآيتين اللتين بعدهما وهما في الحديث عن بني إسرائيل. وقد مر معنا أن الله جل وعلا ذكر بعضاً من شنائع اليهود ثم أردفها ببعض أخبار اليهود المعاصرين لنبينا ﷺ . ومنها أن اليهود انقسموا إلى طائفتين في حرب بعاث بين الأوس والخزرج، فكل طائفة منهم مالأت إما الأوس وإما الخزرج، فنشأ عن هذا ضرورة اقتتال طائفتي اليهود؛ لأن كل فرقة منهم تبعت طائفة، ثم إن اليهود بعد أن وضعت الحرب أوزارها فدت أسراها، واليهود محرم عليهم أن يقاتل بعضهم بعضاً كما أنهم مأمورون بشريعتهم أن يفدوا أسراهم، فاليهود بصنيعهم هذا خالفوا تعاليمهم؛ لأنهم قتلوا بعضهم واتبعوا شرعهم بفداء أسراهم، وهذا هو الذي نقمه الله جل وعلا عليهم بقوله ﵎: ﴿أََفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]، هذا هو معنى الآية، وقلنا: إن استصحاب التاريخ والأحداث معين لفهم القرآن، بل إن بعض آيات القرآن محال فهمها إلا بمعرفة سبب النزول وذكر الخبر وإلا لا سبيل إلى فهمها؛ لأن فهمها لا يتوقف على حل المفردات اللغوية، لكن لابد من خبر يوضح سبب النزول، وسيأتي لهذا أمثلة. ثم قال الله جل وعلا بعد هذه الآيات: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة:٨٧] قد مضى الحديث عن موسى، لكن جاء ذكر موسى هنا تمهيداً لا تأكيداً، فقال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة:٨٧] المراد بالكتاب هنا التوراة. ثم قال جل وعلا: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة:٨٧] أي من بعد موسى ﴿بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة:٨٧] هذه الآية تحدث عند طالب العلم نوع إشكال؛ لأنه معلوم أن أكثر أهل العلم على أن الرسول من أوتي بشرع جديد بخلاف النبي الذي يسوس أمته على شرع غيره، أين الإشكال؟ الإشكال أن الله قال: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [البقرة:٨٧] أي من بعد موسى ﴿بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة:٨٧]، فأطلق على أنبياء بني إسرائيل أنهم رسل ولم يأتوا بشرع جديد؛ لأنه لا كتاب مشهور لدينا بعد التوراة إلا الإنجيل، والإنجيل أفرده الله جل وعلا بقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة:٨٧]، وفي آيات أخر أن الله آتاه الإنجيل، هذا هو الإشكال! بعض العلماء يقول: يرفع مقامات بني إسرائيل؛ لأنها تفريع عن التوراة إلى مقام الرسل، وهذا جواب غير علمي، وأرى أن الجواب العلمي أن يقال: ليس الأمر حصر الرسل في بني إسرائيل، وإنما المقصود الحقبة الزمنية التي ما بين موسى وعيسى ﵉، فقد بعث الله فيها رسلاً ليس إلى بني إسرائيل ولكن إلى من جاورهم من أهل بلدان أخرى كإلياس وذي الكفل، فالمعنى: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة:٨٧] زمناً لا أمة، أي جاءت رسل ما بين موسى وعيسى لكنهم ليسوا مبعوثين إلى بني إسرائيل، ولو كانوا مبعوثين إلى بني إسرائيل ويسوسون بني إسرائيل بالتوراة لا يطلق عليهم أنهم رسل.

стр. 75

معنى قوله تعالى (وآتينا عيسى بن مريم البينات) قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة:٨٧] عيسى بن مريم نبي من أنبياء بني إسرائيل، وهو آخر الأنبياء قبل نبينا ﷺ ، وسينزل في آخر الزمان كما حررنا ذلك في مواضع كثيرة، واسمه بالعبرانية يشوع أو يسوع، حرف العين في الأخير وهو حرف حلقي، ثم نقل إلى العربية عيسى، وصار حرف العين في الأول، وهذا يسمى قلباً مكانياً، والمعنى أن العرب لما نقلت اسمه إلى العربية أجرت عليه قلباً مكانياً، وسبب ذلك أن يشوع عند العرب كلفظة مفردة -لا كنبي؛ لأن العرب لم يكونوا مؤمنين- وجدوها ثقيلة من بابين: ثقل العجمة؛ لأنه ليس له معنى عندهم، وثقل التركيب، ثقل العجمة لأن عيسى اسم أعجمي غير عربي، وثقل التركيب، فأرادوا التخفيف فأجروا قلباً مكانياً، إذ لا سبيل لهم إلى العجمة، فالسبيل في التركيب الحرفي، فبدلوا بالتقديم والتأخير حتى يصبح مساغاً في نطقهم، فجعلوا الحرف الأخير في الأول فقالوا: عيسى، واجتمع عندهم حرفا علة الياء والواو فتخلصوا من أحدهما بالقلب فقلبوا الواو ألفاً وأبقوا الثاني كما هو فقالوا: عيسى. هذه بعض الإجراءات التي أجراها العرب على الاسم، أما معناه عند العبرانيين فهو السيد المبارك، وهذا النبي اختصه الله بخصيصة لم تعط لغيره، وهو أنه لم ينتقل في أصلاب الرجال، بل كان محفوظاً في مقام لدني عند الله حتى بعث الله روحه مع جبريل لينفخ به في جيب مريم ابنة عمران أمه عليهما الصلاة والسلام. عيسى بن مريم لم ينسب لأبيه؛ لأنه ليس له أب، ولم يتقلب في أصلاب الرجال، وهي خصيصة له دون من سواه، إذا استثنينا من ذلك آدم وحواء. ومريم اسم أعجمي، وهو في العبرانية بهذا اللفظ مريم، ولم يجري عليه العرب عند نقله إلى العربية تغييراً مثل عيسى؛ لأنهم لم يروا في اسم مريم ثقلاً؛ فأبقوه على ما هو عليه، هذا من باب الصناعة اللغوية. ومريم معناها المرأة المتباعدة عن الرجال، والعاكفة على خدمة الرب، وهي أول امرأة خدمت بيت المقدس، ومشهور أن أمها لما حملت بها كانت ترغب أن يكون حملها ذكراً حتى يخدم في بيت المقدس، ولهذا قالت معتذرة إلى ربها كما سيأتي تحريره في سورة آل عمران: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٣٦]، فمن حرصها على الخير لما فاتها الشيء الذي لا تقدر عليه وهي أن يكون حملها ذكراً، فهذا لا سبيل لأم مريم عليه، فلما فاتها الذي لا تقدر عليه تمسكت بما تقدر عليه، فتقربت إلى الله أقل شيء بالاسم، فسمتها باسم من معانيه أنها تخدم الرب. المرأة المتباعدة عن الرجال تسمى مريم، وضده من الرجال في العربية الرجل المتقارب من النساء، فالرجل إذا كان يقرب من مجامع النساء يسمى في العربية الزير، ومهلهل بن ربيعة يسمى الزير سالم، يقول رؤبة بن العجاج أشهر العرب في باب الرجز، والرجز أحد بحور الشعر يغلب عليه التخفيف، ويقوله كثير من الشعراء، يقول رؤبة لـ أبي جعفر المنصور في قصيدة رجز طويلة: فقلت لزير لم تزره مريم أي قلت لرجل له رغبة في محادثة النساء والعكوف لديهن لكن زوجته على النقيض منه، ولهذا سماها مريم؛ لأنها متباعدة عن الرجال. ومن يبني المجد لنفسه إن كان رجلاً لابد أن يأنف من الرغبة أو المحبة لمحادثة النساء والقرب من مجامعهن، فمن ألف من الرجال مجامع النساء في الغالب يكون أبعد عن ذرى المجد، فمن ألفها بعد، فـ جميل بثينة كان يحب مجامع النساء؛ ولذلك الناس لا ينسبونه إلى مجد أكثر مما ينسبونه إلى امرأة! يقول في داليته المشهورة: يقولون جاهد يا جميل بغزوة وأي جهاد غيرهن أريد لكل حديث بينهن بشاشة وكل قتيل عندهن شهيد قال الله جل وعلا: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة:٨٧] هذا صفة لموصوف محذوف أي الآيات والمعجزات البينات، ومن أشهرها إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.

стр. 76

معنى قوله تعالى (وأيدناه بروح القدس) قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة:٨٧] اختلف العلماء في المقصود بروح القدس على أقوال: منهم من قال: روح القدس هو جبريل، وهذا هو قول الجمهور وكثير من الآثار تشهد له، قال النبي ﷺ لـ حسان: (اهجهم وروح القدس معك) كما في الصحيح عندما رد على عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقول حسان نفسه: وجبريل أمين الله فينا وروح القدس ليس له كفاء هذا القول عليه الجمهور واختاره ابن كثير. وبعض العلماء قال: إن روح القدس هو الاسم الأعظم الذي كان ينادي به عيسى عند إحياء الموتى، وهذا منقول عن ابن عباس، لكني لا أعلم سنداً صحيحاً به إلى ابن عباس، وهذا القول بعيد. ويوجد قول يشهد له القرآن، وهو أن المقصود به الإنجيل، كيف يشهد له القرآن؟ قالوا: إن الله سمى القرآن روحاً ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢] فقالوا: كما سمى الله القرآن روحاً فإن الإنجيل يسمى روحاً باعتبار الجمع بين القرآن والإنجيل بأن كليهما كتابان سماويان أنزلهما الله جل وعلا على نبيين رسولين من أنبيائه ورسله. ومعنى القدس المطهر المنزه. ثم قال الله بعد هذا التمهيد مخاطباً اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]. هوى بمعنى رغب وأحب ومال، ويستخدم في الشر أكثر مما يستخدم في الخير إلا أنه لا يعني ذلك أنه لا يستخدم في الخير، ومما يدل على أنه يستخدم في الخير قول عائشة ﵂ للنبي ﷺ : (ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) أي فيما ترغب من الخير. هنا عنف الله جل وعلا على اليهود زعمهم أنهم متمسكون بأصل الإيمان، مع أنهم كانوا فيما مضى يقتلون أنبياء الله كزكريا، ويستكبرون على كثير من الأنبياء كموسى.

стр. 77

تفسير قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا غلف) قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ [البقرة:٨٨] أي اليهود ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة:٨٨] جمع أغلف، وهو من على قلبه غطاء وغشاوة، أي زعموا أن الذي يمنعنا من اتباعك ما على قلوبنا من الغطاء والغشاوة. قال الله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٨٨] أعظم ما تدل عليه هذه الآية أن تعلم أن من الجزاء ما يكون أعظم من الذنب، فهؤلاء اليهود اجترءوا على الله وعلى رسله؛ فعاقبهم الله على هذا الاجتراء بأن جعل قلوبهم لا تقبل الإيمان، ولا ريب أن الله جل وعلا إذا طبع على قلب أحد ولم يجعله يقبل الإيمان فهذه عقوبة وجزاء ظاهر القسوة، وقد صرف اليهود عن اتباع الحق لما اجترءوا على المعاصي، وعاقبهم الله جل وعلا بقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٨٨] أي الذي جعلهم حقيقة لا يقبلون الحق ما أقامه الله جل وعلا عليهم من اللعنة حتى أصبحوا مطرودين من رحمة الله. ونقرأ في كتب التعريفات أن اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، والحق أن هذا التعبير على إطلاقه في النفس منه شيء، ولا يستقيم شرعاً وإن قال به أكثر أهل العلم؛ لأنه ينبغي تقييده بأن ينظر من الملعون، ثم المسألة مسألة نسبية، فقد يكون الطرد طرداً بالكلية، وقد يكون اللعن منعاً من دخول الجنة، وقد يكون اللعن حكماً على أحد بالنار، وقد يكون اللعن تخفيض منزلة وإنزال من درجة، وهذا أكثره يرد في حق أهل الإيمان، وعليه تحمل الأحاديث التي جاءت في عصاة المؤمنين، خاصة بعض الأعمال التي ليست في ظاهرها من الكبائر، وإن كان بعضهم يقولون: إن ذكر اللعن دليل على الكبيرة، لكن بعض الأحاديث فيها النهي عن شيء من غير الكبائر ومع ذلك ذكر فيه اللعن، فيكون اللعن هنا محمولاً على إنزال من درجة معينة، من درجة المقربين الأبرار أو من درجة أهل الفضائل أو ما أشبه ذلك إلى درجة أصحاب اليمين، لكن لا يكون طرداً كلياً كما هو معنى لعنة الله على الكافرين.

стр. 78

تفسير قوله تعالى: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم) قال الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٨٩] المقصود بالكتاب هنا القرآن. ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:٨٩] أي التوراة. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٨٩] الاستفتاح في اللغة يطلق على معنيين: الأول: طلب النصرة، والثاني الاستدراك على القارئ، فلما يقرأ الإمام في الصلاة ويقع منه سهو في آية تفتح عليه، أي تذكره بما نسي، فتعيد الآية حتى ينتبه من سهوه، هذا المعنى الثاني، والمعنى الأصلي لها والأول هو طلب النصرة، ويصبح معنى الآية على الأول أن بعض العرب كالغطفانيين لما كانوا يحاربون اليهود كان اليهود يستنصرون الله عليهم، فمن جملة ما يستنصر به اليهود ربهم أنهم يتوسلون إليه بأنهم هاجروا من أجل النبي الذي سيخرج في آخر الزمان، هذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٨٩] أي يتوسلون إلى الله بأنهم خرجوا من أجل ذلك النبي الذي سيظهر في آخر الزمان. أما على المعنى الثاني أي أن هؤلاء اليهود كانوا يقرءون في كتبهم على غيرهم أن نبياً سيكون في آخر الزمان دون طلب نصرة في الحرب، فالله يقول: ذلك النبي والكتاب الذي كنتم تقرءون على الناس خبره جاءكم. ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ [البقرة:٨٩] بدليل أنهم كانوا يقرءون ذلك على الناس. ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة:٨٩] ولم يبين الله إلى الآن سبب الكفر لكن سيأتي بيانه، ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩].

стр. 79

تفسير قوله تعالى: (بئسما اشتروا به أنفسهم) ثم قال ربنا: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [البقرة:٩٠] البغي: تجاوز الحد، ويكون بسبب الظلم، والظلم من أعظم أسبابه الحسد، وإلى الآن لم يصرح الله بالحسد، وإنما ذكر لازمه وهو البغي. ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩٠] بئس فعل يفيد الذم. وقوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة:٩٠] أصابهم غضب على غضب، ولابد أن تكون هناك معصيتان: المعصية الأولى: عدم التزامهم بالتوراة، والمعصية الثانية: ردهم للقرآن، ثم قال الله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة:٩٠].

стр. 80

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٩١] أي القرآن. ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٩١] أي التوراة. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة:٩١] أي بما سواه. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:٩١] الألف واللام في الحق للجنس، لكن ينبغي أن يفهم أنها تحمل هنا معنى الاشتهار، وأحياناً الألف واللام تتضمن معنى الاشتهار والعرف حتى يصبح كأنه معنى من معاني الحصر، قال حسان يهجو رجلاً: وإن سنام المجد من آل هاشم بنو بنت مخزوم ووالدك العبد لم يقصد أن العبودية محصورة في والد المذموم، لكن قصده أن والدك اشتهر بالعبد فإذا أطلق لفظ العبد ينصرف إليه بصورة أولية، فالله يقول هنا: (وهو الحق) أي أن الحق إذا أطلق اشتهر به الدين والقرآن الذي جاء به محمد، لا حصر الحق فيه؛ لأن الله جل وعلا حق، فقال الله جل وعلا في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة:٩١] أي بما سواه. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة:٩١] حال. ويصح أن تقول في غير القرآن: مصدقٌ على أنها خبر، لكنها هنا حال مؤكدة على مذهب سيبويه، والحال تقع مؤكدة وتقع مؤسسة. أراد الله أن يجيب عليهم فقال: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩١] معنى الآية من حيث الإجمال أنهم قالوا: قالوا أليس محمد يقول: إن التوراة حق؟ قلنا: بلى. قالوا: إذاً بما أن التوراة حق فيكفينا أن نكون مؤمنين بالتوراة، ولا حاجة لنا بالقرآن، لأننا دخلنا في أصل الإيمان! هذا صنيعهم ودعواهم، قال الله جل وعلا لهم: إن التوراة لا يمكن أن تأمركم بقتل نبي، فإن كنتم تعتقدون أنه يكفيكم الإيمان بالتوراة: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩١] أي أن إيمانكم بالتوراة ليس إيماناً حقيقياً.

стр. 81

تفسير قوله تعالى: (ولقد جاءكم موسى بالبينات) قال الله يذكر اليهود ببعض معايبهم: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة:٩٢] لاحظ ما قال: واتخذتم العجل، بل قال: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٩٢] أي: جاءتكم البينات فتدبرتموها زمناً، وبقيت في أذهانكم أزماناً، وفي قلوبكم شهوراً وأياماً وأعواماً، ثم بعد استقرارها قلباً وعقلاً ويداً وقراءة وتأملاً اتخذتم العجل! والعرب تقول مثلاً: اتخذ الرجل التدريس مهنة، فمهنة مفعول ثاني لاتخذ، لكن الله هنا لم يقل: ثم اتخذتم العجل إلهاً، بل حذف المفعول الثاني، وليس في القرآن كله ذكر أن اليهود اتخذوا العجل إلهاً، كلمة إله لا تأتي، والسبب في عدم ذكر المفعول هنا التشنيع على من اتخذوه، أي لا يتصور عقلاً ولا نقلاً أن أحداً يترك عبادة الله ويعبد عجلاً، فلما كان أمراً لا يتصور عقلاً ولا نقلاً أعرض القرآن عن ذكره إلا تلميحاً، فيذكر أوله ويترك آخره لشناعته. قال الله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة:٩٢].

стр. 82

تفسير قوله تعالى: (وإذا أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٩٣]. هذه بعض الآيات والآلاء والمواثيق والعهود التي أخذها الله عليهم، وقد مرت معنا بالتفصيل. ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة:٩٣] ماذا قالوا؟ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٣]. هذه استعارة، شبه الله جل وعلا تأصل حب العجل في قلوبهم وعبادتهم له كالمشروب الذي إذا استساغه العبد سرى في أعضائه، وقد قال العلماء: إن هذا لا يكون في الطعام كما يكون في المشروبات، ولهذا عبر الله عنه بقوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣].

стр. 83

تفسير قوله تعالى: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس) قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٩٤]. هذا رد على مزاعم اليهود، فهم يقولون: أن الجنة سيدخلها اليهود، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة، فمن كان على ثقة وبرهان عندهم أنه سيدخل الجنة فبدهي أن يتمنى الموت؛ لأنه لا يحول بين من كتب الله له الجنة وبين دخولها إلا أن يموت، فالله يقول لهم: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٩٤]. وهذه من الآيات التي تضمها إلى أخرى، فقد مر معنا أن أبا لهب عجز أن يقول: آمنت بمحمد، وهذه الآية أختها، فاليهود العلماء وغير العلماء منهم يعلمون قطعاً أن الأجل لا يقدمه أمنية ولا يؤخره خوف منه، الأجل محدود محتوم مكتوب، فسواء تمنيت الموت أو لم تتمنه، فهو حاصل في وقته، هذا أمر متفق عليه بين العقلاء، فالله يقول لهم: تمنوا الموت إن كنتم صادقين. واليهود يعلمون أنهم لو تمنوه لن يقع إلا في وقته، ولو لم يتمنوه لن يقع إلا في وقته، فالتمني وعدم التمني بالنسبة لوقوع الموت واحد، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يتمنونه، وإلا لردوا على النبي ﷺ وقالوا له: الله يقول: تمنوا الموت إن كنتم صادقين، وسنثبت لك أننا صادقون، اللهم ارزقنا الموت، لكنهم لم يتمنوه، فالله جل وعلا علم ما في قلوبهم، وقدر على ألسنتهم. ومثل هذه الآيات تنبيك أن هذا القرآن من عند الله، وتقطع كل وسوسة أو شبهة تأتيك أن القرآن من عند غير الله، فهؤلاء أمة حسدوا النبي وبغضوه وحاربوه وقاتلوه، والله يقول لهم في آيات يسمعونها وهي تقرأ عليهم: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٩٤]، فعجزوا أن يقولوا: نتمنى الموت مع يقينهم أن تمنيهم للموت لن يعجل به، وعدم تمنيهم له لن يؤخره، هذا يعلمه كل أحد، ومع هذا عجزوا أن يقولوا ذلك حتى تكون رسالة واضحة لكل أحد أن القرآن من عند الله.

стр. 84

تفسير قوله تعالى: (ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم) قال الله: ﴿وَلَنْ﴾ [البقرة:٩٥] هذه نفي. ﴿يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٩٥]؛ لأنهم علموا أن مصيرهم الهلاك في الآخرة بسبب أعمالهم، فهم لن يتمنوه. ويتبادر إلى الذهن أن معنى الآية: لن يتمنوا الموت بسبب خوفهم من الآخرة؛ لأن الباء هنا سببية، فلا يتمنون الموت لأنهم يعلمون أنهم كاذبون في دعواهم أنهم سيدخلون الجنة، وأن مصيرهم إلى النار، وهذا ظاهر جداً، لكنني أقول: ليس هذا هو المعنى، وإنما المعنى: لن يقع منهم التمني حبساً من الله لهم بسبب معاصيهم، يعني أن الله جل وعلا منعهم أن تنطق ألسنتهم بالتمني الذي يردون به على النبي؛ لأن لهم معاصي اجترءوا بها على الله، فخذلهم الله جل وعلا ونكس بهم حتى إنهم لا يقدرون أن يقاوموا نبيه ﷺ ويجادلوه، وهذا ظاهر. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٩٥] هنا نقف وقفة مرت مع جار الله الزمخشري في (لن يتمنوه أبداً) وهي منصوبة، فهو يقول: إن رؤية الله جل وعلا مستحيلة شرعاً وقدراً في الآخرة، وهذه الآية تبين خطأ ما ذهب إليه الزمخشري؛ لأن الله أثبت أن اليهود لا يتمنون الموت، قال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥]، وذكر في آية أخرى أن أهل النار يتمنون الموت: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، ومعلوم قطعاً أن اليهود من جملة أهل النار، فكونهم يتمنون الموت واقع لا محالة في الآخرة، ومع ذلك نفاه الله هنا، فالنفي هنا نفي في الحياة الدنيا ولا يستمر في الآخرة؛ لأنه يقع منهم تمني الموت في النار، فعلى هذا تبطل حجة الزمخشري بقوله: إن لن للتأبيد تفيد النفي في الدنيا والآخرة، ولو لم يكن هذا قائماً للحجة اللغوية التي قررناها فإنه محجوج بالنصوص والآثار القاطعة برؤية أهل النعيم لربهم ﵎ والتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم.

стр. 85

تفسير قوله تعالى: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) قال الله جل وعلا: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٩٦] نسأل الله العافية. اللام موطئة للقسم واقعة في جواب القسم، والمعنى: والله لتجدنهم، والنون نون التوكيد الثقيلة. ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦] نكرت حياة لإرادة التنويع، والمعنى أي حياة. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة:٩٦] أهل الإشراك يختلفون عن اليهود في شيء ظاهر، اليهود يؤمنون بوجود الآخرة ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة:١١١]، وأهل الإشراك لا يؤمنون بوجود الآخرة بل قالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]، فإذا كان اليهود يؤمنون بوجود آخرة وأهل الإشراك لا يؤمنون بوجود آخرة فأيهما ينبغي أن يكون أحرص على أن يعيش؟ أهل الإشراك؛ لأن المشرك يعتقد أنه إذا مات انتهى بالكلية، لا بعث ولا نشور، بخلاف من يؤمن بالآخرة فإنه يعلم أن هناك بعثاً ونشوراً سواء كان في الجنة أو كان في النار، لكن أهل الإشراك لا يؤمنون ببعث ولا نشور، فعلى هذا بالعقل والنقل ينبغي أن يكون أهل الإشراك أكثر أهل الأرض تمسكاً بالحياة؛ لأنهم يعتقدون في قلوبهم ضلالة أنه لا حياة بعد هذه الدنيا، مع ذلك يقول الله: هؤلاء اليهود أحرص أهل الأرض على الحياة، بل أحرص من الذين أشركوا الذين لو أنهم كانوا حريصين على الحياة لكان أمراً مستساغاً مع عقيدتهم؛ لأنهم لا يؤمنون بأن هناك بعثاً ولا نشوراً، ومع ذلك هؤلاء اليهود الذين يؤمنون بالبعث والنشور من جهة، ويقولون أنهم أهل جنة، أحرص من أهل الإشراك على الحياة، وهذا يدل على تشبث اليهود بالحياة. لكن ينبغي أن يعلم أن الحرص على الحياة من حيث الأصل موجود في كل أحد، تقول عائشة: كلنا يكره الموت، لكن المقصود من هذا الحرص هنا الحرص الذي لا طمع فيه مع رحمة الله، ذلك التشبث المبالغ فيه في الحياة الدنيا، وإلا كل إنسان عند نزع الروح يحب أن يبقى، ولذلك لو قدر لكم أن تكشفوا أوراق تحقيق في مسائل الانتحارات لا سيما الذين ينتحرون شنقاً تجد آثاراً تدل على أنه حاول أن يثني نفسه عن الانتحار بعد أن شعر بمنازعة الروح، إذا كان معلقاً في وسط الغرفة لا يظهر هذا، لكن إذا كان بجنب جدار يظهر نوع من ضربات أقدامه أو ظهره في الجدار، مما يدل على أنه كان يحاول قدر الإمكان أن يترك ما عزم عليه، متى يصل إلى هذه المرحلة؟ إذا شعر بمفارقة الروح، فيتشبث بالدنيا أكثر، وهذا من حيث الفطرة عام جبل الناس عليه. ولو كان لأحد أن يتشبث بالدنيا أكثر مما هو فطري لكان أهل الإشراك؛ لأنهم لا يؤمنون ببعث ولا نشور، لكن يقسم الرب أن اليهود أشد حرصاً، ونحن نؤمن بكلام الله ولو لم يكن مصحوباً بقسم، قال الله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٩٦]. وهنا نتوقف عند (لو) من حيث الصناعة النحوية: لأهل العلم في معنى (لو) هنا ثلاثة أقوال: مذهب سيبويه ومن وافقه من نحاة البصرة أن معناها حرف امتناع لامتناع، فإذا قلنا أنها حرف امتناع لامتناع فلابد لها من جواب، والجواب غير مذكور هنا فلابد أن يقدر، ويصبح المعنى: لو أن أحدهم عمر ألف سنة لسر بذلك، فتقدير الجواب لسر بذلك، ومفعول يود محذوف، وجواب لو كذلك محذوف، وقالوا: إن سبب الحذف الدلالة عليه، هذا مذهب سيبويه ﵀، وأنا في غالب اختياراتي النحوية أختار قوله إلا هنا. وقال نحاة الكوفة كـ أبي علي الفارسي وأبي البقاء وغيرهم ممن تبعهم سواء كانوا كوفيين أو لا: إن (لو) هنا بمعنى أن المصدرية، فيصبح المعنى عندهم: يود أحدهم تعمير ألف سنة؛ لأن المصدر المؤول يعوض به عن المصدر الصريح، تقول: أحب أن أنجح أي أحب النجاح، فالنجاح مصدر عوضاً عن أن المصدرية وما بعدها، فهم يقولون: إن لو هنا قامت مقام أن المصدرية فيصبح المعنى: يود أحدهم أن يعمر أي: يود أحدهم تعمير ألف سنة، وهي بهذا المعنى لا تحتاج إلى جواب. ومن قرائنهم أن يود جاءت مقرونة بأن، فجعلوا لو مقام أن؛ لأنه كثر في القرآن ارتباطها بالفعل يود، ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة:٢٦٦] هذا مذهب نحاة الكوفة. ومال الزمخشري هنا إلى أنها بمعنى التمني، وهذا هو القول الثالث أنها هنا بمعنى التمني، وهذا -والعلم عند الله- من حيث الصناعة النحوية أقرب إلى الإجابة؛ لأن تقدير الجواب الذي قال به سيبويه ﵀ يحدث زلزلة في المعنى. قال الله: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة:٩٦] فطول العمر أو نقصانه لا يغير من الأمر شيئاً، وإنما يغير من الأمر العمل الصالح، وهذه مسألة إيمانية طرقناها في وقتها. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٩٦] الآية ظاهرة في المعنى، فإن الله جل وعلا يعلم الخفيات، ويدرك ما تحويه كل نفس، تبارك اسمه، وجل سلطانه، وعلا قدره، ولا رب غيره، ولا إله سواه. هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده حول هذه الآيات المباركة، ويلاحظ من يسمعنا أو يشاهدنا أننا لم نقف كثيراً عند مسائل إيمانية، ونحن نجمع أحياناً بين الطرق الوعظي وبين الطرق العلمي بحسب ما يقتضيه الحال، وإنما يعرف الطرق جملة إذا ضمت الأشباه والنظائر بعضها إلى بعض، فأنا أتكلم في طريقة جزئية منفكة عن غيرها، ونؤسس لدرس منفرد، وهذه الدروس المباركة ينبغي أن يجمع أولها مع آخرها ووسطها، فيتحرر من ذلك معان جليلة أفاء الله جل وعلا بقولها. هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 86

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [٧] اليهود لعنهم الله يعادون جبريل وهو الروح الأمين، وجعلوا من إنزاله الوحي على رسول رب العالمين حجة لهم في الكفر بالإسلام، وتكذيب القرآن، فلما تركوا الحق اتبعوا الباطل، وتعلموا السحر، واشتروا الضلالة بالهدى، فحق عليهم غضب الجبار .

стр. 87

تفسير قوله تعالى: (قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى:٤ - ٥]، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فكنا قد انتهينا في اللقاء الماضي إلى الآية السادسة والتسعين من سورة البقرة، ونشرع اليوم مستفتحين بقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٧]. هذا ما زال الكلام في سياق الحديث عن اليهود، واليهود أئمة ضلال، وضلالهم مبني على ردهم للأشياء الواضحات والآيات الظاهرات، وهذا قوام ما هم عليه اليوم، ليس قوام دينهم الذي جاء به كليم الله موسى. وقد ذكر المفسرون ﵏ في تفسير هذه الآية أن فئة من اليهود المستوطنين في المدينة قدموا على النبي ﷺ ، وكانوا كثيراً ما يقدمون عليه وينادونه إما باسمه: يا محمد أو بكنيته: يا أبا القاسم، فجاءوه مرة على اعتبار أنهم ينشدون الهدى، فسألوه أسئلة فأجابهم النبي ﷺ تبليغاً للشرع، وإقامة للحجة عليهم، فلما فرغوا من أسئلتهم وفرغ النبي من إجابته قالوا: بقيت واحدة. (قال: ما هي؟ قالوا: من وليك من الملائكة؟ قال: وليي من الملائكة جبريل. قالوا: هذا الذي ينزل بالحرب والقتال، لو كان وليك من الملائكة ميكال الذي ينزل بالقطر والماء لاتبعناك) ففرقوا بهذا القول بين ملائكة الله جل وعلا، وردوا على الله جل وعلا أمره، واعترضوا على نبوة محمد ﷺ ، فأنزل العلي الكبير قوله: (قل) والخطاب للنبي، ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة:٩٧] ومناسبة الربط بين قول الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة:٩٧] أن إنزال القرآن بواسطة جبريل على قلب محمد ﷺ يستوجب موالاته لا معاداته ﵇، فهم تعاملوا بالنقيض، فجعلوا هذا الخير الذي أعطاه الله لجبريل موجباً للعداوة، ولم يجعلوه موجباً للموالاة وهو الحق، فأنكر الله عليهم صنيعهم هذا قائلاً: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٧] مصدقاً لما بين يديه من الكتب السماوية، ولما سيكون فيه من الأخبار الصائبة التي لا لبس فيها، فهو هدى للمؤمنين يبين لهم معالم الحق، ويحمل في طياته البشارة، وأعظمها وقوع وعد الله ﵎.

стр. 88

تفسير قوله تعالى: (من كان عدواً لله وملائكته ورسله) قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٩٨] هذا تحرير وزيادة تفصيل، وهذا قول الملائكة عام ثم أتى بذكر الخاص فقال: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٨] ما دل به على شرف جبريل وميكال ﵉. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] السياق اللغوي يستوجب أن يكون هناك إضمار لكن الله أظهر مبالغة في الشناعة على أولئك القوم، قال الله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] ولم يقل: فإن الله عدو لهم.

стр. 89

تفسير قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات) قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة:٩٩] ما جئت به أيها النبي الخاتم من آيات واضح جداً، فبينات صفة لآيات. ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [البقرة:٩٩] يعرف علماء اليهود قبل عامتهم أنها حق من الرب ﵎، فكفرهم بها ليس لنقص في تلك الآيات لكن لما يحملونه في طياتهم من الفسق والخروج على الطاعة.

стр. 90

تفسير قوله تعالى: (أوكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم) قال الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:١٠٠] والتحرز في الخطاب القرآني وارد في أكثر الآيات، يقول الله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران:١١٣]، وهنا يقول الله: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠]، فكلمة فريق لا تعني الكلية، فاليهود كانوا أربع طوائف أشهرهم من كان مؤمناً بالله واليوم الآخر قائماً بالكتاب على أكمل وجه، وهذا سيأتي في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة:١٢١]، ومنهم علماء يعلمون أنه الحق لكنهم أبوا الإيمان حسداً، ومنهم جهلة يتبعون علماءهم، ورابعهم فسقة متمردون حتى على شريعة موسى. قال الله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ [البقرة:١٠٠] الهمزة هنا للاستفهام، والواو عاطفة، هذا مذهب سيبويه رحمة الله تعالى عليه، وقد تكرر نظير هذا في القرآن كثيراً. ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠] النبذ في الأصل لا يكون إلا بعد استلام وقبول، وهم قبلوا التوراة ثم بعد ذلك نبذوها وتركوها، فيكون النبذ إلقاء لشيء تحمله، وقد ذكر الله أنه نبذ فرعون في اليم. ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:١٠٠] وكلمة (بل) هنا للإضراب أي: للإنتقال أي أن الحق في صنيعهم أنهم لا يؤمنون. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠١] كتاب الله المقصود به القرآن، تركوه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، مع أنهم أهل علم، وكأن تفيد التشبيه، فلما لم يعملوا بعلمهم شبههم الله بمن لا علم له أصلاً.

стр. 91

تفسير قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) لما ذكر الله جل وعلا نبذهم للكتاب ذكر ما الذي تحلوا به، وبالعقل والنقل أن الإنسان حين يترك شيئاً لابد أن يملء يده بشيء آخر، فمن ترك السنة سيمتلئ بالبدعة، ومن ترك التوحيد سيمتلئ بالشرك، فلما ترك هؤلاء الهديين هدي التوراة من قبل وهدي القرآن في العصر الذي هم فيه ذكر الله جل وعلا عنهم أنهم اتبعوا الباطل على حال هم فيها تاركين الحق، تاركين التوراة، قال الله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة:١٠٢] (تتلوا) هنا بمعنى تقرأ وتملي، لكنها تعدت بحرف الجر (على) والعرب إذا عدت القول بحرف الجر (على) يغلب على سنن كلامها أنها تقصد به التكذيب، تقول: تقول علي فلان ما لم أقله، تقصد التكذيب، فعديته بحرف الجر على. قال الله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:١٠٢] سليمان بن داود ﵊ أحد أعظم أنبياء بني إسرائيل، وبنو إسرائيل بعث فيهم يوسف ﵇ ثم بعث فيهم موسى ﵇، وهو الذي خرج بهم من أرض مصر، ثم مكثوا أربعين سنة في التيه، وخلال الأربعين سنة التي قضوها في التيه مات هارون ثم مات موسى، ثم دخل بهم يوشع بن نون ﵇ الأرض المقدسة، ثم وجد فيهم أنبياء لم يصرح الله بأسمائهم، لكنه ذكر أحدهم دون اسمه رفيقاً لـ طالوت، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ [البقرة:٢٤٨] أي: ملك طالوت وهذا النبي في عهده، وعهد الملك طالوت ظهر داود ﵇، قال الله: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ [البقرة:٢٥١] فآل الأمر إلى داود ﵊ ثم آل الأمر بعد داود إلى سليمان. والله جل وعلا يمايز بين عباده ويجعلهم مختلفين ولا نقول: متفاوتين؛ لأن الله يقول: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:٣] لكن الله نسب الاختلاف لنفسه، فقال: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [المؤمنون:٨٠] فالاختلاف لا يعني بالضرورة الذم، ويعطي الله كل أحد بعضاً من المناقب والصفات والخصائص، فأعطى داود حظاً كبيراً من العبادة، أحب الصلاة إلى الله، وأحب الصوم إلى الله، وأعطى سليمان حظاً كبيراً من الملك، وفي كل خير، ولكل أحد منهما مصلحة في زمانه، فربما كان الناس في زمن داود أحوج لملك عابد ونبي عابد يتأسون به، وفي زمن سليمان فتحت الممالك فكانوا أحوج إلى نبي قوي مسخر له وملك حازم فكان سليمان ﵊. ومما أعطيه سليمان أن الله سخر له الجن، يقول الله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ:١٣] وقطعاً حملت الجن وشياطينهم الكفرة في قلوبهم ما حملوا على سليمان، فلما مات سليمان قامت الشياطين وأخرجت طلاسم كانت قد أخفتها، وزعمت بعد موت سليمان أن سليمان كان يحكمهم بهذه الطلاسم، فأخذوا يقرءون على الناس تلك الطلاسم مؤملين لهم أن يسودوا كما ساد سليمان، والترغيب في أن يسود الناس كما ساد سليمان هو المعبر والممر الذي من أجله قال الشياطين على سليمان ما قالوه، فطمع الإنسان في السيادة ثغرة جعلوها معبراً للقدح في سليمان ﵊، والشياطين لم يصرحوا بأن سليمان كان كافراً، وإنما صرحوا بأن سليمان كان ساحراً، والسحر قرين الكفر، ولهذا قال الله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:١٠٢]، فـ (ما) في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة:١٠٢] نافية، يريد الله بها تنزيه نبيه سليمان أن يكون قد تلبس بحال أهل السحر أو حال أهل الكفر. ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ﴾ [البقرة:١٠٢] كفروا باتباعهم السحر، يعلمون الناس السحر (وما أنزل) وهذه (ما) موصولة، ولا يصح أن يبدأ بها، وقد حررنا هذا من قبل في دروس قد خلت ومضت، وذكرنا أن ما الموصولة لا يبتدأ بها، إذا ابتدئ بها لا يفهم منها إلا النفي؛ لأن الرسم الإملائي واللفظي واحد، فنقول عندما نقرأ: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢] يصبح المعنى: يعلمون الناس السحر والذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، والذي أنزل سحر لكنه سحر معني فقط على ظاهر القرآن، ولا أجزم به سحر تفريق، أما السحر الأول فهو سحر موروث من قديم؛ لأن السحر كان منذ زمن موسى، والسحر المذكور في زمن موسى لم يذكر الله أنه سحر تفريق وإنما سحر استرهاب وتخييل. فهؤلاء الشياطين يعلمون الناس السحر الموروث القديم والسحر الذي جاء به هاروت وماروت، قال الله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] أي أن هذين الملكين لا يعلمان أحداً طرائق السحر حتى يبينا له جادة الصواب، وأنهما بعثا فتنة للناس، والله جل وعلا مليك مقتدر، والخلق خلقه، والأمر أمره، والعباد عبيده، ومن حقه جل وعلا -ولا ملزم له- أن يبتلي عباده، وهو أعلم بمنافعهم ومصالحهم. ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] وهذا دليل ظاهر على أن السحر كفر.

стр. 92

معنى قوله تعالى (فيتعلمون منهما ما يفرقون بيه بين المرء وزوجه) قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢] يعني من يرغب منهم. ﴿مِنْهُمَا﴾ [البقرة:١٠٢] أي من الملكين. ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] أي الذي يفرقون به بين المرء وزوجه، وهذا نص ظاهر بأن السحر الذي جاء به هاروت وماروت سحر التفريق. وقول الله جل وعلا: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] (ما) موصولة، وسمعت من بعض أهل التجربة القائمين على فك السحر من الناس من إخواننا القراء المتقنين، وهذا الباب قد فتح فتحاً واسعاً عياذاً بالله، أن (ما) تحتمل أربعة أشياء: تحتمل في سحر التفريق بغض الرجل لامرأته، وبغض المرأة لزوجها، والثالث عدم القدرة على الجماع، والرابع -وهذا الرابع في النفس من إثباته شيء- عجز المرأة عن الحمل، لكنني أقول إن (ما) في اللغة تحتمل هذا وأكثر، فلو ثبت شيء آخر غير الذي حررناه يدخل؛ لأن (ما) في اللغة تفيد العموم. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] ولما كان الرب جل وعلا خالق الأسباب والمسببات فما كان لها أن تمضي إلا بإذنه. قال الله: ﴿وَمَا هُمْ﴾ [البقرة:١٠٢] أي هؤلاء السحرة. ﴿بِضَارِّينَ بِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] أي بالسحر. ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة:١٠٢] أي من الناس، و (من) إذا جاءت بعدها نكرة والجملة مسبوقة فهذا من أعظم صيغ العموم. ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: أي أحد. ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] ولا يمكن أن يقع شيء قدراً إلا بإذن الله. ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة:١٠٢] فهم منها أكثر العلماء على أن السحر ضرر محض لا نفع فيه، والقرينة ظاهرة، فإن الله قال: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ [البقرة:١٠٢] فلو سكت جل وعلا لفهم أنه قد يكون في السحر بعض المنفعة، لكن قول الله: ﴿وَلا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة:١٠٢] هذا نفي للمنفعة، فدلت على أن السحر شر وضرر محض خالص، وممن صرح بهذا العلامة ابن سعدي رحمة الله تعالى عليه في تفسيره. ثم قال الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] أي: لا حظ له ولا نصيب، والاسم النكرة إذا جاء مسبوقاً بحرف الجر من والجملة منفية تعني النفي المطلق، وهذا من أعظم صيغ العموم في النفي، وهنا قال الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا﴾ [البقرة:١٠٢] هذا نفي. ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ﴾ [البقرة:١٠٢] هذا حرف الجر، و ﴿خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] اسم نكرة، فلما قال الله: ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] هذا نفي لأي حظ أو نصيب في الآخرة، ولا يقع النفي المطلق للحظ والنصيب في الآخرة إلا للكافر، وعلى هذا لا يتردد في كفر الساحر. ثم قال الله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢] هذا سياق ذم؛ لأن بئس من أفعال الذم، وهنا نفى الله العلم قال: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]، وقبل قليل قال: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]، لكن لما كان هذا العلم لا ينفع جعله الله جل وعلا بمنزلة لا شيء من العلوم. ثم قال الله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة:١٠٣] مثوبة هذه أو خير تحتمل معنيين إما مثوبة بمعنى الجزاء فيصبح المعنى: ولو أنهم آمنوا واتقوا كان جزاء الله لهم خير. وتحتمل معنى العودة والأوبة والرجعة إلى الله، أي أنهم لو آمنوا واتقوا ورجعوا إلى ربهم لكان خيراً لهم. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢].

стр. 93

الكلام عن هاروت وماروت قبل أن أطوي صفحة الحديث عن السحر يتكلم الناس كثيراً وبما هو موجود في بطون الكتب، ولولا أنه موجود في بطون الكتب لما عرجت عليه، وهو قضية أن هاروت وماروت عصيا الله جل وعلا، وبعض أهل الفضل على جلالة قدرهم يقبلون تلك المرويات فيشيعونها، وأنا في الدرس هنا بين أحد أمرين إن ضربت عنها الذكر صفحاً ولم أقلها لربما شاهدنا مشاهد كريم فقال لأخيه أو لجاره: إن الملكين هاروت وماروت عصيا الله، فإن قال له من بجواره: إن الشيخ لم يقلها ظن أن المسألة إما جهل أو إقرار، فكشف الأمر يكون أفضل في هذا السياق، فنقول: المرويات تنص على ما يأتي إن الناس في زمن إدريس قل عملهم فلم يرفع لهم كثير عمل صالح، ولهذا ورد أن إدريس كان يرفع له عمل صالح بمقدار عمل أهل زمانهم كلهم، فالملائكة في الملأ الأعلى عاتبت بني آدم على هذا، فذكر لهم الرب جل وعلا أن بني آدم طبعوا على الخير والشر، وليسوا مثلكم -أيها الملائكة- غير مطبوعين على الشر، وأنكم لو طبعتم على طبعهم لعصيتم، فاختارت الملائكة ملكين - وهذا حسب الرواية - هما هاروت وماروت، فركب فيهما التركيب البشري وأهبطا إلى الأرض، فلما أهبطا إلى الأرض تعلقا بامرأة يقال لها بالعربية: زهرة، وبالفارسية: مذخيت، فلما تعلقا بها بتركيبهما البشري طلبت منهما الزنا والشرب والقتل ففعل ذلك هاروت وماروت، ثم ندما، فلما ندما علماها كيف تصعد إلى السماء وكيف تنزل، فلما علماها -وفق الرواية- صعدت إلى السماء ثم نسيت، الذكر الذي علمها الملكان، فمسخت في السماء كوكب الزهرة المعروفة، ولهذا عند بعض الأمم كالإغريق يجعلون الزهرة إله الحب ورمز للحب! أما الملكان فندما وتابا إلى الله وتشفعا بإدريس -وكان حياً- أن يدعو لهما، فقبل الله دعاء إدريس لهما على أنهما يعذبان في الدنيا ولا يعذبان في الآخرة، فوافقا وقبلا، فهما الآن -وفق الرواية- في بئر في بابل تشد شعورهما إلى يوم القيامة. هذا مجمل الرواية الموجودة في بطون الكتب، وأنا أعرف بعض أهل الفضل من الأحياء -متع الله بهم- يقبل مثل هذه الروايات أو يقول: ليست ببعيد، ونقل عن بعض سلف الأمة ذكرها ولا نقول: قبولها، وأنا أحررها الآن مجملة من عشرات المصادر، فأقول التالي: القصة لم تثبت بسند صحيح أبداً، ومع ذلك نحن من منهجنا أنه لا يشترط السند الصحيح في غير الإخبار عن النبي ﷺ ، لكن القصة كذلك يردها العقل، فإن الرب ﵎ نزه الملائكة عن مثل هذه الأعمال، والإشارة القرآنية في ذكرهما ﵉ يدل على أن شيئاً من ذلك لم يقع، ولو كان وقع منهما فلن وقع ما يعبر عنهما بأنهما ملكان فيقال: وما أنزل على هاروت وماروت، ثم يمكن للناس بعد ذلك أن يخوضوا فيقولوا: إن هاروت وماروت أصلهما ملكان، لكن لما قال الله: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة:١٠٢] فالمستقر في أذهاننا وفق القرآن أن الملائكة لا تعصي الله ما أمرها، وتفعل ما تؤمر به، والله وصفهما بأنهما ملكان، ومادام الله قد وصفهما بأنهما ملكان فنحن نجري عليهما أحكام الملائكة حتى يأتينا دليل نذهب به هذا اليقين، ولا خبر ولا دليل ولا حجة يدفع بها هذا اليقين.

стр. 94

تفسير قوله تعالى: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير) قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٣]. هنا نقف على قضية الندامة، لأن الله ذكر أنهم لو فعلوا كذا لكان خيراً لهم، ومن الفوائد الاستطرادية أن الندامة تقع على أربعة أحوال: ندامة يوم، وندامة عمر، وندامة سنة، وندامة إلى الأبد. أما ندامة يوم فيقولون: رجل خرج من بيته ولم يتغد فلا يدري هل يجد أحداً يغديه أو لا. وندامة سنة رجل ترك الزرع في وقته، فليس له حل إلا العام القادم؛ لأن الزراعة موقوتة. وندامة عمر شخص تزوج امرأة لا توافقه. وندامة أبد من ترك أمر الله جل وعلا نسأل الله العافية. ندامة يوم، ندامة عمر، ندامة سنة، ندامة إلى الأبد، وقاني الله وإياكم الأربعة كلها، وإن كانت الأولى أخفها.

стр. 95

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٠٤]. السحر تمويه وتلاعب يقصد به خداع الناس والضرر بهم، وله حقيقة كما عليه جمهور أهل السنة سلك الله بنا وبكم سبيلهم، وناسب أن يذكر الله بعد السحر المحرم سحراً آخر يشمل نوعاً من التمويه، ولا نقول: سحراً بمعناه الحقيقي، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة:١٠٤]. العلماء ﵏ في هذه الآية على طريقين: طريق تجنبوا مسألة سبب النزول، وإنما رأوا للفظة ونقشوها مع قرائنها من السنة، ففي السنة أن النبي ﷺ قال: (لا تسموا العنب كرماً) وقال: (لا يقل أحدكم: عبدي وليقل: فتاي) فقالوا: هذا النهي من جنسه، النهي عن كلمة راعنا من جنس النهي عن تسمية العنب كرماً، وعن قول السيد لعبده: يا عبدي، وجعلوا كلمة راعنا مجرد كلمة كان يقولها المؤمنون فكرهها الله وأبدلهم غيرها وهي انظرنا، وهذا المسلك اختاره إمام المفسرين ابن جرير الطبري رحمة الله تعالى عليه. والآخرون من العلماء نظروا للآية مع سبب نزولها وفق ما ثبت عندهم فقالوا: إن كلمة راعنا بمعنى تأن بنا وأعطنا سمعك وأشفق علينا، وهي توافق بالعبرية في لفظها كلمة سيئة عند اليهود، فلما رأت اليهود أن الصحابة يخاطبون النبي بهذا اللفظ صاروا يخاطبونه بها وهم يقصدون معناها في العبرية، وقال بعضهم لبعض: كنا نسب محمداً سراً واليوم نقدر أن نسبه جهراً، فلما أراد الله أن يقطع دابرهم ويسد الذريعة عليهم قال جل وعلا للمؤمنين في مخاطبة نبيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة:١٠٤] دفعاً لتوهم يهود، ﴿وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة:١٠٤] والمعنى في إجماله واحد، نقول للقائم بمصالح الوقف ناظر، والناظر القائم بتدبير مصالح الناس، وكذلك النبي ﷺ قائم بشئون أمته وشئون أصحابه في المقام الأول، فاللفظ قريب من معنى راعنا بل أفضل منه، فقطع الله جل وعلا بهذا الطريق على اليهود وما يريدونه من تلك اللفظة. وهذا الذي يترجح عندي لسبب خارج عن النص، والمرجح إن كان من خارج النص يكون أقوى، فالآية التي قبلها والتي بعدها تتكلم عن اليهود كذلك تتكلم عن اليهود آية: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة:١٠٥]، ووضع هذه الآية بين هاتين الآيتين يرجح أن المسألة تتعلق باستعمال اليهود لهذه اللفظة. ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة:١٠٤] ولم يحدد الله المفعول، قال العلماء: حتى يعلم أن المؤمن مطالب بأن يسمع كلام الله جل وعلا ويمتثله أياً كان. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٠٤].

стр. 96

تفسير قوله تعالى: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين) قال الله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٠٥] يخبر الله عما في بطونهم وفي سرائرهم وما أخفوه من بغض وحقد للمؤمنين، وأن النبوة والرسالة للنبي ﷺ ، والإتباع للمؤمنين، وهذا فضل عظيم من الله حسدتهم عليه يهود كما سيأتي تفصيله. ثم قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة:١٠٥] الله جل وعلا اختصك أيها النبي بالنبوة والرسالة وختم الأنبياء، واختص هؤلاء المؤمنين باتباعك، وذلك فضل الله جل وعلا يؤتيه من يشاء فكون اليهود أو كفرة أهل الكتاب جملة وكفرة أهل الشرك لا يبتغونه هذا لا يمنع فضل الله جل وعلا عليك. وهنا مسألة مهمة جداً، وهي أنه من حق نفسك عليك أن ترقى إلى سلم المعالي، ولك في أن ترقى سلم المعالي طرائق من أعظمها ثقتك برحمة الله، وهذا ظاهر تكلمنا عنه كثيراً. والجانب الآخر أن تكون رفيقاً بنفسك، لا تكن محبطاً لها، فإن وعدك لنفسك بتحقيق المأمول من أعظم ما يساعد على تحقيقه. والحساد والشمات الذين يكونون حولك أخف عليهم سقطاتك وإخفاقاتك وفشلك؛ حتى لا يزيدوك غماً على غم، مصائب الدهر التي تسمع بها لا تجعلها بين عينيك بكثرة فإنها ستكون سبباً في سقوطك، يقول أبو القاسم الشابي: ركبت المنى وتركت الحذر لا تحاول أن تموت قبل أوانك، فالإكثار من الخوف من الموت هو موت قبل حلول الموت الحقيقي. وإذا هممت فناج نفسك بالمنى وعداً فخيرات الجنان عداة واجعل رجاءك دون يأسك جنة حتى تزول بهمك الأوقات واستر عيوبك عن جلسائك فإنما جلساؤك الحساد والشمات إلى آخر الأبيات، وهي تدعو إلى أن الإنسان يكون عاقلاً لبيباً في طريقه للحياة، وفي طريقه للوصول إلى مجده، ولا يكثر من ذكر طرق الحوادث والإخفاقات حتى لا يصيبه بالإحباط، فالجنة -وهي أعظم مقصود وأجل مطلوب- هي وعد من الله، ومع ذلك اجعل تلك الأمور التي تنشدها وعد في أن تتبوأ مكاناً مرموقاً في أمتك تريد به وجه الله والدار الآخرة وينفع الله جل وعلا بك أقواماً ويضر بك آخرين من أهل الشرك والعصيان، واعلم وأنت في طريقك هذا أن الله جل وعلا وحده يملك الرحمة، وأن كره الحساد والشمات لرحمة الله عليك لا يمنع من وصولها إليك، قال الله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:٢]، ولهذا قال الله في آخر هذه الآيات: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة:١٠٥]، ولا ريب أن علمك بعظيم فضل الرب ﵎ يعينك على أن تمشي خطواتك إلى الأمام حتى تصل برحمة الله جل وعلا إلى مقصودك. وهذه الصفة وهي عدم حب الخير للغير صفة مشتركة لكنها بنسب ما بين أهل الكفر وما بين أهل الفسق والبعض من المؤمنين، وإن كان لا يستوي مؤمن وكافر لكنها أصل متحتم عند اليهود وكفرة أهل الكتاب جملة وعند المشركين، وقد يتلبس بها بعض المؤمنين في حسدهم لإخوانهم إذا رأوا فضل الله جل وعلا عليهم، لكنك لست مطالباً بأن تدفع حسد الناس عنك، لكن لا تجعل من شماتة الأعداء وحسد الحساد ما يعيقك عن طريق المجد الذي ترومه، ولكل هدف آلة، فخذ بالآلة وتوكل على الرب ﵎ وسر ولن يخلو ذو نعمة من حسد، وما أضر بالناس إلا حسد الحاسدين، فقد يقع شنئان حاسدك عليك من مكره بقدر الله لكن ادفعه بقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. وكانوا يقولون: إن ملكاً كان عنده وزير مقرب يصغي إليه، وكان الوزير من أدبه إذا اقترب من الملك يدنو قليلاً ويخاطبه، فحسده بعض الوزراء، فقدم أحد هؤلاء الوزراء إلى الملك وقال له: إن الوزير أبا فلان يقول عنك إنك أبخر. أي ذو رائحة كريهة في الفم، قال: وما دليل ذلك؟ قال: اطلب منه أن يدنو منك فإنك إن طلبت منه أن يدنو منك -أيها الملك- سيضع يده على فيه وأنفه تقززاً منك، فأضمرها الملك في نفسه، فلما كان من الغد وقبل أن يشرع الوزير في الدخول على الملك استدعاه الوزير الأول صاحب الوشاية، فأطعمه طعاماً كله ثوم، فلما دخل الوزير على الملك أراد الملك أن يختبره فأدناه منه وهو يقول له: اقرب اقترب ادن مني، فلما شعر أنه لا محالة من الدنو من الملك وضع يده على فيه حتى لا تخرج منه رائحة الثوم، فتحقق الملك من قول الواشي فغضب، وجرت سنة الملك آنذاك أنه إذا أراد أن يعطي عطية يكتبها في قرطاس، وإن كان يريد أن يعاقب يتلفظ به، لكنه في تلك المرة أخطأ فطلب قرطاساً وكتب فيه لأحد ولاته: إذا أتاك فلان فاقتله وابعث لي بجسده، فأعطاه الخطاب وخرج به، ولما خرج به قابله الوزير الواشي وهو يتلهف: ما الذي حصل؟ فلما رأى الخطاب في يده مختوماً قال: ما هذا؟ قال: هذا كتاب أعطاني إياه الملك إلى عامله فلان، فظن أنه عطية، فأخذ يتوسل إليه أن يهبها له، فوافق فأعطاه إياها، فمضى بها إلى العامل الوالي، فلما مضى بها إلى العامل وفك ختمه وقرأه قال: إن الملك يأمرني أن أقتلك، ولابد من فعل أمر الملك، فأخذ يتوسل إلى الوالي أن الخطاب ليس لي لكن الوالي نفذ رأيه وقطع رأسه. وفي اليوم التالي دخل الوزير كعادته إلى الملك فلما رآه تعجب الملك لأنه ظن أنه قد قتل، قال: ما الذي عاد بك؟! قال: لم أذهب أصلاً، وأخبره القصة وكيف أن الخطاب أخذه فلان، قال: غريب أن تؤتيه إياه وقد قال عنك ما قال! قال: قد كذب، قال: فلم فعلت ذاك؟ قال: أيها الملك! كنت قد أكلت ثوماً عنده. هذا مجمل القصة، فنجى الله هذا الوزير المقرب من حسد أقرانه بما انطوت عليه سريرته من حب الخير للغير، ومع ذلك نقول: حتى لو كنت حسناً باراً تقياً قد لا تسلم كما لم يسلم يوسف من حسد إخوته لكن العبرة بكمال النهايات، والله يقول ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨] جعلني الله وإياكم من أهل التقوى، ونسأل الله التوفيق لنا ولكم. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والحمد لله رب العالمين.

стр. 97

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [٨] الله ينسخ الشرائع السابقة بشريعة محمد ﷺ ، ونسخ كثيراً من أحكام القرآن بحكم كثيرة بينها العلماء. إبراهيم ﵊ هو أفضل الأنبياء بعد نبينا محمد ﷺ ، وقد أثنى الله عليه في سورة البقرة، وذكر إمامته ومسارعته في طاعة ربه، وذم من يرغب عند اتباع ملته، وهي الإسلام.

стр. 98

تفسير قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الله جل وعلا وهو أصدق القائلين: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٠٦ - ١٠٧]. هذه الآية تتكلم عن النسخ، ومناسبتها لما قبلها أن الآيات قبلها كانت تتكلم عن اليهود واعتراضهم على رسول الله ﷺ ، ولما كانت اليهود لا تجيز النسخ أصلاً وتمنعه في الشرع بالكلية ذكره الله جل وعلا هاهنا رداً على مزاعم اليهود وبياناً للأمة، قال الله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة:١٠٦] الجملة شرطية، والنسخ في اللغة: النقل، قال الله تعالى في سورة الجاثية: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] أي: نكتب وننقل، ويأتي بمعنى الإزالة، والمقصود أن الرب ﵎: الأمر أمره، والشرع شرعه، وهو جل وعلا وحده دون سواه أعلم بمصالح عباده، فلما كان ﵎ أعلم بمصالح عباده، وهو المالك أصلاً حق له جل وعلا: أن ينسخ ما يشاء، وهذا من تسليمنا بكمال ربوبيته وألوهيته، وكمال أسمائه وصفاته، ولابد أن يقر به العبد؛ ولهذا النسخ لم يخالف فيه أحد من أهل الإسلام؛ لأن شريعة النبي ﷺ ناسخة لما قبلها من الشرائع ومهيمنة عليها، لكن النسخ في القرآن جائز عقلاً وواقع سمعاً بهذه الآية وبقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل:١٠١]، هذا كله من دلائل وقوعه مع ما جاء من الأحاديث، وليس هذا موضع سرد أدلة، ولم يخالف في مسألة النسخ في القرآن فيما يعلم من علماء المسلمين إلا عالم واحد هو أبو مسلم الأصفهاني ﵀، لكنا إذا استثنيناه فالإجماع منعقد على أن النسخ واقع في القرآن. ويقسم أهل العلم ﵏ النسخ في القرآن على ثلاثة أقسام: الأول: منسوخ التلاوة والحكم. الثاني: منسوخ التلاوة دون الحكم. الثالث: منسوخ الحكم دون التلاوة، وهذا أكثره. منسوخ التلاوة والحكم، ومنسوخ التلاوة دون الحكم، وهذا يمثلون له بما ورد في البخاري عن عمر ﵁ أنه قال: [كان فيما كان قد أنزل: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) قال عمر: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي]، فالرجم واقع بالاتفاق رغم أن الآية منسوخة تلاوة. أما هو منسوخ الحكم مع بقاء التلاوة فهذا هو المقصود بالنسخ إذا أطلق، فإذا قيل: إن فلاناً يعرف ناسخ القرآن من منسوخه، فالمقصود هذا النوع الثالث. وقد أجاب العلماء عن سؤال يقع: إذا نسخ الله الحكم كما في أكثر الآيات المنسوخة، لماذا أبقى الله جل وعلا التلاوة؟ وقد أجاب الزركشي ﵀ في البرهان عن هذا التساؤل بإجابتين: الإجابة الأولى قال فيها ما معناه: القرآن كما أنزل ليُعمل به أنزل ليتلى ويتقرب إلى الله جل وعلا بتلاوته؛ لأنه كلام الله، فحتى الآيات المنسوخة حكماً هي من كلام الله. الإجابة الثانية قال: إن غالب النسخ يكون تخفيفاً، فإذا تلا الإنسان الآية المنسوخة التي فيها التثقيل يرى رحمة الله على هذه الأمة حيث رفع عنها المشقة، وقد يكون هناك أجوبة غير التي حررها (صاحب البرهان) ﵀، لكن المقصود أننا نتعبد الله جل وعلا بكل أمر أمرنا به ﵎. قال الله: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] قرئت بالهمز (ننسِئها) والمعنى: التأخير والتأجيل، وقرئت كما هو بين أيديكم: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] فالنسيان هنا: ضد الذكر، أي أن الله، ينسي المؤمنين إياها، وهذا يدل عليه قول الله جل وعلا: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:٦ - ٧]. ونحن -معشر المسلمين- متفقون على أن القرآن كله كلام الله، وبما أنه كله كلام الله فلا تفاوت فيه من حيث لفظه؛ لأنه جميعاً كلام الرب، فقول الله جل وعلا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة:١٠٦] ليس المقصود: أن آية أحكم من آية لفظاً ونظماً، لا، وإنما المقصود خيراً منها بالنسبة للعبد فيما ينفعه؛ لأن الله جل وعلا أعلم بمصالح عباده في العاجل والآجل، فإذا رأينا النسخ فيه نقل الأمة من الأمر الثقيل إلى الأمر الخفيف قلنا: هذا عاجل خير لهم ومنفعة في الدنيا، وإذا رأينا الآية نقلت من خفيف إلى أثقل مثل نقل الناس من صوم يوم عاشوراء إلى صيام رمضان، عرفنا أن فيه خيراً في الآجل، هذه النظرة العامة لقضايا النسخ. بعد ذلك تتفرع أمور كثيرة ليس هذا مجال سردها؛ لأننا لا نريد أن يطغى فن على فن التفسير، وفن التفسير: هو أن يفهم القارئ مراد الرب ﵎، هذه الغاية منه، وإذا تحقق للعالم أو للمتكلم أن يفهم الغير مراد الله تحقق المقصود من علم التفسير. والعلماء جميعاً متفقون على أن القرآن ينسخ بالقرآن، لكن الخلاف هل تنسخ السنة القرآن، وهذا قال به الجمهور، ومنعه الشافعي رحمه الله تعالى. والقائلون بأن السنة تنسخ القرآن اختلفوا في أمثلتها: فبعضهم يقول: لا يوجد مثال واضح صريح ظاهر، وبعضهم يمثل بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٨٠]، وجاء في الحديث: (لا وصية لوارث)، فهل هذا نسخ للآية أو تخصيص لها؟ فمن رأى أنه تخصيص لم يرَ أن الحديث ناسخ للقرآن، ومن رأى أنه نسخ جعل هذا الحديث مثالاً لنسخ القرآن بالسنة، والعلم عند الله. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٦] هذا خطاب للنبي، والمقصود به النسخ؛ ولهذا جاء بعدها: ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير، والولي والنصير بينهما خصوص وعموم، فالولي هو القريب، لكنه قد يكون عاجزاً عن أن ينصرك بمعنى: أنه يحب أن ينصرك لكنه عاجز، وأما النصير، فهو القادر على نصرتك، ولا يلزم أن يكون قريباً، قد يكون أجنبياً عنك.

стр. 99

تفسير قوله تعالى: (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى) قال الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة:١٠٨]، السؤال يقع على قسمين: سؤال استرشاد وتعلم، وهذا نحن مأمورون به شرعاً، قال الله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل:٤٣]. وسؤال المقصود به: الاعتراض والتعنت، فهذا نحن منهيون عنه شرعاً، قال الله جل وعلا: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]، وقال: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة:١٠٨]. ومن الأسئلة التي طرحها بنو إسرائيل على موسى والتي أرادها الله هنا قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣]. ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة:١٠٨] هذه ظاهرة وقد مرت معنا.

стр. 100

تفسير قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً) قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، هذه الآية سبقت في اللقاء الماضي، في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:١٠٥]، لكنه صرح هنا بالحسد، والحسد يقع محققاً ويقع مقدراً، فالحسد المقدر هو حسدك من لم تصبهم نعمة بعد، وهو أشنع، والحسد المحقق هو حسدك لمن أصابته النعمة فتحب أن تزول عنك. ثم قال الله جل وعلا: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة:١٠٩]، ما أقربها مما قبلها! هذه من الآيات المنسوخة، قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ [البقرة:١٠٩] منسوخة بآية السيف في قول الله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١]، وفي قوله ﵎ في حق أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:٢٩] إلى أن قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، وقوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة:١٠٩] يدل على أنها منسوخة، فقد أتى الله بأمره في سورة التوبة. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٩] وهذا من تربية القرآن للمسلمين، عندما يعطيهم الأحكام ينبهم أن لا ينشغلوا عن الأعمال الصالحة، فبعد أن بين لهم طرائق أهل الكتاب وبين أن القرآن من عند الله وأن الرب ﵎ ينسخ ما يشاء ويثبت ما يشاء، قال جل وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٠] أي: أن معاقد الفلاح أيها العباد الصالحون محصورة في القيام بالأعمال الصالحة.

стр. 101

تفسير قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]، كل صاحب دعوى يطالب بدليل وبرهان وإلا لا عبرة لدعواه، واليهود تزعم أن الجنة لا يدخلها إلا اليهود والنصارى تزعم أن الجنة لا يدخلها إلا النصارى، فرد الله قولهم، وطالبهم بالبرهان، ولا برهان فأضحوا كاذبين، والله إذا دفع باطلاً أقام الحق مقامه. قال الله بعدها: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة:١١٢] فجمع الله في هذه الآية المباركة شرطي العبادة، ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١١٢] المقصود به: الإخلاص ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة:١١٢] أي: المتابعة بالشريعة، أي: عبد الله بما شرع: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢].

стр. 102

تفسير قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١١٣] لماذا قال الله: (وهم يتلون الكتاب)؟ لأن التوراة تخبر أن الإنجيل حق، والإنجيل يخبر أن التوراة حق، فكل منهم كاذب في دعواه، كل منهم لم يمتثل بالأمر الذي شرعه الله، قال الله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة:١١٣] من المراد: بالذين لا يعلمون؟ اختلفت أقوال أهل العلم فيهم: قال ابن جرير الطبراني ﵀: هي عامة في كل أحد، ممن قبل اليهود والنصارى، وممن بعدهم، وممن كان بينهم كمشركي العرب، وممن قال ذلك بعدهم من مشركي العرب، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة:١١٣].

стр. 103

تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:١١٤] معنى الآية: لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وهذا استفهام استنكاري، ومن المقصود به؟ الأولى جعله عاماً، والبعض قصره على بختنصر وما صنعه باليهود، وبعضهم يقولون: هو ما صنعته اليهود في النصارى أيام حكمهم في بيت المقدس، وبعضهم يقول: هو ما أراده أبرهة من هدم الكعبة، وبعضهم يقول: هو ما صنعته قريش يوم الحديبية من ردها للنبي ﷺ . والأضبط أن يقال هي في حق كل من سعى في خراب مساجد الله، قال ابن سعدي ﵀: الخراب في مساجد الله إما إفساد معنوي، وإما إفساد حسي. فالإفساد الحسي: بهدمها ونسفها لا مكن الله أحداً من ذلك. والإفساد المعنوي: بمنع عباد الله من إقامة الصلوات فيها، وهذا صرح الله به في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة:١١٤] فجعل الله جزاءهم أنهم لا يدخلونها إلا خائفين، ولهذا لا يقبل دخول غير المسلم إلى المسجد إلا في حالة أسر أو إذا كان رسولاً من عند ملك، وعليه الذلة، ويعطى أمان مؤقت، قال الله: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:١١٤].

стр. 104

تفسير قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب) قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١١٥] خص الله جل وعلا هاتين الجهتين؛ لأنهما يتعلق بهما ما يصدع من أنوار، وهو إظهار لكمال قدرة الله جل وعلا وأنه رب الأشياء كلها. ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، هذه الآية: تثبت أن للرب ﵎ وجهاً على الصفة التي تليق بجلاله وعظمته، وصرح بهذا القرآن من غير نكير ببرهان واضح، قال الله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]، وهذا تأصيل لابد منه. لكن: هل المقصود بقول الله جل وعلا: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] صفة الوجه المتكلم عنه أو المقصود الجهة كما يقال: فلان بان من هذا الوجه يعني: هذه الجهة؟ بعض العلماء يقول: إن المقصود هنا: وجه الله، ونحن اتفقنا أن لله وجهاً يليق بجلاله وعظمته، لكن بعض العلماء يقول: إن القرائن في الآية لا تدل على أن المراد هنا وجه الله مع إثباتنا صفة الوجه للرب ﵎، لكن نقول في هذا السياق: المقصود بلفظة: (وجه) هنا الجهة، ويحتجون بأن الله ذكر قبلها، قوله: ((وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)) فذكر الجهات قبله، ومال إلى هذا أقوام، ومال إلى هذا أقوام، وكلا الفريقين من أهل السنة ممن قال بأحد هذين القولين متفقون على أن لله جل وعلا وجهاً هو أكرم الوجوه، ولله الاسم الأعظم، والوجه الأكرم، والصفات المثلى.

стр. 105

تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الله ولداً) ثم قال الله حكاية وتشنيعاً على بعض أهل الكفر: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة:١١٦]، وهذا حررناه من قبل: فاليهود قالت: عزير ابن الله، والنصارى قالت: المسيح ابن الله، ومشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة:١١٦] هذا تنزيه مر معنا كثيراً. ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٦] لام الملك المطلق. ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة:١١٦] القنوت يقع على ضربين: الضرب الأول: قنوت خضوع وذلة، وهذا يشترك الخلق جميعاً فيه وهو المراد بالآية. الضرب الثاني: قنوت عبادة وطاعة، وهذا من خصائص عباد الله الصالحين، قال الله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]. ثم قال الله بعدها: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧] أي: خلقهما على غير مثال سبق، ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: منشؤهما وخالقهما على غير مثال سبق، ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧].

стр. 106

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١١٨] أي: من جهلة أهل الكتاب، والمشركين، والمنافقين، ومن كان على دربهم، ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة:١١٨] هذا يدل على الكبر من جهتين: أنهم يقولون: نحن لا حاجة إلى أن يبعث إلينا رسولاً يكلمنا أنك رسول، فلما عجزوا عن هذه لجئوا إلى الثانية، فقالوا: أقل القليل أن نكون نحن وأنت سواء، فكما تأتيك الآيات تأتينا نحن الآيات، فإن اعترفت أن الله يكلمنا فلا أقل من أن نكون نداً لك. ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة:١١٨] من الأمم السابقة. ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة:١١٨]؛ لأن التشابه فيما يصدر من الإنسان يدل على التشابه فيما تكنه القلوب -عياذاً بالله- ﴿قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:١١٨]. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة:١١٩] هذه ظاهرة أن النبي ﷺ جاء بالدين الحق، مبشراً بالجنان محذراً من النار، ولا يسأل عن أصحاب الجحيم أي: ليس عليك شيء لعدم إيمانهم، وإنما أنت مبلغ كما قال الله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢].

стр. 107

تفسير قوله تعالى: (ولن ترض عنك اليهود ولا النصارى) قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] هذا قطع بكل علائق أحد أن ترضى عنه اليهود أو النصارى. ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] حتى تكون يهودياً مع اليهود ونصرانياً مع النصارى، ومن صنع ذلك خرج من ربقة الإسلام. ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٢٠]، هذا ضرب مثال فقط، وإن الله جل وعلا يعلم أن نبيه لم يصنع هذا، فالله يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] لكن المقصود منها: بيان أنه لا علاقة بين الله وبين أحد من خلقه إلا بالإيمان والعمل الصالح.

стр. 108

تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١] لما مررنا على قول الله جل وعلا ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠] قسمنا أهل الكتاب إلى أربعة أقسام، وقلنا: منهم المؤمنون به وهم المقصودون هنا، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:١٢١] أي: الذين يستحقون أن يطلق عليهم أصلاً أنهم مؤمنون بالكتاب هم العاملون به التالون له. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:١٢١] ثم ذكر الله آيتين هما مثل السابعة والأربعين والثامنة والأربعين اللتان مرتا من قبل، وقد تكلمنا عنها.

стр. 109

تفسير قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، الآن نحاول أن نفقه شيئاً من تعامل هذا العبد الصالح مع ربه، ابتلاه الله بكلمات لم تحدد، لكنها بلا شك أعمال عظام، ومهام جسام، قام بها على الوجه الأكمل، وقدم هنا المفعول على الفاعل وإن كان حقه التأخير لأمور نحوية وأمور بلاغية، أمور نحوية لقضية الضمير وعودته، وأمور بلاغية للتشويق. ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] أي: قام بهن على الوجه الأكمل، فكافأه الله، قال: إني: الأمور بيدي، أنا خالق الخلق، أنا باسط الرزق، أنا الرب وأنتم العبيد، ((جَاعِلُكَ)) يعني: إبراهيم ((لِلنَّاسِ إِمَامًا))، قال أهل العلم: هذه أعلى المقامات وأجل العطاء، فمن سيأتي بعدك فأنت الإمام له في السير إلينا، حتى قال الله لنبيه ﵇: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣]. ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤] فأدركته عاطفة الأبوة ((قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)) ما فيهم؟ أجابه الله: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] لا تشمل هذه العطية من ظلم من ذريتك؛ لأن الإيمان لابد أن يكون متحلٍ بحلية الإمامة وهي الصبر واليقين، ومن كان ظالماً لم يكن صابراً ولا تقياً فلا يستحق أن يكون قدوة في الخير: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]. لكن هذا الرد الرباني الآن سترى أثره بعد قليل، قال الله بعدها: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ [البقرة:١٢٥] أي: الكعبة ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة:١٢٥] (مثابة) يقضون منه وطراً، يحنون إليه، (وأمناً) شرعاً وقدراً، الوحوش، الجمادات، الشجر، كله آمن في مكة: إني وإن نظر الأنام لمهجتي كظباء مكة صيدهن حرام يحسبن من لين الكلام فواحش ويصدهن عن الخنا الإسلام موضع الشاهد: كظباء مكة صيدهن حرام المقصود: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة:١٢٥] حتى قريش على كفرها كان الموتور منهم يرى واتره في الحرم ولا يقربه! ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] المقام هو الصخرة التي ارتقى عليها إبراهيم حتى يبني البيت لما علا الارتفاع وظهرت مواضع قدميه على الصخرة، فإبراهيم لما ألان لله قلبه ألان الله الصخرة تحت قدميه، وجعل الله هذا المقام آية عظيمة، وذكره في كتابه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٧] أي: أولها مقام إبراهيم.

стр. 110

معنى قوله تعالى (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] في صحيح البخاري أن عمر أخبر أنه وافق ربه في أمور منها هذه الآية، وعند أبي نعيم في الحلية زيادة أن النبي ﷺ : (أخذ بيده، وقال: يا عمر! هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: لو جعلته مصلى، فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥])، وهذا فيه تشريف عظيم لهذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه. واختلف الناس في موضع المقام الآن على أقوال: قال أقوام: إن المقام موضعه الآن هو موضعه في عهد النبي ﷺ ، وإنما في إحدى السنين جاء السيل فحركه من مكانه بعيداً، ثم رد إلى موقعه. وقال آخرون: إنه كان ملتصقاً بالكعبة وأخره عمر إلى موضعه الذي هو عليه الآن. وقال آخرون: إنه أخر في بعض عهد السلاطين، وقالوا أشياء أخرى، لكن ما عليه عمل الناس اليوم أمر متفق عليه أنه مقام إبراهيم. (واتخذوا) جعله الله جل وعلا مكاناً للصلاة حتى النبي ﵊ لما طاف أتى عند المقام وصلى خلف المقام، وقرأ في الركعتين اللتين ركعهما بعد الطواف بـ ((قل يا أيها الكافرون)) و ((قل هو الله أحد)) كما في حديث جابر في صحيح مسلم. نريد أن نصل إلى قضية حساسة جداً، وهي أن العرب كانت تعظم الأصنام مثل هبل واللات والعزى ومناة وغيرهم ثلاثمائة وستين صنماً، فانظر كيف صرفهم الله فما عبدوا الصخرة التي عليها مقام إبراهيم ولا عبدوا الحجر! علم الله من الأزل: أن هذين سيعظمان في الإسلام، فلو عظمتهما قريش في الجاهلية وعبدتهما لقال الناس: أبقى محمد ﵊ من الوثنية شيء، فسد الله هذا الطريق فصرف قريشاً مئات الأعوام مع ولائها وشغفها بالحجارة عن أن تعبد المقام وهو مشهور عندهم كما يقول أبو طالب في لاميته المشهورة: وموضع إبراهيم في صخرة رطبة، يعني: موضع قدميه. فلم ينقل أبداً أن قريشاً عظمت الحجر تعظيم عبادة أو عبدت مقام إبراهيم، وهي التي أتت بهبل واللات ومناة وغيرها، حتى إذا جاء الإسلام -والله أعلم ما كان وما سيكون وما هو كائن- وأمر بتعظيمنا لهما تعظيماً شرعياً مقيداً بأن يصلى عند واحد ويقبل الآخر لم يستطع أحداً أن يقول: أن هذا من بقايا الجاهلية.
следующие страницы →