Полный текст (789 стр.). Показаны 771–789 · переход к 776.
стр. 771
تفسير قوله تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية)
لكن الله ساقها لبيان رد دليلهم نقلياً، وهم لا يملكون دليلاً نقلياً ولا دليلاً عقلياً لكن لديهم شبهة، والقرآن إذا حاكم فإنه يحاكم بالتفصيل، والشبهة هي قول الله جل وعلا كما حكاه الله عنهم: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، فشبهتهم التي تمسكوا بها بعد أن أبطل الله احتجاجهم بالقدر هي أنهم وجدوا آباءهم على أمة، وقالوا -كما قال الله-: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، فقال الله: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٣]، إذاً فالاحتجاج بالقدر فيما يبدو خصيصة قرشية، وأما الاحتجاج بأنهم وجدوا آباءهم على أمة فليست خصيصة قرشية وإنما مضت في ملل وأمم وأقوام قبلهم، والدليل عليه أن الله لما حكى احتجاجهم بالقدر لم يقل سبحانه: إنه كان موجوداً في الأمم التي سلفت، ولما ذكر احتجاجهم بأنهم وجدوا آباءهم على أمة قال سبحانه وهو أصدق القائلين: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، فقال كل رسول لأمته: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا﴾ [الزخرف:٢٤] أي: كل أمة لرسولها، ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف:٢٤]، قال الله: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف:٢٥].
стр. 772
النهي عن التبعية بغير علم
والآن نعود للآية من أولها وننيخ المطايا فيما يجمل عنها من فوائد، وأعظم الفوائد فيها: أن الله نهى عن التبعية بغير علم؛ لأن الله قال: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف:٢٤]، وعلى هذا فباب الاجتهاد في الشرع مفتوح ولا يلزم، والناس عندما فتحوا لأنفسهم باب الاجتهاد ظنوا أن الطريقة المثلى إليه هي حفظ المتون، وهذا خط منهجي عظيم، فإن الحفظ وإن كان حسناً إلا أن الذي ينبغي في المجتهد أن يعرف مواضع الأحكام ويفهمها، وأما حفظها فليس له علاقة بالاجتهاد، فإذا كان يسهل عليه أن يعرف موطن الحكم ويفقهه ويفهمه وينزله التنزيل الصحيح فهذا مجتهد، وأما الحفظ فلا علاقة له؛ لأننا لو قلنا: إن الحفظ ركن من أركان الاجتهاد لوصل إلى تلك المنزلة أو إلى نصفها أو قارب منها مئات الحفاظ، وأنت كما ترى كثيراً منهم لا يملك الآلة العلمية، وحسبك مثلاً أن ابنك في المرحلة الدراسية قد يكون في الثانية عشرة من عمره، وحفظ القرآن أو حفظ الصحيحين، ولا يمكن أن يكون قد خطا خطوة واحدة في طريق الاجتهاد، قال الناظم: وموضع الأحكام دون شرط حفظ المتون عند أهل الضبطِ والمعنى: أن يعرف المجتهد موضع الأحكام دون أن يشترط حفظ المتون عند أهل الإتقان والصنعة.
стр. 773
معاني كلمة (أمة) في القرآن
فنجم عن هذا كله أن التقليد والاتباع من غير دليل أمر منبوذ شرعاً كما دل عليه قول الله جل وعلا، ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢]، الأمة هنا هي الطريقة والمسلك الذي يسيرون عليه، والهدي الذي كان عليه آباؤهم، وكلمة أمة جاءت في القرآن على معانٍ عدة، لكن عرفنا المراد هنا من السياق، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود:٨] أي: إلى أجل وزمن، وقال الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾ [القصص:٢٣] أي: جماعة، قال بعضهم: دون الرجال، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]، أي: جماعة، فيدخل فيها الرجال والنساء، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] أي: رجلاً جامعاً لصفات الخير.
стр. 774
بعض الألفاظ المتفقة خطاً والمختلفة معنىً في القرآن
إذاً: فيا من تفسر القرآن ثمة ألفاظ تتفق في أحرفها وتختلف في معناها، وإن كان الجرم الأول لمعناها هنا لكن تأتي لها دلالات، فمثلاً قال الله جل وعلا: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة:٣٠]، وهو أخوه لأبيه وأمه؛ لأن الحديث عن قابيل، وهابيل، وقال الله في هود: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [هود:٥٠] وليس أخاهم لأمهم وأبيهم، لكنه أخوهم في القبيلة، وقال الله ﵎: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] أي: شبيهتها ومثيلتها في الجرم، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، أي: إخوة الدين، وقال الله ﵎: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص:٢٣] أي: شريكي وصاحبي، وقال الله جل وعلا: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٢] أي: أولياؤهم، فاللفظ واحد والمعاني مختلفة.
ومثال أخر كلمة آية، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ﴾ [هود:١٠٣] أي: عضة وعبرة، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم:٢٠] هنا آية بمعنى برهان ودليل، وقال الله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨] أي: البناء الرفيع.
وتأتي آية بمعناها في المصحف، قال الله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل:١٠١].
стр. 775
معنى (آية) اصطلاحاً
ونعرج الآن هنا في علم التفسير على معنى آية في الاصطلاح الشرعي، فقد أخذنا نماذج على آية في المعنى اللغوي فقلنا: تأتي بمعنى عظة، وتأتي بمعنى برهان، وتأتي بمعنى: البناء الرفيع، وتطلق في المصطلح الشرعي على جملة من الكلام ذات مبدأ ولها مطلع ومقطع، مختومة بفاصلة، وموجودة في سورة.
والفاصلة: هي جملة من الكلام تختم به الآية، وهي قرينة القافية في الشعر، واللازمة في السجع، إلا أن الفارق الأعظم أن الفاصلة في القرآن يؤتى بها لمعنىً.
وقد قال أهل صناعة التفسير الذين لديهم حظ في البلاغة: إن الفاصلة سر من أسرار القرآن.
стр. 776
أقسام الفاصلة في القرآن
ويمكن تقسيم الفاصلة إلى أربعة أقسام: الأول: التمكين، ويقصد به: تلك الفاصلة التي يكون ما قبلها ممهداً لها، مثل قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب:٢٥]، فأنت تكتب صدر الآية والفاصل: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥]، والفاصلة هي قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥]، وما قبلها كان ممهداً لها.
فحتى لا يفهم أن رد الذين كفروا كان قدراً واتفاقاً جاءت الفاصلة لتبين التمكين، فظهر من لفظها قدرة الله جل وعلا؛ ليطمئن المؤمن ويغاظ الكافر هذا أول أقسام مدلولات الفاصلة وهو التمكين.
الثاني: التصدير، وهو أن يكون صدر الآية دالاً على آخرها، فتصبح هذه الفاصلة مأخوذة لفظاً من صدر الآية، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [نوح:١٠]، فهذه الآية فاصلتها: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:١٠].
الثالث: التوشيح، وهو نظير التصدير، لكن التصدير مأخوذ لفظاً، وأما التوشيح فمأخوذ معنىً، قال الله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك:١٣]، فختمت بقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك:١٣].
الرابع: الإيغال، من أوغل فلان في الأمر، أي: زاد فيه ودخل وتعمق، فكل هذه المعاني تدور في فلك الزيادة.
والإيغال في الفاصلة: أن تتضمن الفاصلة معنىً زائداً على صدر الآية، قال ربنا مثلاً وهو أصدق القائلين: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨]، فقد انتهت الآية من حيث المعنى وتم معنى الآية، ثم قال الله بعدها في فاصلة ختمت بها هذه الآية: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨].
فهذه الفاصلة زادت معنىً وهو أنهم لا يأتون بمثله مجتمعين، أي: حتى ولو اجتمعوا فلا يمكن أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فهذه الفاصلة زادت معنىً زائداً عن صدر الآية، فيسمى هذا النوع إيغالاً.
ويأتي الإيغال وله جرم آخر وموضع آخر عند البيانين وأهل البديع ضمن الإيجاز والإيغال وأمور أخر غير علاقته بالفاصلة؛ يأتي في الآية.
إذاً فالإيغال يأتي على ضربين: يأتي جزءاً من أقسام الفواصل، ويأتي محسناً بديعياً في الآية نفسها، فكيف يأتي محسناً بديعياً في الآية نفسها؟ إن الآية تقطع على من يسمعها الزيادة، فبعض الشعراء وهذا يظهر عند ابن المعتز كثيراً: يأتي بأبيات تتضمن معان تلزمك ألا تسأل، فكل ما خطر ببالك سؤال ألجمك الكلام الذي تسمعه، مثاله: يقول الله جل وعلا: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة:٢٦٦]، ومعلوم أن الجنة لا بد أن يكون فيها نخيل وأعناب، فهذه من نخيل وأعناب زيادة على أنها جنة، قال الله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٢٦٦]، والأنهار أصلاً من لوازم كلمة جنة، لكن هذا إيغال، وزاد إيغالاً آخر فقال: ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة:٢٦٦]، فهذا إيغال آخر تكفي عنه كلمة جنة.
لكن المقصود -والمقصود غير الوصف- منه هنا إظهار شدة التأسف والتحسر على جنة بهذا الوصف، قال الله تعالى: ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ [البقرة:٢٦٦]، لما قال: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ [البقرة:٢٦٦] يأتي
السؤال
أهم شيء ترك ذرية وإلا ما ترك ذرية؟ قال الله: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ﴾ [البقرة:٢٦٦]، فيأتي
السؤال
أضعفاء هم أم أقوياء؟ فيأتي الإيغال: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾ [البقرة:٢٦٦]، قال الله: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ [البقرة:٢٦٦]، ولم يكتف: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ [البقرة:٢٦٦]، وكلمة (فيه نار) من لوازمها الاحتراق، لكن قد يقول قائل: ربما لا تحترق، فيأتي السؤال: هل احترقت؟ قال الله: ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة:٢٦٦].
فهذا الإطناب الذي يجيب عن كل سؤال ربما يخطر على البال يسمى في الصناعة الشعرية: إيغالاً، والقرآن قرآن عربي، فما يقال من أساليب العرب في كلام أهل الشعر ينزل على أساليب القرآن، لكن لا يقال للقرآن شعراً، وقد قلت مراراً: إن طه حسين الأديب المعروف على ما فيه وليس هذا مقام القضاء بين عباد الله المقام استفادة من الكلام والمقام اشتشهاد، طه حسين عرف الشعر والنثر، فقيل له: والقرآن شعر أو نثر؟ فأجاب بكلمة بليغة فقال: القرآن قرآن ليس له اسم إلا قرآن، فلا يسمى شعراً ولا يسمى نثراً، لكنك إذا كنت قوياً في معرفة أساليب العرب في كلامها أعطيك مفاتح من مفاتيح عدة لتدبر كلام الله جل وعلا، وأن تكون فارساً مقدماً فيه.
стр. 777
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه)
﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:٢٢ - ٢٩].
стр. 778
الاختلاف في اسم أبي إبراهيم
إبراهيم هو خليل الله المعروف، والمعنى: واذكر ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ﴾ [الزخرف:٢٦] قيل: اسمه: تارخ أو تارح بالحاء، وهذا قول أهل التاريخ، وذكر الله في القرآن: أنه آزر، واضبط الأقوال عندي أن يقال: إن اسمه تارخ، ويعرف بـ آزر؛ خروجاً من الإشكال، فجمهرة المؤرخين اتفقوا على أنه تارخ، وهو قول ابن عباس، والقرآن يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام:٧٤]، ويمكن الجمع بأن اسمه: تارخ ويعرف بـ آزر.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف:٢٦ - ٢٧] وهذا استثناء منقطع بمعنى: لكن الذي فطرني أتولاه، فكما أتبرأ مما تعبدون فإني أتولى من ﴿فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٧].
стр. 779
تفسير قوله تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه)
﴿وَجَعَلَهَا﴾ [الزخرف:٢٨] الفاعل عند جمهور أهل العلم هو إبراهيم، وبعض العلماء على أن الضمير يعود على لفظ الجلالة، ومن قال: إنه يعود على لفظ الجلالة يغلب بأنه جاء في آخر الآية: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ﴾ [الزخرف:٢٨]، وكلمة (لعل) هنا لا تناسب أن تسند إلى رب العزة، فنرجح أن فاعلها عائد على إبراهيم، ولها مفعولان الهاء في (جعل)، و (كلمة) مفعول ثاني، وأما (باقية) فهي صفة، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨]، والعقب في اللغة هو مؤخر الرجل، وفي الاصطلاح: كل قوم ليس بينهم وبين أبيهم أنثى.
﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨] الكلمة: هي كلمة التوحيد والبراءة مما يعبد من دون الله، وأنا الآن أفصل حرفياً وسأجمع شتات هذا كله؛ لأن هذه الآية يهمنا جداً فهمها.
سنقول ما قال المفسرون ثم نقول رأينا، فأهل التفسير يقولون: إن إبراهيم ﵊ تبرأ من أهل الأوثان، وهذا حق، وتولى ربه، وهذا حق وظاهر، وجعل هذه الكلمة في عقبه باقية يرجعون إليها إذا حادوا جعلها علامة وإشعاراً لهم، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨]، وقالوا من الدلائل: أن الله قال: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة:١٣٢].
معنى الكلام عندهم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) قالوا: إن هذا الأمر الذي رجاه إبراهيم لم يتحقق كله، فآمن بعض ذريته ولم يؤمن بعضهم، قال الله جل وعلا: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] في خطابه لإبراهيم، ثم قال الله: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:٢٩] أي: أن هؤلاء الآباء الذين هم آباء قريش لم ينتفعوا بكلمة من إبراهيم باعتبار أن إبراهيم أن لإسماعيل، وإسماعيل أب لـ عدنان، وهؤلاء عرب عدنانيون؛ لأن نسب النبي ينتهي إلى معد بن عدنان.
وعلى هذا نجم أنهم فهموا أن ثمة شيئاً من الدين كانت قريش مطالبة به حتى توسعوا، فقال الطاهر بن عاشور غفر الله له ورحمه: ومما يستروح من الآيات من قول الله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨] إلى قوله: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ [الزخرف:٢٩] أنه لم يكن هناك مشرك في عمود نسب رسول الله ﷺ ، وأن أجداده كانوا يضمرون الإيمان ويخفونه ولم يصرحوا به؛ مخافة الفتنة من قومهم.
وهذا أمر عندي في غاية الغرابة والبعد، وقد قلت في درس خلا تنبه لقول الله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف:٢١]، وقلنا: إن هذا استفهام إنكاري أنه لم يأتهم كتاب، ولئن كان الأمر ينطبق عليهم كما قال الطاهر بن عاشور أو غيره فإنهم يكونون مطالبين بالصحف التي أنزلت على إبراهيم، والله قد نفاها عنهم وبين أنهم لا يملكون دليلاً نقلياً.
والعلماء يربطون ما بين قول الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨]، وبين قوله: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ [الزخرف:٢٩]، والذي أراه والعلم عند الله: أن قول الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨] لا علاقة لها بقول الله: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ [الزخرف:٢٩]، فهناك انفكاك تام، والمعنى: أن إبراهيم جعل هذه الكلمة في ذريته التي كانت على مقربة ممن كفر به؛ لعلها إذا شاعت في ذريته يرجع من لم يؤمن به عن الكفر، ومن أعظم القرائن على ذلك: أن قوم إبراهيم لم يهلكوا، وبقيت الأمور معلقة في أذهانكم لكن الوقت انتهى، وسأبينها تفصيلاً في أول اللقاء القادم، هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وصل الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 780
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الزخرف [٤]
لقد تبرأ أبو الأنبياء إبراهيم ﵇ مما كان يعبد قومه من الأصنام، والتجأ إلى الله تعالى وحده، فهو الذي بيده الهداية والإضلال، والنفع والضر.
ثم جعل ذلك التوحيد والهدى في عقبه يرجعون إليه.
وقد كان إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، وكان وحده أمة، فقام في وجه الشرك والباطل لوحده، وصارع قومه وناظرهم وحاجهم.
فلما لم يقدروا أن يردوا حجته لجئوا إلى القوة، فأوقدوا النيران العظيمة وألقوا إبراهيم فيها، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأنجاه من كيدهم.
стр. 781
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون)
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: كنا قد انتهينا في اللقاء الماضي إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦]، ووافق ذلك أن كان في آخر الحلقة، فنجم عنه أن المعنى لم يتحرر تحرراً كاملاً، فكان لزاماً أن نستفتح به لقاءنا هذا.
فنذكر أولاً المسلك اللغوي، فإذا انتهينا من المسلك اللغوي نعيد إجمالاً معنى الآية، ونحرر ما قاله المفسرون، ثم نذكر رأينا إن كان لنا رأي غير ما قالوه.
فالله يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ [الزخرف:٢٦] أي: واذكر إذ قال؛ لأن (إذ) هنا ظرفية تحتوي الحدث، وإبراهيم هو أبو الأنبياء، وأفضل خلق الله بعد نبينا ﷺ ، قال ﵊: (فأقوم مقاماً يرغب إلي فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم)، فقوله ﵊: (حتى إبراهيم) قرينة ظاهرة على أن إبراهيم أفضل الخلق بعد نبينا ﷺ .
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [الزخرف:٢٦] قدم ذكر الأب ليبين عظيم تبرؤ إبراهيم من الأصنام، والخطاب لقوم يعبدون الأصنام، فأخبرهم عن خليل الله إبراهيم، وأما القول: بأن إبراهيم أب لهم فيحتاج إلى أعادة نظر، وأما من حيث أصله فنعم، لكن ليس صحيحاً تاريخياً أن ننسب الناس لكل أب لهم، بمعنى لا بد من شخصية ما تكون فاصلة بين ما بعد وما دون وما قبل، ولهذا قال ﷺ : (أرموا بني إسماعيل) ولم يقل بني إبراهيم؛ لأنه لو قال: ارموا بني إبراهيم لدخل بنو إسرائيل معنا، لكنا قال ﷺ : (أرموا بني إسماعيل) حتى يخرج بنو إسحاق؛ لأن بني إسحاق منهم يعقوب، ويعقوب منه بنو إسرائيل، ومن إسحاق كان العيص، ومن العيص كان الروم، فلو نسبنا الناس إلى إبراهيم كما جرى عليه بعض المفسرين دون أن يلحظ هذا في معنى الآية فإننا سنقع في الخطأ والخلط في فهم الآيات، وهذا لا يتضح لك الآن إلا إذا أكملنا تحرير المعنى، وأنا قلت: سأبدأ بداية تروّي في قضية اللغة.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ [الزخرف:٢٦] (براء) لغة في بري، وكان أهل عالية نجد آنذاك يستخدمونها، كما يقولون: طويل وطوال، ويقولون: بريء وبراء، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦]، مما هذه مكونة من (من) و (ما)، فأدغمنا في بعضهما البعض، فأما (من) فحرف جر، لكن (ما) تحتمل هاهنا أن تكون مصدرية، وأن تكون موصولة، فإذا قلنا: إنها مصدرية فيصبح المعنى: إنني براء من عبادتكم لغير الله؛ لأن عبادة مصدر من الفعل عبد، وهنا (ما) تصبح مصدرية، وإن قلنا: إنها موصولة يصبح المعنى: إنني براء من معبوداتكم، موصول، أي: من الذي تعبدونه، ولا يتحرر من هذا كبير اختلاف، فإبراهيم بريء منهم؛ بسبب عبادتهم لغير الله، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف:٢٦]، ﴿إِلَّا﴾ [الزخرف:٢٧] استثناء منقطع في قول الجمهور، وهو الحق، بمعنى لكن، أي: لكن الذي فطرني أي: خلقني، فإن سيهدين.
وهنا إشكال وهو: أن السين جاءت هنا ولم تأتِ في آية الشعراء: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨].
قال الشيخ الهرري أمتع الله به -وهو ما زال موجوداً في مكة- قال: بعد عناية ودراسة فيها الذي يظهر أن هنا جيء بالسين لا للتسويف ولكن للتأكيد؛ لأنه هناك في آية الشعراء ذكر أن الأصنام عدو له، قال: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء:٧٥ - ٧٧]، وأما هنا فأراد إبراهيم أن يخبر بالبراءة من قومه ومن آلهتهم فجيء بالسين للتأكيد لا للتسويف، ثم قال كلمة نرددها الآن: والله أعلم بأسرار كتابه.
قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٧] إلى الآن لا يوجد خلاف بين العلماء في المعنى؛ لأنه ظاهر.
стр. 782
تفسير قوله تعالى: (وجعلها كلمة باقية في عقبه)
﴿وَجَعَلَهَا﴾ [الزخرف:٢٨] الجاعل هو إبراهيم على الصحيح، وقد ذكرنا في اللقاء الماضي أن الخلاف قائم في فاعل جعل هل هو عائد على لفظ الجلالة أو عائد على إبراهيم، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨].
والمفسرون من حيث الجملة يقولون: إن هذه الكلمة العظيمة -وهي البراءة من الشرك وأهله؛ موالاة الله رب العالمين ﷻ ، وهي كلمة التوحيد وقيلت بمعنى: لا إله إلا الله- جعلها إبراهيم علامة وشعاراً لدينه، وجعلها باقية في عقبه؛ رجاء أن قومه إذا حادوا عن الطريق رجعوا إلى تلك الكلمة، الكلمة، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ [الزخرف:٢٨ - ٢٩]، (هؤلاء) أي: المعاصرين للنبي ﷺ ، (وآبائهم) أي: الذين لم يشهدوا نبوته من آباء من كان حياً زمن النبي ﷺ ، (بل متعت هؤلاء وآبائهم) أي: بالنعم والعطاء، ومن كثرت عليه النعم وطول الأمد قسا قلبه، فحادوا عن الكلمة التي جعلها إبراهيم باقية في العقب، ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ - أي: القرآن- وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:٢٩] أي: محمد ﷺ ، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف:٣٠]، هذه سذاجة.
نعود إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨]، هذا الذي عليه أهل التفسير، ونقول: إن المعنى هنا غير واضح؛ لأننا نؤصل أولاً أن هناك إنفكاكاً وانقطاعاً تاماً بنص القرآن ما بين نبوة إبراهيم ورسالته وبين كفار مكة، ولا يمكن أن يؤخذ هذا القول، وجعل الأمر كالطريق الواحد محال؛ لأن الله جل وعلا قال في آيات محكمة: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ:٤٤]، ومر معنا في اللقاء الذي قبل أن الله ﵎ قال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف:٢١]، وقلنا: إن هذا دليل نقلي على أنه ليس لديهم كتاب يخبرهم عن شيء، فإذا نفى الله عنهم النذارة، ونفى الله عنهم الكتب انقطع اتصالهم الديني بإبراهيم، فيكون قول الله جل وعلا فيما يبدوا لي: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨] أي: في خواص عقبه وفي أقرب أهله إليه: في إسماعيل وإسحاق ومن كان آنذاك معاصراً له في العراق وبلاد الشام؛ حتى يكون سبباً في نشوء هذه البيئة الصالحة، وتكون سبباً ومؤثرة فيمن جاورهم.
وقلت في اللقاء الماضي: إن من القرائن على صحة الرأي أن الله لم يذكر أنه استأصل من كفر بإبراهيم بالكلية، فلم يرد في القرآن فيما نعلم ولا في السنة فيما نحفظ أنه جاء ذكر أن الله استأصل خصوم آل إبراهيم بالكلية، فالله لما ذكر أنهم حاولوا حرقه ذكر أنه نجاه، ولم يذكر هلاكهم، وإبراهيم مر على العراق الشام ومصر، فكل هذه الديار طافها، فلم يكن له بيضة معينة، بيضة بمعنى حوزة أي: ليس له مكان مستقر واحد، وإنما كان طوافاً، ولذلك تبنته الأمم كلها.
стр. 783
تفسير قوله تعالى: (بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق)
فنقول على هذا: إن قول ربنا: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ [الزخرف:٢٩] إن (بل) هنا للإضراب الانتقالي وليست للإبطال؛ لأننا لو قلنا: إنها للإبطال لأصبح هناك اتصال فيبطل المعنى، لكن (بل) هنا للإضراب الانتقالي، فيصبح الكلام بعد أن ذكر الله خبر إبراهيم يقول لنبيه: أما هؤلاء وآبائهم فقد متعتُهم ما شئت أن أمتعهم دون نبي أو رسول، ولا علاقة لهم بإبراهيم، ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ -أي: القرآن- وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:٢٩] أي: أنت يا محمد.
ثم قال الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ [الزخرف:٣٠] والكلام الآن عن كفار قريش ولا علاقة لإبراهيم بالمسألة، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف:٣٠]، وهذا قد مر معنا: أنهم وصفوا القرآن بأنه سحر؛ لما ينجم عنه في زعمهم من التفريق بين الرجل وزوجته، والوالد وولده.
стр. 784
تفسير قوله: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)
ثم قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا -أي: القرشيون- لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، فالجار والمجرور نحوياً تملك قوة في ضعفها، فالمرأة قوتها في ضعفها، فبعض الضعفاء قوتهم في ضعفهم، فقد يأتيك رجل ولا يوجد له مقعد، ويأتي معه بصبي صغير، فأين قوة الصبي الصغير؟ في ضعفه؛ لأنه من السهل أن تجد له مكاناً، ومثلها أيها المبارك الجار والمجرور، ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، ولو سألتك ما إعراب كلمة (عظيم).
فستقول: صفة لكلمة رجل، والمعنى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ﴾ [الزخرف:٣١] عظيم من القريتين، ومعلوم قطعاً وجود الاتصال ما بين الصفة والموصوف، وقد فصل بينهما الجار والمجرور (من القريتين)، فهو شبه جملة أقحمه هنا، ويعطي نوعاً من الصياغة اللفظية والسبك بما لا مزيد عليه، ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ [الزخرف:٣١] والقريتان المقصودتان هنا هما مكة والطائف بالاتفاق وكل لفظ قرية في القرآن يعني بها مدينة، وقول الجغرافيين ليس له علاقة بقول رب العالمين؛ قول الجغرافيين: إن القرية هي كذا كذا وتقل عن المدينة في وصف معدود، هذا اصطلاح لا مشاحة فيه، لكن القرية في اللفظ القرآني بمعنى المدينة، قال الله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام:٩٢].
وكانوا القرشيون يزعمون -في قول جمهور أهل العلم- أن القرآن هذا أحق به رجلان: الأول: عروة بن مسعود من أهل الطائف، والوليد بن المغيرة من أهل مكة، وأياً كان من قصدوه بهذه الطريقة التي قالوها وهي باطلة في أصلها فقد أخطئوا في أنهم لم يعرفوا ما هو المعيار في قدر الرجال، وإلا فالنبي ﷺ حتى بالمقاييس غير الشرعية كان أفضلهم صلوات الله وسلامه عليه.
نعود فنقول: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، مر معنا أن الجواب الإلهي يتحرى ويتوخى إبهام الخصم، وبينا في مسألة: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩] أنهم ارتقوا بالملائكة وفي نفس الوقت وصفوهم بأنهم إناث، وهنا يقول الله لهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢]، ومعنى الآية أن الله يقول لهم: أنتم تعترفون أن الأرزاق إنما يقسمها الله، وهذا لا خلاف فيه عندكم، ومعلوم أن عطاء النبوة أعظم من عطاء الأرزاق، فإذا كنا لن نسند إلى أحد من الخلق تقسيم الأرزاق فكيف نسند إليه تقسيم النبوة؟! هذا هو المعنى المقصود من الآية.
إذاً فكلمة (رحمة) في الأول بمعنى النبوة، ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ) هنا المقصود بها النبوة، (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ﴾ [الزخرف:٣٢] اللام هنا للتعليل؛ ولهذا نصب الفعل، ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف:٣٢] أي: أن الله جل وعلا لم يجعل الناس على منزلة واحدة: خادم ومخدوم، وأمير ومأمور، ملك ومملوك، عبد وحر؛ حتى تستقيم الحياة، وعلى هذا طبعت الدنيا وجبل الكون، حتى يستقيم الأمر وينتفع الناس جميعاً.
﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢]، والرحمة هنا الصواب عندنا أنها بمعنى الجنة، رحمة الأولى بمعنى النبوة، ورحمة الثانية بمعنى الجنة، قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢].
стр. 785
تفسير قوله تعالى: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا)
ثم هذه الآية ممهدة للآيات ومقاطع بعدها، وهي قضية إظهار حقارة الدنيا، فلما أراد الله أن يظهر حقارة الدنيا قال مخاطباً عباده: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
فلا بد من تقدير شيء ما في المسألة، والتقدير: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف:٣٣] التقدير: ولولا كراهة أن يأتي الناس الكفر لجعلنا لمن يكفر بالرحمن، والمعنى: أن الله جل وعلا يبين أن الدنيا إعطاؤها للكافر يدل على حقارتها عنده، ومجرد أن الله جل وعلا أذن للكافر أن ينعم في الدنيا فهذا دلالة على أنها حقيرة عند الله؛ لأن الكفار ليسوا أولياء لله، فتنعمهم في الدنيا يدل على أن الدنيا ليست بشيء، فالله جل وعلا يبين مخافة أن يظن الناس أن الكفر هو السبب في النعيم، فأصبح الناس بذلك كلهم كفار؛ رجاء أن ينعمهم، لكن كراهة أن يظن الناس ذلك منعنا جريان الأمر على إطلاقه بدون تقييد، ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف:٣٣]، و (معارج) جمع معراج، وهي بمعنى السلالم، وقد مرت معنا قبل في آيات سابقة.
﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف:٣٣] أي: يصعدون، ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف:٣٤ - ٣٥]، وهذا كله المقصود منه إظهار المتاع الذي يعيشه الناس في حياتهم، ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٥]، ثم بين الله جل وعلا أن الحقيقة التي لا مناص منها أن المتاع الباقي هو متاع الآخرة، فقال ربنا: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣٥] وليس هذا محل خلاف، لكن يأتي محل تساؤل: لمن؟ فجاء الجواب القرآني: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥].
стр. 786
تفسير قوله تعالى: (ومن يعش عند ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين)
ثم قال الله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، (يعش) هنا جملة شرطية بمعنى يعرض ويصد، وجواب الشرط (نقيض) أي: نهيئ، وهو فعل مستقى من اسم جامد، وأصل التقييض ذلك الذي يحيط بغشاء مخ البيضة.
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٧] أي: الشياطين، ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الزخرف:٣٧] عن الهدى، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧]، وهذا قمة البلاء، فإن قال قائل: ألا يكون هذا عذراً لهم أنهم تأولوا على جهل؟ يقال في الجواب عن هذا: لا يعد هذا عذراً؛ لأن جهلهم هنا بسبب إعراضهم عن ذكر الله.
стр. 787
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين)
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف:٣٨]، فلماذا قال: (بيني وبينك)؟ ولماذا قال: (بعد المشرقين)؟ فأما (بيني وبينك) فكان يغني عنها أن يقول: يا ليت بيننا، لكن أراد قمة البراءة منه، ويسعى حثيثاً للتخلص منه، وفصل حتى في الألفاظ، قال: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف:٣٨]، ومعلوم أن هناك مشرقين ومغربين، والأمر للتغليب، ومر معنا نظائره، لكن لماذا اختار المشرقين دون المغربين؟ قال بعض أهل العلم من اللطائف: إن المشرق يكون منه ظهور قرن الشيطان، فلهذا قال: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨]، فهو أسلوب ذم، فبئس فعل ماضي جامد لا تصرف.
стр. 788
تفسير قوله تعالى: (ولن يتعلم اليوم إذا ظلمتم أنفسكم أنكم في العذاب مشتركون)
﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]، فهذا من أعظم ما عذب الله به أهل النار: أن الله قطع عنهم حتى التأسي بغيرهم، فإن المصائب في الدنيا يهونها أن تجد أحداً مثلك أو أعظم منك في المصيبة، لكن أهل النار حرمهم الله جل وعلا من التأسي الذي يخفف عنهم به العذاب، وهذا له نظائر في كلام الناس وأحوالهم، وأنتم تسمعون عن الخنساء، وهي صحابية يقال لها: تماضر، فقد كان لها أخ غير شقيق يسمى صخراً، وكان باراً بها، فكانت وفية به، وقد جرت عادة الفضلاء والعقلاء أن الإنسان إذا أحسن إليهم سبقاً دون نعمة يربّها فقد طوّق أعناقهم، وتقول العوام في أمثالها: الأول لا يلحقه شيء، أي: صاحب النعمة الأولى لا يدرك.
فهذا صخر أثنى على أخته الخنساء قبل أن يعرف قدرتها الشعرية، وقبل أن يموت، وقبل أن ينال منها فضلاً، وهو غير شقيق، فوقع في قلبها هذه المكانة ببره لها، ومات في بعض حروبه، فلما جاءت ترثيه قالت فيه رثاءً جماً: قذىً بعينيك أم بالعين عوار أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدارُ ثم أطنبت في ذكره، وإلى يومنا هذا والناس تردد شعرها.
هباط أودية شهاد أندية حمال ألوية للجيش جرارُ إلى آخر القصيدة.
والعلاقة بين الآيات والأبيات هي: التأسي، قالت في مقطوعة لها: يذكرني طلوع الشمس صخراً وأذكره لكل مغيب شمسِ ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي فهي تتأسى بمن ترى حولها من أخوات وقريبات وجارات فقدن إخوانهن كما فقدت أخاها، فجعلها ذلك تتأسى، فالتأسي بالغير نوع مما يخفف به الكلم والمصيبة والجرح، فهذا محروم منه أهل النار، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف:٣٩] أي: اشتركتم في الظلم تحملتم الأعباء بعضكم عن بعض، فما قمتم به من ظلم فربما أصبح بينكم تعاون في تحمل أعبائه، لكن ليس ثمة تعاون في حمل البلاء، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]، نعوذ بالله جل وعلا من جهنم وحرها بالكلية.
стр. 789
الاختلاف في اسم والد إبراهيم ﵇
هذا ما تيسر حول هذه الآيات ذات المقاطع الواحدة، والآن نعيد الكرة في قراءتها تاريخياً بعد أن قرأناها تفسيرياً؛ لأن ما بعدها منفك عنها، نعود لقضية إبراهيم ﵊: وهذا ينفعنا تاريخياً في أن نقول: إنك تسمع بأن الله جل وعلا قال في القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام:٧٤]، وقد رجحت في اللقاء الماضي أن آزر لقب له، وأن اسمه تارخ، فلماذا اختلف العلماء؟ من حيث الصناعة العلمية يجب أن تعلم أنه في الغالب لا يمكن أن يكون هناك اختلاف إلا إذا وجد سبب قوي في ذلك، فمن سبق كان أتقى منا وأشد علماً وأعلم باللغة، فلا يمكن أن يكون حملهم على الأقوال التي ذكروها مجرد الهوى، فعندما لا يكون لك إلا خال واحد فإنه لا حاجة لأن تسميه إذا تحدثت عن خال، وأما إذا كان من يحيط بك يعلم أن لك عدة أخوال فلا بد أن تعينه باسمه؛ حتى تميزه عن باقي أخوالك.
فالذين قالوا: إن آزر ليس أباً لإبراهيم بل هو عم له قالوا: إن الله قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام:٧٤]، فقالوا: لو كان أباً لصلبه فلا حاجة لأن يسميه؛ لأنه ليس للإنسان إلا أب واحد، وأما الذين قالوا: إن اسمه آزر فقالوا: هذا صريح القرآن ولا انفكاك عنه، ومن أعظم الأدلة على أنه أبوه لصلبه أن الله ذكره في عدة مواضع ولم يقل: إنه عمه، فلو قال: إنه عمه لأصبح لقولهم حجة قوية، لكن كون الله جل وعلا ذكر أبا إبراهيم في مواطن عدة ولم يقل في واحدة منها: إنه عم دل ذلك على أنه أب له لصلبه.
وإبراهيم ﵇ ترك إسماعيل -وهو الأكبر- وإسحاق، وترك العيص، ومن ذرية إسماعيل جاء نسب ممتد إلى عدنان، ومن عدنان إلى إبراهيم، فهناك آباء وأجداد قطعاً، لكن لا يوجد دليل ثبت على أسمائهم، أما من عدنان إلى هاشم جد النبي ﷺ فهذا متفق عليه بين علماء الأنساب.
وأحياناً يمر معك في كتب التاريخ كلمة معد وكلمة عدنان، وتطلق أحياناً بمعنى واحد؛ لأنه ليس بين معد وعدنان أحد، فـ معد هو الابن المباشر لـ عدنان، فيقال: معدي ويقال: عدناني والمعنى واحد، قال روح بن زنباع: يوماً يمانٍ إذا لاقيت ذا يمن وإن لقيت معدياً فعدناني وهذا قاله روح بن زنباع عندما هرب من عبد الملك بن مروان، فأهدر دمه، فأصابه خوف، فقال: ما أدرك الناس من خوف ابن مروان أي: عبد الملك، فهو لما أصابه الخوف يقول: أنا إذا قابلت رجلاً من أهل اليمن قلت: أنا يمني، أي: قحطاني من العرب العاربة، فإذا لقيت رجلاً عدنانياً قلت: أنا عدناني، أي: من العرب المستعربة، وموضع الشاهد أنه قال: يوماً يمانٍ إذا لاقيت ذا يمنٍ وإن لقيت معدياً فعدناني وما قال فمعدي؛ لأن معداً هو ابن عدنان.
والنبي ﷺ يقول الخطباء والكتاب في مدحه: والصلاة والسلام على سيد ولد عدنان، هذه اللفظة تنبه لها الشعراء، فأحياناً تكون المعلومة والمعنى مطروح من يستله ويصوغه هذا هو العقل، والخامة واحدة، لكن التعامل مع الخامة هو الذي يفرق الناس، ويفاضل بينهم، إن كانت في العلم كمعلومة أو كانت في اللفظ، فالنبي ﷺ أطبق الناس على أنه من ولد عدنان، فجاء ابن الرومي الشاعر العباسي فقال: إن الناس إذا انتسبوا فإنهم يفتخرون بآبائهم، فيقول فلان: أنا من قبيلة قريش، أو أنا هاشمي، أو أنا قرشي، أو أنا من بني سهل، كلٌ بحسبه، فقال: أما عدنان ففخرت بأن النبي ﷺ منها، وهذا فخر والد بولد لا ولد بوالد، قال ابن الرومي في آخر البيت: كما علت برسول الله عدنان فالذي جعل مزية لعدنان على قحطان هو أن النبي ﷺ منها، وهذا إن أطنبت في الفهم يريك أن رحمة الله جل وعلا مقسمة، فالعدنانيون ليسوا عرباً عاربة، فعوضوا بأن منهم محمداً ﷺ ، والقحطانيون ليس منهم النبي ﷺ ، وعوضوا بأنهم عرب عاربة، ومثل هذا قد تظنه ليس بكبير علم، لكن إذا كان متوقداً في ذهنك وأنت تسير في الحياة فإنه يجعلك تقل الطمع؛ لأنك تعلم أنه من الصعب أن تجمع الحسنيين.
أيضاً الله قال لنبيه: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٧]، ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢]، فهذا يجعلك حتى في مسيرتك لا تحاول أن ترى أن كل شيء محال، تتخذ شيئاً جرماً وامض عليه، وتقلده، واجعل ما بقي فروعاً وحواشي، فلا تهدم ذلك الجرم الذي تريده، فمن يريد كل شيء لن يحصل على شيء.
فقد خرج الحسين بن علي ينشد الخلافة، والحسين إذا تكلم يقول: جدي رسول الله ﷺ ، وأمي يقول عنها نبي الله ﷺ : (بضعة مني)، ففقه المسألة ابن عمر: فقال له وهو يودعه: إنك بضعة من رسول الله ﷺ ولن يعطيكم الله الملك والنبوة، أي: لن يكون لك حظ فيها، ووقع كما قال ابن عمر، فحرم الحسين باستشهاده في العاشر من محرم من الوصول إلى الحكم، فيأتي الاستثناء، والاستثناء يكون في الخواتيم؛ لأن الأمور إذا تمت انتهت، فـ المهدي من ذرية نبينا ﷺ ، لكنه علامة من علامات الساعة يكون بها الخواتيم، وهذه سنة الله في خلقه، كم يفضل المشرق على المغرب في أن الشمس تشرق منه، فإذا جاءت الشمس من المغرب تقوم الساعة.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.