Полный текст (789 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك)
ثم أنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩] وهذه الآيات تسمى آيات التخيير.
وقول الله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] تسمى آية الكرسي.
وقول الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١] تسمى آية المجادلة.
وقول الله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران:٦١] تسمى آية المباهلة.
وقول الله: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٥] تسمى آية السيف.
وقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة:٢٨٢] تسمى آية المداينة، أو آية الدين.
فهذه الآيات تسمى آيات التخيير، وهي قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨].
النبي ﷺ من كمال بشريته أنه شخص واضح جداً في حياته، فقد اختار ﵊ أن يعيش مسكيناً، وأن يكون عبداً، ولم يختر أن يعيش نبياً ملكاً، فهنا لم يجبر نساءه على حياته، وإنما عمد بأمر له إلى التخيير، وكلما كان الإنسان واضحاً مع الناس كان أقدر على أن يسير معهم، ولا ينبغي أن يلوم أحدٌ أحداً على وضوحه.
فبدأ النبي ﷺ في التخيير بـ عائشة، فقال: (يا عائشة! إني سأعرض عليك أمراً فلا تعجلي علي حتى تستأمري أبويك، فقالت: يا رسول الله! أفيك أستأمر أبوي)، ثم أخبرها، فاختارت ﵂ وأرضاها البقاء معه ﷺ ، على الحال التي هو فيها، واختارها لأن يعيشها ﵊.
قال بعض العلماء: لماذا طلب النبي ﷺ من عائشة أن تستأمر أبويها مع أن الأصل في مثل هذه المسائل أن ليس للأبوين فيها علاقة؟ قالوا: وهي لطيفة جيدة: إن النبي ﵊ كان يحب عائشة، فخاف أن يغلب عليها فرط الشباب، فتختار الاختيار الثاني، فأرشدها إلى أن تستأمر أبويها لعلمه أن أبويها سيرشدانها إلى أن تبقى مع النبي ﷺ ، لكن الصديقة بنت الصديق ﵂ وأرضاها لم تحتج إلى أن تستأمر أبويها، وكانت تحب رسول الله ﷺ حباً عظيماً؛ فلم تستأمرهما، وإنما أجابت سريعاً، وهي ذكية من أذكى النساء، فقالت: (يا رسول الله! -والمرأة تبقى امرأة ولو كانت أم المؤمنين- لا تخبر زوجاتك بما أنا أجبتك)، يعني: لا تقل لهن: إنني خيرت عائشة وبدأت بها فاختارتني، فربما هي تريد أن تقل النساء مع النبي ﷺ ، حتى تحضى لوحدها به ﷺ ، فقال ﷺ : (إن الله لم يبعثني متعنتاً ولا معنتاً، وإنما بعثني معلماً ميسراً، فمن سألتني عنك أخبرتها)، وهذا جواب في منتهى البلاغة والأدب، وحسبك أن ترى محاضرة ما بين خير الخلق وسيد الأمة وإمام الملة ﷺ وامرأة في مقام عائشة، فتخرج بفوائد لا حصر لها، لا يكذب أحدهما، وإنما كلاً منهما بأدب جم وعبارة ذكية، ولطف في الخطاب يصل إلى مراده.
فخير النبي ﷺ نساءه فاخترن جميعاً البقاء معه، والسؤال هنا تأريخياً: من هن المخيرات؟ أولاً: كم كان عددهن؟
الجواب
تسع: خمس قرشيات، وأربع غير قرشيات.
الآن ندخل في سياحة تأريخية، أولى القرشيات عائشة، وأبوها أبو بكر من بني تيم، رغم أن بني تيم لم يكن لهم صيت في قريش.
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأمرون وهم شهود لكن أخرج الله منهم هذا الصديق، فوزن الأمة كلها، لا قريش وحدها ﵁ وأرضاه.
إذاً: فـ عائشة قرشية من بني تيم؛ لأن المرأة تنسب لأبيها، وأبوها ﵁ من بني تيم.
القرشية الثانية: حفصة بنت عمر، وعمر من بني عدي.
القرشية الثالثة: رملة، أم حبيبة بنت أبي سفيان، وهذه قرشية من بني أمية.
القرشية الرابعة: أم سلمة من بني مخزوم، واسمها هند، ﵂ وأرضاها، وبنو مخزومٍ من قريش، ومن مشاهيرهم: الوليد بن المغيرة، وخالد بن الوليد، وأبو جهل، فهؤلاء أربع قرشيات، والخامسة سنؤخر ذكرها.
نأتي لغير القرشيات، الأولى: جويرية بنت الحارث، فهذه خزاعية من بني المصطلق.
والثانية: ميمونة بنت الحارث، وهي هلالية من بني هلال، وليست من قريش.
والثالثة: صفية بنت حيي لها نسبان، فهي صفية بنت حيي بن أخطب النغيرية الهارونية، تنسب إلى هارون بن عمران، لأن النبي ﷺ قال: (إنك ابنة هارون)، فهي نغيرية هارونية.
فالآن مضى معنا من غير القرشيات: جويرية، وميمونة، وصفية.
والرابعة: زينب بنت جحش، وهي غير قرشية بل أسدية.
دخل النبي ﷺ على إحدى عشرة امرأة، اثنتان ماتتا في حياته، وهما خديجة وزينب بنت خزيمة الهلالية، ومكث مع الأخيرة ثمانية أشهر، فالباقي تسع، وهن اللاتي خيرن، واللاتي توفي النبي ﷺ عنهن.
أما الخامسة من القرشيات فهي سودة بنت زمعة ﵂، وهي عامرية قرشية وقد أخرنا الكلام عنها حتى نتفرغ للحديث عنها.
فـ سودة ﵂ كانت بدينة جداً، وهي التي تنازلت عن ليلتها لـ عائشة، فلما أنزل الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] بعد وفاة النبي ﷺ لم تخرج، لا لمسجد، ولا لحج، ولا لعمرة، وإنما من بيتها إلى قبرها في خلافة عمر، فلما سئلت كانت تقول رضي الله تعالى عنها وأرضاها: إنا أمرنا بأن نقر في بيوتنا، قال الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
إذاً: فهؤلاء اللاتي خيرن من نساء النبي ﷺ التسع، وقلنا: إن زينب بنت خزيمة لم تلحق التخيير؛ لأن النبي ﷺ لم يمكث معها إلا ثمانية أشهر، وخديجة من أول نسائه موتاً ﵂ وأرضاها.
стр. 737
إعراب قوله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك)
أما من حيث إعراب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأحزاب:٢٨].
فالحياة إعرابها مفعول به للفعل تردن، والدنيا صفة للحياة.
قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨]؛ جزم الفعل في قوله تعالى: ((أُمَتِّعْكُنَّ))؛ لأن قبله (فتعالين) وهو فعل أمر، فأمتعكن جزمت؛ لأنها وقعت في جواب الطلب، أي: الأمر، والفعل من أحوال جزمه أن يقع في جواب الطلب، أو في جواب الأمر؛ لذلك جزم: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨].
و (سراحاً) مفعول مطلق للفعل أسرح، و (جميلاً) صفة لسراح، فإذا جاء المفعول المطلق بعده صفة فيصبح هذا من المفعول المطلق مبين للنوع؛ لأن المفعول المطلق له ثلاثة أحوال، إما أن يأتي مؤكداً أو مبيناً للعدد، أو مبيناً للنوع، فالمؤكد مثل: أسرحكن سراحاً، فيصبح تأكيداً، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] فتكليماً: مفعول مطلق مؤكد للفعل كلم.
أما إذا قلت لأخيك: ضربتك ضربتين، فهذا مفعول مطلق مبين للعدد، وأما في قول الله جل وعلا الذي بين أيدينا: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨] فجميلاً كما قلنا: إنها صفة لسراح، لكن أصبح المفعول المطلق مبيناً للنوع.
هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، والعلم عند الله.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 738
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الأنعام [١٤ - ١٧]
يذكر الله تعالى في سورة الأنعام بعض صفات كماله ونعوت جلاله، ومن جملة ذلك أنه المتفرد بخلق السماوات والأرض على غير مثال سابق، وأنه غني منزه عما يقوم بالمخلوقات من الحاجة إلى الطعام، بل هو رازقهم والمنعم عليهم به، ولذلك أمر نبيه بإعلان اتخاذه تعالى ولياً دون غيره، والبراءة من الشرك به، وبين تعالى أن من عصاه في ذلك وغيره، فقد أعد له العذاب الأليم الذي لا فوز أعظم من النجاة.
стр. 739
تفسير قوله تعالى: (قل أغير الله أتخذ ولياً)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فما زلنا نتفيأ ظلال سورة الأنعام، وهي السورة التي ذكر المفسرون أنها نزلت جملة واحدة، وانتهينا إلى قول الحق ﵎: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام:١٤ - ١٦].
وقد حررنا أن الآية أصل في التوحيد، وإذا كانت أصلاً في التوحيد فإن الله جل وعلا في تناسب آياتها قال في الآية التي قبلها: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢]، فهو مالك قادر، وفي ذات الوقت رحيم، وهذا يجعل العبد لا يتخذ ولياً غير الله، فبين الله جل وعلا أولاً ما له من صفات الكمال ونعوت الجلال، ثم بعد ذلك بعد أن بين هذا بجلاء وأخبر به خلقه وخوفهم بلقائه قال جل وعلا لنبيه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٤] والهمزة للاستفهام ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام:١٤].
والمرء في حياته وفي مسيرته لا بد له ممن يحفظه ويكلؤه ويرعاه ويهديه ويعينه وينفعه، وهذه كلها منتفية في حق كل أحد إلا في حق الله، فلا يقدر عليها إلا الله، فمن اتخذ ولياً غير الله فلن ينفعه هذا الذي اتخذه مثقال حبة من خردل.
فبعد أن بين الله جل وعلا ما له ﵎ من نعوت الجمال وكمال الجلال قال لنبيه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام:١٤] وهذا استفهام إنكاري على صنيعهم، فهو ﷺ لا يمكنه أن يقبل بولي غير الله.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ﴾ [الأنعام:١٤] وكلمة (فاطر) مأخوذة من الفعل (فطر)، وهي اسم فاعل، فهو جل وعلا فاطر السماوات والأرض، أي: خلقهما على غير مثال سبق، وقد جرت عادة المفسرين إذا أتوا ليفسروا قول الله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] أن يذكروا خبر ابن عباس أن رجلين اختصما عنده في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، ففهم ابن عباس أن مراده أنني أوجدتها وأنه ليس أحد سبقني إليها، فعرف تفسير الآية، وهذا يدل على أن كلمة (فطر) لم تكن شائعة ذائعة في العرب؛ لأنها لو كانت شائعة ذائعة في العرب لما خفيت على الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ويظهر أنها كانت مستخدمة في بعض البوادي، ولهذا فقه ابن عباس من خبر أولئك الخصمين.
стр. 740
الفرح بولاية الله تعالى
فهنا يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام:١٤] وهذا استفهام إنكاري شديد ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٤] ولا ريب في أن الإنسان يجب عليه أن يسلم قلبه لله ويفرح كل الفرح بولاية الله له، وقد جاء في دعاء الصالحين الذي علمه النبي ﷺ الحسن بن علي: (اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت).
ونقف هنا قليلاً في شأن الحسن بن علي ﵁، فـ الحسن بن علي سبط رسول الله ﷺ ، وليس للرسول ﷺ إلا سبطان: الحسن والحسين، وكان له سبط آخر مات، وهو محسن.
والسبط ابن البنت، والحفيد ابن الابن، فابن الابن يسمى حفيداً، وابن البنت يسمى سبطاً.
والانتساب إلى آل بيته ﷺ واسع فكل بني هاشم من آل بيته، ولكن الانتساب إليه ﷺ لا يمكن أن يكون إلا عن طريق الحسن أو الحسين، وقد كانا من فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، والحسن هو الذي علمه النبي ﷺ دعاء القنوت فإذا تتبعت سيرته ستجد منها ما يلي: أولاً: أن النبي كان ينشئه على قيام الليل؛ لأن الحسن عندما مات النبي ﷺ كان صغيراً جداً لم يتجاوز تسع سنين، فمعنى ذلك أن النبي ﷺ علمه القنوت وقيام الليل مبكراً؛ لأن علياً ﵁ ما تزوج فاطمة إلا بعد بدر، وبدر في السنة الثانية، ثم جاءت بـ الحسن، فلو فرضنا أنها جاءت بـ الحسن في آخر السنة الثانية، فسيكون عمر الحسن عندما مات النبي ﷺ لا يتجاوز ثمان أو تسع سنين، وهو أحد خمسة يشبهون النبي ﷺ في هيئته، وهم الحسن بن علي، وقثم بن العباس، وفضل بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاع، وجعفر بن أبي طالب، فهؤلاء الخمسة كانوا يشبهون النبي ﷺ في هيئته الخَلْقية صلوات الله وسلامه عليه.
والحسن أمه فاطمة، ويجري الخلاف بين العلماء فيمن هي أفضل نساء العالمين، والمسألة فيها أربعة أقوال مشهورة: قول بأنها فاطمة، وقول بأنها خديجة، وقول بأنها عائشة، وقول بالتوقف، والذي يترجح عندنا -والعلم عند الله- أنها فاطمة، وأسباب الترجيح ثلاثة: أولها: قوله ﷺ لها: (أنت سيدة نساء أهل الجنة).
الثاني: أنه جرى تحرير الحديث النبوي في قضية المصائب أن الإنسان إذا فقد أحداً كان المفقود في ميزان من فقده، فإذا كان هناك ابن وأب وكان الأب رجلاً صالحاً فمات، فصبر الابن واحتسبه، كان الأب في ميزان الابن، ولو فرضنا أن الابن مات قبل أبيه كان الابن في ميزان أبيه، فـ عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان له ابن يقال له عبد الملك، وكان أشد صلاحاً من أبيه وأعظم تقىً وورعاً، وهو الذي طالب أباه في أول أيام الخلافة بأن يرد المظالم، فقال له عمر: إن قومك بنوا هذه المظالم عقدة عقدة، ولا يمكن حلها إلا بفكها عقدة عقدة.
والشاهد أن عبد الملك في حياة أبيه عمر بن عبد العزيز، فلما وصل إلى قبره ودفنه قال: الحمد الله الذي جعلك في ميزاني ولم يجعلني في ميزانك؛ لأن الميزان ثقيل باعتبار ظاهره.
فهذا الأمر إذا قسناه على فاطمة، فإن جميع أبناء وبنات النبي ﷺ ماتوا قبله، فكل أبنائه وبناته ﵊ في ميزانه، أما فاطمة فالنبي ﷺ في ميزانها، فإن قال لك قائل: إن النبي في ميزاننا جميعاً فقل: نعم، هذا حق، ولكنه في ميزاننا لأننا من أمته، وفي ميزان الصحابة لأنهم من أمته وأصحابه، وفي ميزان أمهات المؤمنين لأنهن من أمته وزوجاته، وفي ميزان فاطمة أشد، لأنه نبيها، وفي المقام الأول هو أبوها صلوات الله وسلامه عليه، فهذا السبب الثاني.
السب الثالث: أن النبي ﷺ قال: (إن فاطمة بضعة مني) ولهذا ذهب بعض المحدثين غير المشهورين في زمن ابن عباس إلى أن هذا وحده كافٍ في ترجيح فضل فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد تنبه الذهبي إلى هذه المسألة لما تكلم على فاطمة ﵂ في كتابه الشهير (الأعلام) فقال: هي الجهة المصطفوية والبضعة النبوية.
والذي يعنينا أن الحسن بن علي علمه النبي ﷺ دعاء القنوت وفيه طلب الولاية.
стр. 741
بيان معنى قوله تعالى (وهو يطعم ولا يطعم)
قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٤] فهو يطعم ولا يطعم، وهذا من ثناء الله على ذاته العلية، وأعظم ما في القرآن ثناء الله على نفسه، ولا يوجد شيء يرقق القلوب أعظم من أن تقرأ ثناء الله على نفسه؛ لأنه لا أحد أعلم بالله منه.
والله يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] وهنا يثني على نفسه بقوله: (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ)؛ لأن الله غني عن ذلك.
وقد يقول قائل: إن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون! والجواب أن ذلك جبله خلقهم الله عليها، أما الله ﵎ فهو غني منزه عن مثل هذا، ولا نقول في حق الملائكة: إن الملائكة منزهون عن الأكل والشرب.
بل نقول: إن الله جبلهم على ألا يطعموا، ولكن في حق الله جل وعلا نقول: الله جل وعلا مقدس منزه عن الصاحبة وعن الولد وعن أن يُطعم، وهو مع ذلك جل وعلا الرزاق ذو القوة المتين، كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
стр. 742
بيان معنى قوله تعالى (قل إني أمرك أن أكون أول من أسلم)
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ﴾ [الأنعام:١٤] والكلام للنبي ﷺ ﴿أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام:١٤] أي: فلم يتحرر عند أحد حقيقة التوحيد كما تحررت عندي، ولم يقف أحد على البراهين والملكوت كما وقفت عليها، ولم يعط أحد كرامة في العلم من عند الله كما أعطيت، فوجب على هذا أن أكون أول من أسلم؛ لأنني أنا المصطفى من العباد والمقرب من الرسل، فوقفت على ما لم يقفوا عليه ونظرت فيما لم ينظر فيه أحد بكرامة الله علي، فبدهياً أن يكون ﷺ كما قال: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام:١٤] أي: من هذه الأمة إذا اعتبرنا الترتيب الزمني، فالمقصود أنه أول من أسلم من هذه الأمة، وإذا اعتبرنا العلو فهو ﵊ أشد الناس وأعظم الخلق إيمانا ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام:١٤] ولما كان الله قد بين أنه لا إيمان إلا إيماناً مقروناً بالكفر بالطاغوت قال الله جل بعدها: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٤].
стр. 743
تفسير قوله تعالى: (قل إني أخاف إن عصيت ربي)
ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥] قال العلماء: إن المعصية هنا معصية الشرك.
стр. 744
بيان عظيم فوز الناجي من عذاب الله
قال تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام:١٦] أي: هو المرحوم حقاً ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام:١٦] والفوز المبين يتحقق له حالتان: الحالة الأولى: النجاة من العقاب.
والحالة الثانية: نيل الثواب، فإذا نال المرء الثواب وظفر بالنعيم المقيم في الجنة وزحزح عن النار كما حكى الله من قبل كان هذا هو الفوز المبين الذي لا يعدله فوز، وقد يكون هناك فوز في الدنيا، ولكنه يكون إلى أمد وإلى حين ثم لا يلبث أن ينقضي.
قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام:١٦] أي: فقد ﵀ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ [الأنعام:١٦].
стр. 745
تقسيمات الفعل
قوله تعالى: ((وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ)) أصل الفعل (طعم)، والفعل أحد أنواع الكلم الثلاث: الاسم والفعل والحرف، والفعل ينقسم باعتبارات، فالمبتدأ يعلم أن الفعل مضارع وماض وأمر، ولكن هذا الجواب محدود.
فالفعل يمكن أن نقسمه من حيث الزمن إلى ماض وحاضر ومستقبل، ومن حيث الصيغة ينقسم إلى ماضٍ ومضارع وأمر، ومن حيث التأكيد ينقسم إلى مؤكد وغير مؤكد، ومن حيث الإثبات والنفي ينقسم إلى منفي ومثبت، ومن حيث الصحة والاعتلال ينقسم إلى صحيح ومعتل، وحروف العلة ثلاثة الألف والواو والياء، ومن حيث العمل ينقسم إلى عامل ومكفوف، والمكفوف هو الذي تدخل عليه (ما)، ولا تدخل إلا على فعل أو فعلين، كـ (طالما)، فكلمة (طالما) فعل، ولكن لا فاعل له؛ لأن (ما) كفته عن العمل.
ومن حيث الإعراب والبناء ينقسم إلى معرب ومبني والنحاة يقولون: إن المضارع هو وحده المعرب والأمر والماضي مبنيان، والمضارع يبنونه في حالتين: إذا اتصلت به نون التوكيد ثقيلة أو خفيفة، وإذا اتصلت به النون النسوة، فإذا اتصلت به نون النسوة يبنونه على السكون، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، وإذا اتصلت به نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة بنوه على الفتح، وأحياناً تنقلب نون التوكيد إلى تنوين في الرسم الإملائي في القرآن فقط، ومنه قول الله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق:١٥] فأصله نون وليس تنويناً؛ لأن التنوين من خصائص الأسماء ولا يدخل على الأفعال.
وينقسم الفعل من حيث كونه مجرداً ومزيداً إلى مجرد ومزيد مجرد ثلاثي ومجرد رباعي، ومزيد ثلاثي ومزيد رباعي.
فهذه بعض أقسام الفعل حررناها عاجلاً؛ لأن الإنسان إذا فقه هذا يستطيع بعد ذلك أن يتعامل مع هذه الآية في فهم كلام الله.
стр. 746
اسم الفعل
وهناك شيءٌ قريب من الأفعال يسميه النحاة (اسم الفعل)، وقد احتاروا فيه، فهم لا يجعلونه فعلاً ولا يجعلونه اسماً؛ لقرب خصائصه من الأسماء حيناً وقرب خصائصه من الأفعال حيناً.
ومن أسماء الأفعال في القرآن (هيهات)، وقد وردت في قول الله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:٣٦]، وينبغي أن يعلم أن التكرار هنا لزاماً ليس اختياراً.
وقد سألنا بعض الطلاب ذات مرة عن الكلمات التي جاءت في القرآن متتابعة من غير فاصل، وكان في الطلاب شيء من النباهة، فقال أحدهم: كلمة (فيه) في قول الله جل وعلا: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨]، وقال آخر: وكلمة لفظ الجلالة في قول الله جل وعلا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] فلفظ الجلالة تكرر مرتين، والوقف لازم على الأولى.
وهاتان الكلمتان في القرآن تكررتا من غير فاصل، فاعترض أحد الطلاب بأدب وقال: لا، فـ (هيهات) في سورة المؤمنون تكررت من غير فاصل، وهنا خطأ في الفهم، فـ (هيهات) الأولى هي الثانية ليست توكيداً، والعرب لا تلفظ (هيهات) وحدها، بل تكررها مرتين، وما ورد عنها من ذكرها مرة واحدة فمن باب الاضطرار، كقول جرير: فهيهات هيهات العقيق ومن به وهيهات خلاً بالعقيق نواصله فقوله في الأول: (هيهات هيهات العقيق ومن به) جرى على عادة العرب، وقوله في الأخرى: (وهيهات خلاً بالعقيق نواصله) اضطرار في الشعر.
وقبل أن ننهي الموضوع ينبغي أن نبه على إن العقيق هنا ليس هو الوادي الذي في المدينة؛ لأن جريراً لم يكن يسكن المدينة، بل هو واد في نجد تغزل جرير به وبأهله وتشبب، فذكره في شعره كثيراً.
فليس هو عقيق أهل المدينة المشهور، ولكن العقيق إذا أطلق من غير تقييد ينصرف إلى وادي العقيق الذي في المدينة الذي قال عنه النبي ﷺ : (أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة).
هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده حول قول ﵎ ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام:١٤] وصلى الله على محمداً وعلى آله، والحمد رب العالمين.
стр. 747
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الزخرف [١]
سورة الزخرف من السور المكية، وهي داخلة فيما يسمى بالحواميم، والحواميم هي السور اللاتي بدأن بـ (حم)، والحواميم تسمى ديباج القرآن؛ لأنهن يحملن مواعظ ورقائق وأخبار، وليس فيهن أحكام.
وفواتح سورة الزخرف تحدثت عن صدق القرآن وأنه منزل من عند الله جل وعلا.
стр. 748
بين يدي السورة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: في هذا اللقاء المبارك سنشرع في تفسير سورة الزخرف، وقبل أن نستفتح تفسيرها نعرّج إجمالاً على هذه السورة المباركة، وهي سورة مكية، وداخلة فيما يسمى سور آل حم، وسور الحم تسمى ديباج القرآن، وسيمت ديباج القرآن لأنهن حملن مواعظ ورقائق وأخبار وليس فيهن أحكام، وكلهن ابتداء بغافر وانتهاء بالأحقاف بدأن بقول الله جل وعلا: ((حم))، ولهذا تسمى آل حم.
وسورة الزخرف هي إحدى هذه السور المباركات، وقلنا: إنها سورة مكية، والزخرف في اللغة كمال الزينة والحسن، وهذه اللفظة المباركة وردت في القرآن في موضع أخر وردت في الإسراء: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء:٩٣]، ووردت: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢] وهي في الأنعام، ووردت كذلك: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس:٢٤]، فهذا الموضع الرابع لذكرها في القرآن، وبها سميت السورة.
قال الله جل وعلا في فاتحتها: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم﴾ [الزخرف:١] وقد بينا أن هذه فواتح القرآن، وذكرنا أقوال العلماء فيها في حلقات قد مضت.
قال ربنا: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف:٢] هذا قسم، الواو للقسم، والمقسم به كلام الله جل وعلا، والمبين: الواضح البيّن، وسنقف عند الآية الخامسة ثم نعرج على جملة من القضايا، نبدأ بالأولى:
стр. 749
تفسير قوله تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون)
стр. 750
الرد على المعتزلة في قولهم بخلق القرآن
قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣] وقد تمسك المعتزلة بهذه الآية وأضرابها في أن القرآن مخلوق، وليس التغافل عن الرد على أهل الشبهات مما يرد به شبههم، فلابد في مجالس العلم من أن يحرر الخطاب، فهم يقولون: إن (جعل) في القرآن جاءت بمعنى خلق، قال الله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] بمعنى خلق الظلمات والنور، وقال هنا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣]، فيقول رؤساء المعتزلة وأئمتهم لماذا هذه المكابرة؟ هذا نص صريح في أن (جعل) بمعنى خلق.
وقلنا: إن الزمخشري لما ألف تفسيره قال في مقدمته: الحمد لله الذي خلق القرآن، وقيل له: إن أحداً لن يقرأه، فقال: الحمد لله الذي جعل القرآن، باعتبار أن الخلق بمعنى الجعل عند المعتزلة، وحتى يستقيم الأمر ننيخ المطايا بهدوء ونأتي بنظائر، فهذا منهجنا في التعليم، ثم نطبِّق تلك النظائر على ما نحن فيه؛ حتى يكون هناك حيادية في الطرح، فالأفعال أحياناً لا تظهر إلا من سياقتها؛ فهي تحتمل أكثر من معنى.
قال الله جل وعلا على لسان أهل النفاق: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣]، فكلنا نحن والمعتزلة نفهم أن (انظرونا) هنا بمعنى انتظرونا، والفعل نفسه قال الله جل وعلا: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام:٩٩]، فعدي بحرف الجر (إلى) فتغير المعنى، فلا يأتي أحد ويقول إن نظر هنا بمعنى تمهل، وإنما المعنى النظر بعين الباصرة، ويقول الرجل منا: نظرت في الأمر، وليس المقصود أنني أبصرته بعيني؛ فقد يكون الأمر معنوياً، لكنني نظرت في الأمر بمعنى تدبرته وتأملته.
ومنه قول الله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] أي: يتدبروا ويتأملوا، فاختلف المعنى مع أن الفعل واحد؛ لاختلاف الاستعمال، لكن هذا الاستعمال لا بد له من ضوابط وقرائن تدل على كل معنى، فعلمنا أن الفعل (نظر) لما كان لازماً كان بمعنى تمهل، ولما تعدى بحرف الجر (إلى) أصبح بمعنى النظر بالعين الباصرة، ولما تعدى بحرف الجر (في) أصبح النظر بعين البصيرة، وهو التروي والتمهل أو التفكر في الشيء والتدبر فيه.
وقال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:١٣] أي: ارتفعتم، وقال ربنا: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩] أي: انصرف وقصد، ثم قال ربنا: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص:١٤] ولم يتعدى، فنحن متفقون جميعاً على أن الفعل (استوى) في كل آية هنا له معنى مختلف عن الآخر، والفعل (جعل) يسمى من أمهات الأفعال، أي: التي تستخدم في مواطن كثيرة، مثل: عمل، وفعل، وطفق، وأخذ، ومنها جعل، فنقول إن (جعل) في القرآن يأتي على معان بحسب السياق مستصحبين شيئاً لا بد منه وهو: أنا نفيء ونرجع بالمتشابه إلى المحكم، ولا نفيء بالمحكم إلى المتشابه، فلما نص الله جل وعلا في مواطن كثيرة على لفظ التنزيل ما كان لنا أن نفر من لفظ التنزيل ونحن نجد معناً لجعل في غير الخلق، فنقول نعم جاءت بمعنى خلق في القرآن، قال الله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، وقال: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١]، وهذا من المترادف؛ لأنه لا يمكن التبديل هنا، فجعل هنا بمعنى خلق، لكنك تلاحظ: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام:١]، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] تعدى الفعل (جعل) إلى مفعول واحد، فإذا تعدى الفعل (جعل) إلى مفعول واحد فهو بمعنى خلق، ويأتي جعل بمعنى التسمية، قال الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩] أي: سموهم إناثاً والدليل قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ [النجم:٢٧]، فقول الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩] أي: سموهم إناثاً.
فإذا تعدى إلى مفعولين لا يكون بمعنى الخلق، وإنما يكون بمعنى التصيّيّر، يعني: صيّره، قال الله جل وعلا يحكي عن العرب الفصحاء في كتابه الفصيح أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] فتعدت لمفعولين: ﴿الآلِهَةَ إِلَهًا﴾ [ص:٥]، وواحداً صفة، ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] ومعلوم أن القرشيين لم يريدوا أن يقولوا أبداً: إن النبي ﷺ خلق ربه وخلق الآلهة؛ فهذا غير وارد أصلاً في الخطاب؛ لأن الله أصلاً غير مخلوق فهو خالق، والأمر الثاني: أن قريشاً لم تزعم أن النبي هو خالق آلهتهم، فليست (جعل) هنا بمعنى خلق، إنما هي بمعنى صيّر، فالتصيير غير الخلق، فقد يكون المصيَّر مخلوقاً وقد يكون غير مخلوق، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ:١٠] أي صيّرناه لباساً، مع أنه في أصله مخلوق لكنها لوحدها لا تدل على أنه مخلوق، فلا بد من دليل آخر.
فهنا نقول لهم ولمن سار على نهجهم؛ لأن المعتزلة تأثرت بهم بعض الفرق في هذا المعنى، نقول: إن (جعل) هنا ليست بمعنى خلق لأمرين: أولاً: أنه تأباه اللغة؛ فقد تعدى إلى مفعولين، ثانياً: أن السياق القرآني يأباه.
ثم إن القرآن في مواطن كثيرة ذكر الله جل وعلا فيه التنزيل والإنزال والنزول بعدة طرائق، قال الله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء:١٠٥]، وقال: ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢]، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر:٩] وغيرها من الآيات، وهذه المحكمات لا يمكن أن نهدمها جميعاً -فليس هذا بقاعدة علمية- لفعل يحتمل أن يكون بمعنى الخلق، مع أننا بيّنا أنه إذا تعدى إلى مفعولين فلا يمكن أن يكون بمعنى الخلق.
стр. 751
تفسير قوله تعالى: (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم)
ثم قال الله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف:٤] الأصل في كلمة (أم) أنها تأتي بإزاء الأب هذا هو الأصل، وإذا خرجت اللفظة عن أصلها وأدت معنىً آخر، ودلت قرينها على أننا لا نريد الأصل فهذا ما يسميه البلاغيون استعارة، وسأقرب المعنى إلى فهم المشاهدين، فعندما تذهب إلى رجل لديه فرح وتشاهد هذا الفرح بجوار داره، ثم أعجبك ذلك الفرش الذي أنت جالس عليه فظننت أن هذا الفرش ملك لصاحب الدعوة، ثم لم تلبث أن قلّبت الفرش فوجدت عليه علامة أو ختماً أو أمارة مكتوب عليها: مفروشات كذا وكذا، أو محلات كذا وكذا للتأجير، فإنك تفهم أن هذا الفرش مستعار وليس لصاحب الدار، فقد استعاره من صاحبه الأصلي، والقرينة تلك الورقة أو الختم أو الإشارة أو العلامة، وكذلك في اللغة فالكلمة يكون لها أصل، فإذا وجدناها استخدمت استخداماً غير الذي هو أصلها وجدنا من خلال القرينة ما يدل على أنها استعارة، وتنقسم الاستعارة إلى: استعارة تصريحية، واستعارة تبعية، واستعارة مكنية وهذا باب آخر، لكن نبدأ تدريجياً فهذا معنى الاستعارة، فالأصل في كلمة (أم) أنها التي تلد، قال الله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ﴾ [طه:٤٠]، فليس ههنا استعارة؛ لأن أم موسى هي التي ولدته، لكن قول الله جل وعلا هنا: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف:٤] المقصود أصل الكتب، أي: أصل ما خط في اللوح المحفوظ، فـ ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف:٤] هو اللوح المحفوظ، فهذا يسمى استعارة، وقد تقول: إنه بمعنى واسع هنا، ولا أريد أن أدخل في ألفاظ حولها إشكال فالمهم المعنى، وأظن أن ابن قدامة أو ابن قتيبة -التبس عليَّ الآن وهذا من الحفظ القديم- يعبّر تعبيرات ويقول: لا عبرة بالمصطلح الذي يتنازع عليه الناس، وهذا كلام جيد فالعبرة بالمعنى، فكلمة (أم) في القرآن وردت على عدة معاني، وردت بمعنى الوالدة: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ﴾ [طه:٤٠]، ووردت بمعنى المرضعة: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، وتسمى المرضعة في اللغة ظئراً، ووردت بمعنى المآل، قال الله جل وعلا: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٩] أي: مآله أن يهوي في جهنم، ووردت بمعان عدة منها: قول الله جل وعلا هنا: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف:٤]، وأطلق على مكة أنها أم القرى، قيل: بمعنى الأصل، ومنه قول الله تعالى في آل عمران: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] أي: أصل الكتاب، وغير ذلك مما هو مشهور، فالذي يعنينا أن (أُم) هنا استعير لها المعنى، فأم الكتاب هو اللوح المحفظ.
стр. 752
الفرق بين اللوح المحفوظ وغيره من الكتب
والفرق بينه وبين غيره من الكتب: أن ما في أم الكتاب لا يمكن أن يُبدّل، قال الله تعالى في سورة الرعد: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، فقول الله ﵎ ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] أي: ما يُمحى ويثبت خارج أم الكتاب إنما يُمحى ويُثبت ليطابق أم الكتاب.
((وإنه)) الهاء في (إنه) عائدة على القرآن، ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف:٤] أي: مذكور بالعلو والحكمة، ورفيع المقام، ولا شك أن له السلطان.
стр. 753
تفسير قوله تعالى: (أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين)
ثم قال الله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٥] وهذه نختم بها: فالهمزة للاستفهام، والضرب في اللغة يُطلق على عدة معاني: يطلق على الصنف والنوع من الأشياء، ويُطلق على الرجل الخفيف اللحم، قال طرفة: أنا الرجل الضرب الذي تعرفونني خشاش كرأس الحية المتوقد أنا الرجل الضرب أي: الرجل الخفيف، هذا من حيث اللغة, وأما في القرآن فقد ورد الضرب على معان عدة: ورد بمعنى السير في الأرض، قال الله جل وعلا: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المزمل:٢٠] أي: يسيرون في الأرض، ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠]، وقال: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٧٣] أي: لا يستطيعون سيراً في الأرض.
وجاء الضرب بمعنى الضرب المعهود سواء كان بالسيف، كقوله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢]، أو كان بمعنى الضرب باليد، كقوله جل وعلا: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] في حق النساء، وأما قول الله جل وعلا: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٥] فنحرر أولاً معنى كلمة (صفح)، الصفح: هو التغافل عن الشيء إما كبراً، تقول: لويت لفلان صفحة عنقي، أو أن يكون تجاهلاً بحيث يمر بك دون أن تدري عنه، قال الشاعر: تمر الصبا صفحاً بساكنة الغضا ويصدع قلبي أن يهب هبوبها قريبة عهد بالحبيب وإنما هوى كل نفس حيث حل حبيبها والصبا ريح معروفة، فيقول: هذه الصبا تأتي من ديار من أحب فتمر على بني قومي الذين أعيش معهم صفحاً، أي: يتغافلون عنها، وليس ذلك كبراً؛ لأنه لا يوجد كبر مع الرياح، لكن لأنها لا تعنيهم، وأما أنا -يتكلم عن نفسه-: ويصدع قلبي أن يهب هبوبها فهذا الصفح هو الإعراض عن الشيء إما كبراً وإما تغافلاً، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٥] اتفقوا على أن المعنى: ليس إعراضكم سبباً مقنعاً لأن نترك إنذاركم، لكن اختلفوا في معنى الذكر: فذهب ابن عباس في رواية عنه وبعض العلماء إلى أن الذكر هنا المقصود به ذكر العذاب، فيصبح المعنى: أفيعقل أن نترك عذابكم لمجرد أنكم أعرضتم عن ذكر الله! وقال آخرون: إن الذكر هنا بمعنى الوعظ والإرشاد، وهذا الذي أرجحه، فيصبح المعنى: كيف يسوغ لكم أن تطالبونا بأن نترك وعظكم وإرشادكم وبيان الحق لكم بسبب أنكم قوم معرضون! وهذه الآية قريبة من قول الرب ﵎: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦]، وهذان المعنيان يرجحن الآخر منهما.
стр. 754
تفسير قوله تعالى: (وكم أرسلنا من نبي في الأولين)
ثم قال الله: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الزخرف:٦ - ٧] (كم) هنا خبرية وقد مرت معنا كثيراً، والمراد بها التكثير، وهي مضادة لكم الاستفهامية، والفرق الجلي بينهما: أن الأولى -أي: الاستفهامية- تحتاج إلى جواب، وأما (كم) الخبرية فلا تحتاج إلى جواب، قال الفرزدق يهجو جريراً: كم خالة لك يا جرير وعمة فدعاء قد حلبت عليَّ عشاري أراد الكثرة.
﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ﴾ [الزخرف:٦] (من) هنا لبيان الجنس، ﴿فِي الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٦] أي في الأمم التي سبقت، ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الزخرف:٧] هذه الآية وأضرابها داخلة في باب التسلية والتعزية لنبينا ﷺ ، وفواتيح سورة الزخرف تحدثت عن صدق القرآن، وأنه منزّل من عند الله جل وعلا، وقد أجبنا في حديثنا عن مسائل عدة منها القضية الأساسية العقدية وهي قول المعتزلة بأن القرآن مخلوق، والمعتزلة -من باب الاستطراد- بعض أهل الفرق أخذوا عنهم شيئاً مما تبنوه، والخوارج الأولون أقرب الناس إلى عقائد المعتزلة، فأكثرهم متفقون على القول بخلق القرآن، وبعض الخوارج في زماننا كذلك ما زالوا ينفون رؤية الله يوم القيامة، ويقولون بخلق القرآن، وإن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، وأما المعتزلة فيقولون: إنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين، وهناك كتاب لأحد خوارج الفرق المعاصرة تبنى قول الخوارج السابقين اسمه (الحق الدامغ)، وهذا الكتاب يقوم على ثلاثة مبادئ: إثبات أن القرآن مخلوق، وإثبات أن مرتكب الكبيرة كافر، وإثبات أن الله لا يُرى يوم القيامة، فأما الرد على أن القرآن مخلوق فقد حررنا كثيراً منه الآن، وأما بيان أن مرتكب الكبيرة تحت المشيئة كما هو قول أهل السنة فهذا قد بيناه في دروس سلفت، وكذلك بينا قضية أن الله ﵎ يُرى يوم القيامة ورددنا على ما يسمى بلن الزمخشرية.
هذا بعض ما يسر الله إعداده، وأعان الله على قوله حول فواتح سورة الزخرف، نفعنا الله وإياكم بما نقول، وجعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 755
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الزخرف [٢]
ذكر الله في هذه الآيات أنه أرسل الأنبياء في الأمم السابقة، فما كان من تلك الأمم إلا أن استهزأت بأنبيائها والمرسلين، فأهلكهم الله تعالى بما كانوا يصنعون.
وقد كان المشركون في الجاهلية يؤمنون ويعترفون أن الله هو الخالق الرازق، ومع ذلك لم يعبدوه ويوحدوه، فكان الله تعالى يلزم بإيمانهم بتوحيد الربوبية أن يؤمنوا بتوحيد الألوهية.
стр. 756
تفسير قوله تعالى: (وكم أرسلنا من نبي في الأولين)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اعترافاً بفضله، وإذعاناً لأمره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: ما زلنا في هذا اللقاء المبارك مع سورة الزخرف، وكنا قد انتهينا في اللقاء الماضي إلى الآية الخامسة منها إلى قول الله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٥]، واليوم بإذن الله تعالى نبدأ ونشرع مع قول ربنا جل وعلا: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٦ - ٨].
فهذه الآيات الثلاث تلوناها مع بعضها البعض لارتباطها مع بعضها البعض، فالنبي ﷺ لم يكن بدعاً من الرسل، فقد كانت رسل قبله، كما قال الله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، وسنن الله جل وعلا مع رسله التي آتاها أقوامهم واحدة، فأراد الله جل وعلا في هذا المقطع من هذه السورة المباركة تسلية وتعزية نبيه ﷺ ، فقال مخاطباً إياه: (وكم) وهي هنا خبرية وليست استفهامية، والمقصود بها: الكثرة.
وقد مر معنا أن (كم) تأتي خبرية وتأتي استفهامية، وهي هنا خبرية لا تحتاج إلى جواب، والفيصل في الفرق بينهما: أن الخبرية لا تحتاج إلى جواب، ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٦] أي: في الأمم التي غبرت والقرون التي سلفت، ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ [الزخرف:٧] (وما) هنا نافية قطعاً، ﴿مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ﴾ [الزخرف:٧] أي: تلك الأمم، ﴿يَسْتَهْزِئُون﴾ [الزخرف:٧] أي: يصدون عن دعوته ويردون رسالته ولا يؤمنون به.
وهذه الآيات ولله الحمد ظاهرة المعنى مندرجة تحت قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن من القرآن ما يفهمه كل أحد، وقال الله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٨]، فما قريش إذا ما قرنت بالأمم التي سلفت والقرون التي غبرت، وكلهم عند الله واحد لكن من باب إظهار ضعف القرشيين، وأن الله جل وعلا جعل من قبلهم عبرة وعظة وأخباراً وأحاديث وأقاصيص يتحدث عنها الناس في مجالسهم بعد أن أهلكهم الله جل وعلا، قال ربنا: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٧ - ٨].
стр. 757
تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض)
ثم قال الله جل وعلا وهذا التفات في الكلام: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ [الزخرف:٩] أي: يا نبينا! واللام هنا ممهدة للقسم، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ [الزخرف:٩] أي هؤلاء الذين يجادلونك، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩].
ظاهر الأمر -والعلم عند الله- أنهم سيقولون: خلقهن الله، لكن الله جل وعلا ذكر جوابهم بالمعنى لا باللفظ، فيبعد أن يقول القرشيون: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، لكنهم معترفون أن الله جل وعلا هو الخالق الرازق، وقد مر معنا أن القرآن يقوم على إثبات أن الله جل وعلا وحده هو الخالق، وبمقتضى هذا الإثبات يجب ألا تصرف العبادة لغيره ﵎.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، ثم قال ربنا: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف:١٠]، فالاسم الموصول (الذي) هذا من كلام الله ليس من جواب القرشيين، وإنما حكى الله الجواب بالمعنى دون اللفظ في قوله سبحانه: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]؛ تمهيداً لما سيأتي بعده.
وهذا الصنف من الآيات من أعظم ما في القرآن، وقد مر معنا أن القرآن كله عظيم لكن أعظم ما في القرآن حديث الله عن ذاته العلية، فهذا مندرج في حديث الله عن ذاته العلية.
стр. 758
تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهداً)
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف:١٠]، والمهد في الأصل: ما يوضع فيه الصبي، فجعل الله الأرض بالنسبة للناس كالمهد بالنسبة للصبي، وهذا من حيث الصناعة البلاغية يسميه البلاغيون: التشبيه البليغ.
ومعلوم أنه لا بد من مشبه ومشبه به وأداة تشبيه ووجه شبه، فذكر الله هنا: المشبه والمشبه به، فشبه الأرض بالمهد، ولم يذكر الأداة، فلم يقل: الذي جعل لكم الأرض كالمهد، فحذف الكاف وحذف وجه الشبه وهو: إيواؤها للناس، كما أن المهد يأوي الرضيع ويحويه.
فلما حذف ربنا في كلامه أداة التشبيه ووجه الشبه -وفق منطق البلاغيين- هذا يسمى تشبيهاً بليغاً، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [الزخرف:١٠] أي: طرائق، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:١٠] أي: من خلال هذه الطرائق لعلكم تهتدون بالمقدورات على القادر، بالمقدورات المسخرة المخلوقات المدبرة لكم تهتدون بالدلالة بها على القادر.
وقد عرفوا ربهم لكنهم ما صرفوا العبادة له، فأتوا بتوحيد الربوبية وتوقفوا عنده، فلم ينفعهم شيء بل ازدادت الحجة عليهم، ثم مضت الآيات -وهذا النوع يسمى: الإطناب، وقد مر معنا تقسم الكلام إلى إيجاز ومساواة وإطناب- في حديث الله عن نفسه.
стр. 759
تفسير قوله تعالى: (والذي نزل من السماء ماء فأنشرنا به بلدة ميتاً)
﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزخرف:١١]، فالماء الذي جعله الله في الأرض على ضربين: ماء عذب فرات، وماء ملح أجاج.
فجعل الله الماء المستقر مالحاً؛ حتى لا ينتن، فلو أن ماء البحار ليس مالحاً لأنتن وظهرت رائحته، وجعل الله الماء المتحرك الذي ينزل من السماء عذباً، قال تعالى: ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان:٥٣]، فجعل المياه الراكدة الثابتة على الدوام التي لا يحتاجها الناس شرباً جعلها مالحة؛ حتى لا تنتن، وجعل الماء المتحرك الذي يحتاجه الناس سواء كان متحركاً في أصله بنزوله من السماء، أو في العيون والآبار جعله عذباً فراتاً ﵎ بنعمته ورحمته لعباده.
﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الزخرف:١١]، هذا وفق الصناعة البلاغية يسمى: استعارة تبعية؛ لأن لفظ (نشرنا) إنما يقال في الميت إذا أحيي، فجعل الله جل وعلا الأرض التي لا نبت فيها كالجسد الذي هو ميت لا روح فيه، ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف:١١]، فالذي استعصى على القرشيين فهمه: أن الله يحيي الموتى، فانظر كيف عالج القرآن هذه القضية قال ربنا: ﴿فَأَنشَرْنَا﴾ [الزخرف:١١]، والناء هنا ناء الدالة على الفاعلين، وقد جيء بها للعظمة في الحديث عن الشيء الذي يرونه بأعينهم، وأما الشيء الخفي الذي هم مطالبون بالإيمان به فلم يقرنه الله بناء الدالة على الفاعلين؛ ليبين لهم أنه أمر هين عليه لم يعظمه الله، فعظم الله جل وعلا المقيس ولم يعظم المقيس عليه، عظم الله جل وعلا ما يرونه: ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الزخرف:١١]، فلما ألقموا في أفواههم حجراً وسقط ما في أيديهم قال لهم ربهم: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف:١١]، ولم يقل: كذلك نخرجكم؛ لبيان أن هذا من حيث مفهوم خطابكم أهون وإلا فالأمر عند الله سواء.
стр. 760
تفسير قوله تعالى: (والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم)
﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف:١٢].
الأزواج مفردها: زوج وهي بالتعبير اللغوي: كل ما صار به الواحد ثانياً، وبعض العلماء يجعلها في المعنويات، وبعضهم يجعل الأزواج في المحسوسات، والصواب جعلها هنا في المحسوسات والمعنويات، مثلاً: جعلها الله جل وعلا في الفقر والغنى، والجسد والروح، والذكر والأنثى، والصحة والمرض، والليل والنهار، والفرح والحزن، وهذه الأمور بعضهن معنويات وبعضهن محسوسات، وخالقهن جميعاً هو الله ﵎، ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف:١٢].
فالفلك تركب كلها، وأما الأنعام فمنها ما يركب ومنها ما لا يركب، ولهذا جاء في الحديث: (أن الرجل الذي ركب البقرة اعترضت عليه فقالت له: ما خلقنا لهذا) مع أن البقرة من بهيمة الأنعام، لكن الله قال -والقرآن ضمائم لو ضممت بعضه إلى بعض تبين لك- قال ربنا: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل:٨]، ولم يذكر الله بعض الدواب الأخر.
وهنا قدم الله الفلك على الأنعام لأن إظهار القدرة يتضح هنا أكثر، فالفلك تجري على الماء، والجريان على الماء أعظم إظهاراً لقدرة الله من مشي الأنعام على أرض مستقرة، وإن ظهرت فيها القدرة لكن ظهورها في الفلك أقوى من ظهورها في مشي الأنعام على الأرض المستقرة، ولهذا قدم الله الفلك، ثم قال ربنا والقرآن يزاوج ما يسلبه من لفظه يعطيها بدلاً منه، قال الله ﵎: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف:١٢ - ١٣].
فجاءت المزاوجة هنا، فالظهور من علائق الأنعام أكثر منها أن تكون من علائق الفلك؛ لأن الفلك في الغالب يسمى: بطناً ولا يسمى ظهراً، وإن ظهر للصناعات الحديثة فلك لها ظهر لكن ذكرها الله من باب التغليب.
стр. 761
معاني الاستواء
قال ربنا: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف:١٣]، وقد مر معنا أن الفعل استوى إما أن يتعدى بحرف الجر (على) أو بحرف الجر (إلى) أو لا يتعدى بحرف جر، وإن تعدى بحرف الجر (على) فمعناه: العلو والارتفاع، ومنه هذه الآية: ﴿تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:١٣] أي: إذا ارتفعتم، وإذا تعدى بحرف الجر (إلى) يصبح معنى القصد، نحو ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت:١١] أي: قصدها.
وإذا لم يتعدى بحرف جر لا (على) ولا (إلى) واكتفى بعدم التعدية وأصبح لازماً دل على الكمال والتمام والنضج، قال ربنا عن كليمه وصفيه موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص:١٤] أي: كمل ونضج وتم أمره.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ [الزخرف:١٣] أي: بقلوبكم، فيقع في قلبك أولاً تعظيم هذا الرب الجليل الذي سخر لك هذا، والتسخير في اللغة: التذليل والتطويع، فإذا وقع في القلب الاعتراف بفضل الله وأن القوة الجسدية التي نملكها ليست هي التي سخرت لنا الفلك، وليست هي التي سخرت لنا الأنعام، واستقر هذا في القلب جاء الأمر الإلهي بأن يترجم ما وقع في القلب من يقين إلى أن يكون نطقاً باللسان منصوصاً عليه، قال ربنا: ﴿وَتَقُولُوا﴾ [الزخرف:١٣] أي: بألسنتكم، ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] أي: مطيعين طوع الأمر، بمعنى: ذلك.
وقد كان هذا يقال على ظهور الدواب واليوم يقال على مقاعد السيارات والطائرات، وأما استخدامه أو قوله عند المصاعد فليس له دليل؛ لأن المصاعد حلت بديلاً عن السلالم ولم تحل بديلاً عن الدواب، وأما السيارات والطائرات فقد حلت بديلاً عن الدواب، والتقيد بالنصوص أمر محمود وإن كان كل هذا سخره الله جل وعلا للعباد.
стр. 762
معاني الانقلاب إلى الله تعالى
﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤].
الانقلاب في اللغة: عودة الإنسان إلى المكان الذي فارقه، وقد كان بدء خلق أبينا آدم في السماء عند ربه فلا بد من العودة إلى الله، فيستقيم هنا المعنى الشرعي مع المعنى اللغوي: الانقلاب عودة الإنسان إلى المكان الذي فارقه، وهذا الأمر نسبي، تقول: انقلبت إلى داري، وانقلب فلان إلى بيته، أي: عاد إلى بيته؛ لأنه توه فارقها.
وأما الانقلاب العام: فهو الأوبة والرجوع إلى الله قال ربنا: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق:٨]، ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٤]، وتذكر الإنسان للآخرة منهج قرآني عظيم يجعله الله جل وعلا مطرداً في كل أمر أن يتذكر الإنسان اليوم الآخر، حتى لما ذكر الله الطلاق وذكر الرضاع وذكر غيرها كانت الآيات تأتي مقيدة: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٢٣٢].
ومن أعظم البواعث على العمل الصالح: تذكر الآخرة قال الله جل وعلا في حق بعض من اصطفاهم من رسله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾ [ص:٤٦]، جاءت منونة حتى تشرئب الأعناق إلى معرفتها، وعادت منقطعة عن الإضافة: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص:٤٦]، والتقدير: هي ذكر الدار.
стр. 763
تفسير قوله تعالى: (وجعلوا له من عباده جزءاً)
قال ربنا: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥]، ما زال الخطاب متوجهاً لكفار قريش، (وجزءاً) هنا الصواب أنها بمعنى: حظ ونصيب وقسم، إلا أنه ورد عن إمامين من أئمة اللغة وهما: المبرد والزجاج، وقدمنا المبرد لأنه أقدم ظهوراً من الزجاج، وله كتاب مشهور اسمه (الكامل في الأدب) واسم المبرد محمد بن يزيد، وكان له حساد، وقد قيل فيه أبيات يراد بها منقصته.
هذان العلمان من علماء اللغة قالوا: إن جزءاً في اللغة بمعنى: بنت، وأتوا بشاهد شعري، ومن رد عليهما لم يطعن في إمامتهما في اللغة؛ لأن إمامتهما لا تقبل القدح؛ فهما متفق على إمامتهما في اللغة، فيكون الطعن ليس في ذاتهما لكن فيما قالاه أو فيما نقلاه، فيقال: إن هذا البيت مصنوع وليس قديماً، فإذا كان مصنوعاً وليس قديماً فلا يصح الاحتجاج به، وممن حمل راية إبطال ما زعماه الزمخشري في الكشاف، فقد أبطل ما زعماه من أن جزءاً بمعنى: بنت، والحق -بحسب دراية الإنسان البسيط- أنه يبعد جداً في علم اللغة أن يكون جزءاً بمعنى: بنات، أما المعنى: فصحيح، وسيأتي، لكن اللفظ (جزءاً) بمعنى: بنات غير وارد، ورد في القرآن جزء وبعض؛ الجزء شيء يمكن تحديده يمكن إخراجه يمكن انفكاكه، وأما البعض فلا يمكن تحديده، فمثلاً: القرشيون زعموا أن الملائكة بنات الله، فسهل جداً أن نميز الملائكة عن الإنس والجن، لكن كلمة بعض تأتي في الأشياء الممزوجة التي يصعب تحديد الفوارق بينها، قال الله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف:١٥]، وأنا أتوقف هنا في قضية الملائكة بنات الله؛ لأن سيأتي التفصيل فيها.
﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥] قال بعض أهل التفسير: إن الإنسان هنا عام أريد به الخاص وهم كفار قريش، لكن الصواب إبقاؤه على ما هو عليه، فنقول: إن الإنسان في أصله كفور مبين؛ لأن الله جل وعلا ذكر هذا في أكثر من موضع وأكثر من آية، لكن نبقى على أن أول المخاطبين به وأول ما ينصرف هذا الوصف إليهم هم كفار قريش، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف:١٥ - ١٦].
وهناك مصطلحات أحياناً يستخدمها أهل التفسير ومصطلحات يستخدمها أهل النحو، فأهل التفسير يتأدبون أكثر؛ لأنهم يتعاملون مع ألفاظ قرآنية، وأما النحاة فلا يتوخون الأدب؛ لأنهم يتعاملون مع أقرانهم، مع أئمة في اللغة أو مع شعراء أو مع خطباء، فلا يكونون مطالبين بالتأدب كما هو مطالب به أئمة التفسير.
﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ﴾ [الزخرف:١٦] أهل التفسير يقولون: إن الميم هنا صلة؛ تأدباً مع الله، وأما النحويون فيقولون: إن الميم هنا زائدة، فإن أسميناها زائدة كما قال النحويون أو أسمينها صلة كما قال المفسرون فالمعنى واحد، ومقصودهم أنها يراد بها التوكيد والاستفهام للاستنكار.
قال سبحانه: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف:١٦]، نكر البنات وعرف البنين ليطابق حال البنين والبنات عند العرب، ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف:١٦]، وأنا هنا أؤكد على اللغويات، وأما المعاني فنأتي لها في قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف:١٩]، في نفس السورة؛ حتى لا يتكرر الأمر.
стр. 764
تفسير قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن)
ثم قال الله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٧ - ١٨]، فهنا الله جل وعلا لما نقم عليهم أنهم جعلوا الملائكة بنات الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ذكر شيئاً لا يرتضونه لأنفسهم ومع ذلك نسبوه إلى ربهم، فحكى عن بعض الطوائف من العرب: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ [الزخرف:١٧]، فهنا ذكرها بالكناية أو بغير التصريح، وصرح بهذه في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨]، الكظيم: هو من يكظم كربه وحزنه، ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [الزخرف:١٧]، وظل هنا بمعنى: صار، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف:١٧]، قال الله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، وهنا نسيح لغوياً في هذه الآية وسنختم بها حلقتنا.
стр. 765
الأصل في التجمل أنه للنساء
﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] يستفاد من هذه الآية أن الأصل في النساء أنهن يتجملن، والأصل في الرجال ألا يتجملوا، فالزينة أليق بربات الحجال وأبعد عن الرجال، قول الله جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ﴾ [الزخرف:١٨] يعني: يربى، ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف:١٨]، أي: في الزينة، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾ [الزخرف:١٨] وهذا قيد في ظني لا بد منه، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، فمتى يكون غير مبين؟ في الخصام، فلا يقدح في المرأة على إطلاقه، لكن المقصود من الآية: أنكم نسبتم إلى الله من لو خاصم بقوله لما غلب فكيف يغلب في الحروب؟ فإذا كان لا ينفع لا في حرب ولا في خصام القولي فكيف تكون هناك منفعة من اتخاذه ولداً؟! ونحن نعلم أن الله غني عن هذا كله لكن نتكلم من باب الفرض الجدلي، فإن الله يخاطبهم على فرضهم الجدلي، فإذا كانت الأنثى جنساً نوعاً لا تقوى على أن تظهر خصومتها القولية فهي من باب أولى لا تظهر ذلك في المخاصمة الحربية العسكرية في ميادين القتال، فإذا كانت لا تجدي نفعاً في دفع ضر ولا أذى عمن تتولاه لا بلسانها ولا بسنانها فلا منفعة إذاً باتخاذها ولداً، فإذا لم تكن هناك منفعة أبداً في اتخاذها ولداً فكيف تنسبونها إلى ربنا ﷻ !؟ فالله منزه عن هذا كله.
стр. 766
عدم إبانة النساء إنما هو في الخصام
نعود فنقول: إن قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] قيد لا بد منه، ونحن نعلم أن في النساء فصيحات بليغات شاعرات، والقرآن لا يمكن أن يخالف الواقع فالواقع أعظم الشهود، وقد قال معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه في حق أم المؤمنين عائشة: إنها كانت فصيحة بليغة، وأنها ما فتحت باباً وشاءت أن تغلقه خطاباً إلا فعلت، ولا أغلقت باباً وشاءت أن تفتحه خطاباً إلا فعلت، ولئن قلنا: إن المرأة لا تبين ولا تفصح ولا تفهم فكيف نقول في الكثير من الأحاديث التي روتها صحابيات عن رسول الله ﷺ ؟ فنجم عن هذا القول وحمل هذه الراية رد كثير من السنة.
لكن نقول: إن التعبير القرآني جاء مقيداً، قال الله جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، وأما في غير خصام فقد يكون مبيناً، فمثلاً أحياناً قد يكون الحديث إن كان هذا من الإفراد أن مسلم رحمة الله تعالى عليه روى في الصحيح: (أن النبي ﷺ قال: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا) إلى آخر الحديث، وهذا الحديث سمعته من النبي ﷺ زينب بنت جحش، وهي زوجة النبي ﷺ ، وزينب أخبرت بهذا الحديث أم حبيبة، وأم حبيبة هي زوجة النبي ﷺ ، وهي بنت أبي سفيان، وأم حبيبة أخبرت به ابنتها حبيبة ربيبة النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ تزوج أمها فأصبحت من ربائبه، وحبيبة أخبرت به زينب بنت أم سلمة التي هي زوج النبي ﷺ .
وزينب أيضاً ربيبة رسول الله ﷺ ، فهذا حديث اجتمع في سنده أربع صحابيات، اثنتان زوجتان للنبي ﷺ وهما أم حبيبة وزينب بنت جحش، واثنتان من ربائب النبي ﷺ وهما حبيبة وزينب بنت أبي سلمة، والأسماء هنا تدور في فلك زينب وحبيبة: زينب بنت جحش وأم حبيبة وحبيبة وزينب بنت أبي سلمة.
فلو قلنا: إن الآية على إطلاقها لوقفنا ضعفاء في قبول هذا الحديث، لكن نقول: إن الله قيد ويجب اعتبار تقييد القرآن، قال الله جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨].
وينجم من هذه الآية فقهياً أن الأصل في زينة النساء الإباحة، إلا ما استثناه الشرع نصاً من زينة النساء فيترك ويجتنب؛ للنهي الشرعي، وما لم يأت فيه نص شرعي فإنه يبقى على أصله، ويؤخذ بعموم هذه الآية وهي قول الله جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨].
جعلنا الله وإياكم ممن إذا خاصم أبان ولا يفجر، فيدافع عن حقه ولا يقع فيما وقع فيه أهل النفاق، هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وفي اللقاء المقبل بإذن الله تعالى نبدأ بقول الله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩].
وصل الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 767
سلسلة محاسن التأويل _ تفسير سورة الزخرف [٣]
ذكر الله تعالى في هذه الآيات الفرية التي افترتها قريش في زعمها أن الملائكة الكرام هم بنات الله تعالى، فتوعدهم الله تعالى بأن فريتهم هذه ستكتب وسيسألون عنها.
ثم ذكر الله عنهم احتجاجهم بالقدر في عبادتهم للأصنام، وتلك الحجة داحضة عقلاً وشرعاً، فلا يصح مطلقاً الاحتجاج بالقدر في الذنوب والمعاصي.
ثم ذكر الله عنهم أنهم تشبثوا بشبهة أخرى وهي اتباع الآباء والأجداد فيما كانوا عليه، فرد الله عليهم ذلك بأن ما جاءهم به الرسول هو أهدى مما كانوا عليه.
стр. 768
تفسير قوله تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فنستأنف في هذا اللقاء المبارك تفسير سورة الزخرف، وكنا قد انتهينا إلى قول الله جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]، والآية التي بعدها شديدة الارتباط بها، قال الله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩].
فكل من نازع الله فهو مغلوب، والله يظهر ضعف عدوه وتناقضه قولاً أو عملاً، وقد زعم القرشيون أمرين: الأمر الأول: زعموا أن الملائكة بنات لله.
والأمر الثاني: ينجم عن هذا أنهم جعلوا الملائكة شركاء لله؛ لأن الابن جزء من والده، قال ﷺ : (إنما فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها)، على هذا جمع هؤلاء القرشيون النقيضين، والنقيضان في قولهم أنهم رفعوا أولاً: الملائكة من مقام العبودية، ولهذا قال الله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف:١٩]، رفعوهم إلى مقام أنهم جعلوهم بنات لله، وجعلوهم شركاء مع الله، وهذا ارتفاع وارتقاء بمقام الملائكة، وفي نفس الوقت جعلوهم بنات! والذكر أفضل من الأنثى، فرفعوهم من وجه ووضعوهم من وجه آخر، وهذه قمة التناقض، قال الله جل وعلا: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف:١٩] الشهادة هنا بمعنى: الحضور، ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩]، وهذا فيه تخويف للناس؛ لأن الله قد علم من غير تدوين شهادتهم أن مآلهم إلى النار، ومع ذلك حاكمهم الله على هذا الأمر.
стр. 769
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم)
стр. 770
إبطال الاحتجاج بالقدر عقلاً ونقلاً
فالكفار جزماً حتى ولو لم يقولوا هذا القول فهم من أهل النار، ومع ذلك قال الله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف:١٩ - ٢١].
فاحتج القرشيون بالقدر، ومن احتج بالقدر يبطل احتجاجه عقلاً ونقلاً، فكل من احتج بدليل عقلي فإنه يلزمه البقاء عليه في كل أحواله، وقد تبين عقلاً أن أي أحد لا يستطيع أن يحتج بالقدر في كل أحواله، فهم يقولون: لو كان هذا الدين حقاً لما شاء الله أن نعبد غيره، قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠]، فاحتجوا بالقدر، فنقول لهم من الناحية العقلية: لو سلمنا لكم بصحة هذا الاحتجاج هل تقبلون به في كل أحوالكم؟ لا يقبلون.
فلا يمكن أن تأتي أعراضهم فتنتهكها، أو أموالهم فتسرقها ويقبلون احتجاجك بأنك انتهكت أعراضهم وسرقت أموالهم بقدر الله، بل سيعاقبونك ويثأرون لأنفسهم، فهذا يبطل به الاحتجاج بالقدر عقلاً.
وأما إبطاله نقلاً فهو في الآية التي بعدها قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف:٢١]، وقطعاً ليس لهم كتاب من قبله، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ:٤٤]، فهذه الآية عظ عليها النواجذ، واعقد عليها خنصرك فسيأتي الحاجة إليها فيما بعد.
стр. 771
تفسير قوله تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية)
لكن الله ساقها لبيان رد دليلهم نقلياً، وهم لا يملكون دليلاً نقلياً ولا دليلاً عقلياً لكن لديهم شبهة، والقرآن إذا حاكم فإنه يحاكم بالتفصيل، والشبهة هي قول الله جل وعلا كما حكاه الله عنهم: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، فشبهتهم التي تمسكوا بها بعد أن أبطل الله احتجاجهم بالقدر هي أنهم وجدوا آباءهم على أمة، وقالوا -كما قال الله-: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، فقال الله: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٣]، إذاً فالاحتجاج بالقدر فيما يبدو خصيصة قرشية، وأما الاحتجاج بأنهم وجدوا آباءهم على أمة فليست خصيصة قرشية وإنما مضت في ملل وأمم وأقوام قبلهم، والدليل عليه أن الله لما حكى احتجاجهم بالقدر لم يقل سبحانه: إنه كان موجوداً في الأمم التي سلفت، ولما ذكر احتجاجهم بأنهم وجدوا آباءهم على أمة قال سبحانه وهو أصدق القائلين: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، فقال كل رسول لأمته: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا﴾ [الزخرف:٢٤] أي: كل أمة لرسولها، ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف:٢٤]، قال الله: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف:٢٥].
стр. 772
النهي عن التبعية بغير علم
والآن نعود للآية من أولها وننيخ المطايا فيما يجمل عنها من فوائد، وأعظم الفوائد فيها: أن الله نهى عن التبعية بغير علم؛ لأن الله قال: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف:٢٤]، وعلى هذا فباب الاجتهاد في الشرع مفتوح ولا يلزم، والناس عندما فتحوا لأنفسهم باب الاجتهاد ظنوا أن الطريقة المثلى إليه هي حفظ المتون، وهذا خط منهجي عظيم، فإن الحفظ وإن كان حسناً إلا أن الذي ينبغي في المجتهد أن يعرف مواضع الأحكام ويفهمها، وأما حفظها فليس له علاقة بالاجتهاد، فإذا كان يسهل عليه أن يعرف موطن الحكم ويفقهه ويفهمه وينزله التنزيل الصحيح فهذا مجتهد، وأما الحفظ فلا علاقة له؛ لأننا لو قلنا: إن الحفظ ركن من أركان الاجتهاد لوصل إلى تلك المنزلة أو إلى نصفها أو قارب منها مئات الحفاظ، وأنت كما ترى كثيراً منهم لا يملك الآلة العلمية، وحسبك مثلاً أن ابنك في المرحلة الدراسية قد يكون في الثانية عشرة من عمره، وحفظ القرآن أو حفظ الصحيحين، ولا يمكن أن يكون قد خطا خطوة واحدة في طريق الاجتهاد، قال الناظم: وموضع الأحكام دون شرط حفظ المتون عند أهل الضبطِ والمعنى: أن يعرف المجتهد موضع الأحكام دون أن يشترط حفظ المتون عند أهل الإتقان والصنعة.
стр. 773
معاني كلمة (أمة) في القرآن
فنجم عن هذا كله أن التقليد والاتباع من غير دليل أمر منبوذ شرعاً كما دل عليه قول الله جل وعلا، ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢]، الأمة هنا هي الطريقة والمسلك الذي يسيرون عليه، والهدي الذي كان عليه آباؤهم، وكلمة أمة جاءت في القرآن على معانٍ عدة، لكن عرفنا المراد هنا من السياق، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود:٨] أي: إلى أجل وزمن، وقال الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾ [القصص:٢٣] أي: جماعة، قال بعضهم: دون الرجال، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]، أي: جماعة، فيدخل فيها الرجال والنساء، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] أي: رجلاً جامعاً لصفات الخير.
стр. 774
بعض الألفاظ المتفقة خطاً والمختلفة معنىً في القرآن
إذاً: فيا من تفسر القرآن ثمة ألفاظ تتفق في أحرفها وتختلف في معناها، وإن كان الجرم الأول لمعناها هنا لكن تأتي لها دلالات، فمثلاً قال الله جل وعلا: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة:٣٠]، وهو أخوه لأبيه وأمه؛ لأن الحديث عن قابيل، وهابيل، وقال الله في هود: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [هود:٥٠] وليس أخاهم لأمهم وأبيهم، لكنه أخوهم في القبيلة، وقال الله ﵎: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] أي: شبيهتها ومثيلتها في الجرم، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، أي: إخوة الدين، وقال الله ﵎: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص:٢٣] أي: شريكي وصاحبي، وقال الله جل وعلا: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٢] أي: أولياؤهم، فاللفظ واحد والمعاني مختلفة.
ومثال أخر كلمة آية، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ﴾ [هود:١٠٣] أي: عضة وعبرة، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم:٢٠] هنا آية بمعنى برهان ودليل، وقال الله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨] أي: البناء الرفيع.
وتأتي آية بمعناها في المصحف، قال الله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل:١٠١].
стр. 775
معنى (آية) اصطلاحاً
ونعرج الآن هنا في علم التفسير على معنى آية في الاصطلاح الشرعي، فقد أخذنا نماذج على آية في المعنى اللغوي فقلنا: تأتي بمعنى عظة، وتأتي بمعنى برهان، وتأتي بمعنى: البناء الرفيع، وتطلق في المصطلح الشرعي على جملة من الكلام ذات مبدأ ولها مطلع ومقطع، مختومة بفاصلة، وموجودة في سورة.
والفاصلة: هي جملة من الكلام تختم به الآية، وهي قرينة القافية في الشعر، واللازمة في السجع، إلا أن الفارق الأعظم أن الفاصلة في القرآن يؤتى بها لمعنىً.
وقد قال أهل صناعة التفسير الذين لديهم حظ في البلاغة: إن الفاصلة سر من أسرار القرآن.
следующие страницы →