← Тафсир

Тафсир · id 37455

سلسلة محاسن التأويل - المغامسي

صالح المغامسي

Полный текст (789 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١١٨] أي: من جهلة أهل الكتاب، والمشركين، والمنافقين، ومن كان على دربهم، ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة:١١٨] هذا يدل على الكبر من جهتين: أنهم يقولون: نحن لا حاجة إلى أن يبعث إلينا رسولاً يكلمنا أنك رسول، فلما عجزوا عن هذه لجئوا إلى الثانية، فقالوا: أقل القليل أن نكون نحن وأنت سواء، فكما تأتيك الآيات تأتينا نحن الآيات، فإن اعترفت أن الله يكلمنا فلا أقل من أن نكون نداً لك. ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة:١١٨] من الأمم السابقة. ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة:١١٨]؛ لأن التشابه فيما يصدر من الإنسان يدل على التشابه فيما تكنه القلوب -عياذاً بالله- ﴿قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:١١٨]. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة:١١٩] هذه ظاهرة أن النبي ﷺ جاء بالدين الحق، مبشراً بالجنان محذراً من النار، ولا يسأل عن أصحاب الجحيم أي: ليس عليك شيء لعدم إيمانهم، وإنما أنت مبلغ كما قال الله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢].

стр. 107

تفسير قوله تعالى: (ولن ترض عنك اليهود ولا النصارى) قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] هذا قطع بكل علائق أحد أن ترضى عنه اليهود أو النصارى. ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] حتى تكون يهودياً مع اليهود ونصرانياً مع النصارى، ومن صنع ذلك خرج من ربقة الإسلام. ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٢٠]، هذا ضرب مثال فقط، وإن الله جل وعلا يعلم أن نبيه لم يصنع هذا، فالله يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] لكن المقصود منها: بيان أنه لا علاقة بين الله وبين أحد من خلقه إلا بالإيمان والعمل الصالح.

стр. 108

تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة:١٢١] لما مررنا على قول الله جل وعلا ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠] قسمنا أهل الكتاب إلى أربعة أقسام، وقلنا: منهم المؤمنون به وهم المقصودون هنا، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:١٢١] أي: الذين يستحقون أن يطلق عليهم أصلاً أنهم مؤمنون بالكتاب هم العاملون به التالون له. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:١٢١] ثم ذكر الله آيتين هما مثل السابعة والأربعين والثامنة والأربعين اللتان مرتا من قبل، وقد تكلمنا عنها.

стр. 109

تفسير قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، الآن نحاول أن نفقه شيئاً من تعامل هذا العبد الصالح مع ربه، ابتلاه الله بكلمات لم تحدد، لكنها بلا شك أعمال عظام، ومهام جسام، قام بها على الوجه الأكمل، وقدم هنا المفعول على الفاعل وإن كان حقه التأخير لأمور نحوية وأمور بلاغية، أمور نحوية لقضية الضمير وعودته، وأمور بلاغية للتشويق. ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] أي: قام بهن على الوجه الأكمل، فكافأه الله، قال: إني: الأمور بيدي، أنا خالق الخلق، أنا باسط الرزق، أنا الرب وأنتم العبيد، ((جَاعِلُكَ)) يعني: إبراهيم ((لِلنَّاسِ إِمَامًا))، قال أهل العلم: هذه أعلى المقامات وأجل العطاء، فمن سيأتي بعدك فأنت الإمام له في السير إلينا، حتى قال الله لنبيه ﵇: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣]. ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤] فأدركته عاطفة الأبوة ((قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)) ما فيهم؟ أجابه الله: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] لا تشمل هذه العطية من ظلم من ذريتك؛ لأن الإيمان لابد أن يكون متحلٍ بحلية الإمامة وهي الصبر واليقين، ومن كان ظالماً لم يكن صابراً ولا تقياً فلا يستحق أن يكون قدوة في الخير: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]. لكن هذا الرد الرباني الآن سترى أثره بعد قليل، قال الله بعدها: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ [البقرة:١٢٥] أي: الكعبة ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة:١٢٥] (مثابة) يقضون منه وطراً، يحنون إليه، (وأمناً) شرعاً وقدراً، الوحوش، الجمادات، الشجر، كله آمن في مكة: إني وإن نظر الأنام لمهجتي كظباء مكة صيدهن حرام يحسبن من لين الكلام فواحش ويصدهن عن الخنا الإسلام موضع الشاهد: كظباء مكة صيدهن حرام المقصود: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة:١٢٥] حتى قريش على كفرها كان الموتور منهم يرى واتره في الحرم ولا يقربه! ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] المقام هو الصخرة التي ارتقى عليها إبراهيم حتى يبني البيت لما علا الارتفاع وظهرت مواضع قدميه على الصخرة، فإبراهيم لما ألان لله قلبه ألان الله الصخرة تحت قدميه، وجعل الله هذا المقام آية عظيمة، وذكره في كتابه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٧] أي: أولها مقام إبراهيم.

стр. 110

معنى قوله تعالى (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قال الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] في صحيح البخاري أن عمر أخبر أنه وافق ربه في أمور منها هذه الآية، وعند أبي نعيم في الحلية زيادة أن النبي ﷺ : (أخذ بيده، وقال: يا عمر! هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: لو جعلته مصلى، فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥])، وهذا فيه تشريف عظيم لهذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه. واختلف الناس في موضع المقام الآن على أقوال: قال أقوام: إن المقام موضعه الآن هو موضعه في عهد النبي ﷺ ، وإنما في إحدى السنين جاء السيل فحركه من مكانه بعيداً، ثم رد إلى موقعه. وقال آخرون: إنه كان ملتصقاً بالكعبة وأخره عمر إلى موضعه الذي هو عليه الآن. وقال آخرون: إنه أخر في بعض عهد السلاطين، وقالوا أشياء أخرى، لكن ما عليه عمل الناس اليوم أمر متفق عليه أنه مقام إبراهيم. (واتخذوا) جعله الله جل وعلا مكاناً للصلاة حتى النبي ﵊ لما طاف أتى عند المقام وصلى خلف المقام، وقرأ في الركعتين اللتين ركعهما بعد الطواف بـ ((قل يا أيها الكافرون)) و ((قل هو الله أحد)) كما في حديث جابر في صحيح مسلم. نريد أن نصل إلى قضية حساسة جداً، وهي أن العرب كانت تعظم الأصنام مثل هبل واللات والعزى ومناة وغيرهم ثلاثمائة وستين صنماً، فانظر كيف صرفهم الله فما عبدوا الصخرة التي عليها مقام إبراهيم ولا عبدوا الحجر! علم الله من الأزل: أن هذين سيعظمان في الإسلام، فلو عظمتهما قريش في الجاهلية وعبدتهما لقال الناس: أبقى محمد ﵊ من الوثنية شيء، فسد الله هذا الطريق فصرف قريشاً مئات الأعوام مع ولائها وشغفها بالحجارة عن أن تعبد المقام وهو مشهور عندهم كما يقول أبو طالب في لاميته المشهورة: وموضع إبراهيم في صخرة رطبة، يعني: موضع قدميه. فلم ينقل أبداً أن قريشاً عظمت الحجر تعظيم عبادة أو عبدت مقام إبراهيم، وهي التي أتت بهبل واللات ومناة وغيرها، حتى إذا جاء الإسلام -والله أعلم ما كان وما سيكون وما هو كائن- وأمر بتعظيمنا لهما تعظيماً شرعياً مقيداً بأن يصلى عند واحد ويقبل الآخر لم يستطع أحداً أن يقول: أن هذا من بقايا الجاهلية.

стр. 111

معنى قوله تعالى (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي) قال الله تعالى: ((وَعَهِدْنَا)) هذا تشريف لهما ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا﴾ [البقرة:١٢٥] لم يقل: البيت، قال: ((بَيْتِيَ)) حتى تزيد الرغبة لدى إبراهيم وإسماعيل في السعي في كمال تطهير البيت؛ لأن الله أضافه لذاته العلية إضافة تشريف. ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة:١٢٥] بدأ الله بالطائفين؛ لأنهم أولى الناس بالبيت، إذا لا مكان يطاف حوله إلا البيت الحرام، والركع السجود هم المصلون، والاعتكاف يقع في مساجد شتى كما يقع الركوع والسجود في كل مكان.

стр. 112

معنى قوله تعالى (رب اجعل هذا بلداً آمناً) قال الله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:١٢٦]، استفاد خليل الله من تعقيب الله الأول عليه، لما قال: (ومن ذريتي) قال له ربه: (لا ينال عهدي الظالمين)، فلما جاء يدعو بالرزق هو بنفسه قيد فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:١٢٦]، أخذها من العتاب الأول، ولا أستطيع أن أجزم بهذا، فهو استنباط ولا يوجد فيه خبر، ولا يوجد فيه حجة، ولا يوجد فيه دليل، فلا نتقول على أنبياء الله ما لم يثبت أنهم قالوه، لكن نقول: ربما استفاد إبراهيم من العتاب الأول. قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة:١٢٦] فمن كان مؤمناً يتمتع ومصيره إلى جنات النعيم، ومن كان كافراً يتمتع إلى حين، قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة:١٢٦] أي: سأرزقه! ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:١٢٦]. فبين الله جل وعلا أن الرزق يدخل فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر، من آمن بي ومن لم يؤمن بي، خلاف الأول الذي هو الإمامة والقدوة والاتباع في الدين، فإن العطايا الدينية يعطيها الله جل وعلا لمن يحب فقط، والعطايا الدنيوية يعطيها الله جل وعلا لمن يحب ومن لا يحب.

стр. 113

تفسير قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]، كلف الله الخليل أن يبني لله بيتاً، لكن الخلاف هل بناه أحد قبل إبراهيم أو لم يبن من قبل؟ وأنا أرجح -والعلم عند الله- أن البيت بنته الملائكة قبل نزول آدم تمهيداً لنزوله، ودفعنا إلى هذا أنه لو كان أحد من الخلق بنى البيت قبل إبراهيم من غير الملائكة آدم أو غيره من الأنبياء لأخبر الله جل وعلا به؛ لأن الله لا يظلم الناس مثقال ذرة، وبناء بيت لله تشريف، ويؤيده أن إبراهيم ﵇ لقيه النبي ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج وقد أسند ظهره إلى البيت المعمور، وهذا فهم منه العلماء أنه مكافئة له على أنه بنى لله الكعبة، فلو كان أحداً من الأنبياء غيره بنى البيت لكوفئ بها قبل إبراهيم؛ لأن الله حكم عدل، لكن لما بنته الملائكة، والملائكة أصلاً طاعتهم جبلة، وذلك لا يتعلق به لهم ثواب أو عقاب، فلم يذكر الله جل وعلا ذلك عنهم. قد يقول قائل: لماذا لا تقول: إن إبراهيم هو أول من بنى البيت؟ فنقول: هذا يعني أن الناس لم يعرفوا الحج إلا بعد إبراهيم، ومعناه أن إدريس ونوحاً وصالحاً وغيرهم لم يحجوا! وهذا في ظننا بعيد، بل أظن أنه توجد نصوص تدل على حج أولئك الأخيار. قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة:١٢٧] قال العلماء فيما يروونه تاريخياً: جاءت سحابة أظلت مكان البيت فعرف إبراهيم القواعد. وقال آخرون: جاءت ريح فكنست جزءاً من الأرض، والخبر الصحيح أن إبراهيم أشار إلى إسماعيل إلى ربوة، وقال: إن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتاً، قال: يا أبت أجب أمر ربك، قال: وتعينني؟ قال: نعم يا أبتاه، فبنيا البيت. قال الله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة:١٢٧ - ١٢٨] فحرصا أعظم ما حرصا عليه ألا تلجأ قلوبهما إلى أحد غير الله. ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة:١٢٨]، وهذا استجداء للرحمن الرحيم، فالإنسان لا يعلم إلا ما علمه الله. ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٢٨]، وهذا اعتراف بالتقصير، فحاجتهما هي التوبة ومحو الذنوب وستر العيوب، فلجئا وتوسلا إلى الرب باسمين من أسمائه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٢٨].

стр. 114

تفسير قوله تعالى: (ربنا وابعث فيهم رسولاً فيهم) قال الله تعالى: ((رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ)) أي: أمة العرب، ((رَسُولًا مِنْهُمْ)) وقد وقع ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩]، ما الآيات والكتاب والحكمة؟ القرآن -كلام الله- منزه عن التكرار الذي لا معنى له، فما معنى هذه الآية: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩]؟ (يتلو عليهم آياتك) تلاوة وحفظاً، وتشمل القرآن والسنة. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩] يعلمهم إياها معنى، فما تلاه عليهم يعلمهم معناه، مثلاً: (وأقيموا الصلاة) علمهم معناها بأن لها أوقات، وتركع هكذا وتسجد هكذا، (وآتوا الزكاة) علمهم معناها بأن ذكر الأنصبة، وهكذا في كل الآيات. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩] أي: يربيهم بالأعمال الصالحة، فاجتمعت الثلاث، فإذا وجد عبد منّ الله عليه بتلاوة القرآن وحفظه والتلفظ به، ثم علم معناه، وكذلك صنع بالسنة، ثم زكى نفسه بالأعمال الصالحة؛ فهذا الذي صار على هدي الأنبياء المقربين وسنن المرسلين. قال الله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩].

стр. 115

تفسير قوله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم) قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠]. الفعل: يرغب إذا قصد به الطمع في الشيء يتعدى بحرف الجر (في): يرغب في، وإذا قصد به الإعراض وعدم الرغبة في الشيء يتعدى بحرف الجر (عن): يرغب عن، وهنا تعدى بحرف الجر (عن). قال الله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠] السفه: نوع من السذاجة والتصرف غير المحمود، وينجم عن نقصان العقل، ولهذا سمى الله الصبية سفهاء. ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠] نقول -والعلم عند الله-: إن قول الله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠] على أن تلك العطايا العظام التي أعطاها الله جل وعلا خليله إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه لم تنقص قدره في الآخرة، فإن العادة أن الإنسان إذا متع كثيراً في الدنيا يكون ذلك على حساب آخرته ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف:٢٠]، لكن الله أراد أن يبين: أن تلك العطايا العظام التي أعطاها إبراهيم حتى جعله للناس إماماً ليست منقصة له من أجر الآخرة شيئاً، بل إن النصوص أثبتت أنه أول من يكسى يوم القيامة ﵊، والله جل وعلا اصطفاه واجتباه على كثير من خلقه، وهو عند كثير من العلماء من أهل السنة أفضل الخلق بعد نبينا ﷺ .

стр. 116

تفسير قوله تعالى: (إذ قال له ربه أسلم) قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]. قال كثير من أهل العلم: إن من أعظم خصال إبراهيم المسارعة في الخيرات، وعدم التردد في تنفيذ أمر الله جل وعلا، وهذا معلوم من هديه، قال الله جل وعلا عن كليمه موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤]. نقف عند هذه الآية ونقول إجمالاً: إن الرب ﵎ ذو فضل واسع ورحمة جليلة يختص بها بعض عباده، وممن نال هذا الفضل الإلهي والعطايا الربانية خليل الله جل وعلا إبراهيم، وذكر القرآن إبراهيم في مواطن مدح كثيرة منها قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:٧٥]، فجعل القلوب تهفو للتعلق بهذا النبي الكريم بأن تبعه كما قال الله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣] وقد كان النبي ﷺ يجله ويعظمه، ولما تكلم عن الأنبياء قال ﵊ كما في حديث يوم الفتح: (قاتلهم الله! مال شيخنا وللأزلام؟!) ولم يسمّ الله جل وعلا أحداً من الأنبياء أنه شيخه إلا إبراهيم. ولما لقيه في رحلة المعراج قال إبراهيم لنبينا ﵌: (مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح)، ولم يقل له هذه العبارة إلا آدم وإبراهيم، أما غيرهما من الأنبياء والمرسلين فكانوا يقولون: (مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح)، فعلينا أن نفهم أن هذا خليل الله اجتباه الله جل وعلا، فننظر في هديه وفي سمته فيما أخبر الله عنه فنقتفي أثره؛ لأن الله جل وعلا أمرنا بهدي الأنبياء جملة، وبهدي إبراهيم على وجه الخصوص، وهذا الذي سنه نبينا ﷺ الله عليه وسلم. هذا ما تحرر وتهيأ إعداده، وأعاننا الله جل وعلا على قوله، والله المستعان، وعليه البلاغ. وصلى الله على محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين.

стр. 117

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [١١] نسخ القِبلة من جهة بيت المقدس إلى الكعبة كان حدثاً عظيماً، وأمراً كبيراً، وقد مهد الله له بكثير من الآيات، وأخبر بما سيقوله السفهاء من الناس، وذكر الحكمة من هذا النسخ، وقد هدى الله المؤمنين فامتثلوا أمر الله وولوا وجوههم حيث أمرهم.

стр. 118

تفسير قوله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس) الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت عليها السموات والأرض، ولأجلها كان الحساب والعرض، هي عماد الإسلام، ومفتاح دار الإسلام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: ففي هذا اللقاء المبارك نستفتح الحديث عن أول آيات الجزء الثاني من كلام ربنا جل وعلا من كتابه العظيم، قال الله وهو أصدق القائلين: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:١٤٢]. الذي ينبغي أن تستصحبه وأن تقرأ هذه الآية أن هذه الآية مقدمة على النسخ، بمعنى: أنه إلى الآن لم يحصل نسخ، ولم يحصل أمر بالتولية عن بيت المقدس إلى الكعبة، وإنما هذه الآية صدرت في الأول، قال أهل العلم كما نص عليه ابن سعدي رحمة الله عليه في تفسيره: وإنما هذا تسلية ومعجزة له صلوات الله وسلامه عليه، أما كونها معجزة فظاهر، فإن الله أخبره بأمر لم يقع بعد، وأما كونها تسلية فإن الإنسان إذا أخبر بما سيتعرض له من أذى قبل أن يتعرض له فهذا يجعله أكثر تمكناً من تحمل ذلك الأمر، وهذا قد يقع إما بالرؤى أو بوصول خبر له بطريق ما، وهذا في حق البشر، أما في حق الأنبياء فيكون ذلك عن طريق الوحي. لا بد أن نستصحب أن الله أثنى على إبراهيم، وأثنى على البيت ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة:١٢٥]، وبين ضلال اليهود والنصارى وقبل ذلك كله قال: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦]، وكل ذلك من ذكر النسخ ومدح البيت وتعظيم إبراهيم وبيان ضلال اليهود والنصارى توطئة لما سيقع، وينبغي أن تعلم أن نسخ القبلة هو أول نسخ في القرآن، فالنسخ كان في العهد المدني، وسورة البقرة من حيث الجملة من أوائل ما أنزل في العهد المدني، ولهذا مر معنا أن النبي ﷺ قال يوم حنين: (يا أهل سورة البقرة!)؛ لأن الأنصار كانوا فرحين بها؛ لأنها أول ما نزل في المدينة، وآياتها كثيرة. فالله جل وعلا يخبر نبيه أن أمراً سيقع بنسخ توجهك من بيت المقدس إلى الكعبة، ثم انظر كيف وطن الله لهذا في نبيه عند الناس، حتى تنقطع الحجج إلا الحجج الداحضة، فالله جل وعلا أثنى على البيت، وأثنى على بانيه؛ حتى إذا أمر الناس بعد ذلك بالتوجه إليه كان هناك ما يمهد لذلك الأمر الرباني. نبيكم ﷺ كان يصلي إلى بيت المقدس، ثم هاجر ومكث في المدينة ستة عشر شهراً تقريباً كما في حديث البراء بن عازب، ثم كان يكثر النظر إلى السماء أدباً مع ربه، لا يصرح ولا يخفي أملاً في أن يوجهه الله إلى الكعبة، فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٤٢] والسين للاستقبال، والسفهاء لا يحسن تخصيصها فيدخل فيها المشركون واليهود والمنافقون وكل من اعترض على تحويل القبلة. ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة:١٤٢]، لماذا قال الله: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٢]؟ لأن السفه يكون حتى في غير بني آدم، فنقله الله جل وعلا من مجازه المتسع إلى حقيقته المختصرة، فالسفه يكون حتى في الدواب، يكون حتى في الطير، لكن الله جل وعلا عندما قال: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٢] نقله من مفهومه الواسع الذي يمكن أن نصطلح عليه أنه توسع الناس فيها مجازاً إلى حقيقته المختصرة المخاطب بها، وهم كل من اعترض على تحويل القبلة. ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة:١٤٢] وإلى الآن لم يحصل تحول، ﴿الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٢]، فأجابهم الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة:١٤٢]، والمعنى: أننا نحن متعبدون بأن نعبد الله جل وعلا كما أمر، والله جل وعلا له ملك المشرق وله ملك المغرب، وليس في المشرق والمغرب تفاضل في ذاتها إنما نحن عبيد لله نأتمر بأمره.

стр. 119

تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:١٤٢]، والهداية لا تطلب إلا منه. ثم قال ربنا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] الكاف للتشبيه هذا قول، وقال آخرون: إنها مقحمة زائدة، والذي جعلهم يقولون: إنها مقحمة زائدة أنه لم يذكر شيء قبلها حتى يكون هناك تشبيه، لكن لغة العرب تجوز هذا، قال أبو تمام: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر وهذا أول بيت في القصيدة وليس قبله شيء. فقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] أي: كما أن لله المشرق والمغرب هذا الملك التام له جل وعلا، فبذلك الملك التام له جعلكم جل وعلا ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] أي: خياراً عدولاً، ولا بد من الجمع بين هاتين الصفتين: خياراً عدولاً، والناس في زماننا أول ما ينطبع في أذهانهم في معنى الوسط الطول، وهذا مكمن الخطأ في القضية، أما الوسط الذي يعرضه عند العرب فهو الذي يكون في العمق، والشيء الذي يكون في وسط المدن لا يناله الأعداء إلا بعد جهد، ولا يصلون إليه إلا بعد مرحلة، ولا بد أن ينتهوا من أطراف البلدة، فهو ممتنع، والوسط في الوادي كمرعى لا يصل إليه الرعاة ولا الدواب إلا بعد الأطراف، فالوسط دائماً ممتلئ عزيز منيع، هذا معنى الوسط، ومعنى قول الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] أي: خياراً عدولاً، لكن الناس الآن ينقدح في بالهم الطول، فلا يجدون معنى حقيقياً يتلذذون به في خطاب كلمة وسطاً. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] قال الشنقيطي رحمة الله عليه في أضواء البيان -وطريقته تفسير القرآن بالقرآن-: لم يبين هنا متى تكون هذه الشهادة، وبينها في سورة النساء، ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:٤١ - ٤٢] إلى آخر الآيات، فهذه الشهادة تكون يوم القيامة، تشهد هذه الأمة لأنبياء الله كما جاء الخبر الصحيح في الشهادة لنوح ويشهد النبي ﷺ على أمته بنص القرآن، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]. ثم قال الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٣] هذه توطئة للحدث، يقال: فلان انقلب بمعنى عاد إلى المكان الذي كان فيه، وعاد إلى أصله، فالناس قبل رسول الله ﷺ كانوا كفاراً، قال الله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣] أي: يعود إلى سابق الكفر. ثم قال الله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٣]، هنا كبيرة ليست ما بعد الصغيرة، فالله لا يتكلم عن آثام إنما يتكلم عن هذا الأمر، والتشريع فيه شدة ومشقة؟ على النفوس أي: لا تقبله كل نفس. ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة:١٤٣] في وقعها ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٣]، ونظيره في القرآن: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ [الأنعام:٣٥] أي: عظم واشتد، وليست (كبيرة) المجاورة للصغير أو المجاورة للمم، الله لا يتكلم عن ذنوب، وإنما يتكلم عن أمر رباني مشقته على النفوس عظيمة لولا هداية الله. قال الله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] هذا جواب لتساؤل وقع، قال أقوام: ما بال من مات وقد صلى إلى بيت المقدس؟ فأجاب الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، فالإيمان هنا المقصود به الصلاة، وهو حجة واضحة لأهل السنة من أن الإيمان قول وعمل؛ لأن الله سمى العمل هنا إيماناً وعبر به عن الصلاة فقال جل شأنه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٤٣].

стр. 120

تفسير قوله تعالى: (قد ترى تقلب وجهك في السماء) ثم ذكر الله آية النسخ: ﴿قَدْ نَرَى﴾ [البقرة:١٤٤] أي: ربما، وهي هنا للتكثير، كذا قال الزمخشري وهذا صحيح. ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة:١٤٤] وهذا من أدب نبينا ﷺ مع ربه، ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ [البقرة:١٤٤] أي: فلنيسرن لك ونشرع لك ﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، فانتقلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤] أي: الكعبة، قال بعض العلماء: المسجد الحرام أطلق في القرآن وفي السنة ويراد به أربعة أشياء: يراد به الكعبة، يراد به عين الكعبة، ويراد به المسجد المحيط بالكعبة، ويراد به مكة، ويراد به الحرم مما يشمله حدود الحرم. الله يقول: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦] أي: من أهل مكة، لكن ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] يطلق على حدود الحرم. قال الله ﵎: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] الخطاب في قوله: (فولوا) للأمة، وفي قوله: (فول) للنبي ﷺ ، وهذه على غير عادة القرآن؛ لأن عادة القرآن إما أن يخاطب النبي وتكون الأمة تبعاً له، وإما أن يخاطب الأمة ويكون النبي رأساً، لكن لا يأتي خبر في الغالب يذكر مرة لأمته، والجواب أن الله قال قبلها تمهيداً: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ [البقرة:١٤٣]، فلما كان أمراً ذا مشقة أكده الله جل وعلا بهذه الطريقة، وساقه بهذا الأسلوب، فخوطب به النبي وخوطبت به الأمة؛ لأنهم واجهوا عنتاً شديداً في قضية قبوله، فالمشركون يقولون: حن محمد إلى مولده، والمنافقون يقولون: حن محمد إلى مولده، ولما أنزل الله جل وعلا الثناء على البيت وتمجيده وتعظيمه قالوا: إذا كان محمد يمجد هذا البيت كل التمجيد فلم يتوجه إلى بيت المقدس؟ ولهذا قال الله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٢]، فهنا خاطب الله نبيه، وخاطب أمته صلوات الله وسلامه عليه، فقال: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤٤] والمعنى: أن أهل الكتاب يعلمون فيما أنزل عليهم أن الله جل وعلا سيطلب من نبيه أن يتحول إلى الكعبة، اليهود والنصارى أهل الكتاب يعلمون أن الله جل وعلا سيأمر نبيه بالتحول إلى الكعبة، وأن آخر الأمر سيكون التوجه لكل من آمن بالله إلى الكعبة. روى البغوي رحمه الله تعالى في شرح السنة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: الكعبة قبلة من في المسجد الحرام، والمسجد الحرام قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب. وقد اتفق المسلمون على أن التوجه للقبلة شرط من شروط صحة الصلاة، ويستثنى من هذا حالتان: الحالة الأولى: حال القتال. الحالة الثانية: حالة من يتنفل على ظهر الدابة حال السفر، فمن يتنفل على ظهر الدابة قبلته حيثما توجهت به دابته، وعند ابن حزم أنه يجوز حتى في داخل المدن، لكن قول الجمهور هو الصحيح، من يتنفل على دابته في سفر قبلته حيثما توجهت به دابته. والمقاتل لاسيما المسايف قبلته جهة أمنه، أي وجهة يغلب على ظنه أنه يأمن بها تكون هي قبلته، كما أن الدابة حيثما توجهت هي قبلة من يصلي عليها متنفلاً.

стр. 121

تفسير قوله تعالى: (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب) قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة:١٤٥] فلا تطمع في أن يتبعوها؛ لأنهم لو اتبعوها تركوا دينهم وما أصبحوا يهوداً ولا نصارى. ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٥] المعنى: إذا كان هؤلاء الذين على الباطل يأنفون أن يتبعوك فأنت -وأنت على الحق- أشد أنفة من أن تتبعهم. ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة:١٤٥]؛ لأن الخلاف بينهم خلاف عقدي وهم قد تتشابك مصالحهم وتلتقي خطوط رضوانهم لكنهم في المسائل العقدية مختلفون، كما قال الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١١٣]. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٤٥] ليس المقصود النبي ﷺ ، فقد علم الله أن نبيه لن يقع منه هذا الشيء أبداً، لكنه أسلوب تخويف وترهيب لكل من استبان له شيء من الحق ثم أعرض عنه.

стр. 122

تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه) قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة:١٤٦] أي: النبي ﷺ ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، قوله جل وعلا: (أبناءهم) قرينة على أن المقصود معرفة النبي ﷺ لما شاع من ذكره ﵊ في الكتب المتقدمة. ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] أي: من أهل الكتاب ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦] الحق من ربك، وظاهر الأمر عندي أن الحق هنا المقصود به أن القبلة التي أمرناك باتباعها هي الحق، والدليل عليها أن الله قال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة:١٤٧]؛ لأن النبي ﷺ لا يشك في نفسه، وإنما الخطاب هنا زيادة في التأكيد؛ لأن الموضوع كان كبيراً جداً كما بينه الله.

стр. 123

تفسير قوله تعالى: (ولكل وجهة هو موليها) قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ [البقرة:١٤٨] (وجهة) من حيث الصناعة النحوية على غير القياس، أصلها جهة كما يقال في وعد: عدة، وفي وصل: صلة، أما وجهة فهي مأخوذة من وجه، فالأصل أن تكون جهة وتحذف الواو قياساً لكنها أبقيت لتأكيد الأمر والعلم عند الله. ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨] على ماذا يعود الضمير هو؟ لا يعود على لفظ الجلالة، بل يعود على لفظ (لكل)، والمعنى: لكل أحد وجهة هو موليها نفسه، يعني: اختارها على بينة من نفسه، اليهود توجهوا إلى قبلتهم على قناعات عندهم، والنصارى توجهوا إلى هذا المشرق على قناعات عندهم، وهكذا غيرهم. ثم أمر الله نبيه وسائر المؤمنين أن ينصرفوا من هذا الخلاف إلى العمل فقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] أي: سارعوا في الطاعات ونافسوا فيها، ثم ذكرهم بيوم الوعيد: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٤٨]. ثم عاد وكرر موضوع القبلة فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤٩]. قال ﷺ في المسجد الحرام حين ذكر الكبائر: (والفساد في البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً)، فجعل الله هذا البيت قبلة للناس أحياء وأمواتاً.

стр. 124

تفسير قوله تعالى: (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) قال الله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٠]. يبحث العلماء هنا الاستثناء في قوله جل وعلا: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٥٠] هل هو استثناء منقطع أو استثناء متصل؟ والمعنى من حيث الجملة واحد أي: من لا يبحث عن الحق لا سبيل إلى إقناعه وإرضائه، لكن رجح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الاستثناء هنا استثناء متصل، وتفصيل ذلك أن تعلم التالي: الحجة في القرآن وردت بمعنيين: المعنى الأول: الحجة بمعنى الحق، وهي الحجة الصحيحة الواضحة البينة، مثل قول الله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام:٨٣]، ويحمل عليها قول الله أيضاً: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩] أي: الواضحة الصحيحة التي لا ريب فيها. المعنى الثاني: الحجة بمعنى الجدال سواء كان بالحق أو بالباطل، ومنه قول الله جل وعلا في سورة الجاثية مثلاً: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية:٢٥]، فالمقصود بأنها حجة باطلة وإن ذكرت على أنها حجة. قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٥٠]، وكونهم ظالمين قد يخشى أذاهم، فحين يخشى أذاهم علق الله أولياءه به فقال جل وعلا: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٠].

стр. 125

تفسير قوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولاً) قال الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ [البقرة:١٥١] الكاف للتشبيه، واختلف العلماء في متعلق الكاف هنا، فبعضهم جعلها فيما قبل، وبعضهم جعلها فيما بعد، فالذين قالوا: فيما بعد المعنى عندهم: فاذكروني كما أرسلنا فيكم رسولاً، (فاذكروني) هي الآية التي بعدها (كما أرسلنا فيكم رسولاً) وهذا بعيد، والراجح أنها متعلقة بما قبلها أي: ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلت فيكم رسولاً. وتوجد نعم أصلية ونعم متمة للنعم الأصلية، فالنعمة الأصلية أن بعث فيكم رسولاً يهديكم إلى دين الحق، والنعمة المتمة للنعمة الأصلية أن هديتكم إلى أن تتوجهوا إلى الكعبة، فالله يقول: إتمام النعمة التي هي التحول والتوجه إلى الكعبة ليست ببدع من الإنعام والإحسان مني إليكم، فقد سبق مني إحسان من قبل وهو؟ إرسال الرسول. وبعض العلماء مثل ابن الأنباري وهو ممن يغلب عليه الصنعة النحوية ذكر أنها صفة من مصدر محذوف والمعنى: لعلكم تهتدون اهتداء كما أرسلنا فيكم رسولاً، وهذا من حيث الصناعة النحوية ممكن، لكنه من حيث المعنى -والعلم عند الله- بعيد. قال الله: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٥١].

стр. 126

تفسير قوله تعالى: (فاذكروني أذكركم) قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢]. الذكر رأس الشكر، فيكون ذكره هنا وعطف الشكر عليه من باب عطف العام على الخاص. وقول الله جل وعلا: ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] قرينة على أن المقصود: كفر النعم؛ لأنه ذكر الشكر بعدها.

стр. 127

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] مر معنا كثيراً أن الصبر والصلاة قرينان في كلام الله. والصبر من أنواعه الصبر على الطاعات، ومن أعظم الطاعات التي تحتاج إلى مشقة؟ الجهاد، فلما ذكر الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] ذكر مشقة تحتاج إلى صبر وهي القتال في سبيل الله فقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤]. العاقل لا يفرط في محبوب إلا إذا وجد شيئاً أعظم منه، والحياة محبوبة لكل أحد، فأنت لماذا تأكل العيش؟ لماذا تشرب الدواء؟ لماذا تبني شيئاً يكنك البرد والحر؟ كل ذلك حتى تبقى حياً، وأنت لا تحيا لتأكل وإنما تأكل لتحيا، ومع ذلك يطلب منك شرعاً أن تهب نفسك لله، فتفرط في ذلك المحبوب الذي هو حب الحياة، والذي أنت تكد من أجل بقائك، وتمنع عن نفسك ما يؤذيك، لكن تفريطك في هذا المحبوب الذي هو الحياة لم تصنعه إن كنت مؤمناً إلا لمحبوب أعظم وثواب أجزل وهو ما عند الله الذي أثبته الله بقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٥٤]، فهم يفيئون إلى قناديل معلقة في العرش ويشربون من أنهار الجنة، وسيأتي ذكر الشهداء تفصيلاً في سورة آل عمران التي حوت ذكراً كثيراً للقتال.

стр. 128

تفسير قوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع) قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥]، هذا الابتلاء يكون للأفراد، ويكون للأمم، ويكون للمجتمعات، والله جل وعلا مضت سنته واقتضت حكمته ومضت كلمته أن الناس يبتلون تمحيصاً؛ ليميز الصابر من الجازع، والمؤمن من الكافر، وأنواع البلاء تختلف، وقد وقع الابتلاء حتى في خير القرون، فالنبي ﵊ حوصر ومن معه، وزلزلوا زلزالاً شديداً، وفي عهد عمر كان الطاعون، وغير ذلك من الابتلاءات التي تمر بالمسلمين على مستوى الأمم، وعلى مستوى الأفراد، يبتلى الإنسان بفقد ماله، بفقد أهله، بفقد ذويه، بفقد قرابته، وهذا أمر مستفيض لا يحتاج إلى بيان، ثم عند تلقي البلاء تعبد الله عباده الصالحين بأن يقولوا: إنا لله وملك له وعبيد له، ولا حول لنا فننتصر، ولسنا برآء فنعتذر، ولا قوة لنا إلا بالله، وهو ربنا يفعل بنا ما يشاء، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] أي: منقلبنا إليه فيثيبنا إن صبرنا، ويعاقبنا إن جزعنا إلا أن يرحمنا فهذا المعنى الحرفي لقوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] فيه منتهى التسليم لرب البرية ﷻ ، وهذه الكلمة يقال: إن الأنبياء من قبل لم يكونوا يعلمونها، ولو كانت شائعة بينهم لقال يعقوب: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولم يقل: واأسفا على يوسف، وقد ورد في آثار ليس فيها ما نعلمه صحيحاً سنداً، لكن العقل لا يمنعه أنها كلمة اختص الله بها هذه الأمة.

стр. 129

تفسير قوله تعالى: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧]، الصلوات هنا أي: رفع الدرجات، والرحمة أي: غفران الذنوب، ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧] أي: عرفوا طريق الحق فلزموه، وما كانوا ليهتدوا لولا أن هداهم الله. هذا كله يبين أن الإنسان في طريقه إلى الله تمر به النوازل، وتمر به الابتلاءات، فينبغي أن يوطن المرء نفسه على التعلق بالله، وكلما عظم في القلب اليقين بأن العبد عبد لله والله ربه يحكم فيه ما يشاء ويفعل ما يريد سهل عليه بعد ذلك أن يتقبل ذلك البلاء.

стр. 130

تفسير قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨] الجناح في اللغة: الميل. قال الله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال:٦١] أي: مل إليها، لكن اصطلح على أن يطلق غالباً في الميل إلى الإثم. والصفا والمروة جبلان، يجمع الصفا على صف، والمروة على مرو، سعت بينهما هاجر أم إسماعيل ثم تعبد الله الناس بذلك، وقبل الإسلام كثر وضع الأصنام عندها، فكان أكثر ما تعبد الأصنام عند الصفاء والمروة، فلما من الله على المسلمين بالإيمان تحرجوا من أن يأتوا إلى مكانين عرفا بأنهما مظنة وجود أصنام، فرفع الله ذلك الحرج بقوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]، ورفع الحرج هنا لا يتعلق به حكم شرعي، بمعنى: لا يفهم من هذه الآية أن السعي واجب أو ركن أو سنة، إنما الآية جيئت لدفع ذلك الحرج الذي كان يخافه المسلمون من أن يعيدوا شيئاً قد سبق في خلدهم أنه مظنة عبادة أصنام، لكن قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] قرينة ظاهرة على أن السعي عبادة لا تؤدى بمفردها نافلة، ويوجد طواف نافلة منفكاً بمفرده عن الحج والعمرة، لكن لا يقع السعي منفكاً عن الحج والعمرة؛ لأن النبي ﷺ لم يسع حالة انفراد عن حج أو عمرة، وطاف ﷺ طوافاً منفكاً عن حج وعمرة. ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ [البقرة:١٥٨] أي: زاد ﴿خَيْرًا﴾ [البقرة:١٥٨] أي: من حج أو عمرة. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨] من طرائق معرفة شكر الله جل وعلا -والله من أسمائه الشاكر والشكور- أنه جل وعلا يثيب على العمل اليسير بالجزاء العظيم، (ومن تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً)، (ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه) هذا من معاني قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨]. وقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] أي: من أعلام دينه، أشعر الشيء يعني: أعلم، والصفا والمروة من أعلام الدين، وتعظيم شعائر الله قوت للقلوب، قال الله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. هذا ما يمكن أن يقال حول قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨]، وهذان مكانان من الحرم تعبدنا الله بأن نسعى بينهما، على أنه يتعلق بهذا فائدة أخرى وهي أن البدعة نوعان: بدعة ليس لها أصل شرعي، وبدعة لها أصل شرعي، وهي أن توجد عبادة لها أصل شرعي فجيء بها على وجه غير الذي الوجه الذي جاء به الشرع، فتسمى بدعة، هذا تقسيم عام وسنأتي لكلا الحالتين. لو جاء إنسان فصام مثلاً من منتصف النهار إلى منتصف الليل فنقول: هذه العبادة ليس لها أصل في الشرع، أما الحالة الثانية فمثل الوقوف في عرفة في غير يوم التاسع، فالوقوف في عرفة له أصل في الشرع لكنه جاء في الشرع على وجه مخصوص وهو اليوم التاسع، ففعلك إياه في غير اليوم التاسع يسمى بدعة. لماذا ذكرنا هذه الأمثلة وقسمنا البدعة؟ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]، فجعل الله للسعي وجهاً مخصوصاً، وهو أن يكون إما ملتصقاً بحج أو ملتصقاً بعمرة، والسعي له أصل بالشرع، لكن إن لم يكن ملتصقاً بحج أو عمرة فيعد هذا العمل بدعة غير مقبولة. وقد اختلف العلماء في حكم السعي بين الصفا والمروة، والآية لا تدل لقول أحد، قال بعض العلماء: إنه ركن، وهذا مذهب الشافعي، وحجته: أن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا)، وقال آخرون: بسنيته، وقال آخرون بوجوبه، وتفصيل ذلك في كتب الفقهاء، وهذا درس تفسير، والمستفتي على دين مفتيه. هذا ما تيسر إيراده، وأعاننا الله جل وعلا على قوله في هذا اللقاء المبارك، بارك الله لنا ولكم فيما نقول ونسمع، ونفعنا الله وإياكم بما علمنا، وعلمنا ما ينفعنا، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 131

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [١٢] لعن الله الذين يكتمون العلم الذي أنزله في كتابه، ولعن الذين كفروا وماتوا وهم كفار، وأعظم العلم: لا إله إلا الله والكفر بها هو أظلم الظلم وأجهل الجهل، ففي ما خلق الله آيات ودلائل تدل على أنه الإله الحق الواحد، لكن الذين كفروا صم بكم عمي فهم لا يعقلون.

стр. 132

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) الحمد الله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خالق الكون بما فيه، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا لقاء مبارك نستكمل ونستأنف فيه ما كنا قد تكلمنا عنه في سورة البقرة، وانتهينا في اللقاء الماضي إلى قول الله جلا وعلا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨]. أما اليوم فسنبدأ بقول الله جلا وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩]. قال أهل العلم ﵏ في بيان هذا: أصل سبب نزول الآية أن نفراً من الصحابة ذهبوا إلى أحبار يهود يسألونهم عن وصف رسول الله ﷺ ، وما جاء عنه صلوات الله وسلامة عليه في التوراة، وكان أولئك الأحبار يعلمون ذلك جيداً، قال الله جلا وعلا: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، والضمير عائد على النبي ﷺ إلا أن أولئك الأحبار كتموا ذلك العلم الذي علمهم الله جلا وعلا إياه وأبانه لهم جلا وعلا في التوراة فأنزل الله قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ [البقرة:١٥٩]، ولذا ذهب بعض العلماء إن المقصود بالكتاب هنا: التوراة، والصواب أن يقال: إن أولها عن التوراة وآخرها في القرآن، وليست الآية محصورة في فرقة بعينها، فكل من كتم علماً دخل في الوعيد الذي تتضمنه الآية، والأصل في ذلك أن الله جلا وعلا أحيا الناس وأحيا قلوبهم بالعلم الشرعي، فإذا أوتي أحد علماً شرعياً فبخل به على الناس وكتمه فإنما تسبب في موت الناس وإفسادهم، وهذا مستحق للعنة. واللعن عند العرب هو الطرد والإبعاد، لكنه في عرف الشرع الإبعاد عن رحمة الله، وعند العرب كان كل شيء يدعو إلى الوصف بالقبيح يسمى لعناً فكانوا يخاطبون ملوكهم ووجهائهم بقولهم: أبيت اللعن أي: لا تفعلوا فعلاً تستحقوا عليه اللعن، وإنما أنت تفر عن كل سبب موجب لذنبك وقدحك وشينك. ويوجد فرق بين لعنة الله وبين ما يعير به الناس من باب العرف والتقاليد، فليس ذلك كما يعيرون به من باب الشرع. كتمان العلم من أعظم الإفساد في الأرض؛ ولهذا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وهو راوية الإسلام الأول لما كان يكثر من نقل الأحاديث عن النبي ﷺ ونشأ في عصره جيل لا يعرفونه حق المعرفة وقالوا: أكثر أبو هريرة على رسول الله ﷺ قال ﵁ وأرضاه: (تقولون: أكثر أبو هريرة على رسول الله ﷺ ! الله الموعد -أي: القيامة بيني وبينكم- وايم الله لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحداً بشيء أبداً) ثم تلا هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩]. ثم تأمل سنن الله جلا وعلا في خلقه كيف تتقابل على التالي: العالم الذي ينشر علمه ويدعو إلى الخير ويعرف الناس بربهم ﵎ يصلي عليه كل أحد، ويستغفر له حتى الحوت في بحره، ومقابل هذا من أوتي علماً وكتمه ولم يبينه للناس وأوقع الناس في ضلال مبين دون أن يسعى في إخراجهم مما هم فيه فهذا يلعن قال الله جلا وعلا: ﴿أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩]، وكلمة اللاعنون عامة ولم تحدد. وذكر بعض العلماء كما في طريقة الشنقيطي في التفسير أن ما بعدها أن الله تفسرها قال: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة:١٦١]، لكن الصواب أن يقال: كل من يتضرر من كتمان العلم هو مندرج في لعن من كتم ذلك العلم، هذا في ظني أصوب ما يمكن أن يقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩].

стр. 133

تفسير قوله تعالى: (إلا الذين تابوا وأصلحوا) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٠]. هنا ثلاثة أفعال كلها واقع في صلة الموصول: تابوا وأصلحوا وبينوا، تابوا بمعنى: أقلعوا عن الذنب الذي هو هنا الكتمان، وأصلحوا: عزموا على أن لا يعودوا إليه مرة أخرى، وبينوا: أظهروا ما كانوا قد كتموه من العلم. فإذا فعلوا ذلك فإن الرب جلا جلاله بسعة رحمته وعظيم فضله يقول: ﴿فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٠].

стр. 134

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا وماتوا) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة:١٦١]، قول ربنا: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [البقرة:١٦١] هذا قيد لا ينبغي اطراحه، فاللعنة لا تكون لازمة لأحد ولو كان متلبساً بالكفر حتى يموت على الكفر؛ لأن الله قال في قيده ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [البقرة:١٦١] لكن هذا لا يعني أنه لا يجوز لعنهم وهم أحياء، والفرق بين الأمرين أننا لا نقول: نحن يائسون من إيمانه أو أننا نحكم عليه بأنه مطرود من رحمة الله حتى يموت على الكفر. أما اللعنة العارضة فقد قال السلف كما روى مالك في الموطأ عن أحدهم: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان، وقد قال البعض إن هذا من حيث العموم لا من حيث التعيين، وللحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى كلام في الفتح دقيق في هذه المسألة، وهو أن الأصل أن من جاز قتاله جاز لعنه، فلعنه من باب طرده وإبعاده لا بأس به، أما الحكم عليه بأنه في النار من معنى اللعن العام بأن الله قد طرده من رحمته وأقصاه من جنته فهذا لا يحكم به عليه حتى يموت وهو كافر، وهو معنى قول الله جلا وعلا: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة:١٦١]. ومما يدل على صحة هذا الرأي قوله بعدها: (خالدين فيها)، فهذا الخلود لا يكون إلا بعد الموت على الكفر، لكن قد تكون هناك لعنة دون اللعنة العامة الكبيرة وهي الطرد من رحمة الله، والنبي ﷺ غلظ في مسألة اللعن وقال: (لا تصحبنا ناقة ملعونة)، ولما صلى ﷺ بالناس صلاة الاستسقاء ثم حذرهم ووعظهم بعدها أمر النساء أن يتصدقن، وقال لهن: (إنكن أكثر أهل النار! قلن: يا رسول الله! بم ذاك؟! فقال ﵊: إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير)، فقوله ﵊ تكثرن اللعن: دليل على أن الإكثار من اللعن من أسباب سخط الله جلا وعلا وعذابه أعاذنا وإياكم منه! والعاقل لا يعود نفسه على اللعن. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [البقرة:١٦٢] ينظرون هنا: بمعنى يمهلون؛ لأنه دائم، والإمهال كان في الدنيا وقد فات بموتهم على الكفر.

стр. 135

تفسير قوله تعالى: (وإلهكم إله واحد) قال الله جلا وعلا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] لما حذر الله جلا وعلا من كتمان العلم ذكر الله جلا وعلا أعظم علم ينبغي أن يظهر للناس وهو توحيده جلا جلاله، والتعريف به ﵎، فقال معرفاً بذاته العلية مبيناً أعظم علم ينبغي أن ينشر: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣]، وقد مر معنى تفسير: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] في سورة الفاتحة، وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:١٦٣] كلمة من أجلها خلق الله السماوات والأرض، ومن أجلها كان الحساب والعرض، ومن أجلها يحشر العباد، ومن أجلها جرد محمد وأصحابه سيوف الجهاد، ومن أجلها أقيمت الحجج والبراهين، ومن أجلها تنصب الموازين يوم القيامة. قال ﵊: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا اله دخل الجنة)، أولها نفي وآخرها إثبات، أولها جحود وآخرها إقرار، ويروى عن بعض المتصوفة ممن علق به شيء من التصوف كـ الشبلي ﵀ كان يقول: لا أقولها ويقول: الله، ويقول: أخشى أن أبدأ بالجحود فأموت دون أن أصل إلى الإقرار، يعني: أخاف أن أبدأ بالجحود فأقول: لا إله ثم أموت قبل أن أقول: إلا الله، وهذا ورع مذموم، قال القرطبي ﵀ معلقاً على كلامه هذا: هذا من علومهم الدقيقة التي ليست لها حقيقة؛ لأن الله جلا وعلا تعبدنا بهذه الكلمة، وذكرها مراراً في كتابه العظيم، ووعد عليها الثواب العظيم، والله أرأف وأرحم وأعدل من أن عبداً أراد أن يقول: لا إله إلا الله وهو مؤمن بها قائم بالعمل بها عارف بلوازمها فقال: لا إله وأدركه الموت، فهذا من أهل الجنة قطعاً، فالله جلا وعلا حكم عدل، ورب ذو فضل لكن كما قال القرطبي ﵀ عنهم: هذا من علومهم الدقيقة التي ليست لها حقيقة، وأي علم تريد أن يثبت نبش عنه، وكثير من الأشياء لا تغرنك بادي الرأي فتزدلف إليها، وأنا أكثرت من القول في الشيعة، فهم يأتون مثلاً لمقتل الحسين بن علي وهو مصيبة ويقولون: أي قلوب قاسية لكم، أنتم تبكون على موت أبنائكم وآبائكم وأمهاتكم، فكيف لا تبكون بموت سبط رسول الله وسيد شباب أهل الجنة، والنبي ﷺ كان يحبه ويضعه على فخذه، ثم يقتل وهو صائم، ويفصل رأسه عن جسده، ثم يقدم قرباناً للسلاطين والأمراء؟! هذا القول من أوله يستعطفك وقد يأسرك، فنقول: إن موت النبي ﷺ أعظم من موت الحسين، ومقتل علي ﵁ وأرضاه والد الحسين أعظم من مقتل الحسين نفسه، لكن الله جلا وعلا ما تعبدنا بمثل هذه الصنائع قرباناً له، ونحن نعلم أن قتلة الحسين فجرة ظلمة فسقة، اقترفوا إثماً عظيماً لكن ليس التعبير العلمي والصنيع الحقيقي أن نصنع كما يصنع الشيعة في كل عام، نظهر المآسي والمآتم والحزن على وفاته ﵁ وأرضاه، وإن كان في وفاته عبر وعظات لكل أحد، فإنه كم من شخص يتلبس بالحق وينادي إليه ويزمجر به على المنابر، وكل الذي يدعو إليه عين الباطل! فالذي قتل الحسين سبط رسول الله ﷺ كان يكبر ويقول: الله أكبر وهو يقتل الحسين سبط رسول الله صلوات الله وسلامه عليه! يقول أحد علماء السنة آنذاك: جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد متزملاً بدمائه تزميلا وكأنما بك يا ابن بنت محمد قتلوا جهاراً عامدين رسولا قتلوك عطشاناً ولم يترقبوا في قتلك التنزيل والتأويلا ويكبرون بأن قتلت وإنما قتلوا بك التكبير والتهليلا من هنا تعلم ما هو العلم؟ هو نور يقذفه الله في القلب، فتكون على بينة من هدي كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وتسير به إلى رحمة علام الغيوب، الإنسان تأتيه الشبهات فيجتنبها بالعلم، ويمشي واثق الخطوة، رافع الرأس، ثابت القدم، متوكل على الله، لا تغره الشبهات، ولا تأسره الشهوات، وهذا إذا اجتمع مع علمه إيمان بالرب ﵎. قال الله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] جاء في الأثر من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن أن النبي ﷺ قال: (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢])، وقوله جلا وعلا: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣]، ونحن نعلم أن الآثار دلت على أن لله جلا وعلا اسماً أعظم، لكننا نجهل هذا الاسم، وهذا الاسم إذا دعي به الله أجاب وإذا سئل به أعطي، والله جلا وعلا أخفاه، وبعض العلماء ذهب إلى أنه الحي القيوم، وبعضهم ذهب إلى أنه لفظ الجلالة، وبعضهم ذهب إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو، وبعضهم قال: هو الحي مع الله لا إله إلا هو، واستشهد بآية غافر: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:٦٥]، فاختلفت فيه أقوال العلماء، وكل منهم ضرب بعطن في ناحية بعينها، لكن المقصود أن يعلم الإنسان أن لله اسماً أعظم، ووجهاً أكرم، وعطية جزلى، وحجة بالغة، وقوة لا تقهر، ووعداً لا يخلف، وجنداً لا يهزم، فنسأل الله جلا وعلا بأسمائه وصفاته جملة أن يدخلنا الجنة ويجيرنا من النار.

стр. 136

تفسير قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض) في الآية الأولى قال الله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة:١٦٣] إخبار، أما الآية التي بعدها فهي دلائل اعتبار، وذكر تفاصيل ما يدل على عظمة الواحد القهار قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤]، العقل مناط التكليف، وتمر عليه ثلاثة أحوال حال عارضة، وحال مؤقتة، وحال مستديمة. الحال العارضة: النوم فيرتفع قلم التكليف، والحال المستديمة: الجنون فيرتفع حال التكليف، والحال المؤقتة: الصغر فيرتفع حال التكليف إلى أن يكبر، والعناية بالعقل وجعله مناط التكليف دليل عظيم على عناية الإسلام بهذا العقل. والعقل مكتشف للدليل، وليس منشئاً له، ففي هذه الآيات ذكر الله دلائل الاعتبار على الزمن على قدرة الله الواحد القهار فقال جل شأنه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤]، وخلق السماوات والأرض من أعظم الأدلة والبراهين على قدرة الله، قال الله في سورة غافر: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧]. (واختلاف الليل والنهار) الله جل وعلا يولج هذا في هذا. (والفلك) أي: السفن (التي تجري في البحر بما ينفع الناس) تسخير من الله جلا وعلا، والعلماء تكلموا في البحر كثيراً، ومن أشهر من ركبه من الأنبياء نوح وموسى ويونس، وقد فصلنا هذا القول في دروس مضت. ﴿وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ [البقرة:١٦٤]، تصريف الرياح تكون أحياناً بينة، وتكون أحياناً عاصفة، وتكون أحياناً حارة، وتكون أحياناً باردة، وتكون أحياناً عذاباً، وتكون أحياناً نصراً، قال ﵊: (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور)، وتكون أحياناً ملقحة، وتكون أحياناً عقيمة، هذا كله تصريف للرياح، ولا يقدر عليه إلا الله ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤]، نحن نعلم قطعاً أن الماء ينزل من السحاب، لكن يوجد قول للعلماء أن المطر ليس من السحاب، وإنما السحاب غربال وأمارة على نزول المطر، والمطر ينزل من السماء ويمر عبر هذا الغربال الذي هو السحاب، ثم ينزل للناس، وهذا القول وإن قال به أفراد قليلون إلا أنه موجود، وقالوا: تجتمع فيه الآية؛ لأن الله قال: ﴿وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ [البقرة:١٦٤]، قالوا: لو كان الماء ينزل من السحاب لما كانت هناك حاجة لأن يعيد الله جلا وعلا قوله: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ [البقرة:١٦٤]، وهذا أظنه منقول عن كعب الأحبار، لكنه رأي مرجوح جداً جداً، والذي عليه العلماء كافة خاصة في القرون المتأخرة ما دل عليه العلم الحديث أنه من السحاب الذي في السماء، لكنني ذكرته حتى لا تفاجأ به إذا قرأته في كتاب، وأذكر أنني سمعته قبل ثلاثين سنة من أحد العلماء؛ فذهلت بمجرد سماعه، ولو أنه ﵀ قالها تفصيلاً كما حررنها لكم، وهو لا يجهل هذا، ثم مع الأيام تبين مقصده غفر الله له ورحمه. قوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤].

стр. 137

تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله) بعد أن ذكر الله أدلة الاعتبار ذكر الله جلا وعلا اختلاف الناس في ربهم، فذكر مسألة محبة الله جلا وعلا وتعظيمه وهي لب الدين، فقال جل ذكره: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:١٦٥]. للعلماء وجهان في تخريج الآية: التخريج الأول: أن هؤلاء المشركين يحبون أصنامهم كحب المسلمين لربهم. التخريج الثاني: أن هؤلاء المشركين يحبون ربهم ويحبون أندادهم كحبهم لربهم، وهذا التخريج الثاني تدل عليه آية الشعراء، ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨]. وأياً كان المقصود بالمعنى فقد قال الله بعدها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، وهؤلاء المؤمنون لما كان محبوبهم وهو الله ليس له مثيل كان حبهم لله لا يعدل حبهم لأي شيء آخر؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ومنزلة محبة الله جلا وعلا من أعظم المنازل التي يعطاها العبد؛ لأنها مع الرجاء والخوف هي مدارك الدين كله، ومن رحمة الله جلا وعلا بك أن يجعل قلبك وعاء لحبه ﵎، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. ثم قال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة:١٦٥] في الدنيا ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٥] أي في الآخرة ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:١٦٥].

стр. 138

تفسير قوله تعالى: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا) قاله الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧]. معناها ظاهر ولا تحتاج إلى شرح، رؤساء لهم أتباع فيوم القيامة يتبرأ الرؤساء من الأتباع، لكن نقف عند قوله: (لو) و (لولا) إذا كان يوم القيامة يرى المؤمن مقعده من النار الذي نجاه الله منه وهو في الجنة قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] لاحظ (لولا) تقترن بأهل الإيمان، أما الكفار تقترن بهم (لو) ما الفرق؟ لولا: حرف امتناع لوجود، أما لو: حرف امتناع لامتناع، كيف أطبق هذا على هذه الآية وسائر الآيات؟ المؤمن وهو في الجنة إذا رأى مقعده من النار الذي نجاه الله منه يقول: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، السؤال هل حصلت هداية الله؟ نعم حصلت، فامتنع بحصولها وجود المقعد الذي في النار، فهذا معنى قولنا: حرف امتناع لوجود، الموجود حصول الهداية والرحمة من الله، فهذه الرحمة والهداية من الله لك منعت أن تكون في ذلك المقعد الذي هو في النار. على النقيض من ذلك يرى أهل النار مقعدهم في الجنة الذين حرموا منه، فيقولون: لو، وقال الله عنهم: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧]، وهنا يقول الله: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة:١٦٧]، ولا توجد كرة. إذا رأى الكافر مقعده من الجنة يقول: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ [الزمر:٥٧]، هل هداه الله؟ لم يهده الله، فامتنع الأول، فامتنع جواب الشرط، امتنع تحقق أن ينال ذلك المنزل الذي يراه في الجنة، وهذا كافي بأن تتعظ به القلوب، هل تكون ممن يقول: لولا أن هداني الله، أو تقول: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧] هذا هو الفرق بين لو ولولا، لولا: حرف امتناع لوجود، ولو: حرف امتناع لامتناع. والمقصود من ذلك: أن من أراد الله له الرحمة في الآخرة سيرحمه في الدنيا بتوفيقه للأسباب المعينة على طاعة الله، ومن لم يرد الله له الرحمة في الآخرة لن يوفق للهداية في الدنيا حتى يصل إليها. قال الله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، يجب أن يخلد في قلوبنا أن كل سبب يوم القيامة منقطع إلا سبباً واحداً وهو ما كان بين العبد وربه، وهو سبب العبودية المحضة، هذا هو السبب الواحد الذي يبقى يوم القيامة. قال الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ﴾ [البقرة:١٦٧] معنى (يريهم الله أعمالهم): يريهم الله الأعمال التي تكون سبباً في نجاتهم لو أنهم سمعوها وفعلوها وآتوها، فإذا رأوها ماثلة أمام أعينهم يوم القيامة تحسروا على أنهم لم يفعلوها؛ لأنهم لو فعلوها لنجوا مما هم فيهم. ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة:١٦٧]، ولو كانت تلك الحسرة إلى أمد تنتهي ويقضى الأمر لهان لكن الله قال بعد ذلك يذكر خلودهم ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧].

стр. 139

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة:١٦٨]، سمي الحلال حلالاً من حِلال عقدة الحاضر عنه يعني: عقدة المنع، وكلمة (حلالاً) بيان للحكم الشرعي، وكلمة (طيباً) إظهار لعلة الحكم الشرعي. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨]، عدو مبين بمعنى: عدو ظاهر، فمبين اسم فاعل لكنها من أبان اللازمة غير المتعدية. والفعل أبان يأتي لازماً لا يحتاج إلى مفعول، ويكون بمعنى ظهر، وتأتي أبان بمعنى أظهر فتقول أبنته لك تعدى إلى مفعولين، أما أن تظهر أنت فتقول: بان فلان على الشاشة أي: ظهر، وهنا الفعل اللازم وليس من المتعدي؛ لأن الشيطان لن يظهر عداوته لنا، وإنما يتلبس ويوسوس، لكن كيف عرفنا أنه عدو؟ لأن الله جلا وعلا فضحه وأظهر عداوته، فالشيطان عدو لكنه لا يظهر لنا عداوته، وإنما يأتينا متلبساً عن طريق الوسوسة مقرباً لنا مقاسما ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١]، ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠] إلى غير ذلك. لكن الله جلا وعلا فضحه وكشف عداوته لنا ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨].

стр. 140

تفسير قوله تعالى: (إنما يأمركم بالسوء والفحشاء) قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة:١٦٩] أسلوب حصر ﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:١٦٩]، فلا يأمر الشيطان بشيء فيه نفع لنا البتة. ولهذا قال الله: ﴿إِنَّمَا﴾ [البقرة:١٦٩] أسلوب حصر ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٩]، ولم يذكر الله هنا ما القول على الله بلا علم الذي دعانا إليه الشيطان، لكن جاء بيانها في آيات أخر أعظمها أن الشيطان دعاهم إلى أن يفتروا ويزعموا الله الولد، وأن يحرموا ما أحل الله لهم من الطيبات كما قالوا: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام:١٣٩] إلى غير ذلك مما حرموه، ونسبوه إلى الله جلا وعلا افتراء عليه، ذلك الذي لقنهم الشيطان إياه فهو مندرج في بيان قول الله جلا وعلا: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٦٩].

стр. 141

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠]. الله عظم العقل، والمشركون تركوا عقولهم فلم يستفيدوا منها، فمن لم يستفد من جارحة أعطاه الله إياها فكأنه لم يعطاها، ولهذا وصفهم الله بأنهم صم رغم أنهم يسمعون، ووصفهم بأنهم بكم رغم أنهم يتكلمون، ووصفهم بأنهم عمي رغم أنهم يبصرون؛ لأن تلك الجوارح لم يستفيدوا منها الاستفادة التي أرادها ربهم ﵎. هنا يقول الله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا﴾ [البقرة:١٧٠] أي: النبي ﷺ ﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ [البقرة:١٧٠] أي: ما وجدنا عليه آباءنا، قال الله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠] هذا استفهام تعجب. والمعنى: على أي حال يصلون بها إلى أن يدعوا عقولهم بلا عمل فيعرضوا عن دعوة الإسلام، ويبقوا على عبادة الأصنام، ملتزمين هدي من سبقهم ولو كان من سبقهم على ضلالة وعياً وبعداً عن الله جلا وعلا، وهذا يحمل التوبيخ مع الإنكار. قال الله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠]، اختلف العلماء في معنى (لو) هنا اختلافاً واسعاً، فقال بعض العلماء: هي بمعنى إن التي لا تحتمل معنى الشرط، وقال آخرون بغير ذلك، لكن القول بأنها لا تحتمل معنى الشرط هو الأفضل والأولى التي لا تحتاج إلى جواب. وقال البيضاوي قولاً ليس له فيه سلف، محتجاً ببيت لـ رؤبة بن العجاج: قالت بنات العم يا سلمى وإن كان فقيراً معدماً قالت وإن لكن القول الأول -وهو أنها بمعنى إن التي لا تحتمل معنى الشرط- هو الذي عليه أكثر أهل العلم، والعلم عند الله جلا وعلا.

стр. 142

تفسير قوله تعالى: (مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق) قال الله جلا وعلا يبين حال أهل الإشراك: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]. هذا تشبيه حالة الكافر بحالة راع الضأن ينادي عليها، فهي من حيث سماعها النداء تسمع، لكن من حيث تدبرها لما يقال لها لا تعي، فالنبي ﷺ كان يدعوهم ويرشدهم فهم حال سماعه كحال الضأن تسمع ما تنادى به، وهم يسمعون القرآن والآيات إلا أنهم لا ينتفعون كما أن الضأن لا تفقه كلام الراعي، هذا تخريج. وبعض العلماء يقول: ليس المقصود هذا، وإنما المقصود حال المشركين مع أصنامهم عندما ينادونها، فإنها لا تسمع منهم شيئاً، ولا تعي ما يقولون ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]، لكن هذا بعيد؛ لأن الله قال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧١]، فأثبت السمع، ومعلوم قطعاً أن الأصنام لا يمكن لها أن تسمع، فجعل المثل مثلاً لأهل الإشراك -وهو تشبيه تمثيلي- أفضل من جعله مثالاً للأصنام. يعني: حال كونهم هم يسمون النداء ولا يفقهون شيئاً مما يقال لهم أولى من حمل التشبيه على الأصنام وأنها تنادى ولا تعي ما تنادى به؛ لأن الله أثبت هنا السمع والأصنام قطعاً لا تسمع شيئاً مما تنادى به فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]. هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، وأعان الله جل وعلا على قوله، والله الموفق لكل خير. وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد الله رب العالمين.

стр. 143

سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة البقرة [١٣] أمر الله المؤمنين بالأكل من الطيبات وشكره عليها، وتوعد الذين يكتمون ما أنزل الله، وبين أن البر هو بالإيمان والعمل الصالح، وشرع لعباده القصاص في القتلى، وفي ذلك حياة لهم.

стр. 144

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) الحمد لله وحده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقائد الغر المحجلين وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد انتهينا في اللقاء الماضي إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]، وذكرنا أقوال العلماء فيها. قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٢ - ١٧٣]. مرت معنا آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٨]، وهذا النداء عام، والآن خص الله جل وعلا أهل الإيمان بالنداء فذكر المباح، وذكر المحرم، وبدأ بالحلال المباح؛ لأنه أكثر، وأخر المحرم؛ لأنه محصور، واستخدم في حصره إنما وهي تدل على الحصر. قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]، ما دمنا معترفين أننا عبيد لله، وأن الله أفاء علينا الخير فإقبالنا على الخير نوع من الاعتراف بعبوديتنا لربنا وعدم إعراضنا عنه. ومن هنا تفقه أن الإنسان كلما كان يظهر فقره لله ومسكنته كان قريباً من الله، جاء في الحديث الصحيح: (أن أيوب ﵊ بعث الله إليه رجل جراد من ذهب)، رجل جراد تعبير مثل سرب طيور، أي: مجموعة من جراد من ذهب، فأخذ وهو نبي الله المذكور في القرآن المقول عنه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠]، (فأخذ يحثو الجراد في ثوبه، فأوحى إليه ربه: يا أيوب ألم أكن قد أغنيتك عما ترى؟! قال: يا رب! لا غني لي عن فضلك). فالله جل وعلا هنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٤]، يبنى على هذا قواعد فنقول: كل ما أباحه الله وأحله فهو طيب، وكلما حرم الله فهو خبيث، لكن ليس كل خبيث محرماً، قال ﵊: (وكسب الحجام خبيث)، مع أنه أعطى الحجام، وسمى البصل والثوم شجرتين خبيثتين مع أن الناس يأكلون منها، وقال جل وعلا: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، مع أننا نأكله، فالعبارات تختلف، ولذلك يتحرر الإنسان علمياً قبل أن يتفوه بكلمة. قال الله: ﴿إِنَّمَا﴾ [البقرة:١٧٣] أداة حصر، ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٧٣]، الميتة ما مات حتف أنفه أو ذبح بطريقة غير شرعية، ويسمى: يسمى ميتة، وهو أعظم المحرمات وأولها. والثاني: الدم، وهذا الإطلاق قيدته آية: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام:١٤٥]، وخصصه الحديث كما خصص الميتة: (أحلت لنا ميتتان السمك والجراد، وأحل لنا دمان الكبد والطحال). فالكبد دم والطحال دم لكنه غير مسفوح، والسمك والجراد خصص من الآية بكلام رسول الله ﷺ ، وقد سئل عن ماء البحر فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). الثالث: لحم الخنزير والمراد به: الخنزير جملة عند جمهور العلماء. واختلفوا لماذا ذكر الله اللحم، وقد ذهب مالك ﵀ إلى أن عين الخنزير ليس نجساً أو قال به بعض العلماء، حتى يصبح لقوله: (أو لحم الخنزير) له معنى، وقال جمهور العلماء: بالإطلاق. الرابع: ((وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ)) الإهلال رفع الصوت، يقال للوليد إذا استهل صارخاً: أهل، ويقال للحاج: مهل؛ لأنه يرفع صوته بالتلبية. كانت لقريش أصنام يأتون بذبائحهم إليها فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، ينحرونها لآلهتهم، فأي شيء أهل به لغير الله لا يقبل حتى لو كانت من صنيع أهل الكتاب، فالأصل في طعام أهل الكتاب أنه حل لنا. لكن لو كان عندهم عيد يهلون به لغير الله وذبحوا فيه لا يجوز لنا أن نأكل منه لآية البقرة، ونبقي آية المائدة على عمومها. قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة:١٧٣] الباغي في اللغة هو الطالب للشيء إن كان خيراً أو شراً، لكن المقصود هنا: الطالب للشر. ﴿وَلا عَادٍ﴾ [البقرة:١٧٣] أي: ولا متجاوز للحد، واختلف العلماء في معناها: منهم من حصرها بالبغي وهو الخروج على الأئمة، وجعل العاد قطاع الطريق، والحق أن الباغي والعادي ليست مرتبطتين بقطاع الطريق أو بالخارجين على الأئمة، وإنما الباغي هو من يريدها من غير اضطرار، والعادي من يتجاوز الحد في أكلها. ثم قال الله بعدها: ﴿فَلا إِثْمَ﴾ [البقرة:١٧٣] أي: إن كان مضطراً، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٣].

стр. 145

تفسير قول الله تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة:١٧٤]، هذه عودة لذم أهل الكتاب. ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٤]، وهذا زيادة على العذاب السابق وهو اللعنة المذكورة في الآيات السالفة، مما يدل على أن كتمان العلم شيء عظيم ومنكر فضيع. قال الله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة:١٧٥]، ثمت شيء في المنازع البلاغية يسمى: تنزيل المحصول المتحقق منزلة الحاصل، فالله جل وعلا -وهو أصدق القائلين- قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة:١٧٤]، والمؤمن إذا سمع هذا يعلم يقيناً أن هذا سيقع لا محالة؛ لأن المخبر به هو رب العالمين، فنزل هذا منزلة ما وقع فيقول لهؤلاء الكفرة ما أصبركم على النار أي: ما أشد صبركم على النار، وسياقكم إليها رغم علمكم بحرها! هذا لسان المخاطب بالقول، والقائلون هم الناس، وهذا الأمر لم يقع لكن هذا منزع بلاغي، وهو تنزيل المحصول المتحقق منزلة الشيء الحاصل. قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة:١٧٥] هذا قول في تخريج التعجب في ما، ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة:١٧٥]. ويوجد تخريج آخر وهو أن ما هنا ليست تعجبية وإنما استفهامية، ويصبح المعنى: أي شيء أصبرهم على النار؟ أي: ما الذي دفعهم إلى هذا حتى يصار بهم إلى النار؟ ثم قال الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:١٧٦]، هذا جواب لهذا كله والمعنى: أن الله جل وعلا أنزل الكتاب بالحق لينفع به العباد. فلما جاء هؤلاء العلماء وكتموه كان حقاً عليهم أن ينالوا ما أخبر الله جل وعلا عنه قال الله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة:١٧٦].
следующие страницы →