← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37456

نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر - ت الرحيلي ط 3

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (205 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

دراسات في المنهج (٩) نُزْهَةُ النَّظَرِ فِي تَوضِيحِ نُخْبَةِ الْفِكَرِ فِي مُصْطَلَحِ أَهْلِ الأَثَرِ للإمام الحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني ٧٧٣ - ٨٥٢ هـ رحمه الله تعالى طبعة مصحَّحة ومنقّحة ومزيدة ويليها: جَمْع أشكال الحديث الضعيف لمحمد بن حسن بن هِمّات الدمشقي، ١٠٩١ هـ - ١١٧٥ هـ تحقيق وتعليق أ. د. عبد الله بن ضيف الله الرحيلي أستاذ في الحديث وعلومه، عضو هيئة التدريس بجامعة طيبة بالمدينة المنورة سابقًا

стр. 2

ح عبدالله بن ضيف الله الرحيلي، ١٤٤٣ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي (نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في توضيح مصطلح أهل الأثر) للإمام ابن حجر، ومعه: (جَمْعُ أشكال الحديث الضعيف)، لمحمد بن حسن بن هِمّات الدمشقي./ أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني؛ محمد بن حسن ابن همات زاده؛ عبد الله بن ضيف الله راجح الرحيلي - ط ٣. - المدينة المنورة، ١٤٤٣ هـ. ٢٦٩ ص؛ ١٧ × ٢٤ سم - (دراسات في المنهج؛ ٩) ردمك: ٨ - ٩٦٤٩ - ٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ ١ - الحديث - مصطلح ٢ - علوم الحديث أ. ابن همات زاده، محمد بن حسن (مؤلف مشارك) ب. الرحيلي، عبد الله بن ضيف الله راجح (محقق) ج. العنوان د. السلسلة ديوي ٢٣١ … ٣٦٩٢/ ١٤٤٣ رقم الإيداع: ٣٦٩٢/ ١٤٤٣ ردمك: ٨ - ٩٦٤٩ - ٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ربيع الأول ١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م الطبعة الثانية ١٤٢٩ هـ-٢٠٠٨ م الطبعة الثالثة ربيع الآخر ١٤٤٣ هـ- نوفمبر ٢٠٢١ م

стр. 3

مُقَدِّمةُ الطبعة الثالثة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، رسول الله محمدٍ وعلى آله وأصحابه والمهتدين بهدْيه إلى يوم الدين. أما بعد: فما كنتُ أُفكّر في إعداد هذه الطبعة الثالثة مِن تحقيقي لـ"نزهة النظر في توضيح نخبة الفِكَرِ في مصطلح أهل الأثر"، للإمام الحافظ ابن حجر، عليه رحمة الله ورضوانه؛ لولا بعض الأسباب، التي اقتضتْ إعدادها؛ وذلك لِمَا كنتُ عليه مِن طمأنينة لطبعتي الثانية له، التي أثنى عليها عددٌ مِن الفضلاء ورشَّحوها على غيرها مِن الطبعات في وقتها، كما هو الشأن، أيضاً، في الطبعة الأُولى. ومما لاحظتُهُ على الطبعة الثانية خللٌ في ضبط بعض الكلمات، وليست كثيرة، ولستُ أدري كيف حصلتْ هذه الأخطاء مخالِفةً لسليقتي العربية! وإني لشديد الحساسية في أَمْر اللغة، فأُراعي الضبطَ وعدمَ اللحْنِ، ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً؛ سواءٌ في الكتاب أو في تعليم الطلاب؛ ولذا أُسجّلُ هنا تعجّبي مِن حصول تلك الأخطاء -لا إعجابي- لكنه مِن دلائل النقْص في البَشَر! وإني أحمَدُ الله تعالى وأشكره أنْ وفقني لإصدار هذه الطبعة الثالثة للنزهة، وما فيها مِن تجديدٍ وتجويد، بقدْر الإمكان، ومراجعةِ أخطائي، ونقْدِ نفسي؛ إذْ ما كان لي أن تفوتني تلك الهِنَات في الطبعة السابقة -على قِلّتها-.

стр. 4

لكن، بفضل الله، قد أضحتْ "النزهة" -في نظري- بهذه الطبعة مجالاً للدرس والنزهة! ومن الجديد في الطبعة الثالثة: ١ - مَزيدٌ مِن المراجعة والتدقيق والإيضاحات، وإصلاح ما كان مِن خللٍ في ضبط الكلمات في الطبعة السابقة، إضافةً إلى بعض التعديلِ وبعض التنسيق للكتاب، والإفادة مِن الملحوظات المفيدة، التي أبداها -مشكوراً- بعض الإخوة الفضلاء، جزاهم الله خيرَ الجزاء. ٢ - إضافةُ مزيدٍ مِن الاستدراكات على بعض كلام الإمام ابن حجر في النزهة وبعض إطلاقاته -مع التقدير والإجلال لهذا الإمام العظيم، ﵀ إضافةً إلى مزيدٍ مِن استجلاء فرائد دِقّتِهِ وروائع تحقيقه، وهو إمامنا المبجّل، سواءٌ وافقْنا رأيه أو خالفناه، والفضل لله أَوّلاً، ثم له ثانياً في كلا الحالين. ٣ - إضافة بعض الحواشي الجديدة. ٤ - مراجعة ترجمته، بشيءٍ مِن التعديلات. ٥ - تجديد قائمة "الاستدراكات" و"التوضيحات"، وفصْلهما عن بعضهما. ٦ - تجديد فهرس المصطلحات؛ تدقيقاً، وتعديلاً، ويَعْلمُ الله كم أَخذ هذا مِن الجهد والوقت، ومعَ ذلك لم يأتِ بالدقة التي أردتُها؛ بسبب كثرة التكرار للمواضعِ التي وردتْ فيها المصطلحات أو الكلمات المتوافقة صورتُها معها، ككلمة " الحديث" تكررت فيها نحو ٢٥٠ مرّةً، لكني قاربتُ ما استطعتُ

стр. 5

إلى ذلك سبيلاً. ولهذا الفهرس أهميةٌ لِمن أراد دراسة النزهة ومراجعة مواضع ورود هذه المصطلحات والكلمات فيها؛ لتأَمُّلها وتَفهّمِها. ٧ - تمييز المواضع الواردة في المتن عن الواردة في الحواشي في أرقام الإحالات في فهرس المصطلحات، وذلك بوضعِ خطٍّ تحت رقم الصفحة المحال إليه، غالباً، إذا كانت واردةً في الحواشي. ٨ - التمييز في فهرس المصطلحات بين مواضع الكلمات الواردة فيها المصطلحات عن الإحالات على مجرّدِ كلماتٍ متّفقة معها في الصورة وهي خارجة عنها، وذلك بتظليل أرقام المواضع التي تتعلق بالمصطلح ولو بأدنى تَعلُّقٍ. ٩ - تحبير ما رأيتُه مهمّاً مِن الفوائد والاستدراكات في الحواشي. ١٠ - التلوين باللون الأحمر لِمواضع، وهي: - بعض العناوين في النزهة، التي كنتُ أضفتُها في حواشيها الجانبية. - بعض عناوين النزهة. - بعض العناوين في الحواشي السفلية. - بداية الاستدراكات التي كتبتُها في الحواشي السفلية. - بداية الفوائد أو التوضيحات في الحواشي السفلية. وذلك إظهاراً لها؛ تيسيراً على القارئ؛ فإذا رأى حاشيةً بادئةً بالأحمر فهي استدراكٌ أو فائدةٌ مهمّة في نظري. وأحمدُ الله وأشكره على جهدٍ بذلتُه في التدقيق والمراجعة وأوقاتٍ بذلتُها، يَستحقها هذا الكتابُ الأساسُ في علوم الحديث، الذي يَعتمِدُ عليه فئامٌ مِن

стр. 6

الطلاب والمتخصصين في مختلَف البلدان. وأشعرُ الآن بالرضا عن هذه الطبعة، وبالسرور بِعرْضها على الراغبين في هذا العلم، بالرغم مِن عدمِ عصمة الإنسان مِن الخطأ والتقصير. وأشكرُ شكراً جزيلاً مَن ساعدني، محتسِباً، في قراءة هذه الطبعة ومراجعتها، اللهم اجعلْ ذلك برَكَةً عليه وعلى والديه وذريّته، وذِخْراً عندك سبحانك. وإنّي لأرجو أنْ أكون وُفّقتُ للصوابِ وإرادةِ وجْه الله تعالى، دُونَ قصْدِ شيءٍ أو أحدٍ سِواه، فيما كتبتُه أو علّقتُه أو استدركتُهُ؛ فهذا عِلمٌ مِن علوم الآخرة، وهذا كتابٌ لإمامٍ قد تقدّمَنا إلى الدار الآخرة. ولهذا؛ أدعو نفسي وغيري لِتذكُّر هذه الحقيقة، والعمل بمقتضاها، وحِفظِ حقوق أئمّتنا، ﵏، في مؤلفاتهم، لا السَّطْو عليها. والأملُ في الله تعالى أنْ يتقبّل هذا العمل في ميزان الحسنات، ويَمحوَ به السيئات، ويَغفر الزلات، وهو السميع العليم. وأسأل الله تعالى أنْ يُحْسِن مثوبةَ مُهْدي هذا الكتاب النفيس، لنا وللدنيا كلِّها، ويرحمه، ويَجزيه عنّا وعن العِلم والدِّين خير الجزاء: الإمامَ ابن حجر. وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين. عبد الله بن ضيف الله الرحيلي ١/ ٣/ ١٤٤٣ هـ عنوان المحقق البريدي Email: ruhaili ٦٥@hotmail.com

стр. 7

مُقَدِّمةُ الطبعة الثانية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، رسول الله محمدٍ وعلى آله وأصحابه والمهتدين بهدْيه إلى يوم الدين. أما بعد: فهذه هي الطبعة الثانية من تحقيق "نزهة النظر في توضيح نخبة الفِكَرِ في مصطلح أهل الأثر"، للإمام الحافظ ابن حجر. والجديد في هذه الطبعة: ١ - مراجعة الكتاب كله مِن جديد. ٢ - قراءة النص الأصل من جديد. ٣ - إثبات بعض الحواشي المثبتة في الأصل بخط المؤلف، التي فاتني إثباتها في الطبعة الأولى. ٤ - إثبات أرقام البدايات لألواح المخطوط الأصل في صفحات الكتاب. ٥ - تصحيح بعض الأخطاء والأوهام القليلة الواقعة في الطبعة الأولى. ٦ - إخراج العناوين التوضيحية التي كنت أضفتها بين معكوفين في صلب الكتاب إلى حواشيه اليمنى واليسرى. ٧ - الإبقاء على ما سبق أن انتهجته من اعتماد حواشي د. نور الدين عتر في طبعته من الكتاب في تراجم الرواة، مختصرةً، لكن مع تصحيح ما ظهر

стр. 8

فيها من بعض الأخطاء. ٨ - حذفت من الكتاب ما سبق أن ألحقته به في الطبعة السابقة من متن النزهة مجرَّداً من التعليقات؛ وذلك لإفراده في كتيبٍ مستقلٍ؛ ابتعاداً عن تضخيم الكتاب. ٩ - أبقيتُ في آخره متن "نخبة الفِكَر". أنا مدينٌ في هذه الطبعة لأخوين فاضلين، أحدهما: عضو هيئة تدريس في إحدى الجامعات، لا أعرفه، كان قد حُكِّم في الكتاب، وأبدى ملحوظاتٍ علمية قيمة، فأفدت مما رأيته منها، جزاه الله خيراً. والآخَر هو الأخ عبد الرحمن بن أحمد الجميزي، الذي أسندتُ إليه مراجعة هذه الطبعة (الثانية)، وَفْق ما اخترتُهُ مِن منهج، جزاه الله خيراً. وإني لأرجو -بعد هذا كله- أن تكون هذه الطبعة أفضل طبعة للكتاب. أسأل الله تعالى أن يتقبل ما بذلناه من جهدٍ مُضْنٍ في إخراج هذه الطبعة، ويجعله عملاً باقياً. وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين. عبد الله بن ضيف الله الرحيلي ١/ ١/ ١٤٢٩ هـ

стр. 9

مُقَدِّمةُ التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أَشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه والمهتدين بهدْيه إلى يوم الدين. أمّا بعد: فبعدَ سنواتٍ قضيتُها مع "نزهة النظر في توضيح نُخْبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر"، للإمام الحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، وبعد أن دَرّستُها لطلاّبي أكثر مِن مرّةٍ = قد خَلَصتُ إلى نتيجةٍ لا أَتردد فيها، وهي أن هذه الرسالة أَعظمُ كتابٍ أُلِّف في علوم الحديث، وأَنفعُهُ ولاسيما في هذا الحجم المختصر، وكذا في تأسيسه لهذا العلم بهذا المنهج. ومِن ثمّ فهي جديرةٌ بالعناية، والتحقيق، والتوضيح، والدّرس، والتدريس. وبعد أن اشتغلتُ فيها، وانشغلتُ بها عدداً مِن السنين، رأيتُ أن أُخرجَها للناس، لعل طالبَ علمٍ ينتفع بها، وأَنْشُرَها بصورةٍ تليق بها؛ فلعل الله يَكتب لي بذلك أَجراً، إنه غفورٌ شكور، . وفيما يلي: - ترجمةٌ موجزةٌ للمؤلف، رحمه الله تعالى. - لمحةٌ عن "النزهة" وميزاتها.

стр. 10

- المآخذ على الطبعات السابقة، وأسباب توجُّهي إلى تحقيق النزهة. - وصْف النسخة الخطّيّة الأصل. - عملي ومنهجي في التحقيق. وقد رتبت عملي على الوجه الآتي: ١ - مَتْن "النزهة" مع التحقيق والتعليق عليه. ٢ - مَتْن "النزهة" مع وضْعِ العناوين عليه (١). ٣ - الاستدراكات على "النزهة". ٤ - فهْرِس المصطلحات الواردة في النزهة. ٥ - مَتْن "نخبة الفِكَرِ". ٦ - فهرس المصادر والمراجع. ٧ - فهرس المحتويات. وأسأل الله تعالى التوفيق والقبول، والتجاوز عن الزلات، إنه هو الغفور الرحيم، لا إله غيره، ولا رب سِواه، ولكنّ الظالمين بربهم يَعْدلون! عبد الله بن ضيف الله الرحيلي ٥/ ٢/ ١٤٢٢ هـ _________ (١) كان هذا في الطبعة الأولى، أما في هذه الطبعة فذهبتُ إلى حذف هذا المتن الخالي من تعليقات التحقيق؛ على أمَلِ طباعته مستقلاً.

стр. 11

ترجمة المؤلف (١) _________ (١) للتوسع في ترجمته يمكن الرجوع إلى المصادر التالية: ١ - رفع الإصر عن قضاة مصر، لابن حجر، ١/ ٨٥ - ٨٨. ٢ - إنباء الغمر بأبناء العمر، له أيضاً، ١/ ٣، ١١٦. ٣ - الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، له أيضاً، ٣/ ٦٤، ١٩١. ٤ - النجوم الزاهرة، لابن تغري بردي، ١٥/ ٣٨٢ - ٣٨٣. ٥ - دليل الشافي على المنهل الصافي، له أيضاً، ١/ ٦٤. ٦ - لحْظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، لابن فهد المكي، ص ٣٢٦. ٧ - الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، للسخاوي، ص ٣ وما بعدها. ٨ - الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، له أيضاً، ٢/ ٣٦. ٩ - حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، للسيوطي، ١/ ٣٦٣. ١٠ - ذيل طبقات الحفاظ، للسيوطي أيضاً، ص ٣٨٠. ١١ - نظم العِقيان في أعيان الأعيان، للسيوطي أيضاً، ص ٤٥ - ٥٢. ١٢ - طبقات الحفاظ، للسيوطي، ص ٥٥٢. ١٣ - مفتاح السعادة ومصباح السيادة، لطاش كبرى زاده، ١/ ٢٣٦. ١٤ - درة الحجال في أسماء الرجال، للمكناسي، ١/ ٦٤. ١٥ - اليواقيت والدرر في شرح نخبة الفكر، للمناوي، ١/ ٣٦ - ٧٠. ١٦ - كشف الظنون، لحاجي خليفة، ١/ ٧. ١٧ - شذرات الذهب، لابن العماد، ٧/ ٢٧٠. ١٨ - البدر الطالع، للشوكاني، ١/ ٨٧. ١٩ - إيضاح المكنون، لإسماعيل باشا، ١/ ١٣. ٢٠ - هدية العارفين، له أيضاً، ١/ ١٢٨ - ١٣٠. ٢١ - الرسالة المستطرفة، للسيد الشريف محمد بن جعفر الكتاني، ص ١٦٢. ٢٢ - فهرس الفهارس، لعبد الحي الكتاني، ١/ ٣٢١ - ٢٢٧. ٢٣ - معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، ٢/ ٢٠ - ٢٢. ٢٤ - ترجمة الدكتور نور الدين عتر له في تحقيقه للنزهة، في أوّلها.

стр. 12

لعلّ أوضَحَ وأقوى وأصْدَقَ ما يُعَرِّف بالإنسان: سِيرته، وأخلاقه، وأعماله، وعلومه، وما تَرَكَ بعده مِن إرثٍ. وهذا هو الشأن بالنسبة للإمام ابن حجر؛ فإنّ سيرتَه وصفاتِه، وعلومَه ومؤلفاتِه، وجَلِيلَ أعماله، كلها تشهَد له بأنه الإمام الإمام (التكرار مقصود) حقّاً في كلّ فنّ في باب القول والفعل؛ وتَشهدُ أنّ ذلك كله أَبْلغُ مِن مدْحِ كل مادحٍ له. لكن لا مانع مِن المرور على بعض الفقرات الموجزة في التعريف به، رحمه الله تعالى. نسبه: هو شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني الأصل، المصري المولد والمنشأ، نزيل القاهرة، عُرِف بـ"ابن حجر" -وهو لقبٌ لبعض آبائه-. مولده: ولد في مصر، وذلك في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبع مئة (٧٧٣ هـ)، على شاطئ نيل مصر القديمة، ومات أبوه وأمّه وهو طفل؛ فنشأ يتيماً.

стр. 13

حفظه القرآن الكريم: وحفظ القرآن الكريم، وله تسع سنين، فكان له ذكاءٌ نادر، وحفظٌ كامل، وسرعةُ بديهة، فحفظ "الحاوي" و"مختصر ابن الحاجب"، وغيرهما. رحلاته: سافر إلى مكة المكرّمة فسمع بها، ثم حُبّب إليه الحديث الشريف فاشتغل بطلبه على يد كبار شيوخه في البلاد الحجازية، والشامية، والمصرية، ولا سيّما الحافظ العراقي، وتفقه على البلقيني، وابن الملقّن، وغيرهما، فأذِنوا له بالتدريس والإفتاء. وأخذَ اللغة عن المجد الفيروز آبادي، وقرأ بعض القرآن بالسبع على التنوخي، وجدّ في الفنون حتى بلغ فيها الغاية، ثم تصدى لنشر الحديث الشريف، وعكف عليه مطالعةً، وقراءةً، وتدريساً، وتصنيفاً. مصنّفاته وتأَلُّقُهُ في العِلم والفضائل: بقِيتُ مدةً في بحرِ الإمام ابن حجر، عليه رحمة الله ورضوانه؛ فاقتطفتُ منه أو استنطقْتُهُ -مِن خلال الاكتحال بسيرته وعلومه وتحقيقاته- مِن الفضائل والفرادةِ في عالَم السموّ والتميز والزكاء والذكاء ما يُرْوِي العقل والقلب ما حَيِيتُ! يا لها مِن فوائدَ فرائد فهل مِن مُريدٍ أو رائد! أغرقَني هذا الإمام بفضائله المحيِّرة لِمَن بعدَه؛ وبباهرِ عِلْمه وسموِّ عقله؛ فأسَرَني بشدّةٍ، اللهم أسكنْه الفردوس الأعلى وشفّعْه فينا.

стр. 14

ولو سَرّحْتَ الطرفَ في عِلم ابن حجر ومؤلفاته؛ فإنه سيُدهِشُك، وستُدْرِكُ أنه أَسْهَمَ في مختَلَفِ مجالات العلم، فقدْ: ١ - أَلّف أكثرَ مِن ١٥٠ مؤلَّفٍ. بعضها عشرون مجلداً، وبعضها أكثر وبعضها أقلّ، ومؤلفاته الصغيرة الحجم لا تَقِلُّ عظَمةً عن مؤلفاته الضخمة، وخُذْ مثلاً: هذه "نزهة النظر شرْح نُخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر"، وانظر كيف شَغَلت الدنيا مِن عصره إلى يومنا هذا؛ درساً وتدريساً، وشرحاً واختصاراً، ونظماً ونثراً؛ حتى كانت مخطوطاتُها تَعِزُّ على الحصْر، قبل أَعدادِ نُسَخِ طبْعها ونشرها! فما بالُك بموسوعاته الكبيرة! ٢ - استدرَكَ على مؤلفاتِ غيره في عددٍ مِن الكتب التي أَلَّفها للاستدراكِ على مؤلفيها بتصحيح معلومةٍ، أو إضافةِ معلومةٍ فاتْت مؤلِّف الكتاب، فكانت بعضُ هذه الكتب التي أَلّفها استدراكاً على مؤلفيها قد زاد حجمها على الكتاب المستدْرَك عليه إلى الضِّعف أو أكثر أو أقلّ! والعَظَمة حقّاً حين يكون الكتاب المستدرَك عليه موسوعةً، ومع ذلك يَخوض في بحرها ويَستدرِك عِلماً كبيراً، ككتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، إذ هذّبه في كتابه "تهذيب التهذيب"، فحذَف منه، وزاد عليه فجاء التهذيب قَدْرَ ثُلِث أصله بالرغم مِن كثرة زياداته عليه! ٣ - رتّب عدداً مِن مؤلفات غيره، فأعاد ترتيبها على نَسَقٍ أفضل. ٤ - خرّج أحاديث عددٍ مِن مؤلفاتِ غيره. ٥ - خرّج طُرُقَ عددٍ مِن الأحاديث، أَفردَ كلَّ حديثٍ منها بكتاب. ٦ - لخّصَ عدداً مِن المؤلفات.

стр. 15

٧ - عَقَد مجالِسَ لإملاء الحديث الشريف بلغتْ أكثرَ مِن ألف مجلس. وقد استغرقتْ أسماءُ مؤلفاته كراسةً جمَعَها فيها! ولا نُحصي روائعه، ﵀. لقد أَطَلْنا الرُّقاد، وما عانَيْنا في العِلم السُّهاد؛ فأبْعَدْنا عن سَنَنِ القوم، وآثرنا البطالة والنوم؛ فاستيْقِظوا يا قوم! حقّاً، إنّ الإمام ابن حجر إمامٌ فريدٌ في مختلَف الفنون: في الحديث وفنون علومه، والقرآن وعلومه، والفقه وأُصوله، واللغة والأدب … إلخ. ولا أُبالغ إذا قلتُ: إنّ الإمام ابن حجر مجموعُ أئمةٍ في إمامٍ واحدٍ، ثم هو، مع هذا، متواضعٌ، مُزْدَرٍ لنفسه، مُستَقلٌّ لأعماله وكُتبه، فيا لَعظَمةِ الرجل الرجل (التكرار مقصود)، وما أظنّ أنّ هذا الرجل سيتكرر في عالمِ الوجود، وإنْ تكرّر العُظماء! قد زادت مصنّفاته على خمسين ومئةِ مصَنَّفٍ، وقلّ فنٌّ مِن فنون الحديث إلا وله فيه مؤلَّف أو مؤلفات، ومِن أشهرِ تلك المصنفات: ١ - الإصابة في أسماء الصحابة. ٢ - تهذيب التهذيب. ٣ - تقريب التهذيب. ٤ - تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة. ٥ - نخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر. ٦ - نزهة النظر في توضيح نخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر. ٧ - بلوغ المرام مِن أدلة الأحكام. ٨ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري.

стр. 16

٩ - تغليق التعليق. ١٠ - الدُّرَر الكامنة في أعيان المئة الثامنة. ولو لم يكن له إلا كتابه "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" لكفاه أجراً وفخراً ودلالةً على رفيعِ رُتْبتِه في الحديث وعلومه، وفي مختلف فنون العلم، ودلالةً على جلالة قدره في الفهم والتحقيق والتواضع، والحلم، والورع، وسائر الصفات الحميدة. ولو لم يكن له إلا "نزهة النظر" لكفاه سبقاً وشرفاً في هذا الفن. يقول تلميذه الإمام السخاوي (١): " … فمِن تصانيفه ما كمُل قبل الممات، ومنها ما بقي في المسوَّدات، ومنها ما شرعَ فيه فكاد، ومنها ما شطر، ومنها ما صَلُحَ أنْ يدخُل تحت الإعداد. وهذا إيرادها على ترتيبٍ اخترتُه، وتقريبٍ ابتكرتُه، وقد جمع هو أسماء معظمها في كراسة افتتحها على سبيل التَّواضع والهضم لنفسه بقوله: وأكثر ذلك -يعني تصانيفه- مما لا يساوي نُسخةً لغيره، لكن جرى القلمُ بذلك". وانظر إلى ما وصَلَ إليه مِن تواضعٍ وتجرُّدٍ، يَحكيه عنه الإمام السخاوي: "وقد سمعتُه يقول: لستُ راضيًا عَنْ شيءٍ منْ تصانيفي، لأني عملتها في ابتداء الأمر، ثم لم يتهيَّأ لي مَنْ يحرِّرُها معي، سوى "شرح البخاري"، و"مقدمته"، و"المشتبه"، و"التهذيب"، و"لسان الميزان". بل كان يقول فيه: لو استقبلتُ مِنْ _________ (١) الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، للسخاوي، المتوفى ٩٠٢ هـ، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م، ٢/ ٦٥٩.

стр. 17

أمري ما استدبرتُ، لم أتقيّد بالذَّهبي، ولجعلته كتابًا مبتكرًا، بل رأيتُه في موضع أثنى على "شرح البخاري" و"التغليق" و"النُّخبة"، ثم قال: وأمَّا سائر المجموعات، فهي كثيرةُ العَدد، واهيةُ العُدَد، ضعيفةُ القُوى، ظامئة الرُّوى، ولكنها كما قال بعضُ الحفَّاظ مِنْ أهل المئة الخامسة (١): وفي هذا منتهى العَجَب مِن تواضعه وزهْده وورعه؛ فبسببِ ذلك كله تراه يُصرّح برضاه عن خمسةٍ مِن مؤلفاته المئة والخمسين! وهنا أقول: قد رأيتُ نَقْل الإمام ابن حجر ذاك الثناء على الخطيب البغدادي ومؤلفاته، رحمهما الله، فقلتُ: وما أَوْلى الإمامَ ابن حجرٍ، عليه رحمة الله، بهذا الوصْف! وإنْ لم يَذْكر نفسَهُ؛ فهو قَلَّ فنٌّ مِن فنون علوم الحديث إلا أَلّفَ فيه مؤلَفاً، أو مؤلفاتٍ، في غايةِ الدقةِ والتحقيقِ، ولئن قيل بأنّ الإمام الخطيب، ﵀، مات عن نَيّفٍ وخمسين كتاباً، فإنّ ابن حجر قد مات عن أكثرَ مِن خمسين ومئةِ كتابٍ، عددٌ قليلٌ منها بمجلداته الكبيرة يُساوي -مِن حيث الكمّ- ما يُقارِب حجمَ مؤلفاتِ الخطيب كلها، أو يزيد عليها، باستثناء كتاب الخطيب "تاريخ بغداد". وقد أَصبح الناس عِيالاً على كُتب ابن حجر؛ بحيث لا يُمْكن لأحدٍ أن يتخصص في هذا الفن ويَستغني عن مؤلفاته! وفي كلٍّ منهما خيرٌ وفضْل، أَحسَنَ الله إليهما. _________ (١) هو الحافظ أبو بكرٍ البرقاني، -٤٢٥ هـ، ﵀.

стр. 18

وقد نَقَل ابن حجر هذه المقولة في الإشادة بالخطيب البغدادي، ولعله حين نقَل ذلك كان هو أَوْلى بها، لكنه لم يَذْكر نفسَه بقليلٍ أو كثيرٍ مِن ذلك، بل أَخبَر تلميذَه أو تلاميذَه أنه ليس راضياً كل الرضا إلا عن نحو خمسةٍ مِن مؤلفاته؛ فهذه عظَمَةٌ فريدة! ومعَ هذا كله فلا تنافيَ ولا تَعارُض بين إمامةِ كلٍّ منهما بهذا التفرّد، كلٌّ منهما في زمانه، ولا مانع مِن تجَدُّد هذه الإمامة والعَظَمَة في تاريخ الإسلام كله في مختلف مراحله وأحواله مِن قبْلِ ابن حجر ومِن بَعْده؛ إذ الإسلام ولاّدٌ للعلماء العظماء الأفذاذ، والحمد لله رب العالمين. إنّ مِن خصائصِ الإمام ابن حجر أنه اجتمع فيه -كما ترى- عظَمَةُ الزهد، وزُهْد العَظَمة! قال السخاوي في (الجواهر والدرر .. ): " … التَمَسَ منه صاحبُنا الشيخُ شهاب الدين البيجوري قراءةَ شيءٍ مِنْ كتبه عليه، فقال له -على سبيل التواضع- أيضًا: قُصارى أمري أنْ أتفرّغ للقيام بما يُقال: إنَّني أعرفُه، وهو الحديث". إنك إذا تأملتَ وَجدتَ أنّ أولئك هم الناس، ونحن مجرّدُ أَشكالٍ فيها ألْفُ إِشكال! نظرتُ إلى الإمام ابن حجر وإلى نفسي؛ فإذا أنا عند الإمام ابن حجر بمثابة حَجَر! ألا ما أعظَمَ إحسان الإمام ابن حجرٍ إلينا بعلومه وسِيرته! اللهم قدّرْني وقدّرْ عبادك على شيء في مكافأة هذا الإمام، وهكذا الأمرُ بالنسبة لسائرِ أئمّة الإسلام العِظام. إنّ مَن يَعشْ مع هذا الإمام وعلومه وتحقيقاته وفوائده، حياتَهُ كلها، يَسْعدْ

стр. 19

ويُسْعِدْ، ويَغرَقْ في بحْرِ لَطائفه، رحمه الله تعالى؛ وحينئذٍ سيُدرِك أنّ الله أكرمَهُ بالانشغال بهذا عن رديء الأشغال! إنّ مَن يَعيشُ مع العلماء يتعلّم! ومَن يَعيشُ مع العقلاء يَعْقِل! ومَن يَعيشُ مع الأذكياء يَقتَبِس مِن ذكائهم! بَعثْتُ برسالةٍ إلى فاضلٍ يَشكو -شفاه الله- فقلتُ: هذه لطيفةٌ لم أنتَهِ منها، أُعاجِلُك بها، أو أُعالِجُك بها! وهي أبياتُ شِعْر قالها الإمام ابن حجر بشأن مَجالِسَ كان قد عَقَدها لإملاء الحديث الشريف، بلَغتْ أكثرَ مِن ألف مجلس! يا لَلعَظَمة! وختْماً لهذا الكلام والاحترام والتبجيل للإمام ابن حجر، أُشيرُ إلى أنّ هذا كله لا يَمْنع مِن واجب التمحيص والنقد في تَلقِّي العلم، بل الواجب فحْص مسائل العلم؛ تحاشياً لتصحيفٍ، أو تحريفٍ، أو خطأٍ أو سهْوٍ، طالما أنه لا عِصمةَ إلا لرسول الله ﷺ . ولأجلِ ذلك استدْرَكتُ ما استدركتُه مِن المسائل على إمامنا ابن حجر مما تراه في حواشي هذه الطبعة، بالرغم مِن اعترافي بجهلي، وأني لا أصلُح أن أكونَ تلميذاً عنده، لكنه واجبُ النُّصح وحُبِّ الخير لنفسي ولغيري ولهذا الإمام العظيم. وإنّي لأرجو الله سبحانه أن يَجعلَ ثواب هذا العمل أوّلَ ما يكون في ميزان حسناته، ﵀؛ فهو الذي أَلّفَ وهو الذي حقّق ودَقّق مِن قبلنا، وهو الذي أسَدى إلينا هذا العلم وهذا المعروف.

стр. 20

وفاته: تُوُفِّي ابن حجر بعد عشاء ليلة السبت ثامن ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ، رحمه الله تعالى، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير ما يَجزي به عباده الصالحين مِن العلماء العاملين. مكانته في هذا العلم: الإمام الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى، لم يكن في "نزهة النظر" مجرّد ناقل، وإنما كان ناقلاً ناقداً؛ فَيَنْقُل ويَقْبل ويَرُدّ؛ وكان يَرُدّ بالحجة والبرهان، وكم مِن رأيٍ فنّده، وكم مِن قائلٍ بَدَا قوله تحقيقاً فَكَشف ابن حَجر عن أسباب ضعفه! وكان الحافظ مثالاً للأدب والخُلُق الإسلامي في ردّه على العلماء ومناقشته لآرائهم، فكان يوجز في بيان خطأِ المخطئ، ويُعَبِّرُ عن ذلك بعبارةٍ لطيفة، وفي "النزهة" أمثلةٌ لهذا بإمكان القارئ ملاحظتها. ولم يكن ابن حجر مقلِّداً، وإنما كان إماماً مجتهداً، وكان في اجتهاده إماماً محقِّقاً، فتميزتْ آراؤه بالدقة والابتكار في كثير مِن الأحيان. ولعلّ "النزهة" مِن أوضح الأمثلة الدالة على صفات الإمام ابن حجر العلمية هذه؛ إذْ جاءت "النزهة": مختصرةً، شاملةً، مبتكرةً في طريقةِ عرْضها لعلوم الحديث وتقسيمات علوم الحديث عند المحدِّثين، كما أنها قد عُنِي فيها بالتحقيق والترجيح العلميّ الرصين في مختلَف مسائل هذا العلم. وكان ابن حجر واسع الاطّلاع، صاحب باعٍ طويل في المشاركة في مختلف أنواع علوم الحديث، ومِن الأدلة على هذا: أنه قَلَّ أنْ يَذْكر في

стр. 21

"النزهة" فَنّاً مِن فنون علوم الحديث إلا ويَذْكر أنه قد كَتَبَ فيه. وأُورِد فيما يلي المواضِع مِن "النزهة" التي أشار فيها إلى مؤلفاته فيما يَذْكره مِن العلوم؛ لِيَرى القارئ الكريم أنّ القضية ليست قضيةَ دعوى، وإنما هي حقيقةٌ رائعة تَشْهد لهذا الإمام بأنه حقّاً إمام! وبذلك يتبين، أيضاً، كم استدرَك الإمام ابن حجر على غيره، وكم ألَّف، وكم عمِلَ على مصنّفاتِ غيره مِن الأئمة. إسهاماته في علوم الحديث مِن خلال إشاراته إليها في "النزهة": سأترك ابنَ حجر يُحَدِّثك عن ذلك-بطريقةٍ غير مباشرةٍ -مِن خلال "النزهة"، وذلك فيما يلي: يتضح مِن "النزهة" أن ابن حجر أَلّف مؤلفاتٍ كثيرةً، كما حقَّق تحقيقات علمية كثيرة في عددٍ مِن المصطلحات والآراء، وضَمّن "النزهة" الإشارةَ إلى عددٍ مِن ذلك؛ حيث أوضح أنه ألّف: ١ - "نخبة الفِكَر" التي ذَكَر في مقدّمتها وفي مقدّمة "نزهة النظر"، أنها تلخيصٌ للمهمّ مِن علوم الحديث، بعد إشارته إلى كثرة المصنّفات في علوم الحديث. ٢ - "نزهة النظر في توضيح نُخْبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر"، التي شَرح فيها النخبة. فقال في مقدمة النزهة: "فسألني بعض الإخوان أن أُلَخِّصَ له المهم من ذلك، فلخصته في أوراقٍ لطيفةٍ، سَمّيتها: "نُخْبَةَ الْفِكَرِ في مصطلحِ أهلِ الأثرِ"، على ترتيبٍ ابتكَرْتُهُ، وسبيلٍ انْتَهَجْتُهُ، مع ما ضَمَمْتُ إليه من شوارِد الفرائدِ، وزوائدِ الفوائدِ. فَرَغِبَ

стр. 22

إليَّ، ثانياً، أنْ أضَعَ عليها شرحاً يَحُلُّ رموزَها، ويفتحُ كنوزَها، ويوضِّح ما خَفِيَ على المبتدئ مِن ذلك، فأجبتُهُ إلى سؤاله؛ رجاءَ الاندراج في تلك المسالِك، فبالغتُ -في شرحها- في الإيضاح والتوجيه، ونَبَّهتُ على خفايا زواياها؛ لأنّ صاحبَ البيتِ أدرى بما فيه، وظهر لي أنّ إيرادَهُ على صورةِ الْبَسْطِ أَلْيَقُ، ودمْجَها ضِمْن توضيحها أوفقُ، فسلكتُ هذه الطريقةَ القليلةَ السالكِ". ٣ - وقال في حديثه عن الحديث المعلَّق: "وقد أوضَحْتُ أمثلةَ ذلك في النُّكَتِ على ابن الصلاح". ٤ - وقال في موضعٍ: "وقد صَنَّفَ الخطيب في المدْرَج كتاباً، ولَخَّصْتُهُ، وزدتُ عليه قدْرَ ما ذَكَر مرتين، أو أكثر، ولله الحمد". ٥ - وقال في موضعٍ في حديثه عن مُشْتبه النسبة: "وقد يَسَّر الله تعالى بتوضيحه في كتاب سَمَّيتُه "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه"، وهو مجلدٌ واحدٌ؛ فضبطتُه بالحروف على الطريقة المرْضِيَّة، وزدت عليه شيئاً كثيراً مما أهمله، أو لم يقف عليه، ولله الحمد على ذلك". ٦ - وقال في موضعٍ في حديثه عن المصنَّفات في التراجم: "ورجال الستة: الصحيحين، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، لعبد الغني المقدسي في كتابه "الكمال"، ثم هذَّبه المِزِّيُّ في "تهذيب الكمال"، وقد لَخّصتُه، وزِدتُ عليه أشياءَ كثيرة وسميته "تهذيب التهذيب"، وجاءَ مع ما اشتمل عليه مِن الزيادات، قَدْرَ ثلثِ الأصلِ". ٧ - وقال في موضعٍ في حديثه عن الصحابة: "وقد حَرَّرْتُ ذلك في كتابي في الصحابة".

стр. 23

٨ - وقال في موضعٍ: "وقد صَنَّفَ الخطيب في روايةِ الآباء عن الأبناء تصنيفاً، .. وبَيَّنَ ذلك وحقَّقَهُ، وخَرّج في كل ترجمةٍ حديثاً مِن مَرْوِيِّهِ، وقد لخّصْتُ كتابَهُ المذكورَ وزِدْتُ عليه تَرَاجِمَ كثيرةً جِدّاً". ٩ - وقال في موضعٍ في كلامه عن المتَّفِقُ والْمُفْتَرِقُ: "وفائدة معرفته: خشيةُ أن يُظَنَّ الشخصانِ شخصاً واحداً، وقد صَنَّفَ فيه الخطيب كتاباً حافلاً، وقد لَخَّصتُه وزدتُ عليه شيئاً كثيراً". أرأيتَ كم أسهمَ ابن حجر وكم حَقَّق! على أنّ هذه مجرّد إشارات عابرة، وَرَدتْ في النزهة، وليست حصراً لأعماله؛ إذْ لم يَذْكر إلا النزر اليسير مِن مؤلفاته الكثيرة التي عَمَر بها المكتبة الحديثية في مختلف فنون هذا العلم! وقد تركتُ تتَبُّع الْمَواطِن في "النزهة" التي حقَّق فيها تحقيقاتٍ علمية، ووضَّح فيها بعض المصطلحات، أو الآراء. وبإمكان القارئ أن يَلحَظها مِن خلال قراءته لـ"النزهة"؛ لِيَشْعُرَ حقّاً أنه في نزهة! لَمْحةٌ عن "نزهة النظر" ومميزاتها: مميزاتها: لنزهة النظر هذه محاسن -بحيث أصبحت اسماً مطابقاً لِمُسَمَّاهُ- ومنها ما يلي: ١ - شمولية هذه الرسالة لمختلَف أنواع علوم الحديث. ٢ - الطريقة التي اتّبعها المؤلف ﵀ في عرضه لأنواع علوم الحديث هذه، حيث أوردها على طريقةِ الاستقراء والتتبع، وهي طريقةٌ عقليّة منطقيّة

стр. 24

مبتكَرةٌ في طَرْق هذا العلم، و"تحاشي المآخِذ التي وردت على المؤلفين السابقين، بأنهم لم يتّبعوا نظاماً معيَّناً في تصنيف كتبهم وترتيب أنواع الحديث فيها، فجاء هذا الكتاب بطريقةِ السبر والتقسيم؛ ليلتزم نظاماً دقيقاً، يستوعب كل مجموعةٍ مِن علوم الحديث في ظلِّ قسمٍ واحد يجمعها في موضع واحد" (١). ٣ - ما اشتملت عليه من تحقيقاتٍ علميةٍ رصينة لا توجد في سِواها من مؤلفات هذا الفن، و"تمحيص المسائل المختلَف فيها، والقضايا الشائكة، واستخراج زبدة التحقيق فيها، وذلك كثير في هذا الكتاب على إيجازه واختصاره" (٢). ٤ - مجيئها مختصرةً. فجمعتْ بين: الابتكار، والتحقيق، والاختصار. ولهذا فإنني لا أتردد في القول بأنّ "نزهة النظر" هي أَجلُّ كتاب في علوم الحديث وأنفعه في حجمها ومنهجها. تاريخ تأليف "نزهة النظر ": فرَغ المؤلف ﵀ من تأليفها سنة ٨١٨ هـ بطلب جماعة من طلاب الحديث، منهم شمس الدين الزركشي، أَيْ: أنّ تأليفها جاء بعْد نُضْجه العلميّ. وكان قد أَلّف أصلها (نُخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر)، وهو مسافر، في سنة _________ (١) مقدمة د. عتر، لطبعته للنزهة، ص ٢١. (٢) مقدمة د. عتر، لطبعته للنزهة، ص ٢١.

стр. 25

٨١٢ هـ (١)، أيْ وعُمُره نحو ٣٩ سنةً!. ولكلٍّ مِن نزهة النظر، وأصلها: نُخبة الفِكَر شروح ومختصرات، وشروح لبعض تلك المختصرات، ونظْمٌ لهما، وشروح للنظم، وهي مؤلفات كثيرةٌ جِدّاً، تدلّ على أهمية هاتين الرسالتين، وعلى مكانتهما عند علماء هذا الفن، وعلى قبولهم لهما إلى هذا الحدّ. ولا داعي للإطالة بذكْر تلك المؤلفات؛ إذْ مِن السهل على مَن أرادها أن يَرجِع إليها في مظانها. طبعات "النزهة ": من الطبعات السابقة للنزهة ما يلي: ١ - طبعة، بتعليق وشرح صلاح محمد عويضة، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ-١٩٨٩ م. ٢ - طبعة، بتعليق د. نور الدين عتر، بيروت، دار الخير، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ-١٩٩٢ م، ثم أصْدَر طبعةً ثالثةً ١٤٢١ هـ-٢٠٠٠ م، واضحٌ أنه بَذل فيها جهداً ونقّح الطبعة الثانية. لكني لم أتتبّع مواطِنَ ذلك إلا في مواضع يسيرة. ٣ - النكت على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، بقلم علي بن حسن الحلبي، دار ابن الجوزي، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ. ٤ - طبعة بتحقيق عبد الكريم الفضيلي، القاهرة، الدار الثقافية للنشر، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ- ١٩٩٨ م. ٥ - طبعة بتحقيق حَمدي الدِّمرداش، مكة المكرمة، مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ-٢٠٠٠ م. _________ (١) يُنظر: "تسهيل شرح نخبة الفِكَر"، لمحمد أنور البدخشاني، ص ٧.

стр. 26

وسِواها مِن الطبعات. جزى الله خيراً كلّ مَن بَذل جهداً في تقديم هذا العلم للناس مبتغياً وجهه تعالى. المآخذ على الطبعات السابقة وأسباب توجُّهي إلى تحقيق النزهة: تلك الطبعات وسِواها -مما اطّلعتُ عليه- طبعاتٌ لا تَخلو مِن مآخذ عليها؛ إذْ يكثر فيها عدم التدقيق في مقابلة النسخ المخطوطة، وعدم الدقة في قراءة المخطوطة، وإهمال علامات الترقيم، أو التقصير في استخدامها في مواضعها، وكثرة الأخطاء المطبعية، وهي تتفاوت فيما بينها في نسبة هذه المآخذ. إلا أن أمثل وأجود ما اطّلعتُ عليه مِن طبعات النزهة هو طبعة د. نور الدين عتر، جزاه الله خيراً؛ وذلك لكونها اعتمَدَ فيها مخطوطةَ الظاهرية، وهي نسخةٌ صحيحةٌ فريدة-وهي النسخة التي اعتمدتُها في تحقيقي-. وكنتُ قد عَمِلتُ على تحقيق النزهة وقابلتُها على مخطوطاتٍ متعددة؛ فلمّا رأيت طبعة د. نور الدين عتر الثانية، توقّفت عن العمل، وسُررتُ بها، وقلتُ: الحمد لله قد كُفِيتُ المهمة، فلمّا قرأتها؛ للتأكد، تبيّن لي أن هذا العمل -على جودته- لا يُغني عما أردتُ؛ فلا بدّ مِن المضيّ في عملي؛ وذلك للأسباب الآتية: ١ - لبعض الملحوظات على طبعة عتر الثانية، التي تتمثل في بعض الأخطاء المطبعية، وبعض الأخطاء في ضبط بعض الكلمات القليلة، وقلة العناية بعلامات الترقيم، ولإخراجها في الطباعة على طريقةٍ تختلف عن الطريقة التي أتوخّاها في طبعتي، إضافةً إلى بعض المواضع التي كان ينبغي التعليق عليها، في نظري. ولعله تلافى كثيراً مِن ذلك في طبعتِهِ الثالثة. ٢ - لرغبتي في توضيح بعض النقاط في النزهة، أو الإشادة ببعض الآراء المحققة

стр. 27

تحقيقاً فريداً لدى الإمام ابن حجر في النزهة، إضافةً إلى بعض المواضع التي رَغِبتُ في استدراكها، والتعليق عليها؛ لبيان الرأي الصائب، مِن وجْهةِ نظري؛ وذلك إعمالاً لمنهج إمامنا الإمام ابن حجر، رحمه الله تعالى، ألا وهو منهج البحث عن الحق بصدقٍ وتجرُّدٍ؛ إذ ليس المهم الأشخاص والأسماء، وإنما أن يَرتفع العمل إلى السماء. لكنني بعد أن وصلتني نسخة الظاهرية عدّلتُ مِن خطتي في مقابلة النسخ الخطّية؛ حيث رجعتُ فحذفتُ كلَّ الحواشي التي وضعتُها لبيان فوارق ثلاث نُسَخٍ مخطوطةٍ محفوظةٍ بمكتبة الملك عبد العزيز، بالمدينة المنورة، كنت قد قابلتُها ببعض، فرأيت -بعد أن انتهيت مِن تلك المقابلة- التوقفَ عن نشْر الكتاب؛ لِمَا ظهر لي مِن سَقَم تلك النسخ، وكثرة الأخطاء الواضحة فيها، الأمر الذي يَقتضي عدم إشغال الناس بها، وبعْد الاطّلاع على هذه النسخة المخطوطة تأكّد صواب هذا الرأي، ولاسيما أنّ الله قد أغنانا عن هذه النسخ، وأن الحواشي وصلتْ بسبب المقابلة على تلك النسخ إلى نحو ٢٢٤ حاشية، في فوارق النسخ فقط!. فحذفتُ هذه الحواشي إلا أشياء قليلة أو نادرة أبقيتها. ومِن ثَمَّ اعتمدت على النسخة الأصل التي أغنانا الله بها عن سِواها، وله الحمد والشكر، "ومَنْ قَصَدَ البحرَ استقلَّ السَّواقيا". ويَعْلم الله أنني كنت أبحث عن تلك الطبعات مؤمِّلاً أن أَجِد فيها ما يُغني عن طباعتها مِن جديد، لكنني لم أَجِد بُغْيَتِي؛ فعند ذلك تأكدتْ عزيمتي، وجزى الله كلّ مَن أَسْهم في إيصال الخير وهذا العلم إلى الناس، ولستُ متنقِّصاً جُهدَ أَحدٍ سبقني في هذا الباب، وإنما هو البحث عن الحقيقة، وما مِن شكٍّ

стр. 28

عندي في أن الأصل هو أن الذين سَعوا في إخراج الطبعات السابقة للكتاب قد قصدوا النفع، وبَذلوا الوسْعَ، لكنني أقول: لم أرَ طبعةً يُمْكن الاعتماد عليها تماماً، وإن كانت طبعة د. نور الدين عتر قد قاربتْ، جزاه الله خيراً. والله هو الموفق. وصف النسخة الْخَطِّيَّة الأصل: اعتمَدتُ في التحقيق على النسخة الخطِّيَّة المحفوظة بدار الكتب الظاهرية، برقم ٤٨٩٥، (مكتبة الأسد الوطنية، حالياً أو عند كتابتي هذه السطور)، وهي النسخة التي اعتمد عليها د. نور الدين عتر في طبعته للنزهة. وقد وَصَفَ د. نور الدين عتر هذه النسخة، في تقديمه لطبعته، فقال: ((المخطوطة المحفوظة في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم ٤٨٩٥، وعدد أوراقها ٣١ ورقة، أسطر صفحاتها ٢٠ سطراً أو ١٨، بخط نسخ واضح جيد، ثبت عنوان الكتاب على ظهر الورقة الأولى هكذا "كتاب نزهة النظر في توضيح نخبة الفِكر في مصطلح أهل الأثر". وهكذا ثبت العنوان بهذا اللفظ في كل المخطوطات الصحيحة التي وقفنا عليها من هذا الكتاب، مما يدل على أن ما زُعِمَ محققاً من الطبَعات الموجودة الآن ليس مُحققاً. وقد أُدمج المتن مع الشرح في هذه النسخة لم يُمَيَّزْ عنه بشيء إطلاقاً، وكُتبت على حواشيها تعليقات لبعض العلماء، وهذه النسخة قد كتبتْ في آخر عهد المؤلف، وقُرِئَتْ عليه قراءةَ بحثٍ وأثبت خطه عليها بذلك في مواضع كثيرة تبلغ خمساً وعشرين، بل أثبت خطه مرتين على الصفحة الواحدة في بعض الأحيان.

стр. 29

وجاء في آخرها بخط الناسخ نفسه ما يلي: "علق ذلك لنفسه الفقير المذنب العاصي أحمد بن محمد بن الأخصاصي الشافعي، اللهم أحسن إليه ولوالديه ولجميع المسلمين، ووافق الفراغ من نسخها في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وثمانمائة". وبإزاء ذلك في الحاشية بخط المصنف: "بلغ صاحبه قراءة عليَّ، كتبه ابن حجر". وعلى آخر النسخة تحت هذا في الطرف الأيسر من أسفل الصفحة بلاغ قراءة النسخة إلى آخرها على الشيخ عبد القادر الصّفوري سنة ١٠٧٧ هـ، وبجانبه إلى اليمين: "وقف على طلبة العلم مؤرخ بسنة ١٢٣٦ هـ". (والكتابة غير واضحة لي). وابن الأخصاصي المذكور، هو الفقيه المحدث شهاب الدين أحمد بن محمد ابن محمد الدمشقي الشافعي، ويعرف بابن الأخصاصي، ولد سنة ٨١٨ هـ بدمشق ونشأ فيها، وقرأ الفقه على العلماء وسمع الحديث على ابن ناصر الدين. قال السخاوي: ((ارتحل فقرأ على شيخنا شرح النخبة له بَحثاً، وأذِنَ له، وكتب بخطّه أشياء كالبخاري وشرحه لشيخنا. وسمعت من نظمه وفوائده، وكان الغالب عليه الخير والانجماع والتواضع والتودد والرغبة في الصالحين، مات سنة ٨٨٩ هـ بدمشق. له في الوعظِ"حادي الأسرار" في عشر مجلدات، وشرح أبي شجاع في الفقه)) (١). وهذا التعريف مهم يدلنا على أمور في غاية الأهمية، منها: _________ (١) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، للسخاوي، مختصراً، ٢/ ١٩٤، بيروت، نشر دار مكتبة الحياة، حاشية طبعة د. نور الدين عتر، ص ٢٣.

стр. 30

١ - أن ابن الأخصاصي كان من أهل العلم وخصوصاً الفقه والحديث، وهذا يجعل نسْخه في غاية الإتقان. ٢ - أنه كان من خواصِّ الحافظ ابن حجر، وأنه كان عمدةً عنده في النسخ حتى نسخ له شرح البخاري، أي: (فتح الباري). ٣ - الأهمية البالغة لنسخته مِن شرح النخبة، حتى ذكرها السخاوي وأنه قرأها على مؤلفها بحثاً، أَيْ: قراءةَ تدقيقٍ وشرحٍ لها، وذلك يوجب تدقيق المصنف لها كلمة كلمة. وهكذا جاءت هذه النسخة أُمّاً في الصحة والثبوت، تغني عن غيرها، وجعلناها الأصل في إثبات نصّ الكتاب، واكتفَيْنا بها عن غيرها من النسخ الصحيحة المتعددة التي وقفنا عليها، وصورنا جملة منها)) (١). عملي ومنهجي في تحقيق الكتاب: يتلخص عملي في تحقيق "النزهة" فيما يلي (٢): ١ - اعتمدتُ على النسخة المخطوطة، المحفوظة بالمكتبة الظاهرية بدمشق، (مكتبة الأسد الوطنية، حالياً أو في وقت كتابة هذه السطور) برقم ٤٨٩٥، المقروءة قراءةَ بحثٍ على مؤلفها، ﵀، المدقَّقة تدقيقاً لا مَزيد عليه. ٢ - نقلتُ الحواشي المثبتة على الأصل كلها، ما عدا ما لم يَظْهَر لي، أو لم _________ (١) مقدمة نور الدين عتر في تحقيقه لـ"نزهة النظر … "، ص ٢٢ - ٢٤. (٢) يُنظر، أيضاً، شيءٌ مما يتعلق بالمنهج فيما مضى في: المآخذ على طبعات النزهة وسبب توجُّهي لتحقيقها.

стр. 31

أستطع قراءته بسبب التصوير. ولم تُسْعِفني في قراءة هذه الحواشي طبعة عتر؛ لأنها لم تُذْكر فيها هذه الحواشي أصلاً، على الرغمِ مِن قُرْبه مِن الأصل، وإمكان قراءته لها بدون تصوير. وهذه الحواشي على نوعين: فبعضها مِن المؤلف-ابن حجر-في أثناء قراءة النسخة عليه، أو نقلاً مِن بعض كتبه، وهذه لم يَفتني إثباتُ شيءٍ منها. والبعض الآخَر حواشٍ توضيحية مِن بعض العلماء الذين قُرئتْ عليهم، وليست كلها في الأهمّيّة بدرجةٍ واحدةٍ، وهذه هي التي وافق أنّ بعضها لم يظهر لي في التصوير، وهو قليلٌ جدّاً، نحو أربع حواشٍ. ٣ - عُنِيتُ بقراءة النسخة قراءةً صحيحة، والتدقيق في ذلك غاية الجهد. ٤ - التزمتُ بالمحافظة على ما جاء في النسخة الخطيّة مِن ضبطٍ لعددٍ كبيرٍ من الكلمات؛ إذْ لم أتْرك شيئاً مِن ذلك الضبط بالحركات، واعتبرته مِن قبيل أمانة الاعتماد على الأصل، وروايته كما هو. ٥ - عُنِيتُ بضبط الكلمات التي ينبغي ضبطها، إضافةً إلى الضبط الوارد في المخطوطة الأصل. ٦ - عُنِيتُ بعلامات الترقيم، وتفقير النص إلى فِقْرات بحسب التقسيمات الكثيرة في الكتاب، وما يقتضيه هذا الأمر لتوضيح المعنى، وتسهيل قراءته، وفهمه، وحفظه. ٧ - رَقّمْتُ الأقسام والأنواع المعرَّفة في الكتاب بأرقام متسلسلة لكل فئةٍ مِن هذه المعدودات. ٨ - عَلَّقتُ على الكتاب في الحواشي، بحسب الحاجة في نظري؛ وذلك

стр. 32

لأحدِ الأغراض التالية: - إمّا لإثبات اختلافٍ في اللفظة. - أو بيان خطأٍ. - أو توضيحٍ. - أو تعليقٍ. - أو استدراك. ٩ - التزمت بإخراج نصّ "النزهة" كما هو بحسَبِ الأصل المعتمَد (نسخة الظاهرية)، ولم أَخْرجْ عن ذلك إلا في بعض المواضع التي تبيَّن لي فيها خطأُ الأصل، ونبَّهْتُ في الحواشي على ما رأيتُه مِن صوابٍ على خلاف ما جاء في الأصل في المواضع التي ظهر لي فيها ذلك. ١٠ - ولم أُشر إلى فوارق النسخ الخطِّية الأخرى، على الرغم من أني كنت قد قابلت الكتاب على ثلاث نسخٍ خطية، وأثبتُّ الفوارق فيما بينها، ثم رأيت صرْف النظر عن هذا؛ وذلك لِمَا يأتي: أولاً: لِمَا رأيته مِن كثرة الخلاف فيما بينها، وكثرة الأخطاء الواضحة، التي لا قيمة لها، ولا داعي لإشغال القارئ بها، وتطويل الحواشي بها، وصرْف القارئ أو دارس الكتاب عن نصّ الكتاب الأصلي. ثانياً: لوصول صورةٍ مِن النسخة الخطية الأصل إليّ، ومعرفة قيمتها العلمية، وتدقيقها على يد المؤلف ابن حجر، ﵀، وقراءتها عليه قراءةَ بحث. ١١ - أَضفتُ العناوين في مواضعها المناسبة مميزةً بين حاصرتين، هكذا: []، مهما كَثُرَتْ؛ لِمَا في هذا مِن تسهيلٍ وتوضيح. وقد اخترت هذه العناوين مِن بين العناوين الواردة في: "تسهيل شرح نخبة الفِكَر"، لمحمد أنور البدخشاني، وعناوين طبعة نور الدين عتر، أو عناوين مِن عندي. ١٢ - عملتُ فهرساً تفصيليّاً بموضوعات الكتاب، ليساعد الدارس والقارئ

стр. 33

على الرجوع للموضوع الذي يريده بيسر. ومِن ذلك فهرسٌ على حروف الهجاء للمصطلحات الواردة في الكتاب. ١٣ - اعتمدتُ في الترجمة للأعلام في الحاشية، على حواشي التراجم للأعلام من طبعة د. نور الدين عتر للنزهة الطبعة الثانية؛ فعنه نقلتُ الترجمة للأعلام، مع الاختصار والتصرف فيها في الأغلب، وقد أخرجُ عن هذا النقل في النادر؛ واعتمدتُ عليها لإيجازها ووفائها بالمقصود؛ ولستُ مع الاتجاه الذي يُعْنى بإثقال الكتاب بحواشي التراجم الطويلة، التي قد تَخرُجُ بالكتاب عن الأصل مِن غَرَضه، وإنما سلكتُ هذا المسلك للإيضاح المختصر. كما أنني نقلت حواشٍ قليلةً عن عتر، وعزوتها إليه. وختاماً: أقول: الله يَعلم كم قضيت مِن السنوات والأوقات بصحبة "نزهة النظر"؛ أَرْجع إليها، وأُراجعها ما بين فترةٍ وأُخرى، وكم قضيتُ مِن الوقت، وكم بذلتُ مِن الجهد في المقابلة، والتصحيح، والتوضيح؛ حتى أَخرجتُها -بفضل الله أوّلاً وآخراً- بهذه الصورة التي آمل أن تكون في غاية الصحة والوضوح والتحقيق. ولست أَزعم كمال العمل، ولا براءته مِن النقص والخطأ، إذْ لم يَزَل عملُ الإنسان يعتريه ذلك، مهما كان التدقيق والاجتهاد، لاسيما في مثل هذه الأعمال العلمية. ولقد كان مِن نتائج هذه الصحبة للنزهة أنني كلما مرّت الأيام ازددتُ قناعةً بهذه الرسالة النفيسة الفريدة، وأيقنتُ أنّ غيرها مِن المؤلفات في علوم الحديث لا يُغْني عنها، وكان هذا هو السبب الأساس في توجُّهي إلى تحقيقها

стр. 34

وإخراجها بهذه الصورة. وفي فترةٍ مِن فتراتِ العملِ في النزهة تَجدَّد عندي رأيٌ، يتلخّص في فكرةِ إخراج الكتاب في صياغةٍ جديدةٍ تختلف عن صياغة المؤلف؛ بحيث تكون صياغةً ميسَّرةً سهلة على الدارسين المعاصرين، على وَفْق خطّةٍ عندي؛ وذلك لصعوبةِ أُسلوب الكتاب عليهم؛ لبعدهم عن أساليب العلماء المتقدمين -زمناً وعِلْماً وأُسلوباً- ولكثرة التقسيمات والتعريفات والتَّداخُلات في الكتاب. لكن رأيتُ تأجيل الفكرة، وتعجيل النزهة. ثم إنْ بقي في الأجل فسحةٌ، وأراد الله، ﷻ ، نشرتُها في الصياغة الجديدة في طبعةٍ أُخرى، إلى جانب المحافظة على عبارات المؤلف فيها، رحمه الله تعالى. وقبل أنْ أضع القلم لابدّ أنْ أَشكر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية على تفضّله عليَّ بتصوير المخطوطة، كما أشكر الأخ العزيز المهندس الأستاذ محمد بن ناصر بن محمود على ما يبذله مِن جهودٍ أخوية، كما أشكر الأخ العزيز الأستاذ عبد الله المحمدي على قراءته لتجربة الطبع، كما أشكر ابني معاذاً على مساعدتي في بعض المراجعة. أسأل الله أن يجزيهم جميعاً خير الجزاء. وختاماً: أسأله تعالى أن يتقبل هذا الجهد، وهذه الرسالة في هذه الطبعة، وأن يكتب لها القبول عند عباده، كحالها لَمَّا كانت بخطِّ مؤلفها. والحمد لله أوّلاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وسرّاً وجهراً، وصلى الله وسلم على سيّد ولد آدم وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 35

نماذج مصوَّرة مِن النسخة الأصل صورة صفحة العنوان مِن الأصل

стр. 36

صورة الصفحة الأُولى مِن الأصل

стр. 37

صورة الصفحة قبل الأخيرة مِن الأصل

стр. 38

صورة الصفحة الأخيرة مِن الأصل

стр. 39

نُزْهَةُ النَّظَرِ فِي تَوضِيحِ نُخْبَةِ الْفِكَرِ فِي مُصْطَلَحِ أَهْلِ الأَثَرِ للإمام الحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني ٧٧٣ - ٨٥٢ هـ رحمه الله تعالى طبعة مصحَّحة ومنقحة ومزيدة تحقيق وتعليق أ. د. عبد الله بن ضيف الله الرحيلي أستاذ في الحديث وعلومه، عضو هيئة التدريس بجامعة طيبة بالمدينة المنورة سابقًا

стр. 40

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة الرُّحْلَةُ (١)، شيخ الإسلام، علَمُ الأعلام، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني، الشهير بابن حجر، الشافعي، فسَح الله في مُدّته (٢)، وأعاد على المسلمين مِن بركته: [مقدّمة المؤلف] الحمد لله الذي لم يزل عالماً (٣) قديراً، حياً قيوماً سميعاً بصيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأُكَبِّرُه تكبيراً، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس كافة (٤) بشيراً ونذيراً، وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. [المؤلفون في مصطلح الحديث ومؤلفاتهم] أما بعد: فإنّ التصانيف في اصطلاح أهل الحديث، قد كثرت للأئمة في القديم والحديث. فمِن أوّلِ مَن صَنَّفَ في ذلك (٥):
следующие страницы →